← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

صفة الرجل والقدم قال تعالى في سورة «ق»: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. قال (ك): يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ وذلك لأنه ﵎ وعدها (١) أن سيملؤها من الجنة والناس أجمعين، فهو يأمر (٢) بمن يأمر به إليها ويلقى وهي تقول: هل من مزيد؟ أي: هل بقي شيء تزيدني؟ هذا الظاهر من سياق الآية وعليه تدل الأحاديث: ١ - قال البخاري عند تفسير هذه الآية بسنده عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها فتقول: قط قط» (٣). ٢ - وقال (أحم) بسنده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة قدمه فيها، فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قط قط وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا آخر، فيسكنهم الله تعالى في فضول الجنة؟» (٤). ٣ - وقال (خ) بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «تحاجت الجنة والنار، فقالت: النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم، قال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي،

стр. 2032

ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فيها فتقول: قط قط (١)، فهنالك تمتلئ وينزوي (٢) بعضها إلى بعض ولا يظلم الله (٣) من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا آخر؟» (٤). ٤ - روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «احتجت الجنة والنار، فقالت النار في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: فِيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى بينهما فقال للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء عن عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها؟» (٥). ٥ - وقال (أحم) بسنده عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «افتخرت الجنة والنار، فقالت النار يا رب يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف، وقالت الجنة: أي رب يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين، فيقول الله (٦) ﵎ للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها فيلقي في النار أهلها فتقول: هل من مزيد؟ قال: ويلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ ويلقى فيها وتقول: هل مزيد؟ حتى يأتيها على فيضع قدمه عليها فتنزوي (٧) وتقول: قدني قدني، وأما الجنة فيبقى فيها ما شاء الله تعالى (٨) أن يبقى فينشئ الله (٩) لها خلقًا مما يشاء» (١٠). ٦ - قال الحافظ أبو يعلى في مسنده بسنده عن أبي بن كعب، قال: إن

стр. 2033

رسول الله ﷺ قال: «يُعرفني الله (١) تعالى نفسه يوم القيامة، فأسجد سجدة يرضى بها عني ثم أمدحه مدحة يرضى بها عني، ثم يؤذن لي في الكلام، ثم تمر أمتي على الصراط مضروب بين ظهراني جهنم، فيمرون أسرع من الطرف والسهم وأسرع من أجود الخيل، حتى يخرج الرجل منها يحبو وهي الأعمال، وجهنم تسأل المزيد حتى يضع فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، وأنا على الحوض»، قيل: وما الحوض يا رسول الله؟ قال ﷺ (٢): «والذي نفسي بيده إن شرابه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحًا من ريح (٣) المسك وآنيته أكثر من عدد النجوم لا يشرب منه إنسان فيظمأ ولا يصرف فيروى أبدًا» (٤). قال محمد تقي الدين: هذا الحديث وأمثاله تلقاه السلف الصالح بالقبول ولم يؤولوه ولم يحرفوه، فيقولون: إن الله قدمًا مع نفي التشبيه بالمخلوقين، ورجلًا مع نفي التشبيه بالمخلوقين، وقد تقدم الكلام في اليدين والوجه، وجل الله أن يشبه شيئًا من خلقه، أو يشبهه شيء من خلقه، ولو كان ما ذكر في هذه الأحاديث غامضًا يحتاج إلى بيان لبينه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون والأئمة المجتهدون وأئمة الحديث، ونحن بهم مقتدون وعلى آثارهم بفضل الله مهتدون. اهـ.

стр. 2034

الكلام في الإسلام والإيمان والإحسان قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩، ٢٠]. قال (ك): «وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ إخبارًا منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى ختموا بمحمد ﷺ ، الذي سدَّ جميع الطرق إليه، إلا من جهة محمد ﷺ ، فمن لقي الله بعد بعثه محمد ﷺ بدين على غير شريعته فليس بمتقبل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] الآية وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل (١) عنده في الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت (٢) الحجة بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بغض بعضهم البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقًا، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: من جحد ما أنزل الله في كتابه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: فإن الله سيجازيه على ذلك ويحاسبه على تكذيبه ويعاقبه على مخالفته كتابه.

стр. 2035

ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: جادلوك في التوحيد ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: فقد أخلصت عبادتي الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا ولد له ولا صاحبة له ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: على ديني يقول كمقالتي كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ الآية [يوسف: ١٠٨]. ثم قال تعالى أمرًا لعبده ورسوله محمد ﷺ أن يدعو إلى طريقة دينه (١) والدخول في شرعه وما بعثه الله به إلى الكتابيين من المليين (٢) والأميين من المشركين فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومابهم، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة (٣)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة وهو الذي ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وما ذلك إلا لحكمته ورحمته، وهذا الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. وفي (و) (٤) وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه ﷺ بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بني آدم عربهم وعجمهم، كتابيهم وأمتهم، امتثالًا لأمر الله له بذلك. وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني ومات، ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار» رواه (م) (٥).

стр. 2036

وقال ﷺ : «بعثت إلى الأحمر والأسود (١)»، وقال: «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (٢)». وقال (أهم) بسنده: عن أنس: «إن غلامًا يهوديًا كان يضع للنبي ﷺ وضوءه ويناوله نعليه، فمرض؛ فأتاه النبي ﷺ فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبي ﷺ : «يا فلان قل: لا إله إلا الله» فنظر إلى أبيه فسكت أبوه، فأعاد عليه ﷺ فنظر إلى أبيه فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذي أخرجه (٣) بي من النار» (٤). رواه (خ) في «الصحيح» إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث» (٥). اهـ. وعن عمر بن الخطاب قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، فقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : «أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» قال: صدقت! فعجبنا له، يسأله ويصدقه قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: «أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان». ثم انطلق فلبث مليًا ثم قال لي: «يا عمر أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم

стр. 2037

دينكم». رواه (م) (١). قال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» في شرح هذا الحديث ما نصه: «فأما الإسلام، فقد فسره النبي ﷺ بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل، وأول ذلك: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهو عمل اللسان، ثم إقامة (٢) الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من (٣) استطاع إليه سبيلًا، وهي منقسمة إلى عمل بدني: كالصلاة والصوم، وإلى عمل مالي: وهو إيتاء الزكاة، وإلى ما هو مركب منهما: كالحجّ بالنسبة إلى البعيد عن مكة. وفي رواية ابن حبان (٤) أضاف إلى ذلك: الاعتمار والغُسل من الجنابة وإتمام الوضوء، وفي هذا تنبيه على أن جميع الواجبات الظاهرة داخلة في مسمى الإسلام. ثم قال: من أقر بالشهادتين صار مسلمًا حكمًا، فإذا دخل في الإسلام بذلك ألزم القيام ببقية خصال الإسلام، ومن ترك الشهادتين خرج من الإسلام» (٥). قال محمد تقي الدين: وللشهادتين شروط لا تنفعان إلا بها: الأول: معرفة معناهما، الثاني: اعتقاد صحة هذا المعنى، الثالث: العمل بمقتضاهما فمن دعا غير الله أو استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كإنزال المطر وشفاء المريض وإعادة عقل المجنون بلا علاج وتنوير القلب وشرح الصدر وهداية القلوب وما أشبه ذلك، فهو كافر لا ينفعه النطق بلا إله إلا الله؛

стр. 2038

لأنه إما أن يكون جاهلًا بمعناها أو جاحدًا له، وكلاهما كفر، ومن خالف رسول الله ﷺ على عمد فيما جاء به من أمور الدين، فهو جاهل بمعنى محمد رسول الله ﷺ أو جاحد لهذه الشهادة. ثم قال: ومما يدل على أن جميع الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإسلام قوله ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (١). اهـ. قال محمد تقي الدين: وبهذا يظهر أن الإسلام ليس منحصرًا في الأمور الخمسة المذكورة في حديث جبريل، وإنما اقتصر النبي ﷺ عليها؛ لأن أكثر الناس يستطيعونها ولأن النيابة لا تجزئ فيها، فلا يفعلها أحد عن أحد في الجملة بخلاف غيرها كقضاء الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله إذا لم يكن فرض عين، وإقامة العدل بين الناس، وأيضًا فإن تلك الخمسة لا تصح إلا بالنية وغيرها يصح ولو بلا نية كقضاء الدين مثلًا، وإلا فكل ما أخبرنا النبي ﷺ أنه فرض لا يتم الإسلام إلا به. اهـ. ثم قال ابن رجب: «وفي الصحيحين» (٢) عن عبد الله بن عمرو (٣) أن رجلًا سأل النبي ﷺ أي الإسلام خير؟ قال: «أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف» (٤). اهـ. قال محمد تقي الدين: فهاتان الفريضتان من خير فرائض الإسلام، وهما إطعام الطعام وقراءة السلام، ولم تذكرا في حديث جبريل. اهـ. ثم قال ابن رجب: «وفي صحيح الحاكم» عن أبي هريرة قال: «إن للإسلام صوى (٥) ومنارًا

стр. 2039

كمنار الطريق، من ذلك أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم، وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم، فمن انتقض منهن شيئًا فهو سهم من الإسلام تركه (١)، ومن تركهن فقد نبذ الإسلام وراء ظهره» (٢). وخرج (٣) ابن مردويه من حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «للإسلام ضياء ونور (٤) وعلامات كمنار الطريق، فرأسها وجماعها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإتمام (٥) الوضوء والحكم بكتاب الله وسنة نبيه وطاعة ولاة الأمر وتسليمكم على أنفسكم وتسليمكم على أهليكم إذا دخلتم بيوتكم، وتسليمكم على بني آدم إذا لقيتموهم (٦)، وفي إسناده ضعف، ولعله موقوف» (٧). اهـ. قال محمد تقي الدين ولا يضر ضعفه لأنه سيق لتقوية ما قبله. ثم قال ابن رجب: وصح عن حذيفة أنه قال: الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والجهاد سهم، وصوم رمضان سهم، ولعل السهم (٨) الثامن

стр. 2040

الحج، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وخاب من لا سهم له»، وخرجه البزار (١) مرفوعًا والموقوف أصح (٢)، ورواه أبو يعلى (٣) عن علي مرفوعًا، والموقوف على حذيفة أصح؛ قاله الدارقطني وغيره» (٤). اهـ. قال محمد تقي الدين: وهو في حكم المرفوع؛ لأن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي. ثم قال ابن رجب: وقوله: يعني «الإسلام سهم»، أي: الشهادتان؛ لأنهما علم الإسلام وبهما يصير الإنسان مسلمًا. وكذلك ترك المحرمات داخل في مسمى الإسلام أيضًا، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٥)، وسيأتي في موضعه إن شاء الله. ويدل على هذا أيضًا ما أخرج (حم) و (ت) و (ن) من حديث العرباض بن سارية عن النبي ﷺ قال: «ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أحد (٦) أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: ويحك! لا تفتحه فإنك (٧) إن فتحته تلجه. والصراط: الإسلام، والسوران حدود الله ، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق (٨) الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم (٩)، زاد (ت): ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ

стр. 2041

السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [يونس: ٢٥]، ففي هذا المثل الذي ضربه النبي ﷺ أن الإسلام هو الصراط المستقيم الذي أمر الله (١) بالاستقامة عليه، ونهى عن مجاوزة حدوده وأن من ارتكب شيئًا من المحرمات فقد تعدى حدوده. وأما الإيمان؛ فقد فسره النبي ﷺ في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنة فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٢)، وقد ذكر الله في كتابه الإيمان بهذه الأمور (٣) الخمسة في مواضع كقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]. والإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما أخبروا به من الملائكة والأنبياء والكتاب والبعث والقدر وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به، وغير ذلك (٤) من صفات الله (٥) وصفات اليوم الآخر، كالصراط والميزان والجنة والنار، وقد أُدخِلَ

стр. 2042

في الإيمان: الإيمان (١) بالقدر خيره وشره، ولأجل هذه الكلمة روى ابن عمر هذا الحديث محتجًا به على من أنكر القدر وزعم أن الأمر أنف، يعني: إنه مستأنف لم يسبق به سابق قدر من الله ، وقد غلظ عبد الله بن عمر عليهم وتبرأ منهم، وأخبر أنه لا تقبل منهم أعمالهم بدون الإيمان بالقدر. والإيمان بالقدر على درجتين: أحدهما: الإيمان بالله (٢) تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم (٣) من أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. والدرجة الثانية: أن الله خلق أفعال العباد (٤) كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان وشاءها منهم. فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة وتنكرها القدرية، والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية ونفاها غلاتهم، كمعبد الجهني الذي سئل ابن عمر عن مقالته (٥) وكعمرو بن عبيد (٦) وغيره. وقد قال كثير من أئمة السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خُصِمُوا، وإن جحدوا (٧) فقد كفروا، يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد وأن الله تعالى (٨) قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد كتب ذلك عنده في كتاب حفيظ، فقد كذَّب بالقرآن فيكفر بذلك، وإن أقروا بذلك وأنكروا

стр. 2043

أن الله خلق أفعال العباد (١) وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية فقد خصموا؛ لأن ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه. وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء، وأما من أنكر العلم القديم، فنص الشافعي وأحمد على تكفيره، وكذلك غيرهما من أئمة الإسلام. فإن قيل: فقد فرق النبي ﷺ في هذا الحديث بين الإسلام والإيمان، وجعل الأعمال كلها من الإسلام لا من الإيمان، والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان. وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم، وأنكر السلف على من أخرج الأعمال من (٢) الإيمان إنكارًا شديدًا. وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولًا محدثًا: سعيد بن جبير وميمون بن مهران وقتادة وأيوب السختياني والنخعي (٣) والزهري (٤) ويحيى بن أبي (٥) كثير وغيرهم، وقال الثوري: هو رأي محدث أدركنا الناس على غيره، وقال الأوزاعي: وكان من مضى من (٦) السلف لا يفرقون بين العمل والإيمان، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أما بعد: فإن للإيمان (٧) فرائض وشرائع (٨)، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. ذكره (غ) (٩) في «صحيحه». وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ

стр. 2044

إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ الآية [الأنفال: ٢]. وفي (و) (١) عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس: «آمركم بأربع: الإيمان بالله وحده (٢)، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا (٣) رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس». (٤) وفي (و) (٥) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : قال «الإيمان بضع وسبعون - أو بضع وستون - شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها أماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (ولفظه لمسلم). وفي «الصحيحين» (٦): عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن. فلولا أنَّ ترك هذه الكبائر من مُسَمَّى الإيمان لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها؛ لأن الاسم لا ينتفي إلا بانتفاء بعض أركان المسمى أو واجباته. وأما وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال جبريل ﵇ عن الإسلام والإيمان وتفريق النبي ﷺ بينهما وإدخاله الأعمال

стр. 2045

في مُسمَّى الإسلام دون [مُسمَّى] (١) الإيمان، فإنَّه يتضح بتقرير أصل، وهو أن من الأسماء ما يكون شاملًا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قُرِنَ ذلك الاسم بغيره صار دالًا على بعض [تلك] (٢) المسميات والاسم المقرون به دال على باقيها، وهذا كاسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل ما هو (٣) محتاج؛ فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها. فهكذا اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده، ودل الآخر على الباقي. وقد صرح بهذا المعنى جماعة من الأئمة، قال أبو بكر الإسماعيلي (٤) في رسالته إلى أهل الجبل»: «قال كثير من أهل السنة والجماعة: إنَّ الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فَرَضَ الله على الإنسان أن يفعل إذا ذكر كل اسم على حدته (٥) مضمومًا إلى الآخر، فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعًا مفردين (٦) أريد بإحدهما معنى لم (٧) يرد به الآخر، وإذا ذُكِرَ أحد الاسمين شَمِلَ الكُلَّ وعَمَّهُم (٨). وقد ذكر هذا المعنى أيضًا الخطابي في كتابه «معالم السنن» (٩) وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده. ويدل على صحة ذلك أن النبي ﷺ فسر الإيمان عند ذكره مفردًا في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام المقرون بالإيمان في حديث جبريل. وفسر في حديث آخر الإسلام بما فسر به الإيمان» (١٠). اهـ. قال محمد تقي الدين: وبيان ذلك كما قال المحققون أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.

стр. 2046

يعني: إذا ذكر الإسلام والإيمان في موضع واحد افترقا في الدلالة، فيدل الإسلام على الأعمال الظاهرة ويدل الإيمان على ما ذكر في حديث جبريل، وهو التصديق، وأما إذا ذكر كل واحد منهما وحده فإنهما يجتمعان. فالإسلام الصحيح يدل على الأعمال الظاهرة وتصديق القلب، والإيمان كذلك يدل عليهما. وهذا ملخص ما تقدم. ثم قال ابن رجب: «وفي «المسند» للإمام أحمد عن أنس عن النبي ﷺ قال: «الإسلام علانية والإيمان في القلب» (١). وهذا لأن الأعمال تظهر علانية والتصديق في القلب لا يظهر. وكان النبي ﷺ يقول في دعائه إذا صلى على الميت: «اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» (٢)، لأن العمل (٣) بالجوارح وإنما يتمكن منه في الحياة فأما عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب، ومن هنا قال المحققون من العلماء: كل مؤمن مسلم، فإن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام كما قال ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب» (٤). فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام، وليس كل مسلم مؤمنًا؛ فإنه قد يكون الإيمان ضعيفًا فلا يتحقق القلب به تحققًا تامًا مع عمل جوارحه بأعمال الإسلام، فيكون مسلمًا وليس بمؤمن الإيمان التام كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية

стр. 2047

[الحجرات: ١٤]، فلم (١) يكونوا منافقين بالكلية على أصح التفسيرين وهو قول ابن عباس وغيره، بل كان إيمانهم ضعيفًا ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]، يعني لا ينقصكم من أجورها، فدل على أن معهم من الإيمان ما يقبل (٢) به أعمالهم. وكذلك قول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص لما قال له: لم لا تعط فلانًا وهو مؤمن، فقال النبي ﷺ : «أو مسلم» (٣) يشير إلى أنه لم يتحقق (٤) مقام الإيمان، فإنما (٥) هو في مقام الإسلام الظاهر. ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن، لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضًا، لكن اسم الإيمان ينفى عن من ترك شيئًا من واجباته، كما في قوله ﷺ (٦): «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (٧). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: وافق الحافظ ابن رجب الحافظ ابن القيم في أن أولئك المذكورين في آخر سورة الحجرات وهم الأعراب كان عندهم شيء من الإيمان (٨)، وهذا أحد القولين لأهل السنة، والقول الثاني: أنهم كانوا منافقين لا حظ لهم في

стр. 2048

الإيمان، وهو الذي رجحه (ع) (١)، وإليه أميل؛ لأن الله تعالى نفى عنهم الإيمان بقوله، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ *﴾ فلا يجوز أن يقال: بل دخل الإيمان في قلوبهم. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ … ﴾ إلخ [الحجرات: ١٤]، فليس فيه دليل على أنهم كانوا مؤمنين؛ لأن طاعة الله ورسوله لا تقبل إلا بعد دخول الإيمان في القلوب، وهو مطابقة اللسان للقلب، وهؤلاء لم تكن قلوبهم مطابقة لألسنتهم وحديث سعد يؤيد هذا الترجيح، فإنه قال للنبي ﷺ : يا رسول الله ما لك عن فلان والله إني لأراه مؤمنًا، فقال له النبي ﷺ : «أو مسلمًا»، فأعاد عليه هذا القول ثلاث مرات، فأجابه فيهن بالجواب نفسه ثم قال له: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه» (٢)، الحديث. فقول النبي ﷺ : «أو مسلمًا»، معناه والله أعلم: لعل هذا الرجل الذي حلفت أنه مؤمن ليس كما ظننت وإنما هو مسلم، فظهر بذلك أن من لم يدخل الإيمان في قلبه مسلم فيما يرى الناس وليس بمؤمن، والله أعلم. اهـ. ثم قال ابن رجب: «وقد اختلف أهل السنة: هل يسمى مؤمنًا ناقص الإيمان أو يقال: ليس بمؤمن لكنه مسلم؟ على قولين: وهما روايتان عن أحمد (٣) وأما اسم الإسلام فلا

стр. 2049

ينتفي بانتفاء بعض واجباته أو انتهاك بعض محرماته، وإنما ينفى بالإتيان بما ينافيه بالكلية، ولا يعرف في شيء من السنة الصحيحة نفي الإسلام عن من ترك شيئًا من واجباته كما ينفي الإيمان عن من ترك شيئًا من واجباته، وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرمات وإطلاق النفاق أيضًا، وقد اختلف العلماء: هل يسمى مرتكب الكبائر كافرًا كفرًا أصغر (١) أو منافقًا النفاق الأصغر، ولا أعلم أن أحدًا منهم أجاز إطلاق نفي اسم الإسلام عنه إلا أنه روى عن ابن مسعود أنه قال: «ما تارك الزكاة بمسلم» (٢). ويحتمل أنه كان يراه كافرًا بذلك خارجًا عن (٣) الإسلام. وكذلك روي عن عمر فيمن تمكن من الحج ولم يحج، أنهم ليسوا بمسلمين (٤)، والظاهر أنه كان يعتقد كفرهم، ولهذا أراد أن يضرب عليهم الجزية بقوله: لم يدخلوا في الإسلام بعد (٥)، فهم مستمرون على كتابيتهم، وإذا تبين أن اسم الإسلام لا ينتفي إلا بوجود ما ينافيه ويخرج عن الملة بالكلية، فاسم الإسلام إذا أطلق أو اقترن به المدح دخل فيه الإيمان كله من التصديق وغيره.

стр. 2050

وأخرج (١) (ن) (٢) من حديث عقبة (٣) بن مالك أن النبي ﷺ بعث سرية فأغارت (٤) على قوم، فقال رجل منهم: إني مسلم فقتله رجل من السرية، فنمي الحديث إلى رسول الله ﷺ فقال فيه قولًا شديدًا، فقال الرجل: إنما قالها تعوذًا من القتل، فقال النبي ﷺ : «إن الله أبى علي أن أقتل مؤمنًا» ثلاث مرات. فلولا أن الإسلام المطلق يدخل فيه الإيمان والتصديق بالأصول الخمسة لم يصر من قال: أنا مسلم، مؤمنًا بمجرد هذا القول، وقد أخبر الله تعالى عن ملكة سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة وقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، وأخبر عن يوسف ﵇ أنه دعا بأن يموت (٥) على الإسلام (٦) وهذا كله يدل على أن الإسلام المطلق يدخل فيه ما يدخل في الإيمان من التصديق. وفي سنن ابن ماجه (٧) عن عدي بن حاتم قال: قال (٨) رسول الله ﷺ : «يا عدي، أسلم تسلم قلت: وما الإسلام؟ قال: «أن (٩) تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتؤمن بالأقادر كلها خيرها وشرها (١٠) وحلوها ومرها».

стр. 2051

فهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام، ثُمَّ أن (١) الشهادتين من خصال الإسلام بغير نزاع، والحق أن التصديق القائم بالقلوب يتفاضل (٢)، وهذا هو الصحيح، وهو أصح الروايتين عن أبي عبد الله أحمد (٣) بن حنبل، فإن إيمان الصديقين الذين يتجلى الغيب لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك والارتياب (٤)، ليس كإيمان غيرهم فلا يبلغ (٥) هذه الدرجة من (٦) لو شكك لدخله الشك، ولهذا جعل النبي ﷺ مرتبة الإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه وهذا لا يحصل لعموم المؤمنين، ومن هنا جاء في الحديث (٧): «ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في صدره» (٨). وسئل ابن عمر: هل كانت الصحابة يضحكون؟ فقال: «نعم، وإن الإيمان (٩) في قلوبهم أمثال الجبال (١٠). فأين هذا ممن لا إيمان في قلبه ما يزن ذرة ولا شعيرة (١١) كالذين يخرجون من أهل التوحيد من النار» (١٢). فصل ثم قال ابن رجب:

стр. 2052

قد تقدم أن الأعمال تدخل في مسمى الإسلام، ومسمى الإيمان أيضًا، وذكرنا ما يدخل في ذلك من أعمال الجوارح الظاهرة، ويدخل في مسماها أيضًا أعمال الجوارح الباطنة، فيدخل في أعمال الإسلام إخلاص الدين الله تعالى (١)، والنصح له ولعباده وسلامة القلب لهم من الغش والحسد والحقد وتوابع ذلك من أنواع الأذى، ويدخل في مسمى الإيمان وجل القلوب من ذكر الله وخشوعها عند سماع ذكره وكتابه وزيادة الإيمان بذلك وتحقيق التوكل على الله (٢)، وخوف الله سرًا وعلانية، والرضا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولًا، واختيار تلف النفوس بأعظم أنواع الآلام على الكفر، واستشعار قرب الله من العبد ودوام استحضاره، وإيثار محبة الله ورسوله على محبة ما سواهما، والحب (٣) في الله والبغض في الله، والعطاء له والمنع له، وأن يكون جميع الحركات والسكنات له، وسماحة النفوس بالطاعة المالية والبدنية والاستبشار بعمل الحسنات والفرح بها، والمساءة بعمل السيئات والحزن عليها، وإيثار المؤمنين لرسول الله ﷺ على أنفسهم وأموالهم، وكثرة الحياء وحسن الخلق ومحبة ما يحبه لنفسه لإخوانه المؤمنين ومواساة المؤمنين خصوصًا الجيران، ومعاضدة المؤمنين ومناصرتهم والحزن بما يحزنهم. ولنذكر بعض النصوص الواردة بذلك، فأما ما ورد في دخوله في اسم الإسلام ففي مسند (ع) و (ن) عن معاوية بن حيدة قال: قلت: يا رسول الله بالذي بعثك بالحق ما الذي بعثك الله به (٤)؟ قال: «الإسلام» قلت: وما الإسلام؟ قال: «أن تسلم قلبك لله تعالى (٥) وأن توجه وجهك إلى الله (٦) وأن تصلي (٧) الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة» وفي رواية (٨): قلت: وما آية الإسلام؟ (٩) فقال:

стр. 2053

أن تقول: أسلمت وجهي لله وتخليت (١) وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وكل (٢) المسلم على المسلم حرام (٣). وفي «السنن» عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ أنه قال في خطبته بالخيف من منى: «ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» (٤)، فأخبر أن هذه الثلاث الخصال تنفي الغل عن قلب المسلم. وفي «الصحيحين» (٥) عن أبي موسى

стр. 2054

عن النبي ﷺ أنه سئل: أي المسلمين أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وفي «صحيح مسلم» (١): عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم، فلا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه». وأما ما ورد في دخوله في اسم الإيمان فمثل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، وقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [إبراهيم: ١١]، وقوله ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وفي «صحيح مسلم» (٢): عن العباس بن عبد المطلب عن النبي ﷺ قال: «ذاق طعم الإيمان: من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا»، والرضا بربوبية الله يتضمن الرضا بعبادته وحده لا شريك له، والرضا (٣) بتدبيره للعبد واختياره له، والرضا بالإسلام دينًا يتضمن اختياره على سائر الأديان، والرضا بمحمد رسولًا؛ يتضمن (٤) الرضا بجميع ما جاء به من عند الله وقبول ذلك بالتسليم والانشراح، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، وفي «الصحيحين» (٥): عن أنس عن النبي ﷺ .

стр. 2055

قال: «ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار». وفي رواية: «وجد بهن حلاوة (١) الإيمان»، وفي بعض الروايات: «طعم الإيمان وحلاوته». وفي «الصحيحين» (٢): عن أنس عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، وفي رواية: «من أهله وماله والناس أجمعين». وفي «مسند» (حم) (٣) عن أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما، وأن تحترق في النار أحَبُّ إليك من أن تشرك بالله شيئًا، وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا الله، فإذا كنت كذلك فقد دخل حُبُّ الإيمان في قلبك، كما دخل حبُّ الماء للظمآن في اليوم القائظ» قلت: يا رسول الله، كيف لي بأن أعلم أني مؤمن؟ قال: «ما من أمتي - أو قال: هذه الأمة - عبد يعمل حسنة فيعلم أنها حسنة وأن الله (٤) جازيه بها خيرًا، ولا يعمل سيئة فيعلم أنها سيئة ويستغفر الله منها ويعلم أنه لا يغفرها (٥) إلا الله إلا وهو مؤمن». وفي «المسند» (٦) وغيره عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: «من سرته حسناته، وساءته سيئاته؛ فهو مؤمن».

стр. 2056

وفي مسند بقي بن مخلد (١) عن رجل سمع رسول الله ﷺ قال: «صريح الإيمان إذا أسأت أو ظلمت عبدك أو أمتك أو واحدًا من الناس صمت أو تصدقت، وإذا أحسنت استبشرت»، وفي «المسند» (٢) للإمام أحمد عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في (٣) سبيل الله، والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، ثم الذي إذا أشرف على طمع تركه الله ». وفيه أيضًا عن عمرو بن عبسة (٤) قال: قلت: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: «طيب الكلام، وإطعام الطعام» فقلت: ما الإيمان؟ قال: «الصبر والسماحة»، قلت: أي الإسلام أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده»، قلت: أي الإيمان أفضل؟ قال: «خلق حسن» (٥). وقد فسر الحسن البصري الصبر والسماحة، فقال: هو الصبر عن محارم الله والسماحة بأداء فرائض الله (٦). وفي (ت) (٧) وغيره عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «أكمل المؤمنين إيمانًا

стр. 2057

أحسنهم خلقًا»، وخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة، وخرج البزار في «مسنده» من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري (١) عن النبي ﷺ قال: «ثلاث مَنْ فعلهُنَّ فقد طَعِمَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللهَ وحده بأنه لا إله إلا هو (٢)، وأعطى زكاة ماله طيبةً بها نفسه في كل عام … » فذكر (٣) الحديث، وفي آخره: فقال رجل: فما (٤) تزكية المرء نفسه يا رسول الله؟ قال: «أن يعلم أَنَّ الله معه حيث ما كان» (٥). وخرج أبو داود أول الحديث دون آخره. وخرج الطبراني (٦) من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث ما (٧) كنت» (٨). وفي (و) (٩) عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: «الحياء شعبة (١٠) من

стр. 2058

الإيمان وخرج (هم، ج) من حديث العرباض بن سارية عن النبي ﷺ قال: «[إنما المؤمن كالجمل الأنف، حيثما قيد انقاد] (١) ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]» (٢). وفي (و) عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: «مثل المؤمنين في توادهم (٣) وتراحمهم كمثل (٤) الجسد الواحد (٥) إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (٦). وفي رواية لـ (م) (٧): «المؤمنون كرجل واحد»، وفي رواية (٨) أيضًا: «المسلمون كرجل واحد، إذا (٩) اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله» (١٠). وفي (و) عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (١١)، وشبك بين أصابعه.

стр. 2059

وفي «مسند (حم)» عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ قال: «المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس» (١)، وفي «سنن أبي داود» (٢) عن النبي ﷺ قال: «المؤمن مرآة المؤمن، المؤمن أخو المؤمن يكف عنه ضيعته، ويحوطه من ورائه» (٣). وفي «الصحيحين» عن أنس عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٤). وفي «صحيح (غ)» عن أبي شريح الكعبي عن النبي ﷺ قال: «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن» قالوا: من ذلك يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه» (٥). وخرج الحاكم من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «ليس المؤمن الذين يشبع وجاره جائع» (٦). وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث سهل بن معاذ الجهني (٧) عن النبي ﷺ قال: «من أعطى الله ومنع الله وأحب الله وأبغض الله فذلك (٨) المؤمن» (٩).

стр. 2060

وروي (حم) (١): «وأنكح الله فقد استكمل إيمانه» (٢)، وفي رواية للإمام (حم) أنه سئل النبي ﷺ عن أفضل الإيمان؟ فقال: «أن تُحبَّ الله وتبغض الله وتعمل لسانك في ذكر الله» فقال: وماذا يا رسول الله؟ قال: «وأن (٣) تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك»، وفي رواية له: «وأن تقول خيرًا أو تصمت» (٤)، وفي هذا الحديث: أن كثرة ذكر الله من أفضل الإيمان. وخرج أيضًا من حديث عمرو بن الجموح أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا يستحق العبد صريح الإيمان (٥) حتى يُحِبَّ الله ويبغض الله، فإذا أحب الله وأبغض الله فقد استحق الولاية (٦) من الله تعالى» (٧). وخرج أيضًا من حديث البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: «إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله» (٨). وقال ابن عباس: «من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة

стр. 2061

الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا» (١). خرجه (ج) ومحمد بن نصر المروزي. فصل وأما الإحسان؛ فقد جاء ذكره في القرآن في مواضع، تارة مقرونًا بالإيمان، وتارة مقرونًا بالإسلام، وتارة مقرونًا بالتقوى أو بالعمل الصالح (٢). فالمقرون بالإيمان كقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، والمقرون بالإسلام كقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ الآية [لقمان: ٢٢]. والمقرون بالتقوى كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وقد ثبت في «صحيح (م)» (٣) تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى (٤) في الجنة، وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان؛ لأنَّ الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك النظر إلى وجه الله عيانًا في الآخرة. وعكس هذا ما أخبر الله تعالى به عن جزاء الله الكفار في الآخرة ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا وهو تراكم الران على قلوبهم؛ حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة.

стр. 2062

وقوله (١) ﷺ في تفسير الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه» يشير إلى أن العبد يعبد الله تعالى (٢) على هذه الصفة، وهو استحضار قربه وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، كما جاء في رواية أبي هريرة: «أن تخشى الله كأنك تراه» ويوجب أيضًا النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها، وقد وصى النبي ﷺ جماعة من الصحابة (٣) بهذه الوصية، كما روى إبراهيم الهجري (٤) عن أبي الأحوص عن أبي ذر قال: وصاني (٥) خليلي ﷺ : أن أخشى الله كأني أراه؛ فإن لم أكن أراه فإنه يراني (٦). وروي عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله ﷺ ببعض جسدي فقال: «اعبد الله كأنك تراه» وخرجه النسائي (٧) ويروى من حديث زيد بن أرقم مرفوعًا وموقوفًا: «كن كأنك ترى الله فإن لم تكن تراه» فإنه يراك (٨). وخرج الطبراني (٩) من حديث أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله حدثني بحديث واجعله موجزًا، فقال: «صل صلاة مودع فإنك إن كنت لا تراه فإنه يراك»، وفي حديث حارثة المشهور - وقد روي من وجوه مرسلة، وروي متصلًا والمرسل أصح - أن النبي ﷺ قال (١٠): «يا حارثة كيف أصبحت؟» قال: أصبحت

стр. 2063

مؤمنًا حقًا، قال: «انظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقة»، قال: يا رسول الله! عرفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر أهل الجنة في الجنة كيف يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار كيف يتعاوون فيها، قال: «أبصرت فالزم، عبد نَوَّرَ الله الإيمان في قلبه» (١). اهـ. وروي (٢) من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ وصَّى رجلًا فقال له: «استحي من الله استحياءك من رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك» (٣). ويروى من وجه آخر مرسلًا: «استحي من ربك» (٤). ويروى عن معاذ أن النبي ﷺ وصاه لما بعثه إلى اليمن فقال: «استحي من الله كما تستحي من رجل ذي هيبة (٥) من أهلك» (٦).

стр. 2064

ووصى أبو الدرداء رجلًا فقال: «اعبد الله كأنك تراه» (١)، وخطب عروة بن الزبير إلى ابن عمر ابنته وهما في الطَّوافِ فلم يجبه، ثم لقيه بعد ذلك فاعتذر إليه وقال: «كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا» خرجه أبو نعيم (٢) وغيره. قوله ﷺ : «فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، قيل: إنه تعليل للأول، فإن العبد إذا أُمِرَ بمراقبة الله تعالى (٣) في العبادة واستحضار قربه من عبده حتى كأن العبد يراه، فإنه قد يشق ذلك عليه فليستعن (٤) على ذلك بإيمانه بأن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره، فإذا تحقق (٥) هذا المقام؛ سهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني، وهو: دوام التحقيق (٦) بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيته حتى كأنه يراه. وقيل: بل هو إشارة إلى أن من شق عليه أن يعبد الله تعالى (٧)، كأنه يراه فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه فليستحي من نظره إليه، كما قال بعض العارفين: «اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك»، وقال بعضهم: «خف الله على قدر قدرته عليك، واستحي من الله (٨) على قدر قربه منك»، وقال (٩) بعض العارفين من السلف: «من عمل الله على المشاهدة فهو عارف ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص»، فالإشارة (١٠) إلى المقامين اللذين تقدم ذكرهما: أحدهما: مقام الإخلاص، وهو: أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه منه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص الله (١١) تعالى؛ لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله وإرادته بالعمل.

стр. 2065

والثاني: مقام المشاهدة، وهو: أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته الله تعالى (١) بقلبه، وهو أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان، وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل ﵇، ويتفاوت أهل هذه المقامات (٢) فيه بحسب قوة نفوذ البصائر، وقد فسر طائفة من العلماء المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى (٣): ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] بهذا المعنى، ومثله (٤) قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]، والمراد: مثل نوره في قلب المؤمن، كذا قاله أبي بن كعب وغيره من السلف (٥). وقد سبق حديث: «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت» (٦). وحديث: ما تزكية المرء نفسه؟ قال: «أن يعلم أن الله معه حيث كان» (٧). وخرج الطبراني (٨) من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة في ظل الله تعالى يوم القيامة (٩) يوم لا ظل إلا ظله: رجل حيث توجه علم أن الله معه» وذكر الحديث (١٠). وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:

стр. 2066

[١٨٦]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ الآية [المجادلة: ٧]؛ وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية [يونس: ٦١]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨]، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالندب (١) إلى استحضار هذا القرب في حال العبادات، كقوله ﷺ : «إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه، أو ربه بينه وبين القبلة» (٢). وقوله: «إن الله قِبَلَ وجهه إذا صلى» (٣)، وقوله: «إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت» (٤)، وقوله للذين رفعوا أصواتهم بالذكر: «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا» (٥). وفي رواية: «وهو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (٦)، وفي رواية: «هو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد» (٧)، وقوله: «يقول الله : أنا مع عبدي إذا ذكرني وتحركت بي شفتاه» (٨). وقوله: «يقول الله : أنا مع ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني» (٩)، فإن

стр. 2067

ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (١). ومن فهم شيئًا (٢) من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا؛ فإنما أُتي من جهله وسوء فهمه عن الله وعن رسوله (٣)، والله رسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». قال محمد تقي الدين: ثم تكلم الحافظ ابن رجب فيما يجده أهل المشاهدة والمراقبة الذين بوأهم الله درجة الإحسان في عبادة ربهم ومناجاته وحبه والتبتل إليه من لذة الأنس به ما لا يستطيع اللسان ولا القلم أن يبينه حق التبيين ولو أطال القول فيه، وإنما يدرك بالذوق لا حرمنا الله من ذلك؛ وحاصله أن من استأنس بالله استوحش من غيره، ومن لم يستأنس بالله، لم يزل في وحشة دائمة ولو سيقت له الدنيا بحذافيرها. والأمارات - بفتح الهمزة - العلامات، ووقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله ولكن له علامات تسمى: العلامات الصغرى وعلامات أخرى تسمى العلامات الكبرى، والمراد بالأمارات هنا العلامات الصغرى، ومعنى: «أن تلد الأمة ربتها». وفي رواية أبي هريرة (٤): «ربها» مختلف فيه فقال أكثر الشراح: معناه أن يكثر السبي والتسري بالسبايا، فتلد المرأة لسيدها أولادًا يكونون سادتها تبعًا لأبيهم، وهذا الشرح لا يعجبني وليس بصحيح لأنه كان واقعًا في زمان النبي ﷺ وفي زمان الصحابة والمفهوم من الحديث أنه يكون في آخر الزمان، ويرده أيضًا أن الأم كيفما كانت فهي في الإسلام سيدة لأولادها، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]. فيجب على كل ولد أن يتخذ أمه سيدة له، وإن كانت قبل ذلك أمة مملوكة ولا يمكن أن تكون له عليها سيادة أبدًا، والذي

стр. 2068

أختاره أن معنى ذلك: أن يكثر العقوق في آخر الزمان، حين يضعف تمسك الناس بالإسلام، ويعم الجهل والفسق ويكثر عقوق الأولاد لآبائهم وأمهاتهم، حتى أن الأم تضطر أن تعامل أولادها حين يكبرون ويستغنون عنها وتفتقر هي لهم معاملة الأمة لسادتها، وذلك مشاهد في هذا الزمان، فإن المحافظين على التمسك بالدين يكرمون آباءهم وأمهاتهم ويعظمونهم، وضعفاء الدين والمعرضون يحتقرون آباءهم وأمهاتهم، خصوصًا إذا كانوا شيوعيين لا يرون لوالديهم عليهم فضلًا، هذا هو الذي تحقق عندي، وبحثت في «فتح الباري شرح البخاري» للحافظ ابن حجر، فوجدت رأيه يطابق رأيي تمامًا، فإنه قال بعدما ذكر ثلاثة آراء في شرح اللفظين المذكورين وطعن فيها ما نصه: «الرابع: أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازًا لذلك، أو المراد بالرب المربي فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه … ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة، ومحصله الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير المربى مربيًا والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: «أن تصير الحفاة ملوك الأرض» (١). اهـ. ثم قال ابن رجب: «والعلامة الثانية: أن ترى الحفاة العراة العالة والمراد بالعالة الفقراء كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]، وقوله: «رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» هكذا في حديث عمر، والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم وتكثر أموالهم حتى يتباهون (٢) بطول البنيان وزخرفته وإتقانه. وفي حديث أبي هريرة ذكر ثلاث علامات، منها: أن تكون الحفاة العراة رؤساء (٣) الناس، ومنها: أن يتطاول رعاة (٤) البهم في البنيان، وروى هذا الحديث عبد الله بن عطاء عن عبد الله بن بريدة فقال فيه: «وأن ترى الصم البكم

стр. 2069

العُمي الحفاة رعاء الشاة (١) يتطاولون في البنيان ملوك الناس، قال: فقام (٢) رجل فانطلق فقلنا: يا رسول الله من هؤلاء الذين نعت؟ قال: «هم العريب» (٣)، وكذا روى هذا (٤) الحديث هذه اللفظة الأخيرة علي بن زيد عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر (٥)، وأما اللفظ الأول فهو في «الصحيحين» (٦) من حديث أبي هريرة بمعناه (٧)، وقوله: «الصم العمي» (٨) إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم وفهمهم، وفي هذا المعنى أحاديث متعددة. فخرج (حم) و (ت) من حديث حذيفة عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع» (٩)، «المراد باللكع اللئيم» (١٠). وخرج (حم) والطبراني من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «بين يدي الساعة سنون خداعة (١١)، يتهم فيها الأمين، ويؤتمن فيها المتهم، وينطق فيها الرويبضة» قالوا: وما الرويبضة؟ قال: «السفيه ينطق في أمر العامة» وفي رواية: «الفاسق يتكلم في أمر العامة» (١٢).

стр. 2070

مباحث في الإيمان المبحث الأول: ما هو الإيمان ؟ قال شارح «الطحاوية» (١): «اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلافًا كثيرًا، فذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وسائر أهل الحديث وأهل المدينة ﵏، وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين، إلى أنه تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، وذهب كثير من أصحابنا إلى ما ذكر (٢) الطحاوي (٣): أنه الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان ومنهم من يقول: إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصل (٤)، وإلى هذا ذهب أبو منصور الماتريدي (٥) ويروى عن أبي حنيفة (٦)». اهـ.
следующие страницы →