← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الأمر من المسلمين، وكذلك في حديث ثمامة بن أثال الذي أسرته خيل النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ أمر بإدخاله المسجد وربطه في إحدى سواريه، وقد تقدم ذلك (١). الفائدة الثالثة: من سماحة الإسلام التي جاء بها النبي ﷺ أنه سمح لهم أن يؤدوا صلاتهم في مسجده ﵊. الفائدة الرابعة: هجرهم وعدم رد النبي ﷺ ، والتحدث معهم حين تكبروا ولبسوا ثياب الحرير وخواتم الذهب، فأظهر لهم بذلك أن عملهم ذلك محرم في شريعة المسيح، وفي شريعة الإسلام، وإن فاعله يجب هجره إن وجد إليه سبيل. الفائدة الخامسة: احتجاج وفد نجران على التثليث، بأن الله تعالى يقول: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، دليل على جهلهم بلغتهم العربية أو تجاهلهم، فإن الضمير في فعلنا ونفعل لا ينحصر في المتكلم ومعه غيره، بل يستعمل كذلك في كلام المعظم نفسه، والله تعالى عظيم يعظم نفسه ويعظمه الصالحون من خلقه، إلا أنهم لا يعظمونه بخطاب الجمع مراعاة لجانب التوحيد، وهذا واضح. الفائدة السادسة: حب عمر ﵁ أن يُرْسَلَ أميرًا مع وفد نجران لم يكن لغرض دنيوي، ولكن لما سمع النبي ﷺ يخبرهم أنه سيرسل معهم القوي الأمين، أحب أن يكون هو الموصوف بذلك، وإن فاتته هذه فله مناقب وفضائل أعظم منها، فهو أفضل الناس بعد أبي بكر الصديق باتفاق أهل السنة والجماعة. الفائدة السابعة: معنى الرب، هو المربي بنعمه، فكل من اعتقد فيه المشركون أنه يعطيهم الأولاد، أو يجعل الأم التي لا يعيش لها ولد يعيش أولادها، وتطول أعمارهم أو يأتي بالنصر على الأعداء، وهو غائب أو ميت، أو يقتل بهيمته من لا يخضع بعبادته، أو يمرضهم أو يعطي المطر، أو يحفظ المزروعات، أو يقضي الدين، أو يشفي المريض، أو ينور القلوب، ويخرجها من الضلال إلى الهدى إلى غير ذلك، فهو أحد أربابهم، فإن قال المشركون من أهل هذا الزمان: إنهم لا يسألون ذلك من المخلوقين! فإنَّ الموحدين كلهم وغير الموحدين من اليهود والنصارى والمشركين يكذبونهم، ودونك بعض الأدلة: قال أحد المشركين من أهل المغرب يطلب النصر على الفرنسيين من الإمام إدريس بن

стр. 247

عبد الله المدفون في زرهون من بلاد المغرب، لما حاصر الفرنسيون مدينة فاس: أمولاي يا إدريس يا ابن نبينا … وملجأ هذا القطر في العسر واليسر تكنفنا الأسد الضراة وإننا … على خطر إن لم تُغِثْنا على الفور والله تعالى يقول: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. الثاني: من عادة التيجانيين إذا فرغوا من قراءة «الوظيفة» أن ينشدوا هذه الأبيات بلسان واحد: يا أحمد التيجاني يا نور القلوب … أما ترى ما نحن فيه من كروب أما ترى الضيم الذي أصابا … وأنت غوث لم تزل مجابا العَجَلَ العَجَلَ بالإغاثه … يا من له كل العُلا وراثة ومن عادة الدرقاويين إذا فرغوا من قراءة (الحفيظة) أن ينشدوا بلسان واحد: تَشَفَّعْ يا رسول الله فينا … فما نرجو الشفاعة من سواكا أغث يا خير خلق الله قومًا … ضعافًا ظلهم أبدًا لواكا وأسرع في إغاثتنا فإنا … نرى المولى يسارع في رضاكا انظر آخر كتاب: «الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية» (١) وكذلك كتاب: «الإبريز في مناقب الشيخ عبد العزيز الدباغ» وكتاب: «الطبقات الكبرى» (٢) للشعراني وسائر كتب المتصوفة المتأخرين، فإنها مشحونة بالأدلة على أن مشركي هذا الزمان اتخذوا المخلوقين أربابًا من دون الله، وهذا خلاف الإسلام الذي جاء به جميع الرسل، وخاتمهم وأفضلهم محمد رسول الله ﷺ وعليهم السلام، وهذه الآية حُجَّة على كل مشرك من الأولين والآخرين، وقوله تعالى: ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ يعم جميع الأشياء من أهل السموات والأرض، لو كان المشركون يعقلون؛ لكفتهم هذه الآية. الفائدة الثامنة: قوله: «في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش»، معنى مادهم فيها أي تصالح معهم على المهادنة وترك المحاربة عشر سنين في غزوة الحديبية، فنقضت قريش هذه المعاهدة بعد مدة قليلة، فتوجه

стр. 248

النبي ﷺ إلى فتح مكة بعشرة آلاف مقاتل، وفتحها سنة ثمان للهجرة. الفائدة التاسعة: قال أبو سفيان: «ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها»، يعني: لقد وقعت بيننا وبينه معاهدة صلح وهدنة، لا ندري أيحافظ على المعاهدة أم يغدر، قال أبو سفيان: كنت حريصًا على أن أتنقص محمدًا ﷺ ، ولكنني خفت أن يكذبني أصحابي فلم أجد فرصة أدخل فيها شيئًا من التنقص والتشكيك إلا هذه الكلمة، يؤيده قوله فيما سبق: «فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عني كذبًا لكذبت عنه». الفائدة العاشرة: أول شيء بدأ به أبو سفيان في الجواب عما يأمر به النبي ﷺ قوله: يقول: «اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما كان يعبد آباؤكم»، فبدأ بالتوحيد الذي هو أول ما دعا إليه النبي ﷺ وأعظمه، وهو الأصل العظيم الذي يبنى عليه الإسلام، فمن جاء به وبمتممه وهو شهادة أن محمدًا رسول الله، ومات على ذلك، يرجى له الخير وإن قصر في بعض الأعمال، ومن لم يجئ به لا ينفعه عمل. الفائدة الحادية عشرة: قول هرقل لأبي سفيان: «إن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين»، يعني: إنْ كنتَ صادقًا فيما وصفت به هذا النبي، فإنه سينتصر هو ومن اتبعه من أمته علينا نحن معشر الروم، وعلى جميع أعدائه، وسيخرجوننا من بلاد الشام. قال محمد تقي الدين: وكذلك وقع، فإن عمر ﵁ أخرجهم من بلاد الشام، وسكنها المسلمون. الباب الرابع قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٥ - ٦٨].

стр. 249

قال (ك): «ينكر ﵎ على اليهود والنصارى (١) محاجتهم في إبراهيم الخليل ﵇، ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم كما قال محمد بن إسحاق بن يسار حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن (٢) ابن عباس ﵁ قال: اجتمعت نصارى نجران، وأحبار يهود، عند رسول الله ﷺ فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ (٣) الآية أي: كيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهوديًا وقد كان زمنه قبل أن تنزل التوارة على موسى، وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانيًا وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٤) ثم قال تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية، هذا الكلام على من حاج (٥) فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد ﷺ لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا يعلمون، فأنكر الله عليهم ذلك، وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها (٦)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ أي: متحنفًا عن الشرك، قاصدًا إلى الإيمان ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذه الآية كالتي تقدمت في سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول

стр. 250

تعالى: أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل، الذين اتبعوه (١) وهذا النبي، يعني محمدًا ﷺ والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بعدهم، وروى الترمذي وسعيد بن منصور والبزار وغيرهم عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لكل نبي ولاية من النبيين، فإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم ﵇ (٢). ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ولي جميع المؤمنين برسله» (٣). الباب الخامس قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩، ٨٠]. قال (ك): قال محمد بن إسحاق، بسنده عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني - يقال له: الرئيس -: أَوَ: ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال فقال رسول الله ﷺ : «معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني» (٤).

стр. 251

أو كما قال ﷺ ، فأنزل الله في ذلك من [قوله] (١): ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة، أن يقول للناس: اعبدوني من دون الله، أي مع الله، فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الحسن البصري: لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته، قال: وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضًا، يعني أهل الكتاب كانوا يعبدون (٢) أحبارهم ورهبانهم كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] وفي «المسند» والترمذي كما سيأتي أن عدي بن حاتم قال: يا رسول الله ما عبدوهم! قال: «بلى: إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم» (٣)، فالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذم

стр. 252

والتوبيخ بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين، فإنهم إنما يأمرون بما يأمر الله به وبلغتهم إياه رسله الكرام، وإنما ينهون عما نهاهم الله عنه وبلغتهم إياه رسله الكرام، فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، هم السفراء بين الله وبين خلقه في أداء ما حملوه من الرسالة، وإبلاغ الأمانة، فقاموا بذلك أتم القيام، ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق، وقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي: ولكن يقول الرسول للناس: كونوا ربانيين، قال ابن عباس وأبو رزين وغير واحد أي حكماء، علماء حلماء (١)،

стр. 253

وقال الحسن وغير واحد: «فقهاء» (١). وبمثل هذا قال أكثر السلف. قال محمد تقي الدين: يروى عن ابن عباس أنه قال: «الرباني: هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره» (٢)، ومعنى ذلك أنه يعلمهم المسائل السهلة قبل الصعبة، وقال الضحاك في قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾: حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهًا، ﴿تَعْلَمُونَ﴾ (٣)، أي: تفقهون معناه، وقرئ: تُعَلِّمُونَ بالتشديد (٤) من التعليم ﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ تحفظون ألفاظه، ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله: لا نبي مرسل، ولا ملك مقرَّب، ﴿أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير الله، ومن دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] وقال تعالى

стр. 254

إخبارًا عن الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] (١). قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام فوائد: الأولى: إن سبب نزول الآيتين أن أحبار اليهود والنصارى من أهل نجران اجتمعوا عند النبي ﷺ فقال اليهود: أتريد يا محمد أن نعبدك كما عبدت النصارى عيسى ابن مريم؟ فأنكر النبي ﷺ ذلك أشد الإنكار، وقال لهم: «معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني» (٢)، وهذا الذي قال النبي ﷺ ، هو قول جميع النبيين والمرسلين، وجميع عباد الله الصالحين، من لدن آدم إلى يوم القيامة. الثانية: إن النصارى الذين ينسبون إلى عيسى أنه أمرهم أن يتخذوه ربًا، كاذبون على عيسى بشهادة نصوص القرآن والأناجيل الأربعة التي ينسبون إليها ذلك، وعلى ما فيها من التحريف والتبديل والتغيير لا تزال فيها نصوص صريحة تشهد عليهم بأن عيسى قال لهم: إنما أنا بشر، ولا يعبد إلا الله، انظر كتاب «البراهين الإنجيلية» على أن عيسى داخل في العبودية، وبريء من الألوهية (٣)، لمؤلف هذا الكتاب، وقد أمر بطبعه رئيسنا الجليل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٤) أجزل الله ثوابه. وترجم بالإنجليزية، ونشر ضمن (المجلد الرابع) من

стр. 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 256

«ترجمة صحيح البخاري» للدكتور محمد محسن، فكل من نسب إلى نبي أو عبد صالح أنه يرضى بعبادة غير الله تعالى، فقد أساء إليه وكذب عليه. الثالثة: إن هؤلاء المشركين الذين يعبدون قبور الصالحين وأرواحهم ويزعمون أنهم بهذه العبادة ينالون رضا الله وقضاء حاجاتهم العاجلة والآجلة، ليس لهم علم ولا عقل، أما العلم؛ فلأن نصوص القرآن والسنة في غاية الوضوح دالة على أن من أشرك بالله في عبادته أو ربوبيته كافر يائس من رحمة الله في الدار الآخرة، خالد في جهنم أبدا، وقد ذكر الحافظ ابن كثير فيما نقلت عنه هنا بعض الآيات المصرحة بذلك، ولو لم يكن في القرآن من ذلك إلا هاتان الآيتان، لكانتا كافيتين في بيان ذلك لكل من يقرأ القرآن، ويعرف اللغة العربية، ولكن من طبع الله على قلبه وأعمى بصره، لا حيلة فيه. وأما العقل؛ فإن كل عاقل يعلم أن المتصرف في هذا العالم بالعطاء والمنع هو خالقه ، وأن المخلوق كيفما كانت منزلته عالية لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فكيف بغيره؟! إلا أن العقل وحده لا يستطيع أن يحقق التوحيد بدون الاستضاءة بأنوار الوحي، ولذلك لم

стр. 257

يجعله الله وحده حجة على الناس (١)، فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. الباب السادس قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٣ - ٨٥] يقول تعالى منكرًا على من أراد دينًا سوى دين الله الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، الذي ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: استسلم له من فيها ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (٢) الآية، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٨ - ٥٠]. فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه الله، والكافر مستسلم الله كرهًا فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع» (٣). ثم قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعني القرآن: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: من الصحف والوحي ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾ وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل - وهو يعقوب - الاثني عشر ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ يعني بذلك التوراة والإنجيل ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يعم جميع الأنبياء جملة

стр. 258

﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾. يعني: بل نؤمن بجميعهم ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم يصدقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية، أي: من سلك طريقًا سوى ما شرعه الله، فلن يقبل منه: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم بسنده عن أبي هريرة إذ ذاك ونحن بالمدينة، قال: قال رسول الله ﷺ : «تجيء الأعمال يوم القيامة، فتجيء الصلاة فتقول: يا رب أنا الصلاة، فيقول: إنك على خير، وتجيء الصدقة فتقول: يا رب أنا الصدقة، فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الصيام، فيقول: يا رب أنا الصيام، فيقول: إنك على خير، ثم يجئ الأعمال، كل ذلك يقول الله: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب أنت السلام، وأنا الإسلام، فيقول الله تعالى: إنك على خير، بك اليوم آخذ وبك أعطي، قال الله في كتابه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢). تفرد به أحمد» (٣). فائدة قال محمد تقي الدين دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه بعد بعثة محمد ﷺ هو الإسلام والإسلام الصحيح الذي يسعد صاحبه في الدنيا والآخرة هو الإسلام النقي الله تعالى إيمانًا وعبادة وإخلاصًا، فلا يتوجه العبد إلى غيره لطلب نفع أو لدفع ضر، ولا يتحاكم إلا إلى شرعه، ولا يرضى إلا به، أما

стр. 259

الإسلام الظاهر وهو الإنقياد للإسلام ظاهرًا مع إضمار الانحراف والتكذيب، فهو دين المنافقين، وهم في الدرك الأسفل من النار، وكذلك الإسلام الذي يشرك صاحبه بالله تعالى في عبادته بالدعاء والاستغاثة، والذبح، والنذر، والتوكل، والخوف والرجاء إلى غير ذلك من أنواع العبادات، فإنه لا ينفع صاحبه ولا ينجيه من الخلود في نار جهنم، كقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ومعنى حديث أبي هريرة: إن الأعمال كلها من صلاة وزكاة وصيام وحج وجهاد لا يتقبل شيء منها إلا مع الإسلام الصحيح، لقوله تعالى في الحديث: «بك اليوم آخذ، وبك أعطي» (١). الباب السابع - قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥] قال (ك) في تفسيرها: «قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: قل يا محمد: صدق الله فيما أخبر به، وفيما شرعه في القرآن ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: اتبعوا ملّة إبراهيم التي شرعها الله في القرآن على لسان محمد ﷺ ، فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]» (٢). اهـ. قال محمد تقي الدين وكل من عبد شيوخ الصوفية بالاستمداد منهم، أو عبد قبور الصالحين أو الطالحين بالذبح والنذر والطواف والتمسح وإقامة الأعياد حولها، فلم يتبع ملة إبراهيم، ولم يكن حنيفًا.

стр. 260

الباب الثامن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران : ١٠٢]. قال (ك): «قال ابن أبي حاتم: وذكر سنده إلى عبد الله بن مسعود «اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ» قال: «أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر» (١)». ثم قال: «وهذا إسناد صحيح موقوف، ورواه الحاكم في «مستدركه» مرفوعًا، وقال: صحيح على شرط الشيخين». قال (ك): «والأظهر، أنه موقوف، وقال جماعة من السلف إنها منسوخة (٢) بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] في سورة التغابن، وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. قال: «لم تنسخ، ولكن «حَقَّ تُقَاتِهِ» أي: يجاهدوا في سبيله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم» (٣)، وقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم؛ لتموتوا عليه فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه، أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك»، ثم قال: «قال الإمام أحمد (٤)، وذكر سنده إلى عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلْتُدْرِكُه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي (٥) إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه»» (٦).

стр. 261

فائدتان: قال محمد تقي الدين: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ليس المراد به الإسلام الظاهر فقط؛ لأنه لا ينجي صاحبه من عذاب الله ولا يوصله إلى رضوان الله، فإن المنافقين كانوا مسلمين فيما يظهر للناس، وهم كافرون، بل المراد: الإسلام بالقلب واللسان والجوارح، مع تحقيق التوحيد والبراءة من الشرك وأهله. فإذا عاش الإنسان على هذا الإسلام يرجى من فضل الله ورحمته أن يموت على ذلك، كما ذكره ابن كثير. الثانية: من المعلوم أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ من سورة التغابن وهي مكية، وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ من آل عمران، وهي مدنية، والآية المكية متقدمة على الآية المدنية، فكيف تنسخها؟! فالقول بالنسخ سهو (١)، والصواب أنها محكمة كما قال ابن عباس. اهـ.

стр. 262

سُورة النِّسَاءِ الباب الأول قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] قال (ك): «يأمر ﵎ بعبادته وحده لا شريك له، فإنه هو الخالق الرزاق المنعم المتفضل على خلقه في جميع (١) الحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئًا من مخلوقاته، كما قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: «أتدري ما حق الله على العباد؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا»، ثم قال: «أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم» (٢). ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن الله سبحانه جعلهما سببًا لخروجك من العدم إلى الوجود، وكثيرًا ما يقرن الله سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين، كقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] وكقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ثم عطف على الإحسان إليهما الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، كما جاء في الحديث: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة (٣). ثم قال تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى

стр. 263

وذلك لأنهم (١) فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم، فأمر الله بالإحسان إليهم، والحنو عليهم، ثم قال: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهم المحاويج من ذوي الحاجات، الذين لا يجدون من يقوم بكفايتهم، فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم، وتزول به ضرورتهم، وسيأتي الكلام على الفقير والمسكين في سورة براءة. وقوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: «وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى، يعني الذي بينك وبينه قرابة، وَالْجَارِ الْجُنُبِ الذي ليس بينك وبينه قرابة» (٢)، وكذا روي عن جماعة من مفسري السلف، وقال جابر الجعفي، عن الشعبي، عن علي وابن مسعود: «وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى يعني: المرأة»، وقال مجاهد أيضًا في قوله: وَالْجَارِ الْجُنُبِ يعني: «الرفيق في السفر»، وقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار، فلنذكر منها ما تيسر والله المستعان: الحديث الأول: قال البخاري ومسلم (٣) عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه». الحديث الثاني: روى الترمذي (٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره». قال الترمذي: حديث حسن غريب.

стр. 264

الحديث الرابع: قال الإمام أحمد (١) بسنده عن المقداد بن الأسود يقول: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «ما تقولون في الزنا؟» قالوا: حرام، حرمه الله ورسوله، وهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله ﷺ : «لأن يزني الرجل بعشر نسوة، أيسر عليه من أن يزني بحليلة جاره»، قال: «ما تقولون في السرقة؟» قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام إلى يوم القيامة، قال: «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات، أيسر عليه من أن يسرق من جاره». تفرد به أحمد، وله شاهد في «الصحيح» (٢) من حديث ابن مسعود: قلت: يا رسول الله! أيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» (٣). الحديث الخامس: قال أبو بكر البزار (٤) بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وهو أدنى الجيران حقًا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقًا، فأما الجار الذي له حق واحد، فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار، وأما الجار الذي له حقان، فجار مسلم، له حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق، فجار مسلم ذو رحم، له حق الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم».

стр. 265

الحديث السادس: روى أحمد والبخاري (١) عن عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ ، فقالت: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابًا». وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وصية بالأرقاء؛ لأن الرقيق ضعيف الحيلة (٢)، أسير في أيدي الناس، ولهذا ثبت أن رسول الله ﷺ جعل يوصي أمته في مرض الموت يقول: «الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم» (٣)، فجعل يرددها حتى ما يفيص بها لسانه. وقال الإمام أحمد بسنده عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة» (٤)، ورواه النسائي من حديث بقية، وإسناده صحيح، ولله الحمد. وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعطهم، فإن رسول الله ﷺ قال: «كفى المرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوتهم». رواه مسلم (٥). وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق»، رواه مسلم (٦). وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «هم إخوانكم (٧)،

стр. 266

جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» (١)، أخرجاه (٢). قال محمد تقي الدين: اشتمل هذا الباب أولًا، على توحيد الله في عبادته، والنهي عن الشرك به، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ جاءت ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي (٣)، تعم كل شيء من الملائكة، والأنبياء الصالحين، وغيرهم، ويشتمل على الحقوق الواجبة على الإنسان للأقارب والأباعد، ممن لهم به علاقة، وذلك من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشّيم، فمن وفى بذلك كان من خير خلق الله، وإذا وجدت أمة تحافظ على توحيد الله وهذه الأخلاق، تكون أسعد الأمم في دينها ودنياها وبالله التوفيق. اهـ. البَابُ الثَّانِي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء : ٤٨]. قال (ك): «قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية، وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]». قال محمد تقي الدين: قرئ عليّ تفسير ابن كثير لهذه الآية، فوجدت في النسخة التي بأيدينا حديثًا ذهب أوله، وأنا أحفظ هذا الحديث، ولكن لم أعتمد على حفظي، فنظرتُ في الجامع الصغير، فوجدت الأمر كما ظننت، فقد حذف في هذه النسخة، وهي مطبوعة في مطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة ١٣٧٢ هـ. الطبعة الثانية، وقد كتب في أول صفحة ما نصه: «قوبلت هذه الطبعة على عدة نسخ خطية بدار الكتب المصرية، وصححها نخبة من العلماء»، فأقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، كيف تتفق عدة نسخ خطية على إسقاط ثلاث وعشرين كلمة من الحديث؟ وكيف جاز على نخبة من العلماء أن لا يتفطنوا إلى هذا الخلل؟ والحقيقة: أن الكتب التي يطبعها التجار مضيعة، فلا مقابلة فيها ولا تصحيح،

стр. 267

وبذلك يقع التغيير والتبديل والحذف، فلا تكاد تجد في أكثر بلاد المسلمين مطبعة واحدة يوثق بها! على حين المطابع في البلاد الأوروبية يبذل أهلها أقصى العناية بكل ما يطبعونه، فكثير من المطابع في البلاد الأوروبية وبجرمانية يعلن أصحابها في كل كتاب يطبعونه، أن كل من وجد لهم خطأ في مطبوعاتهم، يعطونه خمسمائة مارك! فشتان ما بين الفريقين - والساقط من هذا الحديث في هذه النسخة، هو من أوله إلى قوله: «وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به» وسأثبته كاملًا فأقول: قال صاحب «الجامع الصغير» في حرف الدال (١): «الدواوين ثلاثة، فديوان لا يغفر الله منه شيئًا، وديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك منه شيئًا، فأما الديوان الذي لا يغفر الله منه شيئًا، فالإشراك بالله، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك إن شاء ويتجاوز، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا، فمظالم العباد، بينهم القصاص لا محالة». «حم ك» يعني: أخرجه الإمام أحمد والحاكم (٢). اهـ. ثم قال (ك): الحديث الثاني: قال البزار (٣) وذكر سنده عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «الظلم ثلاثة، فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يترك الله منه شيئًا، فأما الظلم الذي لا يغفره الله، فالشرك، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ﴾

стр. 268

عَظِيمُ وأما الظلم الذي يغفره الله، فظلم العباد لأنفسهم، فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه، فظلم العباد بعضهم بعضًا، حتى يدين لبعضهم من بعض. الحديث الثالث (١): قال الإمام أحمد في «مسنده»: إن أبا ذر حدثه عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يقول: يا عبدي ما عبدتني وما رجوتني فإني غافر لك على ما كان منك، يا عبدي إنك إن لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لقيتك بقرابها مغفرة» (٢)، تفرد به أحمد من هذا الوجه. الحديث [الرابع] (٣): أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم (٤) عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ قال: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق»، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق ثلاثًا»، ثم قال في الرابعة: «على رغم أنف أبي ذر». قال: فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره، وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر وكان أبو ذر يحدث بهذا بعد، ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر (٥)، وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (٦). اهـ. قال محمد تقي الدين: قول النبي ﷺ : «ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة» يجب أن يقيد بما دلت عليه الأدلة الأخرى،

стр. 269

ويفهم منها شروط ثلاثة: أولها: أن يقولها بلسانه، إن كان قادرًا. وثانيها: أن يعرف معناها ويعتقده بقلبه. ثالثها: أن يعمل بمقتضاها. أما قولها بدون مراعاة هذه الشروط، فلا تنفع صاحبها شيئًا؛ لأن المنافقين كانوا يقولونها بألسنتهم، وهم في الدرك الأسفل من النار، وهم شر من الكفار والمسيئين لكفرهم، ونرى في هذا الزمان كثيرًا من الناس يقولون: لا إله إلا الله، وهم يشركون بالله، بالدعاء، والذبح والنذر والحلف، والخوف بالغيب، والتوكل، والرجاء، والصدقة لغير الله، والاستغاثة بغير الله، والاستعاذة بغيره، والتحاكم إلى غير شرعه، وتحليل ما حرم الله، إلى غير ذلك من أعمال الكفر، وبعض هؤلاء يجهل معناها، فيظن أن الإله المنفي فيها هو الرب الخالق الرازق المحيي المميت! وهذا جهل عظيم، فإن هذا توحيد الربوبية، وقد كان المشركون في زمان النبي ﷺ يوحّدون الله تعالى في ربوبيته، ويشركون به في عبادته، فلم ينفعهم ذلك التوحيد شيئًا، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣]. الباب الثالث قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٧ - ٨٨]. قال (ك): «اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات، وتضمن قسمًا لقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وهذه اللام موطئة للقسم، فقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر وقسم، أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أي: لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه» (١)، ثم يقول تعالى منكرًا على المؤمنين في اختلافهم

стр. 270

في المنافقين على قولين (١)، واختلف في سبب ذلك، فقال الإمام أحمد (٢) بسنده عن زيد بن ثابت: إن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فرقتين فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، هم المؤمنون، فأنزل الله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ فقال رسول الله ﷺ : «إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث [الحديد]» (٣) أخرجاه في «الصحيحين» (٤)، وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في وقعة أحد أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش، رجع بثلاثمائة، وبقي النبي ﷺ في سبعمائة» (٥). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم﴾ أي: ردهم [ودفعهم] (٦) في الخطأ (٧). وقال قتادة: أهلكهم (٨) وقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بسبب عصيانهم، ومخالفتهم الرسول، واتباعهم الباطل، قوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي: لا طريق إلى الهدى ولا مخلص له إليه (٩). قال محمد تقي الدين: أخبر الله تعالى وهو أصدق القائلين، أنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، أي: لا يعبد سواه، ولا يتخذ إله غيره، ومن دعا غير الله أو استغاث به أو طلب المدد منه كهداية القلوب وانشراح الصدور، أو نذر لغيره، أو ذبح له، وتمسح به، فقد اتخذه إلهًا من دون الله، ونقض معنى لا إله إلا الله جهلًا أو عنادًا فلا ينفعه قولها، وعداوة المنافقين واجبة، فمن اتخذهم أولياء فقد تعرض لسخط الله تعالى وغضبه، قال تعالى في سورة التوبة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣].

стр. 271

الباب الرابع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. قال (ك): «قال قتادة: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله (١). وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [ثم أفلح] (٢) حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان (٣). وكذا روى العوفي عن ابن عباس ﵁ أنه قال في هذه الآية: تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا، فقضى الله بينهم فقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] الآية، وخير بين الأديان، فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٤).

стр. 272

ثم قال ﵀: «ومعنى (١) هذه الآية: إن الدين ليس بالتحلّي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال، وليس كل من ادعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال إنه هو على الحق (٢) سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان، ولهذا قال (٣) بعده: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. وقد روي أن هذه الآية لما نزلت، شق ذلك على كثير من الصحابة، قال الإمام أحمد (٤) وذكر سنده عن أبي بكر، قال: يا رسول الله، كيف الفلاح بعد هذه الآية ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]؟! فكل سوء عملناه جزينا به فقال النبي ﷺ : «غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟! ألست تنصب؟! ألست تحزن؟! ألست تصيبك الأدواء (٥)؟» قال: بلى، قال: «فهو مما (٦) تجزون به». اهـ. قال محمد تقي الدين الدين إسلام الوجه الله تعالى، واتباع ملة إبراهيم الحنيفية، لا يجتمع أبدًا مع دعاء غير الله وعبادة القبور والاستمداد من أرواح الشيوخ، بل هذا ضد الحنيفية.

стр. 273

الباب الخامس قوله تعالي: ﴿ياأهل الكتاب لا تغلوا فِي دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فَآمِنُوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما فِي السماوات وما فِي الأرض وكفى بالله وكيلا (١٧١) لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (١٧٢) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (١٧٣) ياأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (١٧٤) فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم فِي رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما﴾ [النساء: ١٧١ - ١٧٥﴾ ] قال (ك): ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى (١)، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة، إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه - وأتباعه (٢) ممن زعم أنه على دينه - فادعوا فيهم العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقا أو باطلا، أو ضلالا أو رشادا، أو صحيحا أو كذبا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، الآية. وقال الإمام أحمد (٣) وذكر سنده عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله»، قال علي بن المديني: هذا حديث صحيح سنده (٤).

стр. 274

ورواه البخاري، ولفظه: «فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». وقال الإمام أحمد (١): بسنده عن أنس بن مالك، أن رجلًا قال: يا محمد، يا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول الله ﷺ : «أيها الناس، عليكم بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ». وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، أي: لا تفتروا عليه، وتجعلوا له صاحبة وولدًا، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وتنزَّه وتقدَّس وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه، ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: إنما هو عبد من عباد الله، وخلق من خلق الله (٢) قال له: كن، فكان، ورسول من رسله، ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾، أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه (٣)، وكانت تلك التي نفخها في جيب درعها، فنزلت حتى ولجت فرجها، بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق الله ، ولهذا [قيل] (٤) لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب تولد منه؛ وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له: بها كن، فكان، والروح التي أرسل بها جبريل، قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢] إلى آخره. وقد بين ابن أبي

стр. 275

حاتم بسنده عن شاذان بن يحيى يقول في قول الله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى (١)، وهذا أحسن مما ادعى ابن جرير في قوله: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أي أعلمها بها (٢)، كما زعمه في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] أي: يعلمك بكلمة منه، ويجعل ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم فنفخ فيها بإذن الله، فكان عيسى ﵇. وقال البخاري (٣)، بسنده عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، و [أنّ] (٤) النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من «العمل»، وقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أي من خلقه، ومن عنده، وليست مِنْ للتبعيض كما تقوله النصارى (٥)، بل هي لابتداء الغاية، كما في الآية الأخرى، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣] وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: فصدقوا بأن الله واحد أحد، لا ولد له، ولا صاحبة (٦)، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ أي: لا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وهذه الآية والتي في سورة المائدة حيث يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، وكما قال في آخر السورة المذكورة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] الآية.

стр. 276

وقال في أولها: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] الآية، فالنصارى من جهلهم ليس لهم ضابط ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم باطلة، وضلالهم منتشر، فمنهم من يعتقده إلهًا، ومنهم من يعتقده شريكًا، ومنهم من يعتقده ولدًا، وهم طوائف كثيرة، لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة، ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولًا، ولقد ذكر بعض علمائهم المشاهير عندهم، وهو سعيد بن بطريق، في حدود سنة أربعمائة من الهجرة النبوية، أنهم اجتمعوا المجمع الكبير، الذي عقدوا فيه الأمانة الكبيرة التي لهم، وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة، وذلك في أيام قسطنطين باني المدينة المشهورة، وأنهم اختلفوا عليه اختلافًا لا ينضبط ولا ينحصر، فكانوا أزيد من ألفي أسقف فكانوا أحزابًا كثيرة، كل خمسين منهم على مقالة وأزيد من ذلك وأنقص، فلما رأى [منهم عصابة] (١) قد زادوا على الثلاثمائة [بثمانية] (٢) عشر نفرًا، قد توافقوا على مقالة، فأخذها الملك ونصرها وأيدها وكان فيلسوفًا داهية، وترك ما عداها من الأقوال، وانتظم دستور أولئك الثلاثمائة والثمانية عشر، وبنيت لهم الكنائس، ووضعوا لهم كتبًا وقوانين، وأحدثوا فيها الأمانة التي يلقنونها الولدان من [الصغار يعتقدوها] (٣)، ويعمدونهم عليها وأتباع هؤلاء هم (الملكية) (٤)، ثم إنهم اجتمعوا مجمعًا ثانيًا فحدث فيهم (اليعقوبية) (٥)، ثم مجمعًا ثالثًا فحدث فيهم (النسطورية) (٦)، وكل هذه الفرق

стр. 277

تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح، ويختلفون في كيفية ذلك، وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم هل اتحدا أو ما اتحدا أو امتزجا، أو حل فيه؟ على ثلاث مقالات، وكل منهم يكفّر الفرقة الأخرى (١)، ونحن نكفر الثلاثة، ولهذا

стр. 278

قال تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ (١)، ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع ما فيها عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد؟ كما قال في الآية الأخرى ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ (٨٨) ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥] (٢). قال محمد تقي الدين: في هذا الباب فوائد: الأولى: غلو النصارى في عيسى ابن مريم ﵇، وهذا الغلو لا يقبله أي عقل سليم، ولا يتفق أبدا مع الفطرة التي فطر الله عليها عباده، فإن عيسى بشر ولدته امرأة، فتعالى الذي خلق السموات والأرض أن يكون في رحم امرأة، ثم يربى بالرضاعة والرعاية، ويجوع ويأكل، ويعطش ويشرب، ويتعب ويركب، ويمرض ويشفى، ولكن الدعاية الفاسدة تفسد فطرة بني آدم، وتمسخ عقولهم حتى يعتقدوا مثل هذه العقيدة، انظر كتابي البراهين الإنجيلية على أن عيسى داخل في العبودية ولا حظ له في الألوهية (٣). الثانية: تأمل قول النبي محمد ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٤). والحديث الذي بعده، ومع ذلك غلب الجهل على قوم فأطروه وعصوه، وقال قائلهم (٥):

стр. 279

لولاه لم تخرج الدُّنيا مِنَ العَدَمِ (١) وقال: يا أكرمَ الخَلْقِ ما لي مَنْ أَلوذُ به … سواك عند حلول الحَادِثِ العممِ فإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنيا وضَرَّتَها … ومنْ عُلومك علم اللوح والقلم وقال فيما تخيله في شركه وجهله: ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه … وجدته لخلاصي خيرَ مُلْتَزم ومن يستطيع تخليص بني آدم من شدائدهم وكربهم وأمراضهم ومصائبهم إلا الله سبحانه لا شريك له، ومن الغريب أن هؤلاء الجهال من جهة يغلون في النبي ﷺ حتى يصفوه بصفات الله تعالى من علم الغيب، وكونه موجودًا في السموات والأرض، يجيب المضطر إذا دعاه، ويغيث من استغاث به، ويتصرف في ملكوت الله، بل وصفوا غيره من الصالحين وغير الصالحين بمثل ذلك، ومن جهة يخالفون سنته، ويعصون أمره، ولا يحكمون شريعته، ويعادون من اتبع سنته. الثالثة: لماذا سُمِّي عيسى كلمة الله وروح الله؟ بينه الحافظ ابن كثير غاية البيان، فأما كونه كلمة الله، فلأنه خلقه بكلمة ﴿كُنْ﴾ فهو من تسمية المسبب باسم السبب، وأما كونه، روح الله، فالإضافة هنا، إضافة تشريف وتكريم، كقولنا: رسول الله، وولي الله، وبيت الله، وناقة الله، فإن الله تعالى جل وتقدس أن يحل في خلقه، أو يحل فيه شيء من خلقه، فهو مستو على عرش، مباين لخلقه.

стр. 280

سورة المائدة الباب الأول قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٧، ١٨] قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا وحاكيًا لكفر (١) النصارى في اعتقادهم (٢) في المسيح ابن مريم - وهو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه - أنه هو الله، تعالى [الله] عن قولهم علوًا كبيرًا، ثم قال مخبرًا عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي لو أراد ذلك، فمن ذا الذي كان يمنعه منه؟ أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك؟ ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: جميع الموجودات ملكه وخلقه، وهو القادر على ما يشاء، لا يسأل عما يفعل لقدرته وسلطانه وعدله وعظمته، وهذا رد على النصارى (٣)، ثم قال تعالى ردًّا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أي: نحن

стр. 281

منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم، أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: «أنت ابني بكري» فحملوا هذا على غير تأويله، وحرفوه، وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى من كتابهم أن عيسى قال لهم: «إني ذاهب إلى أبي وأبيكم»، يعني: ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة، ما ادعوه في عيسى ﵇، وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه، وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. قال الله تعالى رادًا عليهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُم﴾ أي: لو كنتم كما تدعون أبناءه وأحباءه، فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟ وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه، فتلا عليه الصوفي هذه الآية: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُم﴾ وهذا الذي قاله حسن، وله شاهد في «مسند الإمام أحمد» (١)، وذكر سنده عن أنس قال: مر النبي ﷺ في نفر من أصحابه، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: «أي ابني». وسعت فأخذته، فقال القوم يا رسول الله! ما كانت هذه لتلقي ولدها في النار، قال: فخفضهم النبي ﷺ فقال: «لا والله ما يلقي [الحبيب] (٢) حبيبه في النار». قال محمد تقي الدين في هذا الكلام اختلال، وهو هكذا في النسخة التي بين أيدينا (٣)، والمعنى: - إن الله يحب عباده الصالحين، فلا يلقيهم في النار. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: لكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا

стр. 282

«بَيْنَهُمَا» أَيْ: الْجَمِيعُ مُلْكُهُ، وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ. وَ «إِلَيْهِ الْمَصِيرُ» أَيْ: الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ إِلَيْهِ، فَيَحْكُمُ فِي عِبَادِهِ بِمَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ. (١). قال محمد تقي الدين: لله در الحافظ ابن كثير! ما أوسع اطلاعه! فمع تبحره في علوم الكتاب والسنة والتاريخ، درس عقيدة النصارى واليهود فصار يرميهم بأحجارهم، ويأخذهم بإقرارهم. ونص ترجمة ما جاء في الإنجيل: « … إن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم». اهـ. فقوله: «وإلهي وإلهكم». يثبت أن الله ربه وربهم، وكلهم عبيده فلا فرق بين المسيح وبين أتباعه في العبودية. الثانية: وجه استنباط هذا الصوفي ما استنبطه من الآية، أن اليهود والنصارى زعموا أنهم أحباء الله، فكذبهم الله تعالى وأقام البرهان على كذبهم بتعذيبه إياهم في الدنيا بالمصائب، وفي الآخرة بعذاب النار كما يعذب غيرهم، فعلم من ذلك أن الحبيب لا يعذب حبيبه. الثالثة: حديث الإمام أحمد في قصة المرأة التي خافت على ولدها أن يطأه الجيش، أذكر أني رأيت هذا الحديث في بعض كتب الحديث بغير هذا اللفظ ومعنى ما رأيته أن النبي ﷺ لما رأى المرأة تسعى لتأخذ ولدها قال لأصحابه: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟» قالوا: لا يا رسول الله قال: «فإن الله أرحم بعبده المؤمن من هذه بولدها» (٢) قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣، ٤٤]. الباب الثاني قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ

стр. 283

نَادِمِينَ (٥٢) ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أَعْمَالُهُمْ فأصبحوا خَاسِرِينَ (٥٣) يَاأَيُّهَا الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يُجَاهِدُونَ في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (٥٤) إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (٥٥) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (٥٦) يَاأَيُّهَا الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (٥٧)﴾ [المائدة: ٥١ - ٥٧] قال (ك): «ينهى ﵎ عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام (١)، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم (٢) بسنده عن عياض، أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر! وقال له (٣): هل أنت قارئ لنا كتابا في المسجد جاء من الشام؟ فقال: إنه لا يستطيع، فقال عمر: أجنب هو؟ قال: لا، بل نصراني! قال: فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال: أخرجوه، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ ثم روى ابن أبي حاتم (٤) بسنده

стр. 284

عن محمد بن سيرين قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر! قال: فظنناه يريد هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك وريب ونفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم، أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك، عند ذلك قال تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾. قال السدي: يعني: فتح مكة، وقال غيره: يعني: القضاء والفصل ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ قال السدي: يعني ضرب الجزية على اليهود والنصارى ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ يعني: الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ من الموالاة ﴿نَادِمِينَ﴾ أي: على ما كان منهم مما لم يُجْدِ عنهم شيئًا، ولا دفع عنهم محذورًا، بل كان عين المفسدة، فإنهم فُضِحُوا، وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين، بعد أن كانوا مستورين لا يدرى كيف حالهم، فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم، تبين أمرهم لعباد الله المؤمنين. فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين ويحلفون على ذلك ويتأولون، فبان كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾. قال ابن جريج عن مجاهد: «فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده تقديره حينئذ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾» (١). وروى ابن جرير (٢) في سبب.

стр. 285

نزول هذه الآية، أنه لما وقعت الحرب بين النبي ﷺ وبين بني قينقاع من يهود المدينة؛ جاء عبادة بن الصامت ﵁ وكان حليف بني قينقاع في الجاهلية - إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني أبرأ من بني قينقاع، وأتولى الله ورسوله، وجاء عبد الله بن أبي - رأس المنافقين - فأخبر النبي ﷺ أنه ثابت على موالاة حلفائه في الجاهلية، بني قينقاع، ففيهما نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى﴾، إلى ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١). قال (ك): يقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة، أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير له (٢) منه، وأشد منعة وأقوم سبيلًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: ٣٨] وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٦، ١٧] أي: بممتنع ولا صعب، وقال تعالى ههنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أي: يرجع عن الحق إلى الباطل، قال الحسن البصري: نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه، رواه ابن أبي حاتم (٣)، وقال [أبو بكر بن عياش] (٤) في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ هم أهل القادسية، وقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ هذه صفات المؤمنين الكمل، أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] (٥)، وقوله : ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ أي: لا يردهم عما هم فيه من
следующие страницы →