٨ - حفظ كلمات الله وأحكامها.
٩ - إنه لا أحسن من كلمات الله ولا أبلغ ولا أصدق منها (١).
١٠ - الحث على العدل.
١١ - النهي عن الكذب.
١٢ - النهي عن الجور.
١٣ - إن أحكام الله نافذة على كل الخلق.
١٤ - إن الله ا يخلف الميعاد.
١٥ - التسلية للنبي ﷺ .
١٦ - الوعيد لمن خالف الرسول.
١٧ - الرد على من أنكر صفة الكلام.
١٨ - الرد على من قال: إن القرآن كلام محمد أو جبريل أو غيرهما.
١٩ - في الآية معجزة؛ لأن الله أخبر أنه لا مبدل لكلماته، ووقع كما أخبر.
٢٠ - إثبات قدرة الله.
٢١ - الرد على من أنكر صفة العلم، كالجهمية والقدرية.
٢٢ - الرد على من أنكر صفة السمع، كالجهمية ونحوهم.
الآية الخامسة والسادسة، والسابعة:
خصص الله موسى ﵇ بهذه الصفة تشريفًا له، ولذا يقال له: الكليم، وهذا دليل على أن التكليم الذي حصل له ﵇ أخص من مطلق الوحي، ثم أكده بالمصدر الحقيقي؛ رفعًا لما توهمه المعطلة من أنه إلهام أو إشارة أو تعريف للمعنى النفسي بشيء غير التكليم، فأكده بالمصدر المفيد تحقيق النسبة، ورفع توهم المجاز.
ففي الآية أمور:
١ - إثبات صفة الكلام.
٢ - إثبات الألوهية.
стр. 1927
٣ - إثبات الربوبية.
٤ - تخصيص موسى بهذه الصفة تشريفًا له.
٥ - الرد على من زعم أن كلام الله المعنى النفسي.
٦ - دليل على أن الله م يزل متكلمًا إذا شاء متى شاء كيف شاء.
٧ - دليل على أن نوع الكلام قديم، فكلام الله سبحانه قديم النوع، حادث الأحاد، وهو نوعان: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وكقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، وهذا النوع يقال له: الكوني القدري.
والنوع الثاني: الديني الشرعي، وذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ الآية [النحل: ٩٠]، وكقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] والشرعي هو الذي منه الكتب المنزلة على رسله، وكلامه سبحانه نوعان: بلا واسطة، وذلك كلام الله موسى، وككلامه للأبوين آدم وحواء وكلامه (١) لجبريل؟
والنوع الثاني: ما كان بواسطة: إما بالوحي للأنبياء، وإما بإرساله إليهم رسولًا، يكلمهم من أمره بما يشاء قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
الآية الثامنة:
النداء: الصوت الرفيع، والنجاء: الصوت الخفي، والطور: اسم جبل بين مصر ومدين، الأيمن من موسى في وقت مسيره، أو الأيمن أي الأبرك من اليمن والبركة، وفي «تفسير القرطبي»: «وكانت الشجرة في جانب الجبل عن يمين موسى حين أقبل من مدين إلى مصر» قاله القرطبي (٢) وغيره.
فإن الجبال لا يمين لها ولا شمال وقوله: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] أي: مناجيًا (٣).
стр. 1928
ففي الآية:
إثبات صفة الكلام الله، وأنه يتكلم بحرف وصوت يليق بجلاله، إذ لا يعقل النداء إلا ما كان حرفًا وصوتًا، وقد استفاضت الآثار عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين من أئمة السنة بذلك.
قال ابن القيم:
والله قد نادى الكليمَ وقَبْلَهُ … سَمِعَ النِّدا في الجنَّةِ الأَبَوَانِ
وأتى الندا في تَسْعِ آياتٍ لَهُ … وَصْفًا فراجعها مِنَ القُرْآنِ
أيصِحُ في عَقْلٍ وفي نَقْلٍ نِدَا: ليس مسموعًا لنا بأذان (١)
أم أجمع العلماء والعُقلاءُ مِنْ أهل اللسان وأهل كُل لسان أَنَّ النِّدا (٢) الصَّوْتُ الرَّفِيعُ وضِدُّهُ فَهُوَ النِّجَاءُ كِلاهُمَا صَوْتَانِ (٣)
وفي الآية أمور:
١ - إثبات النداء.
٢ - الرد على من زعم أن كلام الله المعنى النفسي، إذ المعنى المجرد لا يسمع.
٣ - تخصيص موسى بهذه الصفة تشريفًا له.
الآية التاسعة:
أي: اذكر حالة موسى الفاضلة، وقت نداء الله حين كلمه ونباه وأرسله فقال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠]؛ يعني: الذين ظلموا أنفسهم بالمعصية والكفر، والتكبر في الأرض، والعلو على أهلها، وادعى كبيرهم الربوبية وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وساموهم سوء العذاب.
ففي الآية أمور:
١ - إثبات صفة الكلام الله.
٢ - إثبات الربوبية.
٣ - الرد على من زعم أن كلام الله المعنى النفسي.
стр. 1929
٤ - إنه سبحانه يتكلم بحرف وصوت؛ إذ لا يعقل النداء إلا ما كان حرفًا وصوتًا.
٥ - الرد على من قال: إن القرآن كلام محمد ﷺ أو غيره.
الآية العاشرة:
قال الله تعالى معاتبًا وموبخًا لآدم وحواء على ترك التحفظ والحيطة والتدبر في العواقب ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] أي: ظاهر العداوة لكما، فإن أطعتماه أخرجكما من الجنة.
ففي الآية أمور:
١ - إثبات صفة الكلام وأنه بحرف وصوت.
٢ - إثبات الربوبية.
٣ - الأمر بالتحفظ والحيطة والتدبر في الأمور.
الآية الحادية عشرة:
قال (ك) على هذه الآية: «النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوات، ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم؟ وكيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يُسأل العبد في قبره: «من ربك؟ ومن نبيك؟ وما هو دينك؟ فأما المؤمن فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأما الكافر فيقول: هاه هاه لا أدري» (١)، ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى» (٢). اهـ.
أفادت هذه الآية: أمورًا:
١ - إثبات صفة الكلام الله.
٢ - إنه يتكلم بحرف وصوت يليق بجلاله.
٣ - إثبات البعث والرسالة والحشر والجزاء على الأعمال.
٤ - إثبات النداء.
стр. 1930
٥ - إثبات القول.
٦ - الرد على من زعم أن كلام الله المعنى النفسي، إذ المعنى المجرد لا يسمع. قال بعض العلماء: من زعم أن كلام الله هو المعنى النفسي، زعم أن الله م يرسل رسولًا، ولم ينزل كتابًا، وقال آخر: من زعم أن كلام الله هو المعنى النفسي فقد زعم أن الله أخرس، وقال ابن حجر في «شرح (ع)»: «ومن نفى الصوت فقد زعم أن الله م يُسمع أحدًا من ملائكته ولا رسله كلامًا، بل ألهمهم إياه إلهامًا» (١).
وقال ابن القيم: «ولفظ النداء الإلهي قد تكرر في الكتاب والسنة تكرارًا مطردًا، متنوعًا تنوعًا يمتنع حمله على المجاز، فأخبر تعالى أنه نادى الأبوين في الجنة، ونادى كليمه، وأنه ينادي عباده يوم القيامة، وقد ذكر الله النداء في تسعة مواضع من القرآن، أخبر فيها عن ندائه بنفسه، ولا حاجة إلى أن يقيد النداء بالصوت، فإنه بمعناه وحقيقته باتفاق أهل اللغة، فإذا انتفى الصوت انتفى النداء قطعًا كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]» (٢). وروى (د) عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تكلم الله بالوحي [سمع أهل السماء للسماوات] (٣) صلصلة كجر السلسلة على الصفا (٤)، فيُصْعقون ولا يزالون حتى يأتيهم جبرائيل، فإذا جاءهم جبرائيل فرع عن قلوبهم، [قال] (٥): فيقولون: يا جبرائيل (٦): ماذا قال ربك؟ قال: الحق، فينادون: الحق الحق» (٧) وإسناده ثقات، وقد فسر الصحابة الآية بما يوافق هذا الحديث الصحيح،
стр. 1931
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي عن عبد الله بن أنيس قال: «فينادي بصوت يسمعه مَنْ بَعُد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان» (١) وفي تفسير شيبان عن قتادة: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٨] قال: «صوت رب العالمين»، ذكره ابن خزيمة (٢)، والأحاديث والآثار عن السلف كثيرة في ذلك جدًا، وتقدم حديث أبي سعيد في «الصحيح» الذي بلغناه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وسائر الأمة تلقته بالقبول وتقييده بالصوت إيضاحًا وتأكيدًا كما قيد التكلم بالمصدر، في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل أن الله قد أحب فلانًا فأحبه … » (٣) الحديث، والذي تعقله الأمم من النداء إنما هو الصوت المسموع، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] وهذا النداء هو رفع أصواتهم الذي نهى الله عنه المؤمنين، وأثنى عليهم بعضها في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية [الحجرات: ٣]، وكل ما في القرآن العظيم من ذكر كلامه وتكليمه وأمره ونهيه دال على أنه تكلم حقيقة لا مجازًا، وكذا نصوص الوحي الخاص كقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣].
وقد نوع الله هذه الصفة في إطلاقها عليه تنويعًا يستحيل معه نفي حقائقها،
стр. 1932
بل ليس في الصفات الإلهية أظهر من صفة الكلام والعلو والفعل والقدرة، بل حقيقة الإرسال تبليغ كلام الرب ﵎، وإذا انتفت منه حقيقة الكلام، انتفت حقيقة الرسالة والنبوة، والرب ﵎ يخلق بكلامه وقوله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فإذا انتفت حقيقة الكلام (انتفى) الخلق، وقد عاب الله آلهة المشركين بأنها لا تكلم عابديها (١)، ولا ترجع إليهم قولًا، والجهمية وصفوا الرب ﵎ بصفة هذه الآلهة، وقد ضرب الله تعالى لكلامه واستمراره ودوامه المثل بالبحر، يمده من بعده سبعة أبحر وأشجار الأرض كلها أقلام؛ فيفنى المداد والأقلام ولا تنفد كلماته.
أفهذه صفة من لا يتكلم ولا يقوم به كلام؟ فإذا كان كلامه وتكليمه وخطابه ونداؤه وقوله وأمره ونهيه ووصيته وعهده وإذنه وحكمه وإخباره وشهادته كل ذلك مجاز لا حقيقة له، بطلت الحقائق كلها، فإن الحقائق إنما حقت بكلمات تكوينية، ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون، فما حقت الحقائق إلا بقوله وفعله، وقال في «النونية»:
وَاللهُ مُوْصٍ آمِرُ … نَاءٍ مُنَبٍّ مُرسِلٌ لِبَيانِ
ومُخَاطِبٌ ومُحَاسِبٌ ومُنَبِّئُ … ومُحدِّث ومُخبِّرٌ بالشَّانِ
ومُكَلِّم مُتَكَلِّم بل قائِلٌ … ومُحذِّرٌ ومُبشِّر بأمانِ
هاد يقولُ الحقَّ يُرشِدُ خَلْقَهُ … بكلامِهِ للحق والإيمانِ
فإذا انتفت صِفةُ الكلام فكلُّ هَـ … ذَا مُنْتَفٍ مُتَحقِّقُ البطلان
وإذا انتَفَتْ صِفَةُ الكلام كذلِكَ … الإرسال (٢) منفي بلا فُرقَانِ
فرسالة المبعوث تبليغ كَلا … مَ المُرسِلِ الدَّاعِي بلا نُقصان (٣)
ومما يؤخذ من الآية المتقدمة:
الرد على من زعم أن كلام الله هو معنى قائم بذاته، لا يتجزأ ولا يتبعض، فإن الأمر لو كان كما زعموا؛ لكان موسى (٤) سمع جميع كلام الله، والرد على
стр. 1933
من زعم أن كلام الله مخلوق [وأنه من صفاته] (١) فإنّ صفاته داخلة في مسمى اسمه، فليس الله اسمًا لذات: لا سمع ولا بصر ولا حياة ولا كلام لها، فكلامه وحياته وقدرته داخلة في مسمى اسمه، فهو سبحانه بصفاته الخالق، وما سواه المخلوق.
الآية الثانية عشرة:
اسْتَجَارَكَ: طلب جوارك، أي: حمايتك وأمانك، ﴿فَأَجِرْهُ﴾: أي: فأمنه، و مَا مَنَهُ: أي: مسكنه الذي يأمن فيه، وهو دار قومه.
المعنى:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾، أي: كن جارًا له، مؤمنًا (٢) له (٢) محاميًا ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ ويتدبره حق تدبره ويقف على حقيقة ما تدعو إليه.
ويستنبط من الآية:
دليل على أنه إذا استأمن مشرك ليسمع القرآن وجب تأمينه، ليعلم دين الله وتنشر الدعوة، وإثبات الألوهية، وأن الكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدأ، لا من قال مبلغًا مؤديًا، وأن الآية حجة صريحة لمذهب السلف أن القرآن منزل غير مخلوق؛ لأن الله تعالى هو المتكلم به، وإنما أضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها.
ودليل على بطلان مذهب المعتزلة، ومن أخذ بقولهم الباطل أن القرآن مخلوق، مستدلين على بدعتهم بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، فيدخل في عموم ﴿كُلِّ﴾ فيكون مخلوقًا، وهذا من أعجب العجب! فإن أفعال العباد كلها عندهم غير مخلوقة الله تعالى، وإنما يخلقها العباد جميعها فأخرجوها من عموم ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾، وأدخلوا كلام الله في عمومها مع أنه صفة من صفاته، به تكون الأشياء المخلوقة، إذ بأمره تكون المخلوقات، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ففرق بين الخلق والأمر، فلو كان الأمر مخلوقًا للزم أن يكون مخلوقًا بأمر آخر، إلى ما لا نهاية.
стр. 1934
له، فيلزم التسلسل وهو باطل، وطرد باطلهم أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة كالعلم والقدرة وغيرها، وذلك صريح الكفر، وكيف يصح أن يكون متكلمًا بكلام يقوم بغيره؟! ولو صح ذلك؛ للزم أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه، وكذلك أيضًا ما خلقه في الحيوان، بل يلزم أن يكون متكلمًا بكل كلام خلقه في غيره زورًا كان أو كذبًا أو كفرًا وهذيانًا، تعالى الله عن ذلك، وقد طرد هذا الاتحادية، فقال ابن عربي:
وكل كلام في الوجود كلامه … سواء علينا نشره ونظامه (١)
ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره؛ لصح أن يقال للبصير: أعمى، وللأعمى بصير؛ لأن البصير قد قام وصف العمى بغيره، والأعمى قد قام وصف البصير (٢) بغيره، ولصح أن يوصف الله بالصفات التي خلقها في غيره، من الألوان، والروائح، والطعوم، والطول، والقصر، ونحو ذلك.
قال ابن القيم: «احتج المعتزلة على مخلوقية القرآن بقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] ونحو ذلك من الآيات فأجاب الأكثرون: إنه عام مخصوص، يخص محل النزاع كسائر الصفات من العلم ونحوه.
قال ابن عقيل في «الإرشاد»: ووقع لي أن القرآن لا يتناوله هذا الأخبار ولا يصلح لتناوله، قال: لأنه به حصل عقد الإعلام بكونه خالقًا لكل شيء، وما حصل به عقد الإعلام والإخبار لم يكن داخلًا تحت الخبر.
قالوا (٣): ولو أن شخصًا قال: لا أتكلم اليوم كلامًا إلا كان كذبًا، لم يدخل إخباره بذلك تحت ما أخبر به، قلت: ثم تدبرت هذا فوجدته مذكورًا في قوله تعالى في قصة مريم ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] وإنما أُمِرَتْ بذلك لئلا تسأل عن ولدها. فقولها: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ به حصل إخبار بأنها لا تكلم الإنس، ولم يكن ما أخبرت به داخلًا تحت الخبر، وإلا كان قولها مخالفًا لنذرها» (٤). اهـ.
стр. 1935
وأما استدلالهم بقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] فما أفسده من استدلال فإن (جعل) إذا كانت بمعنى خلق يتعدى إلى مفعول واحد كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وإذا تعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق قال تعالى: ﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١] (١) وكذلك قوله: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] وما أفسد استدلالهم بقوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠]، على أن الكلام خلقه الله في الشجرة، فسمعه موسى (٢) وعموا عما قبل هذه الكلمة وما بعدها، فإن الله تعالى قال: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ [القصص: ٣٠] والنداء هو الكلام من بعد، ما سمع (٣) موسى النداء من حافة الوادي.
ثم قال: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠] أي: إن النداء كان في البقعة المباركة من عند الشجرة، و (من) لابتداء الغاية، ولو كان الكلام مخلوقًا في الشجرة لكانت الشجرة هي القائلة: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]، ولو كان هذا الكلام بدأ من غير الله كان قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] صدقًا، إذ كل من الكلامين عندهم مخلوق قد قاله غير الله، وقد فرقوا بين الكلامين - على أصولهم الفاسدة -: إن ذلك كلام خلقه الله في الشجرة، وهذا كلام خلقه فرعون، فحرفوا وبدلوا واعتقدوا خالقًا غير الله. اهـ «من شرح الطحاوية» (٤).
أما قوله تعالى في عيسى ﵇: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، فالمعنى: إنه خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها الروح، فعيسى ناشئ عن الكلمة وليس هو نفس الكلمة، وقوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾؛ يعني: إنه كائن منه تعالى، أي: هو موجده وخالقه، فهو روح من الأرواح التي خلقها الله.
كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أي: مخلوق بأمره.
стр. 1936
الآية الثالثة عشرة:
الفريق الجماعة من الناس، ولا واحد له من لفظه، ﴿يُحَرِّفُونَ﴾: يغيرون وتقدم معنى التحريف وبيان أقسامه وضابط كل قسم وأمثلته، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: عرفوه وفهموه وضبطوه أعني: كلام الله التوراة.
والمعنى لهذه الآية الكريمة: أنسيتم أفعالهم وأعمالهم، فتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء اليهود، وقد كان جماعة منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه، أي: يتأولونه على غير تأويله من بعد ما عقلوه، أي: فهموه على الجلية، ومع هذا فهم يخالفونه على بصيرة، وهم يعلمون أنهم مخطؤون فيما ذهبوا إليه من تحريف.
ويستنبط من الآية: إثبات صفة الكلام، وإثبات الألوهية، والذم لمن يحرف كلام الله، وإن التحريف من صفات اليهود، وقطع لأطماع المؤمنين من إيمان هؤلاء. وفيها دليل على تعمدهم وسوء قصدهم، وإبطال لما عساه أن يتعذر لهم من سوء الفهم، وفي الآية دليل على تعمق الفسق والعصيان في اليهود، والرد على من زعم أن الله ا يتكلم، والرد على من قال: إن القرآن مخلوق، وأن الكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدئًا لا من قاله مبلغًا مؤديًا، والرد على من قال: إنَّ القرآن كلام محمد.
الآية الرابعة عشرة: المعنى: يريدون أن يبدلوا كلام الله، أي: وعد الله أهل الحديبية، وذلك أن الله وعدهم أن يعوضهم من غنيمة مكة غنيمة خيبر وفتحها، وأن يكون ذلك مختصًا بهم دون غيرهم. وأراد المخلفون أن يشاركوهم في ذلك. ثم قال: قل يا محمد لهم: لن تتبعونا؛ أي إلى خيبر، وهذا خبر بمعنى النهي، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥] أي: من قبل عودتنا إليكم، أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب.
ويفهم من الآية: إثبات صفة الكلام الله، وإثبات القول الله سبحانه، وإثبات الألوهية الله سبحانه وحده، وأن الكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدئًا، والرد على من قال:
стр. 1937
إن الله ا يتكلم، والرد على من قال: إن القرآن كلام محمد ﷺ ، أو كلام ملك أو بشر.
وفيها دليل على بطلان قول المعتزلة ومن أخذ بقولهم أن القول مخلوق.
الآية الخامسة عشرة:
﴿اتْلُ﴾: اتبع، ﴿مَا أُوحِيَ﴾: أي: اتبع ما أوحي إليك.
الوحي لغة: الإعلام بخفاء، وفي الاصطلاح: إعلام الله أنبياءه بالشيء، إما بكتاب أو رسالة أو ملك أو منام أو إلهام، ﴿مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾: أي القرآن، ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: أي لا مُغيّر ولا محرف ولا مزيل لها، ﴿مُلْتَحَدًا﴾: ملتجأ يلتجئ إليه.
المعنى:
يقول تعالى لرسوله ﷺ : وائل الكتاب الذي أوحي إليك، والزم العمل به، واتبع ما فيه من أمر ونهي، فإنه الكتاب الجليل المخصوص بمزية الحفظ من التغيير والتبديل، فإن أنت لم تتبع القرآن وتتله، وتعمل بأحكامه، لن تجد معدلًا تعدل إليه ومكانًا تميل إليه.
ويستنبط من الآية:
تعظيم القرآن والحث على الإقبال على القرآن وتدبره وتفهمه والعمل به، وإثبات الربوبية الله، وأن القرآن لا يستطيع أحد أن يغير ما فيه، وأن الكتاب هو القرآن خلافًا للكلابية، فإنه سبحانه سمى نفس مجموع اللفظ والمعنى قرآنًا وكتابًا وكلامًا، والرد على من قال: إن القرآن كلام محمد أو ملك أو بشر أو غير ذلك، والحث على الالتجاء إلى الله في كل الأمور؛ لأنه الملجأ وحده، وإثبات قدرة الله، وأنها محيطة بجميع خلقه، فلا يقدر على الهرب من أمر أراده به.
الآية السادسة عشرة:
يقول تعالى مخبارًا عن كتابه العزيز، وما اشتمل عليه من الهدى والبيان والفرقان أنه يقص على بني إسرائيل - وهم حملة التوراة والإنجيل - أكثر الذي هم فيه يخلتفون كاختلافهم في عيسى، وتباينهم فيه، فاليهود افتروا، والنصارى غلوا، فجاء القرآن بقول الوسط الحق العدل، أنه عبد من عباد الله، ونبي من أنبيائه ورسله الكرام.
стр. 1938
يُفهم من الآية:
دليل عظمة هذا الكتاب وهيمنته على الكتب السابقة، وتوضيحه لما وقع فيها من اشتباه واختلاف، وأنه جاء حكمًا على بني إسرائيل، فيما اختلفوا فيه، فأبان لهم الحق، والرد على من قال: إن كلام الله هو المعنى النفسي. ووجوب الرجوع إلى القرآن واتباعه، وأن الاختلاف متقدم في الأمم، وإثبات صفة الكلام لله، والرد على من أنكر صفة الكلام أو أوّلها بتأويل باطل.
الآية السابعة عشرة:
يقول جل شأنه مخبرًا عن عظمة هذا الكتاب ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ أي: القرآن ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ يعني على محمد ﷺ ﴿مُبَارَكٌ﴾: أي: كثير الخير والمنافع، دائم البركة، يبشر بالثواب والمغفرة والرحمة ويزجر عن الأفعال القبيحة والمعصية. ففي هذه الآية دليل على إثبات صفة الكلام، والحث على تدبر القرآن والاعتناء بما فيه من أحكام وإرشادات، ولطف الله بخلقه حيث أنزل إليهم هذا الكتاب العظيم، وإثبات قدرة الله، والرد على الجهمية القائلين أن القرآن مخلوق، ودليل لقول أهل السنة أن القرآن منزل غير مخلوق، ودليل على الله على خلقه، وفيه رد على من قال: إن القرآن كلام محمد أو جبريل أو بشر أو غير ذلك، ورد على من قال: إن القرآن مخلوق كالمعتزلة ومن أخذ بقولهم، وأن القرآن كثير الخير دائم المنفعة والبركة، وفيه رد على من قال: إن كلام الله المعنى النفسي.
الآية الثامنة عشرة:
يقول تعالى معظمًا لأمر القرآن، ومبيّنًا علو شأنه وقدره، وأنه حقيق بأن تخشع له القلوب، وتتصدع عند سماعه؛ لما فيه من الوعد والوعيد الأكيد: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] أي: من شأنه، وعظمته، وجودة ألفاظه وقوة معانيه وبلاغته، واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب أنه لو أنزل على جبل من الجبال؛ لرأيته مع كونه في غاية الصلابة وضخامة الجرم وشدة القشوة خاشعًا متصدعًا؛ أي: منقادًا متذللًا، متشققًا من خوف الله.
стр. 1939
ويستنبط من الآية:
علو شأن القرآن وقوة تأثيره لما فيه من المواعظ والزواجر، وتوبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة خشوعه حين قراءته للقرآن، وتدبر ما فيه من القوارع التي تذل لها الجبال الراسيات، وفيه دليل على مذهب السلف من أن القرآن منزل غير مخلوق، ودليل على علو الله على خلقه، والرد على من قال: إن القرآن مخلوق، كالمعتزلة ونحوهم، وأنه سبحانه خلق في الجمادات إدراكًا بحيث تخشع، وهذا حقيقة كما دلت على ذلك الأدلة، ولا يعلم كيفية ذلك إلا الله.
والحث على الخوف من الله، والخشوع عند سماعه لكلام الله، وفيها رد على من قال: إن كلام الله المعنى النفسي، والرد على من قال: إنه كلام جبريل أو بشر أو غير ذلك وإثبات الألوهية.
الآية الأخيرة:
قوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا﴾ آية [النحل: ١٠١] إلخ .. التبديل: رفع الشيء ووضع غيره مكانه. وتبديل الآية نسخها بأخرى، ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ جبريل؛ لأنه ينزل بما يطهر القلوب. ﴿بِالْحَقِّ﴾: بالصدق والعدل، ﴿لِيُثَبِّتَ﴾: أي ليزيدهم يقينًا وإيمانًا، البشر والبشارة هو أول خبر سار بشر به إنسان؛ سمي بذلك لبدو بشرته، والمراد جبر الرومي غلام ابن الحضرمي، كان قد قرأ التوراة والإنجيل، وكان النبي ﷺ يجلس عنده إذا آذاه أهل مكة.
والإلحاد: الميل، أي: يميلون ويشيرون، ﴿لِسَانِ﴾: أي: لغته وكلامه، وأطلق اللسان على القرآن؛ لأن العرب تطلق اللسان وتريد به الكلام، فتؤنثها وتذكرها.
ومنه قول الشاعر:
لِسان السُّوءِ تُهْدِيهَا إِلَيْنَا … وحِنْتَ وما حَسِبْتُكَ أَنْ تَحِينا (١)
ومنه قوله تعالى: ﴿وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] أي: ثناء باقيًا.
﴿أَعْجَمِيٌّ﴾: العجمية في لسان العرب الإخفاء وضد البيان، فالأعجمي المراد به الذي لا يفصح وإن كان ينزل البادية.
стр. 1940
المعنى:
هذا شروع منه سبحانه في حكاية شبه كفرية ودفعها. أي: وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكم آية آخرى، والله أعلم بالذي هو أصح فيما ينزل، قال المشركون لرسوله: إنما أنت متقوّل على الله، تأمر بشيء ثم تنهى عنه، وأكثرهم لا يعلمون ما في التبديل من حكم بالغة، ثم قال تعالى مبينًا لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ الزاعمين أن ذلك لم يكن من عند الله وأن الرسول افتراه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢] الآية، أي: قل لهم يا محمد: قد (١) جاء جبريل بما أتلوه عليهم من عند ربي، على مقتضى حكمته البالغة، من تثبيت المؤمنين وتقوية إيمانهم بما فيه من أدلة قاطعة، وبراهين ساطعة، على وحدانية خالق الكون، وباهر قدرته، وواسع علمه، وجعله هاديًا ببشارة المسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا﴾ [النحل: ١٠٣] يعلم محمدًا القرآن ﴿بَشَرٌ﴾ من بني آدم غير ملك، ثم أجاب سبحانه عن قولهم هذا، فرد عليهم وكذبهم في قيلهم فقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] أي: إن لسان الذي تميلون وتشيرون إليه بأنه يعلم محمدًا أعجمي؛ أي: لا يتكلم بالعربية، والقرآن كلام عربي تفهمونه بأدنى تأمل، فكيف يكون الذي يقوله أعجميًا؟ فهذا القول لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل، وفي التشبت (٢) بمثل هذه المطاعن الركيكة والخرافات الساذجة أبلغ دليل على أنهم بلغوا غاية العجز:
فَدَعْهُم يزعمون الصُّبحَ ليلًا (٣) … أَيَعْمى العالَمُونَ عَنِ الضّياءِ (٤).
ويستنبط من الآية الكريمة:
إثبات النسخ، وأنه لحكمة ومصلحة، وإثبات صفة العلم الله تعالى، وإثبات الألوهية، وإثبات علو الله على خلقه، ودليل لمذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن منزل غير مخلوق، والرد على من زعم أنه مخلوق، والرد على من قال:
стр. 1941
إنه كلام ملك أو بشر أو غير ذلك، والرد على من قال إنه خلقه في جسم من الأجسام المخلوقة، كما هو قول الجهمية، والرد على من قال: إنه فاض على النبي ﷺ : كما يقول طوائف من الفلاسفة، وأن السفير بين الله ورسوله محمد ﷺ هو جبريل ﵇.
والرد على من قال: إن كلام الله هو المعنى النفسي، فإن جبريل سمعه من الله، والمعنى المجرد لا يُسمع، والدليل على أن القرآن نزل باللغة العربية وتكلم الله بالقرآن بها، والتوبيخ للمعترضين، والإيمان إلى أن التبديل لم يكن للهوى بل للحكمة التي اقتضت ذلك، وإبطال شبه المعترضين، وإثبات صفة الربوبية، وأن القرآن نزل بالصدق والعدل، وأن القرآن نافع للخلق كل النفع في دينهم ودنياهم، فبه تثبت العقائد وتطمئن القلوب.
وأن فيه الهداية من الزيغ والضلالات، ففيه ما يهذب النفوس، ويكبح جماح الطغيان، ويردّ الظالم عن ظلمه، ويدفع عدوان الناس بعضهم على بعض. وأن فيه بشارة للمسلمين؛ بما سيلقونه من الجنات، التي تجري من تحتها الأنهار.
وأن قدح الجاهل لا عبرة به؛ لأن القدح في الشيء فرع عن العلم به، وقدح هؤلاء عن جهل وعناد، وهذه عادة الغبي إذا سمع شيئًا لم يفهمه ولم يعلمه قدح فيه فإذا عاب إنسان قولًا صحيحًا؛ فذلك لأنه لم يفهمه؛ وإنما أتى من قِبَلَ قريحته، وهذا معنى رائع بديع قال تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الإحقاف: ١١] وقال المتنبي أخذًا من هذه الآية:
وكم من عائب قولًا صحيحًا … وآفته من الفهم السَّقِيم
ولكن تأخذ الأذهان (١) منه … على قَدَرِ القَريحَةِ والعُلُومِ (٢)
أخذه الآخر، فقال:
والنجم تستصغر الأبصارُ صُورته … والذَّنْبُ للطَّرفِ لا للنجم في الصَّغَرِ (٣)
وقال الآخر:
стр. 1942
كم من كلام قد تضمَّن حكمةً نال الكساد بسوقٍ مَنْ لا يَفْهَمِ
ومما يؤخذ من الآية الكريمة:
أن القرآن نزل بالتدريج كما تُشْعِر به صيغة (التفعيل) في الموضعين، والتنويه بروح القدس، وهو جبريل ﵇ المنزه عن الخيانة والكذب، والرد على من أنكر صفة العلم، أو أوّلها بتأويل باطل والرد على القدرية النافين لعلم الله، والتهديد والمأخذ من قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ … ﴾ إلخ.
مسألة الكلام
افترق الناس في مسألة الكلام على عدة أقوال:
أحدها: مذهب الجهمية والمعتزلة: أن القرآن مخلوق.
الثاني: الكلابية وأتباعهم من الأشاعرة أن القرآن نوعان ألفاظ ومعاني، فالألفاظ مخلوقة وهي هذه الألفاظ الموجودة والمعاني قديمة قائمة بالنفس، وهي معنى واحد لا تَبَعْضَ فيها ولا تعدد، إن عُبّر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عُبّر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، وإنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته.
الثالث: الكرامية: إنه متعلق بالمشيئة والقدرة، قائم بذات الرب، وهو حروف وأصوات مسموعة، وهو حادث بعد أن لم يكن، وأخطؤوا في قولهم: إن له ابتداء في ذاته.
الرابع: الماتريدية: أن كلامه يتضمن معنى قائمًا بذات الله، هو ما خلقه في غيره، وهذا قول أبي منصور.
الخامس: مذهب الاتحادية: إن كل كلام الله: نظمه، ونثره، حقه، وباطله، وسحره، وكفره والسب والشتم والهجر، والفحش، وأضداده، كله عين كلام الله تعالى القائم بذاته، قال ابن القيم حاكيًا كلام الاتحادية:
وأَتَتْ طَوائِفُ الاتحاد بملةٍ (١) … طَمَّتْ على ما قال كل لسان
قالوا كَلامُ اللهِ كلُّ كلامِ هَـ ذا … الخَلْقِ مِنْ جِن ومن إنسان
نظمًا ونَشْرًا زُورُه وصحيحُهُ … صِدْقًا وكذبًا واضح البطلان.
стр. 1943
فالسبُّ والشتم القبيح وقذْفُهُم … للمحصنات وكلُّ نوع أغاني (١)
والنَّوْحُ والتغريم (٢) والسحر المبين … وسائِرُ [البهتان و] (٣) الهَذَيَانِ
هو عين قول الله ﷻ … وكلامه حقًا بلا نكران
إذ أصلهم أنَّ الإله حقيقة … عين الوجود وعين ذي الأكوان (٤)
السادس: مذهب السالمية: إنه صفة قائمة بذات الله، لازمة له كلزوم الحياة، ولا يتعلق بالمشيئة والقدرة، ومع ذلك هو حروف وأصوات وسور وآيات لا يسبق بعضها بعضًا، بل مقترنة: الباء (٥) مع السين مع الميم في آن واحد لم تكن معدومة في وقت من الأوقات، ولا تعدم، بل هي لم تزل قائمة بذات الله.
السابع: مذهب الصابئة والمتفلسفة: إن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من المعاني، إما من العقل الفعال عند بعضهم أو من غيره.
الثامن: إنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء. وهو يتكلم بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا، وهو المأثور عن أئمة الحديث والسنة.
قال ابن القيم (٦):
وإِذا أَرَدْتَ مجامِعَ الطُّرُقِ التي … فيها افتراقُ الناس في القرآن
فمدارها أصلان قام عليهما … هذا الخلاف هما لَهُ رُكنان
هل (٧) قوله بمشيئة أم لا وَهَلْ … في ذاته أم خارج هذان
أصل (٨) اختلاف جميع أهل الأرض … في القُرآنِ (٩) فاطلب مقتضى البرهان (١٠)
стр. 1944
سورة هود
الباب الأول
قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].
قال (ك): «أخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات، من سائر دواب الأرض، صغيرها وكبيرها، بحريها وبريّها، وأنه يعلم مستقرها ومستودعها، أي: يعلم أين منتهى سيرها في الأرض، وأين تأوي إليه من وكرها، وهو مستودعها».
وقال علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ أي: (١) حيث تأوي ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تموت، وعن مجاهد ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الرحم ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الصلب، كالتي في «الأنعام».
وكذا روي عن ابن عباس والضحاك وجماعة.
وذكر ابن أبي حاتم (٢) أقوال المفسرين ههنا كما ذكره عند تلك الآية، فالله أعلم، وأن جميع ذلك مكتوب في كتاب عند الله، مبين عن جميع ذلك.
كقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (٣).
وفي «الكواشف الجلية»: وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا
стр. 1945
يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد: ٤] الآية. وقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] في هذه الآية دليل على إثبات صفة العلم، وهي الصفات الذاتية، وعلمه سبحانه شامل لكل شيء، ومحيط به؛ فيعلم ما كان، وما يكن لو كان كيف يكون.
قال ابن القيم:
وَهُوَ العليم أحاطَ عِلْمًا بالذي … في الكون مِنْ سِرِّ وَمِنْ إعلان
وبكلِّ شيءٍ عِلْمُهُ سبحانه … فهُوَ المحيط وليس ذا نسيانِ
وكذاك يعلم ما يَكُونُ غدًا … ومَا قَدْ كان والمَوْجُودَ فِي ذَا الآن (١)
في الآية الأولى: إثبات علم الله، فهو سبحانه يعلم ما يدخل في الأرض من المياه والكنوز والأموات والبذور والوحوش وبني آدم في الكهوف وغير ذلك، ويعلم ما ينزل من السماء، [ويعلم ما يخرج منها] (٢) من نبات ومعادن ومياه وأموات وأبخرة وغير ذلك، ويعلم ما ينزل من السماء من ملائكة وأمطار ومصائب وحر وبرد وغير ذلك، وما يعرج فيها من حفظة وأعمال، وقد أنكر غلاة القدرية علم الله القديم، وأنه يعلم الأشياء قبل وقوعها، وقد اشتد إنكار السلف عليهم، وقالوا: ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه؛ كفروا، وقال الإمام (حم) في رده على الجهمية والزنادقة:
«فإن قال الجهمي: ليس له علم؛ كفر. وإن قال الله: علم مُحْدَثُ؛ كفر؛ حيث زعم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم؛ حتى أحْدَثَ له عِلْمًا؛ فَعَلِم!
فإن قال: الله علم وليس مخلوقًا ولا محدثًا، رجع عن قوله كله، وقال بقول أهل السنة» (٣).
стр. 1946
والدليل العقلي على علمه تعالى: إنه يستحيل إيجاده الأشياء مع الجهل؛ ولأن إيجاده الأشياء بإرادة، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد هو العلم بالمراد، فكان إيجاده مستلزمًا للعلم.
ولأن المخلوقات فيها من الأحكام والإتقان ما يسلتزم علم الفاعل لها؛ لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم، ولأن من المخلوقات ما هو عالم، والعلم صفة كمال، ويمتنع أن لا يكون الخالق عالمًا. وهذا له طريقان:
أحدهما: أن يقال: نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوقات، وأن الواجب أكمل من الممكن، ونعلم أنا لو فرضنا شيئين، أحدهما عالم كان العالم أكمل، فلو لم يكن الخالق عالمًا؛ لزم أن يكون الممكن أكمل منه، وهو ممتنع.
الثاني: أن يقال: كل علم في الممكنات التي هي المخلوقات فهو منه، [وهو] (١) من الممتنع أن يكون فاعل الكمال (٢) ومبدعه عاريًا منه، بل هو أحق به، والله تعالى له المثل الأعلى، ولا يستوى هو والمخلوق في قياس تمثيلي، ولا في قياس شمولي، بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال، فالخالق أولى به وأحق، وكل نقص تنزه عنه مخلوق ما، فتنزه الخالق عنه أولى.
قال ابن القيم:
وكَمالُ مَنْ أعطى الكمال بنَفْسِهِ … أَوْلَى وأجدر عند ذي العرفان (٣) …
أيكونُ قَدْ أَعْطَى الكَمَالَ ما لَهُ … ذَاكَ الكمال أَذاكَ ذُو إِمَكان.
أَيكُونُ إنسان سميعًا مُبْصِرًا … مُتَكَلِّمًا بمشيئةٍ وبيان
وله الحياة وقُدْرَةٌ وإرادة … والعِلم بالكلي والأعيان
والله قد أعطاه ذاك وَلَيْسَ هذا … وَصْفَهُ (٤) فاعجَبْ مِنَ البُهْتَانِ (٥)
стр. 1947
ما يؤخذ من الآية الكريمة:
إثبات صفة العلم، والرد على القدرية، والرد على المعتزلة حيث قالوا: عليم بلا علم، وإحاطة علمه بكل شيء، فلا تخفى عليه خافية، والرد على الجهمية والقدرية المنكرين لصفة العلم، والرد على من زعم أن الله يعلم الكليات دون الجزئيات، ودليل على علو الله على خلقه، وإثبات صفة الكلام لله، ودليل على عظمته ودليل على قدرة الله، والحث على مراقبة الله في السر والعلانية، ودليل على المعية العامة، وإثبات صفة البصر، ودليل على البعث والحساب والجزاء على الأعمال، وإثبات الألوهية لله، ودليل على سعة علم الله، وإثبات صفة الحياة.
الآية الثانية:
هذه الآية من أعظم الآيات تفصيلًا لعلم الله المحيط.
والمعنى: إن عنده سبحانه خاصة مخازن الغيب، أو المفاتيح التي يتوصل بها إليه، فهو الذي يحيط بها علمًا، وسواه جاهل لا يعلم منها شيئًا، إلا ما علمه (١). فقوله: ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] جملة مؤكدة لمضمون الجملة الأولى.
قال المناوي: «فمن ادعى علم شيء منها كفر، وخص علم ما في البر والبحر بالذكر لأنهما من أعظم مخلوقات الله، ولكونهما (٢) أكثر ما يشاهده الناس ويتطلعون لعلم ما فيها». والخلاصة: أنه سبحانه يعلم الغيب والشهادة، والأحوال الظاهرة والباطنة، والرطبة واليابسة.
روى (خ) عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «مفاتح الغيب خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]» (٣).
стр. 1948
يؤخذ من الآية:
إثبات صفة العلم، والرد (١) على المعتزلة، وإثبات اللوح المحفوظ، ودليل
على عظمة الله وسعته في أوصافه، وأن اللوح المحفوظ محيط بالأشياء كلها، والرد على من أنكر صفة العلم من جهمية ومعتزلة، والرد (١) على القدرية الذين يزعمون أن الله ا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، وإثبات صفة الكلام الله، والمأخذ من أن الله هو الذي تكلم به، وقال: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ الآية.
وأن الله يعلم المنظور والمحجوب والمعلوم، وجميع ما في الزمان والمكان على السواء، فلا يخفى عليه شيء جَلَّ وعلا.
والحث على خوف الله، والرد على من زعم أن النبي ﷺ يعلم الغيب، [والرد على القدرية الذين يزعمون أن الله ا يعلم الأشياء قبل وقوعها، وإثبات اللوح المحفوظ، وأن اللوح المحفوظ محيط بالأشياء كلها، ودليل على علو الله على خلقه، والمأخذ من قوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ التعميم الشامل للموت والحياة، والذبول والإزهار، وإن حركات البذور والنماء المنشقة من الغور إلى السطح، ومن كمون إلى اندفاع، يعلمها الله] (٢).
وفيها ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين والرمالين ونحوهم، المدعين ما ليس من شأنهم، ولا يدخل تحت قدرتهم، ولا يحيط به علمهم.
وتنبيه المكلفين إلى عدم إهمال أحوالهم، المشتملة على الثواب والعقاب، وذكر البر؛ لأن الإنسان قد شاهد أحواله وكثرة ما فيه.
والحث على المراقبة في السر والعلانية، وإثبات قدرة الله، وأنه لا يعجزه شيء، وذكر البحر وكثرة ما فيه؛ لأن الحس يدل على أن عجائب البحار في الجملة أكثر، وطولها وعرضها أعظم، وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب.
ودليل على أن الله يعلم الكليات والجزئيات، فلا تخفى عليه خافية، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
стр. 1949
وأخبر سبحانه عن أشياء لم تكن وستكون، كإخباره عن محاجة أهل النار، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧] الآيات الثلاث، وقال: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيات السبع، إلى غير ذلك من الآيات، وأنه يفهم من الآية أن معلومات ما في البر وما في البحر حقير في جنب ما دخل في عموم ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾.
الآية الثالثة:
[المعنى لا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به سبحانه؛ يعلم في أي يوم تحمل، وفي أي يوم تضع، فلم يخرج عن علمه وتدبيره، ويعلم هل هو ذكر أو أنثى؟
ففي الآية:
إثبات صفة العلم، وإنفراده سبحانه بعلم ما في الأرحام وعلم مدته فيها، والرد على من أنكر صفة العلم، أو أولها بتأويل باطل، وإثبات صفة الكلام الله] (١).
الآية الرابعة:
اللام متعلقة بخلق أو بتنزل، أو بمقدَّر، أي: فعل ذلك لتعلموا أنه بالغ القدرة لا يعجزه شيء، فهذا عام يتناول أفعال العباد من الطاعات وكل شيء، ومن كمال قدرته تعالى أنه إذا شاء فعل من غير ممانع ولا معارض، فجميع الأشياء منقادة لقدرته، تابعة لمشيئته، ولا يخرج عن علمه شيء منها، كائنًا ما كان، وانتصاب عِلْمًا على المصدرية أو صفة لمصدر محذوف.
ففي الآية:
إثبات صفة العلم، وإثبات قدرة الله، وإثبات الألوهية، وعموم قدرته تعالى، وسعة علمه سبحانه، وإرشاد الخلق إلى التفكر والعلم النافع، والخوف (٢) من الله القادر على كل شيء، والحث على مراقبة الله سرًا وعلانية، والرد على
стр. 1950
الجهمية والمعتزلة المنكرين لعلمه المحيط بكل شيء، والرد على القدرية القائلين: إن أفعال العباد غير داخلة في قدرة الله، وإثبات صفة الكلام لله؛ لأن الله هو الذي تكلم بالآية.
وفي أول الآية ما يدل على صفة الخلق، وفيه ما يدل على علو الله على خلقه، وحلم الله على الكافر والعاصي، وأن العباد لا يقدرون الله حق قدره، وإلا لما عصوه، وهو قادر على إهلاكهم في لحظة» (١).
стр. 1951
سورة الفرقان
الباب الأول
قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ، وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨].
قال (ك): أي: في أمورك كلها كن متوكلًا على الله، الحي الذي لا يموت أبدًا الذي ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:] الدائم الباقي السرمدي الأبدي الحي القيوم رب كل شيء ومليكه، اجعله ذخرك وملجأك، وهو الذي يتوكل عليه ويُفزَع إليه، فإنه كافيك وناصرك ومؤيدك ومظفرك، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
وروى ابن أبي حاتم بسنده إلى شهر بن حوشب قال: لقي سلمان النبي ﷺ في بعض فجاج المدينة، فسجد له فقال: «لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت» (١)، وهذا مرسل حسن.
وقوله تعالى؛ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ أي: اقرن بين حمده وتسبيحه.
ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك» (٢) أي: «أخلص له العبادة والتوكل كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ أي: لعلمه (٣) التام الذي لا يخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة» (٤).
стр. 1952
وقال المحقق محمد حسن القنوجي في «فتح البيان»:
﴿وَتَوَكَّلْ﴾ في استكفاء شرورهم والاستغناء عن أجورهم ﴿عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه، وخص صفة الحياة إشارة إلى أن الحي الدائم هو الذي يوثق به في المصالح والمنافع ودفع المضار، ولا حياة على الدوام إلا الله (١) سبحانه، دون الأحياء المنقطعة حياتهم، فإنهم إذا ماتوا ضاع (٢) من يتوكل عليهم، وقرأها بعض الصالحين فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق.
والتوكل: اعتماد العبد على الله في كل الأمور. والأسباب وسائط، أمر بها من غير اعتماد عليها.
﴿وَسَبِّحْ﴾ أي: نزهه عن صفات النقصان مقترنًا ﴿بِحَمْدِهِ﴾ وقيل معنى سبح: صَلِّ، والصلاة تسمى تسبيحًا، ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ أي: حسبك، وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك: كفى بالله ربًا، والخبير المطلع على الأمور بحيث لا يخفى عليه منها شيء. فلا لوم عليك إن آمنوا أو كفروا.
وقيل: معناه أنه لا يحتاج معه إلى غيره؛ لأنه خبير عالم قدير على مكافأتهم، وفيه وعيد شديد كأنه قال: إذا أقدمتم على مخالفة أمره، كفاكم علمه في مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة» (٣). اهـ.
وقال تعالى في سورة المؤمن رقم ٦٥: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]. قال (ك): أي هو الحي أزلًا وأبدًا، لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا نظير له ولا عديل له ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤).
«روى الإمام (حم) و (م) و (د) و (ن) بسندهم عن عبد الله بن الزبير أنه كان
стр. 1953
يقول في دبر كل صلاة حين يسلّم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون».
قال: وكان رسول الله ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة. اهـ (١)(٢).
وتقدم قوله تعالى في آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ مع تفسيرها، وفي «الكواشف الجلية» للشيخ عبد العزيز المحمد السلمان:
«وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ التوكل: اعتماد القلب على الله في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة بالله وفعل الأسباب، أي: وتوكل على الرب الدائم الباقي، رب كل شيء ومليكه، واجعله ملجأ وذخرًا لك، وفوض أمرك إليه، واستسلم له، واصبر على ما نابك فيه؛ فإنه كافيك وناصرك ومبلغك ما تريد».
قال ابن القيم: «أجمع القوم على أن التوكل لا ينافي الأسباب (٣)، فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها، وإلا فهو بطالة (٤)، وتوكل فاسد».
وقال سهل بن عبد الله: من طعن في الحركة فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.
فالتوكل: حال النبي ﷺ ، والكسب سنته، فمن عمل على حاله فلا يتركنّ سنته (٥).
والتوكل: ينقسم إلى قسمين: الأول: التوكل على الله: فهو من أشرف أعمال القلوب وأجلها. الثاني: التوكل على غيره سبحانه، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: التوكل على غير الله في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله.
стр. 1954
كالتوكل على الأموات والطواغيت في جلب رزق أو دفع ضر أو نصر أو نحو ذلك، فهذا شرك أكبر.
الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة، كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقدره الله عليه من رزق أو دفع ضر ونحو ذلك. فهذا النوع شرك أصغر.
الثالث: توكيل الإنسان غيره في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه.
فهذه الوكالة الجائزة، لكن ليس له أن يعتمد عليه بل يتوكل على الله في تيسير أمره، وذلك من جملة الأسباب الجائزة.
وقال الشيخ: «إعراض القلب عن الطلب من الله (١) والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله، لا سيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق، بحيث يكون قلبه مُعْتَمِدًا إما على رئاسته وجنوده وأتباعه ومماليكه، وإما على أهله وأصدقائه، وإما على أمواله وذخائره، وإما على ساداته وكبرائه، كمماليكه (٢) وملكه وشيخه ومخدومه، وغيرهم ممن هو قد مات، أو يموت».
قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، وقال: «القلب لا يصلح ولا يسر ولا يلتذ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن، إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، من حيث (٣) هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة.
وهذا لا يحصل (٤) إلا بإعانة الله هـ، ولا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله فهو دائمًا مفتقر إلى حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]» فهو مفتقر إليه من حيث هو المطلوب المحبوب المعبود، ومن حيث هو (٥) المستعان به المتوكل عليه، فهو إلهه لا إله له غيره، وهو ربه ولا رب له سواه، ولا تتم عبوديته إلا بهذين (٦). اهـ.
стр. 1955
ما يؤخذ من الآية الكريمة:
إثبات صفة الحياة، وهي من الصفات الذاتية، فحياته سبحانه أكمل حياة وأتمها، ويستلزم ثبوتها ثبوت كل كمال يضاد نفيه كمال الحياة، وخصص صفة الحياة إشارة إلى أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا الله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم، فإنهم إذا ماتوا ضاع من يتوكل عليهم.
والأمر بالتوكل على الله، والرد على من أنكر صفة الحياة أو أولها بتأويل باطل، وإثبات البقاء لله، فهو الآخر ليس بعده شيء، وإثبات صفة الكلام، وأن القرآن كلام الله ا كلام محمد ولا جبريل ولا غيرهما. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ الحكيم مأخوذ من الحكمة، وله معنيان:
أحدهما: بمعنى القاضي العدل الحاكم بين خلقه بأمره الديني الشرعي وأمره الكوني القدري، وله الحكم في الدنيا والآخرة.
والمعنى الثاني: أنه المُحْكِم للأمر؛ كي لا يتطرق إليه الفساد.
قال ابن القيم: «الحكمة حكمتان: علمية وعملية، فالعلمية الإطلاع على بواطن الأشياء ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها خَلْقًا وأمرًا، وقدرًا وشرعًا».
والعملية: وضع الشيء في موضعه (١). اهـ.
وحكمته سبحانه صفة قائمة به كسائر صفاته من سمعه وبصره، ونحو ذلك، وهي تنقسم إلى قسمين: أحدهما في خَلْقِه، وهو نوعان:
الأول: إحكام هذا الخَلْق وإيجاده في غاية الإحكام والإتقان.
الثاني: صدوره لأجل غاية محمودة مطلوبة له سبحانه، التي أمر لأجلها وخلق لأجلها.
الثانية: الحكمة في شرعه، وتنقسم إلى قسمين:
الأول: كونها في غاية الإحسان والإتقان.
الثاني: كونها صدرت لغاية مطلوبة وحكمة عظيمة يستحق عليها الحمد.
وأما الخبير، فهو من الخبرة بمعنى كمال العلم ووثوقه والإحاطة بالأشياء.
стр. 1956
على وجه الدقة، فالعلم عندما يضاف إلى الخفايا الباطنية يسمى خبيرة، ويسمى صاحبها خبيرًا.
والله سبحانه لا يجري في الملك والملكوت شيء، ولا تتحرك ذرة فما فوقها وما دونها ولا تسكن ولا تطمئن إلا وعنده من ذلك خبرة.
ففي الآية: إثبات صفة الحكمة، وإثبات صفة الخبرة، والحث على مقام المراقبة، والرد على من قال: إنه يعلم الكليات دون الجزئيات، والرد على القدرية (١) [نفاة العلم، والرد على الجهمية، وإثبات صفة الكلام، وإثبات الحياة، وإحاطة علم الله بكل شيء] (٢) اهـ.
وقال صاحب «الكواشف» (ص ٧٣):
«وقوله (٣): «وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه حيث يقول: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾. ولهذا من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح» (٤).
أخبر ﷺ أن هذه الآية أعظم آية في كتاب الله؛ وذلك لاشتمالها على أجل المعارف وأوسع الصفات.
فأخبر أنه المتوحد في الألوهية، المستحق لإخلاص العبودية، وأنه الحي الكامل الحياة. وذلك يقتضي كمال عزته، وقدرته، وسعة علمه، وشمول حكمته، وعموم
стр. 1957
رحمته، وغير ذلك من صفات الكمال الذاتية، وأنه القيوم الذي قام بنفسه، واستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بالموجودات كلها، فخلقها وأحكمها ورزقها ودبرها وأمَدَّها بكل ما تحتاج إليه، وهذا الاسم يتضمن جميع الصفات الفعلية (١)، ولهذا ورد أن الحي القيوم هو الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى (٢)، بدلالة الحي على الصفات الذاتية، والقيوم على الصفات الفعلية والصفات كلها ترجع إليهما.
ومن كمال قيوميته أنه لا تأخذه سِنة ولا نوم، والسِّنَة: النعاس. وهو الذي يتقدم النوم من الفتور وانطباق العينين ويكون في الرأس، فإذا وصل إلى القلب صار نومًا، والنوم غشية ثقيلة تقع على القلب، تمنعه معرفة الأشياء، فلا يحس ولا يشعر بها.
ثم ذكر عموم ملكه للعالم العلوي والسفلي، ومن تمام ملكه أن الشفاعة كلها له، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ففيها ذكر الشفاعة التي يجب إثباتها وهي التي تقع بإذنه لمن ارتضى. والشفاعة المنفية التي يعتقدها المشركون وهي ما كانت تطلب من غير الله أو بغير إذنه، فمن كمال عظمته سبحانه أن لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. ولا يأذن إلا لمن ارتضى قوله وعمله، وبين أن المشركين لا تنفعهم شفاعة الشافعين.
ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، وأنه لا تخفى عليه خافية من الأمور ولا بينة، وأما الخلق فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وهو ما أطلعهم عليه من الأمور الشرعية والقدرية، وهو جزء يسير جدًا في علوم الباري ومعلوماته كما قال أعلم الخلق، وهم الرسل والملائكة ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].
وكما قال الخضر: «يا موسى ما نَقْصُ علمي وعلمك من علم الله، إلا كنقرة هذا العصفور في البحر» (٣).
стр. 1958
ثم أخبر سبحانه عن عظمته وجلاله، وأن كرسيه الذي هو موضع القدمين الله وسع السموات والأرض وما فيهما، وأنه حفظهما وأسكنهما عن الزوال والتزلزل، وجعلهما على نظام بديع جامع للأحكام والمنافع المتعددة التي لا تحصى.
والصحيح أن الكرسي غير العرش، وأنه في العرش كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، ومع ذلك فلا يؤوده حفظهما، أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظهما، أي: حفظ العالم العلوي والسفلي؛ وذلك لكمال قدرته وقوته.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ختم سبحانه هذه الآية بهذين الاسمين الجليلين، فهو سبحانه الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه: علي (١) الذات بكونه فوق جميع الخلق على العرش استوى، وعلو القدر، إذ إن له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أعلاها وغايتها، العظيم الذي له جميع أوصاف العظمة والكبرياء وله العظمة والتعظيم الكامل في قلوب أنبيائه وملائكته وأصفيائه، فلا أعظم منه ولا أكبر.
قال الشيخ: يجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق تعالى في غاية الصغر، كما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة، ولا نسبة لها في عظمة الباري بوجه من الوجوه، وهي في قبضته أصغر من الخردلة في كف الإنسان، والخليقة مفطورة على أنها تقصد ربها في جهة العلو لا تلتفت عن ذلك يمنة ولا يسرة، وجاءت الشريعة بالعبادة والدعاء بما يوافق الفطرة، بخلاف ما عليه أهل الضلال من المشركين والصابئين من المتفلسفة وغيرهم، فإنهم غَيَّروا الفطرة في العلم والإرادة جميعًا. اهـ.
فحقيق بآية احتوت على هذه المعاني الجليلة أن تكون أعظم آيات القرآن، وأن يكون لها من المنع وحفظ قارئها من الشرور والشياطين ما ليس لغيرها (٢)
فصل
قال محمد تقي الدين: كل ما يفعله العبد تقربًا إلى الله تعالى، إذا فعله لغيره كان مشركًا، قد اتخذ مع الله إلهًا آخر، ومن ذلك: الدعاء والاستغاثة.
стр. 1959
والذبح والنذر والقيام والركوع والسجود والخشوع، ولذلك نهى النبي ﷺ سلمان الفارسي أن يسجد له، أو لغيره من المخلوقين، وأخبره أن السجود لا يكون إلا للحي الذي لا يموت (١).
ولم يُصِرُّ سلمان مشركًا بذلك السجود؛ لأنه لم يكن يعلم أن السجود خاص بالله تعالى ولا سيما وهو فارسي، والفرس يسجدون لملوكهم تعظيمًا لهم، وهو يعظم النبي ﷺ أكثر من أي ملك من الملوك.
قال (ك) عند قوله تعالى في سورة يوسف رقم (١٠٠): ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد يعني: السرير، أي: أجلسهما معه على سريره ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي: سجد له أبواه وإخوته الباقون، وكانوا أحد عشر رجلًا ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: التي كان قصها على أبيه من قبل ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ الآية وقد كان هذا سائغًا في شرائعهم: إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇ فَحُرِّمَ هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصًا بجناب (٢) الرب ، هذا مضمون قول قتادة وغيره.
وفي الحديث أن معاذًا قدم الشام فوجدهم يسجدون لعظمائهم (٣)، فلما رجع، سجد لرسوله ﷺ فقال: «ما هذا يا معاذ؟» فقال: إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله، فقال: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها» (٤).
وفي حديث آخر: أن سلمان لقي النبي ﷺ في بعض طرق المدينة، وكان سلمان حديث عهد بالإسلام، فسجد للنبي ﷺ ، فقال: «لا تسجد لي يا سلمان،
стр. 1960
واسجد للحي الذي لا يموت» (١)
والغرض «أن هذا كان جائزًا في شريعتهم ولهذا خروا له سجدًا» (٢). اهـ.
الإيمان بصفتي السمع والبصر الله تعالى
قال الله تعالى في سورة آل عمران رقم (١٨١): ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
وقال تعالى في سورة النساء رقم (٥٨): ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
وقال تعالى في سورة طه رقم ٧: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
وقال تعالى في سورة طه أيضًا رقم ٤٦: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾.
وقال تعالى في سورة المجادلة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
وقال تعالى في سورة العلق: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾.
قال صاحب «الكواشف الجلية»: ص ٨٩:
«إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ٥٨] من صفات الله تعالى الذاتية السمع والبصر، والسميع والبصير اسمان من أسمائه تعالى، وهو تعالى له سمع يسمع به، وبصر يبصر به حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته، ومعنى اسمه (السميع) أي: الذي لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي، فيسمع دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصَّمَّاء، في الليلة الظلماء، فأحاط سمعه بجميع المسموعات: سرها وعلانيتها، وقريبها وبعيدها، فلا تختلط عليه الأصوات على اختلاف اللغات، وعلى تفنن الحاجات، وكأنها لديه صوت واحد».
وسمعه تعالى نوعان: أحدهما: سمعه جميع الأصوات كما تقدم. والثاني: سمع إجابة منه للسائلين والداعين والعابدين، ومنه قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء﴾ [إبراهيم: ٣٩].
стр. 1961
قال ابن القيم ﵀ (١):
وَهُوَ السَّمِيعُ يَرى وَيَسْمَعُ كُلَّ ما … في الكَونِ مِنْ سِرِّ وَمِنْ إِعلانِ
ولكل صوت منهُ سَمْعُ حَاضِرٌ … فالسِّرُ والإعلانِ مستويانِ
والسمع منه واسع الأصوات لا يخفى عليه بَعِيدُها والداني (٢)
وأما معنى اسمه تعالى (البصير) أي: الذي أحاط بصره بجميع المبصرات فهو سبحانه يشاهدها، ويرى كل شيء وإن خفي قريبًا أو بعيدًا فلا تؤثر على رؤيته الحواجز والأستار فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء.
أي: فعليكم أن تعملوا بأمر الله ووعظه، فإنه السميع لجميع الأصوات، البصير بجميع المبصرات، فإذا حكمتم بالعدل فهو سميع لذلك الحكم، وإن أديتم الأمانة فهو بصير بذلك.
ففي الآية: الأمر بحفظ الأمانة والأمر بأدائها، ووعد عظيم للمطيع، ووعيد شديد للعاصي، والاهتمام بحكم القضاة والولاة؛ لأنه فوَّض النظر في مصالح العباد لهم، والأمر بالعدل وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأموال والأعراض القليل والكثير على القريب والبعيد، والبر والفاجر، والعدو والصديق، ووجوب العدل على الحُكّام والولاة، حتى تصل الحقوق إلى أربابها كاملة غير منقوصة. ومَدْحُ من الله أوامره ونواهيه؛ لاشتمالها على مصالح الدارين، ودفع مضارهما، وإثبات السمع، وإثبات الألوهية، وإثبات البصر، وأن أداء الأمانة يشمل أساس الاعتقاد، وأنه يشمل أساس العبادة، وأنه يشمل أساس التعامل بين الناس وأساس العلاقات كلها بين الناس، وأوّل أمانة تُرَدُ إلى أهلها أمانة الإيمان، وإثبات صفة الكلام، وأن صفة السمع غير صفة البصر، إذ العطف يقتضي المغايرة، ووجوب أداء الأمانة إلى البر والفاجر، وإثبات البعث، وإثبات الجزاء على الأعمال، وفيها ردّ على المعطلة والتنبيه على مقام الإحسان، والحث على ما هو سبب التآلف، والنهي عن الظلم.
стр. 1962
والرد على المعتزلة القائلين سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
ودليل على إثبات صفة الكلام الله، ولطف الله بخلقه حيث أرشدهم إلى ما فيه صلاحهم في أمر دينهم والخوف من الله، والمأخذ من قوله: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ والرد على من أنكر صفة الكلام، أو قال: «إن كلام الله الكلام النفسي» (١). اهـ.
قال محمد تقي الدين: ومن الأدلة على سمع الله وبصره : قوله سبحانه في سورة مريم حكاية عن خليله إبراهيم ﷺ في سورة مريم رقم ٤٢: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾
فنفى إبراهيم عن آلهة آزر ثلاث صفات: السمع والبصر والقدرة على النفع، ومن انتفت عنه هذه الصفات لا يستحق أن يعبد؛ لصممه وعماه وعجزه، وقال تعالى في سورة الأنبياء حكاية عنه أيضًا في محاجته لقومه رقم ٥٢: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: ٥٢ - ٥٤].
فنفى عنهم السمع والقدرة على النفع والضر، وذلك يقتضي أنهم مخلوقون، مربوبون، والله سبحانه هو السميع البصير النافع الضار المعطي المانع المحيي المميت، له الملك، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون.
قدرة الله تعالى
قال الله تعالى في آخر سورة البقرة: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
قال (ك): يخبر تعالى أنه له ملك السموات والأرض، وما فيهن، وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه، وما أخفوه في صدورهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا
стр. 1963
فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩] وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] والآيات في ذلك كثيرة جدًا، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة وخافوا منها، ومن محاسبة الله هم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم.
قال الإمام (حم) و (م) بسنديهما عن أبي هريرة، قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ثم جثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها.
فقال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾».
فلما أقر بها القوم، وذلَّتْ بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله: «﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا … ﴾ (١) [البقرة: ١٨٦] إلى آخره» (٢).
وقال تعالى في سورة الحديد: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
قال (ك): يخبر تعالى أنه يسبح له ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: من الحيوانات والنباتات، كما قال في الآية الأخرى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقال شيخنا الحافظ المزي: يحيى هذا هو ابن زياد الفراء، له كتاب سماه «معاني القرآن».
وقد ورد في ذلك أحاديث، فمن ذلك: ما رواه (حم) ومسلم (١) بسنديهما عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يدعو عند النوم: «اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، خالق الحب والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن ليس دونك شيء، اقض عنا الدين، واغننا من الفقر» (٢).
فصل
قال محمد تقي الدين: في هذا الباب فوائد:
الأول: الدليل على أن قدرة الله ا حد لها، فهو على كل ما يشاؤه قدير، وكل من سواه عاجز عن كل شيء.
الثانية: إنه يملك كل شيء، فهو المالك وما سواه مملوك، وهو الغني وكل ما سواه فقير إليه.
الثالثة: شمول علمه تعالى لكل شيء.
الرابعة: قوة إيمان الصحابة وخوفهم عند نزول هذه الآية.
الخامسة: إن الله تعالى أمن خوفهم بعدما تأدبوا بأدب رسوله الكريم، وقالوا ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ والأدعية التي بعدها، فاستجاب لهم وأعطاهم ما سألوه.
السادسة: نفهم من حديث ابن عباس أن الله سبحانه رحيم بعباده لا يؤاخذهم على ما توسوس به نفوسهم، إلا إذا تكلموا أو عملوا به.
السابعة: دواء الوسوسة أن يقول من حصل له شيء منها: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.