← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

والحديث الخامس: حديث الرؤيا التي رآها رسول الله ﷺ . شرح معاني المفردات: قوله: (قليب)، قال الكرماني: قال الخطابي: «أي بئر تحفر فينقلب ترابها قبل أن تطوى» (١). قال محمد تقي الدين: ومعنى «تطوى تبنى جوانبها بالحجارة، فإذا حفرت البئر حتى ظهر ماؤها ولم تبن جوانبها بالحجارة ولا بغيرها فهي قليب. قال في النهاية: «الغرب - بسكون الراء - الدلو العظيمة التي تتخذ من جلد ثور» (٢). قال الكرماني: «العبقري: كل شيء يبلغ النهاية» (٣)، وقال في «النهاية»: عبقري القوم سيدهم وكبيرهم وقوتهم، والأصل في العبقري، فيما قيل: إن عبقر قرية يسكنها الجن فيما يزعمون، فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريبًا مما يصعب عمله ويدق، أو شيئًا عظيمًا في نفسه، نسبوه إليها فقالوا: عبقري، ثم اتسع حتى سُمِّيَ به السيد الكبير» (٤). قال محمد تقي الدين: ومعنى «يفري فرية أي: يقطع قطعه قال الشاعر: ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ض القوم يخلق ثم لا يفري والخلق هنا، معناه: التقدير يصف الشاعر ممدوحه بقوة العزم وإنجاز الوعد، والعطن: مناخ الإبل والذنوب: الدلو المملوءة ماء، قال الكرماني في معنى الحديث: «وهذا مثل ضربه في ولاية أبي بكر وعمر بعد رسول الله ﷺ و (الذنوبان) إنما هما سنتان وليهما أبو بكر و (ضعف نزعه): إنما هو إشغاله (٥) بقتال أهل الردة، ولم يتفرغ لفتح (٦) الأمصار وجباية الأموال» (٧)، وأما عمر فطال زمانه وكثرت فتوحات الممالك وحسنت أحوال المسلمين فيه».

стр. 2172

قال محمد تقي الدين: وكون أبي بكر الصديق لم يعش إلا سنتين بعد النبي ﷺ وشغله بقتال أهل الردة عن الفتوحات ليس نقصًا في حقه، فإن فتنة الردة كانت خطرًا عظيمًا على الإسلام، فإطفاء نارها منقبة عظيمة لأبي بكر الصديق، وهو أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ بالأدلة القاطعة، واتفاق أهل السنة يدلّك على ذلك. الحديث السادس: «لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا» (١) الحديث. ولما سئل النبي ﷺ من أحب الناس إليك؟ قال: «عائشة» قيل: من الرجال؟ قال: «أبوها» (٢). وفضائله كثيرة رضوان الله عليه، قال أبو عمر بن عبد البر: «ومكث أبو بكر في خلافته سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال (٣)، وقيل غير ذلك. انتهى من المجلد الثاني من «الاستيعاب»، صفحة (٢٤٧)». قال شارح «الطحاوية» ﵀: «قوله: «ثم لعمر بن الخطاب» (٤) أي: ونثبت الخلافة بعد أبي بكر (٥) لعمر (٦)، وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة بعده عليه، وفضائله (٧) أشهر من أن تنكر، وأكثر من أن تذكر، فقد روى عن محمد ابن الحنفية أنه قال: قلت لأبي: يا أبت، من خير الناس بعد

стр. 2173

رسول الله ﷺ ؟ فقال: يا بني، أو ما تعرف؟ فقلت: لا، قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: ثم عثمان، فقلت: ثم أنت؟ فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين (١). وتقدم قوله ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر» (٢). وفي صحيح مسلم عن ابن عباس (٣) قال: وضع عمر على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه، قبل أن يُرفع (٤)، فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه، فإذا هو علي، فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحدًا أحب إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وإيم الله، إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت كثيرًا ما أسمع رسول الله ﷺ يقول: «جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر»، فإن كنت لأرجو، أو لأظنُّ أن يجعلك الله معهما» (٥). وتقدم حديث أبي هريرة (٦) في رؤيا رسول الله ﷺ ، ونزعه من القليب ثم نزع أبي بكر، ثم استحالت الدلو غربًا: «فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريًا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب بعطن». وفي، من حديث سعد بن أبي وقاص: قال: استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ وعنده نساء من

стр. 2174

قريش، يكلمنه، عالية أصواتهن … الحديث، وفيه … فقال رسول الله ﷺ : «إيه يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك» (١). وفي الصحيحين أيضًا، عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول: «قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم» (٢). قال ابن وهب: تفسير «محدثون»: ملهمون» (٣). مقتل عمر بن الخطاب ﵁ : «قال البخاري بسنده عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب (٤) قبل أن يصاب بأيام بالمدينة ووقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال (٥): كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا حملتما (٦) الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل. قال: انظرا أن تكونا حمَّلْتُما الأرض ما لا تطيق؟ قال: لا، فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدًا. قال: فما أتت عليه إلا رابعة (٧) حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب - وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهم (٨) خللًا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل، وذلك في الركعة الأولى حتى تجتمع (٩) الناس، فما هو إلا أن كبر، فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يمينًا ولا (١٠) شمالًا إلا

стр. 2175

طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسًا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه. وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله (١). فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني. فجال ساعة، ثم جاء فقال: «غلام المغيرة» قال: الصنع؟ قال: نعم، قاتله (٢) الله، لقد أمرت به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي (٣) بيد (٤) رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة وكان العباس أكثرهم رقيقًا. فقال: إن شئت فعلت - أي: إن شئت قتلناهم؟ (٥) - قال: كذبت، بعدما تكلموا بلسانكم، وصلوا إلى (٦) قبلتكم، وحجوا حجكم؟ فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس (٧)، وقائل يقول: أخاف عليه. فأُتِيَ بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أُتِيَ بلبن فشربه فخرج من جرحه (٨)، فعلموا (٩) أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس فجعلوا (١٠) يُثنون عليه وجاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ ، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كَفَافٌ لا عليَّ ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: رُدُّوا عَليَّ الغلام؟ قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك وأتقى

стр. 2176

لربك، يا عبد الله بن عمر، انظر ما عليَّ مِنْ الدين؟ - فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر فأدّه من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش، ولا تعد (١) إلى غيرهم، فأد عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا - وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فسلم واستأذن، ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه. فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه (٢) به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال (٣): ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أَذِنَتِ، قال: الحمد لله، ما كان من شيء أهم إليَّ من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني ثم سلّم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني ردوني (٤) إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها (٥) فلما رأيناها قمنا، فولَجَت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن (٦) الرجال، فولجت داخلًا (٧) فسمعنا بكاءها من الداخل. فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين استخلف، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو (٨) الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى عليًا وعثمان والزبير وطلحة وسعدًا وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء - كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة (٩) سعدًا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله عن (١٠) عجز ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ

стр. 2177

لهم حرمتهم وأوصيه بالأنصار خيرًا، الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، وأن (١) يتجاوز عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا، فإنهم ردء الإسلام، وجباة المال وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم. وأوصيه بالأعراب خيرًا، فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، أن يأخذ من حواشي أموالهم، ويرد (٢) على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله ﷺ (٣)، أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم، فلما قُبِضَ خرجنا به فانطلقنا نَمْشِي فسلم عبد الله بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب قالت: أدخلوه، فأدخل، فوضع هنالك مع صاحبيه» (٤). خلافة عثمان بن عفان ﵁ قال شارح «الطحاوية»: «لما دفن عمر اجتمع أهل الشورى، وهم ستة نص عليهم عمر ﵁، فقال: «ما أَجدُ أَحقَّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر؛ أي الرهط، الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض؛ فسمى: عليًا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدًا، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء» (٥). «فلما فُرِغَ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، قال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه؟ والله عليه والإسلام؟ لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليَّ؟ والله علي أن لا آلو عن أفضلكما (٦)؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول الله ﷺ والقَدَمُ في الإسلام ما قد علمت فالله عليك، لئن أمرتك

стр. 2178

لتعدلن؟ ولئن أمرت عثمان لتسمعنَّ ولتطيعنَّ؟ ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له عليّ، وولج أهل الدار، فبايعوه» (١). «ومن فضائل عثمان ﵁ الخاصة: كونه ختن رسول الله ﷺ على ابنتيه (٢)، وفي «صحيح مسلم» عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيته وكاشفًا (٣) عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدَّث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه، فدخل فتحدَّث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك؟ فقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟!» (٤)، وفي «صحيح البخاري»: لما كان يوم بيعة الرضوان وأن عثمان (٥) كان قد بعثه النبي ﷺ إلى مكة، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى «هذه يد عثمان»، فضرب بها على يده فقال: «هذه لعثمان» (٦)» (٧). خلافة علي بن أبي طالب ﵁ - قال شارح «الطحاوية»: «قوله: «ثم لعلي بن أبي طالب ﵁» أي: نثبت (٨) الخلافة بعد عثمان لعلي (٩)، لما قتل عثمان وبايع الناس عليًا صار إمامًا حقًا واجب.

стр. 2179

الطاعة، وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة، كما دل عليه حديث سفينة (١)، أنه قال: قال رسول ﷺ : «خلافة النبوة، ثلاثون سنة، ثم يؤتى الله ملكه من يشاء» (٢). كانت (٣) خلافة أبي بكر الصديق: سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر: عشر سنين ونصفًا (٤)، وخلافة عثمان: اثنتي عشرة سنة (٥)، وخلافة علي: أربع سنين وتسعة أشهر (٦)، وخلافة الحسن: ستة أشهر. فالخلافة ثبتت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (٧) بعد عثمان (٨) بمبايعة الصحابة سوى معاوية مع أهل الشام، والحق مع علي ﵁. من (٩) فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (١٠) ما في «الصحيحين» عن سعد بن أبي وقاص (١١) قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من

стр. 2180

موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» (١)، وقال يَوْمَ خيبر: «لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله»، قال: فتطاولنا لها، فقال: «ادعوا لي عليًا»، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه» (٢). ولما نزلت هذه الآية ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، دعا رسول الله ﷺ عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فقال: «اللهم هؤلاء أهلي» (٣)» (٤) «قوله (٥): «هم (٦) الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون». تقدم الحديث الثابت في السنن وصححه الترمذي، عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها (٧) القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (٨)، وترتيب الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين في الفضل، كترتيبهم في الخلافة» (٩). فضل العشرة المبشرين بالجنة قال شارح «الطحاوية» ما نصه: «قوله: «وإنَّ العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ (١٠)، وقوله الحق وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي،

стр. 2181

وطلحة والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح؛ وهو أمين هذه الأمة، ﵃ أجمعين». تقدم ذكر بعض فضائل الخلفاء الأربعة، ومن فضائل الستة الباقين من العشرة، ما رواه مسلم عن عائشة ﵂: أَرِقَ رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقال: «ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني» الليلة، قالت: وسمعنا صوت السلاح، فقال النبي ﷺ : «من هذا»؟ فقال: «سعد بن أبي وقاص، يا رسول الله جئت أحرسك» (١). وفي لفظ آخر: «وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام». وفي «الصحيحين» «أن رسول الله ﷺ جمع لسعد بن أبي وقاص أبويه يوم أحد، فقال: «ارم، فداك أبي وأمي» (٢)، وفي «صحيح مسلم» عن قيس بن أبي حازم، قال: «رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي ﷺ يوم أحد قد شلت» (٣)» (٤). قال في «الكواشف الجلية» ما نَصُّهُ: «أهل السنة والجماعة يشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ كالعشرة، وهم: ١ - أبو بكر، ٢ - وعمر، ٣ - وعثمان، ٤ - وعلي، ٥ - وعبد الرحمن بن عوف، ٦ - والزبير بن العوام، ٧ - وسعد بن أبي وقاص، ٨ - وسعيد بن زيد، ٩ - وأبو عبيدة بن الجراح، ١٠ - وطلحة بن عبيد الله، وقد صحت الأحاديث بالشهادة لهم بالجنة. ١١ - والحسن، ١٢ - والحسين؛ لما في حديث أبي سعيد الخدري (٥) أن لهم رسول الله ﷺ ، وهي ساقطة من مطبوع «سبيل الرشاد».

стр. 2182

النبي ﷺ قال: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» (١). ١٣ - وثابت بن قيس بن شماس؛ لقوله ﷺ : «إنه من أهل الجنة» (٢). ١٤ - وعبد الله بن سلام؛ لما روى البخاري في «صحيحه» عن سعد بن أبي وقاص قال: «ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: «إنه من أهل الجنة» إلا لعبد الله بن سلام» (٣). ١٥ - والرجل الذي قال فيه (٤) النبي ﷺ : «يطلع الآن رجل من أهل الجنة» ففي حديث أخرجه الترمذي والنسائي عن أنس (٥) أن النبي ﷺ قال في أيام ثلاثة: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» (٦)، فطلع فيها رجل من الأنصار، فبات

стр. 2183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2186

معه عبد الله بن عمرو بن العاص ثلاث ليال؛ مستكشفًا حاله، فلم ير له كثير عمل، فأخبره الخبر فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي غلًا لأحد من المسلمين، ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق. ١٦ - وعكاشة بن محصن؛ لما ذكر السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «أنت منهم … » (١)، الحديث. ١٧ - والمرأة التي قالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله تعالى لي، فقال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك»، فقالت: أصبر، ثم قالت (٢): «إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف. فدعا لها» (٣) (٤). قال محمد تقي الدين وبالجملة كل من شهد له رسول الله ﷺ أنه في الجنة نعتقد أنه من أهل الجنة، إذا روي بسند صحيح، وتخالف في ذلك الرافضة والخوارج كل المخالفة، ونعتقد أن كل من شهد غزوة بدر مع النبي ﷺ فهو في

стр. 2187

الجنة، لحديث حاطب بن أبي بلتعة لما كتب إلى المشركين في مكة يخبرهم بأن النبي ﷺ متوجّه إلى غزوهم، فأطلع الله رسوله ﷺ على ذلك، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ : «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (١). وهذا أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه. وصح عن النبي ﷺ من حديث جابر أنه قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» (٢)، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، ومصداق ذلك في كتاب الله قال تعالى في سورة الفتح: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. ومن عقيدة أهل السنة أنهم لا يشهدون لأحد من المسلمين بالجنة ولا بالنار إلا من شهد له الرسول ﷺ . قال شارح «الطحاوية»: «قوله: «ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا» يريد إنا لا نقول في (٣) أحد معين من أهل القبلة: إنه من أهل الجنة أو من أهل النار، إلا من أخبر الصادق ﷺ أنه من أهل الجنة كالعشرة ﵃، وإن كنا نقول: إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من شاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، ولكنا نقف في الشخص المعين (٤)، فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علم؛ لأن الحقيقة باطنة، وما مات عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسنين، ونخاف على المسيئين.

стр. 2188

وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال: أحدها: أن لا يشهد لأحد إلا للأنبياء، وهذا ينقل عن محمد ابن الحنفية، والأوزاعي. والثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص، وهذا قول كثير من العلماء وأهل الحديث. والثالث: أنه يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون، كما في «الصحيحين» أنه مرّ بجنازة، فأثنوا عليها بخير، فقال النبي ﷺ : «وجبت» ومرّ بجنازة (١) أخرى، فأثنى عليها بشر، فقال: «وجبت». وفي رواية (٢): «وجبت» ثلاث مرات، فقال عمر: يا رسول الله، ما وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ : «هذا أثنيتم عليه خيرًا، وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا، وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض» (٣). وقال ﷺ : «توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار» قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «بالثناء الحسن والثناء السيء» (٤). فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار» (٥). قال محمد تقي الدين: والراجح هو الذي أسلفت ذكره، وهو أننا لا نشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، ومن الأدلة على ذلك ما رواه أحمد والبخاري: «عن أم العلاء قالت: «فاشتكى عثمان بن مظعون عندنا، فمرضناه حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله ﷺ فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك: لقد

стр. 2189

أكرمك الله فقال رسول الله ﷺ : «وما يدريك أن الله تعالى أكرمه؟» فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي، فقال رسول الله ﷺ : «أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي». قالت: فقلت: والله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا، وأحزنني ذلك، فنمت فرأيت لعثمان عينًا تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال رسول الله ﷺ : «ذاك عمله» (١) انفرد به البخاري دون مسلم. وفي لفظ له (٢): «وما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به» وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ، ثم ذكر جماعة من أخبر النبي ﷺ بدخولهم الجنة. انتهى من «تفسير ابن كثير» (٣) في سورة الأحقاف [٧]». فصل «وقد ظهر في آخر الزمان من يضمن دخول الجنة بلا حساب ولا عذاب لكل من أحبه أو أطعمه أو سقاه أو قضا له حاجة، كما يزعم التجانيون فيما نسبوه إلى شيخهم أحمد بن محمد التجاني (٤) (المتوفى سنة ١٢٣٠) المدفون في مدينة فاس بالمغرب الأقصى، والطريقة التجانية من طرق المتصوفة المشهورة في هذا الزمان (٥)، وأتباعها يعدون بالملايين وأكثرهم في إفريقية السوداء، ويوجدون في مصر والشام والحجاز وبلاد الأتراك، وقد ألفت كتابًا سميته «الهدية الهادية إلى الطائفة التجانية» قام بطبعه ونشره صاحب (٦) السماحة الوزير المفوض للإفتاء العام والبحوث العلمية والدعوة والإرشاد في الوقت الحاضر، وكان قبل ذلك رئيسًا للجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ألا وهو الأستاذ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وهو من بقية السلف الصالح في هذا الزمان علمًا

стр. 2190

وعملًا وورعًا (١)، أمتع الله المسلمين بطول بقائه ودوام ارتقائه، وقد رأيت أن أنقل شيئًا من الكتاب المذكور فقد جاء في صفحة (٨١) منه ما نصه: الفصل الثاني: في فضل المتعلقين بالشيخ أحمد التجاني اعلموا أن التجانيين رووا عن شيخهم فضائل تحصل للمتعلقين به مصادمة للكتاب والسنة وإجماع الأمة، وزعموا أن الشيخ التجاني كتب تلك الفضائل بيده، وسلمها إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يقرأها ويضمنها له، فقرأها وضمنها له، وقع ذلك يقظة لا منامًا. انظر (صفحة ٤٤) من (الجزء الثاني) من «الرماح»، وهذه الفضائل زعموا أن الله يعطيهم إياها بسبب تعلقهم بشيخهم، وسأسرد هنا هذه الفضائل، وعددها تسع وثلاثون، أربع عشرة فضيلة تحصل لكل من اعتقد فيه الخير ولم يعترض على طريقه، وكان محبًا له ولأصحابه ولكل من أطعمه أو سقاه أو قضى له حاجة إذا استمر على محبته حتى الموت، وأن يأخذ ورده ولم يصر من أصحاب طريقته، وسائر الفضائل وهي خمسة وعشرون خاصة بمن أخذ الطريقة والتزم شروطها: الفضيلة الأولى: أن النبي ﷺ ضمن لهم أن يموتوا على الإيمان والإسلام. الفضيلة الثانية: أن يخفف الله عنهم سكرات الموت. الفضيلة الثالثة: لا يرون في قبورهم إلا ما يسرهم. الفضيلة (٢) الرابعة: أن يؤمنهم الله تعالى من جميع أنواع عذابه وتخويفه وجميع الشرور، من الموت إلى المستقر في الجنة. الخامسة: أن يغفر الله لهم جميع ذنوبهم ما تقدم منها وما تأخر. السادسة: أن يؤدي الله تعالى عنهم جميع تبعاتهم ومظالمهم من خزائن فضله لا من حسناتهم.

стр. 2191

السابعة: أن لا يحاسبهم الله تعالى ولا يناقشهم ولا يسألهم عن القليل والكثير يوم القيامة. الثامنة: أن يظلهم الله تعالى في ظل عرشه يوم القيامة. التاسعة: أن يجيزهم الله تعالى على الصراط أسرع من طرفة عين على كواهل الملائكة. العاشرة: أن يسقيهم الله تعالى من حوضه ﷺ يوم القيامة. الحادية عشرة: أن يدخلهم الله تعالى إلى الجنة بغير حساب ولا عقاب في أول الزمرة الأولى. الثانية عشرة: أن يجعلهم الله تعالى مستقرين في الجنة في عليين من جنة الفردوس وجنة عدن. الثالثة عشرة: أن النبي ﷺ يحب كل من كان محبًا له. الرابعة عشرة: أن محبه لا يموت حتى يكون وليًا، قال - أي: «أحمد التجاني - قد أخبرني سيد الوجود ﷺ أن كل من أحبني فهو حبيب للنبي ﷺ ، ولا يموت حتى يكون وليًا قطعًا، وقال لي سيد الوجود ﷺ : أنت من الآمنين ومن أحبك من الآمنين، وأنت حبيبي ومن (١) أحبك حبيبي، وكل من أخذ وردك فهو محرر من النار، وقال: أبشروا إن كل من كان في محبتنا إلى أن مات عليها يبعث من الآمنين على أي حالة كان، ما لم يلبس حلة الأمان من مكر الله، وقال: وأما من كان محبًا ولم يأخذ الورد، فلا يخرج من الدنيا حتى يكون من الأولياء» (٢). ثم قلت في الرد على هذه الأباطيل في صفحة (٨٦) ما نصه: «قال محمد تقي الدين: لم يستوف صاحب «الرماح» الفضائل التي وعد بذكرها بل اقتصر على ذكر ثلاث وثلاثين، وفي ما ذكره من الطوام والضلالات ما لا يبقى شكًا في أن هذه الطريق على الحال الراهنة يستحيل أن تجتمع في قلب شخص واحد مع ما جاء به رسول الله ﷺ من الدين الحنيف، المبني على الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وسنعقب عليها بالنقد والنقض حتى يتضح بطلانها وتنجلي ظلمتها، بحول الله وقوته وحسن توفيقه. اعلم - أيها القارئ الموفق لمعرفة الحق واتباعه مع من كان، وحيث كان -

стр. 2192

أن ما ذكره صاحب «الرماح» من الفضائل؛ بزعمه له ولإخوانه في الطريقة، ولشيخهم بزعمهم مردود من وجوه: بعضها إجمالي، وبعضها تفصيلي، ولنبدأ بالإجمالي، فنقول: كل ما نسبوه إلى النبي ﷺ من الأخبار هو من شر أقسام الموضوع المفتر، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾، فإن الأمة بعلمائها وأئمتها من أبي بكر الصديق ﵁ إلى أن تقوم الساعة أجمعت الأمة على أنه لا طريق لتلقي خبر من الأخبار عن النبي ﷺ إلا بالسماع والمشاهدة في حياته الدنيوية، أو بواسطة الثقات (١) الأثبات بالسند المتصل، وما ذكروه من الأخبار ليس له سند أصلًا، وما زعموه من السماع كذب بإجماع الأئمة، ومن خرق إجماعهم ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم، وكان مشاقًا للرسول ﷺ ومتبعًا غير سبيل المؤمنين، ومن ذلك أن تلك الأخبار مناقضة لكتاب الله وللأخبار الصحيحة المروية بأسانيد كالشمس، معلومة التواتر أو الصحة العالية، إذا قرأت ما تقدم من الرد تبين لك خلاله فساد تلك الأخبار وبطلانها واضمحلالها» (٢). اهـ. ومن شاء أن يطلع على الرد التفصيلي يجده في كتابي «الهدية الهادية» (٣). التحذير من اتباع جهلة المتصوفة فيما أحدثوه من البدع قال شارح «الطحاوية» صفحة (٥٥٦): «وكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برئاسته واجتهاده في العبادة، وتصفية نفسه، إلى ما وصلت إليه الأنبياء من غير اتباع لطريقتهم، ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء، ومنهم من يقول: إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء أو (٤) يدعي لنفسه أنه (٥) خاتم الأولياء، ويكون ذلك العلم هو حقيقة قول فرعون، وهو أن هذا الوجود المشهود واجب بنفسه، ليس له صانع مباين له، ولكن هذا يقول: هو الله! وفرعون أظهر الإنكار بالكلية (٦)، وهؤلاء ظنوا أن الوجود المخلوق هو

стр. 2193

الوجود الخالق، كابن عربي وأمثاله!! وهو لما رأى أن الشرع الظاهر لا سبيل إلى تغييره قال: النبوة ختمت، لكن الولاية لم تُختم! وادعى من الولاية ما هو أعظم من النبوة وما يكون للأنبياء والمرسلين، وأن الأنبياء مستفيدون منها كما قال: مَقامُ النُبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ … فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الوَلِي!! وهذا قلب للشريعة، فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى في سورة يونس الآية [٦٢ - ٦٣]: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ والنبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة، كما تقدم التنبيه (١) على ذلك، وقال ابن عربي أيضًا في «فصوصه»: ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن فرآها قد كملت إلا موضع لبنة (٢)، فكان هو ﷺ موضع اللبنة، وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا، فيرى ما مثله النبي ﷺ ، ويرى نفسه في الحائط في موضع لبنتين، ويرى نفسه تنطبع في موضع اللبنتين، فيكمل الحائط، والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين، أن (٣) الحائط لبنة من فضة ولبنة من ذهب، واللبنة الفضية (٤) هي ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو أخذ عن الله في الشرع ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن، فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى إليه إلى الرسول ﷺ قال: «فإن فهمت ما أشرنا إليه فقد حصل لك العلم النافع» (٥). قال محمد تقي الدين: «فمن أكفر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب،

стр. 2194

وللرسل المثل بلبنة فضة، فيجعل نفسه أعلى وأفضل من الرسل؟ تلك أمانيهم ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ الآية [٥٦] من سورة غافر. وكيف يخفى كفر من هذا كلامه؟ وله من الكلام أمثال هذا، وفيه ما يخفى منه الكفر، ومنه ما يظهر، فلهذا يحتاج إلى نقد جيد، ليظهر زيفه، فإن من الزغل ما يظهر لكل ناقد، ومنه ما لا يظهر إلا للناقد الحاذق البصير، وكفر ابن عربي وأمثاله فوق كفر القائلين: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ولكن ابن عربي وأمثاله منافقون زنادقة، اتحادية في الدُّرْكِ الأسفل من النار، والمنافقون يعاملون معاملة المسلمين، لإظهارهم الإسلام، كما كان يظهره المنافقون في حياة النبي ﷺ ويبطنون الكفر، وهو يعاملهم معاملة المسلمين لما يظهر منهم، فلو أنه ظهر من أحد منهم ما يبطنه من الكفر، لأجرى عليه حكم المرتد، ولكن في قبول توبته خلاف (١)، والصحيح عدم قبولها» (٢).

стр. 2195

الإيمان بأشراط الساعة قال شارح «الطحاوية» قوله: (ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض [من] موضعها). عن عوف بن مالك الأشجعي قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك، وهو في قبة من أدم، فقال: «اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص (١) الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا» (٢) وروي: «راية» بالراء (٣)، وهما بمعنى، رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه والطبراني. وعن حذيفة بن أسيد قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «ما تذاكرون؟» قالوا: نذكر الساعة، فقال: «إنها لن تقوم حتى تروا (٤) قبلها عشر آيات … » فذكر: «الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (٥) رواه مسلم، وفي «الصحيحين» - واللفظ للبخاري - عن

стр. 2196

ابن عمر (١) قال: ذكر الدجال عند النبي ﷺ ، فقال: «إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور - وأشار بيده إلى عينه - وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية» (٢). وعن أنس بن مالك (٣) قال رسول الله ﷺ : «ما من نبي إلا وأنذر قومه الأعور الدجال، ألا إن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه (ك ف ر)» (٤)، فسره في رواية: «أي كافر»، وروى البخاري وغيره، عن أبي هريرة (٥) قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة خيرًا من الدنيا وما فيها». ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٦) الآية [١٥٩] من سورة النساء، وأحاديث الدجال، وعيسى ابن مريم ﵇، ينزل من السماء ويقتله، ويخرج (٧) يأجوج ومأجوج في أيامه بعد قتله الدجال، فيهلكهم الله أجمعين في ليلة واحدة ببركة دعائه عليهم - ويضيق هذا المختصر عن بسطها. وأما خروج الدابة وطلوع الشمس من المغرب، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِي رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ

стр. 2197

بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] من سورة الأنعام، وروى البخاري عند تفسير الآية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا (١) عليها، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ (٢). وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو، قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول (٣) الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبًا» (٤). أي: أول الآيات التي ليست مألوفة، وإن كان الدجال ونزول عيسى ﵇ من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك أمور مألوفة؛ لأنهم بشر، مشاهدة مثلهم مألوفة، وأما خروج الدابة بشكل غريب غير مألوف، ثم مخاطبتها الناس، ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر، فأمر خارج عن مجاري العادات، وذلك أول الآيات الأرضية؛ كما أن طلوع الشمس (٥) على خلاف عادتها المألوفة - أول الآيات السماوية، وقد أفرد الناس في أحاديث أشراط الساعة مصنفات مشهورة يضيق عن (٦) بسطها هذا المختصر» (٧). اهـ.

стр. 2198

فصل في ذكر أزواج النبي ﷺ - اعلم أن أهل السنة يحبون أزواج النبي ﷺ وأهل بيته ويكرمونهم، ولا يذكرونهم إلا بأحسن الذكر، بدون إفراط ولا تفريط، قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ الآية [٦]. قال الميسر «لاختصار ابن كثير» ما نصه: «عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما (١) من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، فأيما مؤمن ترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينًا أو ضياعًا، فليأتني فأنا مولاه» (٢). تفرد به البخاري. وقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: في الحرمة والاحترام والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهم بالإجماع» (٣). قال تعالى في سورة الأحزاب [٢٨ - ٣٤]: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي

стр. 2199

بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ قال: المحقق محمد صديق حسن في «تفسيره»: «قال الواحدي (١): «قال المفسرون: إن أزواج النبي ﷺ سألنه شيئًا من عرض الدنيا وطلبن منه الزيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فالى رسول الله ﷺ منهن شهرًا، وأنزل الله آية التخيير هذه (٢)، وكن يومئذ تسعًا: عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وسودة، وهؤلاء من نساء قريش، وصفية الخيبرية، وميمونة الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحارث المصطلقية». ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ أي: سعتها ونضارتها ورفاهيتها وكثرة الأموال والتنعم فيها ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ أي: أقبلن إليَّ بإرادتكن واختياركن لأحد الأمرين ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أي: أعطكن المتعة ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ أي أطلقكن ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ المراد به هو الواقع من غير ضرار على مقتضى السنة، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي: تردن رسوله، وذكر الله للإيذان بجلالة محمد ﷺ عنده تعالى ﴿وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي: الجنة ونعيمها ﴿فَإِنَّ (٣) اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾ أي: اللاتي عملن عملًا صالحًا ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يمكن وصفه، ولا يقدر (٤) قدره، وذلك بسبب إحسانهن وبمقابلة صالح عملهن. وقد خيرهنَّ رسول الله ﷺ بإذن الله في البقاء على الزوجية أو الطلاق، وفي «الصحيحين» عن عائشة قالت: «خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعده طلاقًا» (٥). وقد أخرج مسلم عن جابر قال: «أقبل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ والناس ببابه جلوس والنبي ﷺ جالس فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر، فدخلا والنبي ﷺ جالس وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن النبي ﷺ ؛ لعله يضحك، فقال عمر: يا رسول الله! لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني النفقة آنفًا فوجأت في عنقها؟

стр. 2200

فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: «هن حولي يسألنني (١) النفقة» فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقولان: تسألان رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟! فنهاهما رسول الله ﷺ ، فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله ﷺ بعد هذا المجلس ما ليس عنده (٢)، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه، قالت: فبدأ بي، فقال: «إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، فقال: «إن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾» إلى تمام الآية. فقلت: أفي (٣) هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، وفعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت» (٤). ثم لما اختار نساء رسول الله ﷺ إياه، أنزل فيهن هذه الآيات تكرمة لهن وتعظيمًا لحقهن؛ فقال: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ﴾، (مِنْ) بيانية لأنهن كلهن محصنات ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾ أي: معصية مُّبَيِّنَةٍ أي: ظاهرة القبح، واضحة الفحش، وقد عصمهن الله عن ذلك وبرأهنّ وطهرهنّ، فهو كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أي: يعذبهن الله مثلي عذاب غيرهن من النساء إذا أتين بمثل تلك الفاحشة، وذلك لشرفهن وعلو درجتهن وارتفاع منزلتهن، ولأن ما قبح من سائر النساء كان منهن أقبح، فزيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل، وليس لأحد من النساء مثل فضل نساء النبي ﷺ ، ولذا كان الذم للعاصي العالم أشد من العاصي الجاهل؛ لأن المعصية منه أقبح، ولذا فضل حد الأحرار على العبيد، وقد ثبت في هذه الشريعة في غير موضع أن تضاعف الشرف وارتفاع الدرجات يوجب لصاحبه إذا عصى تضاعف العقوبات، والمراد

стр. 2201

بالعذاب هنا الحد (١)، وقال مقاتل: هذا التضعيف في العذاب إنما هو في الآخرة، كما أن إيتاء الأجر مرتين في الآخرة، وهذا حسن؛ لأن نساء النبي ﷺ لم يأتين بفاحشة توجب حد، وقد قال ابن عباس: «ما بغت امرأة نبي قط؛ وإنما خانتا في الإيمان والطاعة» (٢)» (٣). قال محمد تقي الدين: قول ابن عباس: «ما بغت امرأة نبي قط» أي ما زنت، وخيانة امرأة نوح وامرأة لوط المذكورتين في سورة التحريم ليس معناها الزني، وإنما هي عدم الإيمان وعدم طاعة زوجيهما نوح ولوط ﵈. «﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: تضعيف العذاب ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ هينًا لا يتعاظمه ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ والقنوت الطاعة؛ أي: يطع، ﴿مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ يعني أنه يكون لهن من الأجر على الطاعة مثلي ما يستحقه غيرهن من النساء إذا فعلن تلك الطاعة، وفي هذا دليل قوي على أن معنى ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، أنه يكون العذاب مرتين لا ثلاثًا؛ لأن المراد إظهار شرفهن ومرتبتهن في الطاعة والمعصية، لكون حسنتهن كحسنتين وسيئتهن كسيئتين، ولو كانت كثلاث سيات لم يناسب ذلك كون حسنتهن (٤)، فإن الله أعدل من أن يضاعف العقوبة عليهن مضاعفة تزيد على مضاعفة أجرين. قيل: الحسنة بعشرين حسنة وتضعيف ثوابهن لرفع منزلتهن، وفيه إشارة إلى أنهن أشرف نساء العالمين. ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال الزجاج: «لم يقل: كواحدة من النساء؛ لأن (أحد) لفظ (٥) عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة» (٦). وقد يقال على ما ليس بآدمي، كما يقال: ليس فيها أحد لا شاة ولا بعير، والمعنى: لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء في الفضل والشرف، قال ابن عباس: «يريد ليس قدر كن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي» ثم قيد هذا الشرف العظيم بقيد فقال: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الله.

стр. 2202

فأطعنه، فإن الأكرم عند الله هو الأتقى، فبين سبحانه أن هذه الفضيلة لهن إنما تكون بملازمتهن للتقوى؛ لا لمجرد اتصالهن بالنبي ﷺ . وقد وقعت منهن - والله الحمد - التقوى البينة والإيمان الخالص والمشي على طريقة رسول الله ﷺ في حياته وبعد مماته، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي: إن اتقيتن فلستن كأحد من النساء، ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ والمعنى: لا تلن القول عند مخاطبة الناس كما تفعله المريبات من النساء، ولا ترققن الكلام. قال ابن عباس يقول: «لا ترضخن بالقول ولا تخضعن بالكلام، وعنه قال: «مقارنة الرجال بالقول فإنه يتسبب عن ذلك مفسدة عظيمة وهي قوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: فجور وشهوة أو شك وريبة أو نفاق». والمعنى: لا تقلن قولًا يجد المنافق والفاجر به سبيلًا إلى الطمع فيكن والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقال إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع فيهن ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ عند الناس؛ أي: حسنًا مع كونه خشنًا بعيدًا من الريبة على سنن الشرع لا ينكر منه سامعه شيئًا، ولا يطمع فيكن أهل الفسق والفجور بسببه، أو قولًا يوجبه الإسلام والدين عند الحاجة إليه ببيان من غير خضوع ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي: الزمن بيوتكن» (١). قال محمد تقي الدين: وفي الصحيح أن النبي ﷺ لما حج بأزواجه قال لهن: «هذه وأحلاس البيوت» (٢). ولذلك التزمت بعض أزواج النبي ﷺ وهي

стр. 2203

سودة - أن لا تخرج من حجرتها حتى تموت، وكذلك فعلت. ثم نعود إلى كلام القنوجي قال: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ التبرج أن تبدي المرأة زينتها (١) ومحاسنها مما يجب عليها ستره مما تستدعي به شهوة (٢) الرجل. والجاهلية الأولى، هي: ما قبل الإسلام، إذا كانت المرأة تكشف محاسنها وتتزين للناس، والجاهلية الأخرى: قوم يفعلون مثل فعلهم في آخر الزمان» (٣). قال محمد تقي الدين: وقد بلغ السيل الزبى، واتسع الخرق على الراقع في هذا الزمان، ومحيت الغيرة والشرف من قلوب الرجال، وأصبح أكثرهم ديوثين، وفي الحديث الصحيح: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة ديوث» (٤) اهـ. وهو جدير بذلك، فإذا ذهب الدين والعرض فلا خير في الحياة. اهـ. «﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الواجبة ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ المفروضة ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما أمر وفيما نهى، وخص الصلاة والزكاة ثم عمم فأمر هن بالطاعة ولرسوله في كل ما هو شرع؛ لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية، ولأن من واظب عليهما جرتاه إلى ما وراءهما ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أي: إنما أوصاكن الله بما أوصاكن من التقوى، وأن لا تخضعن بالقول، ومن قول المعروف، والسكون في البيوت، وعدم التبرج، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والطاعة ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ والمراد بالرجس الإثم والذنب المدنسان للأعراض، الحاصلان بسبب ترك ما أمر الله به وفعل ما نهى عنه، فيدخل في ذلك كل ما ليس فيه رضا الله ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نصبه على النداء أو المدح ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ من الأرجاس والأدناس.

стр. 2204

﴿تَطْهِيرًا﴾ كاملًا، وفي استعارة الرجس للمعصية والترشيح لها بالتطهير تنفير عنها بليغ وزجر لفاعلها شديد. وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت المذكورين في الآية، فقال ابن عباس وجماعة (١) من التابعين: إن أهل البيت المذكورين في الآية من (٢) زوجات النبي ﷺ خاصة، قالوا: والمراد بالبيت بيت النبي ﷺ ومساكن زوجاته لقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، وأيضًا السياق في الزوجات من قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله: ﴿لَطِيفًا خَبِيرًا﴾. وقال (٣) أبو سعيد الخدري وجماعة من التابعين (٤)؛ أن أهل البيت المذكورين في الآية هم: علي وفاطمة والحسن والحسين خاصة، ومن حججهم الخطاب في الآية بما يصلح للذكور لا للإناث وهو قوله: ﴿عَنْكُمْ﴾ وَ ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾، ولو كان للنساء خاصة لقال: (عنكن) و (ليطهركن)، وأجاب الأولون عن هذا بأن التذكير باعتبار لفظ الأهل، كما قال سبحانه: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] وكما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك؟ يريد زوجته أو زوجاته، فيقول: هم بخير. ولنذكر ههنا ما تمسك به كل فريق. أما الأولون؛ فتمسكوا بالسياق، فإنه في الزوجات كما ذكرنا، وبما أخرجه ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية قال: «نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة» (٥) وقال عكرمة: من شاء باهلته، إنها نزلت في أزواج

стр. 2205

النبي ﷺ » (١)، وروي هذا عنه بطرق. وأما ما تمسك به الآخرون؛ فأخرج الترمذي وصححه (٢) عن أم سلمة قالت: في بيتي نزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ الآية، وفي البيت: فاطمة وعلي والحسن والحسين، فجللهم رسول الله ﷺ بكساء كان عليه، ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي؛ فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا» (٣). وأخرج ابن جرير وجماعة (٤) من المحدثين والمفسرين عن أم سلمة أيضًا: «أن النبي ﷺ كان في بيتها على منامة له عليه كساء خيبري، فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فقال رسول الله ﷺ : «ادعي زوجك وابنيك حسنًا وحسينًا» فدعتهم (٥)، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على النبي ﷺ : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فأخذ النبي ﷺ بفضلة كسائه، فغشاهم إياها، ثم أخرج يده من الكساء وألوى بها إلى السماء، ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا» قالها ثلاث مرات. قالت أم سلمة: فأدخلت رأسي في الستر، فقلت: يا رسول الله وأنا معكم، فقال: «إنك إلى خير» (٦). وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وغيرهم (٧) عن عائشة قالت:

стр. 2206

«خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرطٌ مُرَحَّل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء علي فأدخله معه، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ الآية» (١). وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم أن رسول الله ﷺ قال: «أذكركم الله في أهل بيتي» فقيل لزيد: ومن أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم عليهم الصدقة بعده، آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس» (٢). ثم قال (٣): «وقد توسطت طائفة ثالثة بين الطائفتين، فجعلت هذه الآية شاملة للزوجات ولعلي وفاطمة والحسن والحسين. أما الزوجات؛ فلكونهن المرادات في سياق هذه الآيات كما قدمنا ولكونهن الساكنات في بيوته ﷺ النازلات في منازله، ويعضد ذلك: ما تقدم عن ابن عباس وغيره. وأما دخول علي وفاطمة والحسن والحسين، فللحديث (٤) الذي تقدم ذكره» (٥). قال محمد تقي الدين وهذا القول هو الصحيح، وهو واضح لا شك فيه، أما أزواج النبي ﷺ فالقرآن يدل عليهن دلالة لا تقبل الشك. وأما فاطمة، فهي بنت النبي ﷺ وسيدة نساء العالمين، وقد قال فيها النبي ﷺ : «إن فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها»، وفي لفظ: «يسوؤني ما ساءها» (٦)، وأما الحسن والحسين فقد سماهما النبي ﷺ ابنيه (٧)، وأبناء الإنسان من أهل بيته، وأما

стр. 2207

علي؛ فقد نشأ في بيت النبي ﷺ واختاره بعلًا لابنته، وقال له: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» (١) كما تقدم في ذكر الخلفاء الراشدين، ولما خرج النبي ﷺ لمباهلة وفد نجران بعد ما أمره الله تعالى بقوله: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ﴾ أخذ معه فاطمة وعليًا والحسن والحسين، وقد تقدم ذكر ذلك في (القسم الأول من هذا الكتاب)، وهؤلاء الأربعة أخص من غيرهم، ويليهم المذكورون في حديث زيد بن أرقم، الذين حرمت عليهم الصدقة، فمن كان يحب النبي ﷺ فلا بد أن يحب آل بيته، الذين توفي وهو عنهم راض، ومن اتبعهم من ذرياتهم يلحقه الله تعالى بهم، أما من أشرك بالله أو ابتدع في دين الله؛ فليس من أولياء الله ولا من أولياء رسوله، فقد أخرج البخاري من حديث عمرو بن العاص: إن رسول الله ﷺ قال: «إن آل أبي فلان - يعني أبا طالب - ليسوا لي بأولياء، إنما ولي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها» (٢)، انظر (الباب الأخير) من (سورة الشعراء) من (القسم الأول) من هذا (الكتاب). وأما الذين يعتمدون على الانتساب المجرد، فقد ضلوا ضلالًا بعيدًا، مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. فصل في ذكر أزواج النبي ﷺ بالتفصيل وذكر بعض فضلهن ﵅ وسأنقل ذلك من كتاب «كشف الغمة عن جميع الأمة»؛ لأني وجدته أحسن ترتيبًا وأسهل على القراء من «سيرة ابن هشام» وغيرها، ممن جمع تراجم الأزواج الطاهرات. ولا ينقصه إلا عدم عزو الأحاديث وذلك لا يضر (٣)؛ لأن أكثر ما ذكر هنا مروي في كتب الحديث المعتبرة.

стр. 2208

الأولى: خديجة بنت خويلد (١) ﵂ -: قال أنس (٢): «كان رسول الله ﷺ : يذكر خديجة كثيرًا بعد موتها ويستغفر لها، ويقول: «كانت وكانت»، وكان يكرم صدائقها بعد موتها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، وربما دخلت عليه العجائز اللاتي كن يدخلن على خديجة؛ فيكرمهن (٣). قال ابن عباس (٤): «وكانت قد تزوجت قبل رسول الله ﷺ زوجين، ولم يتزوج رسول الله ﷺ عليها حتى ماتت (لثلاث سنين قبل الهجرة) (٥)، وأرسل الله لها السلام مع جبريل ﵇». (٦) وكانت عائشة (٧) تقول: ما غِرْتُ على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن كان رسول الله ﷺ يكثر ذكرها، فأدركتني الغيرة يومًا، فقلت: هل كانت إلا عجوزًا وقد أخلف الله لك خيرًا منها؟ فغضب حتى اهتز مقدم رأسه من الغضب، ثم قال: والله ما أخلف الله لي خيرًا منها، لقد آمنت بي إذ كفر (٨) بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ﵂» (٩)

стр. 2209

والثانية: عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄ (١): قال ابن عباس (٢): كان رسول الله ﷺ يقول لما توفيت خديجة: «نزل جبريل بصورة عائشة (٣) في سرقة (٤) حرير خضراء، فقال: يا محمد؛ هذه زوجتك في الدنيا والآخرة، عوضًا عن خديجة بنت خويلد» (٥) وقالت عائشة (٦): قال لي رسول الله ﷺ : «إن جبريل يقرئك السلام» فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته (٧). وقالت عائشة (٨): «وكان أزواج النبي ﷺ (٩) يرسلن فاطمة إليه كثيرًا، ويقلن لها: قولي لأبيك إن أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكتة، فتأتي فاطمة إليه، فيقول لها رسول الله ﷺ : «أي بنيتي (١٠) ألست تحبين ما أحب؟» فتقول: بلى، قال: فأحبي هذه، فترجع فاطمة فتخبرهن بما قال لها رسول الله ﷺ ، فيقلن لها: ما أغنيت عنا من شيء، فارجعي إليه ثانيًا، فلما أكثرن على فاطمة، قالت: لا أكلمه فيها أبدًا؛ فسكتن» (١١).

стр. 2210

وقالت عائشة ﵂ (١): «وكان الناس يتحرون بهداياهم إلى رسول الله ﷺ يوم نوبتي، فغارت أم سلمة وصواحبها، وقلن: نكلم رسول الله ﷺ في ذلك يكلم الناس، ويقول: ألا من أراد أن يهدي هدية إلى رسول الله ﷺ فليهدها إليه حيث كان من بيوت نسائه، فكلّمته أم سلمة، فسكت (رسول الله) (٢) ﷺ ، فأعادت عليه القول مرة أخرى، فقال: «لا تؤذيني في عائشة» فقالت: يا رسول الله أتوب إلى الله» (٣). وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يقول لي (٤): «إني لأعلم إذا كنت عني راضية؛ فإنك تقولين إذا كنت راضية: لا ورب محمد! وإذا كنت غضبي قلت: لا ورب إبراهيم». فأقول له: نعم يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك فقط (٥). وقالت عائشة: «كان (٦) رسول الله ﷺ يسابقني؛ فأسبقه، فلما لحقني اللحم كان يسبقني» (٧). وقال أنس (٨): «لما (٩) قربت وفاة عائشة ﵂، قيل لها: ندفنك مع رسول الله ﷺ ، فقالت: إني أحدثت بعده أمورًا» (١٠). فلما توفيت سنة ثمان
следующие страницы →