← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

قال ابن القيم ﵀ (١): وَهُوَ السَّمِيعُ يَرى وَيَسْمَعُ كُلَّ ما … في الكَونِ مِنْ سِرِّ وَمِنْ إِعلانِ ولكل صوت منهُ سَمْعُ حَاضِرٌ … فالسِّرُ والإعلانِ مستويانِ والسمع منه واسع الأصوات لا يخفى عليه بَعِيدُها والداني (٢) وأما معنى اسمه تعالى (البصير) أي: الذي أحاط بصره بجميع المبصرات فهو سبحانه يشاهدها، ويرى كل شيء وإن خفي قريبًا أو بعيدًا فلا تؤثر على رؤيته الحواجز والأستار فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء. أي: فعليكم أن تعملوا بأمر الله ووعظه، فإنه السميع لجميع الأصوات، البصير بجميع المبصرات، فإذا حكمتم بالعدل فهو سميع لذلك الحكم، وإن أديتم الأمانة فهو بصير بذلك. ففي الآية: الأمر بحفظ الأمانة والأمر بأدائها، ووعد عظيم للمطيع، ووعيد شديد للعاصي، والاهتمام بحكم القضاة والولاة؛ لأنه فوَّض النظر في مصالح العباد لهم، والأمر بالعدل وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأموال والأعراض القليل والكثير على القريب والبعيد، والبر والفاجر، والعدو والصديق، ووجوب العدل على الحُكّام والولاة، حتى تصل الحقوق إلى أربابها كاملة غير منقوصة. ومَدْحُ من الله أوامره ونواهيه؛ لاشتمالها على مصالح الدارين، ودفع مضارهما، وإثبات السمع، وإثبات الألوهية، وإثبات البصر، وأن أداء الأمانة يشمل أساس الاعتقاد، وأنه يشمل أساس العبادة، وأنه يشمل أساس التعامل بين الناس وأساس العلاقات كلها بين الناس، وأوّل أمانة تُرَدُ إلى أهلها أمانة الإيمان، وإثبات صفة الكلام، وأن صفة السمع غير صفة البصر، إذ العطف يقتضي المغايرة، ووجوب أداء الأمانة إلى البر والفاجر، وإثبات البعث، وإثبات الجزاء على الأعمال، وفيها ردّ على المعطلة والتنبيه على مقام الإحسان، والحث على ما هو سبب التآلف، والنهي عن الظلم.

стр. 1962

والرد على المعتزلة القائلين سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. ودليل على إثبات صفة الكلام الله، ولطف الله بخلقه حيث أرشدهم إلى ما فيه صلاحهم في أمر دينهم والخوف من الله، والمأخذ من قوله: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ والرد على من أنكر صفة الكلام، أو قال: «إن كلام الله الكلام النفسي» (١). اهـ. قال محمد تقي الدين: ومن الأدلة على سمع الله وبصره : قوله سبحانه في سورة مريم حكاية عن خليله إبراهيم ﷺ في سورة مريم رقم ٤٢: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ فنفى إبراهيم عن آلهة آزر ثلاث صفات: السمع والبصر والقدرة على النفع، ومن انتفت عنه هذه الصفات لا يستحق أن يعبد؛ لصممه وعماه وعجزه، وقال تعالى في سورة الأنبياء حكاية عنه أيضًا في محاجته لقومه رقم ٥٢: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: ٥٢ - ٥٤]. فنفى عنهم السمع والقدرة على النفع والضر، وذلك يقتضي أنهم مخلوقون، مربوبون، والله سبحانه هو السميع البصير النافع الضار المعطي المانع المحيي المميت، له الملك، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون. قدرة الله تعالى قال الله تعالى في آخر سورة البقرة: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. قال (ك): يخبر تعالى أنه له ملك السموات والأرض، وما فيهن، وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه، وما أخفوه في صدورهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا

стр. 1963

فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩] وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] والآيات في ذلك كثيرة جدًا، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة وخافوا منها، ومن محاسبة الله هم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم. قال الإمام (حم) و (م) بسنديهما عن أبي هريرة، قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ثم جثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾». فلما أقر بها القوم، وذلَّتْ بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله: «﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا … ﴾ (١) [البقرة: ١٨٦] إلى آخره» (٢). وقال تعالى في سورة الحديد: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. قال (ك): يخبر تعالى أنه يسبح له ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: من الحيوانات والنباتات، كما قال في الآية الأخرى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].

стр. 1964

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أَيْ: الَّذِي قَدْ خَضَعَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَشَرْعِهِ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أَيْ: هُوَ الْمَالِكُ الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ، فَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أَيْ: مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾، وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي حَدِيثِ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ آيَةٍ (١). وَقَالَ (د): «بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي زُمَيْلٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: مَا شَيْءٌ أَجِدُهُ فِي صَدْرِي؟ قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَتَكَلَّمُ بِهِ، قَالَ: فَقَالَ لِي: أَشَيْءٌ مِنْ شَكٍّ؟ قَالَ: وَضَحِكَ قَالَ: مَا نَجَا مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ، قَالَ: حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٤]» الْآيَةَ. قَالَ: وَقَالَ لِي: إِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا فَقُلْ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) [الحديد: ٣]. وَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَأَقْوَالُهُمْ عَلَى نَحْوِ بِضْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا، وَقَالَ (ع) قَالَ يَحْيَى: «الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَالْبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا» (٣).

стр. 1965

وقال شيخنا الحافظ المزي: يحيى هذا هو ابن زياد الفراء، له كتاب سماه «معاني القرآن». وقد ورد في ذلك أحاديث، فمن ذلك: ما رواه (حم) ومسلم (١) بسنديهما عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يدعو عند النوم: «اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، خالق الحب والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن ليس دونك شيء، اقض عنا الدين، واغننا من الفقر» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: في هذا الباب فوائد: الأول: الدليل على أن قدرة الله ا حد لها، فهو على كل ما يشاؤه قدير، وكل من سواه عاجز عن كل شيء. الثانية: إنه يملك كل شيء، فهو المالك وما سواه مملوك، وهو الغني وكل ما سواه فقير إليه. الثالثة: شمول علمه تعالى لكل شيء. الرابعة: قوة إيمان الصحابة وخوفهم عند نزول هذه الآية. الخامسة: إن الله تعالى أمن خوفهم بعدما تأدبوا بأدب رسوله الكريم، وقالوا ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ والأدعية التي بعدها، فاستجاب لهم وأعطاهم ما سألوه. السادسة: نفهم من حديث ابن عباس أن الله سبحانه رحيم بعباده لا يؤاخذهم على ما توسوس به نفوسهم، إلا إذا تكلموا أو عملوا به. السابعة: دواء الوسوسة أن يقول من حصل له شيء منها: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

стр. 1966

الثامنة: الدعاء العظيم الذي كان يدعو به النبي ﷺ عند النوم وينبغي لنا جميعًا أن ندعو به. ودلائل القدرة في الكتاب والسنة لا تعد ولا تحصى. صفة الغنى من صفات الله تعالى التي اتفقت عليها الرسل وجميع العقلاء المؤمنين بالله أن الله غني عن خلقه، غنى تامًا مطلقًا، وأن جميع خلقه محتاجون إليه في إيجادهم من العدم، وحفظ وجودهم، وإمدادهم بكل ما يحتاجون إليه، قال تعالى في سورة الزمر: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٦، ٧]. قال (ك): يخبر تعالى أنه الخالق لما في السموات والأرض وما بين ذلك من الأشياء، وأنه (١) مالك الملك المتصرف فيه، يقلب ليله ونهاره ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ أي: سخرهما يجريان متعاقبين لا يقران (٢)، كل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، كقوله ﵎: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ هذا معنى ما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم. وقوله : ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: إلى مدة معلومة عند الله تعالى ثم تنقضي (٣) يوم القيامة: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أي: مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفّار لمن عصاه، ثم تاب وأناب إليه. وقوله جلت عظمته: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، وهو آدم ﵊، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حواء ﵍ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 1967

النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي: وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج، وهي المذكورة في سورة الأنعام: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣، ١٤٤]. وقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي: قدركم في بطون أمهاتكم ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ يكون أحدكم أولًا نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يخلق فيكون لحمًا وعظمًا وعَصَبًا وعروقًا وينفخ فيه الروح فيصير خلقًا آخر ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. وقوله جل وعلا: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ يعني: في ظلمة الرحم وظلمة المشيمة التي هي كالغشاء (١) للوقاية على الولد، وظلمة البطن. كذا قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقوله ﷻ : «﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلقكم وخلق آباءكم، هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: فكيف تعبدون معه غيره؟ أين يُذهَبُ بعقولكم؟». وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ﴾ الآية، قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عن نفسه ﵎ أنه الغني عما سواه من المخلوقات، كما قال موسى ﵊: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾» [إبراهيم: ٨]. وفي صحيح (م): «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا» (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ أي: لا يحبه. ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي: يحبه لكم ويزدكم من فضله. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا تحمل نفس عن نفس شيئًا، بل كل مطالب بأمر نفسه.

стр. 1968

ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: فلا تخفى عليه خافية» (١). اهـ. وقال تعالى في سورة الممتحنة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ﴾ يعني: إبراهيم والذين معه، ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة: ٦]. قال (ك): «هذا تأكيد لما تقدم، ومستثنى منه ما تقدم أيضًا؛ لأن هذه الأسوة المثبتة (٢) ههنا هي الأولى بعينها. وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ تهييج إلى ذلك، لكل مؤمن بالله والمعاد. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: عما أمر الله به: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الغني الذي قد كمل في غناه وهو الله، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار، والحميد المستحمد إلى خلقه، أي: هو المحمود في جميع أقواله وأفعاله، لا إله غيره ولا رب سواه» (٣). اهـ. وقال تعالى في سورة التغابن: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٥ - ٦]. قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عن الأمم الماضين، وما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل والتكذيب بالحق، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: خبرهم وما كان من أمرهم: ﴿فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي: وخيم تكذيبهم ورديء أفعالهم، وما حل بهم (٤) في الدنيا من العقوبة والخزي ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الدار الآخرة مضاف إلى هذه الدنيوية، ثم (٥) علل

стр. 1969

ذلك فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والدلائل والبراهين ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ أي: استبعدوا أن تكون الرسالة في البشر، وأن يكون هداهم على يدي (١) بشر مثلهم، ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا﴾ أي: كذبوا بالحق ونكلوا عن العمل ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ أي: عنهم: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٢). اهـ. والأدلة على غناه تعالى كثيرة من الكتاب والسنة وشهادة العقول، منها: قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٥ - ١٧] اهـ. الأولية بلا بداية، والآخرية بلا نهاية تقدم تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ وكل موجود سوى الله تعالى لوجوده بداية وله نهاية بالفعل أو بالإمكان. قال تعالي في آخر سورة القصص: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]. قال (ك): «وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا تليق العبادة إلا له، ولا تنبغي الإلهية إلا لعظمته». وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه. وقد ثبت في «الصحيحين» من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل» (٣). وقال مجاهد والثوري في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٤)، وحكاه

стр. 1970

البخاري في «صحيحه» (١) كالمقرر له. قال (ج): ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر: أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحصِيَهُ … ربَّ العباد إليه الوجه والعَمَلُ (٢) وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة، إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة، والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس، فإنه الأول والآخر، الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء. قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب «التفكر والاعتبار» بسنده إلى ابن عمر أنه: «كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف على بابها فينادي بصوت حزين، فيقول: أين أهلكِ؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٣) وقوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الملك والتصرف، ولا معقب لحكمه ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم معادكم فيجزيكم بأعمالكم، إن كان خيرًا فخير، وإن شرًا فشر» (٤). قال محمد تقي الدين: ولم أذكر القدم في صفات الله تعالى، ولم أصفه بالقديم؛ لأن هاتين الكلمتين مبتدعتان من عبارات أهل الكلام والمتفلسفين، وصفات الله تعالى غنية عن عباراتهم بألفاظ الكتاب والسنة، فقولنا في حقه سبحانه: هو الأول بلا بداية، الآخر بلا نهاية، يغنينا عن عباراتهم؛ لأن القدم يتصف به المخلوق الذي وجد منذ زمان بعيد، ونحن لا نصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ .

стр. 1971

الواحدية والأحدية يعتقد أهل السنّة والجماعة أن الله سبحانه هو الواحد الأحد في ذاته وصفاته وأفعاله قال تعالى في سورة البقرة رقم ١٦٣: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وقال تعالى في سورة طه (رقم ٩٨): ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. قال (ك) في تفسير آية البقرة: يخبر تعالى عن تفرده بالإلهية، وأنه لا شريك له ولا عديل له، بل هو الله الواحد الفرد الصمد، الذي لا إله إلا هو، الرحمن الرحيم، وقد تقدَّم تفسير هذين الاسمين في أول الفاتحة. وفي الحديث (١) عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن عن رسول الله ﷺ أنه قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١، ٢] (٢). وقال (ك) في تفسير آية طه: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]: يقول لهم موسى ﵇: ليس هذا إلهكم، ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا يستحق ذلك على العباد إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له، فإن كل شيء فقير إليه عبد له (٣)، وقوله: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ نُصِبَ على التمييز، أي: هو عالم بكل شيء، أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، فلا يعزب عنه مثقال ذرة ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾

стр. 1972

[هود: ٦] والآيات في هذا كثيرة جدًا» (١). اهـ. وقال (ك) في تفسير سورة الإخلاص: روى أحمد و (ت) و (ج) عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : يا محمد! انسب لنا ربك، فأنزل (٢) الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) الله الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ زاد (ت) و (ج) «الصمد الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وأن الله ا يموت ولا يورث ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ولم يكن له شبيه، ولا عدل و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾». وروى الإمام (أحم) و (ن) عن حميد بن عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ قال: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن» (٣)، وفي حديث آخر: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ

стр. 1973

أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن لمن صلى بها» (١). وقال عكرمة: «لما قالت اليهود: نحن نعبد عزيرًا ابن الله، وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان، أنزل الله على رسوله ﷺ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (٢) يعني: الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا وزير ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله ؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقوله ﵎: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ قال عكرمة عن ابن عباس: يعني الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كَمُل في حلمه، والعليم الذي قد كَمُل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار، وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي: ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة، قال مجاهد: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ يعني: لا صاحبة له، وهذا كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ

стр. 1974

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] أي: هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خَلْقِه نظير يساميه أو قريب يدانيه؟ تعالى وتقدس وتنزّه قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨ - ١٥٩]. وفي صحيح (خ) «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم» (١). قال (خ) بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «قال الله : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي؛ فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد، ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد» (٢). اهـ (٣).

стр. 1975

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نفي التشبيه والتمثيل والتأويل والتعطيل عن صفات الله تعالى اعلم أن المنتسبين إلى الإسلام على ثلاثة أقسام؛ قسم نفوا بعض صفات الله تعالى أو كلها، فالمتفلسفون نفوا الصفات كلها إلا الوجود، وزعموا أنهم بذلك نزهوا الله تعالى عن مشابهة مخلوقاته. والجهمية ومن سلك طريقهم حكموا عقولهم الفاسدة في صفات الله تعالى فأثبتوا بعض الصفات ونفوا بعضها، وزعموا أن ما نفوا منها فيه تشبيه وتمثيل كصفة العلو والاستواء التي تقدم بيانها، وصفة الكلام الذي هو عربي أو عبراني أو سرياني أو غير ذلك بحروف وأصوات، وتقديم وتأخير. وقد تقدم الكلام فيه مستوفى، ورؤية المؤمنين ربهم بأبصارهم يوم القيامة يتجلى لهم ضاحكًا ويتنعمون برؤيته ويخاطبهم ويخاطبونه، وقد تقدم ذلك بغاية التحقيق، وينفون كذلك نزول الله إلى السماء الدنيا ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء، ومحبته لعباده المؤمنين ورضاه عنهم وبغضه للكافرين وغضبه عليهم وفرحه بتوبة عبده المؤمن وعجبه وضحكه .. إلى غير ذلك مما يزعمون أن فيه تشبيهًا، وسبب ضلالهم أنهم لم يفهموا من الفوقية والنزول والقرب والمحبة والبغض والرضى والسخط والفرح والضحك إلا ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولو أنهم اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله وأهل القرون المفضلة لعلموا أن ذات الله لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه الصفات، وهم يعترفون أن الله علمًا وقدرة وإرادة، وللمخلوقين علم وقدرة وإرادة، ولكن شتان ما بين علم الله وعلم المخلوق، وشتان ما بين قدرة الله وقدرة المخلوق، وشتان ما بين إرادة الله وإرادة المخلوق، وشتان ما بين حياة الله وحياة المخلوق.

стр. 1976

فكذلك نقول: الله كلام وعلو ونزول ومجيء ورضى ومحبة وسخط وغضب لا تشبه صفات المخلوقين، فهؤلاء متناقضون فيما يثبتون وفيما ينفون، أو يحرفون فيقولون: ﴿اسْتَوَى﴾: استولى، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: جاء أمره، ويؤولون الرضى والمحبة والضحك والفرح بالثواب والكراهية والبغض والغضب والسخط بالعقاب وهم محجوجون؛ لأنه يرد عليهم فيما أثبتوه ما أوردوه على غيرهم فيما نفوه، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، نسأل الله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه. إرادة الله ومشيئته ١ - قال تعالى في سورة الدهر: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ، وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠، ٣١]. ٢ - وقال تعالى في سورة التكوير: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]. ٣ - وقال تعالى في آخر سورة يس: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٢، ٨٣]. ٤ - وقال تعالى في آخر سورة يونس: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]. ٥ - وقال تعالى في سورة البروج: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٢ - ١٦]. ٦ - وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. ٧ - وقال تعالى في سورة الكهف الآية [٣٥]: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا

стр. 1977

وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٣٥ - ٤٣]. قال (ك) في تفسير الآية الأولى: «وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ أي: لا يقدر أحد أن يهدي نفسه ولا يدخل في الإيمان ولا يجر لنفسه نفعًا ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: عليم بمن يستحق الهداية، فييسرها له ويقيض له أسبابها ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، ثم قال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ، وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: يهدي من يشاء فمن يهده فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له». اهـ (١). وقال (ك) في تفسير الآية الثانية: «أي ليست المشيئة موكولةً إليكم فمن شاء اهتدى ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله تعالى رب العالمين» (٢). قال سفيان الثوري عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى: لما نزلت هذه الآية: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى (٣): ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤). وقال (ك) في تفسير الآية الثالثة: «أي: إنما يأمر بالشيء أمرًا واحدًا لا يحتاج إلى تكرار وتأكيد (٥): إِذَا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا فَإِنَّمَا … يَقُولُ لَهُ كُنْ قولة فيكون.

стр. 1978

وقال الإمام (حم) (١): بسنده عن أبي ذر قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى يقول: يا عبادي كلكم مذنب إلا من عافيت فاستغفروني أغفر لكم، وكلكم فقير إلا من أغنيت، إني جواد ماجد أفعل ما أشاء، عطائي كلام وعذابي كلام إذا أردت شيئًا فإنما أقول له: كن، فيكون». وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] أي: تنزيه وتقديس وتبرئة من السوء للحي القيوم الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله وله الخلق والأمر وإليه يرجع العباد يوم المعاد، فيجازي كل عامل بعمله وهو العادل المنعم المتفضل. ومعنى قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كقوله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وكقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ فالملك والملكوت واحد في المعنى كرحمة ورحموت ورهبة ورهبوت وجبر وجبروت، ومن الناس من زعم أن الملك هو عالم الأجسام والملكوت هو عالم الأرواح، والصحيح الأول (٢)، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم. قال (حم): بسنده عن حذيفة قال: قمت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فقرأ السبع الطوال (٣) في سبع ركعات، وكان ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: «سمع الله لمن حمده» ثم قال: «الحمد لله ذي الملك والملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، وكان ركوعه مثل قيامه، وسجوده مثل ركوعه، فانصرف وقد كادت تنكسر رجلاي» (٤). اهـ.

стр. 1979

وقال (ك) في تفسير الآية الرابعة: فيه بيان لأن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده لا يشاركه في ذلك أحد فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، روى (١) ابن عساكر وذكر سنده عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن الله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوه أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم» (٢) (٣). ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي: لمن تاب إليه وتوكل عليه، ولو من أي ذنب كان حتى من الشرك به فإنه يتوب عليه (٤). وقال (ك) في تفسير الآية الخامسة: أي: إن بطشه وانتقامه من أعدائه الذين كذبوا رسله وخالفوا أمره لشديد عظيم القوى (٥)، فإنه تعالى ذو القوة المتين الذي ما شاء كان كما يشاء في مثل لمح البصر أو هو أقرب، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ أي: من

стр. 1980

قوته وقدرته التامة يبدئ الخلق (١) ويعيده كما بدأه بلا ممانع ولا مدافع ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ أي: يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه ولو كان الذنب من أي شيء كان، والودود قال ابن عباس وغيره: هو الحبيب، ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ أي: صاحب العرش العظيم (٢) العالي على جميع الخلائق، و ﴿الْمَجِيدُ﴾ فيه قراءتان الرفع على أنه صفة للرب ، والجر على أنه صفة للعرش، وكلاهما معنى صحيح ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ أي: مهما أراد فعله لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقهره وحكمته وعدله: كما روينا عن أبي بكر الصديق أنه قيل له: وهو في مرض الموت: هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم، قالوا: فما قال لك؟ قال لي: (إني فعال لما أريد) (٣). اهـ. وقال (ك) في تفسير الآية السادسة: «في البخاري ومسلم (٤) بسندهما عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾». وروى الإمام (حم) (٥)، والأربعة إلا الترمذي: عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، كأن (٦) على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى

стр. 1981

يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت (١) حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض (٢)، فيصعدون بها فلا يمرون بها - يعني على ملأ من الملائكة - إلا قالوا: ما هذه (٣) الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد البصر (٤)، و (٥) يأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير (٦)، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء سود الوجوه معهم المسوح فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، فيجلس (٧) عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب.

стр. 1982

قال: فتتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المهلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، فيخرج (١) منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه (٢) الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان (٣) يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم. فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف (٤) أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: ومن أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة» (٥). اهـ.

стр. 1983

وقال الإمام (حم) بسنده إلى جابر بن عبد الله عن فتاني القبر: إن (١) النبي ﷺ قال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا أُدخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه جاء ملك شديد الانتهار فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول (٢): إنه رسول الله ﷺ ، وعبده فيقول له الملك: انظر إلى مقعدك الذي كان لك في النار قد أنجاك الله منه وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة فيراهما كليهما. فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي فيقال له: اسكن. وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أصحابه (٣) فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول لا أدري أقول كما يقول الناس، فيقال له: لا دريت هذا مقعدك الذي كان لك في (٤) الجنة (٥) أبدلت مكانه مقعدك من النار»، قال جابر: فسمعت النبي ﷺ يقول: «يبعث كل عبد في القبر على ما مات عليه (٦) المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه» (٧). إسناده صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» (٨). اهـ. قال القاسمي في «تفسيره»: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ أي: يخلق فيهم الضلال عن الحق الذي ثَبَّت المؤمنين عليه حسب إرادتهم واختيارهم، ووصفهم بالظلم لوضعهم الشيء في غير

стр. 1984

موضعه، أو لظلمهم أنفسهم حيث بدلوا فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: من التثبيت والإضلال حسبما تقتضيه حكمته البالغة (١). اهـ. وقال (ك) في تفسير الآية السابعة: وقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي: بكفره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكاره المعاد ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾، وذلك اعتزارًا منه لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها ظن أنها لا تفنى (٢) ولا تهلك ولا تتلف، وذلك لقلة عقله وضعف يقينه بالله وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها وكفره بالآخرة، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ أي: كائنة ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ أي: ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلى الله ليكونن لي هناك أحسن من هذا الحظ (٣) عند ربي ولولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ وقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ أي: في الدار الآخرة تألى على الله . وكان سبب نزولها في العاص بن وائل، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ إلى قوله: ﴿طَلَبًا﴾. قال (ك): يقول تعالى: مخبرًا عما أجابه به صاحبه المؤمن واعظًا له وزاجرًا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين، وهو آدم ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُم﴾ الآية، أي: كيف تجحدون ربكم ودلالته (٤) عليكم ظاهرة جلية كل أحد يعلمها من نفسه، فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم إنه كان معدومًا، ثم وجد وليس وجوده من

стр. 1985

نفسه ولا مستندًا لشيء (١) من المخلوقات؛ لأنه بمثابته فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء، ولهذا قال المؤمن (٢): ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي: لكن أنا لا أقول بمقالتك بل أعترف الله بالوحدانية والربوبية ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له، ثم قال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ هذا (٣) تحضيض وحث على ذلك ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ أي: هلا إذ أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها حمدت (٤) الله على ما أنعم به عليك وأعطاك من المال والولد ما لم يعطه (٥) غيرك، وقلت: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وهذا مأخوذ من هذه الآية (٦). وقد ثبت في «الصحيحين» (٧) عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال له: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله». وقوله: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾ أي: على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال ابن عباس والضحاك (٨) ومالك عن الزهري: عذابًا من السماء. والظاهر أنه مطر عظيم مزعج يقلع زروعها (٩) وأشجارها ولهذا قال:

стр. 1986

﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أي: بلقعًا ترابًا أملس لا يثبت فيه قدم. وقال ابن عباس: كالجرز الذي لا ينبت شيئًا. وقوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ أي: غائرًا في الأرض وهو ضد النابع الذي يطلب وجه الأرض فالغائر يطلب أسفلها كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ أي: جار وسائح، وقال ههنا: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ والغور مصدر بمعنى: غائر، وهو أبلغ منه، كما قال الشاعر (١): تظل جياده نوحًا عليه … مقلدة أعنتها صفونا وقوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ إلى قوله: ﴿عُقْبًا﴾. قال (ك): «يقول تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ بأمواله أو بثماره على القول الآخر، والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان يحذر مما خوفه به المؤمن من إرسال الحسبان على جنته التي اغتر بها وألهته عن الله ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ قال (٢) قتادة: يصفق كفيه متأسفًا متلهفًا على الأمور التي أذهبها عليها ﴿وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ أي: عشيرة أو ولد كما افتخر بهم واستعز ﴿يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾. اختلف القراء ههنا فمنهم من يقف على قوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك الموطن الذي حل به عذاب الله فلا منقذ له منه ويبتدئ بقوله: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾، ومنهم (٣) من يقف على ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ويبتدئ بقوله: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾، ثم اختلفوا في قراءة ﴿الْوَلَايَةُ﴾ فمنهم من فتح الواو (٤).

стр. 1987

من (١) ﴿الْوَلَايَةُ﴾ فيكون المعنى هنالك الموالاة لله، أي: هنالك كل أحد (٢) مؤمن أو كافر يرجع إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب، كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤]، وكقوله إخبارًا عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠، ٩١]. ومنهم من كسر الواو من الولاية (٣) أي: هنالك الحكم لله (٤)، ثم منهم من رفع «الحق» على أنه نَعْتٌ للولاية، كقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]. ومنهم من خفض القاف على أنه نعت الله كقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ الآية [الأنعام: ٦٢]، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ أي: جزاء ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أي: الأعمال التي تكون الله ثوابها خير وعاقبتها حميدة رشيدة كلها خير» (٥). اهـ. وقال صاحب «الكواشف» ص ٩١: وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].

стр. 1988

في هذه الآيات وما ماثلها إثبات لمشيئة الله التامة وإرادته الكونية القدرية والدينية الشرعية، وقد أجمع العلماء من المسلمين وسلف الأمة وأئمتها وأهل السنة قاطبة على إثبات مشيئة الله وإرادته (١).

стр. 1989

الآية الأولى: أي: وهلا إذ أعجبتك جنتك حين دخلتها ونظرت إليها حمدت الله على ما أنعم به عليك وأعطاك من المال والولد، وقلت الأمر ما شاء الله والكائن ما قدره الله، ليكون ذلك منك اعترافًا بالعجز وبأنها وما فيها بمشيئة الله إن شاء الله أبقاها وإن شاء أفناها، وأن ما تيسر لك (١) من عمارتها إنما هو بمعونة الله لا بقوتك (٢) وقدرتك. اهـ. الآية الثانية: فيها أولًا إخبار عما وقع بين أتباع الرسول ومن (٣) بعدهم من التنازع والتعادي وأن ذلك إنما يكون بمشيئة الله ، ولو شاء الله عدم الاقتتال لم يقتتلوا إذ لا يجري في ملكه إلا ما شاء سبحانه. الآية الثالثة: وهي قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ الإرادة المذكورة فيها دينية شرعية، أي أبيحت لكم بهيمة الأنعام أي: الإبل والبقر والغنم، ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: إلا ما يتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال، وقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُم﴾، قال بعضهم: هذا منصوب على الحال والمراد بالأنعام ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، وما يعم الوحشي كالظباء (٤) والبقر والحمر الوحشية، فاستثنى من الإنسي (٥) ما تقدم واستثنى من الوحشي الصيد حال الإحرام. وقيل المراد: أحللنا الأنعام إلا ما استثني منها لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ﴾ الآية [البقرة: ١٧٣].

стр. 1990

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ أي: يحكم ما يريد من التحليل والتحريم لا اعتراض عليه في الحكم فله الحكم سبحانه، وهو الحكيم لا حاكم غيره، فكل حكم سوى حكمه فهو باطل مردود، وكل حاكم بغير حكمه وحكم رسوله، فهو طاغوت كافر بالله. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وهذا عام شامل فما من قضية إلا والله فيها حكم، قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال ﷺ : «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (١). وقال فيما صح عنه: «ما بعث الله (٢) من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم» (٣). وقال أبو ذر: «لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا» (٤). ولا شك أن من أعرض عن كتاب الله وسنة رسوله واعتاض عنها بالقوانين الوضعية (٥) أنه كافر كفرًا ناقلًا عن الملة الإسلامية، وكذا من استهزأ بالقرآن، أو طلب تناقضه، أو ادعى أنه مختلف، أو مختلق مقدور على مثله، أو إسقاط لحرمته، أو استخف به، أو جحد شيئًا منه، أو كذب به أو بشيء منه، أو أثبت شيئًا نفاه القرآن، أو نفى ما أثبته القرآن، فقد كفر قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ الآية.

стр. 1991

نفي التشبيه والتمثيل والتأويل والتعطيل عن صفات الله تعالى وقال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر، وقال علي: من كفر بحرف منه فقد كفر به كله) (١)، وكذا (٢) من زعم أنه يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، أو زعم أن هدى غير محمد أفضل من هديه ﷺ أو أحسن، أو زعم أنه لا يسع الناس في مثل هذه العصور إلا الخروج عن الشريعة، وأنها كافية (٣) في الزمان الأول فقط، وأما في هذه الأزمنة فالشريعة لا تساير الزمن ولا بد من تنظيم قوانين بما يناسب الزمن، فلا شك أن هذا الاعتقاد إذا صدر من إنسان فإنه قد استهان بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وتنقصها، ولا شك في كفره وخروجه من (٤) الدين الإسلامي بالكلية. وكذلك من زعم أنه محتاج للشريعة في علم الظاهر (٥) دون علم الباطن (٦)، أو في علم الباطن فقط أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة أو أن الإنسان حر (٧) التدين وفي أي دين شاء من يهودية أو نصرانية أو غير ذلك، أو أن هذه الشرائع غير منسوخة بدين محمد، أو استهان بدين الإسلام، أو تنقصه أو هزل به أو بشيء من شرائعه أو بمن جاء به وكذلك ألحق بعض العلماء الاستهانة بحملته لأجل حمله فهذه الأمور كلها كفر، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. وقال ابن القيم: والله ما خوفي الذنوب فإنها … لعلى سبيل (٨) العفو والغفران لكنما أخشى انسلاخ القلب من تحكيم هذا الوحي والقرآن ورضى بآراء الرجال وخرصها … لا كان ذاك بمنة المنان

стр. 1992

فَبِأَيِّ (١) وَجْهٍ أَتَى رَبِّي غَدًا (٢) إِذَا … أَعْرَضْتُ عَنْ ذَا الْوَحْيِ طُولَ زَمَانِ وَعَزَلْتُهُ عَمَّا أُرِيدُ لِأَجْلِهِ … عُزْلًا حَقِيقِيًّا بِلَا كِتْمَانِ (٣) الآية الرابعة: «يقول تعالى: فمن كان أهلًا بإرادة الله وتقديره لقبول دعوة الإسلام - الذي هو دين الفطرة والهادي إلى طريق الرشاد وجد لذلك في نفسه انشراحًا واتساعًا بما يشعر به قلبه من السرور، فلا يجد مانعًا من النظر الصحيح فيما ألقي إليه فيتأمله، وتظهر له عجائبه، وتتضح له دلائله فتوجه (٤) إليه إرادته، ويدعو له قلبه، بما يرى من ساطع النور الذي يستضيئ به لبه وباهر البرهان الذي يتملك نفسه. ولما سُئِلَ ﷺ عن هذه الآية قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: «نور يقذف فيه فينشرح (٥) له وينفسح» قالوا: فهل لذلك من إمارة يعرف بها؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت» (٦). وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ … ﴾ إلخ. أي: من فسدت فطرته بالشرك

стр. 1993

وتدنست نفسه بالآثام والذنوب؛ يجد في صدره ضيقًا أيما ضيق، إذا طلب إليه التأمل فيما يدعى له من دلائل التوحيد، والنظر في الآفاق والأنفس، لما استحوذ على قلبه من باطل التقاليد، والاستكبار عن مخالفة ما ألفه وسار عليه الأكثر من الناس، وتضعف إرادته عن ترك ما هو عليه فتكون إجابته للداعي إلى دين الإسلام والتمسك به ثقيلة ويشعر بالعجز عن احتمالها، ويكون مثل من صعد في الطبقات العليا في جو السماء إذ يشعر بضيق شديد في النفس، وكلما صعد في الجو أكثر شعر بتخلخل (١) الهواء ولم يستطع البقاء، فإن هو قد بقي فيها مات. وقيل: كأنه من ضيقه وشدته يصعد في السماء، أي يتكلف الصعود إلى السماء الذي لا حيلة فيه. والخلاصة: إن هذا مثل ضربه الله لقلب الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه بقوله، فمثله في امتناعه من قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه؛ مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه؛ لأنه ليس في وسعه وطاقته الوصول إليه. قال شيخ الإسلام: جعل الله القلوب ثلاثة أقسام: قاسية، وذات مرض، ومؤمنة (٢)، وذلك أنها إما أن تكون يابسة جامدة لا تلين للحق اعترافًا وإذعانًا، أو لا تكون يابسة جامدة؛ فالأول هو القاسي وهو الجامد اليابس بمنزلة الحجر لا ينطبع ولا يكتب فيه الإيمان ولا يرتسم فيه العلم؛ لأن ذلك يستدعي محلًا لينًا قابلًا، والثاني لا يخلو إما أن يكون ثابتًا فيه لا يتزلزل (٣) عنه لقوته مع لينه، أو يكون لينه مع ضعف وانحلال، فالثاني هو الذي فيه المرض والأول هو القوي اللين. والعلم يدخل قلب كل موفق … من غير بواب ولا استئذان ويرده المحروم من خذلانه … لا تشقنا اللهم بالخذلان (٤) (٥)

стр. 1994

إثبات صفة المحبة الله قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. قال (ك): «الآية (١) الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب (٢) في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله (٣)، كما ثبت في «الصحيحين» (٤) عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٥). ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِبَّ إنما الشأن أن تُحَبَّ. وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: باتباعكم الرسول ﷺ يحصل لكم هذه (٦) من بركة سفارته. اهـ.

стр. 1995

فصل قال محمد تقي الدين: تقدم ذكر هذه الآية في (القسم الثاني) في (آيات توحيد الاتباع) بتفصيل، والمراد هنا إثبات صفة المحبة لله فإنه أثبتها لنفسه في كتابه وأثبتها له رسول ﷺ وأصحابه كلهم والتابعون والأئمة المجتهدون وأئمة الحديث، فمن نفاها أو تأولها بأن الله يثيبهم فهو مبتدع من الخلوف الذين حذرنا منهم رسول الله ﷺ وأمرنا بجهادهم، فقال ﵊: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (١). وزعمهم (٢) أن في إثبات هذه الصفة وأمثالها تشبيهًا لله بخلقه؛ لأن المحبة ميل القلب إلى لقاء المحبوب والتشوق لوصاله، فقلنا لهم: هذه محبتكم أنتم، ومن جهلكم شبهتم محبة الله بمحبتكم، فشبهوا أيضًا علمه بعلمكم، وقدرته بقدرتكم، وإرادته بإرادتكم، وحياته بحياتكم، وسمعه وبصره بسمعكم وبصركم، وانفوا عنه الصفات كلها كما فعل أشياخكم الفلاسفة، وذلكم لازم لكم. أما نحن فنثبت الله تعالى كل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها رسول الله ﷺ مع نفي تشبيه صفاته تعالى بصفات المخلوقين، كما أن ذاته لا تشبه ذواتهم. فانظروا عقيدة السلف ما أسهلها وما أحسنها فنورُها مُشْرِق، وعقيدة الخَلْف - بسكون اللام - مظلمة منتنة الرائحة، فالحمد لله الذي عافانا منها! وقال تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].

стр. 1996

قال (ك): أي: من الذنب وإن تكرر غشيانه ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي: المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض، أو في غير المأتى». اهـ (١). قال محمد تقي الدين: ثبتت محبة الله تعالى للتوابين وللمتطهرين وتأويل الحب هنا: بالثواب تكذيب (٢). وادعاء المجاز باطل لأنه لا توجد قرينة تدل عليه، وقد تكرر وروده في النصوص، فتوبوا إلى ربكم يا أيها النفاة المعطلون، وآمنوا بالله مثلما آمن به رسوله والصحابة والتابعون بلا تأويل (٣) ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل.

стр. 1997

وقال تعالى في سورة المائدة في صفة المؤمنين الصادقين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]. قال: (ك): «يقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة: إنه من تولى عن نصرة دينه وإقامته شريعته؛ فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه، وأشد منعة، وأقوم سبيلًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٩، ٢٠] أي: بممتنع ولا صعب، وقال تعالى ههنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ﴾ عن دينه أي: يرجع عن الحق إلى الباطل، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ هذه صفة (١) المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه متعززًا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وفي صفة رسول الله ﷺ أنه الضحوك القتال، فهو ضحوك لأوليائه قتال لإعدائه، وقوله : ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ أي: لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله وإقامة الحدود وقتال أعدائه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يردهم عن ذلك راد ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم، ولا عذل عاذل» (٢). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: قد ذكرت تفسير هذه الآية مطولًا في (القسم الأول) من «سبيل الرشاد»، والمراد هنا إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين المجاهدين في سبيله كما قال تعالى في سورة الصف [٤]:

стр. 1998

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. اهـ. قال صاحب «الكواشف» (ص ٩٩) ما نصه: صفة المودة والمحبة وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ، صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ في هذه الآيات الكريمات دليل على إثبات صفة المحبة الله، وهي من الصفات الفعلية، وقد دل عليها الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، محبة تليق بجلاله كما يقال ذلك في سائر الصفات، والحب اشتقاقه في الأصل من الملازمة والثبوت من قولهم: أحب البعير فهو محب إذا برك (١)، فالمحب ملازم لذكر محبوبه ثابت القلب على حبه مقيم عليه، ولا (٢) يروم عنه انتقالًا ولا يبغي عنه تحولًا ولا زوالًا، قد اتخذ له في سويداء قلبه وطنًا وجعله له سكنًا، والحب بالضم والكسر، والضم أولى. ومن السنة ما يدل على صفة المحبة ما ورد عن عبد الله بن مسعود يرفعه قال: «ثلاثة يحبهم الله: رجل قام من الليل يتلو كتاب الله … » الحديث (٣) رواه (ت)، وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله؛ فأما الذين يحبهم الله: فرجل أتى قومًا فسألهم بالله ولم يسألهم لقرابته بينه وبينهم، فتخلف رجل من أعيانهم فأعطاه سرًا لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه … .» (٤) الحديث رواه (ت) و (ن).

стр. 1999

قال الشيخ (١): «فأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله يحب ويرضى كما دل على ذلك الكتاب والسنة. ويقولون: إن المحبة والرضى أخص من الإرادة، فيقولون إن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يرضاه وإن كان داخلًا في مراده كما دخلت سائر المخلوقات. اهـ. الآية الأولى: فسره ﷺ بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٢)، وأما الإحسان إلى المخلوق، فهو إما أن يكون بإيصال النفع الديني والدنيوي، ويدخل فيه (٣) إنفاق العلم بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه البر والخيرات والعبادات، وإما أن يكون بدفع الضرر عنهم حسب استطاعة أو بهما جميعًا». اهـ. الآية الثانية: القسط: العدل في المعاملات والأحكام مع كل أحد، قريب أو بعيد، عدو أو صديق والعدل في حقوق الله أن تصرف نعمه في طاعته ولا يستعان بها ولا بشيء منها على معصية الله تعالى؛ أي: اعدلوا في كل ما تأتون وما تذرون، إن الله يحب العادلين في أهليهم وما ولوا، وفي جميع أعمالهم، وفي حكمهم بين الناس، وفي جميع الولايات التي تولوها، حتى إنه قد يدخل في ذلك عدل الرجل في أهله وعياله في أداء حقوقهم. عن عبد الله بن عمرو (٤) عن النبي ﷺ قال: «المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولوا» (٥).

стр. 2000

قال الشيخ (١): «العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقًا لا يباح قط بحال، والعدل محبوب باتفاق أهل الأرض، مركوز حبه في القلوب (٢) وتحمده، وهو من المعروف الذي تعرفه القلوب، والظلم من المنكر الذي تنكره القلوب فتبغضه وتذمه، والشرع الذي يجب على حكام المسلمين الحكم به عدل كله ليس في الشرع ظلم أصلًا، بل حكم الله أحسن الأحكام، والشرع هو ما أنزل الله فكل من حكم بما أنزل الله فقد حكم بالعدل، لكن العدل قد يتنوع بتنوّع الشرائع والمناهج». اهـ. وقال: «أمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه اشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق (٣)، وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة». اهـ. وقال: «ومعلوم أن الناس تحت أمر الله ورسوله، فليس لأحد أن يضر نفسه وماله ضررًا نهاه الله عنه، ومن دفع ذلك الضرر عنه بما هو أخف منه فقد أحسن إلى نفسه، وفي فطر الناس جميعهم أن من لم يقابل الإحسان بالإحسان فهو معتد، وما عده المسلمون ظلمًا فهو ظلم». اهـ. الآية الثالثة: «التواب كثير التوبة الذي كلما أذنب تاب ورجع عن المعصية. والطهارة (٤): النظافة والنزاهة عن الأقذار، والطهارة تنقسم إلى قسمين: الأولى: حسية، وتكون عن الأحداث والأنجاس والثانية: معنوية، وتكون عن الذنوب والآثام والمعاصي.
следующие страницы →