← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

تنبيه: يحسن في هذا المقام إيراد عقيدة السلف الكرام في مسألة الكلام فإنها من أعظم مسائل الدين، وقد تحيرت فيها آراء أهل الأهواء من المتقدمين والمتأخرين، واضطربت فيها الأقوال، وكثرت بسببها الأهواء، وأثارت فتنًا وجلبت محنًا، وكم سجنت إمامًا، وبكت أقوامًا، وتشعبت فيها المذاهب، واختلفت فيها المشارب، ولم يثبت إلا قول أهل السنة والجماعة، المقتفون (١) لأثر الرسول ﷺ وصحابته الكرام، فنقول: قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية عليه رحمة الرحيم السلام في كتابه إلى جماعة العارف عدي بن مسافر ما نصه: فصل ومن ذلك الاقتصاد في السنة واتباعها كما جاءت بلا زيادة ولا نقصان، مثل الكلام في القرآن وسائر الصفات، فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة: أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، هكذا قال غير واحد من السلف، روي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار - وكان من التابعين الأعيان -، قال: ما زلت أسمع الناس يقولون ذلك، القرآن الذي أنزله الله على رسوله هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون، ويكتبونه في مصاحفهم، وهو كلام الله لا كلام غيره، وإن تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم، فإن الكلام لمن قاله مبتدئًا، لا لمن قاله مبلغًا مؤديًا، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وهو القرآن في المصاحف، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]. وقال تعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٢ - ٣]، وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨]، والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه، كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام الله، وإعراب الحروف هو من تمام الحروف، كما قال النبي ﷺ : «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات (٢)، وقال أبو بكر وعمر: حفظ إعراب القرآن أحب

стр. 1892

إلينا من حفظ بعض حروفه» (١). ثم قال ﵀: «والتصديق بما ثبت عن النبي ﷺ أن الله يتكلم بصوت (٢) وينادي آدم ﵇ بصوت (٣)، إلى أمثال ذلك من الأحاديث (٤)، فهذه الجملة كان عليها سلف الأمة وأئمة السنة، وقال أئمة السنة: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، حيث تلي، وحيث كتب، فلا يقال لتلاوة العبد بالقرآن: إنها مخلوقة (٥)؛ لأن ذلك يدخل فيه القرآن المنزل، ولا يقال: غير مخلوقة؛ لأن ذلك يدخل فيه أفعال العباد، ولم يقل قط أحد من أئمة السلف: إن أصوات العباد بالقرآن قديمة، وبه أنكروا على من قال: «لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق» وأما من قال: إن المداد قديم - فهذا من أجهل الناس وأبعدهم عن السنة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]، فأخبر أن المداد يكتب به كلماته، وكذلك من قال: «ليس القرآن في المصحف، وإنما في المصحف مداد وورق وحكاية وعبارة». فهو مبتدع ضال، بل القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ هو ما بين الدفتين، والكلام في المصحف على الوجه الذي يعرفه الناس، له خاصة يمتاز بها عن سائر الأشياء.

стр. 1893

وكذلك من زاد على السنة، فقال: إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة، فهو مبتدع ضال، كمن قال: إن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت، فإنه أيضًا مبتدع منكر للسنة، وكذلك من زاد وقال: إن المداد قديم - فهو ضال، كمن قال: ليس في المصاحف كلام الله، وأما من زاد على ذلك من الجهال الذين يقولون: إن الورق والجلد والوتد وقطعة من الحائط كلام الله، فهو بمنزلة من يقول: ما تكلم الله بالقرآن ولا هو كلامه، هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل التكذيب من جانب النفي، وكلاهما خارج عن (١) السنة والجماعة. وكذلك إفراد الكلام في النقطة والشكلة (٢) بدعة، نفيًا وإثباتًا، وإنما حدثت هذه البدعة من مائة سنة أو أكثر بقليل، فإن من قال: إن المداد الذي تنقط به الحروف وتشكل به قديم، فهو ضال جاهل. ومن قال: إن إعراب حروف القرآن ليس من القرآن فهو ضال مبتدع، بل الواجب أن يقال: هذا القرآن العربي هو كلام الله، وقد دخل في ذلك حروفه وإعرابه (٣)، كما دخلت معانيه، ويقال: وما بين اللوحين جميعه كلام الله، فإن كان المصحف منقوطًا مشكولًا أطلق على ما بين اللوحين جميعه إنه كلام الله، وإن كان غير منقوط ولا مشكول، كالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة، كان أيضًا ما بين اللوحين هو كلام الله، فلا يجوز أن تلقى الفتنة بين المسلمين بأمر محدث ونزاع لفظي لا حقيقة له، ولا يجوز أن يحدث في الدين ما ليس منه» (٤). وسئل رحمه الله تعالى عن رجلين تباحثا فقال أحدهما: القرآن حروف وصوت (٥)، وقال الآخر: ليس ذلك من القرآن. فما الصواب في ذلك؟ فأجاب: «الحمد لله رب العالمين، هذه المسألة يتنازع فيها كثير من الناس، ويخلطون الحق بالباطل، فالذي قال: إن القرآن حرف وصوت، إن (٦) أراد بذلك.

стр. 1894

أن هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون (١) هو كلام الله، الذي نزل به الروح الأمين على محمد خاتم النبيين والمرسلين، وأن جبرائيل سمعه من الله، والنبي ﷺ سمعه من جبرائيل، والمسلمون سمعوه من النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وقال: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤] فقد أصاب في ذلك. فإن هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها، والدلائل على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع، ومن قال: إن القرآن العربي لم يتكلم الله به وإنما هو كلام جبرائيل أو غيره، عبر به عن المعنى القائم بذات الله، كما يقول ذلك ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما، فهو قول باطل من وجوه كثيرة، فإن هؤلاء يقولون: إنه معنى واحد قائم بالذات، وإن معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحد، وإنه لا يتعدد ولا يتبعض، وإنه إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وبالعبرانية كان توراة، وبالسريانية كان إنجيلًا، فيجعلون معنى آية الكرسي، وآية الدين، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، والتوراة والإنجيل وغيرهما معنى واحدًا، وهذا قول فاسد بالعقل والشرع، وهو قول أحدثه ابن كلاب لم يسبقه إليه غيره من السلف، وإن أراد قائل بالحرف والصوت، أن الأصوات المسموعة من القرآن (٢)، والمداد الذي في المصاحف قديم أزلي أخطأ وابتدع، وقال ما يخالف العقل والشرع، فإن النبي ﷺ قال: «زينوا القرآن بأصواتكم» (٣). فبين أن الصوت صوت القارئ والكلام كلام البارئ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فالقرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله لا كلام غيره، كما ذكر الله ذلك. وفي «السنن» عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ كان يعرض نفسه على الناس في الموقف فقال: «ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» (٤). وقالوا لأبي بكر الصديق لما قرأ عليهم: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١، ٢] هذا كلامك أم كلام صاحبك؟ فقال: «ليس بكلامي ولا كلام صاحبي،

стр. 1895

ولكنه كلام الله تعالى (١). والناس إذا بلغوا كلام النبي ﷺ ، كقوله: «إنما الأعمال بالنيات» (٢) يعلمون أن الحديث الذي يسمعونه حديث النبي ﷺ تكلم به بصوته وبحروفه ومعانيه، والمحدث بلغه عنه بصوت نفسه لا بصوت النبي ﷺ ، فالقرآن أولى أن يكون كلام الله، إذ بلغته الرسل عنه، وقرأه الناس بأصواتهم، والله تكلم بالقرآن، بحروفه ومعانيه بصوت نفسه، ونادى موسى بصوت نفسه، كما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف، وصوت العبد ليس هو صوت الرب، ولا مثل صوته، فإن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وقد نص أئمة الإسلام أحمد ومن قبله من الأئمة، على ما نطق به الكتاب والسنة: من أن الله ينادي بصوت، وأن القرآن كلامه، تكلم بحرف (٣) وصوت، ليس منه شيء كلامًا لغيره لا جبرائيل ولا غيره، وأن العباد يقولونه بأصوات أنفسهم وأفعالهم، فالصوت المسموع من العبد صوت القارئ والكلام كلام البارئ، وكثير من (٤) الخائضين في هذه المسألة لا يميز بين صوت العبد وصوت الرب، بل يجعل هذا هو هذا، فينفيهما جميعًا ويثبتهما جميعًا، فإذا نفى الحرف والصوت، نفى أن يكون القرآن العربي كلام الله، وأن يكون مناديًا لعباده بصوته، وأن يكون القرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله، كما نفى أن يكون صوت العبد صفة الله، ثم جعل كلام الله المتنوع شيئًا واحدًا، لا فرق بين القديم والحادث وهذا مصيب في هذا الفرق دون ذلك (٥). الثاني، الذي فيه نوع من الإلحاد والتعطيل؛ حيث جعل كلام الله المتنوع شيئًا واحدًا لا حقيقة له عند التحقيق، وإذا أثبت جعل صوت الرب هو صوت العبد أو سكت عن التمييز بينهما، مع قوله: إن الحروف متعاقبة في الوجود مقترنة في الذات، قديمة أزلية الأعيان. فجعل عين صفة الرب تحل في العبد، ويتحد بصفته فقال في نوع من الحلول

стр. 1896

والاتحاد، يفضي إلى نوع من التعطيل، وقد علم أن نفي الفرق والمباينة بين الخالق وصفاته، والمخلوق وصفاته خطأ وضلال لم يذهب إليه أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هم متفقون على التمييز بين صوت الرب وصوت العبد، ومتفقون [على] أن الله تكلم بالقرآن الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ حروفه ومعانيه، وأنه ينادي عباده بصوته، ومتفقون على أن الأصوات المسموعة من القرآن أصوات العباد، وعلى أن مداد المصاحف ليس قديما (١)، بل القرآن مكتوب في مصاحف المسلمين، مقروء بألسنتهم، محفوظ بقلوبهم، وهو كلام الله. والصحابة كتبوا المصاحف لما كتبوها بغير شكل ولا نقط؛ لأنهم كانوا عربا لا يلحنون، ثم لما حدث اللحن نقط الناس المصاحف وشكلوها، فإن كتبت بلا شكل ولا نقط جاز، وإن كتبت بنقط وشكل جاز، ولم يكره، في أظهر قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وحكم النقط والشكل حكم الحروف فإن الشكل يبين إعراب القرآن، كما يبين النقط الحروف، والمداد الذي يكتب به الحروف، ويكتب به الشكل والنقط، مخلوق. وكلام الله العربي الذي أنزله وكتب في المصاحف بالشكل والنقط، وبغير شكل ونقط، ليس بمخلوق، وحكم الإعراب حكم الحروف، لكن الإعراب لا يستقل بنفسه، بل هو تابع للحروف المنقوطة، والشكل والنقط لا يستقل بنفسه، بل هو تابع للحروف المرسومة، فلهذا لا يحتاج لتجريدهما وإفرادهما بالكلام، بل القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله، معانيه وحروفه وإعرابه، والله تكلم بالقرآن العربي الذي أنزله على محمد ﷺ والناس يقرؤونه بأفواههم (٢) وأصواتهم، والمكتوب في مصاحف المسلمين هو كلام الله، وهو القرآن العربي الذي أنزله على نبيه؛ سواء كتب بشكل ونقط، أو بغير شكل ونقط، والمداد الذي كتب به القرآن ليس بقديم بل هو مخلوق. والقرآن الذي كتب في المصحف بالمداد هو كلام الله منزل، غير مخلوق، والمصاحف يجب احترامها باتفاق المسلمين؛ لأن كلام الله مكتوب فيها،

стр. 1897

واحترام النقط والشكل، إذا كتب في المصاحف مشكلًا منقوطًا، كاحترام الحروف باتفاق علماء المسلمين، كما أن حرمة إعراب القرآن كحرمة حروفه المنقوطة باتفاق المسلمين، ولهذا قال أبو بكر وعمر: «حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه» (١). والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه فجميعه كلام الله، فلا يقال: بعضه كلام الله وبعضه ليس بكلام الله، وهو سبحانه نادى موسى بصوت سمعه موسى، فإنه أخبر أنه نادى موسى في غير موضع من القرآن، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٥ - ١٦]، والنداء لا يكون إلا صوتًا باتفاق أهل اللغة، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣، ١٦٤]. فقد فرق الله بين إيحائه إلى النبيين وبين تكليمه لموسى، فمن قال: «إن موسى لم يسمع صوتًا، بل ألهم معناه - لم يفرق بين موسى وغيره» (٢) اهـ. المقصود نقله منه. قال الإمام عبد العزيز بن يحيى بن مسلم الكناني في كتاب «الحيدة» حين ناظر بشرًا المريسي ومن معه من المبتدعة القائلين بخلق القرآن: «وناديت بأعلى صوتي مخاطبًا لابني وكنت قد أقمته بحيالي عند الأسطوانة الأخرى، وقلت: يا بني ما تقول في القرآن؟ فقال: أي أبت! كلام الله منزل غير مخلوق، فلما سمع الناس مقالتي وكلامي لابني وجوابه لي هربوا على وجوههم خارجين من المسجد إلا اليسير من الناس خوفًا على أنفسهم، وذلك أنهم سمعوا ما لم يكونوا يسمعونه من قبل، وظهر لهم ما كانوا يكتمونه، فلم يستتم من ابني الجواب حتى جاء أصحاب السلطان، فاحتملوني وابني، فأوقفونا بين يدي عمرو بن مسعدة، وكان جاء (٣) ليصلي الجمعة، فلما نظر إلى وجهي، وكان قد سمع كلامي

стр. 1898

ومسألتني لابني وجواب ابني إياي، فلم يحتج أن يسألني عن كلامي. فقال لي: أمجنون أنت؟ قلت: لا، قال: فموسوس أنت؟ قلت: لا، قال: فمعتوه أنت؟ قلت: لا، والحمد لله وإني لصحيح العقل جيد الفهم ثابت المعرفة، قال: فمظلوم أنت؟ قلت: لا، فقال لأصحابه: مروا بهما سحبًا إلى منزلي. قال عبد العزيز: فحملنا على أيدي الرجال حتى أخرجنا من المسجد الجامع، ثم جعل الرجال يتعادون بنا سحبًا شديدًا وأيدينا في أيديهم يمنة ويسرة، وسائر أصحابه قدامنا وخلفنا، حتى صرنا إلى منزل عمرو بن مسعدة من الجانب الغربي على تلك الحالة الغليظة، فأوقفنا على بابه، حتى دخل، فأمر بنا فأدخلنا عليه وهو جالس في صحن داره على كرسي من حديد، فلما صرنا بين يديه أقبل علي فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل مكة، قال: ما حملك على ما صنعت بنفسك؟ قلت: طلبت القربة إلى الله ورجاء الزلفة لديه، قال: فهلا فعلت ذلك سرًا من غير نداء ولا إظهار المخالفة لأمير المؤمنين؟ ولكن أردت الشهرة والرياء والسوء ولتأخذ أموال الناس. فقلت: ما أردت إلا الوصول إلى أمير المؤمنين والمناظرة بين يديه لا غير ذلك؟ قال: أو تفعل ذلك؟ قلت: نعم، ولذلك قصدتُ وبلغت بنفسي ما ترى، وتغريري بنفسي، وسلوك البراري أنا وولدي رجاء تأدية حق الله فيما استودعني من العلم والفهم في كتابه، وما أخذه علي وعلى العلماء من البيان. فقال: إن كنتَ إنما جعلت هذا سببًا لغيره إذا وصلت إلى أمير المؤمنين، فقد حلّ دمك لمخالفتك أمير المؤمنين، فقلت له: إن تكلمت في شيء غير هذا وجعلت هذا ذريعة إلى غيره فدمي حلال لأمير المؤمنين. فوثب عمرو قائمًا على رجليه، وقال: أخرجوه بين يدي (١)، فأخرجت بين يديه، وركب من الجانب الغربي وأنا وابني بين يديه يعدى بنا على وجوهنا وأيدينا في أيدي الرجال، حتى صاروا إلى دار أمير المؤمنين من الجانب الشرقي، فدخل ونحن في الدهليز قيامًا على أرجلنا فأطال عند أمير المؤمنين، ثم خرج وقعد في حجرة له، وأمر بي فأدخلت عليه، فقال: أخبرتُ أمير المؤمنين بخبرك، وما فعلت، وما سألت من

стр. 1899

الجمع بينك وبين مخالفيك للمناظرة بين يديه، وقد أمر - أطال الله بقاءه، وأعلى أمره - بإجابتك إلى ما سألت، وجمع المناظرين على هذه المقالة إلى مجلسه أعلاه الله في يوم الاثنين الأدنى (١). ويحضر معهم ليناظروا بين يديه ويكون هو الحاكم بينكم. قال عبد العزيز: فأكثرتُ حمد الله وشكره على ذلك، وأظهرت الدعاء والشكر لأمير المؤمنين، فقال (٢) عمرو: أعطنا كفيلًا بنفسك حتى تحضر معهم يوم الاثنين، وليس بنا حاجة إلى حبسك. فقلت له: أدام الله عزك أنا رجل غريب ولست أعرف في هذا البلد أحدًا، ولا يعرفني من أهلها أحد، فمن أين لي من يكفلني؟ خاصة مع إظهاري مقالتي، لو كان الخلق يعرفونني حق معرفتي لتبرؤوا مني، وهربوا من قربي وأنكروني، قال: فنوكل بك من يكون معك حتى يحضرك في ذلك اليوم وتنصرف فتصلح من شأنك، وتتفكر في أمرك، لعلك أن ترجع عن غيك، وتتوب من فعلك، فيصفح أمير المؤمنين عنك. فقلت: ذلك إليك - أعزك الله - فافعل ما رأيت فوكل من يكون معي في منزلي وانصرف، قال عبد العزيز: فلما صليت الغداة في يوم الاثنين في المسجد الذي على باب بيتي، إذا خليفة عمرو بن مسعدة قد جاءني، ومعه جمع كثير من الفرسان والرجال فحملني مكرمًا على دابة حتى صار بي إلى دار أمير المؤمنين، فأوقفني هناك حتى جاء عمرو بن مسعدة، فجلس في حجرته التي كان يجلس فيها، ثم أذن لي بالدخول، فدخلت، فلما صرت بين يديه أجلسني، ثم قال: أنت مقيم على ما كنت عليه أم رجعت عنه؟ قلتُ: بل مقيم على ما كنت عليه، وقد ازددت - بتوفيق الله - بصيرة ورُشْدًا. فقال عمرو: يا أيها الرجل قد حملت نفسك على أمر عظيم، وبلغت الغاية في مكروهها، وتعرضت لما لا قوام لك به من مخالفة أمير المؤمنين، وادعيت ما لا يثبت لك به حجة على مخالفيك، وليس إلا السيف بعد ظهور الحجة عليك، فانظر لنفسك، وبادر أمرك قبل أن تقع المناظرة، وتظهر عليك الحجة فلا ينفعك الندامة ولا يقبل لك معذرة، ولا يُقالُ لك عثرة، فقد رحمتُكَ وأشفقتُ عليك مما هو بك نازل، وأنا أستقيل لك أمير المؤمنين وأسأله الصفح عن رجمك وعظيم ما كان منك إن أظهرت الرجوع

стр. 1900

عنه، والندم على ما كان منك، وآخذ لك الأمان منه - أيده الله - والجائزة، وإن كان بك مظلمة؛ أزلتها عنك، وإن كان لك حاجة؛ قضيتها لك، فإنما جلست رحمة لك مما هو نازل بك بعد ساعة إن أقمت على ما أنت عليه، ورجوت أن يخلصك الله على يدي من عظيم ما أوقعت نفسك به. فقلت: ما ندمت - أعزك الله - على ما كان مني، ولا رجعت عنه، ولا خرجت من بلدي، وغررت بنفسي إلا في طلب هذا اليوم، وهذا المجلس؛ رجاء أن يبلغني الله ما أؤمله من إقامة الحق، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وهو حسبي، ونعم الوكيل. قال عبد العزيز رحمه الله تعالى: فقام عمرو بن مسعدة على رجليه، وقال: قد حرصت على خلاصك جهدي وأنت حريص على سفك دمك، وقتل نفسك، فقلت: معونة الله ﵎ أعظم وألطف من أن ينساني الله، أو يكلني إلى نفسي، وعدل أمير المؤمنين أوسع من أن يقصر عني، وإنما أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال عبد العزيز رحمه الله تعالى: فقام عمرو بن مسعدة فدخل بي، فأخرجت إلى الدهليز الأول، ومعي جماعة موكلون بي، وكان قد أمر بني هاشم أن يركبوا ووجه إلى القضاة والفقهاء الموافقين لهم على مذهبهم وسائر المتكلمين والمناظرين أن يحضروا، والقواد والأولياء، فركب القوم بالسلاح؛ ليرهبوني بذلك، ويرهبوا الرعية، وأمر الناس جميعا أن لا ينصرفوا حتى نفرغ من المجلس، فلما اجتمع الناس وتتاموا (١)، ولم يتخلف منهم أحد ممن يعرفونه بالكلام والجدل، أذن لي بالدخول، فلم أزل أنقل من دهليز إلى دهليز، حتى صرت إلى الحاجب صاحب الستر الذي على باب الصحن، فلما رآني أمر بي فأدخلت إلى حجرته، ودخل معي. فقال: إن كنت تحتاج إلى تجديد الوضوء، قلت: مالي إلى ذلك حاجة. قال: اركع ركعتين، فركعت أربع ركعات، ودعوت الله ، ثم قال لي: استخر الله وقم فادخل، وخرج معي إلى باب الصحن وشال الستر، وأخذ الرجال بيدي وعضدي وجعل أقوام أيديهم في ظهري وعلى رقبتي وجعلوا يتعادون بي،

стр. 1901

ونظر إلي المأمون، وأنا أسمع صوتًا: خلوا عنه، وكثر الضجيج من الحجاب والقواد بمثل ذلك، فخلوا عني، وقد كاد يتغير عقلي من شدة الجزع وعظيم ما رأيت في ذلك الصحن من السلاح، وهم ملء الصحن، وكنت قليل الخبرة بدار أمير المؤمنين، ما رأيتُها قبل ذلك ولا دخلتها، فلما صرت على باب الإيوان، وقفت فسمعت المأمون يقول: أدخلوه، قربوه، فلما دخلت من باب الإيوان وقعت عيني عليه، وقبل ذلك لم أنتبه لما كان على باب الإيوان من الحجاب والقواد، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ثم قال: أُدنُ مني، فدنوت منه، ثم جعل يقول: أُدْنُ مني، فدنوت منه، ثم جعل يقول: أُدنُ وأدنو، ويكرر ذلك، وأنا أدنو خطوة خطوة، حتى صرت إلى الموضع الذي يجلس فيه المتناظرون ويسمع كلامهم، والحاجب معي يقدّمني، فلما انتهيتُ إلى الموضع، قال لي المأمون: اجلس فجلست. قال عبد العزيز: وسمعت رجلًا من جلسائه يقول: وقد دخلت الإيوان يا أمير المؤمنين يكفيك من كلام هذا قبح وجهه، فوالله ما رأيتُ خلقًا لله أقبح وجهًا منه، فسمعت قوله هذا وفهمته، وما رأيت شخصًا على ما كنتُ فيه من الجزع والرعدة. قال عبد العزيز: وتبين لأمير المؤمنين ما أنا فيه من الجزع، وما قد نزل بي من الخوف، فجعل ينظر إليَّ وأنا ارتعد خوفًا، وانتفض، وأحبّ أن يؤنسني، ويسكن روعتي، فجعل يكثر كلام جلسائه، ويكلم عمرو بن مسعدة، ويتكلم بأشياء كثيرة مما لا يحتاج إليها، يريد بذلك كله إيناسي، وجعل يطيل النظر إلى الإيوان، ويدير نظره فيه، فوقعت عيناه على موضع من نقش الجص قد انتفخ، فقال: يا عمرو ما ترى هذا انتفخ من هذا النقش في هذا الجص، وسيقع، فبادر في قلعه وعمله، فقال عمرو: قطع الله يد صانعه، فإنه قد استحق العقوبة على عمله هذا. قال عبد العزيز: ثم أقبل عليَّ المأمون، فقال: ما الاسم؟ فقلت: عبد العزيز قال: ابن من؟ قلت: ابن يحيى بن مسلم، قال: ابن من؟ قلت: ابن ميمون الكناني، قال: أو أنت من كِنانة؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فتركني

стр. 1902

هنيهة لا يكلمني (١)، [ثم أقبل عليّ] (١) فقال: من أين الرجل؟ قلت: من الحجاز. قال: ومن أي الحجاز؟ قلت: من مكة، قال: ومن تعرف من أهل مكة؟ قلت: يا أمير المؤمنين قلَّ مَنْ بها من أهلها إلا وأنا أعرف إلا رجلًا ضَوَى إليها، أو من جاور بها، فإني لا أعرفه، قال: تعرف فلانًا وفلانًا. حتى عدد جماعة من بني هاشم كلهم أعرفهم حقَّ المعرفة، فجعلت أقول: نعم. وسألني عن أولادهم وأنسابهم، فأخبرته من غير حاجة إلى شيء من ذلك، ولا تقدم من مسألتي، وإنما يريد إيناسي وبسطي للكلام وتسكين روعي (٢) وجزعي، فذهب عني ما كنت فيه، وما لحقني من الجزع، وجاءت المعونة من الله ، قَوَّى (٣) بها ظهري، واشتد بها قلبي، واجتمع بها فهمي. قال عبد العزيز رحمه الله تعالى: فأقبل عليَّ المأمون، وقال: يا عبد العزيز إنه قد اتصل بي ما كان منك وقيامك في المسجد الجامع، وقولك: إن القرآن كلام الله … إلخ بحضرة الخلق وعلى رؤوس الخلائق، وما كان من مسألتك بذلك من الجمع بينك وبين مخالفيك على القول؛ لتناظرهم في حضرتي، وفي مجلسي، والاستماع منك ومنهم، وقد جمعت المخالفين لك؛ لتناظرهم بين يدي وأكون الحاكم بينكم، فإن تبين لك الحجة عليهم، والحق معك اتبعناك، وإن تكن الحجة لهم عليك، والحق معهم عافيناك (٤)، وإن استَقَلْتَ أَقَلْنَاكَ، ثم أقبل المأمون على بشر المريسي، وقال: يا بشر! قُم إلى عبد العزيز فناظره وأنصفه، قال: فوثب بشر المريسي من موضعه الذي كان فيه كالأسد يثب إلى فريسة فرحًا، فانحط عليَّ، فوضع ركبته وفخذه الأيسر على فخذي الأيمن فكاد أن يحطمه، وعمد إليَّ بقوته كلها، فقلت: مهلًا فإن أمير المؤمنين لم يأمرك بقتلي ولا بظلمي، وإنما أمرك بمناظرتي وإنصافي، فصاح به المأمون، وقال: تنحَّ عنه، وكرر ذلك عليه حتى باعده مني، قال: ثم أقبل عليَّ المأمون، وقال: يا عبد العزيز ناظره على ما تريد، واحتج عليه، ويحتج عليك، وتسأله ويسألك، وتناصفا في كلامكما، وتحفظا ألفاظكما، فإني مستمع عليكما فنحفظ ألفاظكما.

стр. 1903

فَقَالَ عبد الْعَزِيز: فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة لأَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَكِن أُرِيد أَنْ أَقُول شَيْئا فَيَأْذَن لي أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهِ، قَالَ: قل كَمَا تُرِيد، قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أسألك بِاللَّه من أجمل من بلغك من الْبشر، وأحسنهم وَجها من جَمِيع ولد آدم؟ قَالَ: يُوسُف بعد أَنْ أطرق مليًا، قلت: صَدَقت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَوَاللَّهِ مَا أعْطى يُوسُف على حسن وَجهه جرادتين (١)، وَلَقَدْ سجن وضيق عَلَيْهِ من أجل حسن وَجهه ظلمًا بِغَيْر حق، بعد أَنْ وقف على براءته (٢) وَإِقْرَار امْرَأَة الْعَزِيز أَنَّهَا هِيَ راودته عَنْ نَفسه؛ فاستعصم، فَحبس بعد ذَلِك كُله لحسن وَجهه، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يُوسُف: ٣٥]، فَدلَّ بِقَوْلِهِ على أَنه حبس بِغَيْر ذَنْب، لَكِن الْعلَّة حسن وَجهه، وليغيبوه عَنْهَا وَعَنْ غَيرهَا، رَجَاء تغير حلية وَجهه؛ وَليذهب بحسنه، فَطَالَ فِي السّجن مكثه حَتَّى عبر الرُّؤْيَا وَوقف الْملك على علمه وَمَعْرِفَته وَحسن عبارته، فاشتاق إِلَيْهِ، وَرغب فِي صحبته فَقَالَ: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يُوسُف: ٥٤]. وَكَانَ هَذَا القَوْل من المَلِك بعد تعبير يُوسُف الرُّؤْيَا ووقوف الْملك على حسن عبارته، وَكَمَا أخبر الله فِي كِتَابه قبل أَنْ يسمع كَلَامه، فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ وَسمع كَلَامه، صيره على خَزَائِن الأَرْض وفوضه إِلَيْهِ الْأُمُور كلهَا، واعتزل مِنْهَا وَصَار كَأَنَّهُ من تَحت يَده، فَكَانَ مَا بلغه يُوسُف كُله من كَلَامه وَعلمه لَا بجماله وَحسن وَجهه قَالَ الله ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يُوسُف: ٥٤، ٥٥]، وَلم يقل: إِنِّي حسن جميل، فَوَاللَّهِ مَا أبالي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو كَانَ وَجْهي أقبح مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ، فقد أعطَانِي الله وَله الْحَمد من فهم كِتَابه وَالْعِلم بتنزيله، فَقَالَ الْمَأْمُون: وَأَي شيء أردْت بِهَذَا القَوْل، وَمَا الَّذِي دَعَاك إِلَيْهِ؟. فَقلت: إِنِّي سمعتُ بعضَ مَنْ هُنَا يَقُول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يكفيك من كَلَام هَذَا قبح وَجهه، فَأَي عيب يلحقني فِي صنعة رَبِّي ؟ فتبسم الْمَأْمُون حَتَّى وضع يَده على فَمه، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد رَأَيْتُك تنظر هَذَا النَّقْش فِي الْحَائِط وتنكر انتفاخ الْجص، وَسمعت عمرًا يعيب الصَّانِع، وَلَا يعيب الْجص، فَقَالَ الْمَأْمُون: الْعَيْب لَا على الشَّيْء المصنوع، إِنَّمَا الْعَيْب على صانعه، فَقلت:

стр. 1904

صَدَقْتَ يَا أميرَ المؤمنينَ، وقلتَ الحَقَّ، فهذا يعيبُ ربي لم خَلَقَني قبيحًا، فازدادَ تبسُّمًا حتى ظَهَرَ ذلكَ، فقال: يا عبدَ العزيزِ ناظرْ صاحبَكَ، فقد طالَ المجلسُ بغيرِ مناظرةٍ، قلت: يا أميرَ المؤمنينَ كلُّ مناظرينَ على غيرِ أصلٍ يكونُ بينهما ما يرجعانِ إليه إذا اختلفا في شيءٍ من الفروعِ فهما كالسائرِ على غيرِ طريقٍ، وهو لا يعرفُ المحجةَ فيتبعها، ولا يعرفُ الموضعَ الذي يريدُ فيقصده، وهو لا يدري من أين جاء فيرجع فيطلب الطريق، وهو على ضلال ولكنا نُؤَصِّلُ (١) بيننا أصلًا، فإذا اختلفنا في شيءٍ من الفروعِ رَدَدْناهُ إلى الأصل، فإن وجدناهُ فيه، وإلا رمينا به ولم نلتفتْ إليهِ. قال المأمون: نِعْمَ ما قلتَ، فاذكرِ الأصلَ الذي تريدُ أن يكونَ بينكما، قلت: يا أميرَ المؤمنينَ الأصلُ بيني وبينه ما أمرنا اللهُ ، واختارهُ لنا، وأعلمناهُ وأدبنا به في التنازع والاختلافِ ولم يكلنا إلى غيره، ولا إلى أنفسنا واختيارنا؛ فنعجز قال المأمون: وهل ذلك موجود عن الله ؟ قلت: نعم! يا أمير المؤمنين، قال: فاذكر ذلك. قلت: قال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، فهذا تعليم من الله وتأديبهُ واختيارهُ لعباده المؤمنين ما أصله المتنازعون بينهم، وقد تنازعتُ أنا وبِشْرٌ يا أميرَ المؤمنين وبيننا كتابُ اللهِ وسنةُ نبيهِ محمد ﷺ كما أمر الله ، فإذا اختلفنا في شيءٍ من (٢) الفروع، رددناه إلى كتابِ اللهِ فإن وجدناه فيه، وإلا إلى سنةِ نبيهِ ﷺ فإن وجدناه فيها، وإلا ضربناه في الحائط ولم نلتفت إليه، قال المأمون: فافعلا وأصلا بينكما هذا، واتفقا عليه وأنا الشاهد عليكما، والحافظ لما يجري بينكما. قال عبد العزيز: قلت: يا أميرَ المؤمنين إنه من أَلْحَدَ في كتابِ اللهِ زائدًا أو جاحدًا لم يناظر بالتأويل ولا بالتفسير، قال المأمون: بأي شيءٍ تناظر؟ قلت: بنص القرآن بالتلاوة، قال اللهُ لنبيه ﷺ حين ادعت اليهود تحريم أشياء لم تحرم عليهم: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]،

стр. 1905

وقال الله لنبيه ﷺ : ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠]، وقال : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقال: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢]، فإنما أمر الله نبيه بالتلاوة، ولم يأمره بالتأويل وإنما يكون التأويل لمن آمن بالتنزيل، فأما من أَلْحَد بالتنزيل فيكف يناظر بالتأويل؟ فقال المأمون: ويخالفك بالتنزيل؟ قلت: نعم. ليخالفني أو ليدعن قوله ومذهبه وليوافقني، قال: فناظره بالتلاوة ونص التنزيل، قلت: نعم. قال عبد العزيز: فأقبلت على بشر، فقلت: يا بشر ما حجَّتُك أن القرآن مخلوق؟ فانظر إلى (١) أحد سهم من كنانتك فارمني به، ولا تحتج إلى معاودتي لغره (٢)؟ قال بشر: تقول يا عبد العزيز القرآن شيء أم غير شيء؟ فإن قلت: شيء فقد أقررت أنه مخلوق، إذ كانت الأشياء كلها مخلوقة بنص التنزيل، وإن قلت: إنه ليس بشيء. فقد كفرت، لأنك تزعم أن حُجَّةَ الله على خلقه ليس بشيء. قال عبد العزيز: فقلت لبشر: ما رأيت أعجب من هذا، أتسألني وتجيب نفسك، فإن تسألني لأجيبك فاسمع الجواب مني؛ فإني أحسن أن أجيبك، وأعبر عن نفسي، وإنْ تُرِدْ أن تخطب (٣) وتتكلم، لتدهشني وتنسيني حجتي؛ فلن أزداد بتوفيق الله إياي إلا بصيرة وفهمًا، وما أحسبك يا بشر إلا وقد تعلمت شيئًا أو سمعت هذه المقالة والتي قبلها أو قرأتها في كتاب فأنت تكره أن تقطعها حتى تأتي على آخرها، فأقبل عليه المأمون، وقال: صدق عبد العزيز اسمع منه جواب ما سألته، ثم رُدَّ عليه بعد ذلك ما شئت، ثم قال لي: تكلم فأجبه يا عبد العزيز لما سألك. فقلت لبشر: سألت عن القرآن: هو شيء أم غير شيء؟ فإن كنت تريد أنه شيء إثباتًا للوجود ونفيًا للعدم؛ فنعم هو شيء، وإن كنت تريد أن الشيء اسم له وأنه كالأشياء فلا، فقال بشر: ما أدري ما تقول ولا أفهمه ولا أعقله ولا أسمعه، ولا بد من جواب يعقل ويفهم أنه شيء أم غير شيء.

стр. 1906

قال: فقلت لبشر: صدقت إنك لا تفهم ولا تعقل ولا تسمع ما أقول، ولقد وصفت نفسك بأقبح الصفات، واخترت لها أذم الاختيارات، ولقد ذم الله قومًا في كتابه وعلى لسان نبيه قالوا مثل مقالتك، وكانوا بمثل ما وصفت به نفسك، قال الله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢، ٢٣] وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠] وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٦ - ١٨]، ومثل هذا في القرآن كثير، ولقد مدح الله قومًا في كتابه بحسن الاستماع وأثنى عليهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ الآية [الزمر: ١٨]، وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] الآية، وقال: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فما اخترت لنفسك ما اختاره الرسول، ولا ما اختاره المؤمنون، ولا ما اختاره أهل الكتاب، قال المأمون: دع عنك هذا يا عبد العزيز، وارجع إلى ما كنت فيه، وبين ما قلته واشرحه من ذكر (الشيء). فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله أجرى كلامه على ما أجراه على نفسه، إذ كان كلامه من ذاته ومن صفاته فلم يتسم بالشيء، ولم يجعل الشيء اسمًا من أسمائه، ولكنه دل على نفسه أنه شيء، وأنه أكبر الأشياء إثباتًا للوجود، ونفيًا للعدم، وتكذيبًا للزنادقة، ومن تقدمهم ممن جحد معرفته وأنكر ربوبيته من سائر الأمم، فقال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] فدل على نفسه أنه شيء لا كالأشياء، وأنزل في ذلك خبرًا خاصًا مفردًا؛ لعلمه السابق أن جهمًا وبشرًا ومن قال بقولهما سيلحدون في أسمائه وصفاته، ويشبهون علي خلقه، ويدخلونه وكلامه في الأشياء المخلوقة، فقال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فأخرج نفسه وكلامه وصفاته من الأشياء المخلوقة بهذا الخبر؛ تكذيبًا لمن ألحد في كتابه، وافترى عليه وشبهه بخلقه، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ثم عدد أسماءه في كتابه، ولم يتسم بالشيء، ولم يجعل الشيء اسمًا من أسمائه، قال النبي ﷺ : «إن الله تسعة

стр. 1907

وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة» (١). ثم عددها فلم نجده جعل الشيء اسمًا، فقلت كما قال الله وتأدبتُ كما أدبَّني الله متَّبعًا غير مبتدع. ثم ذكر جل ذكره كلامه كما ذكر نفسه ودلّه عليه مثل ما دل على نفسه، ليعلم الخلق أنه من ذاته، وأنه صفة من صفاته فقال : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١] فذم الله من نفى أن يكون كلامه الذي أنزله على رسوله شيئًا، وذلك أن رجلًا من المسلمين ناظر رجلًا من اليهود بالمدينة، فجعل المسلم يحتج على اليهودي من التوراة بما علم من صفة النبي ﷺ وذكر نبوته من التوراة، فضحك اليهودي وباهت فقال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ فأنزل الله (٢) تكذيبه وذم قوله، وأعظم فريته حين جحد أن يكون كلام الله شيئًا ليس كالأشياء، كما دل على نفسه أنه شيء وليس كالأشياء، وقال في موضع آخر: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣]، فدل بهذا الخبر أيضًا على أن الوحي شيء بالمعنى، وذم من جحد أن يكون كلامه شيئًا، فلما أظهر اسم كلامه لم يظهره باسم الشيء، فيلحد الملحدون في ذلك ويدخلونه في جملة الأشياء، ولكنه أظهره باسم الكتاب والنور والهدى، فقال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ فأظهره بأنه الكتاب والنور والهدى ولم يقل: (قل من أنزل الشيء الذي جاء به موسى) ويجعل اسمًا لكلامه، فكانت أسماء ظاهرة يعرف بها (٣)، كما سمى نفسه بأسماء ظاهرة يعرف بها فسمى كلامه: نورًا وهدى وشفاء ورحمة وحقًا وقرآنًا وفرقانًا، لعلمه السابق في جهم وبشر ومن يقول بقولهما أنهم سيلحدون في كلامه، ويدخلونه في الأشياء المخلوقة. فقال بشر: يا أمير المؤمنين قد أقرَّ عبد العزيز أن القرآن شيء، وادعى أنه ليس كالأشياء، وقلتُ أنا: إنه كالأشياء، فليأت بنص التنزيل كما أخذ على نفسه

стр. 1908

أنه ليس كالأشياء، وإلا فقد بطل ما ادعاه؛ وصح قولي أنه مخلوق إذ كنا جميعًا قد اجتمعنا على أنه شيء وقال الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] بنص التنزيل. فقال المأمون: هذا يلزمك يا عبد العزيز لما أخذت على نفسك، وجعل محمد بن الجهم وغيره يضجون، ويقولون: ظهر أمر الله وهم كارهون، ﴿جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، وطمعوا في قتلي، وجثا بشر (١) على ركبتيه، وجعل يقول: أقرَّ والله يا أمير المؤمنين بخلق القرآن، وأمسكت فلم أتكلم، حتى قال لي أمير المؤمنين: ما لك لا تتكلم يا عبد العزيز؟. فقلت: يا أمير المؤمنين قد تكلم بشر، وطالبني بنص التنزيل على ما قلت، وهو المناظر لي فضجيج هؤلاء إيش هو؟ وأنا لم أنقطع ولم أعجز عن الجواب وإقامة الحجة بنص التنزيل على بشر كما طالبني، ولست أتكلم وفي المجلس أحد يتكلم غير بشر إلا أن ينقطع بشر عن الحجة فيعتزل ويتكلم غيره، فصاح المأمون لمحمد بن الجهم وغيره: أمسكوا (٢)، وأقبل علي وقال: تكلم يا عبد العزيز واحتج لنفسك فليس يعارضك غير بشر، قال: قلت: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٣٦] وقال سبحانه: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥]، فدل بهذه الأخبار، وأشباه لها في القرآن كثيرة، على أن كلامه ليس كالأشياء وأنه يكون الأشياء (٣)، ثم أنزل الله خبرًا مفردًا ذكر فيه خلق الأشياء كلها فلم يدع منها شيئًا إلا ذكره وأدخله في خلقه وأخرج كلامه وأمره من جملة الخلق وفصله منها، ليدل على أن كلامه غير الأشياء المخلوقة وخارج عنها، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فجمع في قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ جميع ما خلق، فلم يدع منه شيئًا، ثم قال: ﴿وَالْأَمْرُ﴾؛ يعني: والأمر الذي كان به الخلق خلقًا،

стр. 1909

ففرق (١) بين خلقه وأمره فجعل الخلق خلقًا، والأمر أمرًا، وجعل هذا غير هذا، وقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] وقال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]؛ يعني: من قبل الخلق ومن بعد الخلق، ثم جمع الأشياء المخلوقة في آيات كثيرة في كتابه، فأخبر عن خلقها وأنه خلقها بقوله وكلامه، وأن كلامه وقوله غيرها وخارج عنها، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [الأنعام: ١٧٣]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]، وقال: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الأحقاف: ١ - ٣]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨، ٣٩]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الروم: ٨]. فقال المأمون: يجزيك هذا أو بعضه يا عبد العزيز. [فقلت: يا أمير المؤمنين، قد أخبرنا الله عن خلق السماوات والأرض] (٢) وما بينهما فلم يدع شيئًا من الخلق إلا ذكره، فأخبر عن خلقه أنه ما خلقه إلا بالحق، وأن الحق قوله وكلامه الذي به خُلق الخلق كله، وأنه غير الخلق، وأنه خارج عن الخلق وغير داخل في الخلق، وهذا نص التنزيل على أن كلام الله غير الأشياء المخلوقة وليس هو كالأشياء، وبه تكون الأشياء (٣). قال بشر: يا أمير المؤمنين قد ادعى أن الأشياء لا تكون إلا بقوله، ثم جاء بأشياء متباينات متفرقات، وزعم أن الله يخلق بها الأشياء، فأكذب نفسه ونقض قوله، ورجع عما ادعاه من حيث لا يدري، وأمير المؤمنين شاهد عليه وهو الحاكم بيننا، فأقبل المأمون علي، فقال: يا عبد العزيز قد قال بشر كلامًا قد قلته، ويحتاج أن تصحح قولك ولا ينقض بعضه بعضًا، وجعل بشر يصيح: لو تركته يتكلم؛ لجاء بألف شيء مما خلق الله به الأشياء. فقلت: يا أمير المؤمنين قد ذهبت بالحجج، ورضي بشر وأصحابه

стр. 1910

بالضجيج، والترويج بالباطل، وقطع المجلس وطلب الخلاص ولا خلاص من الله حتى يظهر دينه، ويقمع الباطل بالحق فيزهقه، فصاح المأمون ببشر (١): أقبل على صاحبك، واسمع منه، ودَعْ هذا الضجيج، وكان المأمون قد قعد منا مقعد الحاكم من الخصوم، ثم أقبل المأمون وقال: تكلم يا عبد العزيز. فقلت: يا بشر زعمت أني قد جئتُ بأشياء متباينات متفرقات، وادعيت أن الله خلق بها الأشياء، وما قلتُ إلا ما قال الله ، ولا أقول إلا (٢) أن الله خلق الأشياء [بكلامه] (٣) قال بشر: يا أمير المؤمنين قد قال: إن الله خلق الأشياء بقوله وكلامه وأمره وبالحق وهذه أربعة أشياء، قال المأمون: بل قلت (٤) هذا يا عبد العزيز! فقلت: صدق أمير المؤمنين قد قلتُ هذا، وهذه أربعة أشياء لشيء واحد؛ لأن كلام الله هو قوله، وقول الله هو كلامه، وأمر الله هو كلامه، وكلام الله هو أمره، وكلام الله هو الحق، والحق هو كلام الله، فهذه أسماء لكلام الله، وقد قدمت ذكر هذا فقلت: إن الله سمى كلامه: نورًا وهدى وشفاء ورحمة وقرآنًا وفرقانًا وبرهانًا، وسماه الحق، وهذه أشياء شتى لشيء واحد، وهو كلام الله كما سمى نفسه بأسماء كثيرة وهو واحد صمد فرد، وإنما ينكر بشر هذا ويستعظمه لقلة معرفته بلغة العرب. قال بشر: قد أصل بيني وبينه كتاب الله، وزعم أنه لا يقبل إلا بنص التنزيل فأين نص التنزيل، أن كلام الله هو قوله، وهو أمره، وأن كلامه هو الحق؟ فقال المأمون هذا يلزمك يا عبد العزيز لما عقدت على نفسك من الشرط! فقلت: نعم يا أمير المؤمنين وعلي أن آتي بنص التنزيل على ما قلت، قال: فهاته. قلت: قال الله وقد ذكر كلامه في القرآن ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وإنما يسمعه من قارئه وإنما عنى القرآن، لا خلاف بين أهل العلم واللغة في ذلك وقال: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ قُلْ لَنْ﴾

стр. 1911

تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ [الفتح: ١٥] وقال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] فقد أخبر عن القرآن أنه الحق، وقال: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦] فأخبر عن القرآن أنه الحق، وقال: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٤] فأخبر عن القرآن أنه الحق، وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [السجدة: ٣] وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] وقال: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ [القصص: ٥٣] فأخبر أنه الحق، فهذه أخبار الله كلها أن القرآن هو الحق، ثم ذكر قوله فسماه الحق فأخبر أن الحق قوله: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: ٨٤] فأخبر أنه الحق وأن الحق قوله، وقال: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] وقال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٢٣] فهذه أخبار الله أنه الحق وأن الحق قوله، ثم ذكر أن كلامه الحق وأن الحق كلامه، فقال: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣] وقال: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٨٢] وقال: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] فهذه أخبار الله أن الحق كلامه، وأخبر أن أمره هو القرآن وهو كلامه فقال: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ١ - ٥]؛ يعني: القرآن وقال: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: ٥]؛ يعني القرآن، فهذه أخبار الله أن القرآن أمره وكلامه، وأن أمره هو القرآن، وهذا تعليم الله خلقه وتأديبه لهم، فقلت كما قال الله: إن القرآن كلام الله وأنه من أمر الله وأنه الحق، وأن هذه أسماء لشيء واحد، وهو الكلام الذي به خُلِقَتْ الأشياء، وهو غير الأشياء وخارج عن الأشياء، وليس هو كالأشياء، فهذا بنص التنزيل لا بتأويل ولا بتفسير. فقال المأمون أحسنت يا عبد العزيز! فقال بشر: يا أمير المؤمنين هذا يحب أن يخطب بما لا أسمعه ولا أعقله ولا ألتفت إليه، وما أتى بحجة ولا أقبل من هذا شيئًا.

стр. 1912

قال: قلت: يا أمير المؤمنين، من لا يعقل عن الله ما يخاطب به نبيه وما علمه لعباده في كتابه، يدّعي العلم ويحتج للمقالات والمذاهب ويدعو الناس للبدع والضلال!! قال بشر: أنا وأنت في هذه سواء، تنتزع آيات من آيات القرآن لا تعلم تفسيرها، ولا تأويلها وأنا أردّ ذلك وأدفعه، حتى تأتي بما أفهمه وأعقله. قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين فذاك كلام بشر وتسويته فيما بيني وبينه، ولقد فرق الله فيما بيني وبينه، وأخبر الله أنا على غير السواء، وأَكْذَبَهُ في دعواه، فقال المأمون وأين ذلك من كتاب الله ، قلت: قال الله : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩]. فأنا - والله - يا أمير المؤمنين أعلم أن الذي أنزل عليه هو الحق وأؤمن به، وبشر قد شهد على نفسه أنه لا يعلمه ولا يفهمه ولا يعقله ولا يقبله، وأنه مما لا يقوم لي به عليه حُجّة (١) فلم يقل كما قال الله ، ولا كما قال نبيه، ولا كما قال موسى ﵇، ولا كما قالت الملائكة، ولا كما قال المؤمنون، ولا كما قال أهل الكتاب، ولقد أخبر الله عن جهله وأزال عنه التذكرة (٢)، وأخرجه عن جملة أولي الألباب، لكنّ أمير المؤمنين لما خصه الله به من الفضل والسؤدد، وشرفه به من الحلم والفضل، ورزقه من الفهم والمعرفة، قد (٣) عقل عن الله قوله، وعرف ما عنى به فقبله، واستحسنه ممن انتزع به بين يديه. فقال بشر: قد أقرّ بين يديك أن القرآن شيء، فليكن عنده كيف شاء، فقد اتفقنا جميعًا أنه شيء، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٣] فهذه لفظة لم تدع شيئًا إلا أدخلته في الخلق، ولا يخرج عنها شيء ينسب إلى الشيء؛ لأنها لفظة قد استوعبت الأشياء كلها، وأتت عليها مما ذكرها الله ومما لم يذكرها، فصار القرآن مخلوقًا بنص التنزيل لا بتأويل ولا بتفسير. قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين عليّ أن أكسر قوله وأكذبه فيما قال بنص التنزيل حتى يرجع عن قوله، أو يقف أمير المؤمنين على كسر قوله وبطلان دعواه.

стр. 1913

فقال المأمون: قل ما عندك. قلت: قال الله في قصة عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] فهل أبقت الريح يا بشر شيئًا لم تدمره؟ قال: لا، قد دمرت كل شيء كما أخبر الله عنها فلم يبق شيء إلا وقد دخل تحت هذه اللفظة. فقلت: قد أكذب الله من قال هذا بقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥] فأخبر أن مساكنهم كانت باقية بعد تدميرهم ومساكنهم أشياء كثيرة وقد قال: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] وقد قال في قصة بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فهل بقي يا بشر شيء لم تؤته بلقيس؟ قال: أنا أقول أن هذه اللفظة تجمع الأشياء كلها. فقلت: قد أكذب الله من قال هذا؛ لأن ملك سليمان كمثل ملك بلقيس مائة ألف مرة ولم تؤته». ومضى عبد العزيز الكناني في مناظرته مع بشر إلى أن قال له: «فقلت: يا بشر قال الله : ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] فقد أخبرنا الله في مواضع كثيرة من كتابه أن له نفسًا فتقر يا بشر أن الله نفسًا كما أخبر عنها، قال: نعم. فقلت: يا أمير المؤمنين اشهد عليه أنه أقرَّ أن الله نفسًا، قال: نعم. قد سمعت قوله وشهدت عليه، فقلت: قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فتقول يا بشر: إن نفس الله داخلة في هذه النفوس التي تذوق الموت، فصاح المأمون بأعلى صوته - وكان جهوري الصوت -: معاذ الله معاذ الله. قال عبد العزيز: فرفعت صوتي إذًا وقلت: معاذ الله أن يكون كلام الله داخلًا في الأشياء المخلوقة، كما أن نفسه ليست بداخلة في الأشياء الميتة» (١). قال محمد تقي الدين وأكتفي بهذا القدر من كلام الإمام الكناني ومن أراد استقصاءه فليرجع إلى كتاب «الحيدة» (٢).

стр. 1914

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1915

قول أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني: قال ﵀: ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله وكتابه (١) ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم، والقرآن الذي هو كلام الله ووحيه هو الذي ينزل به جبريل على الرسول ﷺ قرآنًا عربيًا، لقوم يعلمون، بشيرًا ونذيرًا كما قال عز من قائل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] وهو الذي بلغه الرسول أمته كما أمر به في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] فكان الذي بلغهم بأمر الله تعالى (٢) كلامه وَفِيهِ قال ﷺ : «أتمنعونني أن أبلغ كلام ربي؟» (٣) وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة، ويُكتب في المصاحف كيف ما تصرف بقراءة قارئ، ولفظ لافظ، وحفظ حافظ، وحيث تُلي وفي أي موضع قُرئَ وكتب في مصاحف أهل الإسلام وألواح صبيانهم وغيرها، كله كلام الله ﷻ (٤) غير مخلوق، فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم. سمعت (٥) الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت (٦) أبا الوليد حسان بن محمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن قال: إن القرآن مخلوق، فهو كافر بالله العظيم، لا تقبل شهادته، ولا يُعاد إن مرض، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ويستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، فأما اللفظ بالقرآن فإنَّ الشيخ أبا بكر الإسماعيلي الجرجاني ذكر في رسالته التي صنفها.

стр. 1916

لأهل جيلان (١) إن من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فقد قال: بخلق القرآن، وذكر ابن مهدي الطبري في كتابه «الاعتقاد» الذي صنفه لأهل هذه البلاد أن مذهب أهل السنة والجماعة القول بأن القرآن كلام الله سبحانه ووحيه وتنزيله وأمره ونهيه غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر بالله العظيم، وأن القرآن في صدورنا محفوظ، وبألسنتنا مقروء، وفي مصاحفنا مكتوب، وهو الكلام الذي تكلم الله به، ومن قال: إن القرآن بلفظي مخلوق أو لفظي به مخلوق؛ فهو جاهل ضال كافر بالله العظيم. وإنما ذكرتُ هذا الفصل بعينه من كتاب ابن مهدي؛ لاستحساني ذلك منه، فإنه اتَّبع السلف أصحاب الحديث فيما ذكر (٢) مع تبحره في علم الكلام وتصانيفه الكثيرة فيه وتقدمه وتبريزه (٣) عن أهله. اهـ. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قرأت بخط أبي عمرو المستملي سمعت أبا عثمان سعيد بن إشكاب (٤) يقول: سألت إسحاق بن إبراهيم (٥) عن اللفظ بالقرآن؟ فقال: لا ينبغي أن يناظر في هذا، القرآن كلام الله غير مخلوق، وذكر (ع) الطبري في كتابه «الاعتقاد» الذي صنفه (٦) قال: أما القول في ألفاظ العباد بالقرآن (٧) فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي ولا تابعي، إلا عمن في قوله الغنى والشفا (٨)، وفي اتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم قوله مقام الأئمة (٩) أبو عبد الله أحمد بن حنبل. فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال: سمعت أبا عبد الله (حم) يقول: اللفظية جهمية، قال الله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] ممن

стр. 1917

يسمع؟. قال (١): ثم سمعت جماعة من أصحابنا - لا أحفظ أسماءهم - يذكرون عنه أنه كان يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع (٢). قال محمد بن جرير: ولا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله غير قوله، إذ لم يكن لنا فيه إمام نأتم به سواه، وفيه الكفاية والمقنع، وهو الإمام المتبع رحمة الله عليه. هذه ألفاظ محمد بن جرير التي نقلتها نفسها ههنا (٣) من كتاب «الاعتقاد» الذي صنفه. قلت: وهو - أعني محمد بن جرير - قد نفى عن نفسه بهذا الفصل الذي ذكره في كتابه كل ما نُسب إليه وقذف به من عُدول عن السنة (٤) أو ميل إلى شيء من البدعة، والذي حكاه عن (حم) أن اللفظية جهمية فصحيح عنه، وإنما قال ذلك لأن جهمًا وأصحابه صرَّحوا بخلق القرآن، والذين قالوا باللفظ تدرجوا به إلى القول بخلق القرآن، وخافوا أهل السنة في ذلك الزمان من التصريح بخلق القرآن (٥)، فذكروا هذا اللفظ وأرادوا به أن القرآن بلفظنا مخلوق، فلذلك سماهم أحمد جهمية. وحكي عنه أيضًا أنه قال: «اللفظية شر من الجهمية» وأما ما حكاه (ج) عن (حم) أن من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، فإنما أراد (٦) أن السلف من أهل السنة لم يتكلموا في باب اللفظ (٧)، من أهل التعمق وذوي الحمق الذين أتوا بالمحدثات، وبحثوا عما نُهوا عنه من الضلالات، وذميم المقالات، وخاضوا فيما لم يَخُضْ فيه السلف من علماء الإسلام، فقال: (حم) هذا القول

стр. 1918

فى نفسه بدعة (١)، ومن حق المتدين أن يدعه ولا يتفوه به، ولا يمثله من البدع المبتدعة، ويقتصر على ما قاله السلف من الأئمة المتبعة، أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا يزيد عليه إلا تكفير من يقول بخلقه (٢). أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ (٣): ثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الخارجي بمرو، ثنا يحيى بن ساسويه (٤) عن أبيه عبد الكريم الستدي (٥) قال: قال وهب بن زمعة: أخبرني الياساني قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: «من كفر بحرف من القرآن فقد كفر (٦) بالقرآن، ومن قال: لا أؤمن بهذا الكلام فقد كفر (٧)». قال شارح «الواسطية» الأستاذ المحقق عبد العزيز بن محمد آل سلمان في تأليفه المسمى بـ «الكواشف الجلية في شرح العقيدة الواسطية» لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية ما نصه: فصل فى الإيمان بالقرآن «ومن الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل، غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف إلى من قاله مبتدأ لا من قاله مبلغا مؤديا، وهو كلام الله حروفه ومعانيه ليس كلام الله الحروف دون المعاني.

стр. 1919

المعاني ولا المعاني دون الحروف»، وجه دخول هذا الفصل في الإيمان بالله أن الإيمان بالله هو التصديق الجازم بجميع ما أخبر الله به ورسوله (١) وقد أخبر الله ورسوله أنه كلامه [وتوعد من قال: إنه قول البشر] (٢)؛ ولأن الإيمان بكلام الله على هذا الوصف الذي ذكره المصنف وأنه من الإيمان بالله؛ لأنه وصفه والكلام صفة للمتكلم. فإنه تعالى موصوف بأنه متكلم، إذا شاء بما شاء، وأنه لم يزل ولا يزال يتكلم، وكلامه تعالى لا ينفد قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]. وقال غير واحد من السلف من أنكر أن يكون الله متكلمًا أو أن يكون القرآن كلامه فقد أنكر رسالة محمد ﷺ ، بل ورسالة جميع الرسل التي حقيقتها تبليغ كلام المرسل وهو الله . فإذا لم يكن ثم (٣) كلام فماذا يبلغ الرسول؟ وكيف يعقل كونه رسولًا؟ ونوع الكلام أزلي أبدي، ومفرداته لا تزال تقع شيئًا فشيئًا بحسب حكمة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]. قال (ك) على قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] الآيتين: يقول تعالى مخبرًا عن كثرة اعتراض الكفار وتعنتهم وكلامهم فيما لا يعنيهم (٤): هلا أنزل عليه هذا الكتاب الذي أوحي إليه جملة واحدة، كما نزلت الكتب قبله [جملة واحدة] (٥)، كالتوراة والإنجيل والزبور

стр. 1920

وغيرها من الكتب الإلهية؟ فأجابهم الله تعالى عن ذلك، بأنه إنما نزل منجما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث وما يحتاج من الأحكام (١). وقوله: «منزل غير مخلوق» هذا قول أهل السنة والجماعة، خلافا لقول الجهمية والمعتزلة وغيرهم ممن يقول: كلام الله مخلوق!! .. فالجهمية يقولون: إن الله ا يتكلم، بل خلق كلاما في غيره وجعل غيره يعبر عنه، وما جاء من الأدلة على صفة الكلام، قالوا: مجاز. والمعتزلة قالوا: «إن الله متكلم حقيقة لكن معنى ذلك أنه خالق للكلام في غيره، فمذهبهم ومذهب الجهمية في المعنى سواء، وقول الطائفتين باطل، مخالف لقول السلف والأئمة، ومخالف للأدلة العقلية والسمعية». قال الشيخ: «ومذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم، ما دل عليه الكتاب والسنة». وهو الذي يوافق الأدلة العقلية الصريحة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. فهو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلامه ليس مخلوقا منفصلا عنه، وهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته، لم يقل أحد منهم إن القرآن والتوراة والإنجيل لازمة لذاته أزلا وأبدا، وهو لا يقدر أن يتكلم بمشيئته وقدرته، وقالوا: إن نفس ندائه لموسى، أو نفس الكلمة المعنية قديمة أزلية، بل قالوا: لم يزل الله متكلما إذا شاء وكلمات الله ا نهاية لها، والله سبحانه تكلم بالقرآن العربي وبالتوراة العبرانية، قال: ولما ظهر من قال: إنه مخلوق، قالوا: ردا (٢) لكلامه أنه غير مخلوق، وأول من عرف أنه قال: قديم، هو عبد الله بن سعيد بن كلاب. اهـ. قال الشاعر: استغفر الله واترك ما حكى لهم … أبو الهذيل وما قال ابن كلاب (٣) فالقرآن كلام الله حيث تصرف، سواء كان محفوظا في الصدر أو متلوا، وأما كتابة العباد وأصواتهم والورق الذي كتب عليه القرآن والمداد الذي كتب به،

стр. 1921

فهذه كلها مخلوقة، وأما الذي يرجع إلى الله تعالى ويضاف إليه فإنه كلامه غير مخلوق؛ فإن جميع ما يعود إلى العباد وأوصافهم مخلوق، وأما الذي يرجع إلى الله تعالى ويضاف إليه (١) فإنه كلامه غير مخلوق، وقول السلف منه بدأ وإليه يعود، أي: ظهر وخرج منه، فهو المتكلم به لا غيره. وقال الشيخ في المناظرة: ولما جاءت مسألة القرآن ومن الإيمان به، الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. نازع بعضهم في كونه منه بدأ وإليه يعود، وطلبوا تفسير ذلك، فقلت: أما هذا القول فهو المأثور عن السلف مثل ما نقله عمرو بن دينار قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق. إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأما معناه: فإن قولهم: منه بدأ، أي: هو المتكلم به، وهو الذي أنزله من لدنه وإليه يرجع في آخر الزمان بأن يسرى به ويرفع فلا يبقى في الصدور منه آية ولا في المصاحف، ورفع القرآن من أشراط الساعة، ورد ذلك في عدة آثار. وقوله: «فإن الله تكلم به حقيقة والآيات والأحاديث في إثبات صفة الكلام وأن الله تكلم حقيقة كثير، وكذلك الآيات والأحاديث الدالة على أن الله تكلم بالقرآن كثيرة، وكلها دالة على أنه سبحانه تكلم حقيقة لا مجازًا» (٢). وقال في ص ٢٢٠: إثبات صفة الكلام الله وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٤]، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ﴿مِنْهُم مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٥٣]، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠]، ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، ﴿وَإِنْ

стр. 1922

أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥]، ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. في هذه الآيات الكريمة إثبات صفة الكلام الله حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته، وحقيقة الإيمان بصفة الكلام الله أنه الاعتقاد الجازم بأن الله متكلم بكلام قديم النوع، حادث الآحاد، وأنه لم يزل يتكلم إذا شاء بما شاء كيف شاء، وأنه يتكلم بحرف وصوت بكلام يسمعه من شاء من خلقه سمعه منه موسى، والأبوان (١) بلا واسطة، ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه يكلم المؤمنين ويكلمونه في الآخرة، هذا مذهب أهل السنة والجماعة. وقد دل القرآن وصريح السنة والمعقول وكلام السلف على أنه سبحانه يتكلم بمشيئته، كما دل على أن كلامه صفة قائمة بذاته، وهو صفة ذات وفعل، وقد دلت النصوص على أن القرآن العزيز الذي هو سور وآيات وحروف وكلمات عين كلام الله حقًا، لا تأليف ملك ولا بشر، وأنه سبحانه الذي قال بنفسه: ﴿المص﴾ [الأعراف: ١]، ﴿حم (١) عسق﴾ [الشورى: ١، ٢]، و ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١]. الآيتان: الأولى والثانية: ﴿مَنْ﴾: لفظة استفهام، ومعناه: لا أحد أصدق من الله في حديثه ولا أحد أصدق من الله قولًا ولا خبرًا. وهذا إخبار منه تعالى

стр. 1923

بأن حديثه وإخباره وأقواله في أعلى مراتب الصدق، بل هي أعلاها، فكل ما قيل في العقائد والعلوم والأعمال مما يناقض ما أخبر الله به، فهو باطل، لمناقضة الخبر الصادق. ففي الآيتين: ١ - إثبات صفة الكلام. ٢ - إنها صفة له قائمة بذاته يتكلم بها بمشيئته وقدرته. ٣ - الرد على من زعم أن كلام الله المعنى النفسي. ٤ - إثبات الألوهية. ٥ - إنه لا أحد أصدق من الله قولًا ولا خبرًا. الآية الثالثة: هذا مما يخاطب الله به عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵇، قائلًا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: ﴿يَاعِيسَى … ﴾ [المائدة: ١١٦]. وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد، وهذا السؤال لإظهار براءة عيسى ابن مريم ﵇ وتسجيل الكذب والبهتان على هؤلاء الظالمين. ففي الآية: ١ - إثبات القول الله سبحانه، وأنه يقول متى شاء إذا شاء، وأن الكلام والقول المضاف إلى الله سبحانه قديم النوع، حادث الآحاد، وفيه دليل على أنه سبحانه يتكلم بحرف وصوت كما يليق بجلاله. ٢ - الرد على من زعم أن كلام الله هو المعنى النفسي؛ إذ المعنى المجرد لا يسمع. الآية الرابعة: قد تطلق الكلمة على الجملة والطائفة من القول في غرض واحد، فإذا كتب أحد أو خطب في موضوع ما، قيل: كتب أو قال كلمة، وكانوا يسمون القصيدة كلمة، وقالوا: كلمة التوحيد يعنون «لا إله إلا الله»، وقال ﷺ : «أصدق كلمة

стр. 1924

قالها الشاعر كلمة لبيد … (١) يريد قوله «ألا كل شيء ما خلا الله باطل». والمعنى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا﴾ فيما قال ﴿وَعَدْلًا﴾ فيما حكم، فهو صدق في الأخبار، وعدل في الطلب، فكل ما أخبر به فهو حق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة كما قال: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] والمراد بـ ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: أمره ونهيه ووعده ووعيده فما وعد به رسوله من النصر، وما أوعد به المستهزئين من الخذلان والهلاك تم (٢)، كما تم في الرسل وأعدائهم من قبل كما قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] فتمامها صدقًا هو حصولها على الوجه الذي أخبر به، وتمامها عدلًا باعتبار أنها جزاء للكافرين المعاندين للحق بما يستحقون، وللمؤمنين بما يستحقون أيضًا، وقد يزادون على ذلك فضلًا من الله ورحمة وقوله: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن عباس: "لا راد لقضائه ولا مغير لحكمه ولا خلف لوعده» (٣). والخلاصة: أنه لا يستطيع أحد من الخلق أن يبدّل (٤) كلمات الله بكلمات أخرى تخالفها أو تمنع صدقها، ولا يستطيع أن يصرفها عما أراده الله بها قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]. وكلمات الله نوعان: النوع الأول: كونية قدرية وهي التي استعاذ بها النبي ﷺ في قوله: «أعوذ بكلمات الله التامة، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر» (٥)، وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].

стр. 1925

قال ابن القيم: والله ربي لم يزل متكلّمًا … وكلامه المسموع بالآذان صدقًا وعدلًا أحكمت كلماته … طلبًا وإخبارًا بلا نُقصان ورسوله قد عاذ بالكلمات من لدغ … ومن عين ومن شيطانِ أَيُعَاذُ بالمخلوق حاشاه مِنْ الـ … إِشْرَاكِ وهو معلم الإيمان بل عاذ بالكلمات وهي صفاته … سبحانه ليست من الأكوان (١) النوع الثاني: الكلمات الدينية، وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به رسوله، وهي أمره ونهيه، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوال العباد العليم بحركاتهم وسكناتهم، الذي يجازي كل عامل بعمله، وتقدم الكلام على اسمه تعالى (السميع) واسمه (العليم). ففي الآية أمور: ١ - إثبات الربوبية. ٢ - إثبات صفة الكلام الله. ٣ - إنه ليس لكلمات الله مبدل ولا معقب في الدنيا ولا في الآخرة. ٤ - أنه لا أحد أصدق ولا أعدل من الله . ٥ - إثبات صفة السمع. ٦ - إثبات صفة البصر. ٧ - الحث على مراقبة الله.

стр. 1926

٨ - حفظ كلمات الله وأحكامها. ٩ - إنه لا أحسن من كلمات الله ولا أبلغ ولا أصدق منها (١). ١٠ - الحث على العدل. ١١ - النهي عن الكذب. ١٢ - النهي عن الجور. ١٣ - إن أحكام الله نافذة على كل الخلق. ١٤ - إن الله ا يخلف الميعاد. ١٥ - التسلية للنبي ﷺ . ١٦ - الوعيد لمن خالف الرسول. ١٧ - الرد على من أنكر صفة الكلام. ١٨ - الرد على من قال: إن القرآن كلام محمد أو جبريل أو غيرهما. ١٩ - في الآية معجزة؛ لأن الله أخبر أنه لا مبدل لكلماته، ووقع كما أخبر. ٢٠ - إثبات قدرة الله. ٢١ - الرد على من أنكر صفة العلم، كالجهمية والقدرية. ٢٢ - الرد على من أنكر صفة السمع، كالجهمية ونحوهم. الآية الخامسة والسادسة، والسابعة: خصص الله موسى ﵇ بهذه الصفة تشريفًا له، ولذا يقال له: الكليم، وهذا دليل على أن التكليم الذي حصل له ﵇ أخص من مطلق الوحي، ثم أكده بالمصدر الحقيقي؛ رفعًا لما توهمه المعطلة من أنه إلهام أو إشارة أو تعريف للمعنى النفسي بشيء غير التكليم، فأكده بالمصدر المفيد تحقيق النسبة، ورفع توهم المجاز. ففي الآية أمور: ١ - إثبات صفة الكلام. ٢ - إثبات الألوهية.

стр. 1927

٣ - إثبات الربوبية. ٤ - تخصيص موسى بهذه الصفة تشريفًا له. ٥ - الرد على من زعم أن كلام الله المعنى النفسي. ٦ - دليل على أن الله م يزل متكلمًا إذا شاء متى شاء كيف شاء. ٧ - دليل على أن نوع الكلام قديم، فكلام الله سبحانه قديم النوع، حادث الأحاد، وهو نوعان: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وكقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، وهذا النوع يقال له: الكوني القدري. والنوع الثاني: الديني الشرعي، وذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ الآية [النحل: ٩٠]، وكقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] والشرعي هو الذي منه الكتب المنزلة على رسله، وكلامه سبحانه نوعان: بلا واسطة، وذلك كلام الله موسى، وككلامه للأبوين آدم وحواء وكلامه (١) لجبريل؟ والنوع الثاني: ما كان بواسطة: إما بالوحي للأنبياء، وإما بإرساله إليهم رسولًا، يكلمهم من أمره بما يشاء قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]. الآية الثامنة: النداء: الصوت الرفيع، والنجاء: الصوت الخفي، والطور: اسم جبل بين مصر ومدين، الأيمن من موسى في وقت مسيره، أو الأيمن أي الأبرك من اليمن والبركة، وفي «تفسير القرطبي»: «وكانت الشجرة في جانب الجبل عن يمين موسى حين أقبل من مدين إلى مصر» قاله القرطبي (٢) وغيره. فإن الجبال لا يمين لها ولا شمال وقوله: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] أي: مناجيًا (٣).

стр. 1928

ففي الآية: إثبات صفة الكلام الله، وأنه يتكلم بحرف وصوت يليق بجلاله، إذ لا يعقل النداء إلا ما كان حرفًا وصوتًا، وقد استفاضت الآثار عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين من أئمة السنة بذلك. قال ابن القيم: والله قد نادى الكليمَ وقَبْلَهُ … سَمِعَ النِّدا في الجنَّةِ الأَبَوَانِ وأتى الندا في تَسْعِ آياتٍ لَهُ … وَصْفًا فراجعها مِنَ القُرْآنِ أيصِحُ في عَقْلٍ وفي نَقْلٍ نِدَا: ليس مسموعًا لنا بأذان (١) أم أجمع العلماء والعُقلاءُ مِنْ أهل اللسان وأهل كُل لسان أَنَّ النِّدا (٢) الصَّوْتُ الرَّفِيعُ وضِدُّهُ فَهُوَ النِّجَاءُ كِلاهُمَا صَوْتَانِ (٣) وفي الآية أمور: ١ - إثبات النداء. ٢ - الرد على من زعم أن كلام الله المعنى النفسي، إذ المعنى المجرد لا يسمع. ٣ - تخصيص موسى بهذه الصفة تشريفًا له. الآية التاسعة: أي: اذكر حالة موسى الفاضلة، وقت نداء الله حين كلمه ونباه وأرسله فقال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠]؛ يعني: الذين ظلموا أنفسهم بالمعصية والكفر، والتكبر في الأرض، والعلو على أهلها، وادعى كبيرهم الربوبية وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وساموهم سوء العذاب. ففي الآية أمور: ١ - إثبات صفة الكلام الله. ٢ - إثبات الربوبية. ٣ - الرد على من زعم أن كلام الله المعنى النفسي.

стр. 1929

٤ - إنه سبحانه يتكلم بحرف وصوت؛ إذ لا يعقل النداء إلا ما كان حرفًا وصوتًا. ٥ - الرد على من قال: إن القرآن كلام محمد ﷺ أو غيره. الآية العاشرة: قال الله تعالى معاتبًا وموبخًا لآدم وحواء على ترك التحفظ والحيطة والتدبر في العواقب ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] أي: ظاهر العداوة لكما، فإن أطعتماه أخرجكما من الجنة. ففي الآية أمور: ١ - إثبات صفة الكلام وأنه بحرف وصوت. ٢ - إثبات الربوبية. ٣ - الأمر بالتحفظ والحيطة والتدبر في الأمور. الآية الحادية عشرة: قال (ك) على هذه الآية: «النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوات، ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم؟ وكيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يُسأل العبد في قبره: «من ربك؟ ومن نبيك؟ وما هو دينك؟ فأما المؤمن فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأما الكافر فيقول: هاه هاه لا أدري» (١)، ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى» (٢). اهـ. أفادت هذه الآية: أمورًا: ١ - إثبات صفة الكلام الله. ٢ - إنه يتكلم بحرف وصوت يليق بجلاله. ٣ - إثبات البعث والرسالة والحشر والجزاء على الأعمال. ٤ - إثبات النداء.

стр. 1930

٥ - إثبات القول. ٦ - الرد على من زعم أن كلام الله المعنى النفسي، إذ المعنى المجرد لا يسمع. قال بعض العلماء: من زعم أن كلام الله هو المعنى النفسي، زعم أن الله م يرسل رسولًا، ولم ينزل كتابًا، وقال آخر: من زعم أن كلام الله هو المعنى النفسي فقد زعم أن الله أخرس، وقال ابن حجر في «شرح (ع)»: «ومن نفى الصوت فقد زعم أن الله م يُسمع أحدًا من ملائكته ولا رسله كلامًا، بل ألهمهم إياه إلهامًا» (١). وقال ابن القيم: «ولفظ النداء الإلهي قد تكرر في الكتاب والسنة تكرارًا مطردًا، متنوعًا تنوعًا يمتنع حمله على المجاز، فأخبر تعالى أنه نادى الأبوين في الجنة، ونادى كليمه، وأنه ينادي عباده يوم القيامة، وقد ذكر الله النداء في تسعة مواضع من القرآن، أخبر فيها عن ندائه بنفسه، ولا حاجة إلى أن يقيد النداء بالصوت، فإنه بمعناه وحقيقته باتفاق أهل اللغة، فإذا انتفى الصوت انتفى النداء قطعًا كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]» (٢). وروى (د) عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تكلم الله بالوحي [سمع أهل السماء للسماوات] (٣) صلصلة كجر السلسلة على الصفا (٤)، فيُصْعقون ولا يزالون حتى يأتيهم جبرائيل، فإذا جاءهم جبرائيل فرع عن قلوبهم، [قال] (٥): فيقولون: يا جبرائيل (٦): ماذا قال ربك؟ قال: الحق، فينادون: الحق الحق» (٧) وإسناده ثقات، وقد فسر الصحابة الآية بما يوافق هذا الحديث الصحيح،
следующие страницы →