← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

دارًا وأعد فيها ألوان الأطعمة والآلات والمصالح وعطلها من النَّاسِ، ولم يمكنهم من دخولها قرونًا متطاولة لم يكن ما فعله واقعًا على وجه الحكمة، ووجد العقلاء سبيلًا إلى الاعتراض عليه، فحجروا على الرب تعالى بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة، وشبهوا أفعاله بأفعالهم، وردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب أو حرفوها عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالفهم فيها، والتزموا لها (١) لوازم أضحكوا عليهم فيها العقلاء، ولهذا يذكر السلف في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان، ويذكر من صَنَّف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث قاطبة لا يختلفون فيها» (٢). ثم نقل ابن القيم ﵀ عن أبي الحسن الأشعري ﵀ من كتابه: «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» - وقد طبع (٣) هذا الكتاب أكثر من مرة، نقل كلامًا كثيرًا في الصفات مطابقًا لعقيدة الصحابة والتابعين ومبطلًا لعقيدة الأشعرية المتأخرين، نفاة الصفات المعطلين ولم أنقل كلامه اكتفاء بما نقلته فيما مضى من هذا الكتاب بواسطة الحافظ ابن القيم من كتاب «الإبانة» لأبي الحسن الأشعري ﵀، واقتصرت من ذلك على ما يأتي «ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان». ثم عقد ابن القيم ﵀ (سبعة أبواب) في (الخصومات بين الطوائف في جنة الخلد هل هي التي كان فيها آدم وحواء؟ أم هي جنة أخرى؟) وهذا الكتاب كتاب وعظ لا تناسبه الخصومات، لأنه يقرأ على العامة وطلبة العلم جميعًا، والخصومات تفسد الوعظ وتشوش الأفكار. * المبحث الثاني: في رد شبهة من احتج بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. قال الذين قل نصيبهم من فهم الكتاب والسنة واتباع السلف الصالح: لو كانت الجنة والنار موجودتين الآن؛ لفنيتا عندما يفنى كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [٨٨] آخر سورة القصص - وقد أجاب الإمام ابن

стр. 2137

القيم ﵀ عن ذلك بما نصه: «وأما احتجاجكم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فإنما أوتيتم من عدم فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم على عدم وجود الجنة والنار الآن نظير احتجاج إخوانكم بها على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما، فلا أنتم وفقتم لفهم معناها ولا إخوانكم، وإنما وفق لفهم معناها السلف وأئمة الإسلام، ونحن نذكر بعض كلامهم في الآية: قال البخاري في «صحيحه»: «يقال: كل شيء هالك إلا وجهه إلا ملكه، ويقال: إلا ما أُريد به وجهه» (١)، وقال الإمام أحمد (٢) في رواية ابنه عبد الله: فأما السماء والأرض فقد زالتا؛ لأن أهلهما صاروا إلى الجنة أو إلى النار، وأما العرش فلا يبيد ولا يذهب؛ لأنه سقف الجنة والله عليه فلا يهلك ولا يبيد، وأما قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فذلك أن الله أنزل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض وطمعوا في البقاء، فأخبر الله تعالى (٣) عن أهل السموات وأهل الأرض أنهم يموتون، فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ (٤) هَالِكٌ﴾ يعني: ميت ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت» (٥). ثم قال عن الإمام أحمد - وهو قول أهل السنة جميعًا -: «وقد خُلقت الجنة وما فيها، وخلقت النار وما فيها، خلقهما الله وَخلق الخلق لهما ولا تفنيان (٦) ولا يفنى ما فيهما أبدًا. فإن احتج مبتدع أو زنديق بقول الله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وبنحو هذا من متشابه القرآن، قيل له: كل

стр. 2138

شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك، وهما من الآخرة لا من الدنيا والحور العين لا يَمُتْنَ عند قيام الساعة ولا عند النفخة ولا يمتن (١) أبدًا؛ لأن الله خلقهن للبقاء لا للفناء، ولم يكتب عليهن الموت، فمن قال خلاف هذا فهو مبتدع وقد ضل عن سواء السبيل (٢). * المبحث الثالث: في ذكر شيء من الأدلة التي تثبت عقيدة أهل السنة. * «البرهان الأول: حديث البراء بن عازب الطويل المتقدم، وفيه فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة قال: فيأتيه من روحها وطيبها» وذكر الحديث (٣). الثاني: قال ابن القيم: وقد دل على ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥] وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى ورأى عندها جنة (٤) المأوى كما في «الصحيحين» من حديث أنس (٥) في قصة الإسراء وفي آخره: «ثم انطلق بي جبريل، حتى انتهى (٦) إلى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي؟ قاله: ثم دخلت الجنة، فإذا فيها جنابذُ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك (٧)» (٨). قال ابن الأثير في «النهاية» ما نصه: «في صفة الجنة فيها جنابذُ من لؤلؤ الجنابذ جمع جنبذة وهي القبة» (٩). الثالث: ثم قال ابن القيم: وفي «الصحيحين» من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي،

стр. 2139

إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى (١) يوم القيامة» (٢) الرابع: وفي «صحيح مسلم» عن عائشة قالت: خَسَفَتِ الشمسُ في حياة رسول الله ﷺ … ، فذكر الحديث إلى أن قالت: ثم قام فخطب الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة» وقال رسول الله ﷺ : «رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به (٣)، حتى لقد رأيتني آخذ قطفًا من الجنة، حين رأيتموني تقدمت (٤)، ولقد رأيت جهنم يَحْطِمُ بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت» (٥). الخامس: وفي «صحيح البخاري» عن أسماء بنت أبي بكر عن النبي ﷺ في صلاة الخسوف (٦) قال: «قد دَنَتْ مني الجنة؛ حتى ولو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها، ودنت مني النار حتى قلت: أي رب وأنا معهم؟ فإذا امرأة - حَسِبتُ أنه قال: تخدشها هرَّةً - قلتُ: ما شأن هذا؟ قالوا: حَبَسَتْها حتى ماتت جوعًا لا أطعمتها ولا أرسلتها تأكل (٧) من خشاش الأرض» (٨) (٩). الاختلاف في فناء النار بين أهل السنة : ذكر شارح «الطحاوية» ﵀ في هذه المسألة ثمانية أقوال: ستة منها خارجة عن عقيدة أهل السنة، فلم أشأ أن أطيل بذكرها، والسابع والثامن كل واحد منهما أخذ به جماعة من أهل السنة، وهذا نص كلامه:

стр. 2140

«السابع: إن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئًا، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدًا تنتهي إليه. الثامن: إن الله تعالى يخرج منها من شاء، كما ورد في السنة، ويبقى فيها الكفار بقاء لا انقضاء له، كما قال الشيخ (يعني الطحاوي) ﵀، وما عدا هذين القولين الأخيرين ظاهر البطلان. هذان (١) القولان لأهل السنة ينظر في أدلتهما - فمن أدلة القول الأول منهما، قوله تعالى: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ الآية [١٢٨] من سورة الأنعام. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ الآية [١٠٦، ١٠٧] من سورة هود. ولم يأت بعد هذين الاستثناءين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله: ﴿عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ الآية [١٠٨] من سورة هود. وقوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ الآية [٢٣] من سورة النبأ. وهذا القول - أعني القول بفناء النار دون الجنة - منقول عن عمر، وابن مسعود وأبي هريرة، أبي سعيد، وغيرهم. وقد روى عبد بن حميد في تفسيره» المشهور بسنده إلى عمر (٢)، أنه قال: «ولو (٣) لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج (٤)، لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه (٥) ذكر ذلك في تفسير قوله

стр. 2141

تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ الآية [٢٣] من سورة النبأ. قالوا: والنار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته، وقد قال ﷺ : «لما قضى الله الخلق، كتب كتابًا، فهو عنده فوق العرش: أن رحمتي سبقت غضبي» (١)، وفي رواية: «تغلب غضبي» (٢). رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة، قالوا: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه كان ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ الآية [١٥] من سورة الأنعام. و ﴿أَلِيمٌ﴾ الآية [٢٦] من سورة هود. و ﴿عَقِيمٍ﴾ الآية [٥٥] من سورة الحج، ولم يخبر ولا في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم. وقد قال تعالى: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ الآية [٧] من سورة غافر. فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته، وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة، والمعذبون فيها متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب، بحسب جرائمهم وليس في حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقًا يعذبهم أبد الآباد عذابًا سرمدًا لا نهاية له، وأما أنه يخلق خلقًا ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيمًا سرمدًا، فمن مقتضى الحكمة والإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض. قالوا: وما ورد من الخلود فيها، والتأبيد، وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، وأنه غرام - كله حق مُسلَّم، لا نزاع فيه، وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد، ففرق بين من يخرج من الحبس، وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه.

стр. 2142

ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها: قوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ الآية [٤٠] من سورة المائدة ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ الآية [٤٣] من سورة الزخرف، ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ الآية [٣٠] من سورة النبأ. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (١) الآية [٨] من سورة البينة، ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ الآية [٤٨] من سورة الحجر. ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ الآية [١٦٧] من سورة البقرة. ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِنْ عَذَابِهَا﴾ الآية [٣٦] من سورة فاطر. ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ الآية [٦٥] من سورة الفرقان أي: مقيمًا لازمًا، وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار من قال: لا إله إلا الله وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان، وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء الله لهما» (٢). قال محمد تقي الدين: لم يصرح شارح «الطحاوية» بترجيح لأحد القولين علي الآخر، لكني أفهم من كلامه أنه يميل إلى ترجيح جانب الرحمة على جانب الغضب، وهذا هو الذي يفهم من الحديث الصحيح والظن بالله جميل أنه لا يعاقب على ذنب محدود عقابًا غير محدود على أن الأدلة التي ذكرها للقائلين بالقول السابع قوية (٣)، ومنها ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧].

стр. 2143

الركن السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره كل ذلك من الله تعالى قال الإمام محمد صديق حسن القنوجي في «فتح البيان» عند قوله تعالى في سورة القمر [٤٩] ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٥٢] ما نصه: «أي: كل شيء من الأشياء خلقه الله سبحانه متلبسًا بقدر قَدَّره وقضاءٍ قَضَاهُ سبق في علمه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، والقدر التقدير، والعامة على نصب كل بالاشتغال، وقرئ بالرفع، وقد رجح الناس النصب، بل أوجبه.

стр. 2144

بعضهم» قال: «لأن الرفع يوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السنة، قال (١) أبو البقاء: وإنما كان النصب أولى لدلالته على عموم الخلق، والرفع لا يدل على عمومه، بل يفيد أن كل شيء مخلوق فهو بقدر (٢) ﴿فَخَلَقْنَا﴾ (٣) تأكيد وتفسير لخلقنا المضمر الناصب لكل شيء، فهذا اللفظ (٤) عام يعم جميع المخلوقات، وللسمين هنا كلام مبسوط (٥) لا نطيل بذكره». وأخرج (٦) مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» (٧). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» أخرجه مسلم (٨). وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر» (٩). أخرجه الترمذي واستغربه. وفي الباب أحاديث بين صحيح منها وضعيف. قال الخطابي (١٠): «وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله العبد وقهره على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمونه، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله تعالى بما يكون من أكساب العباد وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها، والقدر اسم لما صدر مقدرًا عن فعل القادر، يقال: قدرت الشي وقدرته - بالتخفيف والتثقيل - بمعنى واحد، والقضاء في هذا معناه.

стр. 2145

الخلق، كقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] أي: خلقهن»، قال النووي (١): «إن مذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه: «إن الله تعالى قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه على (٢) صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها الله. وأنكرت القدرية هذا، وزعمت أنه سبحانه لم يقدرها ولم يتقدم علمه بها، وأنها مستأنفة العلم - أي إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها - وكذبوا على الله [وجل] (٣) عن أقوالهم الباطلة علوًا كبيرًا» انتهى. وقد تظاهرت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل العقد والحل من السلف والخلف على إثبات قدر الله ، وقد قرر ذلك أئمة السنة أحسن تقرير بدلائله القطعية السمعية والعقلية، ليس هذا موضع بسطه، والله أعلم» (٤). قال القاسمي في تفسير آيتي النساء: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٨، ٧٩] ما نصه: «ولما حكى تعالى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد خائفين من الموت، غير راغبين في سعادة الآخرة، أتبع ذلك بخلة لهم أشنع (٥)، بقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ كخصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحوها ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: من قبله لما علم فينا الخير ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ كقحط وجدب، وغلاء السعر، ونقص في الزروع والثمار، وموت أولاد ونتاج، ونحو ذلك: ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يعنون: من شؤمك، كما قال تعالى في قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وفي قوم صالح ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧]». قال أبو السعود (٦): «فأمر النبي ﷺ بأن يرد زعمهم الباطل ويرشدهم إلى

стр. 2146

الحق ويلقمهم الحجر (١) ببيان إسناد الكل إليه تعالى على الإجمال. إذ لا يجترئون على معارضة أمر الله حيث قيل: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: كل واحدة من النعمة والبلية من جهة الله تعالى، خلقًا وإيجادًا، من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء منهما (٢) بوجه من الوجوه كما تزعمون، بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلًا. ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلي بها عقوبة، كما سيأتي بيانه، فهذا الجواب المجمل في معنى ما قيل، ردًا على أسلافهم من قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] أي: إنما سبب خيرهم وشرهم، أو سبب إصابة السيئة التي هي ذنوبهم، عند الله تعالى لا عند غيره حتى يسندوها إليه ويطيروا به (٣)، ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني: المنافقين ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي: قولًا، والجملة اعتراضية مسوقة لتعييرهم بالجهل وتقبيح حالهم، والتعجب من كمال غباوتهم، إذ لو فقهوا شيئًا لعلموا مما يوعظون به، أن الله هو القابض الباسط، وأن النعمة منه تعالى بطريق التفضل والإحسان والمبلية بطريق العقوبة على ذنوب العباد. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ أي: نعمة ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي: فمن نعمته وتفضله ابتداء ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ أي: بلية ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: من شؤمها بسبب اقترافها المعاصي الموجبة لها، وإن كانت من حيث الإيجاد منتسبة إليه تعالى، نازلة من عنده عقوبة كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] روى ابن عساكر عن البراء (٤) عن النبي ﷺ قال: «ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود، إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر» (٥).

стр. 2147

وروى الترمذي (١) عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «لا يصيب عبدًا نكبة (٢) فما فوقها أو دونها، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر»، قال: وقرأ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. لطيفة: الخطاب في (أصابك) عام لكل من يقف عليه لا للنبي ﷺ كقوله (٣): إذا أنت أكرمت الكريم ملكته … وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ويدخل فيه المذكورون دخولًا أوليًا. وجوّز أن يكون الخطاب له ﷺ كما قبله وما بعده، لكن لا لبيان حاله ﷺ بل لبيان حال الكفر بطريق التصوير، ولعل ذلك لإظهار كمال السخط والغضب عليهم، والإشعار بأنهم لفرط جهلهم وبلادتهم بمعزل من استحقاق الخطاب، لا سيما بمثل هذه الحكمة الأنيقة، قرره أبو السعود (٤)، قال بعض المفسرين: وثمرة الآية رَدُّ التطير والتشاؤم. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ بيان لجلالة منصبه ﷺ ومكانته عند الله بعد بيان بطلان زعمهم الفاسد في حقه ﵊، بناءًا على جهلهم بشأنه الجليل، وتعريف (الناس) للاستغراق، أفاده أبو السعود (٤). أي: فمن أين يتصور لك الشؤم وقد أرسلت داعيًا العموم إلى الخيرات، فأنت منشأ كل خير ورحمة ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: على رسالتك وصدقك، بإظهار المعجزات على يديك، أي: وإذ (٥) ثبتت رسالتك، فاليمن في طاعتك، والشؤم في مخالفتك (٦). فصل قال محمد تقي الدين: قال العلماء: لما كان الجزاء من جنس العمل؛ كان لكل حسنة جزاءان، ولكل سيئة جزاءان، فمن تصدق بصدقة وقبلها الله منه جزاه الله عليها حسنتين:

стр. 2148

الأولى: أنها تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، كما جاء في الحديث: «ويكتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة» (١). والحسنة الثانية: وهي الجزاء الثاني أن الله يوفقه بسببها إلى عمل حسنة أخرى، وهكذا دواليك. وكذلك السيئة يجزي عليها سيئتين الأولى: إن الله يكتبها عليه سيئة. والثانية: إنها تجره إلى سيئة أخرى، وهكذا دواليك؛ لخصت هذا من «شرح الطحاوية». تنزيه الله تعالى عن الظلم نزه الله تعالى نفسه عن الظلم في آيات كثيرة، قال تعالى في الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وقال تعالى في سورة غافر: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ الآية [١٧]. وقال تعالى في سورة الكهف: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ الآية [٤٩]. وقال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ الآية [٢٨١]. قال صاحب «التيسير»: يخبر تعالى أنه لا يظلم أحدًا يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة، بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة الطويل وفيه: «فيقول الله : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار» وفي لفظ، «أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار فيخرجون خلقًا كثيرًا» ثم

стр. 2149

يقول أبو سعيد: «اقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (١) [النساء: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ روى ابن أبي حاتم عن أبي عثمان قال: قلت: يا أبا هريرة سمعت إخواني بالبصرة يزعمون أنك تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة» فقال أبو هريرة: والله بل سمعت نبي الله ﷺ يقول: «إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة»، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٢)» (٣). ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ أي: إذ أهلكناهم ﴿وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ بتكذيبهم رسلنا وكفرهم بهم ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ أي: أوثانهم التي يعبدونها ويدعونها ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما نفعوهم ولا أنقذوهم من إهلاكهم (٤) ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أي: غير تخسير، وذلك أنها سبب هلاكهم ودمارهم وخسران الدنيا والآخرة. ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] «يقول تعالى: كما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا، وكذلك نفعل بأشباههم ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]، وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري (٥) قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ الآية»» (٦). وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ

стр. 2150

الحِسَابِ (١٧)﴾ [غافر: ١٧] يخبر تعالى عن عدله في حكمه بين خلقه، أنه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر، بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها وبالسيئة واحدة ولهذا قال ﵎: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ كما ثبت في «الصحيح» عن أبي ذر (١) عن رسول الله ﷺ فيما يحكي عن ربه ﷺ أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا - إلى أن قال: - يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله ﵎ ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: يحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفسًا واحدة، كما قال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الكهف: ٤٩] أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير والصغير والكبير ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا﴾ أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ أي: لا يترك ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا إلا أحصاه وضبطه، وروى الطبراني بإسناده المتقدم في الآية قبلها إلى سعد بن جنادة قال: «لما فرغ رسول الله ﷺ من غزوة حنين نزلنا قفرًا من الأرض ليس فيه شيء»، فقال النبي ﷺ : «اجمعوا، من وجد عودًا فليأت به، ومن وجد حطبًا أو شيئًا فليأت به» قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركامًا، فقال النبي ﷺ : «أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه» (٤). وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ أي: من خير أو شر كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ أي فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعًا ولا يظلم أحدًا من خلقه، بل يعفو

стр. 2151

ويصفح ويغفر ويرحم ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله، ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي، ثم ينجي أصحاب المعاصي ويخلد فيها الكافرين، وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم. عن (١) شعبة عن عثمان بن عفان (٢) أن رسول الله ﷺ قال: «إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة» (٣) (٤). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ الآية. «ثم قال تعالى يعظ عباده، ويذكرهم زوال الدنيا، وإتيان الآخرة والرجوع إليه ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وعاش النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال ثم مات يوم الاثنين، لليلتين خلتا من ربيع الأول، رواه ابن أبي حاتم، وقد رواه ابن مردويه عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٥) قال ابن جريج يقولون: «إن النبي ﷺ عاش بعدها تسع ليال وبدئ يوم السبت ومات يوم الاثنين - رواه ابن جرير» (٦)» (٧).

стр. 2152

قال شارح «الطحاوية» ﵀: «الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد، يقتضي قولًا وسطًا بين قول (١) القدرية والجبرية، فليس ما كان من بني آدم ظلمًا وقبيحًا يكون منه ظلمًا وقبيحًا، كما تقول القدرية والمعتزلة ونحوهم، فإن ذلك تمثيل الله بخلقه وقياس له عليهم، وهو (٢) الرب الغني القادر، وهم العباد الفقراء المقهورون؟ وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم، يقولون: إنه يمتنع أن يكون في الممكن المقدور ظلم، بل كان ما كان ممكنًا فهو منه - لو فعله - عدل، إذ الظلم [لا يكون] (٣) إلا من مأمور من غيره منهي، والله ليس كذلك - فإن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. وقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الآية [٢٩] من سورة «ق»، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ الآية [٧٦] من سورة الزخرف؟ يدل على نقيض هذا القول. وأيضًا فإن قوله تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ الآية [١١٢] من سورة طه. قد فسره السلف، بأن الظلم: أن توضع عليه سيئات غيره، والهضم: أن ينقص من حسناته، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الآية [١٥] من سورة الإسراء. وأيضًا: فإن الإنسان لا يخاف الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة حتى يأمن من ذلك، وإنما يأمن مما يمكن، فلما آمنه من الظلم بقوله: ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ علم أنه ممكن مقدور عليه. وكذا قوله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ الآية [٢٨] سورة ق، إلى قوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لم يعن بها نفي ما لا يقدر عليه ولا يمكن منه، وإنما نفى ما هو مقدور عليه ممكن، وهو أن يجزوا بغير أعمالهم. فعلى قول هؤلاء ليس الله منزّهًا عن شيء من الأفعال أصلًا، ولا مقدسًا عن أن يفعله، بل كل ممكن فإنه لا ينزه عن فعله، بل فعله حسن، ولا حقيقة للفعل السوء، بل ذلك ممتنع والممتنع لا حقيقة له، والقرآن يدل على نقيض هذا القول، في مواضع نزه الله نفسه فيها عن فعل ما لا يصلح له ولا ينبغي له، فعلم أنه منزّه.

стр. 2153

مقدس عن فعل السوء والفعل المعيب المذموم، كما أنه منزه مقدس عن وصف السوء والوصف المعيب المذموم. وذلك كقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ الآية [١١٥] من سورة المؤمنون - فإنه نزه نفسه عن خلق الخلق عبثًا، وأنكر على من حسب ذلك، وهذا فعل - وقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ الآية [٣٥] من سورة القلم. وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ الآية [٢٨] من سورة ص، إنكار منه على من جوز أن يسوي الله بين هذا وهذا. وكذا قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ الآية [٢١] من سورة الجاثية. إنكار على من حسب أنه يفعل هذا، وإخبار أن هذا حكم سيئ قبيح، وهو مما ينزه الرب عنه» (١).

стр. 2154

انتفاع الميت بعمل الحي قال محمد تقي الدين: عفا الله عنه ووفقه للصواب: رب وفقني فلا أعدل عن … سنن الماضين في خير سنن ترددت في إثبات هذه المسألة في هذا الكتاب؛ لأنها ليست من الأسماء والصفات، وقد أثبتها الإمام الطحاوي في «عقيدته» وأهل هذا الزمان في أشد الحاجة إلى معرفة الحق في هذه المسألة. قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] وقال تعالى في آخر سورة نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨]، وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ الآية [٢٤]. وقال تعالى في سورة القتال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ الآية [١٩]. تفسير آية الحشر [١٠]: قال صاحب «التيسير»: «قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] هؤلاء القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء. وهم المهاجرون ثم الأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، كما قال في آية براءة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة، وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ أي: بغضًا وحسدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وما أحسن ما استنبط

стр. 2155

الإمام مالك (١) ﵀ من هذه الآية الكريمة: أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. قال ابن جرير عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر بن الخطاب: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ - حتى بلغ - ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ حتى بلغ ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.

стр. 2156

يُحِبُّونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامة، وليس أحد إلا وله فيها حق، ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرد (١) حمير نصيبه فيها لم يعرق فيها جبينه (٢). قال محمد تقي الدين: «إن المراد هنا دعاء الأحياء للأموات مشروع وينفعهم الله به إذا ماتوا موحدين، وقد أجمع على ذلك أهل السنة». تفسير آية نوح: «ثم قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا﴾ أي: لكل من دخل بيته مؤمنًا. روى الإمام أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تصحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي» (٣)، ورواه أبو داود والترمذي، وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ هذا دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات وذلك يعم الأحياء منهم والأموات، أما الظالمون فلا تزدهم إلا خسارًا في الدنيا والآخرة» (٤). تفسير آية الإسراء: «﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ أي: ارحمهما في كبرهما وعند وفاتهما. قال ابن عباس: ثم أنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾» (٥). قال محمد تقي الدين: وفيه أيضًا دليل على مشروعية الدعاء ونفعه للوالدين في حال حياتهما وبعد مماتهما. قال الإمام محمد صديق حسن القنوجي في تفسير آية القتال ما نصه:

стр. 2157

«﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: إذا علمت أن مدار الخير هو (١) التوحيد والطاعة، ومدار الشر هو الشرك والعمل بمعاصي الله، فاعلم أنه لا إله غيره ولا رب سواه، والمعنى: اثبت على ذلك، واستمر عليه، ودم على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية؛ فإنه النافع يوم القيامة؛ لأنه ﷺ قد كان عالمًا بأنه لا إله إلا الله قبل هذا. ويدل عليه قوله ﷺ : «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» رواه مسلم (٢). ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أي: استغفر الله أن يقع منك ذنب أو استغفر الله (٣) ليعصمك أو استغفره مما ربما يصدر من ترك الأولى. قال القاضي عياض: إن المراد به الفترات والغفلات عن (٤) الذكر الذي كان شأنه ﷺ الدوام عليه، فإذا فتر وغفل عد ذلك ذنبًا واستغفر منه» (٥). ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ «فإن المراد به استغفاره لذنوب أمته بالدعاء لهم بالمغفرة عما فرط من ذنوبهم، وهذا إكرام من الله لهذه الأمة، حيث أمر نبيه ﷺ أن يستغفر لذنوبهم، وهو الشفيع المجاب فيهم، إن شاء الله تعالى. عن ابن عمرو (٦) عن النبي ﷺ قال: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الاستغفار» ثم قرأ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية» (٧) رواه الطبراني.

стр. 2158

وعن أبي هريرة في قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ قال رسول الله ﷺ : «إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» (١) رواه عبد الرزاق والترمذي وصححه، وأصله في البخاري. وفي رواية: «أكثر من سبعين» (٢). وعن عبد الله بن سَرْجِس قال: «أتيت النبي ﷺ فأكلت معه من طعام، فقلت: غفر الله لك يا رسول الله! قال: ولك، فقيل: أستغفر لك يا رسول الله؟! قال: نعم وقرأ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾» (٣) أخرجه مسلم وأحمد والترمذي. وروى مسلم عن الأغر المزني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم مائة مرة» (٤) وللعلماء في هذا الغين كلام طويل لا يسعه هذا الموضع، قال ابن الأثير في «النهاية» (٥): «الغين: الغيم. وغينت السماء تغان: إذا أطبق عليها الغيم. وقيل: المغين: شجر ملتف. أراد ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه البشر؛ لأن قلبه أبدًا كان مشغولًا بالله تعالى، فإن عرض له وقتًا ما عارض بشري يشغله من أمور الملة ومصالحها عد ذلك ذنبًا وتقصيرًا فيفزع إلى الاستغفار»، انتهى. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ في الدنيا في أعمالكم ومعايشكم ومتاجركم ﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾ في الدار الآخرة، قاله ابن عباس (٦)

стр. 2159

قال محمد تقي الدين: وهذا أيضًا يدل بوضوح على أن الدعاء للميت مشروع ونافع له. وعن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» رواه مسلم (١). وقد أجمع المسلمون على الصلاة على الجنازة، وفيها الدعاء للميت ولغيره من الأحياء والأموات، وأما انتفاع الميت بالصدقة فعن عائشة أن رجلًا قال للنبي ﷺ : «إن أمي افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم»» (٢) متفق عليه، وكذلك ينتفع الميت بالحج عنه إذا وقع من قريب له. فقد روى الجماعة - واللفظ للبخاري - عن ابن عباس: «أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج، حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» (٣)»، وعن ابن عباس: «إن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة قال: «من شبرمة»؟ قال: أخ لي أو قريب لي قال: حججت عن نفسك» قال: لا، قال: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» (٤). وأما حج البعيد بأجرة أو بغيرها فلم يرد فيه شيء عن النبي ﷺ فيما نعلم، ولذلك نعتبره غير جائز، ولا يجوز لأحد أن يثبته بالقياس؛ لأن القياس لا يدخل في العبادات؛ لأنها توقيفية محدودة وقد بلغها النبي ﷺ ، فلا يجوز لنا أن نزيد فيها شيئًا. أما الصوم عن الميت، فقد وردت فيه أحاديث، أذكر بعضها هنا؛ الأول:

стр. 2160

قال أبو داود بسنده إلى عائشة أن النبي ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (١)، قال أبو داود: هذا في النذر وهو قول أحمد بن حنبل. والثاني: عن ابن عباس قال: «إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصح، ولم يصم أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر نذرًا قضى عنه وليه» (٢) رواه أبو داود. الثالث: في الصحيحين عن ابن عباس: «جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: «أرأيت لو كان على أمك دين قضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟» قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمك» (٣) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري نحوه، وفي «الصحيحين» عنه أيضًا: «أن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله إن أختي ماتت وعليها صيام شهرين متتابعين» (٤). وذكر الحديث بنحوه». قال محمد تقي الدين: نفهم من هذه الأحاديث: إن الميت إذا مات وعليه صيام نذر، صامه عنه وليه، وإن كان عليه صيام رمضان، فقد قال ابن عباس: «يطعم عنه»، ولم يرفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فلا حجة فيه، وكذلك لو مات الميت وعليه دين، فأسقطه عنه صاحب الدين، أو قضاه عنه شخص آخر، أو كانت لأحد عليه مظلمة، فعفا عنه المظلوم، نفعه ذلك. الأمور المبتدعة التي لا تنفع الميت أولها: ما يسمى عند المغاربة بعشاء القبر، عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل، قال رسول الله ﷺ : «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم» (٥) أخرجه الخمسة إلا النسائي.

стр. 2161

قال الشيخ أحمد في «حاشيته على بلوغ المرام» (١) ما نصه: «قوله: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا … » إلخ الحديث حسنه الترمذي وصححه ابن السكن، وأخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه والطبراني من حديث أسماء بنت عُميس (٢) وهي والدة عبد الله. وفي الحديث مشروعية القيام بمؤونة أهل الميت مما يحتاجون إليه من الطعام؛ لاشتغالهم عن أنفسهم بما دهمهم من المصيبة. قال الترمذي: «وقد كان بعض أهل العلم يستحب أن يوجه إلى أهل الميت بشيء لشغلهم بالمصيبة، وهو قول الشافعي وأما اجتماع الناس عند أهل الميت وأكل الطعام عندهم، فهو من مراسم الجاهلية، ويعد ذلك بعد الإسلام من أنواع النياحة المنهي عنها؛ لما في ذلك من مخالفة للسنة؛ لأنهم مأمورون بأن يضعوا لأهل الميت طعامًا، فخالفوا ذلك وكلفوهم صنعة الطعام لغيرهم؛ أخرج أحمد وابن ماجه عن جرير بن عبد الله البجلي بسند صحيح قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة؟» (٣). وجرير بن عبد الله بن جابر البجلي صحابي مشهور، فقوله: «كنا نعد» في حكم الحديث المرفوع، فيا عجبًا للعلماء الذي لا ينهون الناس عما شاع في هذا الزمان من الاجتماع عند أهل الميت وأكل الطعام عندهم»! ثانيها: قراءة القرآن وإهداء ثوابها للأموات بأجرة أو بغير أجرة، قال تعالى في سورة النجم: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].

стр. 2162

قال صاحب «التيسير» في اختصار ابن كثير ما نصه: «وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ أي: كما لا يُحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه، ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي - عليه رحمة الله ومن اتبعه - أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم؛ ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة (١)، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فمجمع (٢) على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما، وأما الحديث الذي رواه مسلم في «صحيحه» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به» (٣) فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» (٤)، والصدقة (٥) كالوقف ونحوه وهي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ الآية [يس: ١٢]، والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضًا من سعيه وعمله، وثبت في «الصحيح»: «ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا» (٦)» (٧).

стр. 2163

قال محمد تقي الدين: لقد صدق الحافظ ابن كثير وصدق الإمام الشافعي وبر في إبطال بدعة إهداء ثواب القرآن إلى الأموات، فإن الإنسان لا يهدي إلا ما يملك، وثوابه القرآن لا يملكه الإنسان؛ لأنه لا يعلم أتقبل منه أم لم يتقبل، هذا إذا قرأه لله، وأما إذا قرأه بأجرة فلا ثواب له قطعًا. قال البخاري: «باب إثم من راءى بقراءة القرآن، أو تأكل به، أو فَخَر به»، ثم روى بسنده إلى علي بن أبي طالب قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة» (١) ثم روى من طريق (٢) مالك عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية … » (٣)، الحديث. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: «معنى تأكل»: طلب الأكل بقراءة (٤) القرآن، قوله: «سفهاء الأحلام» أي: العقول، وقوله: «لا يجاوز حناجرهم معناه: أن الإيمان لم يرسخ في قلوبهم؛ لأن ما وقف عند الحلقوم فلم يتجاوزه لا يصل إلى القلب»، ثم قال: «ومناسبة هذين الحديثين للترجمة أن القراءة إذا كانت لغير الله فهي للرياء أو للتأكل به ونحو ذلك» (٥). ثم قال الحافظ: روى (٦) أبو عبيد «في فضائل القرآن» من وجه آخر عن أبي سعيد وصحح الحاكم رفعه: «تعلموا القرآن واسألوا الله به، قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرؤه لله» (٧).

стр. 2164

ثم قال: «وأخرج أحمد وأبو يعلى من حديث عبد الرحمن بن شبل رفعه: «اقرؤوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا (١) عنه ولا تأكلوا به» (٢) الحديث وسنده قوي» (٣). وقال في «الجامع الصغير»: «اقرؤوا القرآن وابتغوا به الله، من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه» (٤) رواه أحمد وأبو داود عن جابر (٥)، انتهى. «ومعنى «يتعجلونه»: أي: يطلبون به أجرًا دنيويًا، كالمال والجاه، فيكون حجة عليهم، ويكون شاهدًا عليهم وسائقًا لهم إلى النار يوم القيامة؛ نسأل الله العافية. ومن الأدلة على أن قراءة القرآن وإهداء ثوابها إلى الأموات بدعة باطلة محدثة: ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس عن النبي ﷺ : أنه مر بقبرين يعذَّبان [فقال: «إنهما ليُعَذِّبان] (٦)، وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله» فدعا بجريدة خضراء، فشقها شقين، وجعل أحدهما على أحد القبرين، وجعل الشق الثاني على القبر الثاني وقال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» (٧)». اهـ.

стр. 2165

قال محمد تقي الدين: ولو كانت قراءة القرآن للأموات مشروعة ونافعة؛ لقرأ النبي ﷺ شيئًا من القرآن وجعل ثوابه لهما ولاقتدى به أصحابه، ففعلوا مثل ذلك، وقد كان النبي ﷺ يزور القبور كثيرًا ولم يقرأ على أهلها شيئًا من القرآن، مع أن قراءته لا حد لثوابها، بل كان يدعو لهم ويعلم أصحابه إذا رأوا القبور ذلك الدعاء، كما يعلمهم السورة من القرآن، وقد تقدم لفظه. ومن الأدلة على أن قراءة القرآن وجعل ثوابها للأموات غير مشروعة: حديث أبي هريرة المتقدم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له» (١) الحديث، ولم يقل: يقرأ عليه القرآن، أو يدعوا المتأكلين بالقرآن، ويعطيهم أجرة ليقرؤوا ختمة من القرآن، ويجعلوا ثوابها لوالده، كما يفعل أهل هذا الزمان الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. بدعة عجيبة أخرى (الفدية ) من عجائب ما يقع في المغرب وينسب إلى الإسلام - وهو بريء منه - شيء يسمونه (الفدية) - وهو شائع عند الجهلة - يدعو أولياء الميت جماعة من البطالين المحتالين ليعملوا لهم «فدية» للميت، تنقذه من العذاب، وتجعله من أهل الجنة، فإذا كان قبره حفرة من حفر النار ينقلب في الحين روضة من رياض الجنة، وذلك أن أولئك البطالين يذكرون (لا إله إلا الله) سبعين ألف مرة، يتقاسمون العدد فيما بينهم، كل واحد بضعة آلاف، فيطعمهم ذلك المسكين، ويعطي كل واحد منهم شيئًا من الدراهم يأكلها سحتًا، قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الآية: ٢٥٤]. قال صاحب «التيسير» ما نصه: «يأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله، ليدخروا الثواب عنده ﴿مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ أي: يوم القيامة ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ أي: لا يشتري نفسه ولو دُفِعَ ملء الأرض ذهبًا ولا تنفعه

стр. 2166

الصحبة ولا القرابة، ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: ولا ظالم أظلم ممن لقي الله كافرًا» (١). وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١]. قال صاحب «التيسير» ما نصه: «يأمر الله عباده بطاعته، والقيام بحقه والإحسان إلى خلقه، بأن يقيموا الصلاة مع عبادة الله وحده لا شريك له (٢)، وأن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكوات والنفقة على القرابات والإحسان إلى الأجانب، والمراد بإقامة الصلاة هو المحافظة عليها وقتًا وحدودًا وركوعًا وسجودًا وخشوعًا، والإنفاق خفية وجهرًا وذلك لخلاص أنفسهم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ وهو يوم القيامة ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ أي: ولا يقبل من أحد فدية بأن (تفدى نفسه بمال) (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ أي: ليس هناك مخالة خليل فيصفح عمن استوجب العقوبة، بل هناك العدل والقسط، والمراد أنه لا ينفع أحدًا بيع ولا فدية ولا صداقة أحد ولا شفاعة أحد إذا لقي الله كافرًا، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾» (٤). وقال تعالى في سورة الحديد: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الآية [١٥]. قال صاحب «التيسير»: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لو جاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهبًا ومثله معه ليفتدي به من عذاب الله ما قبل منه، وقوله تعالى: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ أي: هي مصيركم، وقوله تعالى: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾، أي: هي أولى بكم من كل منزل على كفركم وارتيابكم ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٥). قال محمد تقي الدين: والآيات في هذا المعنى كثيرة، فمن ثبته الله بالقول الثابت ورزقه حسن الخاتمة، فإنه يوفقه عند سؤال القبر إلى الجواب الصحيح،

стр. 2167

ويفسح له في قبره، ويكون قبره روضة من رياض الجنة، وذلك هو السعيد، فلا يرى إلا ما يسره في البرزخ، ثم يبعثه الله ويحاسبه حسابًا يسيرًا، أو يكون من الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، كما جاء في الحديث الصحيح (١)، وإن أضله الله كما يضل الظالمين، وختم له بسوء جزاء وفاقًا، لم يوفق إلى إجابة سؤال الملكين فحقت عليه كلمة العذاب، فلو اجتمع جميع أهل الأرض وذكروا لا إله إلا الله سنين عديدة لم يستطيعوا أن يخففوا عنه شيئًا من العذاب وإن قل، فهذه الفدية (٢) التي يعملها جهال المغاربة من البدع والضلالات ولا تجلب على فاعلها إلا مقت الله وغضبه، وأما الميت فإن كان موحدًا لله متبعًا لسنة رسول الله ﷺ وفعلها أولياؤه لم تضره، وإن كان موافقًا لأهلها موصيًا لهم بها؛ زاده الله بها عذابًا.

стр. 2168

ما يعتقده المسلم في الخلفاء الراشدين وسائر أصحاب رسول الله أجمعين قال شارح «الطحاوية»: «قوله: ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا لأبي بكر الصديق (١) تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة». اختلف أهل السنة في خلافة الصديق (٢)، هل كانت بالنص، أو بالاختيار؟ فذهب الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث إلى أنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة، ومنهم من قال: بالنص الجلي، وذهب جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية إلى أنها ثبتت بالاختيار؟ والدليل على إثباتها بالنص أخبار من ذلك: ما أسنده البخاري عن جبير بن مطعم، قال: أتت امرأة النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ كأنها تريد الموت، قال: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» (٣). والثاني: حديث (٤) حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٥). رواه أهل «السنن».

стр. 2169

وفي «الصحيحين» عن عائشة وعن أبيها، قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدئ فيه، فقال: «ادعي لي أباك وأخاك» حتى أكتب لأبي بكر كتابًا، ثم قال: «يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر» (١). وفي رواية (٢): «فلا يطمع في هذا الأمر طامع». وفي رواية قال (٣): «ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر، لأكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه، ثم قال: معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر» (٤). قال محمد تقي الدين: وهذا نص صريح يدلنا على أن النبي ﷺ ما ترك الكتابة لأبي بكر الصديق أن يكون الخليفة بعده إلا لأن الله أعلمه أن هذا هو الذي سيكون فلم يحتج إلى كتابة. وكذلك وقع، فالعجب من الشيعة كيف عموا عن هذه الحقيقة، ومن يضلل الله فما له من هاد. ثم قال شارح: «الطحاوية»: «وأحاديث تقديمه في الصلاة مشهورة معروفة، وهو يقول: مروا أبا بكر فليصل بالناس» (٥)، وقد روجع في ذلك مرة بعد مرة، فصلى بهم مدة مرض النبي ﷺ . وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع منها ذنوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف،

стр. 2170

ما يعتقده المسلم في الخلفاء الراشدين وسائر أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين والله يغفر له، ثم استحالت غَرْبًا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريًا من الناس يفري فَرِيَّه، حتى ضرب الناس بعطن» (١). وفي الصحيح أنه ﷺ قال على منبره: «لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سُدَّت، إلا خوخة أبي بكر» (٢) (٣). فصل في بيان معنى ما تقدم من الأحاديث الأول: حديث المرأة التي جاءت إلى النبي ﷺ فأكرمها وأعطاها شيئًا من المال، وأمرها أن ترجع إليه ليعطيها مرة أخرى، فقالت له: ماذا أصنع إن جئت فلم أجدك، قال: «ائتي أبا بكر؛ تجدي عنده مثل ما وجدت عندي»، وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان يعلم بإعلام الله له أن أبا بكر هو الخليفة من بعده، وهذا واضح لمن كان له قلب صافٍ خال من سموم البدعة. الحديث الثاني: أمر النبي ﷺ جميع المسلمين أن يقتدوا باللذين من بعده أبي بكر وعمر، يعني اقتداءً خاصًا، وذلك يدل على خلافتهما وفضلهما على غيرهما، وإلا فالاقتداء العام لا يختص بهما، قال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الآية [١٠٠]. وفي الحديث الرابع (٤) أيضًا: دليل واضح على خلافة أبي بكر الصديق؛ لأن النبي ﷺ قال لعائشة ومن معها: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، فقالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لا يسمع الناس، وأشارت على النبي ﷺ أن يأمر بذلك عمر، فغضب، وقال: «إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس». وقد فهم أصحاب رسول الله ﷺ من هذا الأمر أنه الخليفة بعد رسول الله ﷺ ، وقالوا: جعله النبي ﷺ إمامًا لنا في ديننا، فكيف لا نجعله إمامًا في دنيانا.

стр. 2171

والحديث الخامس: حديث الرؤيا التي رآها رسول الله ﷺ . شرح معاني المفردات: قوله: (قليب)، قال الكرماني: قال الخطابي: «أي بئر تحفر فينقلب ترابها قبل أن تطوى» (١). قال محمد تقي الدين: ومعنى «تطوى تبنى جوانبها بالحجارة، فإذا حفرت البئر حتى ظهر ماؤها ولم تبن جوانبها بالحجارة ولا بغيرها فهي قليب. قال في النهاية: «الغرب - بسكون الراء - الدلو العظيمة التي تتخذ من جلد ثور» (٢). قال الكرماني: «العبقري: كل شيء يبلغ النهاية» (٣)، وقال في «النهاية»: عبقري القوم سيدهم وكبيرهم وقوتهم، والأصل في العبقري، فيما قيل: إن عبقر قرية يسكنها الجن فيما يزعمون، فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريبًا مما يصعب عمله ويدق، أو شيئًا عظيمًا في نفسه، نسبوه إليها فقالوا: عبقري، ثم اتسع حتى سُمِّيَ به السيد الكبير» (٤). قال محمد تقي الدين: ومعنى «يفري فرية أي: يقطع قطعه قال الشاعر: ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ض القوم يخلق ثم لا يفري والخلق هنا، معناه: التقدير يصف الشاعر ممدوحه بقوة العزم وإنجاز الوعد، والعطن: مناخ الإبل والذنوب: الدلو المملوءة ماء، قال الكرماني في معنى الحديث: «وهذا مثل ضربه في ولاية أبي بكر وعمر بعد رسول الله ﷺ و (الذنوبان) إنما هما سنتان وليهما أبو بكر و (ضعف نزعه): إنما هو إشغاله (٥) بقتال أهل الردة، ولم يتفرغ لفتح (٦) الأمصار وجباية الأموال» (٧)، وأما عمر فطال زمانه وكثرت فتوحات الممالك وحسنت أحوال المسلمين فيه».

стр. 2172

قال محمد تقي الدين: وكون أبي بكر الصديق لم يعش إلا سنتين بعد النبي ﷺ وشغله بقتال أهل الردة عن الفتوحات ليس نقصًا في حقه، فإن فتنة الردة كانت خطرًا عظيمًا على الإسلام، فإطفاء نارها منقبة عظيمة لأبي بكر الصديق، وهو أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ بالأدلة القاطعة، واتفاق أهل السنة يدلّك على ذلك. الحديث السادس: «لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا» (١) الحديث. ولما سئل النبي ﷺ من أحب الناس إليك؟ قال: «عائشة» قيل: من الرجال؟ قال: «أبوها» (٢). وفضائله كثيرة رضوان الله عليه، قال أبو عمر بن عبد البر: «ومكث أبو بكر في خلافته سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال (٣)، وقيل غير ذلك. انتهى من المجلد الثاني من «الاستيعاب»، صفحة (٢٤٧)». قال شارح «الطحاوية» ﵀: «قوله: «ثم لعمر بن الخطاب» (٤) أي: ونثبت الخلافة بعد أبي بكر (٥) لعمر (٦)، وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة بعده عليه، وفضائله (٧) أشهر من أن تنكر، وأكثر من أن تذكر، فقد روى عن محمد ابن الحنفية أنه قال: قلت لأبي: يا أبت، من خير الناس بعد

стр. 2173

رسول الله ﷺ ؟ فقال: يا بني، أو ما تعرف؟ فقلت: لا، قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: ثم عثمان، فقلت: ثم أنت؟ فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين (١). وتقدم قوله ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر» (٢). وفي صحيح مسلم عن ابن عباس (٣) قال: وضع عمر على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه، قبل أن يُرفع (٤)، فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه، فإذا هو علي، فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحدًا أحب إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وإيم الله، إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت كثيرًا ما أسمع رسول الله ﷺ يقول: «جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر»، فإن كنت لأرجو، أو لأظنُّ أن يجعلك الله معهما» (٥). وتقدم حديث أبي هريرة (٦) في رؤيا رسول الله ﷺ ، ونزعه من القليب ثم نزع أبي بكر، ثم استحالت الدلو غربًا: «فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريًا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب بعطن». وفي، من حديث سعد بن أبي وقاص: قال: استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ وعنده نساء من

стр. 2174

قريش، يكلمنه، عالية أصواتهن … الحديث، وفيه … فقال رسول الله ﷺ : «إيه يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك» (١). وفي الصحيحين أيضًا، عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول: «قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم» (٢). قال ابن وهب: تفسير «محدثون»: ملهمون» (٣). مقتل عمر بن الخطاب ﵁ : «قال البخاري بسنده عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب (٤) قبل أن يصاب بأيام بالمدينة ووقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال (٥): كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا حملتما (٦) الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل. قال: انظرا أن تكونا حمَّلْتُما الأرض ما لا تطيق؟ قال: لا، فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدًا. قال: فما أتت عليه إلا رابعة (٧) حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب - وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهم (٨) خللًا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل، وذلك في الركعة الأولى حتى تجتمع (٩) الناس، فما هو إلا أن كبر، فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يمينًا ولا (١٠) شمالًا إلا

стр. 2175

طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسًا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه. وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله (١). فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني. فجال ساعة، ثم جاء فقال: «غلام المغيرة» قال: الصنع؟ قال: نعم، قاتله (٢) الله، لقد أمرت به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي (٣) بيد (٤) رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة وكان العباس أكثرهم رقيقًا. فقال: إن شئت فعلت - أي: إن شئت قتلناهم؟ (٥) - قال: كذبت، بعدما تكلموا بلسانكم، وصلوا إلى (٦) قبلتكم، وحجوا حجكم؟ فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس (٧)، وقائل يقول: أخاف عليه. فأُتِيَ بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أُتِيَ بلبن فشربه فخرج من جرحه (٨)، فعلموا (٩) أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس فجعلوا (١٠) يُثنون عليه وجاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ ، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كَفَافٌ لا عليَّ ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: رُدُّوا عَليَّ الغلام؟ قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك وأتقى
следующие страницы →