← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

قال (ك): أي: من الذنب وإن تكرر غشيانه ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي: المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض، أو في غير المأتى». اهـ (١). قال محمد تقي الدين: ثبتت محبة الله تعالى للتوابين وللمتطهرين وتأويل الحب هنا: بالثواب تكذيب (٢). وادعاء المجاز باطل لأنه لا توجد قرينة تدل عليه، وقد تكرر وروده في النصوص، فتوبوا إلى ربكم يا أيها النفاة المعطلون، وآمنوا بالله مثلما آمن به رسوله والصحابة والتابعون بلا تأويل (٣) ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل.

стр. 1997

وقال تعالى في سورة المائدة في صفة المؤمنين الصادقين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]. قال: (ك): «يقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة: إنه من تولى عن نصرة دينه وإقامته شريعته؛ فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه، وأشد منعة، وأقوم سبيلًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٩، ٢٠] أي: بممتنع ولا صعب، وقال تعالى ههنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ﴾ عن دينه أي: يرجع عن الحق إلى الباطل، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ هذه صفة (١) المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه متعززًا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وفي صفة رسول الله ﷺ أنه الضحوك القتال، فهو ضحوك لأوليائه قتال لإعدائه، وقوله : ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ أي: لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله وإقامة الحدود وقتال أعدائه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يردهم عن ذلك راد ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم، ولا عذل عاذل» (٢). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: قد ذكرت تفسير هذه الآية مطولًا في (القسم الأول) من «سبيل الرشاد»، والمراد هنا إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين المجاهدين في سبيله كما قال تعالى في سورة الصف [٤]:

стр. 1998

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. اهـ. قال صاحب «الكواشف» (ص ٩٩) ما نصه: صفة المودة والمحبة وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ، صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ في هذه الآيات الكريمات دليل على إثبات صفة المحبة الله، وهي من الصفات الفعلية، وقد دل عليها الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، محبة تليق بجلاله كما يقال ذلك في سائر الصفات، والحب اشتقاقه في الأصل من الملازمة والثبوت من قولهم: أحب البعير فهو محب إذا برك (١)، فالمحب ملازم لذكر محبوبه ثابت القلب على حبه مقيم عليه، ولا (٢) يروم عنه انتقالًا ولا يبغي عنه تحولًا ولا زوالًا، قد اتخذ له في سويداء قلبه وطنًا وجعله له سكنًا، والحب بالضم والكسر، والضم أولى. ومن السنة ما يدل على صفة المحبة ما ورد عن عبد الله بن مسعود يرفعه قال: «ثلاثة يحبهم الله: رجل قام من الليل يتلو كتاب الله … » الحديث (٣) رواه (ت)، وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله؛ فأما الذين يحبهم الله: فرجل أتى قومًا فسألهم بالله ولم يسألهم لقرابته بينه وبينهم، فتخلف رجل من أعيانهم فأعطاه سرًا لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه … .» (٤) الحديث رواه (ت) و (ن).

стр. 1999

قال الشيخ (١): «فأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله يحب ويرضى كما دل على ذلك الكتاب والسنة. ويقولون: إن المحبة والرضى أخص من الإرادة، فيقولون إن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يرضاه وإن كان داخلًا في مراده كما دخلت سائر المخلوقات. اهـ. الآية الأولى: فسره ﷺ بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٢)، وأما الإحسان إلى المخلوق، فهو إما أن يكون بإيصال النفع الديني والدنيوي، ويدخل فيه (٣) إنفاق العلم بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه البر والخيرات والعبادات، وإما أن يكون بدفع الضرر عنهم حسب استطاعة أو بهما جميعًا». اهـ. الآية الثانية: القسط: العدل في المعاملات والأحكام مع كل أحد، قريب أو بعيد، عدو أو صديق والعدل في حقوق الله أن تصرف نعمه في طاعته ولا يستعان بها ولا بشيء منها على معصية الله تعالى؛ أي: اعدلوا في كل ما تأتون وما تذرون، إن الله يحب العادلين في أهليهم وما ولوا، وفي جميع أعمالهم، وفي حكمهم بين الناس، وفي جميع الولايات التي تولوها، حتى إنه قد يدخل في ذلك عدل الرجل في أهله وعياله في أداء حقوقهم. عن عبد الله بن عمرو (٤) عن النبي ﷺ قال: «المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولوا» (٥).

стр. 2000

قال الشيخ (١): «العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقًا لا يباح قط بحال، والعدل محبوب باتفاق أهل الأرض، مركوز حبه في القلوب (٢) وتحمده، وهو من المعروف الذي تعرفه القلوب، والظلم من المنكر الذي تنكره القلوب فتبغضه وتذمه، والشرع الذي يجب على حكام المسلمين الحكم به عدل كله ليس في الشرع ظلم أصلًا، بل حكم الله أحسن الأحكام، والشرع هو ما أنزل الله فكل من حكم بما أنزل الله فقد حكم بالعدل، لكن العدل قد يتنوع بتنوّع الشرائع والمناهج». اهـ. وقال: «أمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه اشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق (٣)، وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة». اهـ. وقال: «ومعلوم أن الناس تحت أمر الله ورسوله، فليس لأحد أن يضر نفسه وماله ضررًا نهاه الله عنه، ومن دفع ذلك الضرر عنه بما هو أخف منه فقد أحسن إلى نفسه، وفي فطر الناس جميعهم أن من لم يقابل الإحسان بالإحسان فهو معتد، وما عده المسلمون ظلمًا فهو ظلم». اهـ. الآية الثالثة: «التواب كثير التوبة الذي كلما أذنب تاب ورجع عن المعصية. والطهارة (٤): النظافة والنزاهة عن الأقذار، والطهارة تنقسم إلى قسمين: الأولى: حسية، وتكون عن الأحداث والأنجاس والثانية: معنوية، وتكون عن الذنوب والآثام والمعاصي.

стр. 2001

والمعنى: إن الله يحب الذين يرجعون إليه تائبين غير مصرين على شيء (١) من أفعالهم، ويحب كل من نَزَّه نفسه عن الأقذار وابتعد عن ارتكاب المحرمات، وللتوبة ثلاثة شروط؛ إذا كانت لا تتعلق بحق آدمي: الأول: الإقلاع عن المعصية. والثاني: الندم على فعلها. والثالث: العزم على أن لا يعود إلى المعصية أبدًا. فإن فَقَدَ أحد هذه الشروط (٢) لم تصح توبته، وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي فشروطها أربعة، الثلاثة المذكورة (٣). والرابع: أن يبرأ من حق صاحبه (٤) فإن كانت مالًا أو نحوه رده، وإن كانت حد قذف أو نحوه، مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها إن كان عاقلًا حليمًا يغلب على الظن أنه إذا جاء معتذرًا متنصلًا من ذنبه تائبًا نادمًا عفا عنه وسامحه، وإلا فيستغفر له لحديث (٥): «إن (٦) كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته تقول: اللهم اغفر لنا وله» (٧). وقد حث الله على التوبة وبين ما للتائبين في آيات القرآن الكريم، وقد

стр. 2002

نظم أركان التوبة الشيخ عثمان بن قائد الحنبلي (١) في ثلاثة أبيات وسماها (شروطًا)، فقال: شروط توبتهم إن شئتَ عِدَّتها … ثلاثة عرفت فاحفظ على مهل إقلاعه ندم، وعزمه أبدا … أن لا يعود لما منه جرى وقل إن كان توبته من ظلم صاحبه … لا بد من رد (٢) حقه على عجل الآية الرابعة: الاستقامة: ضد الاعوجاج، ومعناها لغةً: الاستواء في جهة الانتصاب، وأما اصطلاحًا، فهي: اتباع الحق والقيام بالعدل ولزوم المنهج المستقيم.

стр. 2003

وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] أي: مهما تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم عليه من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين فاستقيموا لهم … إلخ، وقد فعل ﷺ ذلك والمسلمون، واستمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست إلى أن نقضت قريش العهد ومالؤوا حلفاءهم، وهم: بنو بكر على خزاعة أحلاف رسول الله ﷺ فقاتلوهم (١) في الحرب أيضًا، فعند ذلك غزاهم رسول الله ﷺ في رمضان سنة ثمان، ففتح الله عليه البلد الحرام ومكنه من نواصيهم، ولله الحمد والمنة. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ التقوى: التحرز بطاعة الله عن معصية الله، فهي كلمة جامعة لفعل المأمورات وترك المنهيات، وقد يغلب استعمال التقوى على اجتناب المحرمات كما قال الشاعر (٢): خَلِّ الذُّنوبَ صَغيرَها … وَكَبيرَها فهو التقى واصنع كماش فوق أر … ضِ الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرةً … إنَّ الجبال من الحصى. اهـ الآية الخامسة: الحب والمحبة، ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، قال: وقد (٣) أحبه فهو محب وحبه - يحبه بالكسر - فهو محبوب، قال الأزهري: محبة العبد الله ولرسوله: طاعته لأمرهما واتباعه لهما، ومحبة الله للعبد: محبة تليق بجلاله وعظمته أثرها رحمته وإحسانه وإعطاؤه، والمعنى: قل يا محمد: إن كنتم تحبون الله حقيقة فاتبعوني فإن ما جئت به من عنده مبين لصفاته وأمره ونهيه، والمحب الصادق حريص على معرفة المحبوب ومعرفة أمره ونهيه، ليتقرب إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه، فإن اتبعتموني يحببكم الله … إلى، وهذه حجة على من يدعي محبة الله في كل زمان ومكان وأعماله تكذب ما يقول، إذ كيف يجتمع حب مع الجهل بالمحبوب وعدم العناية بأوامره ونواهيه، فهو كما قال الوراق (٤):

стр. 2004

تَعْصِي الإِلَاهَ وَأَنْتَ تَظْهَرُ حُبَّهُ … هَذَا لَعَمْرِي فِي القِيَاسِ بَدِيعُ لَو كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ … إِنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ ما يُؤْخَذُ مِنَ الآيَة: ١ - إثبات الألوهية. ٢ - إثبات صفة الكلام. ٣ - إثبات صفة المحبة الله. ٤ - الرد على الجهمية والمعتزلة. ٥ - الحث على محبة الله بالسعي في أسبابها. ٦ - الرد على من قال: إن القرآن كلام جبريل أو كلام محمد ﷺ . ٧ - إثبات صفة المغفرة، ومن أسمائه تعالى الغفور والغفار، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ الآية. قال ابن القيم (١) ﵀: وَهُوَ الْغَفُورُ فَلَوْ أُتِيَ بِقُرَابِهَا … مِنْ غَيْرِ شِرْكِ بَلْ مِنَ العِصْيَانِ لاقاهُ بالغُفْرَانِ مِلَ قُرَابِهَا … سُبْحَانَهُ هُوَ وَاسِعُ الغُفْرَانِ فهو سبحانه الذي أظهر الجميل وستر القبيح، والذنوب من جملة القبائح، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾، وفي الحديث: «إن الله يقول: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة» (٢). ومما يؤخذ من الآية أيضًا: ٨ - الحث على اتباع الرسول ﷺ . ٩ - إن هذه الآية هي الميزان الذي يُعرف (٣) به من أحب الله حقيقة، ومن ادعى ذلك دعوى مجردة، فعلامة محبة الله اتباع الرسول ﷺ . قال الشيخ ﵀: وكلما كان الرجل أتبع لمحمد ﷺ كان أعظم توحيدًا لله.

стр. 2005

وإخلاصًا له في الدين، وإذا بعد عن متابعته نقص من دينه بحسب ذلك، فإذا كثر بعده عنه ظهر فيه من الشرك والبدع ما لا يظهر فيمن هو أقرب منه إلى اتباع الرسول». اهـ. قال محمد تقي الدين: لم أنقل تفسيره لآية المائدة لأنه تقدم. ثم قال: «تنبيه: أنكرت الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم محبة الله، وقالوا: المحبة لا تكون إلا بين متناسبين؛ وبهذه الشبهة الفاسدة ردوا صفة من صفات الله الثابتة له. قال الإمام أحمد: لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين، والمناسبة لفظ مجمل، فإنه قد يراد بها التوالد (١) والقرابة، فيقال: هذا نسيب فلان ويناسبه إذا كان بينهم قرابة مستندة للولادة (٢) والآدمية، والله منزه عن ذلك، ويراد بها المماثلة، فيقال: هذا يناسب هذا: أي: يماثله والله أحد، صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد أو (٣) يراد بها الموافقة في معنى من المعاني وضدها المخالفة، والمناسبة بهذا الاعتبار ثابتة فإن أولياء الله تعالى يوافقونه فيما يأمر به فيفعلونه وفيما يحبه فيحبونه وفيما نهى عنه فيتركونه وفيما يعطيه فيصيبونه والله وتر يحب الوتر، جميل يحب الجمال (٤)، نظيف يحب النظافة، محسن يحب المحسنين، مقسط يحب المقسطين إلى غير ذلك من المعاني، فإذا أريد بالمناسبة هذا وأمثاله فهذه المناسبة حق، وهي من صفات الكمال (٥)، فإن من يحب صفات الكمال أكمل ممن لا فرق عنده بين صفات النقص والكمال أو لا يحب صفات الكمال، وإذا قدر موجودان أحدهما يحب العلم والصدق والعدل والإحسان ونحو ذلك، والآخر لا فرق عنده بين هذه الأمور وبين الجهل والكذب والظلم ونحو ذلك لا يحب هذا، ولا يبغض هذا كان الذي يحب تلك الأمور أكمل من هذا» (٦). اهـ. من «مجموعة الرسائل» لشيخ الإسلام.

стр. 2006

الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ فالغفور من أبنية المبالغة، أي كثير المغفرة، وأصل الغفر: الستر، ومنه المغفر، فهو يغفر لمن تاب إليه؛ أي يستر ذنوبه ويتجاوز عن خطاياه. قال ابن رجب: «المغفرة: محو الذنب، وإزالة أثره، ووقاية شره، ومنه: المغفر؛ لما يقي الرأس من الأذى، لا كما ظنه بعضهم الستر، فالعمامة لا تسمى مغفرًا مع سترها، فلا بد في لفظ المغفر من الوقاية» (١). اهـ. وقوله: ﴿الْوَدُودُ﴾ من الود، وهو خالص الحب وألطفه وأرقه وهو من الحب بمنزلة الرأفة والرحمة، قال الجوهري: «وَدِدْتُ الرجل أوَدُّه ودًا إذا أحببته، والود المودة والودود المحب» (٢)، والودود من صفاته (٣) تعالى، أصله من المودة واختلف فيه على قولين؛ فقيل: هو ودود بمعنى واد؛ كضروب بمعنى ضارب، وقتول بمعنى قاتل، ونؤوم بمعنى نائم، ويشهد لهذا القول أن فعولًا في صفات الله فاعل كغفور بمعنى غافر، وشكور بمعنى شاكر، وصبور بمعنى صابر، وقيل: بل هو بمعنى مودود، وهو الحبيب، وبذلك فسره (غ) في «صحيحه»، فقال: «الودود: الحبيب» (٤)، والأول أظهر لاقترانه بالغفور في قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤]، وبالرحيم في قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]، وفيه (٥) سر لطيف، وهو أنه يحب عبده بعد المغفرة فيغفر له ويحبه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ فالتائب حبيب الله فالود أصفى الحب وألطفه. اهـ. من كلام ابن القيم (٦). وقال ﵀: وَهُوَ الوَدُودُ يحبُّهُم وَيُحِبُّهُ … أحبابُهُ والفَضْلُ للمَتَانِ وهُوَ الذي جَعَل المَحَبةَ فِي قُلُو بِهِمُ … وَجَازَاهُمْ بِحُبٌ ثَانِ

стр. 2007

هَذَا هُوَ الإِحْسَانُ حَقًّا لَا مُعَا وَضَةً وَلَا لِتَوَقُّعِ الشُّكْرَانِ (١) والخلاصة: إنه سبحانه المحب لأهل طاعته من أنبيائه ورسله وملائكته وأوليائه وعباده المؤمنين المحسنين وهو سبحانه محبوبهم ولا تعادل محبة الله عند أصفيائه محبة أخرى، وهذا هو الواجب ويتعين أن تكون المحاب تبعًا لها؛ لأن محبة الله هي روح الأعمال وجميع الأعمال العبودية الظاهرة والباطنة تبع لها، ومحبة العبد لربه فضل من ربه وإحسان ليست بحول العبد وقوته، فهو الذي أحب عبده فوفقه وجعل المحبة في قلبه، ثم لما أحبه جازاه بحب آخر. قال ابن القيم: (٢) وحياة قلب المرء (٣) في شيئين من … يرزقهما يحيى مدى الأزمان في هذه الدنيا وفي الأخرى يكون … الحي ذا الرضوان والإحسان ذكر الإله وحبه من غير إشـ … ـراك به وهما فممتنعان من صاحب التعطيل حقًا كامتنا … ع الطائر المقصوص من طيران أيحبه من كان ينكر وصفه … وعلوه وكلامه بقران لا والذي حقًا على العرش استوى … مُتَكلّمًا بالوحي والفرقان (٤) ثم قال صاحب «الكواشف»: أقسام المحبة : أقسام المحبة خمسة: الأول: محبة الله، ولا تكفي وحدها للنجاة من النار والفوز بالجنة، فإن المشركين يحبون الله، والثاني: محبة ما يحب (٥) الله وهذه المحبة هي التي تدخل في الإسلام وتخرج من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة، الثالث: محبة في الله والله؛ وهي فرض، كمحبة أوليائه وبغض أعدائه وهي من مكملات محبة الله ومن لوازمها، فالمحبة التامة مستلزمة

стр. 2008

لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته، ومن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه ويحب أولياءه» (١). قال الشيخ (٢) ﵀ على قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢]: «فأخبر أنك لا تجد مؤمنا يواد المحادين لله ورسوله، فإن نفس الإيمان ينفي موادته كما ينفي أحد الضدين الآخر، فإذا وجد الإيمان انتفى ضده، وهو موالاة أعداء الله. فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه؛ كان ذلك دليلا على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب. ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٨٠]. فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف (لو) التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١]، فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب. ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي ﷺ وما أنزل إليه. ومثله قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، فإنه أخبر في تلك الآية (٣) أن متوليهم لا يكون مؤمنا، وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم، فالقرآن يصدق بعضه بعضا (٤). اهـ. قال ابن القيم (٥): أتحب أعداء الحبيب وتدعي … حبا له ما ذاك في إمكان وكذا تعادي جاهدا أحبابه … أين المحبة يا أخا الشيطان ليس العبادة غير توحيد المحبـ … ـة مع خضوع القلب والأركان

стр. 2009

وَالحُبُّ نَفْسُ وِفاقِهِ فِيما يُحِـ ـبُّ … وَبُغْضُ مَا لَا يَرْتَضِي بِجَنَانِ الرابع: المحبة مع الله، وهي المحبة الشركية، وهي المستلزمة للخوف والتعظيم والإجلال، فهذه لا تصلح إلا لله، ومتى أحب العبد بها غير الله أشرك (١) الشرك الأكبر. الخامس: المحبة الطبعية، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه، كمحبة المال والولد ونحو ذلك، فهذه لا تذم إلا إذا شغلت (٢) وألهت عن طاعة الله. قال الشيخ: حب (٣) الإنسان للأمور الدنيوية لا يلام العبد عليه ولا يعاقب إلا [إذا] (٤) دعا إلى معصية الله، أو تضمن ترك واجب. وجامع (٥) المال إذا قام فيه بالواجبات ولم يكتسبه من الحرام لا يعاقب عليه، لكن إخراج الفضل والاقتصار على الكفاية أفضل وأسلم وأفرغ للقلب، وأجمع للهم، وأنفع للدنيا والآخرة» (٦). اهـ.

стр. 2010

إثبات صفة الرحمة لله تعالى قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] في ابتداء كل سورة إلا سورة التوبة. وقال تعالى في آخر سورة البقرة معلمًا عباده كيف يدعونه: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال تعالى في سورة البقرة أيضًا: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]. وقال تعالى في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢، ٣]. وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٦]. وقال تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية [البقرة: ٢١٨]. وقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية [العنكبوت: ٢٣]. إلى غير ذلك من الآيات التي هي برهان قاطع على أن الله تعالى موصوف بالرحمة. معنى صفتي الرحمن الرحيم: قال ابن الأثير في النهاية (٢/ ٢١٠): «في أسماء الله تعالى: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيم﴾ وهما اسمان مشتقان من الرحمة، مثل: ندمان ونديم، وهما من أبنية المبالغة، ورحمان أبلغ من رحيم، والرحمن خاص الله لا يسمى به غيره، ولا يوصف، والرحيم يوصف به غير الله تعالى، فيقال: رجل رحيم، ولا يقال: رحمن.

стр. 2011

وفيه: «ثلاث ينتفع (١) بهن العبد في الدنيا، ويدرك بهن في الآخرة ما هو أعظم من ذلك: الرَّحِم، والحياء، وعي اللسان» الرَّحِم بالضم: الرحمة، يقال: رحم رحمًا: ويريد بالنقصان ما يناله المرء بقسوة القلب، ووقاحة الوجه، وبسطة اللسان التي هي أضداد تلك الخصال من الزيادة في الدنيا» (٢). تفسير قوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾. قال (ك): أي: فيما بيننا وبين عبادك فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة و ﴿وَارْحَمْنَا﴾: أي: فيما يستقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر. ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره (٣). اهـ. وقال القاسمي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية: يخبر تعالى بخطابه كافة الناس عن تفرده بالإهيته، وأنه لا شريك له ولا عديل. قال الراغب: يجوز أن يكون قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ خطابًا عامًا، والمعنى، الذي تعبدونه إله واحد (٤)، تنبيهًا أنكم لستم كالكفار، الذين يعبدون أصنامًا آلهة والشيطان والهوى وغير ذلك. إن قيل: ما فائدة الجمع بين ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وبين ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وأحدهما يبنى على الآخر؟ قيل: لما بين بقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أنه المقصود بالعبادة أو المستحق لها - وكان يجوز أن يتوهم أن يوجد إله غيره ولكن لا يعبد ولا يستحق العبادة أكده بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وحق لهذا المعنى أن يكون مؤكدًا وتكرر عليه الألفاظ، إذ هو مبدأ مقصود العبادة ومنتهاه. اهـ. وقال الرازي: إنما خص هذا الموضع بذكر هاتين الصفتين؛ لأن ذكر

стр. 2012

الإلهية الفردانية يفيد القهر والعلو، فعقبهما بذكر هذه المبالغة في (١) الرحمة ترويحًا للقلوب عن هيبة الإلهية وعزة الفردانية، وإشعارًا بأن رحمته سبقت غضبه وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان» (٢). اهـ. قال محمد تقي الدين: تقدم معنى الرحمن الرحيم. وقال صاحب «لسان العرب»: «الرحمة: الرقة والتعطف، والمرحمة مثله. وقد رحمته، وترحمت عليه، وتراحم القوم، رحم بعضهم بعضًا، والرحمة: المغفرة، وقوله تعالى في وصف القرآن: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢] أي: فصلناه هاديًا وذا رحمة، وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾: أي: هو رحمة لأنه كان سبب إيمانهم، رَحِمَهُ رُحْمًا ورُحْمًا ورَحْمَةً وَرَحْمَةً؛ حكى الأخيرة سيبويه، ومرحمة. وقال الله : ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي: أوصى بعضهم بعضًا برحمة الضعيف والتعطف عليه؛ وتَرَحَمْتُ عليه؛ أي: قلت: رحمة الله عليه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ فإنما ذكر على النسب وكأنه اكتفى بذكر الرحمة عن الهاء، وقيل: إنما ذلك لأنه تأنيث غير حقيقي، والاسم الرحمن (٣). قال الأزهري (٤): التاء في قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ﴾ (٥) أصلها هاء وإن كُتبت تاء، الأزهري: قال عكرمة في قوله: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ [الإسراء: ٢٨]. أي: رزق ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا [الْإِنسَانَ مِنَّا]﴾ (٦) رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ [هود: ٩] أي: رزقًا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أي: عطفًا (٧)، ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾ [يونس: ٢١] أي: حيا وخصبا بعد مجاعة، وأراد بـ ﴿النَّاسِ﴾ الكافرين، والرحموت من الرحمة، وفي المثل: رهبوت خير من رحموت، أي: لأن ترهب خير من أن ترحم، لم يستعمل على هذه الصيغة إلا مزدوجًا (٨).

стр. 2013

وترحم عليه: دعا له بالرحمة، واسترحمه: سأله الرحمة، ورجل مرحوم ومُرَحْمٌ شُدِّدَ للمبالغة، والتوكيد فلأنه أخبر عن العرض بما يخبر به عن الجوهر، وهذا تغال بالعرض، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، معناه يختص بنبوته من يشاء ممن أخبر على أنه مصطفى مختار) (١). والله الرحمن الرحيم: بنيت الصفة الأولى على فعلان لأن معناه الكثرة، وذلك لأن رحمته وسعت كل شيء وهو أرحم الراحمين، فأما الرحيم فإنما ذكر بعد الرحمن؛ لأن الرحمن مقصور على الله والرحيم قد يكون لغيره. قال الفارسي: إنما قيل: بسم الله الرحمن الرحيم، فجيء بالرحيم، بعد استغراق الرحمن معنى الرحمة لتخصيص المؤمنين به في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، كما قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] فخص بعد أن عم (٢). اهـ. قال القاسمي في «تفسيره» عند هذه الآية: «وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ [الأعراف: ١٥٦]، تطلق الرحمة على التعطف والمغفرة والإحسان والجنة، كما قال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى: ٨]، ولعلها هي المراد هنا، بدليل مقابلتها بـ «العذاب» (٣) قيل: كما قابل الآية التي ذكرها بقوله: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] والله أعلم. ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أي: هذه الرحمة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: الكفر والشرك والفواحش: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: يعطون زكاة أموالهم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: بكتابنا ورسولنا يصدقون» (٤). اهـ. وقال القاسمي أيضًا في «تفسيره» عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ الآية [البقرة: ٢١٨]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بحرمة الشهر في نفسه وجواز قتال المخرجين أهل المسجد الحرام منه، ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ تركوا مكة وعشائرها (٥) إذ خرجوا من المسجد الحرام ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولو في الشهر الحرام للدفع

стр. 2014

عن أنفسهم ﴿أُولَئِكَ﴾ وإن باشروا القتال في الشهر الحرام ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ أي: جنته على إيمانهم وهجرتهم وجهادهم، وإنما ثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجو؛ للإيذان بأنهم عالمون بأن العمل غير موجب للأجر، وإنما هو على طريق التفضل منه سبحانه (١) ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لهتكهم حرمة الشهر ﴿رَحِيمٌ﴾ بما تجاوز عن قتالهم، مع قيام دليل الحرمة فلم يعاقبهم» (٢). اهـ. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾ الآية [العنكبوت: ٢٣]. قال (ك): «أي جحدوها وكفروا بالمعاد ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ أي: لا نصيب لهم فيها ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجع (٣) شديد في الدارين» (٤). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين الرحمة صفة وصف الله بها نفسه، ولفظها مشترك له في كل مقام معنى، والمعنى الذي وصف الله به نفسه خاص بالله تعالى لا يشترك معه أحد فيه، والذين نفوها عن الله تعالى رأوها مفسرة بالرقة والتعطف في حق المخلوق، فشبهوا صفة الخالق بصفة المخلوق ونفوها عن الله تعالى وأولوها بالمغفرة والإثابة، وإنما أتوا من قبل جهلهم وتشبيههم، ولو أثبتوها مع التنزيه عن مشابهة المخلوقين كما أثبتوا العلم والقدرة؛ لكان خيرًا لهم. وقال صاحب «الكواشف» (ص ١١٢): صفة الرحمة والمغفرة. وقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (٥)، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤]، في هذه الآيات (٦) إثبات صفة الرحمة والمغفرة. الآية الأولى: الباء في ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ للاستعانة، وهي متعلقة بمحذوف، والتقدير

стр. 2015

أبتدئ، والاسم مشتق من السمو و (١) العلو أو من السمة، وهي العلامة، ولفظ الجلالة مشتق من أله، ومعنى كونه مشتقًا أنه دال على صفة هي ألوهية كسائر الأسماء الحسنى، وقوله: ﴿الرَّحمنِ الرَّحِيمِ﴾ قال ابن عباس: الرحمن الرحيم اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر؛ أي: أوسع رحمة. اهـ. وهما من أبنية المبالغة، والرحمن أبلغ من الرحيم؛ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، والرحمن خاص بالله سبحانه لا يسمى به غيره ولا يوصف، بخلاف الرحيم فيوصف به غيره، فيقال: رجل رحيم، وفائدة الجمع بين الصفتين الرحمن (٢) الرحيم: الإنباء عن رحمة عاجلة وآجلة، وخاصة عامة. قال ابن القيم: (وأسماء (٣) الرب تعالى هي أسماء ونعوت، فإنها دالة على صفات كماله، فلا تنافي (٤) بين العلمية والوصفية، فالرحمن اسمه تعالى ووصفه لا تنافي اسميته وصفيته، فمن حيث هي (٥) صفة جرى تابعًا على اسم الله، ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع بل ورد (٦) الاسم العلم. ولما كان هذا الاسم مختصًا به تعالى؛ حسن مجيئه مفردًا غير تابع، كمجيء اسم الله كذلك، وهذا لا ينافي دلالته على صفة الرحمن كاسم الله، فإنه دال على صفة الألوهية ولم يجئ قط تابعًا (٧) بل متبوعًا، وهذا بخلاف العليم والقدير والسميع والبصير ونحوها، ولهذا لا تجيء هذه مفردة بل تابعة، فتأمل هذه النكتة البديعة يظهر لك بها أن الرحمن اسم وصفة لا ينافي أحدهما الآخر، وجاء استعمال القرآن بالأمرين جميعًا. وأما الجمع بين الرحمن والرحيم ففيه معنى، وهو أحسن من المعنيين اللذين ذكرهما، وهو أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمن صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ﴾

стр. 2016

رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]، ولم يجئ قط (رحمن بهم) فعلم أن رحمن هو الموصوف بالرحمة، ورحيم هو الراحم برحمته، وهذه نكتة لا تكاد تجدها في كتاب، وإن تنفست عندها مرآة قلبك لم (١) تنجل لك صورتها» (٢). وقال ابن القيم: «تضمنت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣) إثبات النبوات من جهات عديدة: الأولى: من (٤) اسم «الله» وهو المألوه المعبود، ولا سبيل إلى معرفة عبوديته (٥) إلا من طريق رسله. الثانية: من اسمه «الرحمن» فإن رحمته تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية السعادة (٦)، فمن أعطى هذا الاسم (٧) حقه عرف أنه متضمن إنزال الغيث وإنبات الكلأ وإخراج الحب، فاقتضاؤه الرحمة لما يحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائه ما يحصل به حياة الأبدان والأشباح (٨)» (٩). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: قوله: إن اسم الجلالة «الله» مأخوذ من (اله) بزيادة الألف واللام وحذف الهمزة، وهو فعال بمعنى مفعول؛ أي: مألوه؛ لأن أله يأله بمعنى عبد يعبد، وهذا مذهب سيبويه وعندي فيه نظر؛ لأن هذا هو اسم الباري سبحانه في جميع اللغات السامية، كالعبرانية فهو فيها الوهيم والسريانية فهو فيها ألاها، والآشورية فهو فيها ألاهو، فهو مرتجل والله أعلم. اهـ.

стр. 2017

الآية الثانية: أي: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، فما من مسلم ولا كافر إلا وهو يتقلب في نعمته. اهـ. الآية الثالثة: يخبر تعالى أنه بالمؤمنين رحيم. أما في الدنيا؛ فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، وبصرهم الطريق الذي ضل عنه وحاد عنه من سواهم من الدعاة إلى الكفر والبدع وأتباعهم من الطغام. وأما رحمته في الآخرة التي قال فيها (١): ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٦، ١٥٧]، فإنه أمنهم من الفزع الأكبر، وأمر الملائكة يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٣]. الآية الرابعة: يخبر تعالى أن رحمته عمَّتْ كلَّ شيء في العالم العلوي والسفلي: البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فلا يخلو مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمته وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخالصة (٢) ليست لكل أحد، ولهذا قال (٣) فيها: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي (٤): الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة. الآية الخامسة: في الآية احتجاج، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين مقررًا لهم (٥) وملزمًا

стр. 2018

لهم بالتوحيد؟ فإن أجابوك وإلا فقل: إن الله هو الخالق لهذا الكون المالك المتصرف فيه، وقوله: ﴿كُتِبَ … ﴾ إلخ هذا استعطاف منه تعالى للمتولين عن الإقبال عليه، وإخبار منه بأنه رحيم بالعباد، قادر على أن يعاجلهم بالعقاب، ولكنه كتب على نفسه الرحمة ووعد بها فضلًا منه وإحسانًا ولم يوجبها عليه أحد. والكتابة تكون شرعية وتكون كونية (١)، فالكتابة الشرعية الأمرية كقوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. والكونية القدرية كقوله: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]، ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]. والكتابة في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] كونية قدرية فقد كتب على نفسه الرحمة تفضلًا منه وإحسانًا من غير أن يوجبها عليه أحد كما قيل (٢): ما للعباد عليه حق واجب … كلا ولا سعى لديه ضائع إن عُذِّبُوا فبعدله أو نُعِّمُوا … فبفضله وهو الكريم الواسع. «وإذا كان معقولًا من الإنسان أن يوجب على نفسه ويحرم، ويأمرها وينهاها، مع كونه تحت أمر غيره ونهيه، فالآمر الناهي الذي ليس فوقه آمر ولا ناه كيف يمتنع في حقه أن يحرم على نفسه ويكتب على نفسه، وكتابته على نفسه سبحانه تستلزم إرادته لما كتبه ومحبته له (٣) إرادة أن لا يفعله فإن محبته للفعل تقتضي وقوعه منه وكراهته لأن يفعله، فإن محبته للفعل تقتضي وقوعه منه، وكراهته لأن يفعله تمنع وقوعه منه، وهذا غير ما يحبه سبحانه من أفعال عباده ويكرهه، (فإن محبته ذلك منهم تستلزم وقوعه، وكراهته منهم لا تمنع وقوعه) (٤)،

стр. 2019

فرق بين فعله هو سبحانه وبين فعل عباده الذي يقع مع كراهته وبغضه له، ويتخلف مع محبته له ورضاه به، بخلاف فعله هو سبحانه، فهذا نوع وذلك نوع، فتدبر هذا الموضع» (١). وقال: «واعلم أن الناس في هذا المقام ثلاث طوائف: فطائفة منعت أن يجب عليه شيء أو يحرم عليه شيء بإيجابه وتحريمه، وهم كثير من مثبتي القدر، الذين ردوا أقوال القدرية النفاة وقابلوهم أعظم مقابلة، نفوا لأجلها الحكم والأسباب والتعليل، وأن يكون العبد فاعلًا أو مختارًا. الطائفة الثانية: بأزاء هؤلاء أوجبوا على الرب وحرموا أشياء بعقولهم جعلوها شريعة له، يجب عليه مراعاتها من غير أن يوجبها هو على نفسه ولا حرمها، وأوجبوا عليه من جنس ما يجب على العباد، وحرموا عليه من جنس ما يحرم عليهم، ولذلك كانوا مشبهة في الأفعال، والمعتزلة منهم جمعوا بين الباطلين؛ تعطيل صفاته، وجحد نعوت كماله، والتشبيه له بخلقه فيما أوجبوه عليه وحرموه، فشبهوا في أفعاله وعطلوا في صفات (٢) كماله، فجحدوا بعض ما وصف به نفسه من صفات الكمال وسموه توحيدًا وشبهوه بخلقه فيما يحسن منهم ويقبح من الأفعال وسموا ذلك عدلًا، وقالوا: نحن أهل العدل والتوحيد، فعدلهم إنكار قدرته ومشيئته العامة الشاملة التي لا يخرج شيء من الموجودات ذواتها وصفاتها وأفعالها، وتوحيدهم إلحاد في أسمائه الحسنى وتحريف معانيها عما هي عليه، فكان توحيدهم في الحقيقة تعطيلًا (٣)، وعدلهم شركًا، والمقصود أن هذه الطائفة مشبهة في الأفعال، معطلة في الصفات. وهدى الله الأمة الوسط لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فلم يقيسوه بخلقه، ولم يشبهوه بهم في شيء من صفاته ولا أفعاله، ولم ينفوا ما أثبته لنفسه من ذلك، ولم يوجبوا عليه شيئًا ولم يحرموا عليه شيئًا، بل أخبروا عنه بما أخبر عن نفسه، وشهدت قلوبهم ما في ضمن ذلك الإيجاب والتحريم من الحكم والغايات المحمودة التي يستحق عليها كمال الحمد والثناء، فإن العباد لا يحصون ثناء عليه (٤) بل هو كما أثنى على نفسه.

стр. 2020

وهذا بين - بحمد الله - عند أهل العلم والإيمان، مستقر في فطرهم، ثابت في قلوبهم، يشهدون انحراف المنحرفين في الطرفين، وهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، بل هم إلى الله ورسوله متحيزون وإلى محض سنته منتسبون، يدينون دين الحق أين توجهت ركائبه، ويستقرون معه حيث استقرت مضاربه». اهـ من كلام ابن القيم (١)، ثم نقل عن شيخ الإسلام (٢) كلامًا حسنًا أثبته هنا: زعم الجهمية والمعتزلة أن الرحمة ضعف وخور في الطبيعة وتألم على المرحوم، وهذا الزعم باطل من وجوه؛ أما أولًا؛ فلأن الضعف والخور مذموم من الآدميين والرحمة ممدوحة، قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحمَةِ﴾ [البلد: ١٧]، وقد نهى الله عباده عن الوهن والحزن، فقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] وندبهم إلى الرحمة، وقال النبي ﷺ : «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» (٣)، وقال: «من لا يَرْحم لا يُرْحَم» (٤)، وقال: «الراحمون يرحمهم الرحمن» (٥)، وقال: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٦)، ومحال أن يقول: لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي،

стр. 2021

ولما كانت الرحمة تقارن في حق كثير من الناس الضعف والخور كما في رحمة الناس ونحو ذلك ظن الغالط أنها كذلك مطلقًا. وأيضًا فلو قدر أنها في حق المخلوقين مستلزمة لذلك، لم يجب أن تكون في حق الله تعالى مستلزمة لذلك، كما أن العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام فينا يستلزم من النقص والحاجة ما يجب تنزيه الله عنه. وأيضًا فنحن نعلم بالاضطرار أنا إذا فرضنا موجودين: أحدهما يرحم غيره فيجلب له المنفعة ويدفع عنه المضرة، والآخر قد استوى عنده ما يقتضي (١) جلب منفعة أو دفع مضرة؛ كان الأول أكمل (٢). اهـ. تفسير آية يوسف : قال (ك): «وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ [يوسف: ٦٤] قرأ: بعضهم «حافظًا» (٣)، ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي: هو أرحم الراحمين بي وسيرحم كبري وضعفي ووجدي بولدي، وأرجو من الله أن يرده عليَّ، ويجمع شملي به، إنه أرحم الراحمين» (٤). اهـ.

стр. 2022

صِفَةُ الرِّضَا وَالغَضَبِ وَالكَرَاهِيَةِ وَالسُّخْطِ قال الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه العزيز: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]، فمن ذلك قوله تعالى في آخر سورة المائدة: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الآية [١١٩]. وقال تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الآية [١٠٠]. وقال تعالى في سورة الفتح: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ الآية [١٨]. وقال تعالى في سورة المجادلة في آخرها: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الآية [٢٢] تقدم تفسير هذه الآية في (القسم الأول) من «سبيل الرشاد». قال صاحب «لسان العرب»: «الرضا: مقصور ضد السخط، وفي حديث الدعاء: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (١)، وفي رواية (٢): بدأ

стр. 2023

بالمعافاة ثم بالرضا، قال ابن الأثير (١): «إنما ابتدأ بالمعافاة من العقوبة؛ لأنها من صفات الأفعال كالإماتة والإحياء، والرّضا والسخط من صفات الذات (٢)، وصفات الأفعال أدنى رتبةً من صفات الذات، فبدأ بالأدنى مترقيًا إلى الأعلى، ثم لما ازداد يقينًا وارتقاء ترك الصفات وقصر نظره على الذات، فقال: «أعوذ بك منك» ثم لما ازداد قُربًا استحيا معه من الاستعاذة على بساط القرب، فالتجأ إلى الثناء فقال: «لا أحصي ثناء عليك»، ثم علم أن ذلك قُصور، فقال: «أنت كما أثنيت على نفسك»»» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: لقد أحسن صاحب «اللسان» حين أخبر أن الرضا صفة ذات الله تعالى، والجهمية وغلاة المتصوفة ينفون صفتي الرضا والسخط عن الله تعالى، ويؤولون الرضا بالثواب والسخط بالعقاب، وهم كاذبون لأن الله وصف نفسه بالرضا كما تقدم، ووصف نفسه بالسخط في قوله في سورة المائدة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ الآية [٧٨ - ٨٠]. ففي قوله تعالى: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إثبات صفة السخط الله تعالى على بعض عباده، ولا يجوز تأويله بالعقاب؛ لأنه عطف عليه قوله: ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ ولا يجوز في الكلام الفصيح أن يقال: عاقبهم وعاقبهم أو عذبهم وعذبهم؛ لأن العطف في الغالب يقتضي المغايرة، والنادر لا حكم له. قال تعالى في سورة القتال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية [٢٨]. ولا يجوز تأويله بأنهم أوجبوا عليه عقابهم، والله تعالى يعبر عن الثواب إذا أراده بحروفه.

стр. 2024

وقال تعالى في المؤمنين من أهل الكتاب الذين كانوا نصارى فسمعوا ما أنزل إلى الرسول ففاضت أعينهم من الدمع فقالوا: ﴿آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٤ - ٨٥]. ويعبر عن العذاب بحروفه إذا أراده، كما قال تعالى في سورة المائدة: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ الآية [١١٥] ومثل ذلك كثير في القرآن. وأثبت الله سبحانه صفة الغضب لنفسه، فمن ذلك: قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ الآية [٩٣]. ولا يجوز أن يؤول غضب هنا بمعنى عذاب؛ لأنه مخل بالفصاحة والبلاغة، قال صاحب «الكواشف» (ص ١٢٢): «قال الشيخ رحم الله (يعني شيخ الإسلام): وقد ثبت بالسمع اتصاف الباري بالأفعال الاختيارية به كالاستواء على العرش والقبض والبسط والنزول والخلق والرزق، المتعلقة بنفسه والمتعدية إلى الخلق، والفعل المتعدي واللازم لا بد أن يقوم بالفاعل، ويمتنع عقلًا وشرعًا أن يقوم بالفاعل، ويمتنع عقلًا وشرعًا أن يقوم بغيره في الحالين، وهذه الأفعال الاختيارية تبع لقدرته ومشيئته فما شاء قاله وتكلم به، وما شاء فعله في الحال والماضي والمستقبل، هذا أصل متفق عليه بين السلف وعليه دل الكتاب والسنة». قال ابن القيم في النونية (١): أو ما علمت بأنه سبحانه … حقًا يُكَلِّمُ حِزْبَهُ بِجِنَانِ فيقول ﷻ هَلْ أَنْتُمُ … رَاضُونَ قَالُوا نَحْنُ ذُو (٢) رِضْوَانِ أم كَيفَ لَا نَرْضَى وَقَدْ أعْطيتنا … ما لَم نَنَلْهُ قَطَّ مِنْ إِنسَانِ هل ثَمَّ شَيْءٌ غَيْرُ ذَا فيكونُ أفضـ … ـلَ مِنْهُ نَسْأَلُهُ مِنَ المَنَّانِ

стр. 2025

فيقول أفضلُ منهُ رِضْوَانِي فَلَا … يَغْشَاكُمُ سَخَطُ مِنَ الرَّحْمَنِ وقال صاحب «الكواشف» نقلًا عن ابن القيم (١) (ص ١٢٣): «الرضا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الرضا بالله، والرضا عن الله، والرضا بقضاء الله: فالرضا بالله فرض، والرضا عنه وإن كان من أجل الأمور وأشرفها فلم يطالب به العموم؛ لعجزهم عنه ومشقته عليهم، وأوجبه بعضهم، وأما الرضا بكل مقضي فلا يجب، بل المقضي ينقسم إلى ما يجب الرضا به وهو (٢) الديني، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥]، ومقضي كوني قدري، فإن كان فقرًا أو مرضًا ونحو ذلك استحب الرضا به ولم يجب، وأوجبه بعضهم، وإن كان كفرًا أو معصية حرم الرضا به، فإن الرضا به مخالفة لربه (٣) سبحانه لا يرضى بذلك ولا يحبه قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ الآية [الزمر: ٧]، وأما القضاء الذي هو صفة الله وفعله فالرضا به واجب» (٤). اهـ. وقال أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني: في «عقيدته» ما نصه: «وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعزة والعظمة والإرادة والمشيئة والقول والكلام والرضا والسخط والحياة واليقظة والفرح والضحك وغيرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين (٥)، ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى وقاله رسوله ﷺ من غير زيادة عليه، ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه (٦) عليه بتأويل مُنكر ويُجرونه على الظاهر ويكلون علمه إلى الله تعالى» (٧). وفي «شرح العقيدة الطحاوية» (٤٦٢) ما نصه:

стр. 2026

«ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضى والعداوة والولاية والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات. قال: ولا يقال: إن الرضا إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإن هذا نفي للصفة، وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه، وإن كان لا يريده ولا يشاؤه وينهى عما يسخطه ويكرهه ويبغضه ويغضب على فاعله وإن كان قد شاءه وأراده، فقد يحب (١) ويرضى ما لا يريده ويكره ويسخط ويغضب لما أراده، ويقال لمن تأول الغضب والرضا بإرادة الإحسان: لم تأولت ذلك؟ فلا بد أن يقول: لأن (٢) الغضب غليان دم القلب، والرضى الميل والشهوة وذلك لا يليق بالله تعالى، فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب ويقال أيضا: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا هي ميل الحي إلى الشيء أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة، وهو محتاج إلى ما يريده ومفتقر إليه يزداد بوجوده وينقص بعدمه، فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء؛ فإن جاز هذا جاز هذا وإن امتنع هذا امتنع ذاك، فإن قالوا: الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد وإن كان كل منهما حقيقة، قيل له: فقل: إن الغضب والرضا الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد وإن كان كل منهما حقيقة، فإذا كان كل ما يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات لم يتعين التأويل بل يجب تركه؛ لأنك تسلم من التناقض وتسلم أيضا من تعطيل معنى أسماء الله تعالى وصفاته بلا موجب، فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ولا يكون الموجب للصرف ما دل عليه عقله إذا العقول مختلفة فكل يقول: إن عقله دل على خلاف ما يقوله الآخر. وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله تعالى؛ لامتناع ذلك في المخلوق، فإنه لا بد أن يثبت شيئا لله تعالى على خلاف ما يعهده حتى في صفة الوجود، فإن وجود العبد كما يليق به ووجود الباري كما يليق به.

стр. 2027

فوجوده تعالى يستحيل عليه العدم، ووجود المخلوق لا يستحيل عليه العدم، وما سمى به الرب نفسه وسم به مخلوقاته مثل: الحي والعليم والقدير، أو سمى به بعض صفاته كالغضب والرضا، وسمى به بعض صفات عباده، فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله تعالى وأنه حق ثابت موجود، ونعقل أن بين المعنيين قدرًا مشتركًا، لكن هذا المعنى لا يوجد في الخارج مشتركًا، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا معينًا مختصًا، فيثبت في كل منهما كما يليق به، بل لو قيل: غضب مالك خازن النار وغضب غيره من الملائكة لم يجب أن يكون مماثلًا لكيفية الآدميين؛ لأن الملائكة ليسوا من ذوي الأخلاط الأربعة حتى تغلي دماء قلوبهم كما يغلي دم قلب الإنسان عند غضبه فغضب الله أولى. وقد نفى الجهم ومن وافقه كل ما وصف الله به نفسه من كلامه ورضاه وغضبه وحبه وبغضه وأسفه ونحو ذلك، وقال: إنما هي أمور مخلوقة منفصلة عنه ليس هو في نفسه متصفًا بشيء من ذلك! وعارض هؤلاء من الصفاتية ابن كلاب ومن وافقه فقالوا: لا يوصف الله بشيء يتعلق بمشيئته وقدرته أصلًا، بل جميع هذه الأمور صفات لازمة لذاته قديمة أزلية، فلا يرضى في وقت دون وقت ولا يغضب في وقت دون وقت، كما في حديث الشفاعة: «إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله» (١)». اهـ.

стр. 2028

إثبات صفة الفرح والضحك والعجب قال شيخ الإسلام في «العقيدة الواسطية»: «وقوله ﷺ : «الله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته» (١) الحديث متفق عليه. وقوله: «عجب ربنا من قنوط عباده وقُرْبِ خيره (٢) ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب» (٣) حديث حسن. قال صاحب «الكواشف» في شرحه: في الأحاديث المذكورة إثبات صفة الفرح، والضحك، والعجب وهي من صفات الأفعال الاختيارية. الحديث الأول: المفردات : الفرح لغة: السرور، التوبة: الرجوع من المعصية إلى الطاعة، الراحلة من الإبل: ما كان صالحًا لأن يرحل (٤).

стр. 2029

هذا حديث جليل، فيه بشارة عظيمة ترتاح لها قلوب التائبين، المحسنين ظنهم بربهم، الصادقين في توبتهم، الخالعين ثياب الإصرار على المعاصي البعيدين عن سوء الظن بمن لا يتعاظمه ذنب ولا يبخل بمغفرته ورحمته على عباده الطالبين لعفوه الملتجئين إليه في مغفرة ذنوبهم وحصول مطالبهم (١). روى هذا الحديث جماعة من الصحابة منهم: أبو هريرة (٢)، والبراء بن عازب (٣)، والنعمان بن بشير (٤)، وأنس (٥)، ولفظ حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة» متفق عليه (٦)، ولمسلم (٧): «الله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضِ فَلَاةٍ فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد (٨) أيس من راحلته فبينا (٩) هو كذالك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح». فهذا الفرح منه بتوبة التائب يناسب محبته له ومودته له، فهذا الكشف والبيان والإيضاح لا مزيد عليه في (١٠) ثبوت هذه الصفة ونفي الإجمال والاحتمال، وفرحه تعالى بتوبة عبده؛ لأن رحمته سبقت غضبه، وكل ما

стр. 2030

كان من صفة الرحمة فهو غالب لما كان من صفة الغضب فإنه سبحانه رحيم ورحمته من لوازم ذاته كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وإحسانه فيستحيل أن يكون على خلاف ذلك، ليس كذلك غضبه فإنه ليس من لوازم ذاته ولا يكون غضبان دائمًا غضبًا لا يتصور انفكاكه، ورحمته وسعت كل شيء وغضبه لم يسع كل شيء، وهو سبحانه كتب على نفسه الرحمة ولم يكتب على نفسه الغضب، ووسع كل شيء رحمة وعلمًا ولم يسع كل شيء غضبًا وانتقامًا». اهـ. الحديث الثاني: في هذا الحديث الجليل يخبرنا عين كرمه (١) وجوده وأنه متنوع، فهذان الرجلان اللذان قتل أحدهما الآخر، جعل الله لكل منهما (٢) سببًا أوصله الجنة (٣)، فالأول قاتل في سبيل الله فأكرمه الله على يد الرجل الآخر الذي لم يسلم بعد بالشهادة التي هي أعلى المراتب بعد مرتبة الصديقين، وأما الآخر فإن الله جعل باب التوبة مفتوحًا لكل من أراد التوبة بالإسلام (٤)، فلما تاب محا الله عنه الكفر وأثره (٥) ثم مَنَّ عليه بالشهادة؛ فدخل الجنة كأخيه الذي قتله. الحديث الثالث: العجب: لغة استحسان الشيء، القنوط: شدة اليأس وقرب خيره؛ أي تغييره الحال من شدة إلى رخاء، أزلين: الأَزَلَ؛ بمعنى الشدة والضيق. المعنى: يخبرنا الله أن الله - جل وعلا - يعجب من قنوط عباده عند احتباس المطر ويأسهم من نزوله، وقد اقترب وقت الفرج ورحمته لعباده بإنزال الغيث عليهم وتغييره لحالهم وهم لا يشعرون. قال الشيخ: والسبب في أن فرج الله يأتي عند انقطاع الرجاء عن الخلق هو تحقيق توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ومن كمال نعمة الله على عباده المؤمنين أن يمنع حصول مطالبهم بالشرك حتى يصرف قلوبهم إلى التوحيد، وقال ابن عدوان: ويعجب ربي من قنوط عباده … فألق لما بينت سمعك واهتد وفي رقية المرضى مقال (٦) نبينا … ألا ارق به مرضاك ياذا التسدد رواه أبو داود ياذا وغيره ألا احفظ هداك الله سنة أحمد (٧)

стр. 2031

صفة الرجل والقدم قال تعالى في سورة «ق»: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. قال (ك): يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ وذلك لأنه ﵎ وعدها (١) أن سيملؤها من الجنة والناس أجمعين، فهو يأمر (٢) بمن يأمر به إليها ويلقى وهي تقول: هل من مزيد؟ أي: هل بقي شيء تزيدني؟ هذا الظاهر من سياق الآية وعليه تدل الأحاديث: ١ - قال البخاري عند تفسير هذه الآية بسنده عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها فتقول: قط قط» (٣). ٢ - وقال (أحم) بسنده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة قدمه فيها، فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قط قط وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا آخر، فيسكنهم الله تعالى في فضول الجنة؟» (٤). ٣ - وقال (خ) بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «تحاجت الجنة والنار، فقالت: النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم، قال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي،

стр. 2032

ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فيها فتقول: قط قط (١)، فهنالك تمتلئ وينزوي (٢) بعضها إلى بعض ولا يظلم الله (٣) من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا آخر؟» (٤). ٤ - روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «احتجت الجنة والنار، فقالت النار في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: فِيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى بينهما فقال للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء عن عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها؟» (٥). ٥ - وقال (أحم) بسنده عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «افتخرت الجنة والنار، فقالت النار يا رب يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف، وقالت الجنة: أي رب يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين، فيقول الله (٦) ﵎ للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها فيلقي في النار أهلها فتقول: هل من مزيد؟ قال: ويلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ ويلقى فيها وتقول: هل مزيد؟ حتى يأتيها على فيضع قدمه عليها فتنزوي (٧) وتقول: قدني قدني، وأما الجنة فيبقى فيها ما شاء الله تعالى (٨) أن يبقى فينشئ الله (٩) لها خلقًا مما يشاء» (١٠). ٦ - قال الحافظ أبو يعلى في مسنده بسنده عن أبي بن كعب، قال: إن

стр. 2033

رسول الله ﷺ قال: «يُعرفني الله (١) تعالى نفسه يوم القيامة، فأسجد سجدة يرضى بها عني ثم أمدحه مدحة يرضى بها عني، ثم يؤذن لي في الكلام، ثم تمر أمتي على الصراط مضروب بين ظهراني جهنم، فيمرون أسرع من الطرف والسهم وأسرع من أجود الخيل، حتى يخرج الرجل منها يحبو وهي الأعمال، وجهنم تسأل المزيد حتى يضع فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، وأنا على الحوض»، قيل: وما الحوض يا رسول الله؟ قال ﷺ (٢): «والذي نفسي بيده إن شرابه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحًا من ريح (٣) المسك وآنيته أكثر من عدد النجوم لا يشرب منه إنسان فيظمأ ولا يصرف فيروى أبدًا» (٤). قال محمد تقي الدين: هذا الحديث وأمثاله تلقاه السلف الصالح بالقبول ولم يؤولوه ولم يحرفوه، فيقولون: إن الله قدمًا مع نفي التشبيه بالمخلوقين، ورجلًا مع نفي التشبيه بالمخلوقين، وقد تقدم الكلام في اليدين والوجه، وجل الله أن يشبه شيئًا من خلقه، أو يشبهه شيء من خلقه، ولو كان ما ذكر في هذه الأحاديث غامضًا يحتاج إلى بيان لبينه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون والأئمة المجتهدون وأئمة الحديث، ونحن بهم مقتدون وعلى آثارهم بفضل الله مهتدون. اهـ.

стр. 2034

الكلام في الإسلام والإيمان والإحسان قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩، ٢٠]. قال (ك): «وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ إخبارًا منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى ختموا بمحمد ﷺ ، الذي سدَّ جميع الطرق إليه، إلا من جهة محمد ﷺ ، فمن لقي الله بعد بعثه محمد ﷺ بدين على غير شريعته فليس بمتقبل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] الآية وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل (١) عنده في الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت (٢) الحجة بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بغض بعضهم البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقًا، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: من جحد ما أنزل الله في كتابه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: فإن الله سيجازيه على ذلك ويحاسبه على تكذيبه ويعاقبه على مخالفته كتابه.

стр. 2035

ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: جادلوك في التوحيد ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: فقد أخلصت عبادتي الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا ولد له ولا صاحبة له ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: على ديني يقول كمقالتي كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ الآية [يوسف: ١٠٨]. ثم قال تعالى أمرًا لعبده ورسوله محمد ﷺ أن يدعو إلى طريقة دينه (١) والدخول في شرعه وما بعثه الله به إلى الكتابيين من المليين (٢) والأميين من المشركين فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومابهم، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة (٣)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة وهو الذي ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وما ذلك إلا لحكمته ورحمته، وهذا الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. وفي (و) (٤) وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه ﷺ بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بني آدم عربهم وعجمهم، كتابيهم وأمتهم، امتثالًا لأمر الله له بذلك. وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني ومات، ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار» رواه (م) (٥).
следующие страницы →