منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم، أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: «أنت ابني بكري» فحملوا هذا على غير تأويله، وحرفوه، وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى من كتابهم أن عيسى قال لهم: «إني ذاهب إلى أبي وأبيكم»، يعني: ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة، ما ادعوه في عيسى ﵇، وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه، وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.
قال الله تعالى رادًا عليهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُم﴾ أي: لو كنتم كما تدعون أبناءه وأحباءه، فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟ وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه، فتلا عليه الصوفي هذه الآية: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُم﴾ وهذا الذي قاله حسن، وله شاهد في «مسند الإمام أحمد» (١)، وذكر سنده عن أنس قال: مر النبي ﷺ في نفر من أصحابه، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: «أي ابني». وسعت فأخذته، فقال القوم يا رسول الله! ما كانت هذه لتلقي ولدها في النار، قال: فخفضهم النبي ﷺ فقال: «لا والله ما يلقي [الحبيب] (٢) حبيبه في النار».
قال محمد تقي الدين في هذا الكلام اختلال، وهو هكذا في النسخة التي بين أيدينا (٣)، والمعنى: - إن الله يحب عباده الصالحين، فلا يلقيهم في النار. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: لكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا
стр. 282
«بَيْنَهُمَا» أَيْ: الْجَمِيعُ مُلْكُهُ، وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ. وَ «إِلَيْهِ الْمَصِيرُ» أَيْ: الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ إِلَيْهِ، فَيَحْكُمُ فِي عِبَادِهِ بِمَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ. (١).
قال محمد تقي الدين: لله در الحافظ ابن كثير! ما أوسع اطلاعه! فمع تبحره في علوم الكتاب والسنة والتاريخ، درس عقيدة النصارى واليهود فصار يرميهم بأحجارهم، ويأخذهم بإقرارهم. ونص ترجمة ما جاء في الإنجيل:
« … إن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم». اهـ. فقوله: «وإلهي وإلهكم». يثبت أن الله ربه وربهم، وكلهم عبيده فلا فرق بين المسيح وبين أتباعه في العبودية.
الثانية: وجه استنباط هذا الصوفي ما استنبطه من الآية، أن اليهود والنصارى زعموا أنهم أحباء الله، فكذبهم الله تعالى وأقام البرهان على كذبهم بتعذيبه إياهم في الدنيا بالمصائب، وفي الآخرة بعذاب النار كما يعذب غيرهم، فعلم من ذلك أن الحبيب لا يعذب حبيبه.
الثالثة: حديث الإمام أحمد في قصة المرأة التي خافت على ولدها أن يطأه الجيش، أذكر أني رأيت هذا الحديث في بعض كتب الحديث بغير هذا اللفظ ومعنى ما رأيته أن النبي ﷺ لما رأى المرأة تسعى لتأخذ ولدها قال لأصحابه: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟» قالوا: لا يا رسول الله قال: «فإن الله أرحم بعبده المؤمن من هذه بولدها» (٢) قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣، ٤٤].
الباب الثاني
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ
стр. 283
نَادِمِينَ (٥٢) ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أَعْمَالُهُمْ فأصبحوا خَاسِرِينَ (٥٣) يَاأَيُّهَا الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يُجَاهِدُونَ في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (٥٤) إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (٥٥) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (٥٦) يَاأَيُّهَا الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (٥٧)﴾ [المائدة: ٥١ - ٥٧]
قال (ك): «ينهى ﵎ عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام (١)، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم (٢) بسنده عن عياض، أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر! وقال له (٣): هل أنت قارئ لنا كتابا في المسجد جاء من الشام؟ فقال: إنه لا يستطيع، فقال عمر: أجنب هو؟ قال: لا، بل نصراني! قال: فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال: أخرجوه، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ ثم روى ابن أبي حاتم (٤) بسنده
стр. 284
عن محمد بن سيرين قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر! قال: فظنناه يريد هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك وريب ونفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم، أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك، عند ذلك قال تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾. قال السدي: يعني: فتح مكة، وقال غيره: يعني: القضاء والفصل ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ قال السدي: يعني ضرب الجزية على اليهود والنصارى ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ يعني: الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ من الموالاة ﴿نَادِمِينَ﴾ أي: على ما كان منهم مما لم يُجْدِ عنهم شيئًا، ولا دفع عنهم محذورًا، بل كان عين المفسدة، فإنهم فُضِحُوا، وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين، بعد أن كانوا مستورين لا يدرى كيف حالهم، فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم، تبين أمرهم لعباد الله المؤمنين. فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين ويحلفون على ذلك ويتأولون، فبان كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾. قال ابن جريج عن مجاهد: «فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده تقديره حينئذ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾» (١). وروى ابن جرير (٢) في سبب.
стр. 285
نزول هذه الآية، أنه لما وقعت الحرب بين النبي ﷺ وبين بني قينقاع من يهود المدينة؛ جاء عبادة بن الصامت ﵁ وكان حليف بني قينقاع في الجاهلية - إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني أبرأ من بني قينقاع، وأتولى الله ورسوله، وجاء عبد الله بن أبي - رأس المنافقين - فأخبر النبي ﷺ أنه ثابت على موالاة حلفائه في الجاهلية، بني قينقاع، ففيهما نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى﴾، إلى ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١).
قال (ك): يقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة، أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير له (٢) منه، وأشد منعة وأقوم سبيلًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: ٣٨] وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٦، ١٧] أي: بممتنع ولا صعب، وقال تعالى ههنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أي: يرجع عن الحق إلى الباطل، قال الحسن البصري: نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه، رواه ابن أبي حاتم (٣)، وقال [أبو بكر بن عياش] (٤) في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ هم أهل القادسية، وقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ هذه صفات المؤمنين الكمل، أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] (٥)، وقوله : ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ أي: لا يردهم عما هم فيه من
стр. 286
طاعة الله، وإقامة الحدود، وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم، ولا عذل عاذل، قال الإمام أحمد (١) وذكر سنده عن أبي ذر قال: «أمرني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحب المساكين، والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش». وقال الإمام أحمد (٢) بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق، أن يقول بحق، أو أن يذكر بعظيم»، تفرد به أحمد.
وروى أحمد وابن ماجه (٣) بسندهما عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى إنه ليسأله يقول له: أي عبدي أرأيت منكرا فلم تنكره؟ فإذا لقن الله عبدا حجته، قال: أي رب! وثقت بك، وخفت الناس». وثبت في «الصحيح»: «ما ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه» قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال: «يتحمل من البلاء ما لا يطيق» (٤). ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ
стр. 287
يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من اتصف بهذه الصفات، فإنما هو من فضل الله عليه، وتوفيقه له: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك ممن (١) يحرمه إياه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهي له وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين، ومساعدة للمحتاجين، من الضعفاء والمساكين، وأما قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع، أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى، وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرًا عن علي بن أبي طالب، أن هذه الآية نزلت فيه، وذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه، فأعطاه خاتمه» (٢). اهـ.
قال محمد تقي الدين: وذكر (ك) آثارًا تدل على أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب حين أعطى المسكين خاتمه وهو راكع، وقال: إنه لا يصح شيء منها (٣). وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت ﵁، حين تبرأ من حلف اليهود ورضي بولاية الله (٤) ورسوله والمؤمنين، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ﴾.
= وابن ماجه (٤٠١٦)، وأحمد (٥/ ٤٠٥)، والبزار (٢٧٩٠)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٨٦٦، ٨٦٧)، وابن عدي (٦/ ٢٣٠٧)، وأبي الشيخ في «الأمثال» (١٥١)، والبيهقي في «الشعب» (١٠٨٢٤)، والبغوي (٣٦٠١) من حديث حذيفة، وفي الباب عن ابن عمر وعلي، وجوده العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (١/ ١٥٢)، وذكره شيخنا الألباني في «الصحيحة» (٦١٣).
стр. 288
آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢١، ٢٢]، فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١).
«وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ الآية وهذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله من الكتابيين والمشركين الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون، وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة، المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، ويتخذونها هزوًا، يستهزؤون بها، ﴿وَلَعِبا﴾ يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد، كما قال القائل (٢):
وَكَمْ مِنْ عائِبٍ قولًا صحيحًا … وَآفَتُهُ مِنْ الفَهْمِ السَّقِيمِ
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ﴾ ﴿مِنْ﴾ ههنا لبيان الجنس كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] وقرأ بعضهم (٣): «وَالْكُفَّارِ»، بالخفض عطفًا، وقرأ آخرون بالنصب على أنه معمول: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء﴾ (٤) وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: اتقوا الله أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدينكم أولياء، إن كنتم مؤمنين (٥) بشرع الله الذي اتخذه هؤلاء هزوًا ولعبًا، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ
стр. 289
اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] (١).
قال محمد تقي الدين: قول النبي ﷺ : «فإذا لقن الله عبده حجته، قال: أي رب، وثقت بك، وخفت الناس … » (٢) وثبت في «الصحيح» إلى آخره .. في هذا دليل على لطف الله ورحمته بعباده، فمن عجز عن تغيير المنكر بيده أو بلسانه، ورأى أن ذلك يوصله إلى الهلاك ترك التغيير باليد واللسان، واكتفى بتغيير المنكر بقلبه (٣)، والله يعذره بعجزه وضعفه.
«يقول تعالى حاكمًا بتكفير فرق النصارى من الملكية، واليعقوبية، والنسطورية ممن (١) قال منهم بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوًا كبيرًا، هذا وقد تقدم [أن المسيح] (٢) عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد، أن قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، ولم يقل: إني أنا الله، ولا ابن الله، بل قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] إلى أن قال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته، آمرًا لهم بعبادة الله ربه وربهم وحده لا شريك له، ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: فيعبد معه غيره ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ أي: فقد أوجب له النار، وحرم عليه الجنة، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] وقال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] وفي «الصحيحين» (٣) أن النبي ﷺ بعث مناديًا ينادي في الناس: «إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة»، وفي لفظ: «مؤمنة» (٤) وتقدم في أول سورة النساء عند قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] حديث يزيد بن أبي موسى عن عائشة: «الدواوين ثلاثة … »، فذكر منهم: «ديوانًا لا يغفره الله هو الشرك بالله». قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ والحديث في «مسند أحمد» (٥)، ولهذا قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي: وما لهم (٦) عند الله ناصر ولا معين ولا منقذ مما هم فيه» (٧)(٨).
стр. 293
قوله تعالي: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾.
قال (ك): اختلفوا - أي المفسرون -، فقيل: المراد بذلك كفرهم (١) في قولهم بالأقانيم الثلاثة، وهي (٢): أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، قال ابن جرير (٣) وغيره: والطوائف الثلاثة من الملكية، واليعقوبية، والنسطورية (٤)، تقول بهذه الأقانيم، وهم مختلفون فيها اختلافًا متباينًا (٥)، فكل (٦) فرقة منهم تكفّر الأخرى، والحق أن الثلاث كافرة، وقال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار، قال السدي: وهي كقوله تعالى في آخر السورة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وهذا القول هو الأظهر والله أعلم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: ليس متعددًا، بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات، ثم قال تعالى متوعدًا لهم ومتهدّدًا: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: هذا الافتراء والكذب: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي في الآخرة (٧)، ثم قال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه، مع هذا الذنب العظيم وهذا الافتراء والكذب والإفك يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه، وقوله (٨) تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: له سوية (٩) أمثاله
стр. 294
من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩].
وقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي: مؤمنة به، مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدل على أنها ليست بنبية، كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى، استدلالًا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيًا إلا من الرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِم مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري ﵀ الإجماع على ذلك (١)، وقوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ أي: يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة (٢)، ثم قال تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: نوضحها ونظهرها: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون؟ وبأي قول يتمسكون؟ وإلى أي مذهب من الضلال يذهبون؟» (٣).
وقال (٤) تعالى منكرًا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ومبينًا له أنها لا تستحق شيئًا من الإلهية فقال تعالى (٥): ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم، ودخل في ذلك النصارى وغيرهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر على دفع ضر عنكم، ولا إيصال نفع إليكم (٦). ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوال عباده العليم بكل شيء، فلم عدلتم عنه إلى عبادة جماد لا يسمع.
стр. 295
ولا يبصر ولا يعلم شيئًا، ولا يملك ضرًا ولا نفعًا لغيره ولا لنفسه، ثم قال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية كما صنعتم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء، فجعلتموه إلهًا من دون الله، وما ذلك إلا لاقتدائكم [بشيوخكم] (١)، بشيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا: ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال» (٢). اهـ.
قال محمد تقي الدين: رأيت من المفيد لمن يقرأ هذا الكتاب، أن أنقل بعض الأدلة من الأناجيل الأربعة التي يؤمن بها النصارى في هذا الزمان، وهي واضحة الدلالة على أن عيسى عبد الله ورسوله، وليس إلهًا ولا ابن الله (٣):
الأول: في (الباب التاسع عشر) من «إنجيل متى» (رقم ١٦ و ١٧): «وإذا واحد تقدم وقال له: أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟ فقال له: لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله». اهـ. ففي قوله: «لا صالح إلا واحد وهو الله». اعتراف بعبودية المسيح الله تعالى؛ لأنه أراد بالصالح الكامل الذي لا يعتريه النقص بحال، وليس ذلك إلا لله تعالى.
وفي (الفصل ٢١) من «إنجيل متى» (رقم ٤٦): «وإذ كانوا يطلبون أن يمسكوه خلفوا من الجموع؛ لأنه كان عندهم مثل نبي». وهذا من أقوى الحجج على القائلين بألوهيته لو كانوا يعقلون!!
وفي إنجيل متى (الفصل ٢٣ رقم ٨): «وأما أنتم فلا تدعوا أحدًا سيدكم، فإن سيدكم - حتى المسيح - واحد يعني: وهو الله؛ لأن المسيح نهى الرجل أن يسميه سيدًا، وأخبر أن السيد هو الله تعالى، وكل من سواه حتى المسيح عبيد، وقد حرفت هذه الآية في الترجمة العربية، أما الترجمة الإنجليزية
стр. 296
فليس فيها تحريف (١).
وفي (رقم ٩) من إنجيل متى: «ولا تدعوا لكم أبًا على الأرض؛ لأن أباكم واحد، وهو الذي في السماء». اهـ.
ومن ذلك تعرف أن الأبوّة والبنوّة بمعنى العلاقة بين الرب والعبد ثابتة في الإنجيل لجميع الناس، لا خصوصية للمسيح في ذلك.
وفي (الفصل ٢٤ رقم ٣٦) «أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلمها أحد من الناس، ولا ملائكة السماء، ولكن أبي وحده هو يعلمها». فهذا دليل قاطع على أن تلك الساعة لا يعلمها أحد إلا الله، ففيه دليل على أن علم المسيح قاصر كسائر البشر، والله وحده هو الذي أحاط بكل شيء علمًا.
стр. 297
وفي (الفصل ٢٠ رقم ١٦) من «يوحنا»: «قال لها يسوع: يا مريم، فالتفتت تلك، وقالت له: ربُّوني، ومعناه: يا معلم، قال يسوع: لا تلمسيني؛ لأني لم أصعد بعد إلى أبي، ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم، فجاءت مريم المجدلية، وأخبرت التلاميذ أنها رأت السيد، وأنه قال لها ذلك». اهـ.
أقول: فقد شهد المسيح أن الله إلهه وإلههم، ولا فرق بينه وبينهم في العبودية، فمن زعم أن المسيح إله فقد كذَّب المسيح، وكذب جميع الأنبياء والمرسلين.
قال محمد تقي الدين: ولم أنقل هنا كل (البراهين) التي في «الأناجيل»، وهي تدل دلالة قطعية على عبودية المسيح، وأن الألوهية خاصة بالله سبحانه، ولا حظ فيها للمسيح، ولكن القسيسين والرهبان يخدعون أتباعهم، ويضلونهم وهم يعلمون أنهم كاذبون خادعون.
الباب الرابع
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]
قال (كه): «قال البخاري بسنده عن سعيد بن المسيب قال: «البحيرة: التي يمنح درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء» (١) اهـ. قال صاحب «اللسان»: «ومنه - أي البحر، بمعنى الشق - قيل للناقة التي كانوا يشقون في أذنها شقًا بحيرة، وبَحَرْتُ أُذُنَ الناقة بحرًا: شققتها وخرقْتُها، ابن سيده: بَحْرَ الناقة والشاة يَبْحَرُها بَحْرًا: شق أذنها بنصفين، وقيل: بنصفين طولًا، وهي البحيرة، وكانت العرب تفعل بهما ذلك إذا نتجتا عشرة أبطن، فلا يُنتفع منهما بلبن ولا ظهر، وتُترك البحيرة ترعى [وتشرب] (٢) الماء، ويُحرّم لحمها على النساء، ويحلّل للرجال، فنهى الله تعالى
стр. 298
عن ذلك فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ ثم قال: قال أبو إسحاق النحوي: أثْبَتُ ما [رويناه] (١) عن أهل اللغة في البحيرة، أنها الناقة كانت إذا نُتِجَتْ خمسة أبطن فكان آخرها ذكرًا، بحروا أذنها، أي: شقوها وأَعْفُوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تذاد (٢) عن ماء ترده، ولا تمنع من مرعى، وإذا لقيها المعيى المنقطع (٣) به لم يركبها، وجاء في الحديث (٤): «إن أول من بحر البحائر، وحمى الحامي، وغير دين إسماعيل، عمرو بن لحي» (٥). اهـ. كلام «لسان العرب».
قال محمد تقي الدين وفيما نقله ابن منظور صاحب «اللسان» عن اللغويين هنا تناقض، فقد نقل عن بعضهم أن لحم البحيرة يحرم على النساء دون الرجال عند أهل الجاهلية، ونقل عن أبي إسحاق النحوي، أنهم لم يكونوا يذبحونها، يعني: لم يكونوا ينحرونها، فإن الإبل لا تذبح وإنما تنحر، وفيه تناقض آخر، وهو أن بعضهم قال: إذا نتجت عشرة أبطن، وأبو إسحاق قال: إذا نتجت خمسة أبطن، ثم قال: (ك): قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب» (٦).
و (الوصيلة): الناقة تبكر في أول نتاج الإبل، ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر.
و (الحام): فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه وَدَعُوه للطواغيت وأعفوه عن الحمل، فلم يحمل عليه شيء، وسموه الحامي. كذا رواه
стр. 299
مسلم والنسائي) (١). ثم قال (ك): فعَمرو هذا هو ابن لُحي بن قَمَعة أحد رُؤساء خُزاعة الذين وَلُوا البَيتَ بعد جُرهم، وكان أوّل من غَيّر دين إبراهيم الخليل فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرب بها، وشَرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، كما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] إلى آخر الآيات.
وأما (السائبة)، فقال محمد بن إسحاق: هي الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ذكر، سُيّبَتْ فلم تركب، ولم يُجَز وبرها، ولم يحلب لبنها إلا لضيف. اهـ (٢). وهناك أقوال في تفسير السائبة ذكرها (ك)، تركتها اختصارًا. ثم قال (ك): «وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: ما شرع الله هذه الأشياء، ولا هي عنده قُربة، ولكن المشركين افتروا ذلك، وجعلوه شَرعًا لهم، وقُربة يتقربون بها، وليس ذلك بحاصل لهم، بل هو وبال عليهم» (٣).
قال محمد تقي الدين: كل من أشرك بالله، وعبد معه غيره من المخلوقين، سواء كان ملكًا مُقربًا، أو نبيًا مُرسلًا، أو صالحًا تقيًا، يَخْتَل دينه وعقله حتى يهبط إلى عبادة الحيوان الأعجم، كأهل الهند الوثنيين الذين يعبدون البقرة الأنثى ولا يعبدون الثور، ويعبدون الفروج، وعبادة الحيوان الأعجم شائعة عند المشركين في كل زمان ومكان، فقد حدثني شيخنا الورع التقي الزاهد محمد سيدي بن حبيب الله (٤) - رحمة الله عليه - أن أحد العلماء في بلاد شنقيط كان
стр. 300
له بقر كثير وله رعاة، وكان يتفقد هذا البقر الفينة بعد الفينة، فذهب ذات يوم ليتفقد بقره، فرأى الرعاة يمتاحون الماء من البئر ليملؤوا الحوض الذي يرده البقر، ويمنعون البقر من الورود حتى يمتلئ الحوض، إلا بقرة واحدة فإنها تقدمت لتشرب فلم يمنعها أحد، فقال للراعي: امنع تلك البقرة حتى ترد مع سائر البقر، فقال: يا سيدي هذه البقرة فيها بركة، فقد جربنا أننا كلما زجرناها أو ضربناها تموت بقرة أخرى! فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويلكم، بلغ بكم الجهل إلى عبادة البقر، اضربها، فضربها، فماتت بقرة أخرى فأخبروه بذلك، فقال: اضربوها كل يوم ولو فني البقر كله، فضربوها للمرة الثانية فماتت بقرة أخرى، ثم صاروا يضربونها فلا يموت شيء من البقر. ورأيت في مصر ثيرانا وعجولا مسيبة معظمة، تفعل كل يوم جرائم في المزارع، وفي داخل البيوت، فلا يتعرض لها أحد بسوء، يسمى كل واحد منها (عجل السيد) - الجيم ينطق بها كافا» معقودة في الوجه البحري، أي الشمال، وجيما عربية في الوجه القبلي، أي الجنوب، وهذا عيب في عامة القراء والخطباء والمذيعين من المصريين، قل من يهتم به منهم، يغيرون نطق هذا الحرف بحرف عجمي، لا وجود له في اللغة العربية الفصحى، حاشا قراء القرآن، فإنهم ينطقون بها نطقا صحيحا - ثم نعود إلى الكلام على (عجل السيد)، فقلت لهم: وما معنى عجل السيد؟ قالوا: ينذر الواحد من الناس إن ولدت له بقرته عجلا أن يهبه للسيد أحمد البدوي المدفون في طنطا، وله موسم سنوي تشارك فيه الحكومة باحتفال عظيم، يحضره عشرات الألوف حتى يموت بعض الناس من الزحام، وتكتب رقاع الشكايات والرغبات وتلقى في مكان معلوم في التابوت الذي على قبره (١)، ولا يكاد يغير هذا المنكر إلا القليل من علماء مصر، وتجيء البغايا
стр. 301
لحضور هذا الموسم فيتصدقن بفروجهن كما أخبرني بذلك الشيخ عبد الرحمن حسن رحمة الله عليه أخبرني أن ( … .) زنى بامراة عند ضريح البدوي، ثم اجتمعنا بـ ( … .) وهو أشيب، فسأله عن ذلك؟ فأقر به، وقد شاع عندهم أن كل من زنى في هذا الموسم عند قبر البدوي من الرجال والنساء فذنبه مغفور؛ لأن السيد أحمد البدوي بحر، والبحر لا تؤثر فيه النجاسة، وهذا الأمر قديم.
فقد ذكر الشعراني في الطبقات الكبرى أن فقيهًا كان ينكر على الفساق ما يرتكبونه من الفواحش عند ضريح البدوي، فأنكر عليهم ذات يوم ثم رجع إلى بيته، فقدموا له سمكًا، فأخذ يأكل، فغُصَّ بعظم صغير من عظام السمك، ووقف في حلقه لا يصعد ولا يهبط، ثم تعفن الجرح فصار الصديد يخرج من فمه ولا يستطيع أن يأكل شيئًا، وإنما يتغذى بقليل من لبن الحليب وبقي على ذلك سنتين، فخطر في باله أن سبب هذه المصيبة إنكاره على الفساق فجورهم عند قبر السيد أحمد البدوي فتاب إليه وندم، ففي الحال سقط صبي من الدرج إلى أسفل، فصاح الرجل صيحة عظيمة، فخرج العظيم وبرئ الجرح (١)، وهذا شر من عبادة أهل الهند للبقرة.
أما (عجل السيد) فلا يزال يعيث فسادًا في البساتين والبيوت، ينطح الصغار، ويأكل كلَّ ما وجد إليه سبيلًا، وهو مقدس، لا يضرب ولا يمس بسوء الناس كلهم يقدمون له العلف فيسمن سمنًا فاحشًا، حتى أنهم يضربون به المثل فيقال: «فلان سمين زي عكل السيد» يعني مثل عجل السيد، فإذا تم نموه ساقوه باحتفال عظيم إلى ضريح السيد أحمد البدوي وذبحوه قربانًا له، وهذا من أعظم الجهل والكفر. ولما هدى الله أهل الريرمون من صعيد مصر في مديرية أسيوط، بدعوتي (٢) سنة ١٣٤١ هـ كانت عندهم عجول وثيران منذورة للسيد أحمد البدوي، فسألوني: ماذا يصنعون بها، أيذبحونها الله ويوزعون لحمها على الفقراء؟ فقلت لهم: لا تذبحوها لئلا
стр. 302
يوسوس لكم الشيطان فتقصدوا بها المخلوق، بل بيعوها وتصدقوا بثمنها على الفقراء.
ومن عبادة البهائم: ما حكى لي ثقة من أهل طرابلس الغرب، أنه كان هناك شيخ صوفي منقطع هو وأصحابه للعبادة، وكان له حمار يبعثه كل يوم يدور في القرية وعليه خرج، فيمر على البيوت فيضع أهل كل بيت في الخرج ما تيسر من الطعام، ثم يرجع الحمار بذلك الطعام إلى الشيخ فيأكله هو والمريدون، فلما مات الشيخ وتفرق تلاميذه بقي الحمار بلا عمل، فأخذ أهل القرية يقدمون له العلف ويتبركون به، فلما مات دفنوه وبنوا عليه قبة، وصاروا يعبدون قبره.
ومن ذلك أن رجلا فرنسيا كان في المغرب يملك أراضي واسعة في زمان الاستعمار، وكان له كلب عزيز عنده فمات ذلك الكلب فدفنه، وجصص قبره وبنى عليه قبة، فلما ثار المغاربة على الفرنسيين، وأخذوا يقتلونهم حيثما وجدوهم، وهرب ذلك الفرنسي إلى فرنسة، فلما استقل المغرب واستقرت أحواله وعم فيه الأمن، رجع ذلك الفرنسي إلى أرضه فوجد الجهال يعبدون ضريح الكلب بالذبح والنذر والاحتفال، ويشغلون قطعة من أرضه التي حول القبة، فكلمهم برفق وطلب منهم أن يخرجوا من أرضه، فغضبوا وأرادوا أن يبطشوا به، فذهب إلى رئيس الشرطة وأخبره، وقال له: إن هؤلاء القوم استولوا على قطعة من أرضي وزعموا أن هناك قبر ولي من الأولياء، فأرجو أن تبعث معي بعض رجالك لنبش قبره، فإن وجدنا فيه آدميا رجلا أو امرأة، فالأرض كلها لهم، وإن وجدنا كلبا يتركون أرضي ويعلمون أنهم كانوا يعبدون قبر كلب، فبعث معه بعض رجاله، ونبشوا القبر، فوجدوا المدفون فيه كلبا.
ومن ذلك أن معلمة اسمها خديجة النعيمي - المعلمة في مدينة الدار البيضاء من المملكة المغربية - كانت تسير مع نسوة جاهلات، فمررن بكوم من حجارة، فأخذت النسوة يقبلن الأحجار، ويقلن: (انتاع الله الله يا للا حمارة) معناه: أعطينا شيئا لوجه الله يا سيدتنا الحمارة يعنين الأتان أنثى الحمير، قالت: فقلت لهن: أتتخذن الأولياء حتى من الحمير؟ قالت: فغضبن وقلن لي: احذري نقمتها، إنها ولية كبيرة، تقضي الحاجات، فكتبت خديجة النعيمي مقالا يتضمن هذه القصة، وقالت فيه: أيها العلماء! اتقوا الله وعلموا الناس أمور دينهم، فقد أهملتموهم حتى صاروا يعبدون الحمير، فكتبت أنا مقالا طويلا
стр. 303
نشرته صحيفة «العلم» (١) موزّعًا على ثلاثة أجزاء، بيَّنتُ فيه توحيد الله تعالى، ولم يستجب لدعوتها أحد غيري.
ومن ذلك أن صخرة فاتنة (٢) خارجة عن الماء بقرب شاطئ طنجة، يسميها الجهال: (سيدي ميمون) ويعبدونها بالذبح والنذر، وسبب معرفتي لهذا: أني ركبت سيارة حافلة من طنجة إلى تطوان، وكان بقربي شاب وبجانبه زوجته، سلّم علي فلم أعرفه، فقال لي: أنا واحد من الذين يحضرون دروس وعظك في الجامع الأعظم بتطوان، وهذه زوجتي، وإذ كنا لا يعيش لنا ولد، نذرت زوجتي إن ولد لنا ولد أن تذبح لسيدي ميمون في كل سنة شاة ما دام حيًا، فولد لنا ولد وقد كاد يتم السنة الأولى من عمره، وهي تطالبني بالذبيحة، فقلتُ لها - حسب ما سمعت منك - إن هذا شرك، وإنه لا يتصرف في الخلق بالإحياء والإماتة إلا الله، فلم تقتنع، فأرجو أن تكلمها لعل الله يهديها، فكلمتها مدة ساعة إلى أن وصلنا تطوان، ولا أدري هل نفعها الله بما قلت لها أم لا؟
ومن ذلك أن بئرًا في القصر الكبير في شمال المغرب يقصدها كل من يحس بوجع رأسه، ويطلب من ساكنها - ميمون بن شمهروش أمير الجن - الشفاء، إلى غير ذلك، فهؤلاء بلغوا في الجهل والشرك بالله أكثر مما بلغه المشركون الأولون.
الباب الخامس
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ
стр. 304
الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٨].
قال (ك): «هذا أيضًا مما يخاطب الله به عبده ورسوله عيسى ابن مريم قائلًا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا تهديد للنصارى، وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد، هكذا قاله (١) قتادة وغيره.
واستدل قتادة على ذلك بقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] وقال السدي: هذا الخطاب والجواب في الدنيا، قال ابن جرير: هذا هو الصواب، وكان ذلك حين رفعه إلى السماء الدنيا، واحتج ابن جرير (٢) على ذلك بمعنيين:
أحدهما: إن الكلام بلفظ المضي.
والثاني: قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾. وهذان الدليلان فيهما نظر؛ لأن كثيرًا من أمور القيامة ذكر بلفظ الماضي ليدل على الوقوع والثبوت، ومعنى قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية التبري منهم، ورد المشيئة فيهم إلى الله، وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه، كما في نظائر ذلك من الآيات، والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر - والله أعلم - أن ذلك كائن يوم القيامة، ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة) (٣).
قال محمد تقي الدين: تقدم (٤) أن النسخة التي بأيدينا من «تفسير ابن كثير» فيها اختلال في مواضع متعددة، وقد نظرت في نسخة أخرى مطبوعة في بيروت فوجدتها مختلة أيضًا، ولذلك سأتكلم في تفسير ما بقي من هذه الآيات بما يفتح الله به، فأقول: يسأل الله تعالى عيسى ابن مريم يوم القيامة وهو عليم بما وقع توبيخًا للنصارى وتكذيبًا لهم ليفضحهم على رؤوس الأشهاد، وليتبرأ عيسى مما نسبوه إليه كذبًا وزورًا، وقد تقدم نقل ما في «أناجيلهم» مما بقي من الحق، ولم يشمله التحريف والحذف والتبديل ما يشهد عليهم بالكذب، وهو موافق لما
стр. 305
جاء به القرآن فيا حسرتهم وندامتهم حين يسمعون جواب عيسى وهو يقول: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: أنزهك عن الشريك ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾ أي: لا يجوز لي ولا ينبغي لي: ﴿أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ﴾ وهو اتخاذهم لي ولأمي إلهين من دون الله ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ فأنت تعلم أني لم أقل ذلك ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ لأنك بكل شيء عليم ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ وإنما أعلم ما علمتني ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ولا يعلم الغيب أحد سواك ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وقد تقدم ما نقلناه من الإنجيل مما يطابق ما هو في القرآن من توحيد الله في ربوبيته وفي عبادته، ثم قال: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أي: كنت شاهدًا على بني إسرائيل مدة بقائي معهم ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ أي: المكث والمدة التي قضيت لي أن أكون معهم ورفعتني إليك ﴿كُنْتَ أَنْتَ﴾ وحدك ﴿الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ تعلم ما يفعلون ولم يبق لي أنا علم بأعمالهم، فإن قيل: قوله: ﴿تَوَفَّيْتَنِي﴾ دليل على موت عيسى كما تدّعي النصارى واليهود، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] فالجواب: إن التوفي في لغة العرب لا يدل دائمًا على الموت، قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠] فالتوفي هنا بمعنى النوم.
وكذلك قوله تعالى في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] أخبر الله سبحانه أنه يقبض أرواح الناس بالموت وبالنوم، فالأرواح التي قبضها بالموت يمسكها إلى أجل مسمى، وهو يوم القيامة، ثم يردها إلى أجسادها لتجزى على أعمالها، وأما التي يقبضها بالنوم، فإنه يرسلها بالاستيقاظ من النوم، فتبين أنه لا حجة لهم في الآيتين. فالتوفي في الحقيقة هو استيفاء المدة، أي: إتمامها وإكمالها، ثم قال تعالى حكاية عن عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ ولا حق لي أنا فيهم ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب، القاهر ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذين لا يفعل شيئًا إلا لحكمة ظاهرة للناس أو خفية عنهم، قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] والصادقون هم الذين صدقوا الله ووحدوه واتبعوا رسله، فهؤلاء هم الذي يستحقون المغفرة والرحمة، أما المشركون فإنهم لا يستحقون إلا العذاب، لقوله تعالى في سورة
سورة الأنعام
الباب الأول
قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٣ - ١٩]
قال (ك): «ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي (١): كل دابة في السموات والأرض، الجميع عباده وخلقه وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، لا إله إلا هو. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم، ثم قال تعالى لعبده ورسوله محمد ﷺ الذي بعثه بالتوحيد العظيم، وبالشرع القويم، وأمره أن يدعو الناس إلى صراط الله المستقيم: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] والمعنى لا أتخذ وليًا إلا الله وحده لا شريك له، فإنه فاطر السموات والأرض، أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق، ﴿وَهُوَ
стр. 308
يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي: هو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الآية [الذاريات: ٥٦] وقرأ بعضهم ههنا: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي: لا يأكل، وفي حديث ابن أبي صالح، عن أبي هريرة (١) ﵁ قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ﷺ على طعام، فانطلقنا معه، فلما طعم النبي ﷺ وغسل يديه، قال: «الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم، ومن علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا من الشراب، وكسانا من العري وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد الله غير مودع ربي ولا مكافئ ولا مكفور ولا مستغنى عنه، الحمد لله أطعمنا من الطعام وسقانا من الشراب وكسانا من العري، وهدانا من الضلال وبصرنا من العمى، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلًا، الحمد لله رب العالمين» (٢).
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ أي: من هذه الأمة، ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ يعني: يوم القيامة ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ أي: العذاب ﴿يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾؛ يعني: فقد ﵀: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ كقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] والفوز (٣) حصول الربح ونفي الخسارة» (٤).
ويقول تعالى مخبرًا أنه مالك الضر والنفع، وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ
стр. 309
لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] وفي «الصحيح» (١) أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي: هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وركبريائه وعظمته وعلوه وقدرته (٢) الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ أي: في جميع [أفعاله] (٣) ﴿الْخَبِيرُ﴾ [بمواضيع (٤) الأشياء ومحالها فلا يعطي إلا من يستحق] (٥) ثم قال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ أي: من أعظم الأشياء شهادة؟ ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: هو العالم بما جئتكم به، وما أنتم قائلون لي ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: وهو نذير لكل من بلغه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] قال ابن [أبي] (٦) حاتم وذكر سنده إلى محمد بن كعب في قوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾: «من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي ﷺ ، زاد أبو خالد: وكلمه» (٧)، وقال عبد الرزاق: عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أن رسول الله ﷺ قال: «بلغوا عن الله، فمن بلغه آية من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله» (٨). وقال الربيع بن أنس: حق على من اتبع رسول الله ﷺ أن يدعو كالذي دعا رسول الله ﷺ ، وأن ينذر بالذي أنذر (٩)، وقوله: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ أيها المشركون ﴿أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً
стр. 310
قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ كقوله: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (١).
قال محمد تقي الدين: في هذا الباب فوائد:
الأولى: أن قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ هو من السكنى، أي: له ما حل في الليل والنهار.
الثانية: معنى: ﴿أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ أي: أتولاه بالعبادة والطاعة والخوف والرجاء والرغبة والرهبة والتوكل والدعاء والاستعانة والاستغاثة والمحبة والذبح والنذر والصلاة وسائر أنواع العبادة، لا أجعل لغيره شيئًا منها، فالمسلم المحقق للتوحيد ليس له ولي إلا الله، والمشرك المتهوك يتخذ أولياء من دون الله، يستغيث بهم في الشدائد، ويرجوهم ويخافهم، وقد نهى الله عن اتخاذ الأولياء من دونه في مواضع كثيرة من القرآن، سيأتي ذكرها في مواضعها إن شاء الله.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كل من تيقن أنه لا ينفع إلا الله، ولا يضر إلا الله، ولا يعطي إلا الله، ولا يمنع إلا الله، وأن غير الله لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فكيف يملكه لغيره؟ كل من تيقن ذلك، فلا بدّ أن يخلص التوحيد لله، ولا يصرف شيئًا من أنواع العبادة لغيره أبدًا، ومن زعم أنه متيقن ذلك، وتعلق بالأضرحة زاعمًا أنه لا يطلب منهم جلب نفع ولا دفع ضر، وإنما يتبرك بزيارة تلك الأضرحة، ويدعو الله عندها فإنه يخادع نفسه ويخادع الموحدين، ويتملق لعباد القبور؛ لأن الدعاء الذي يرجى قبوله، يكون في جوف الثلث الأخير من الليل، وهو ساجد في صلاته، ويكون في سجود الصلوات المفروضة في المساجد، ولا يكون عند الأضرحة والأوثان المزخرفة المشيدة التي يرتكب عندها الشرك من ذبح ونذر وطواف وتقبيل واستغاثة واختلاط الرجال بالنساء، فهذه الأماكن لا ينال زائرها إلا سخط الله وغضبه، فمن قدر أن يغير المنكر بهدمها أو تنفير الناس منها، فليذهب إليها بهذا القصد، ومن عجز عن ذلك، فليغير هذا المنكر بلسانه أو بقلبه.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ الخطاب
стр. 311
للنبي ﷺ ، والمراد بالإسلام هنا إسلام القلب والجوارح بالقصد والتوجه لله وحده لا شريك له في العبادة والدعاء، وكل مقومات التوحيد المضادة للشرك، وقد تقدم مثل ذلك في مواضع من كتاب الله، وسيأتي إن شاء الله، وليس المراد الإسلام الظاهر فقط، الذي يشترك فيه المؤمن والمنافق.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ حجة للحنفاء الذين يدعون إلى اتباع كتاب الله وبيانه من سنة رسوله ﷺ ، وينبذون التقليد والتفرق في الدين، فكل من بلغه القرآن وجب عليه اتباعه إلى يوم القيامة، ومثل هذا قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥] وقوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣، ٤٤] والمراد بالوحي: القرآن والسنة الصحيحة التي هي بيانه.
الباب الثاني
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٤]
قال (ك): يقول تعالى مخبرًا عن المشركين: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يوم القيامة، فيسألهم عن الأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها (١) قائلًا لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كقوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: حجتهم ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ قال الضحاك: عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: حجتهم ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. وقال ابن جرير: «والصواب لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم اعتذارًا عما (٢) سلف من الشرك بالله ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٣). وقال ابن أبي حاتم وذكر
стр. 312
سنده إلى ابن عباس: «إنه أتاه رجل فقال: سمعت الله يقول: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ قال: أما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم إذا (١) رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، فقالوا: تعالوا فلنجحد، فيجحدون، فيختم الله على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون الله حديثًا، فهل في قلبك الآن شيء؟ [لأنه] (٢) ليس من القرآن شيء إلا ونزل (٣) فيه شيء، ولكن لا تعلمون وجهه (٤). وقوله سبحانه: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ كقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ [غافر: ٧٣، ٧٤] (٥).
الباب الثالث
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١] قال (ك): يخبر تعالى أنه الفعال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا معقب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه، بل هو وحده لا شريك له الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء، ولهذا قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ أي: أتاكم هذا أو هذا ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على رفع (٦) ذلك سواه، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: في اتخاذكم آلهة معه، ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ أي: في وقت الضرورة لا
стр. 313
تدعون أحدًا سواه، وتذهب عنكم أصنامكم وأندادكم كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] (١).
فائدة :
قال محمد تقي الدين: دلت هذه الآية وآيات أخرى في معناها على أن المشركين الذين كانوا في زمان النبي ﷺ كانوا يشركون مع الله غيره في العبادة في وقت الرخاء، أما في وقت الشدة فكانوا لا يدعون إلا الله لكشف ما نزل بهم من الضر؛ لأنهم يعلمون مما بقي عندهم من دين إبراهيم وإسماعيل، أن الشرك بدعة وكفر لا يرضاه الله تعالى، ويعلمون أن معبوديهم ولو كانوا ملائكة أو أنبياء أو صالحين لا يستطيعون كشف ذلك الضر فيخلصون الدعاء لله، فإذا ذهب الضر عنهم وأمنوا واطمأنوا رجعوا إلى الشرك.
أما المشركون في هذا الزمان، فإنهم يشركون بالله غيره من أوثانهم وأوليائهم الذين اتخذوهم آلهة في الرخاء وفي الشدة، بل منهم من يخلص الدعاء كله في الشدائد لغير الله تعالى، ولا يذكر الله أصلًا، وأنا بنفسي وقع لي مثل هذا لما كنت مشركًا، وأنا قد ناهزت الاحتلام، كنت مع رفيق في السفر، وأحسست - بل تيقنت - أنه يأتمر مع جماعة بقتلي وسلب مالي، انتبذت مكانًا بعيدًا، وجلست أستغيث بالأولياء، وكلما استغثت بواحد منهم خططت في الأرض خطًا، فلما فرغت من الاستغاثة عددت الخطوط، فوجدتها أربعة وثمانين خطًا، ولم أستغث بالله، ولكن الله علم أني جاهل فرحمني وأغاثني، وظننت أنا في ذلك الوقت أن أولئك الأولياء هم الذين أغاثوني، وهم في الدار الآخرة لا علم لهم بما وقع لي ولا باستغاثتي بهم، ولو علموا ما قدروا أن يعملوا شيئًا، كما قال تعالى في سورة فاطر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣، ١٤].
ومرة كنت أطالع كتابًا في مدينة وجدة وقد انتصف الليل وانقضت الشمعة التي كنت أطالع على ضوئها، فخرجت مسرعًا لعلي أجد دكانًا مفتوحًا لأشتري منه شمعة، وبعد لأي وجدت دكانًا مفتوحًا فاشتريت الشمعة ورجعت بها مسرعًا
стр. 314
متلهفًا لإكمال مطالعة الكتاب، وكنت في طريقي أسمع الطوافين يسألون الصدقات متوسلين بأسماء الأولياء، هذا يقول: من يعطيني صدقة لوجه الشيخ عبد القادر الجيلاني، والآخر يقول: لوجه فلان والثالث يقول: لوجه فلان، وبعضهم يقول: لوجه الله، فلم أعبأ بهم، ولما وصلت البيت وأردت أن أفتحه سمعت طوافًا من بعيد يقول: من يعطيني صدقة لوجه سيدي أحمد التيجاني، فرجعت وأعطيته صدقة، ففي ذلك الوقت كانت رغبتي ورهبتي للشيخ التيجاني أكثر من رغبتي ورهبتي الله، والمشركون في هذا الزمان إذا حلفت لهم ألف يمين بالله لا يصدقونك، وإذا حلفت لهم بشيخك يصدقون، وفي هذا دليل على أنهم يخافون ويرجون شيوخهم أكثر من خوفهم ورجائهم الله، ويحكى أن قومًا كانوا في سفينة فاختل سير السفينة، وبدأت تغرق فأخذ ركاب السفينة يصرخون ويستغيثون بأوليائهم من دون الله، وكان معهم عالم سلفي ساكت فقالوا له: أيها الشيخ ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا تستغيث؟ فقال: أسأل الله أن يغرقكم وأنا معكم، فقالوا له: أما تخاف الله؟ أتدعو علينا بهذا الدعاء؟ فقال: إنكم تستحقون الإغراق؛ لأنكم أعرضتم عن الله الذي بيده ملكوت السموات والأرض، وأخذتم تستغيثون بالمخلوقين الذين لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا.
الباب الرابع
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦، ٤٧]
يقول الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المكذبين المعاندين: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ أي: سلبكم إياها كما أعطاكموها، [كما قال تعالى] (١): ﴿هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [الملك: ٢٣] (٢) وقال:
стр. 315
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] وقوله: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم به﴾ أي: هل أحد غير الله يقدر على رد ذلك إليكم إذا سلبه الله منكم؟ لا يقدر على ذلك أحد سواه، ولهذا قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: نبينها ونوضحها ونفسّرها، دالة على أنه لا إله إلا الله وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال: ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي: ثم هم مع هذا البيان يصدفون، أي: يعرضون عن الحق ويصدون الناس عن اتباعه (١).
فائدة
قال محمد تقي الدين: إيجاد المخلوقين كلهم، واستمرار وجودهم، وإمدادهم بالقوى التي يحتاجون إليها من سمع وبصر وعقل وحركة وفهم وعلم، كل ذلك بيد الله، فمن علم وتيقن أن ذلك بيد الله، لم يخف مخلوقًا، ولم يرغب مخلوقًا، ولم يتوجه إلى مخلوق بطلب، ومن أشرك مع الله غيره، يتشتت همه، ويتوجه قلبه إلى غير الله تعالى من المعبودين، فيخسر في دنياه وفي أخراه، فمن خاف الله وحده خوف الله منه كل شيء، ومن خاف غير الله ورجا غير الله ولم يخف الله خوفه الله من كل شيء، وقد ذكر الحافظ ابن كثير في أخذ السمع والأبصار وجهين: أحدهما أن تذهب أسماعهم والأبصار فيصيرون عميًا وصمًا، والثاني أن يحرموا الانتفاع الشرعي بالسمع والبصر، فينتفعون بأسماعهم وأبصارهم في أمور دنياهم، ولا ينتفعون بها في أمور دينهم.
أقول: لا مانع أن يراد المعنيان جميعًا؛ لأن الله تعالى يملكهما جميعًا كما يملك القلوب من كل وجه.
فائدة أخري
ذكر الله تعالى في الآية الثانية نوعين من العذاب، أحدهما يأتي بغتة، والآخر يأتي جهرة، والعذاب الذي أصاب المسلمين في هذا الزمان وجللهم خزيًا وعارًا في قضية فلسطين والاستعمار، وتسلط أعداء الإسلام عليهم من الداخل والخارج يسومونهم سوء العذاب من النوع الذي جاء جهرة، ومع ذلك لا يزالون معرضين عن الله، عن شرعه وتوحيده وطاعته واتباع رسوله ﷺ ، فنسأل الله العافية.
стр. 316
الباب الخامس
قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١، ٥٠].
قال (ك): «يقول الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ أي: لست أملكها، ولا أتصرف فيها ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: ولا أقول لكم إني أعلم الغيب، إنما ذاك من علم الله ، ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي: ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر من البشر يوحى إلي من الله ، شرفني بذلك، وأنعم علي به، ولهذا قال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي: لست أخرج عنه قيد شبر، ولا أدنى منه ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه فلم (١) ينقد له؟ ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩] وقوله: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: وأنذر بهذا القرآن يا محمد ﷺ ﴿الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧]، والذين ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١] ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة: ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ أي: يومئذٍ ﴿مِنْ دُونِهِ، وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: [أنذرهم] (٢) هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ﷻ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فيعملون في هذه الدار عملًا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه» (٣).
فائدة
قال محمد تقي الدين: أمر الله نبيه وخير خلقه محمدًا ﷺ أن يقول لجميع الناس الذين يدعوهم إلى الله: اعلموا أنني لا أملك من خزائن فضل الله شيئًا،
стр. 317
ولا أستطيع أن أعطي أحدًا رزقًا حسيًا أو معنويًا، ولا أعلم من الغيب إلا ما علمني ربي، ولست ملكًا له قوة خارقة للعادة، مستغن عن الطعام والشراب، لا تعتريه الأعراض البشرية، إنما أنا بشر مثلكم يجري عليّ ما يجري عليكم، ولا أختلف عنكم إلا بشيء واحد، وهو الوحي والرسالة التي أكرمني الله بها، وأوجب عليكم اتباعي وطاعتي، وسيأتي مثل هذا إن شاء الله في (سورة الأعراف)، وفي (سورة يونس)، وفي (سورة هود)، والعجب ممن يدعي العلم بالكتاب والسنة والشرع، ومع ذلك يعمى عن هذا البيان ويستغيث بالنبي ﷺ إذا قام يقول: «يا رسول الله». وإذا قعد يقول: «يا رسول الله». وإذا فزع يقول: «يا رسول الله». فهذا مكذب لهذه الآية، فكأنه يقول: بل عندك خزائن الله، وأنت تعلم الغيب، وقد ألف رجل شاعر يقول الشعر، ولكنه غير شاعر بتوحيد الله، ألف كتابًا سماه: «شواهد الحق، في الاستغاثة بسيد الخلق» (١). وزعم أن أهل السنة هم المشركون الذين يستغيثون بالنبي ﷺ وغيره من المخلوقين، وأن من وحد الله تعالى وامتنع من الاستغاثة بغيره وهابي خارج عن مذهب أهل السنة، والحقيقة أن مذهب هذا الجاهل الذي يهرف بما لا يعرف هو مذهب أهل السنة، (بكسر السين وتخفيف النون) والغفلة والجهالة والضلالة، ولو كان عنده ذرة من عقل وإيمان، لكانت هذه الآية كافية له، وإلا فلماذا يأمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يعلن للناس أنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عن غيره، وأنه لا يعلم الغيب؟ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فكم قصائد نظمت في الاستغاثة بالنبي ﷺ (٢)، وأنا بنفسي نظمت أبياتًا أستغيث فيها
стр. 318
بالنبي ﷺ ، وأطلب منه أن يعطيني العلم، ولا أحب أن أذكر هذه الأبيات، فالحمد لله الذي هدانا وبصرنا من العمى، ومن علينا بتوحيده لا إله إلا هو.
فائدة أخرى
قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ لأنهم المنتفعون بالإنذار ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ، وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ لا ينصرهم أحد ولا يشفع لهم أحد الشفاعة الشركية، اعلم - علمت خيرًا ووقيت ضيرًا - أن الشفاعة وردت في كتاب الله تعالى نوعين: أحدهما: الشفاعة الشركية، وهي أن يشفع الشافع بدون استئذان من المشفّع، ويرى أن له من المنزلة والمكانة عند المشفع - بالكسر - ما لا يحتاج معه إلى إذن، بل ربما اعتقد أن قبول شفاعته واجب على من يشفع عنده، كشفاعة الأب عند ابنه، وشفاعة الابن عند أبيه، والزوجة عند زوجها، والصديق عند صديقه، والوزير المخلص عند مليكه، ونحو ذلك، فهذا النوع هو المنفي في القرآن كما في هذه الآية وفي قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] وكذلك من مات كافرًا بشرك أو جحود، فنفي الشفاعة في حقه مطلق، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].
والنوع الثاني: الشفاعة التي يتفضل الله بها على الشفعاء، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بعد أن يستأذنوه فيأذن لهم، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] وقال تعالى في سورة طه: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] وقد تواترت الأحاديث التي هي كالشمس في رابعة النهار عن النبي ﷺ أنه يشفع لأهل الكبائر (١)، فيخرجون من النار بشفاعته، وقد أنكر هذه الشفاعة الخوارج.
стр. 319
والمعتزلة لقلة علمهم بالكتاب وجهلهم بالسنة، وما ذكر من الآيات وما أشرت إليه من الأحاديث حجة عليهم، وفي هذه الآية نفسها من الحجة عليهم ما لا يخفى، لقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
أي: ﴿أَنذِرْ﴾ يا محمد بالقرآن المؤمنين ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ غير واجدين، من دونه وليًا ينصرهم ولا شفيعًا يشفع لهم، فإن خوفهم من الله دليل على إيمانهم. والخوارج والمعتزلة يقولون: إن الشفاعة خاصة بالمؤمنين في رفع الدرجات، أما من مات كافرًا أو مصرًا على الكبائر فلا شفاعة له. وهذه الآية تدل على نفي الشفاعة عن المؤمنين الذين يخافون الله، فهذا النفي مطلق وعام يخصصه قوله تعالى فيما سبق ذكره: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، ﴿إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣، النور: ٤٦].
الباب السادس
قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٦ - ٥٩].
قال محمد تقي الدين: ذكرت فيما مضى أن النسخة التي كانت عندي من
стр. 320
«تفسير ابن كثير» التي نشرتها المطبعة التي تسمي نفسها: «مطبعة الاستقامة»، فيها أخطاء كثيرة وبتر ونقص، وفي هذا الموضع ترك تفسير آية بأكملها، وقد فزعت إلى طبعة بيروت لعلي أجدها سالمة من ذلك الداء، فإذا بها مسروقة من الطبعة المذكورة (١)، ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] على فساد الكنوز التي خلفها لنا السلف، فصارت بأيدي التجار الفجار يطبعونها لأجل الربح الدنيوي ولا يبالون بما يرتكبونه من الجرائم في حق طلبة العلم، وعلوم الإسلام يتيمة كعلوم اللغة العربية، ليس لها جماعة تشرف على طبعها ونشرها وتأذن في ذلك لمن يكون له أهلًا، وتضرب على هؤلاء التجار الفجار وليس للتجار ضمائر ولا مروءة تحملهم على المحافظة على هذا التراث وعلى أن لا يصدر من مطابعهم ما يشين سمعتهم، وهذا جزء من الشقاء الذي يعانيه المسلمون في هذا الزمان، فهم كما قال الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨١].
فإن قيل: كيف سوغت لنفسك أن تذكر هذه الآيات التي نزلت في كفار بني إسرائيل وتريد أن تطبقها على المسلمين؟ أليس هذا من الغلو؟ أقول: جاء في الحديث الصحيح في تفسير هذه الآيات من كلام النبي ﷺ : «لتضربن على يد الظالم، ولتقصرنه على الحق قصرًا، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليلعننكم الله كما