← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

الإيمان بالأنبياء والرسل قال تعالى في سورة الحج الآية [٥٢]: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِي إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال القاسمي: «﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: بما يصد عنها، ويصرف المدعوين عن إجابتها فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ أي: يبطله ويمحقه ثُمَّ يُحْكُمُ اللهُ وَايَتِهِ أي: يثبتها فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد: ١٧] وَاللَّهُ عَلِيمٌ يعلم الإلقاآت الشيطانية، وطريق نسخها من وجه وجيه حَكِيمُ يحكم آياته بحكمته» (١). اهـ. قال شارح «الطحاوية» (ص ١٠٥) ما نصه: «وقد ذكروا فروقًا بين النبي والرسول وأحسنها: أن من نبأه الله بخبر السماء، أن أمره أن يبلغ غيره، فهو نبي رسول، ومن (٢) لم يأمره أن يبلغ غيره، فهو نبي وليس برسول، فالرسول أخص من النبي (٣)، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا» (٤). اهـ. وقال صاحب «الكواشف» (ص ٤٠) ما نصه: «الإيمان بالرسل هو التصديق الجازم بأن الله رسلًا أرسلهم لإرشاد الخلق

стр. 2102

في معاشهم ومعادهم، اقتضت حكمة اللطيف الخبير أن لا يهمل خلقه، بل أرسل إليهم رسلًا مبشرين ومنذرين، فيجب الإيمان بمن سمى الله منهم في كتابه على التفصيل، والإيمان جملة بأن الله رسلًا غيرهم وأنبياء لا يحصي عددهم إلا الله، ولا يعلم أسماءهم إلا هو جل وعلا. قال الله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤] وعدد المذكورين في القرآن خمسة وعشرون، وهم: آدم - ونوح - وإدريس - وصالح - وإبراهيم - وهود - ولوط - ويونس - وإسماعيل - وإسحاق - ويعقوب - ويوسف - وأيوب - وشعيب - وموسى - وهارون - واليسع - وذو الكفل - وداود - وزكريا - وسليمان - وإلياس - ويحيى - وعيسى - ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين. وموضوع الرسالة التبشير والإنذار (١) قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. والحكمة في ذلك دعوة أممهم إلى عبادة الله وحده قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وأفضل المرسلين أولو العزم وهم المذكورون في سورة الشورى، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ الآية [الشورى: ١٣] وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] وأفضل أولياء الله أنبياؤه (٢)، وأفضل أنبيائه المرسلون، وأفضل المرسلين أولو العزم، وأفضل أولي العزم محمد ﷺ خاتم النبيين، وإمام المتقين، وسيد ولد آدم، وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا (٣) وصاحب لواء الحمد والحوض المورود، وشفيع الخلائق يوم القيامة، وصاحب الوسيلة الذي بعثه الله بأفضل كتبه، وشرع له أفضل شرائع دينه، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم، وهم آخر الأمم خَلْقًا وأولهم بعثًا، ومن حين

стр. 2103

بعثه الله جعله الفاروق بين أوليائه وبين أعدائه، فلا يكون وليًا (١) إلا من آمن به وبما جاء به واتبعه ظاهرًا وباطنًا، ومن ادعى محبة الله وولايته وهو (٢) لا يتبعه فليس من أوليائه، بل من خالفه كان من أعدائه وأولياء الشيطان. الواجب علينا للرسل (٣)، والأشياء التي تجوز عليهم، والأدلة على صدقهم، وما أيديهم الله به: يجب علينا تصديقهم وأنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمروا به، وبينوه بيانًا واضحًا شافيًا كافيًا، لا يسع أحدًا ممن أرسلوا إليه جهله، ولا يحل خلافه. قال تعالى (٤): ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بين أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. «ويجب علينا الإيمان بأنهم معصومون من الكبائر، وأما الصغائر فقد تقع منهم، والكتاب والسنة يدلان على ذلك، ولكن لا يقرون عليها بل يوفّقون للتوبة منها» (٥). فصل قال محمد تقي الدين الهلالي عندي عشرة من التفاسير، وقد اختلفت أقوال المفسرين فبعضهم برأ الأنبياء من الذنوب وتأول ما ورد فيهم من نسبة الذنب إليهم من القرآن، وبعضهم يفهم منه نسبة الذنب إليهم من القرآن، وبعضهم يفهم منه نسبة الذنب إليهم وقد أعجبني كلام (ك) وها أنذا أنقله هنا. قال (ك) في قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ في قصة داود وأوريا المنقولة من التوراة ما نصه: قد ذكر المفسرون ههنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها

стр. 2104

عن المعصوم حديث يجب اتباعه (١)، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثًا لا

стр. 2105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2107

يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس، ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمهَا إلى الله ، فإن القرآن حق وما تضمنه (١) حق أيضًا» (٢). قال محمد تقي الدين وأنا أرجح مذهب القائلين بالتأويل وأعتقد عصمة الأنبياء كلهم من الذنوب الصغائر والكبائر، وتسمية بعض أعمالهم ذنوبًا هي من باب (حسنات الأبرار سيئات المقربين) والأدلة على ذلك كثيرة نذكر قليلًا منها، فمن ذلك: حكم النبي ﷺ لبني أبيرق بالبراءة (٣) اجتهادًا منه لما لم يقم دليل على أنهم سرقوا فعاتبه الله على ذلك وأمره بالاستغفار. انظر بسط هذه القصة في (القسم الثاني) من «سبيل الرشاد» في (الباب الرابع) من (سورة النساء). وكذلك قصة أسارى بدر، وقد ذكرها الله تعالى في آخر سورة الأنفال في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فقد عاتب الله نبيه ﷺ على أخذ الفدية من أسارى بدر وقال له: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] مع أن النبي ﷺ استشار أصحابه كما أمره الله تعالى بقوله في سورة آل عمران ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وذلك فيما لم يأمره فيه بشيء، فأشار أكثرهم بأخذ الفدية من الأسارى وإطلاق سراحهم وهذا ليس فيه أي ذنب، وكذلك قوله تعالى في سورة التوبة الآية ٤٣: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ فقد أمره الله تعالى بالعفو في غير ما آية، قال تعالى في سورة البقرة الآية ١٠٩: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقال تعالى في سورة المائدة الآية ١٣: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وآية التوبة نزلت في المنافقين، لما عزم النبي ﷺ على الخروج لغزوة تبوك دعا الناس كلهم لذلك، فاعتذر له المنافقون بأعذار كاذبة، فقبل ظواهرهم

стр. 2108

واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، وهذا ليس بذنب، ويقاس على هذا ما أشبهه، وعندي دليل نظري هو حجة قاطعة، وذلك أن الرسول لو جاز عليه ارتكاب الذنوب وقد أمرنا الله باتباعه اتباعًا مطلقًا، فإذا عمل ذنبًا كنا مأمورين باتباعه فيه، ومنهيين عنه، فيقع التناقض، وهو الأمر بالشيء والنهي عنه في وقت واحد، فكأن الله يقول: اتبعوه ولا تتبعوه، فطريق السلامة هو تبرئة الأنبياء من الذنوب صغيرها وكبيرها، والله أعلم. اهـ. وقال صاحب «الكواشف»: «ويجب احترامهم وأن لا يفرق بينهم، ويجب الاهتداء بهديهم والائتمار بأمرهم، والكف عما نهوا عنه، ويجب الاعتقاد أنهم أكمل الخلق علمًا وعملًا وأصدقهم وأبرهم وأكملهم أخلاقًا، وأن الله خصهم بفضائل لا يلحقهم فيها أحد وبرأهم من كل خلق رذيل، ويجب محبتهم وتعظيمهم، ويحرم الغلو فيهم ورفعهم فوق منزلتهم، ويجوز في حقهم شرعًا وعقلًا النوم والنكاح والأكل والشرب والجلوس والمشي والضحك وسائر الأعراض البشرية التي لا تؤدي (١) إلى نقص في مراتبهم العلية، فهم بشر يعتريهم ما يعتري سائر أفراده فيما لا علاقة له بتبليغ الأحكام، وتمتد إليهم أيدي الظلمة وينالهم الأذى (٢)، وقد يقتل الأنبياء كما أخبر الله بذلك في كتابه بقوله سبحانه: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢] ومن الأدلة على ما ذكرنا أولًا من أنه يجوز في حقهم أشياء قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقال عز من قائل: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] وقال ﷺ : «لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء» (٣). وكان ﷺ يمرض ويتألم ويشتكي، وكان يصيبه الحر والبرد، والجوع والعطش، والغضب والضجر والتعب ونحو ذلك مما لا نقص عليه فيه. وأما الأدلة على صدق الرسل فكثيرة (٤)، أعظمها شهادة الله لهم بأنهم

стр. 2109

صادقون، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]. وقال عز شأنه: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] وقال عز من قائل في (١) إسماعيل : ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] وقال في (٢) إبراهيم: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١] إلى غير ذلك من الأدلة» (٣). اهـ. البحث في المعجزات قال شارح «الطحاوية»: ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح، لكن الدليل غير محصور في المعجزات، فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما وتعرف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟ وما أحسن ما قاله (٤) حسان (٥): لو لم تكُن فيه آياتٌ مُبَيَّنَةٌ … كانت بديهته تأتيك بالخَبَرِ وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز، فإن الرسول لا بدّ أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور، ولا بدّ أن يفعل أمورًا؛ يبين بها صدقه، والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه، وما يفعله ما يتبين (٦) به كذبه من وجوه كثيرة، والصادق ضده، بل كل شخصين ادعيا أمرًا: أحدهما صادق والآخر كاذب - لا بد أن يظهر صدق هذا وكذب هذا ولو بعد مدة، إذ الصدق مستلزم للبر، والكذب مستلزم للفجور، كما في «الصحيحين» (٧) عن النبي ﷺ أنه

стр. 2110

قال: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا». ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٦] من سورة الشعراء فالكهان ونحوهم، وإن كانوا أحيانًا يخبرون بشيء من المغيبات، ويكون صدقًا فمعهم من الكذب والفجور ما يبين أن الذي يخبرون به ليس عن ملك وليسوا بأنبياء، ولهذا لما قال النبي ﷺ لابن صياد: قد خبأت لك خبأ، فقال: هو الدخ. قال له النبي ﷺ : «اخسأ فلن تَعْدُوَ قَدْرَك» (١). يعني: إنما أنت كاهن، وقد قال للنبي ﷺ : «يأتيني صادق وكاذب وقال: أرى عرشًا على الماء» (٢). وذلك هو عرش الشيطان. وبين أن الشعراء يتبعهم الغاوون، والغاوي: الذي يتبع هواه وشهوته، وإن كان ذلك مضرًا له في العاقبة. فمن عرف الرسول وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله، علم علمًا يقينًا أنه ليس بشاعر ولا كاهن (٣). اهـ. ثم قال صاحب «الكواشف» (ص ٤٢): «فهم أصدق الخلق على الإطلاق، عليهم أفضل الصلاة والسلام، وأيدهم بالدلائل الدالة على صدقهم في دعواهم الرسالة، فمن أعلام نبوته ﷺ القرآن العظيم الذي أعجز الورى كلهم، ومثل انشقاق القمر وحراسة السماء بالشهب ومعراجه إلى السماء، إلى سدرة المنتهى إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام، وكفاية الله أعداءه وعصمته من الناس، وإجابة دعائه، وإعلامه بالمغيبات الماضية والمستقبلة، وتأثيره في تكثير الطعام والشراب». قال الشيخ: ومثل أخبار أهل الكتاب قبله، وبشارة الأنبياء به، ومثل أخبار قبح الكذب وحسن الصدق وفضله (٢٦٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود له.

стр. 2111

الكهان والهواتف به، ومثل قصة الفيل التي جعلها الله آية في عام مولده من العجائب الدالة على نبوته، ومثل امتلاء السماء ورميها بالشهب التي ترجم بها الشياطين، بخلاف ما كانت العادة عليه قبل مبعثه وبعد مبعثه، ومثل إخباره بالغيوب التي لا يعلمها أحد إلا بتعليم الله من غير أن يعلمه إياها بشر (١). اهـ. وكما أيد الله موسى بالآيات البينات قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وكما أيد الله سائر رسله، مع انضمام ذلك إلى أحوالهم الجليلة، وأخلاقهم الفاضلة الجميلة، من سلامة الفطرة والعفاف، والكرم (٢) والشجاعة، والعدل والنصح (٣). الواسطة بين الله وبين خلقه قال محمد تقي الدين: رأيت كلام العلماء المتقدمين كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيه صعوبة على فهم عامة القراء، فأردت أن أبينه لهم بعبارة سهلة: اتخاذ الوسائط بين الله وبين عباده على نوعين: الأول حق، والثاني باطل، فالأول الذي هو حق: يجب على كل مسلم أن يعتقد أن كل ما يأمر الله به عباده أو ينهاهم عنه أو يخبرهم به لا يمكن أن يُعرَف إلا من طريق الرسل، وذلك كالأحكام الخمسة: الواجبات، والمستحبات، والحلال، والحرام، والمباح، وأخبار الأمم السابقة، وأمور الآخرة كسؤال القبر والحساب والميزان والحوض والصراط ودخول الجنة ونعيمها ودخول النار وعذابها، والملائكة، فكل من أخبر بشيء من ذلك من غير طريق الكتاب والسنة يجب علينا أن نكذبه كالمتصوفة الذين يقولون: قال الله كذا وكذا، وقلت له كذا وكذا، ورأيت النبي ﷺ يقظة وأخبرني بكذا وكذا أو غيره من الأنبياء أو يقول: إذا قال لك المحدث: حدثني أبي عن جدي فقل له: حدثني قلبي عن ربي، فهذا كذب وضلال، مَنْ صدقه فقد كذب الله ورسوله، وإذا عرفت أيها القارئ هذه القاعدة فإنك تسلم من الوقوع في شباك الدجاجلة الذين يسلبون الدين والعقل والعرض والمال بمثل هذه الحيل.

стр. 2112

والنوع الثاني: اتخاذ وسائط بين الناس وبين الله في جلب الخير، كنزول المطر وشفاء المرض وتنوير القلوب وإصلاحها وقضاء الحاجات وتفريج الكربات ودفع الضرر، فاتخاذ الوسائط بهذا المعنى شرك وكفر بالله، ومن ذلك: الاستغاثة عند الشدائد بالأنبياء والملائكة والصالحين ودعاؤهم والذبح والنذر لهم والحلف بأسمائهم والتوكل عليهم في جلب الخير ودفع الشر والاستمداد من أرواحهم والخوف والرجاء منهم، وأعظم من ذلك اعتقاد أنهم يتصرفون في العالم، وقد تقدم ذلك مبسوطًا في (القسم الأول) من هذا الكتاب، وكل ما أخبر به الأنبياء والرسل عمومًا وخصوصًا، أفضلهم وسيدهم محمدًا رسول الله ﷺ ، إذا ثبت بالكتاب أو بالسنة أو بأحدهما فهو حق يقبله العقل الصحيح ويفهمه ولا يتنافى معه أبدًا، ومن شك فيه فهو فاسد العقل أو كذاب جاحد مكابر. عدد الأنبياء والرسل والكتب المنزلة ذكر الحافظ (ك) (١) في تفسير الآية ١٦٤ من سورة النساء: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ الآية أحاديث كثيرة متناقضة، فأكثر ما ذكر في عددهم أن الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفًا، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر. وفي حديث: وخمسة عشر، وفي حديث أن الرسل ثمانية آلاف وفي حديث آخر أنهم ألف. وأطول هذه الأحاديث حديث أبي ذر رواه أحمد (٢) وغيره، والمختار التوقف في عددهم لما تقدم، وللآية المذكورة وآية.

стр. 2113

سورة غافر الآية ٧٨: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾ ومن الآيتين نعلم يقينًا أن الله تعالى لم يقص على النبي ﷺ جميع الرسل، فكيف يمكن أن يبين عددهم وهو لا يعلم إلا بعضهم؟ وكذلك الكتب السماوية جاء في أحد تلك الأحاديث أن عددها مائة وأربعة (١) ثم ذكر تفصيلها، ونحن نكل علم عددها وتفصيلها إلى الله تعالى ونؤمن بجميع ما أنزله الله من الكتب إجمالًا وما ذكره الله لنا بالتفصيل أربعة: التوراة لموسى، والإنجيل لعيسى، والزبور لداود، والقرآن لمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 2114

الإيمان بالبعث وما بعده قال الله تعالى في سورة التغابن الآيات (٧ إلى ١٠): ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾ [التغابن: ٧ - ١٠]. قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عن الكفار والمشركين والملحدين أنهم يزعمون أنهم لا يبعثون: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ أي: لتُخْبَرُنَّ بجميع أعمالكم جليلها وحقيرها صغيرها وكبيرها ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: بعثكم ومجازاتكم. وهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله ﷺ أن يقسم بربه على وقوع المعاد ووجوده. فالأولى في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]. والثانية في سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ الآية [سبأ: ٣]. والثالثة: هي هذه الآية ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾؛ يعني: القرآن ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: فلا تخفى عليه من أعمالكم خافية، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ وهو يوم القيامة، سمي بذلك لأنه يجمع فيه الأولون

стр. 2115

والآخرون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. وقوله تعالى (١): ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ قال ابن عباس: هو (٢) من أسماء يوم القيامة وذلك أن أهل الجنة يغبنون أهل النار، وكذا قال قتادة ومجاهد (٣)، وقال مقاتل بن حيان (٤): لا غُبنَ أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة ويُذْهَبُ بأولئك إلى النار، قلت: وقد فسر ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٩، ١٠] وقد تقدم تفسير مثل هذه غير مرة» (٥). اهـ. قال شارح «الطحاوية» ص ٤٥٦: «وقوله: ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب والصراط والميزان». قال (ش): الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة، والعقل والفطرة السليمة، فأخبر الله سبحانه عنه (٦) في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، ورد على منكريه في غالب سور القرآن. وذلك: أن الأنبياء ﵇ كلهم متفقون على الإيمان بالله، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري، كلهم يقر بالرب إلا من عاند كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون، ومحمد ﷺ لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفى؛ بين تفصيل الآخرة بيانًا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء، ولهذا ظن طائفة من المتفلسفة ونحوهم

стр. 2116

أنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا محمد ﷺ ، وجعلوا هذه حجة لهم في أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري. والقرآن بين معاد النفس بعد الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع، وهؤلاء ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول من يقول منهم: إنه لم يخبر به إلا محمد ﷺ على طريق التخييل، وهذا كذب فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء من آدم إلى نوح، إلى إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم ﷺ ، وقد أخبر الله بها من حين أهبط آدم، فقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٤، ٢٥] ولما قال إبليس اللعين: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص: ٧٩ - ٨١] وأما نوح ﷺ فقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧، ١٨] وقال إبراهيم ﷺ : ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، إلى آخر القصة، وقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] (١)، وأما موسى ﷺ فقال الله تعالى لما ناجاه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ [طه: ١٥، ١٦] بل مؤمن آل فرعون كان يعلم المعاد، وإنما آمن بموسى، قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣] إلى قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩] إلى قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] (٢). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: احتجاج شارح «الطحاوية» على الفلاسفة الذين لا يصدقون الرسول ﷺ بآيات القرآن على أن الرسل السابقين جاؤوا بعقيدة البعث

стр. 2117

مفصلة كما جاء بها محمد ﷺ فيه نظر، وقد نظرت في الكتب السابقة فلم أجد في التوراة ذكر يوم القيامة والجزاء الأخروي. أما الأناجيل فالبعث موجود فيها، ولكن علماء النصارى ينكرون بعث الأجساد والتمتع بالأكل والشرب والجماع في الجنة، ويزعمون أن المؤمنين يشتغلون بالغناء والمعازف ويسبحون الله، وكان الأستاذ (باول كالي) (١) مدير القسم الشرقي في جامعة (بن) بالبلاد الجرمانية يهيء لنا رحلة في كل أسبوع أو أسبوعين للترويح على النفس والاستجمام، وكان هو يقوم بنفقات السفر ما عدا الأكل والشرب، وكل واحد ينفق على نفسه، وكانت هذه الرحلة تشتمل على رجال ونساء من أهل العلم والأدب، فهجم عليَّ أحدهم يومًا، وقال مستهزئًا: كيف تدعون أن في الجنة أكلًا وشربًا واستمتاعًا بالنساء فقلت له: هل يحشر الناس يوم القيامة ذكورًا فقط، أو أناثًا فقط، أو خناثي، أم يحشرون ذكورًا وإناثًا، كما كانوا في الدنيا؟؟ فقال: بل يحشرون ذكورًا وإناثًا، فقلت: فما معنى كونهم ذكورًا وإناثًا إن لم يكن استمتاع أحد الجنسين بالآخر؟ وما الحكمة في جعلهم ذكورًا وإناثًا؟ ولماذا لم يجعلهم الله كالملائكة لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة؟ فضحك عليه الحاضرون ولم يستطع جوابًا، وقلت له: استمتاعكم أنتم في الجنة هو أن يعطى كل واحد عودًا يلهو به، وهذا أمر ممل فإن الإنسان لا يتنعم بالضرب على العود إلى الأبد بدون انقطاع، فجنتنا أحسن من جنتكم فيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فاستحسنوا كلهم هذا الكلام، وبهت هذا الطاعن وبطل طعنه، وكان ذلك في سنة ١٩٣٧ بتأريخ النصارى في جبال غربي البلاد الجرمانية راين لند؛ أي بلاد راين، وهو نهر مشهور. اهـ. رجوع إلى البحث في المعاد قال شارح «الطحاوية» (ص ٤٠١): والقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، لهم في المعاد خبط واضطراب وهم فيه على قولين:

стр. 2118

منهم من يقول: تعدم الجواهر ثم تعاد. ومنهم من يقول: تفرَّق الأجزاء ثم تُجمع». فأورد عليهم الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا، لم تعد من هذا، وأورد عليهم: إن الإنسان يتحلل دائمًا، فماذا الذي يعاد؟ أهو (١) الذي كان وقت الموت؟ فإن قيل بذلك، لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك، فليس بعض الأبدان بأولى من بعض، فادعى بعضهم أن في الإنسان أجزاء أصلية لا تتحلل ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني، والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل، ليس فيه شيء باق فصار ما ذكروه في المعاد مما قوى شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان. والقول الذي عليه السلف وجمهور العقلاء: أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال، فتستحيل ترابًا ثم ينشئها الله نشأة أخرى، كما استحال في النشأة الأولى، فإنه كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة، ثم صار عظامًا ولحمًا، ثم أنشأه خلقًا سويًا، كذلك الإعادة، يعيده الله بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب كما ثبت في «الصحيح» (٢) عن النبي ﷺ ، أنه قال: «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق ابن آدم ومنه يركب». وفي حديث آخر: «إن السماء تمطر مطرًا كمنيّ الرجال، ينبتون في القبور كما ينبت النبات» (٣). ومضى إلى أن قال: «ومعلوم أن من رأى شخصًا وهو صغير ثم رآه وقد صار شيخًا، علم أن هذا هو ذاك، مع أنه دائمًا في تحلل واستحالة، وكذلك سائر الحيوانات والنبات فمن رأى شجرة وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة، قال: هذه تلك، وليست صفة تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة هذه النشأة، حتى يقال: إن

стр. 2119

الصفات هي المغيرة، لا سيما أهل الجنة إذا دخلوها فإنهم يدخلونها على صورة آدم». ثم قال في النشأة الأخرى: «وتلك نشأة باقية غير معرضة للآفات، وهذه النشأة فانية معرضة للآفات» (١). اهـ. جزاء الأعمال قال تعالى في سورة الفاتحة: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقال تعالى في سورة النور: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ الآية [٢٥] وقال تعالى في سورة غافر الآية [١٧]: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآية [٢٥]. قال المصنف في كتابه «فتح الرحمن في تفسير أم القرآن» (٢) ما نصه: ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ قرئ في السبع بألف بعد الميم وبدونها (٣). فالأول: من الملك بكسر الميم كما قال تعالى في سورة الانفطار: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [١٩]. والثاني: من الملك بضم الميم وكلاهما ثابت الله تعالى، قال البيضاوي (٤): «أضاف اسم الفاعل إلى الظرف إجراء له مجرى المفعول به على الاتساع، كقولهم: (يا سارق الليلة أهل الدار) ومعناه: ملك الأمور [يوم] الدين، أو له [الملك] في هذا اليوم على وجه الاستمرار».

стр. 2120

قال محمد تقي الدين والإضافة هنا بمعنى (في) كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] والدين الجزاء، قال تعالى في سورة النور: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [٢٥] قال الحماسي: فلما صَرَّحَ الشرُّ … فأمسي وهو عريان ولم يبق سوى العدوا … ن دناهم كما دانوا وفي الحديث «كما تدين تدان» (١) أخرجه ابن عدي في «الكامل» عن ابن عمر مرفوعًا. وفي «فتح البيان»: «واليوم في العرف عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها من الزمان، وفي الشرع ما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس، والمراد هنا مطلق الوقت» (٢). اهـ. وإنما أضيف ملكه سبحانه ليوم القيامة، مع أنه يملك الدنيا والآخرة، وهو المتصرف فيهما وحده، لأن في الدنيا مالكين وملوكًا على سبيل الحدوث والنقصان. وهم مملوكون الله، أما في ذلك اليوم فلا تملك نفس شيئًا أصلًا؛ لقوله تعالى في سورة لقمان: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ الآية [٣٣].

стр. 2121

قال المحقق القنوجي في «فتح البيان» في تفسير آية آل عمران [٢٥]: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾: «هو رد عليهم وإبطال لما غرهم من الأكاذيب باستعظام ما سيقع لهم وتهويل لما يحيق بهم من الأهوال؛ أي فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم ليوم الجزاء الذي لا يرتاب مرتاب في وقوعه فإنهم يقعون لا محالة فيه ويعجزون عن دفعه بالحيل والأكاذيب» (١). وقال (ع): «المعنى لما يحدث في يوم ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ من أهل الكتاب وغيرهم ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ أي: جزاء ما كسبت من خير وشر على حذف المضاف، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بزيادة سيئة ولا نقص حسنة من أعمالهم، والمراد: كل الناس المدلول عليهم بكل نفس» (٢). وقال (ك) في تفسير آية سورة النور [٢٥]: «وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ قال ابن عباس: ﴿دِينَهُمُ﴾؛ أي: حسابهم وكل ما في القرآن دينهم أي: حسابهم، وكذا قال غير واحد، ثم إن قراءة الجمهور بنصب ﴿الْحَقَّ﴾ على أنه صفة لدينهم، وقرأ مجاهد بالرفع (٣) على أنه نعت لاسم الجلالة، وقرأها بعض السلف في مصحف أبي بن كعب (٤): (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ الْحَقُّ دِينَهُمُ)، وقوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ أي: وعده ووعيده، وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه» (٥). اهـ. قال (ك) في تفسير آية سورة غافر: «وقوله جلت عظمته: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ

стр. 2122

نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]؛ يخبر تعالى عن عدله في حكمه بين خلقه أنه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر، بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها وبالسيئة واحدة» (١). اهـ. العرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب قال تعالى في سورة الانشقاق: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٦ - ٩] إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٥]، وقال تعالى في سورة الكهف: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٨، ٤٩]. قال (ك): «وقوله تعالى (٢): ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ أي: إنك (٣) ساع إلى ربك سعيًا وعامل عملًا ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر، ويشهد لذلك ما رواه أبو داود الطيالسي (٤) بسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «قال جبريل: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه». ومن الناس من يعيد الضمير

стр. 2123

على قوله: ﴿رَبُّكَ﴾ أي: فملاق ربك، ومعناه فيجازيك بعملك، ويكافئك على سعيك، وعلى هذا فكلا القولين متلازم، قال العوفي عن ابن عباس: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ يقول: تعمل عملًا تلقى الله به خيرًا كان أو شرًا، ثم قال تعالى (١): ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أي: سهلًا بلا تعسير، أي: لا يحقق (٢) عليه جميع دقائق أعماله، فإن من حوسب كذلك هلك (٣) لا محالة، وروى (أحم، و، ت، ن، ج) عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نوقش الحساب عُذب» قالت: فقلت: أفليس (٤) قال الله تعالى (٥): ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: «ليس ذاك بالحساب ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عُذب» (٦). وروى الإمام أحمد (٧) بسنده عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته: «اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا» فلما انصرف قلت: يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال: «أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك» (٨) صحيح على شرط مسلم. ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ أي: ويرجع إلى أهله في الجنة، قاله قتادة والضحاك: ﴿مَسْرُورًا﴾ أي: فرحًا (٩) مغتبطًا بما أعطاه الله . وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ أي: بشماله من وراء ظهره تثنى يده إلى ورائه ويعطى كتابه بها كذلك ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١)﴾ أي: خسارًا وهلاكًا ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣)﴾ أي: فرحًا لا يفكر في العواقب، ولا يخاف مما

стр. 2124

أمامه، فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أي: كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله ولا يعيده بعد موته. قاله (١) ابن عباس وقتادة وغيرهما، والحور: هو الرجوع، قال الله تعالى: ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾؛ يعني: بل سيعيده الله كما بدأه ويجازيه على أعماله خيرها وشرها، فإنه كان (٢) بصيرًا، أي: عليمًا خبيرًا (٣). فصل قال محمد تقي الدين: سؤال النبي ﷺ ربه : «أن يحاسبه حسابًا يسيرًا» تعبد وتذلل الله تعالى؛ لأن العبودية أشرف المقامات ولذلك يسمي الله سبحانه نبيه وحبيبه وخليله محمدًا ﷺ عندما يذكره في أشرف المقامات «عبدًا» كما قال تعالى في سورة البقرة الآية [٢٣]: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ وقال تعالى في أول سورة الإسراء [١]: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾، وقال تعالى في سورة النجم [١٠]: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، وقال تعالى في سورة الجن [١٩]: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾، وقال النبي ﷺ في دعائه: «اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك … » (٤)

стр. 2125

الحديث. وفي ذلك الدعاء أيضًا تعليم لأمته، وإلا فهو مقطوع له بأعلى درجات الجنة، لقوله تعالى في سورة الإسراء الآية [٧٩]: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، وعَسَى من الله واجبة، روى البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» (١). فقد ثبت بالآية والحديث أن المقام المحمود أعلى الدرجات، وقد وعد الله خير خلقه محمدًا ﷺ ذلك المقام. والله لا يخلف الميعاد، ومع ذلك سأل الله تعالى أن يجعل حسابه يسيرًا تعبدًا وشرع ذلك لأمته دعاءً، والتجانيون لا يمكنهم أن يسألوا الله تعالى أن يحاسبهم حسابًا يسيرًا، لأنهم زعموا أن النبي ﷺ ضمن لشيخهم أنهم لا يحاسبون أصلًا لا حسابًا يسيرًا ولا حسابًا عسيرًا، بل يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، هم وأولادهم وأزواجهم ولو عملوا من الذنوب ما عملوا، وبلغوا من المعاصي ما بلغوا. انظر كتابي: «الهدية الهادية إلى الطائفة التجانية» (٢). قال (ك): «قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ يحتمل أنهم يقومون بين يدي الله تعالى صفًا أو صفوفًا (٣)، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مرة﴾ هذا تقريع للمنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم على رؤوس الأشهاد، ولهذا قال سبحانه (٤): ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ أي: ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم ولا أن هذا كائن، وقوله تعالى (٥): ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير (٦) والصغير والكبير ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا﴾ أي: يا حسرتنا وويلنا

стр. 2126

على ما فرطنا في أعمارنا ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ أي: لا يترك ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا إلا أحصاه وضبطه وحفظه (١)، وروى الطبراني بإسناده إلى سعد بن جنادة: قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من غزوة حنين نزلنا قفرًا من الأرض ليس فيه شيء. فقال النبي ﷺ : «اجمعوا من وجد عودًا فليأت به، ومن وجد حطبًا أو شيئًا فليأت به». قال (٢): فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركامًا، فقال النبي ﷺ : «أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فَلْيَتَّقِ الله رجل، ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها محصاة (٣)» (٤). وقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ أي: من خير (٥) وشر، كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] وقوله تعالى (٦): ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ أي: فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعًا (٧) ولا يظلم أحدًا من خلقه، بل يعفو (٨) ويصفح ويغفر ويرحم ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله، ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي، ثم ينجي أصحاب المعاصي ويخلد فيها الكافرين، وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم، وعن شعبة عن عثمان بن عفان أن رسول الله ﷺ قال: «إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة» (٩) (١٠).

стр. 2127

صفة حوض النبي ﷺ - قال شارح «الطحاوية» ما نصه: «الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر، رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابيًا، ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عماد الدين ابن كثير، تغمده الله برحمته، في آخر تاريخه الكبير، المسمى بـ «البداية والنهاية» (١)، فمنها ما رواه البخاري عن أنس بن مالك (٢) أن رسول الله ﷺ قال: «إن قدر حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء» (٣). وعنه أيضًا عن النبي ﷺ قال: «ليردن علي ناس من أصحابي، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك» رواه مسلم (٤)، وروى الإمام أحمد (٥) عن أنس بن مالك قال: «أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة، فرفع رأسه مبتسمًا، إما قال لهم، وإما قالوا له: لم ضحكت؟» فقال رسول الله ﷺ : «إنه أنزلت علي آنفًا سورة»، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (٢)﴾ [الكوثر: ١] حتى ختمها، ثم قال لهم: «هل تدرون ما الكوثر؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته

стр. 2128

عدد الكواكب، يُختلج العبد منهم، فأقول: يا رب، إنه من أمتي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (١)، ورواه مسلم ولفظه: «هو نهر وعدنيه ربي، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة»، والباقي مثله، ومعنى ذلك أنه يشخب فيه ميزابان من ذلك الكوثر إلى الحوض في العرصات (٢) قبل الضراط؛ لأنه يختلج عنه، يمنع (٣) منه أقوام قد ارتدوا على أعقابهم، ومثل هؤلاء لا يجاوزون الصراط. وروى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنا فرطكم على الحوض (٤)»، والفرط: الذي يسبق إلى الماء. وروى البخاري (٥) عن سهل بن سعد الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : «إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردن عَلَيَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم» قال أبو حازم: «فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم. فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري، سمعته وهو يزيد: «فأقول: إنهم من أمتي، فيقال (٦): إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي» سُحقًا: أي بعدًا (٧)، والذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض: إنه حوض عظيم، ومورد كريم، يمد من شراب الجنة، من نهر الكوثر، الذي هو أشد بياضًا من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحًا من المسك (٨)، وهو في غاية الاتساع، عرضه وطوله سواء، كل زاوية من زواياه مسيرة شهر (٩).

стр. 2129

وفي بعض الأحاديث: «إنه كلما شرب منه وهو في زيادة واتساع، وإنه ينبت في خلاله من المسك والرضراض من اللؤلؤ وقضبان الذهب، ويثمر ألوان الجواهر» (١)، فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء، وقد ورد في أحاديث (٢) أن لكل نبي حوضًا، وأن حوض نبينا ﷺ أعظمها وأحلاها وأكثرها واردًا»» (٣). المرور على الصراط قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١، ٧٢]. قال صاحب «تيسير العلي القدير في اختصار ابن كثير» ما نصه: «روى الإمام أحمد (٤) عن أبي سُمَيَّة قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعًا ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت له: إنا اختلفنا في الورود، فقال: يردونها جميعًا»، وقال سليمان مرة (٥): «يدخلونها جميعًا - وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه - وقال: صُمتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن

стр. 2130

بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجًا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًا». وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود: ﴿وَإِنْ مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال رسول الله ﷺ : «يرد الناس كلهم [ثم] (١) يصدرون عنها بأعمالهم» (٢)، ورواه الترمذي. وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم» (٤)، وقال السدي عن مرة عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، قال: قسمًا واجبًا، وقال مجاهد: حتمًا، قال: قضاء، وكذا قال ابن جريج (٥). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ [مريم: ٧٢] أي: إذا مر الخلائق كلهم على النار، وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي [بحسبهم] (٦)، نجى الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم، فجوازهم على الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أكلتهم النار، إلا دارة (٧) وجوههم وهو مواضع السجود وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيخرجون أولًا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه.

стр. 2131

حتى أنهم يخرجون من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان (١)، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة (٢) عن رسول الله ﷺ ، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] (٣). قال شارح «الطحاوية»: «وقوله: والصراط، أي: ونؤمن بالصراط، وهو جسر على جهنم، إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم مكان الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط، كما قالت عائشة (٤): إن رسول الله ﷺ سئل: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال: «هم في الظلمة دون الجسر» (٥)، وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم. وروى البيهقي بسنده عن مسروق عن عبد الله قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة» إلى أن قال: «فيعطون نورهم على قدر أعمالهم، وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ مرة، إذا أضاء قدم قدمه وإذا طفئ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف، دَحْضُ، مَزلة فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل، يَرْمُلُ رَمْلًا فيمُرُونَ على

стр. 2132

قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد، وتعلق يد، وتخر رجل، وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، ثم يخلصون (١) فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أرناك، لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد» (٢)، الحديث واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الآية من سورة مريم: ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط (٣)، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ الآية [٧٢] من سورة مريم، وفي الصحيح (٤) أنه ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة» قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ الآية [٧١] من سورة مريم، فقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ الآية [٧٢] من سورة مريم. أشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تسلتزم حصوله بل تستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه الله منهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا﴾ [هود: ٥٨]، ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا﴾ [هود: ٦٦]، ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا﴾ [هود: ٩٤]، ولم يكن العذاب أصابهم ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة؛ لأصابهم ما أصاب أولئك، وكذلك حال الوارد في النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًا، فقد بين ﷺ في حديث جابر المذكور: أن الورود هو الورود على الصراط. وروى الحافظ أبو نصر الوائلي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : «علم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل

стр. 2133

الجنة؛ فلا تُحْدِثَنَّ في دين الله حدثًا برأيك» (١)» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: لو كان أهل الرأي يعقلون لكان لهم في هذا الحديث ردع وزجر عن اتباع الرأي ومخالفة السنة في الفروع والأصول. فأي عاقل يقبل على عقيدة أو عمل أو ترك سنة يكون له سببًا في أن يوقف على الصراط، ولو لم يسقط في النار؟! فسبحان من طبع على قلوبهم، وأعمى أبصارهم، لكن ابن الجوزي قال في هذا الحديث: «إنه موضوع» (٣)، لكن معناه صحيح. الإيمان بالميزان قال الله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] قال صاحب «تيسير» العلي القدير في «اختصار ابن كثير» ما نصه: «وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾: أي: نضع الموازين العدل ليوم القيامة، والميزان واحد إنما جمع لتعدد الأعمال الموزونة فيه، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٤) ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 2134

«كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (١). وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليَستخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، قال: أفلك عذر أو حسنة قال: فَبُهِتَ الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقته (٢) فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، قال: ولا يثقل شيء مع ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» (٣)، ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث الليث بن سعد، وقال الترمذي: حسن غريب» (٤). قال محمد تقي الدين: وقد ذكر الله تعالى وزن أعمال العباد في مواضع كثيرة من كتابه العزيز كما في سورة الأعراف وسورة المؤمنين وسورة القارعة، وثبتت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في وزن الأعمال، ومن استبعد وزن الأعمال من سفهاء المتفلسفة، وقال: إنها معان، والمعاني لا توصف بالخفة والثقل ولا توضع في الميزان، فهو من الجهال الواقعين في أسر العادات والمألوفات الذين يقيسون عالم الغيب على عالم الشهادة، وأمور الآخرة على أمور الدنيا، وهؤلاء

стр. 2135

سفهاء لا يعقلون، فإن استحالة المأكولات والمشروبات المختلفة الأنواع في معدة الإنسان إلى لحم ودم وعصب وعظام وتعويضها ما فقده الجسم من ذلك لهو أعجب بكثير من وزن الأعمال. انظر: «شرح الطحاوية» (١). الإيمان بالجنة والنار وفيه مباحث * المبحث الأول: في إثبات أنهما موجودتان الآن، والرد على من خالف في ذلك . قال الحافظ ابن القيم في «حادي الأرواح» ما نصه: (الباب الأول: في بيان وجود الجنة الآن): «لم يزل أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة وفقهاء الإسلام وأهل التصوف (٢) وبما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، فإنهم دعوا الأمم إليها، وأخبروا بها إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن (تكونا الآن مخلوقتين) (٣)، وقالت: بل الله ينشئهما يوم القيامة، وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة فيما يفعله الله، وأنه ينبغي له أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا، وقاسوه على خلقه في أفعالهم (٤) فهم مشبَّهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات. وقالوا: خَلْقُ الجنة قبل الجزاء عبث؛ فإنها تصير معطلة مددًا متطاولة ليس فيها سكانها، قالوا (٥): ومن المعلوم أن ملكًا لو اتخذ

стр. 2136

دارًا وأعد فيها ألوان الأطعمة والآلات والمصالح وعطلها من النَّاسِ، ولم يمكنهم من دخولها قرونًا متطاولة لم يكن ما فعله واقعًا على وجه الحكمة، ووجد العقلاء سبيلًا إلى الاعتراض عليه، فحجروا على الرب تعالى بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة، وشبهوا أفعاله بأفعالهم، وردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب أو حرفوها عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالفهم فيها، والتزموا لها (١) لوازم أضحكوا عليهم فيها العقلاء، ولهذا يذكر السلف في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان، ويذكر من صَنَّف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث قاطبة لا يختلفون فيها» (٢). ثم نقل ابن القيم ﵀ عن أبي الحسن الأشعري ﵀ من كتابه: «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» - وقد طبع (٣) هذا الكتاب أكثر من مرة، نقل كلامًا كثيرًا في الصفات مطابقًا لعقيدة الصحابة والتابعين ومبطلًا لعقيدة الأشعرية المتأخرين، نفاة الصفات المعطلين ولم أنقل كلامه اكتفاء بما نقلته فيما مضى من هذا الكتاب بواسطة الحافظ ابن القيم من كتاب «الإبانة» لأبي الحسن الأشعري ﵀، واقتصرت من ذلك على ما يأتي «ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان». ثم عقد ابن القيم ﵀ (سبعة أبواب) في (الخصومات بين الطوائف في جنة الخلد هل هي التي كان فيها آدم وحواء؟ أم هي جنة أخرى؟) وهذا الكتاب كتاب وعظ لا تناسبه الخصومات، لأنه يقرأ على العامة وطلبة العلم جميعًا، والخصومات تفسد الوعظ وتشوش الأفكار. * المبحث الثاني: في رد شبهة من احتج بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. قال الذين قل نصيبهم من فهم الكتاب والسنة واتباع السلف الصالح: لو كانت الجنة والنار موجودتين الآن؛ لفنيتا عندما يفنى كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [٨٨] آخر سورة القصص - وقد أجاب الإمام ابن

стр. 2137

القيم ﵀ عن ذلك بما نصه: «وأما احتجاجكم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فإنما أوتيتم من عدم فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم على عدم وجود الجنة والنار الآن نظير احتجاج إخوانكم بها على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما، فلا أنتم وفقتم لفهم معناها ولا إخوانكم، وإنما وفق لفهم معناها السلف وأئمة الإسلام، ونحن نذكر بعض كلامهم في الآية: قال البخاري في «صحيحه»: «يقال: كل شيء هالك إلا وجهه إلا ملكه، ويقال: إلا ما أُريد به وجهه» (١)، وقال الإمام أحمد (٢) في رواية ابنه عبد الله: فأما السماء والأرض فقد زالتا؛ لأن أهلهما صاروا إلى الجنة أو إلى النار، وأما العرش فلا يبيد ولا يذهب؛ لأنه سقف الجنة والله عليه فلا يهلك ولا يبيد، وأما قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فذلك أن الله أنزل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض وطمعوا في البقاء، فأخبر الله تعالى (٣) عن أهل السموات وأهل الأرض أنهم يموتون، فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ (٤) هَالِكٌ﴾ يعني: ميت ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت» (٥). ثم قال عن الإمام أحمد - وهو قول أهل السنة جميعًا -: «وقد خُلقت الجنة وما فيها، وخلقت النار وما فيها، خلقهما الله وَخلق الخلق لهما ولا تفنيان (٦) ولا يفنى ما فيهما أبدًا. فإن احتج مبتدع أو زنديق بقول الله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وبنحو هذا من متشابه القرآن، قيل له: كل

стр. 2138

شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك، وهما من الآخرة لا من الدنيا والحور العين لا يَمُتْنَ عند قيام الساعة ولا عند النفخة ولا يمتن (١) أبدًا؛ لأن الله خلقهن للبقاء لا للفناء، ولم يكتب عليهن الموت، فمن قال خلاف هذا فهو مبتدع وقد ضل عن سواء السبيل (٢). * المبحث الثالث: في ذكر شيء من الأدلة التي تثبت عقيدة أهل السنة. * «البرهان الأول: حديث البراء بن عازب الطويل المتقدم، وفيه فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة قال: فيأتيه من روحها وطيبها» وذكر الحديث (٣). الثاني: قال ابن القيم: وقد دل على ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥] وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى ورأى عندها جنة (٤) المأوى كما في «الصحيحين» من حديث أنس (٥) في قصة الإسراء وفي آخره: «ثم انطلق بي جبريل، حتى انتهى (٦) إلى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي؟ قاله: ثم دخلت الجنة، فإذا فيها جنابذُ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك (٧)» (٨). قال ابن الأثير في «النهاية» ما نصه: «في صفة الجنة فيها جنابذُ من لؤلؤ الجنابذ جمع جنبذة وهي القبة» (٩). الثالث: ثم قال ابن القيم: وفي «الصحيحين» من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي،

стр. 2139

إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى (١) يوم القيامة» (٢) الرابع: وفي «صحيح مسلم» عن عائشة قالت: خَسَفَتِ الشمسُ في حياة رسول الله ﷺ … ، فذكر الحديث إلى أن قالت: ثم قام فخطب الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة» وقال رسول الله ﷺ : «رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به (٣)، حتى لقد رأيتني آخذ قطفًا من الجنة، حين رأيتموني تقدمت (٤)، ولقد رأيت جهنم يَحْطِمُ بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت» (٥). الخامس: وفي «صحيح البخاري» عن أسماء بنت أبي بكر عن النبي ﷺ في صلاة الخسوف (٦) قال: «قد دَنَتْ مني الجنة؛ حتى ولو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها، ودنت مني النار حتى قلت: أي رب وأنا معهم؟ فإذا امرأة - حَسِبتُ أنه قال: تخدشها هرَّةً - قلتُ: ما شأن هذا؟ قالوا: حَبَسَتْها حتى ماتت جوعًا لا أطعمتها ولا أرسلتها تأكل (٧) من خشاش الأرض» (٨) (٩). الاختلاف في فناء النار بين أهل السنة : ذكر شارح «الطحاوية» ﵀ في هذه المسألة ثمانية أقوال: ستة منها خارجة عن عقيدة أهل السنة، فلم أشأ أن أطيل بذكرها، والسابع والثامن كل واحد منهما أخذ به جماعة من أهل السنة، وهذا نص كلامه:

стр. 2140

«السابع: إن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئًا، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدًا تنتهي إليه. الثامن: إن الله تعالى يخرج منها من شاء، كما ورد في السنة، ويبقى فيها الكفار بقاء لا انقضاء له، كما قال الشيخ (يعني الطحاوي) ﵀، وما عدا هذين القولين الأخيرين ظاهر البطلان. هذان (١) القولان لأهل السنة ينظر في أدلتهما - فمن أدلة القول الأول منهما، قوله تعالى: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ الآية [١٢٨] من سورة الأنعام. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ الآية [١٠٦، ١٠٧] من سورة هود. ولم يأت بعد هذين الاستثناءين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله: ﴿عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ الآية [١٠٨] من سورة هود. وقوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ الآية [٢٣] من سورة النبأ. وهذا القول - أعني القول بفناء النار دون الجنة - منقول عن عمر، وابن مسعود وأبي هريرة، أبي سعيد، وغيرهم. وقد روى عبد بن حميد في تفسيره» المشهور بسنده إلى عمر (٢)، أنه قال: «ولو (٣) لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج (٤)، لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه (٥) ذكر ذلك في تفسير قوله
следующие страницы →