← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

[١٨٦]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ الآية [المجادلة: ٧]؛ وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية [يونس: ٦١]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨]، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالندب (١) إلى استحضار هذا القرب في حال العبادات، كقوله ﷺ : «إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه، أو ربه بينه وبين القبلة» (٢). وقوله: «إن الله قِبَلَ وجهه إذا صلى» (٣)، وقوله: «إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت» (٤)، وقوله للذين رفعوا أصواتهم بالذكر: «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا» (٥). وفي رواية: «وهو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (٦)، وفي رواية: «هو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد» (٧)، وقوله: «يقول الله : أنا مع عبدي إذا ذكرني وتحركت بي شفتاه» (٨). وقوله: «يقول الله : أنا مع ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني» (٩)، فإن

стр. 2067

ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (١). ومن فهم شيئًا (٢) من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا؛ فإنما أُتي من جهله وسوء فهمه عن الله وعن رسوله (٣)، والله رسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». قال محمد تقي الدين: ثم تكلم الحافظ ابن رجب فيما يجده أهل المشاهدة والمراقبة الذين بوأهم الله درجة الإحسان في عبادة ربهم ومناجاته وحبه والتبتل إليه من لذة الأنس به ما لا يستطيع اللسان ولا القلم أن يبينه حق التبيين ولو أطال القول فيه، وإنما يدرك بالذوق لا حرمنا الله من ذلك؛ وحاصله أن من استأنس بالله استوحش من غيره، ومن لم يستأنس بالله، لم يزل في وحشة دائمة ولو سيقت له الدنيا بحذافيرها. والأمارات - بفتح الهمزة - العلامات، ووقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله ولكن له علامات تسمى: العلامات الصغرى وعلامات أخرى تسمى العلامات الكبرى، والمراد بالأمارات هنا العلامات الصغرى، ومعنى: «أن تلد الأمة ربتها». وفي رواية أبي هريرة (٤): «ربها» مختلف فيه فقال أكثر الشراح: معناه أن يكثر السبي والتسري بالسبايا، فتلد المرأة لسيدها أولادًا يكونون سادتها تبعًا لأبيهم، وهذا الشرح لا يعجبني وليس بصحيح لأنه كان واقعًا في زمان النبي ﷺ وفي زمان الصحابة والمفهوم من الحديث أنه يكون في آخر الزمان، ويرده أيضًا أن الأم كيفما كانت فهي في الإسلام سيدة لأولادها، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]. فيجب على كل ولد أن يتخذ أمه سيدة له، وإن كانت قبل ذلك أمة مملوكة ولا يمكن أن تكون له عليها سيادة أبدًا، والذي

стр. 2068

أختاره أن معنى ذلك: أن يكثر العقوق في آخر الزمان، حين يضعف تمسك الناس بالإسلام، ويعم الجهل والفسق ويكثر عقوق الأولاد لآبائهم وأمهاتهم، حتى أن الأم تضطر أن تعامل أولادها حين يكبرون ويستغنون عنها وتفتقر هي لهم معاملة الأمة لسادتها، وذلك مشاهد في هذا الزمان، فإن المحافظين على التمسك بالدين يكرمون آباءهم وأمهاتهم ويعظمونهم، وضعفاء الدين والمعرضون يحتقرون آباءهم وأمهاتهم، خصوصًا إذا كانوا شيوعيين لا يرون لوالديهم عليهم فضلًا، هذا هو الذي تحقق عندي، وبحثت في «فتح الباري شرح البخاري» للحافظ ابن حجر، فوجدت رأيه يطابق رأيي تمامًا، فإنه قال بعدما ذكر ثلاثة آراء في شرح اللفظين المذكورين وطعن فيها ما نصه: «الرابع: أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازًا لذلك، أو المراد بالرب المربي فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه … ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة، ومحصله الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير المربى مربيًا والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: «أن تصير الحفاة ملوك الأرض» (١). اهـ. ثم قال ابن رجب: «والعلامة الثانية: أن ترى الحفاة العراة العالة والمراد بالعالة الفقراء كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]، وقوله: «رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» هكذا في حديث عمر، والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم وتكثر أموالهم حتى يتباهون (٢) بطول البنيان وزخرفته وإتقانه. وفي حديث أبي هريرة ذكر ثلاث علامات، منها: أن تكون الحفاة العراة رؤساء (٣) الناس، ومنها: أن يتطاول رعاة (٤) البهم في البنيان، وروى هذا الحديث عبد الله بن عطاء عن عبد الله بن بريدة فقال فيه: «وأن ترى الصم البكم

стр. 2069

العُمي الحفاة رعاء الشاة (١) يتطاولون في البنيان ملوك الناس، قال: فقام (٢) رجل فانطلق فقلنا: يا رسول الله من هؤلاء الذين نعت؟ قال: «هم العريب» (٣)، وكذا روى هذا (٤) الحديث هذه اللفظة الأخيرة علي بن زيد عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر (٥)، وأما اللفظ الأول فهو في «الصحيحين» (٦) من حديث أبي هريرة بمعناه (٧)، وقوله: «الصم العمي» (٨) إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم وفهمهم، وفي هذا المعنى أحاديث متعددة. فخرج (حم) و (ت) من حديث حذيفة عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع» (٩)، «المراد باللكع اللئيم» (١٠). وخرج (حم) والطبراني من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «بين يدي الساعة سنون خداعة (١١)، يتهم فيها الأمين، ويؤتمن فيها المتهم، وينطق فيها الرويبضة» قالوا: وما الرويبضة؟ قال: «السفيه ينطق في أمر العامة» وفي رواية: «الفاسق يتكلم في أمر العامة» (١٢).

стр. 2070

مباحث في الإيمان المبحث الأول: ما هو الإيمان ؟ قال شارح «الطحاوية» (١): «اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلافًا كثيرًا، فذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وسائر أهل الحديث وأهل المدينة ﵏، وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين، إلى أنه تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، وذهب كثير من أصحابنا إلى ما ذكر (٢) الطحاوي (٣): أنه الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان ومنهم من يقول: إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصل (٤)، وإلى هذا ذهب أبو منصور الماتريدي (٥) ويروى عن أبي حنيفة (٦)». اهـ.

стр. 2071

المبحث الثاني: في زيادة الإيمان ونقصانه قال شارح «الطحاوية» (ص ٣٨٤): «والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة والآثار السلفية كثيرة جدًا، ومنها: قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ الآية [٢]، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٧]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] … ». وكيف يقال في هذه الآية والتي قبلها: إن الزيادة باعتبار زيادة المؤمن به؟ فهل في قول الناس: ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] زيادة مشروع؟ وهل في إنزال السكينة على قلوب المؤمنين؛ زيادة مشروع؟ وإنما أنزل الله السكينة في قلوب المؤمنين مرجعهم من الحديبية ليزدادوا طمأنينة ويقينًا. ويؤيد ذلك قوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران:

стр. 2072

١٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]. وأما ما رواه الفقيه أبو الليث السمرقندي في «تفسيره» عند هذه الآية بسنده عن أبي هريرة قال: «جاء وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، الإيمان يزيد وينقص؟» فقال: «لا، الإيمان مكمل في القلب، زيادته كفر، ونقصانه شرك» (١). فقد سئل شيخنا الشيخ عماد الدين ابن كثير (٢) عن هذا الحديث؟ فأجاب: بأن الإسناد من أبي الليث إلى أبي مطيع مجهولون لا يعرفون في شيء من كتب التاريخ المشهور، وأما أبو مطيع، فهو: الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي (٣)، ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وعمرو (٤) بن علي الفلاس، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي، والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني، وغيرهم، وأما أبو المهزم - الراوي عن أبي هريرة، وقد تصحف على الكتاب - واسمه: يزيد بن سفيان (٥)، فقد ضعفه أيضًا غير واحد، وتركه شعبة بن الحجاج، وقال النسائي: متروك، وقد اتهمه شعبة بالوضع، حيث قال: لو أعطوه فلسين لحدثهم سبعين حديثًا. وقد وصف النبي ﷺ النساء بنقصان العقل والدين (٦)، وقال ﷺ : «لا يؤمن

стр. 2073

أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (١)، والمراد نفي الكمال، ونظائره كثيرة، وحديث شعب الإيمان (٢)، وحديث الشفاعة (٣)، وأنه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى ذرة من إيمان، فكيف يقال بعد هذا: إن إيمان أهل السموات والأرض سواء؟ وإنما التفاضل بينهم بمعان أخر غير الإيمان. وكلام الصحابة (٤) في هذا المعنى كثير أيضًا، منه: قول أبي الدرداء (٥): «من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينقص؟» (٦). وكان عمر (٧) يقول لأصحابه: «هلموا نزدد إيمانًا، فيذكرون الله تعالى » (٨)، وكان ابن مسعود (٩) يقول في دعائه: «اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفقها» (١٠). وكان معاذ بن جبل (١١) يقول لرجل: «اجلس بنا نؤمن ساعة» (١٢)

стр. 2074

ومثله عن عبد الله بن رواحة (١). وصح عن عمار بن ياسر (٢) أنه قال: «ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان: إنصاف من نفسه، والإنفاق من إقتار، وبذل السلام للعالم». «ذكره (خ) في «صحيحه» (٣) وفي هذا المقدار كفاية وبالله التوفيق» (٤). اهـ. المبحث الثالث: في بيان أن الإيمان لا يثبت إلا بالعمل مع التصديق قال شارح «الطحاوية»: صفحة (٤٠٨) «والكتاب والسنة مملوآن بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق، وهذا أكثر من معنى الصلاة والزكاة، فإن تلك إنما فسرتها السنة، والإيمان بين معناه الكتاب والسنة». فمن الكتاب، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾

стр. 2075

[الحجرات: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، فنفي الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد، ولم يكن قد أتى بالإيمان الواجب، والذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب (١). اهـ. فصل وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «كتاب الإيمان» (ص ١٧٠) ما نصه: «فلفظ الإيمان إذا أطلق في القرآن والسنة يراد به ما يراد بلفظ البر، وبلفظ التقوى، وبلفظ الدين كما تقدم، فإن النبي ﷺ بين أن «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (٢). فكان كل ما يحبه الله يدخل في اسم الإيمان، وكذلك لفظ البر يدخل فيه جميع ذلك إذا أطلق، وكذلك لفظ التقوى، وكذلك الدين أو دين الإسلام، وكذلك روي أنهم سألوا عن الإيمان فأنزل (٣) الله هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقد فسر (٤) بالإيمان، وفسر بالتقوى، وفسر بالعمل الذي يقرب إلى الله، والجميع حق». وقد روي مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه فسر البر بالإيمان: قال محمد بن نصر بسنده عن القاسم قال: جاء رجل إلى أبي ذر، فسأله عن الإيمان، فقرأ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ … ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخر الآية، فقال الرجل: ليس عن البر سألتك، فقال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني عنه، فقرأ عليه الذي قرأت عليك، فقال له الذي قلت لي؟! فلما أبى أن يرضى، قال له: «إن المؤمن الذي إذا عمل الحسنة سرته ورجا ثوابها، وإذا عمل السيئة ساءته وخاف عقابها» (٥).

стр. 2076

ثم قال شيخ الإسلام (ص ١٧٨): «والإرادة التامة مع القدرة تستلزم الفعل، فيمتنع أن يكون الإنسان محبًا لله ورسوله، مريدًا لما يحبه الله ورسوله إرادة جازمة مع قدرته على ذلك وهو لا يفعله، فإذا لم يتكلم الإنسان بالإيمان مع قدرته، دل على أنه ليس في قلبه الإيمان الواجب الذي فرضه الله عليه». ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن اتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، ولم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنًا كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب الله ورسوله ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن، قالوا: وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار؛ لأن هذه الأقوال أماراة على الكفر، ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به، وبخلاف ما شهد به الشهود. فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة، قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه، فالكفر عندهم شيء واحد، وهو الجهل، والإيمان شيء واحد وهو العلم، أو تكذيب القلب وتصديقه، فإنهم متنازعون هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هو هو؟ وهذا قول مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان، فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام المرجئة، وقد كفّر السلف - كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وغيرهم - من يقول بهذا القول، وقالوا: إبليس كافر بنص القرآن، وإنما كفره باستكباره وامتناعه عن السجود لآدم، لا لكونه كذب خبرًا، وكذلك فرعون وقومه.

стр. 2077

قال تعالى فيهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ الآية [النمل: ١٤]. وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾ [الإسراء: ١٠١، ١٠٢]. فموسى وهو الصادق المصدوق يقول: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾. فدل على أن فرعون كان عالمًا بأن الله أنزل الآيات، وهو من أكبر خلق الله عنادًا وبغيًا؛ لفساد إرادته وقصده لا لعدم علمه، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] وكذلك اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وكذلك من المشركين الذين قال الله فيهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. فهؤلاء غلطوا في أصلين: أحدهما: [ظنهم] (١) أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط، فليس (٢) معه عمل، وحال وحركة وإرادة ومحبة، وخشية في القلب، وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقًا، فإن أعمال القلوب التي يسميها بعض الصوفية أحوالًا ومقامات أو منازل السائرين إلى الله أو مقامات العارفين أو غير ذلك كل ما فيها مما فرضه الله ورسوله، فهو من الإيمان الواجب وفيها ما أحبه ولم يفرضه، فهو من الإيمان المستحب، فالأول لا بدّ لكل مؤمن منه؛ ومن اقتصر عليه فهو من الأبرار أصحاب اليمين، ومن فعله وفعل الثاني كان من المقربين السابقين، وذلك مثل حب الله ورسوله، بل أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، بل أن

стр. 2078

يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من أهله وماله، ومثله (١): خشية الله وحده دون خشية المخلوقين، ورجاء الله وحده دون رجاء المخلوقين، والتوكل على الله وحده دون المخلوقين، والإنابة إليه مع خشيته كما قال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٢، ٣٣]. ومثله الحب في الله والبغض في الله والموالاة الله والمعادات الله. والثاني: ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار، فإنما ذاك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق. وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل والشرع، وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة وجماهير النظار، فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره ومع هذا يجحد ذلك؛ لحسده إياه، أو لطلب علوه عليه، أو لهوى النفس، ويحمله ذلك الهوى على أن يعتدي عليه، ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه. وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون، لكن إما لحسدهم وإما لإرادتهم العلو والرئاسة، وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه وما يحصل لهم به من الأغراض، كأموال ورئاسة وصداقة أقوام وغير ذلك، فيرون في اتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم أو حصول أمور مكروهة إليهم، فيكذبونهم ويعادونهم فيكونون من أكفر الناس كإبليس وفرعون، مع علمهم بأنهم على الباطل والرسل على الحق. ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح (٢) في صدق الرسل، وإنما يعتمدون على مخالفة أهوائهم، كقولهم لنوح: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]. ومعلوم أن اتباع الأرذلين له لا يقدح في صدقه، لكن كرهوا مشاركة أولئك كما طلب المشركون من النبي ﷺ إبعاد الضعفاء، كسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وخباب بن الأرت وعمار بن ياسر وبلال … ونحوهم. وكان ذلك بمكة قبل أن يكون في الصحابة أهل صفة، فأنزل الله تبارك

стр. 2079

وتعالى (١): ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢، ٥٣]. ومثل قول فرعون: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] وقول فرعون: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨، ١٩]. ومثل قول مشركي العرب: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ ومثل قول قوم شعيب له: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧]. ومثل قول عامة المشركين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. وهذه الأمور وأمثالها ليست حججًا تقدح في صدق الرسل، بل تبين أنها تخالف إرادتهم وأهواءهم وعاداتهم (٢)، فلذلك لم يتبعوهم، وهؤلاء كلهم كفار، بل أبو طالب وغيره كانوا يحبون النبي ﷺ ويحبون علو كلمته، وليس عندهم حسد له، وكانوا يعلمون صدقه، ولكن كانوا يعلمون أن في متابعته فراق دين آبائهم وذم قريش لهم، فما احتملت نفوسهم ترك تلك العادة واحتمال هذا الذم، فلم يتركوا الإيمان لعدم العلم بصدق الإيمان به بل لهوى النفس، فكيف يقال: «إن كل كافر إنما كفر لعدم علمه بالله؟» (٣). اهـ. قال شارح «الطحاوية» في تلخيص أقوال الناس في الإيمان ما نصه (ص ٣١٢): «وحاصل الكل يرجع إلى أن الإيمان: إما أن يكون ما يقوم بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما ذهب إليه جمهور السلف من الأئمة الثلاثة وغيرهم (٤)، كما

стр. 2080

تقدم، أو بالقلب واللسان دون الجوارح، كما ذكره الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه (١) أو باللسان وحده، كما تقدم ذكره عن الكرامية، أو بالقلب وحده، وهو إما المعرفة، كما قاله الجهم، أو التصديق كما قاله أبو منصور الماتريدي (٢)، وفساد قول الكرامية والجهم بن صفوان ظاهر. والاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة اختلاف صوري (٣)، فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب أو جزءًا من الإيمان،

стр. 2081

مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه - نزاع لفظي، لا يترتب عليه فساد اعتقاد، والقائلون بتكفير تارك الصلاة ضموا إلى هذا الأصل أدلة أخرى (١). اهـ. وقال قبل ذلك في تفصيل قول الكرامية: «وذهب الكرامية إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، فالمنافقون عندهم مؤمنون كاملو الإيمان، ولكنهم يقولون بأنهم يستحقون الوعيد الذي أوعدهم الله به، وقولهم ظاهر الفساد» (٢). اهـ. قال محمد تقي الدين: وكذلك قول أبي منصور الماتريدي: إن الإيمان هو التصديق وحده، وهو رواية عن أبي حنيفة كما في «شرح الطحاوية»، فيكون لأبي حنيفة قولان: أولهما: أن الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالقلب (٣). والثاني: مثل قول الماتريدي. والثالث: ما رجع إليه، وهو موافق لسائر أئمة أهل السنة أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح. قال شارح «الطحاوية» (٤) - وهو حنفي غير متعصب - (ص ٣٣٣): «وقد حكى الطحاوي حكاية أبي حنيفة مع حماد بن زيد، وأن حماد بن زيد لما روى له حديث: «أي الإسلام أفضل … » إلى آخره، قال له: ألا تراه يقول: أي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، ثم جعل الهجرة والجهاد من الإيمان (٥)، فسكت أبو حنيفة، قال (٦) بعض أصحابه: ألا تجيبه يا أبا

стр. 2082

حنيفة؟ قال: بم أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله ﷺ . ثم قال شارح: «الطحاوية»: «مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو أن يقول - أي الرجل -: أنا مؤمن إن شاء الله، والناس فيه على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار وهذا أصح الأقوال». الأول: أما من يوجبه فلهم مأخذان: أحدهما: أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنًا أو كافرًا باعتبار الوفاة (١) وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به. قالوا: والإيمان الذي يعقبه الكفر فيموت صاحبه كافرًا ليس بإيمان، كالصلاة التي أفسدها صاحبها قبل الكمال، والصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وهذا مأخذ كثير من الكلابية وغيرهم. وعند هؤلاء أن الله يحب في الأزل من كان كافرًا إذا علم منه أنه يموت مؤمنًا، فالصحابة ما زالوا محبوبين قبل إسلامهم، وإبليس ومن ارتد عن دينه ما زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد، وليس هذا قول السلف ولا كان يقول بهذا من يستثني من السلف في إيمانه، وهو فاسد، فإن الله تعالى قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. فأخبر أنهم يحبهم إن اتبعوا الرسول، فاتباع الرسول شرط المحبة، والمشروط لا يتأخر (٢) عن الشرط، وغير ذلك من الأدلة. ثم صار إلى هذا القول طائفة غلوا فيه، حتى صار الرجل منهم يستثني في الأعمال الصالحة، يقول: صليت إن شاء الله! ونحو ذلك، يعني القبول. ثم صار كثير منهم يستثنون في كل شيء فيقول أحدهم: هذا ثوب إن شاء الله! هذا حبل إن شاء الله، فإذا قيل لهم: هذا لا شك فيه. يقولون: نعم، لكن إذا شاء الله أن يغيره غيره. المأخذ الثاني: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن، بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه

стр. 2083

أنه من الأبرار المتقين القائمين بجميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله المقربين، وهذا مع تزكية الإنسان لنفسه، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة، لكان ينبغي أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء، بمعنى آخر، كما سنذكره إن شاء الله تعالى ويحتجون أيضًا بجواز الاستثناء فيما لا شك فيه، كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وقال ﷺ حين وقف على المقابر: «وأنا إن شاء الله بكم لاحقون» (١). وقال أيضًا: «إني لأرجو أن أكون أخشاكم الله» (٢). ونظائر هذا. • وأما من يحرمه، فكل من جعل الإيمان شيئًا واحدًا، فيقول: أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، فقولي: أنا مؤمن، كقولي: أنا مسلم، فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه، وسموا الذين يستثنون في إيمانهم (الشكاكة)، وأجابوا عن الاستثناء الذي في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] بأنه يعود إلى الأمن والخوف، فأما الدخول فلا شك فيه، وقيل: لتدخلن جميعكم أو بعضكم؛ لأنه علم أن بعضكم يموت، وفي كلا الجوابين نظر، فإنهم وقعوا فيما فروا منه، فأما الأمن والخوف فقد أخبر أنهم يدخلون آمنين، مع علمه بذلك، فلا شك في الدخول، ولا في الأمن، ولا في دخول الجميع أو البعض، فإن الله قد علم من يدخل فلا شك فيه أيضًا. فكان قول: ﴿إن شَاءَ الله﴾ هنا تحقيقًا للدخول، كما يقول الرجل فيما عزم على شيء أن يفعله لا محالة: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، لا يقولها لشك في إرادته وعزمه، ولكن إنما لا يحنث الحالف في مثل هذه اليمين لأنه يجزم بحصول مراده. وأجيب بجواب آخر لا بأس به، وهو: أنه قال ذلك تعليمًا لنا كيف نستثني إذا أخبرنا عن مستقبل، وفي كون هذا المعنى مرادًا من النص نظر، فإنه ما سيق الكلام إلا أن يكون مرادًا من إشارة «النص» (٣). اهـ.

стр. 2084

بقية أركان الإيمان قال شارح «الطحاوية»: «قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]». فجعل الله الإيمان هو الإيمان بهذه الجملة (١)، بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]. وقال ﷺ في الحديث المتفق على صحته، حديث جبرائيل وسؤاله النبي ﷺ عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٢). فهذه الأصول التي اتفقت عليها الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه، ولم يؤمن بها حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل. وأما أعداؤهم ومن سلك سبيلهم من الفلاسفة وأهل البدع، فهم متفاوتون في جحدها وإنكارها، وأعظم الناس لها إنكارًا الفلاسفة المسمون عند من يعظمهم بالحكماء، فإن من علم حقيقة قولهم علم أنهم لم يؤمنوا بالله ولا رسله ولا كتبه ولا ملائكته ولا باليوم الآخر، فإن مذهبهم أن الله سبحانه موجود لا ماهية له ولا حقيقة، فلا يعلم الجزئيات بأعيانها، وكل موجود في الخارج فهو جزئي، ولا يفعل عندهم بقدرته ومشيئته، وإنما العالم (٣) عندهم لازم له أزلًا وأبدًا، وإن سموه مفعولًا له فمصانعة ومصالحة للمسلمين في اللفظ.

стр. 2085

وليس عندهم بمفعول ولا مخلوق ولا مقدور عليه، وينفون عنه سمعه وبصره وسائر صفاته! فهذا إيمانهم بالله، وأما كتبه عندهم، فإنهم لا يصفونه بالكلام فلا يكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول، والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر زاكي النفس طاهر، متميز عن النوع الإنساني بثلاث خصائص: قوة الإدراك وسرعته؛ لينال من العلم أعظم ما (١) يناله غيره، وقوة النفس؛ ليؤثر بها في هيولي العالم، يقلب صورة إلى صورة! وقوة التخييل (٢)؛ ليخيل بها القوى العقلية في أشكال محسوسة، وهي الملائكة عندهم وليس في الخارج ذات منفصلة تصعد وتنزل وتذهب وتجيء وترى وتخاطب الرسول، وإنما ذلك عندهم أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان، وأما اليوم الآخر فهم أشد الناس تكذيبًا وإنكارًا له في الأعيان. وعندهم أن هذا العالم لا يخرب (٣)، ولا تنشق السموات ولا تنفطر، ولا تنكدر النجوم ولا تكور الشمس والقمر، ولا يقوم الناس من قبورهم ويبعثون إلى جنة ونار، كل هذا عندهم أمثال مضروبة لتفهيم العوام، لا حقيقة لها في الخارج، كما يفهمها (٤) أتباع الرسل، فهذا إيمان هذه الطائفة الذليلة الحقيرة ﴿بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ١٣٦] وهذه هي أصول الدين الخمسة. ثم قال شارح «الطحاوية»: وأصول أهل السنة والجماعة تابعة لما جاء به الرسول، وأصل الدين الإيمان بما جاء به الرسول، كما تقدم بيان ذلك، ولهذا كانت الآيتان من آخر سورة البقرة - لما تضمنتا هذا الأصل -: لهما شأن عظيم ليس لغيرهما، ففي «الصحيحين» (٥) عن أبي مسعود عقبة بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه».

стр. 2086

وفي «صحيح (م)» (١) عن ابن عباس قال: «بينما جبرائيل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أوتيته». وقال أبو طالب المكي: أركان الإيمان سبعة - يعني هذه الخمسة - والإيمان بالقدر، والإيمان بالجنة والنار، وهذا حق، والأدلة عليه ثابتة محكمة قطعية، وقد تقدمت الإشارة إلى دليل التوحيد والرسالة. وأما الملائكة، فهم الموكلون بالسموات والأرض، فكل حركة في العالم فهي ناشئة عن الملائكة، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ الآية [٥] من سورة النازعات، ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ الآية [٤] من سورة الذاريات، وهم الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل. وأما المكذبون بالرسل المنكرون للصانع فيقولون: هي النجوم، وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها، ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وعمارتها وغرسها وعمل آلاتها ملائكة، فالملائكة أعظم جنود الله. ومنهم: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥)﴾ [المرسلات: ١ - ٥]، ومنهم: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤)﴾ [النازعات: ١ - ٤]، ومنهم: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ من سورة [الصافات: ١ - ٣]، ومعنى جمع التأنيث في ذلك كله: الفِرقَ والطوائف والجماعات، التي مفردها، «فرقة» و «طائفة» و «جماعة» ومنهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب …

стр. 2087

وملائكة قد وكّلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا بعمارة السموات بالصلاة والتسبيح والتقديس، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله، ولفظ «الملك» يشعر بأنه رسول منفذ لأمر مرسله، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله للواحد القهار، وهم ينفذون أمره: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ الآية [٢٧] من سورة الأنبياء، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الآية [٢٥٥] من سورة البقرة، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ الآية [٢٨] من سورة الأنبياء، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ الآية [٥٠] من سورة النحل. فهم عباد مكرمون، منهم الصافون، ومنهم المسبحون، ليس منهم إلا له مقام معلوم، ولا يتخطاه، وهو على عمل قد أمر به، لا يقصر عنه ولا يتعداه، وأعلاهم الذين عنده ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠]. ورؤساؤهم الأملاك الثلاثة: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، الموكلون بالحياة، فجبرائيل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم. فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده، ينزلون بالأمر (١) من عنده في أقطار العالم، ويصعدون إليه بالأمر، قد أطت السموات بهم، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد لله، ويدخل البيت المعمور منهم كل يوم سبعون ألفًا لا يعودون إليه (٢)، والقرآن مملوء بذكر الملائكة وأصنافهم ومراتبهم، فتارة يقرن الله تعالى اسمه باسمهم، وصلاته بصلاتهم، ويضيفهم إليه في مواضع التشريف، وتارة يذكر حفهم بالعرش وحملهم له، ومراتبهم من الدنو وتارة يصفهم بالإكرام والكرم والتقريب والعلو والطهارة والقوة والإخلاص. قال تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية [٢٨٥] من سورة

стр. 2088

البقرة، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ الآية [١٨] من سورة آل عمران، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الآية [٤٣] من سورة الأحزاب، ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [٧] من سورة [غافر]، ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَة حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ الآية [٧٥] من سورة الزمر، ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ الآية [٢٦] من سورة الأنبياء، ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ الآية [٢٠٦] من سورة الأعراف، ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ الآية [٣٨] من سورة فصلت، ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ الآية [١١] من سورة الإنفطار، ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ الآية [١٦] من سورة عبس، ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ الآية [٢١] من سورة المطففين، ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ الآية [٨] من سورة الصافات، وكذلك الأحاديث النبوية طافحة بذكرهم. فلهذا كان الإيمان بالملائكة أحد الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان (١).

стр. 2089

الإيمان بالكرام الكاتبين قال شارح «الطحاوية» (ص ٤٣٨): «وقوله (١): ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين». قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ الانفطار الآيات [١٠ إلى ١٢] وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ الآية [١٧ - ١٨] من سورة «ق»، وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية [١١] من سورة الرعد، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ الآية [٨٠] من سورة الزخرف، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ الآية [٢١] من سورة يونس، وفي «الصحيحين» (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين كانوا فيكم، فيسألهم - والله أعلم بهم -: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وفارقناهم وهم يصلون» (٣)، وفي الحديث الآخر: «إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم، وأكرموهم» (٤). جاء في

стр. 2090

التفسير: «اثنان عن اليمين وعن الشمال، يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه، وواحد (١) من أمامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل، حافظان وكاتبان»، وقال عكرمة عن ابن عباس (٢): ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية [١١] من سورة الرعد قال: «ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه» (٣). الإيمان بملك الموت قال شارح «الطحاوية» (ص ٤٤٠): قوله: «[ونؤمن] بملك الموت، الموكل بقبض أرواح العالمين». (ش) قال تعالى: «﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ الآية [١١] من سورة السجدة، ولا تعارض بين (٤) هذه الآية، وقوله (٥): ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [٦١] من سورة الأنعام، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية [٤٢] من سورة الزمر؛ لأن ملك الموت يتولى قبضها واستخراجها ثم يأخذها منه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ويتولونها بعده، كل ذلك بإذن الله وقضائه وقدره، وحكمه وأمره، فصحتْ إضافة التوفي إلى كل بحسبه» (٦). اهـ. الإيمان بعذاب القبر ونعيمه قال شارح «الطحاوية» (ص ٤٤٧): قوله: «وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن

стр. 2091

رسول الله ﷺ وعن الصحابة (١)، والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران». (ش) قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ الآيتان [٤٥ - ٤٦] من سورة غافر، وقال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الآيات [٤٥ - ٤٧] من سورة الطور (٢)، وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا وأن يُراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر؛ لأن كثيرًا منهم مات ولم يعذب في الدنيا، أو المراد أعم من ذلك. وعن البراء بن عازب (٣) قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا النبي ﷺ فقعد وقعدنا حوله، كأن على رؤوسنا الطير، وهو يلحد له، فقال: «أعوذ بالله من عذاب القبر». ثلاث مرات، ثم قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا، نزلت عليه (٤) الملائكة كأن على وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: يا أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان». قال: «فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها، فلا يمرون بها، يعني: على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء فيستفتحون له فيفتح له؛ فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض،

стр. 2092

فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى - فقال قتادة: فتعاد روحه في جسده - فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولون له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولون له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: ما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي؛ فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد البصر (١)، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: يا رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي». قال: «وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتتفرق في جسده فينتزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له» (٢)، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ الآية [٤٠] من سورة الأعراف. فيقول الله : «اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا» ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ الآية [٣١] من سورة الحج، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولون له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء:

стр. 2093

أن كذب، فأفرشوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر الذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة (١). رواه الإمام أحمد وأبو داود، وروى النسائي وابن ماجه أوله، ورواه الحاكم وأبو عوانة الإسفرايني في «صحيحيهما» وابن حبان. اهـ. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ مر بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»، فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين وقال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا». اهـ. رواه (و) (٢). وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول، فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا. فالروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلّق متغايرة الأحكام: أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنينًا. الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض. الثالث: تعلقها به في حال النوم فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه. الرابع: تعلقها به في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه، فإنها لم تفارقه فراقًا كليًا بحيث لا يبقى لها إليه التفات البتة. الخامس: «تعلقها به يوم بعث الأجساد وهو أكمل [أنواع] (٣) تعلقها بالبدن ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتًا ولا نومًا ولا فسادًا» (٤).

стр. 2094

الإيمان بالكتب المنزلة قال تعالى في سورة البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦ - ١٣٨] قال (ك): «أرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد ﷺ مفصلًا وما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملًا، ونص على أعيان من الرسل وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وأن لا يفرقوا بين أحد منهم بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ الآية [النساء: ١٥٠، ١٥١]- وقال (خ) بسنده عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية (١)، فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم»، «﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية» (٢) وقد روي (م، د، ن) (٣)، بسندهم عن ابن عباس قال: كان

стр. 2095

رسول الله ﷺ : أكثر ما يصلى الركعتين اللتين قبل الفجر بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية والأخرى: بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾». وقال أبو العالية والربيع وقتادة: الأسباط، بنو يعقوب اثنا عشر رجلًا، ولد كل رجل منهم أمة من الناس فسموا الأسباط، وقال: وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل، وقال الزمخشري في «الكشاف» (١): «الأسباط حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثنى عشر»، وقد نقله الرازي (٢) عنه وقرره ولم يعارضه، وقال (ع) (٣): «الأسباط قبائل بني (٤) إسرائيل». وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط ههنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، كما قال موسى لهم: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ الآية [المائدة: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] قال القرطبي (٥): وسموا الأسباط من السبط وهو التتابع فهم جماعة، وقيل: أصله من السبط - بالتحريك - وهو الشجر، أي: في الكثرة بمنزلة الشجرة الواحدة سَبَطَة، قال (٦) الزجاج: ويبين لك هذا وذكر سنده عن ابن عباس قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: إدريس (٧) ونوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام، قال القرطبي: والسبط: الجماعة والقبيلة والراجعون (٨) إلى أصل واحد، وقال قتادة: أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا (٩) ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله، وقال سليمان بن حبيب: إنما أمرنا أن نؤمن بالتوراة والإنجيل ولا نعمل بما فيهما، وقال ابن أبي حاتم بسنده عن معقل (١٠) بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : «آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل

стр. 2096

وَلْيَسْعَكُمُ الْقُرْآنُ» (١). ﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾ يعني: الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، بمثل ما آمنتم به يا أيها المؤمنون من الإيمان بجميع كتب الله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد منهم ﴿فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ أي: فقد أصابوا الحق وأرشدوا إليه ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: عن الحق إلى الباطل بعد قيام الحجة عليهم ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: فسينصرك عليهم ويظفرك بهم ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) قال: ابن أبي حاتم عن نافع بن أبي نعيم قال: أرسل إليَّ بعض الخلفاء مصحف عثمان ليصلحه قال زياد: قلت (٣) له: إن الناس ليقولون أن مصحفه كان في حجره (٤) حين قتل فوقع الدم على: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فقال نافع: بصرت عيني بالدم على هذه الآية وقد قَدُم (٥). وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: دين الله، وكذا روي عن مجاهد وأبي العالية وعكرمة وإبراهيم والحسن وقتادة والضحاك وعبد الله بن كثير وعطية العوفي والربيع بن أنس والسدي (٦)، وانتصاب ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ إما على الإغراء كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] أي: الزموا ذلك عليكموه، وقال بعضهم: بدلًا من قوله: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وقال سيبويه: هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ كقوله: وعد الله، وقد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه (٧) من رواية أشعث بن إسحاق عن

стр. 2097

سعيد بن جبير عن ابن عباس أن نبي الله موسى ﷺ قال: إن بني إسرائيل قالوا: يا رسول الله هل يصبغ ربك؟ فقال: اتقوا الله، فناداه ربه: يا موسى سألوك: هل يصبغ ربك؟ فقل: نعم. أنا أصبغ الألوان الأحمر والأبيض والأسود والألوان كلها من صبغي، وأنزل الله على نبيه ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ كذا وقع في رواية ابن مردويه مرفوعًا، وهو في رواية ابن أبي حاتم موقوف. وهو أشبه إن صح إسناده والله أعلم (١). اهـ. قال صاحب «الكواشف» (ص ٣٧): «الإيمان بكتب الله هو التصديق الجازم بأن الله كتبًا أنزلها على أنبيائه ورسله، وهي من كلامه حقيقة، وأنها نور وهدى، وأن ما تضمنته حق وصدق، ولا يعلم عددها إلا الله، وأنه يجب الإيمان بها جملة إلا ما سمى منها، وهي: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وصحف إبراهيم وموسى». قال الله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٣، ٤] وقال: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] وقال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨، ١٩]. فيجب الإيمان بها على التفصيل والبقية إجمالًا، ويجب مع الإيمان بالقرآن وأنه منزل من عند الله الإيمان بأن الله تكلم به حقيقة كما تكلم بالكتب المنزلة على أنبيائه ورسله، وأنه المخصوص بمزية الحفظ من التغيير والتبديل والتحريف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. ومنزلة القرآن من الكتب المتقدمة كما ذكر الله فيه، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وقال: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ

стр. 2098

تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧] وقال: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]. قال المفسرون: مهيمنًا مؤتمنًا وشاهدًا على ما قبله من الكتب ومصدقًا لها، يعني: يصدق ما فيها من الصحيح وينفي ما وقع فيها من تحريف وتغيير وتبديل، فما شهد له بالصدق فهو المقبول وما شهد له بالرد فهو المردود، وله يخضع كل متمسك بالكتب المتقدمة ممن لم ينقلب على عقبيه، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ [القصص: ٥١ - ٥٣]، ويجب على كل أحد اتباعه ظاهرًا وباطنًا والتمسك به والقيام بحقه، قال الله تعالى (١): ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥]، وقال تعالى (٢): ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]، وأوصى النبي ﷺ بكتاب الله فقال: «خذوا بكتاب الله وتمسكوا به» (٣)، وفي حديث علي مرفوعًا: «إنها ستكون فتن» قلت ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله» (٤) وذكر الحديث، ومعنى التمسك به والقيام بحقه: حفظه، وتلاوته، والقيام به آناء الليل والنهار، وتدبر آياته، وإحلال حلاله (٥)، وتحريم حرامه، والانقياد لأوامره، والانزجار بزواجره، والاعتبار بأمثاله، والاتعاظ بقصصه، والعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه، والوقوف عند حدوده، والذب عنه؛ لتحريف الغالين وانتحال المبطلين، والنصيحة له بكل معانيها، والدعوة إليه على بصيرة.

стр. 2099

وفي «جواب أهل العلم والإيمان» (١): «السلف متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب، وهو أعلى منها درجة، فإنه قرر ما فيها من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم ونصره لأهل الكتب المتبعين لها، وبين ما حُرّف منها وبُدّل، وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبيَّن أيضًا ما كتموه مما أمر الله ببيانه، وكل ما جاءت (٢) به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن، فصارت له الهيمنة على ما قبله من الكتب من وجوه متعددة (٣)، فهو شاهد بصدقها، وشاهد بكذب ما حُرّف منها، وهو حاكم بإقرار ما أقره الله ونسخ ما نسخه، فهو شاهد في الخبريات حاكم في الأمريات، وكذلك معنى الشهادة والحكم يتضمن إثبات ما أثبته الله من صدق ومحكم، وإبطال ما أبطله من كذب ومنسوخ (٤)، ثم إنه معجز في نفسه لا يقدر الخلائق أن يأتوا بمثله. ففيه دعوة الرسول وهداية (٥) الرسول وبرهانه على صدقه ونبوته، وفيه ما جاء به الرسول، وفيه أيضًا من ضرب الأمثال وبيان الآيات على تفضيل ما جاء به الرسول، ما لو جمع إليه علوم جميع العلماء لم يكن عندهم إلا بعض ما جاء به القرآن. ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون من أصناف العلماء في أصناف العلوم والفنون لم يجد عندهم إلا بعض ما جاء به القرآن، ولهذا لم (٦) تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر ولا كتاب آخر، فضلًا عن أن تحتاج شيئًا لا يستقل بنفسه عن (٧) غيره سواء كان من علوم النقل أو علوم العقل، ولله الحمد».

стр. 2100

وقال: «ولا يجوز أن يكون في القرآن ما يخالف صريح العقل أو الحس إلا وفي القرآن بيان معناه، فإن القرآن جعله الله شفاء لما في الصدور وبيانًا للناس، فلا يجوز أن يكون بخلاف ذلك لكن قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة والأزمنة حتى لا يعرفوا ما جاء به الرسول، أما أن لا يعرفوا اللفظ (١) ولا يعرفوا معناه فحينئذ يصيرون في جاهلية بسبب عدم نور النبوة، ومن هنا (٢) يقع الشرك وتفريق الدين شيعًا كالفتن التي تحدث بالسيف، فالفتن القولية والفعلية من الجاهلية؛ بسبب خفاء النور عنهم، فإذا انقطع عنهم (٣) نور النبوة وقعوا في ظلمة البدع وحدثت البدع والفجور ووقع الشر بينهم» (٤).

стр. 2101

الإيمان بالأنبياء والرسل قال تعالى في سورة الحج الآية [٥٢]: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِي إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال القاسمي: «﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: بما يصد عنها، ويصرف المدعوين عن إجابتها فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ أي: يبطله ويمحقه ثُمَّ يُحْكُمُ اللهُ وَايَتِهِ أي: يثبتها فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد: ١٧] وَاللَّهُ عَلِيمٌ يعلم الإلقاآت الشيطانية، وطريق نسخها من وجه وجيه حَكِيمُ يحكم آياته بحكمته» (١). اهـ. قال شارح «الطحاوية» (ص ١٠٥) ما نصه: «وقد ذكروا فروقًا بين النبي والرسول وأحسنها: أن من نبأه الله بخبر السماء، أن أمره أن يبلغ غيره، فهو نبي رسول، ومن (٢) لم يأمره أن يبلغ غيره، فهو نبي وليس برسول، فالرسول أخص من النبي (٣)، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا» (٤). اهـ. وقال صاحب «الكواشف» (ص ٤٠) ما نصه: «الإيمان بالرسل هو التصديق الجازم بأن الله رسلًا أرسلهم لإرشاد الخلق

стр. 2102

في معاشهم ومعادهم، اقتضت حكمة اللطيف الخبير أن لا يهمل خلقه، بل أرسل إليهم رسلًا مبشرين ومنذرين، فيجب الإيمان بمن سمى الله منهم في كتابه على التفصيل، والإيمان جملة بأن الله رسلًا غيرهم وأنبياء لا يحصي عددهم إلا الله، ولا يعلم أسماءهم إلا هو جل وعلا. قال الله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤] وعدد المذكورين في القرآن خمسة وعشرون، وهم: آدم - ونوح - وإدريس - وصالح - وإبراهيم - وهود - ولوط - ويونس - وإسماعيل - وإسحاق - ويعقوب - ويوسف - وأيوب - وشعيب - وموسى - وهارون - واليسع - وذو الكفل - وداود - وزكريا - وسليمان - وإلياس - ويحيى - وعيسى - ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين. وموضوع الرسالة التبشير والإنذار (١) قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. والحكمة في ذلك دعوة أممهم إلى عبادة الله وحده قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وأفضل المرسلين أولو العزم وهم المذكورون في سورة الشورى، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ الآية [الشورى: ١٣] وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] وأفضل أولياء الله أنبياؤه (٢)، وأفضل أنبيائه المرسلون، وأفضل المرسلين أولو العزم، وأفضل أولي العزم محمد ﷺ خاتم النبيين، وإمام المتقين، وسيد ولد آدم، وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا (٣) وصاحب لواء الحمد والحوض المورود، وشفيع الخلائق يوم القيامة، وصاحب الوسيلة الذي بعثه الله بأفضل كتبه، وشرع له أفضل شرائع دينه، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم، وهم آخر الأمم خَلْقًا وأولهم بعثًا، ومن حين

стр. 2103

بعثه الله جعله الفاروق بين أوليائه وبين أعدائه، فلا يكون وليًا (١) إلا من آمن به وبما جاء به واتبعه ظاهرًا وباطنًا، ومن ادعى محبة الله وولايته وهو (٢) لا يتبعه فليس من أوليائه، بل من خالفه كان من أعدائه وأولياء الشيطان. الواجب علينا للرسل (٣)، والأشياء التي تجوز عليهم، والأدلة على صدقهم، وما أيديهم الله به: يجب علينا تصديقهم وأنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمروا به، وبينوه بيانًا واضحًا شافيًا كافيًا، لا يسع أحدًا ممن أرسلوا إليه جهله، ولا يحل خلافه. قال تعالى (٤): ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بين أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. «ويجب علينا الإيمان بأنهم معصومون من الكبائر، وأما الصغائر فقد تقع منهم، والكتاب والسنة يدلان على ذلك، ولكن لا يقرون عليها بل يوفّقون للتوبة منها» (٥). فصل قال محمد تقي الدين الهلالي عندي عشرة من التفاسير، وقد اختلفت أقوال المفسرين فبعضهم برأ الأنبياء من الذنوب وتأول ما ورد فيهم من نسبة الذنب إليهم من القرآن، وبعضهم يفهم منه نسبة الذنب إليهم من القرآن، وبعضهم يفهم منه نسبة الذنب إليهم وقد أعجبني كلام (ك) وها أنذا أنقله هنا. قال (ك) في قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ في قصة داود وأوريا المنقولة من التوراة ما نصه: قد ذكر المفسرون ههنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها

стр. 2104

عن المعصوم حديث يجب اتباعه (١)، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثًا لا

стр. 2105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →