← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الباب الخامس قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١، ٥٠]. قال (ك): «يقول الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ أي: لست أملكها، ولا أتصرف فيها ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: ولا أقول لكم إني أعلم الغيب، إنما ذاك من علم الله ، ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي: ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر من البشر يوحى إلي من الله ، شرفني بذلك، وأنعم علي به، ولهذا قال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي: لست أخرج عنه قيد شبر، ولا أدنى منه ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه فلم (١) ينقد له؟ ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩] وقوله: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: وأنذر بهذا القرآن يا محمد ﷺ ﴿الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧]، والذين ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١] ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة: ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ أي: يومئذٍ ﴿مِنْ دُونِهِ، وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: [أنذرهم] (٢) هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ﷻ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فيعملون في هذه الدار عملًا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه» (٣). فائدة قال محمد تقي الدين: أمر الله نبيه وخير خلقه محمدًا ﷺ أن يقول لجميع الناس الذين يدعوهم إلى الله: اعلموا أنني لا أملك من خزائن فضل الله شيئًا،

стр. 317

ولا أستطيع أن أعطي أحدًا رزقًا حسيًا أو معنويًا، ولا أعلم من الغيب إلا ما علمني ربي، ولست ملكًا له قوة خارقة للعادة، مستغن عن الطعام والشراب، لا تعتريه الأعراض البشرية، إنما أنا بشر مثلكم يجري عليّ ما يجري عليكم، ولا أختلف عنكم إلا بشيء واحد، وهو الوحي والرسالة التي أكرمني الله بها، وأوجب عليكم اتباعي وطاعتي، وسيأتي مثل هذا إن شاء الله في (سورة الأعراف)، وفي (سورة يونس)، وفي (سورة هود)، والعجب ممن يدعي العلم بالكتاب والسنة والشرع، ومع ذلك يعمى عن هذا البيان ويستغيث بالنبي ﷺ إذا قام يقول: «يا رسول الله». وإذا قعد يقول: «يا رسول الله». وإذا فزع يقول: «يا رسول الله». فهذا مكذب لهذه الآية، فكأنه يقول: بل عندك خزائن الله، وأنت تعلم الغيب، وقد ألف رجل شاعر يقول الشعر، ولكنه غير شاعر بتوحيد الله، ألف كتابًا سماه: «شواهد الحق، في الاستغاثة بسيد الخلق» (١). وزعم أن أهل السنة هم المشركون الذين يستغيثون بالنبي ﷺ وغيره من المخلوقين، وأن من وحد الله تعالى وامتنع من الاستغاثة بغيره وهابي خارج عن مذهب أهل السنة، والحقيقة أن مذهب هذا الجاهل الذي يهرف بما لا يعرف هو مذهب أهل السنة، (بكسر السين وتخفيف النون) والغفلة والجهالة والضلالة، ولو كان عنده ذرة من عقل وإيمان، لكانت هذه الآية كافية له، وإلا فلماذا يأمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يعلن للناس أنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عن غيره، وأنه لا يعلم الغيب؟ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فكم قصائد نظمت في الاستغاثة بالنبي ﷺ (٢)، وأنا بنفسي نظمت أبياتًا أستغيث فيها

стр. 318

بالنبي ﷺ ، وأطلب منه أن يعطيني العلم، ولا أحب أن أذكر هذه الأبيات، فالحمد لله الذي هدانا وبصرنا من العمى، ومن علينا بتوحيده لا إله إلا هو. فائدة أخرى قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ لأنهم المنتفعون بالإنذار ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ، وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ لا ينصرهم أحد ولا يشفع لهم أحد الشفاعة الشركية، اعلم - علمت خيرًا ووقيت ضيرًا - أن الشفاعة وردت في كتاب الله تعالى نوعين: أحدهما: الشفاعة الشركية، وهي أن يشفع الشافع بدون استئذان من المشفّع، ويرى أن له من المنزلة والمكانة عند المشفع - بالكسر - ما لا يحتاج معه إلى إذن، بل ربما اعتقد أن قبول شفاعته واجب على من يشفع عنده، كشفاعة الأب عند ابنه، وشفاعة الابن عند أبيه، والزوجة عند زوجها، والصديق عند صديقه، والوزير المخلص عند مليكه، ونحو ذلك، فهذا النوع هو المنفي في القرآن كما في هذه الآية وفي قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] وكذلك من مات كافرًا بشرك أو جحود، فنفي الشفاعة في حقه مطلق، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]. والنوع الثاني: الشفاعة التي يتفضل الله بها على الشفعاء، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بعد أن يستأذنوه فيأذن لهم، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] وقال تعالى في سورة طه: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] وقد تواترت الأحاديث التي هي كالشمس في رابعة النهار عن النبي ﷺ أنه يشفع لأهل الكبائر (١)، فيخرجون من النار بشفاعته، وقد أنكر هذه الشفاعة الخوارج.

стр. 319

والمعتزلة لقلة علمهم بالكتاب وجهلهم بالسنة، وما ذكر من الآيات وما أشرت إليه من الأحاديث حجة عليهم، وفي هذه الآية نفسها من الحجة عليهم ما لا يخفى، لقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. أي: ﴿أَنذِرْ﴾ يا محمد بالقرآن المؤمنين ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ غير واجدين، من دونه وليًا ينصرهم ولا شفيعًا يشفع لهم، فإن خوفهم من الله دليل على إيمانهم. والخوارج والمعتزلة يقولون: إن الشفاعة خاصة بالمؤمنين في رفع الدرجات، أما من مات كافرًا أو مصرًا على الكبائر فلا شفاعة له. وهذه الآية تدل على نفي الشفاعة عن المؤمنين الذين يخافون الله، فهذا النفي مطلق وعام يخصصه قوله تعالى فيما سبق ذكره: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، ﴿إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣، النور: ٤٦]. الباب السادس قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٦ - ٥٩]. قال محمد تقي الدين: ذكرت فيما مضى أن النسخة التي كانت عندي من

стр. 320

«تفسير ابن كثير» التي نشرتها المطبعة التي تسمي نفسها: «مطبعة الاستقامة»، فيها أخطاء كثيرة وبتر ونقص، وفي هذا الموضع ترك تفسير آية بأكملها، وقد فزعت إلى طبعة بيروت لعلي أجدها سالمة من ذلك الداء، فإذا بها مسروقة من الطبعة المذكورة (١)، ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] على فساد الكنوز التي خلفها لنا السلف، فصارت بأيدي التجار الفجار يطبعونها لأجل الربح الدنيوي ولا يبالون بما يرتكبونه من الجرائم في حق طلبة العلم، وعلوم الإسلام يتيمة كعلوم اللغة العربية، ليس لها جماعة تشرف على طبعها ونشرها وتأذن في ذلك لمن يكون له أهلًا، وتضرب على هؤلاء التجار الفجار وليس للتجار ضمائر ولا مروءة تحملهم على المحافظة على هذا التراث وعلى أن لا يصدر من مطابعهم ما يشين سمعتهم، وهذا جزء من الشقاء الذي يعانيه المسلمون في هذا الزمان، فهم كما قال الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨١]. فإن قيل: كيف سوغت لنفسك أن تذكر هذه الآيات التي نزلت في كفار بني إسرائيل وتريد أن تطبقها على المسلمين؟ أليس هذا من الغلو؟ أقول: جاء في الحديث الصحيح في تفسير هذه الآيات من كلام النبي ﷺ : «لتضربن على يد الظالم، ولتقصرنه على الحق قصرًا، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليلعننكم الله كما

стр. 321

«لعنهم» (١). اهـ ما أردته من الحديث. انظر: «رياض الصالحين» (٢) في (باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، لتطلع على الحديث بطوله، والآن أفسر هذه الآية بما يفتح الله به، إذ ليس عندي تفسير على طريقة (ك)، فأقول وبالله التوفيق: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾ أي: نهاني الله تعالى أن أعبد الذين تدعون من دون الله - يا أيها المشركون - بأي نوع من أنواع العبادة التي تقدم ذكرها مرارًا، وأهمها: الدعاء والاستغاثة، سواء أكان المدعوون ملائكة أو أنبياء أو صالحين أو غيرهم، والنهي هنا للأمة لأن النبي ﷺ معصوم من الشرك ومن جميع الذنوب ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ أي: لا أوافقكم على ما تشتهون من عبادة غير الله ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ لو وافقتكم على ذلك، لكنت من الضالين البعيدين عن الهدى، وأنا الهادي بنص القرآن، ولا يكون الهادي هاديًا إلا إذا كان مهتديًا. قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. هذا ما يسره الله في معنى الآية، ثم قال (ك): «وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها الله إلي: ﴿وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾ أي: بالحق الذي جاءني من الله: ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي: من العذاب ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: إنما يرجع أمر ذلك إلى الله، إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجلكم لما له في ذلك من الحكمة العظيمة، ولهذا قال: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ أي: وهو خير من فصل القضايا، وخير الفاتحين في الحكم (٣) بين عباده، وقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾.

стр. 322

لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي: لو كان مرجع [ذلك] (١) إلي، لأوقعت [بكم] (٢) ما تستحقونه من ذلك ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في «الصحيحين» (٣) من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل ابن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد ظللتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلّم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال رسول الله ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا». وهذا لفظ مسلم، فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم فاستأنى بهم، وسأل لهم التأخير، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئًا، فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾؟ فالجواب - والله أعلم -: إن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم، وأما الحديث، فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوبًا وشمالًا، فلهذا استأنى بهم، وسأل الرفق لهم، وقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ قال البخاري (٤) بسنده عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: مفاتح الغيب خمس - لا [يعلمهن] (٥) إلا الله -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ

стр. 323

وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]. وقوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ أي: يعلم الحركات حتى من الجمادات، فما ظنك بالحيوانات ولا سيما المكلفون منهم من جنّهم وإنسهم، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]» (١). فائدة قال محمد تقي الدين: أجمع المسلمون على ما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله، أن مفاتح الغيب الخمسة المفصلة في آخر سورة لقمان بنص النبي ﷺ ، لا يعلمها إلا الله، ومن ادعى أن أحدًا من مخلوقات الله يعلمها فهو كافر، نقله القسطلاني (٢) عن الزجاجي في شرح الحديث المذكور أعلاه، وأكثر الذين يدعون الإسلام في هذا الزمان يعتقدون أن غير الله يعلم هذه الخمسة. ففي كتاب «الإبريز» لمؤلفه أحمد ابن المبارك اللمطي المغربي ما معناه: أنه قال لشيخه عبد العزيز: إن علماء الظاهر يقولون: إن هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله، فقال له: ماذا تقولون؟ لو كنت ميتًا، لعلمت هذه الخمسة، فكيف وأنا حي؟ وهذا الكتاب مقدس عند أكثر علماء الأزهر وعلماء المغرب!! من ذلك تعلم أن علم الكتاب والسنة قد مات، وصار أهله غرباء!!

стр. 324

الباب السابع قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧١ - ٧٣] روى (ع) عن (١) السدي أنه (٢) قال: قال المشركون للمسلمين (٣): اتبعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد، فأنزل الله ﷺ : ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ أي: في الكفر ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، يقول: مثلكم إن كفرتم بعد إيمانكم كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق، فضل الطريق فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ائتنا فإنا على الطريق، فأبى أن يأتيهم فذلك مثل من تبعهم بعد المعرفة بمحمد ﷺ ، ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام (٤)، وقال قتادة: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ أضلته في الأرض، يعني: استهوته، سيرته كقوله: تهوى إليهم وقوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: نخلص له العبادة وحده لا شريك له ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي: أمرنا بإقامة الصلاة، وبتقواه في جميع الأحوال ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، فهو خالقهما ومالكهما والمدبر لهما ولمن فيهما، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾؛ يعني: يوم القيامة الذي

стр. 325

يقول الله: كن فيكون عن أمره كلمح البصر أو هو أقرب، ويوم: منصوب بفعل محذوف تقديره: اذكر يوم يقول: كن، فيكون، وقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ صفتان لرب العالمين، وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ظرف لقوله تعالى: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] وكقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ المراد به هنا القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل: قال (ع): تظاهرت الأخبار عندنا أن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ، رواه مسلم (١) في «صحيحه» (٢). قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ تنبيه لعباد القبور وغيرها من المخلوقات على فرط جهلهم وعمى بصائرهم، فإنه لا ينفع ولا يضر إلا الله، ولذلك لا يعبد إلا الله، وهذه الآية تصدق على كل من خالف جماعته، سواء أكانوا أقرباء أو أصدقاء وعبد غير الله، وهم يدعونه إلى الهدى، وهو توحيد الله واتباع نبيه الكريم، وهو يأبى أن يرجع إلى الحق ويمعن في الشرك، وفيها أيضًا تنبيه على أن المؤمن لا ينبغي له أن يأمن مكر الله، وينبغي له أن يدعو الله تعالى بالدعاء الذي علمنا إياه في سورة آل عمران، وهو دعاء الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] وقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] هو كما قال (ك): أن نخلص العبادة له وحده لا نشرك به شيئًا، مؤمنين برسوله ﷺ ، مجردين الاتباع له، وهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبعد ذلك تجيء إقامة الصلاة، فإن

стр. 326

الصلاة عماد الدين، فمن تركها فهو كافر لا حظ له في الإسلام كما قال عمر ﵁ عند موته (١)، انظر: كتاب (الصلاة) (٢) لابن القيم، وأيضًا كتاب «القول الفصل في حكم تارك الصلاة» (٣) للمؤلف. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ أي: امتثلوا ما أمركم به ظاهرًا وباطنًا، واجتنبوا ما نهاكم عنه ظاهرًا وباطنًا، لأنكم تحشرون إليه يوم القيامة، فيجزيكم بأعمالكم: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ هو خالق كل شيء، وحافظ الوجود على كل موجود، وهو الذي يحيي ويميت، فما أجهل من يدعو غيره وما أشقاه، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ أي: فلا يعبد غيره، فنسأل الله أن يجعلنا ممن حقق التوحيد بأنواعه، ويختم لنا بالإيمان، ويجعل أسعد أيامنا يوم لقائه. الباب الثامن قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ

стр. 327

هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٤ - ٧٩]. قال محمد تقي الدين: اختلف المفسرون في آزر، فقال بعضهم: هو اسم صنم؛ لأن أبا إبراهيم اسمه تارح كما في التوراة، وقال محققون ومنهم (ع): «هو اسم لأبي إبراهيم» (١)، ولا غرابة أن يكون له اسمان: أحدهما، تارح، والآخر آزر، أو يكون آزر لقبًا له، ولا يمكن أن يسميه الله تعالى ولا يكون في الحقيقة كذلك، والقرآن أصح كتاب نزل من الله تعالى، وقد رأينا في التوراة في جميع أقسامها أشياء كثيرة لا يستطيع مؤمن أن ينسبها لله ولا للرسل عليهم الصلاة والسلام. قال (ك) في قوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ «أي: أتأله صنما (٢) تعبده من دون الله؟ ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ﴾ أي: السالكين مسلكك، ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: تائهين، لا يهتدون أين يسلكون، بل في حيرة وجهل، وأمركم في الجهالة والضلال بين واضح لكل ذي عقل سليم (٣)، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٨] فكان إبراهيم ﵇ يستغفر لأبيه مدة حياته، فلما مات على الشرك وتبين إبراهيم ذلك، رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه، [كما] قال (٤).

стр. 328

تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. وثبت في «الصحيح» (١): «إن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة، فيقول له آزر: يا بني، لا أعصيك اليوم، فيقول إبراهيم: أي رب! ألم تعدني أنك لا تخزني يوم الدين؟ وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال: يا إبراهيم، انظر ما وراءك فإذا هو بذيخ (٢) متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار». وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: نبين له وجه الدلالة - في نظره إلى [خلقهما] (٣) - على وحدانية الله لك في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ: ٩]. وقوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ قيل: الواو زائدة (٤) تقديره: «وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرضِ لِيَكُونَ من الموقِنِينَ». كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] وقيل: هي على بابها، أي: نريه ذلك ليكون عالمًا وموقنًا، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي: تغشاه وستره: ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ أي: نجمًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي: غاب، قال محمد بن إسحاق بن يسار: الأفول: الذهاب، وقال (ع): يقال: أفل النجم يأفُل ويأفل، أي بكسر الفاء وضمها، أفولًا (٥)، ويقال: أين

стр. 329

أفلت عنا؟ بمعنى أين غبت عنا، قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ قال قتادة: علم أن ربه دائم لا يزول: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ أي: طالعًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ أي: هذا المنير الطالع ربي ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ أي: جرمًا من النجم ومن القمر وأكثر إضاءة ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ أي: غابت ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: أخلصت ديني وأفردت عبادتي ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق ﴿حَنِيفًا﴾ أي: في حال كوني حنيفًا، أي: مائلًا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقد اختلف المفسرون في هذا المقام، هل هو مقام نظر أو مناظرة؟ فروى ابن جرير [عن] (١) علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير مستدلًا بقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ والحق أن إبراهيم ﵊ كان في هذا المقام مناظرًا لقومه مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية التي هي على صور الملائكة السماوية، ليشفعوا لهم (٢) عنده في الرزق والنصر وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل وهي الكواكب السيارة السبعة المنيرة (٣) وهي القمر، وعطارد والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشتري، وزحل، وأشدهن إضاءة وأشرفهن عندهم الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة، فبين أولًا صلوات الله وسلامه عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية، فإنها مسخرة مقدرة بسير معين لا تزيغ عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تملك لنفسها تصرفًا، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح

стр. 330

للإلهية، ثم انتقل إلى القمر فبين فيه مثل ما بين في النجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أي: أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة فكيدوني بها جميعًا، ثم لا تنظرون ﴿إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظرًا في هذا المقام وهو الذي قال الله في حقه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٥٢] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١] وقد ثبت في «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة» (٢). قال محمد تقي الدين: قد رأينا أن اختيار (ك) أن إبراهيم ﵇ كان مناظرًا لا ناظرًا، قد أقام عليه براهين قاطعة، ومعنى مناظرًا لا ناظرًا؛ أنه لم يكن في أول أمره يعتقد أن النجم ربه ثم انتقل إلى اعتقاد أن القمر ربه، ثم انتقل إلى اعتقاد أن الشمس ربه، ثم انتقل من ذلك إلى توحيد الله تعالى والبراءة من معبودات قومه؛ لأن الله حفظ أولياءه ورسله من الشرك والمعاصي قبل النبوة، وهيأهم لها فقوله لما رأى النجم قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أي: بزعمكم أيها المشركون؛ فإن كان ما تدعون حقًا فإنه سيثبت ولا يزول، فلما غاب انتقل إلى طالع آخر أقوى منه ليستدرجهم إلى توحيد الله تعالى، فقال لما رأى القمر: ﴿هَذَا رَبِّي﴾،

стр. 331

أَي: بزعمكم، فلما غاب القمر، ظهر لهم أنه لا يستحق أن يكون ربًا، وقال مثل ذلك في الشمس، فلما غابت واحتجبت ظهرت حجته عليهم، وقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أي: مما تعبدون من المخلوقين والمخلوقات: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ وقلبي ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ أي: نابذًا لجميع الأديان والمعتقدات إلا دين التوحيد. الباب التاسع قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨٣] قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عن خليله إبراهيم حين جادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد، وناظروه بشبه من القول أنه قال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ أي: تجادلوني (١) في أمر الله، وأنه لا إله إلا هو وقد بصرني وهداني إلى الحق، وأنا على بينة منه، فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة؟ وقوله: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أي: ومن الدليل على بطلان قولكم فيما ذهبتم إليه أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئًا، وأنا لا أخافها ولا أباليها، فإن كان لها كيد فكيدوني بها ولا تنظرون، بل عاجلوني بذلك، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ استثناء منقطع، أي: لا يضر ولا ينفع إلا الله : ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: أحاط علمه بجميع الأشياء، فلا تخفى (٢) عليه خافية، ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: فيما بينته لكم أفلا تعتبرون (٣) أن هذه

стр. 332

الآلهة باطلة فتنزجروا عن عبادتها؟ وهذه الحجة نظير ما احتج به (١) نبي الله هود ﵇ على قومه عاد، فيما قص الله عنهم في كتابه حيث يقول: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٣ - ٥٦] وقوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ أي: كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله؟ ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ (٢) وقوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: فأي الطائفتين أصوب، الذي عبد من بيده الضر والنفع، أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع بلا دليل؟ أيهما أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة؟ قال [الله] تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي: هؤلاء الذين أخلصوا العبادة الله وحده لا شريك له ولم يشركوا به شيئًا، هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة. قال البخاري بسنده عن علقمة عن عبد الله قال: «لما نزلت: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ قال أصحابه وأينا لم يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس للذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما هو الشرك» (٣). وروى أحمد وابن مردويه (٤) بإسناديهما عن ثابت عن زاذان عن جرير بن عبد الله قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فلما برزنا من المدينة، إذا راكب يوضع نحونا، فقال رسول الله ﷺ : كأن هذا الراكب إياكم يريد»، فانتهى إلينا الرجل، فسلم فرددنا عليه فقال له النبي ﷺ : «من أين أقبلت؟» قال: من أهلي وولدي وعشيرتي، قال: فأين تريد؟ قال: أريد رسول الله ﷺ ، قال: «فقد أصبته»، قال: يا رسول الله، علمني ما الإيمان؟ قال: «أن تشهد

стр. 333

أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت»، قال: قد أقررت، قال: ثم إن بعيره دخلت يده في بيت جرذان، فهوى بعيره وهوى الرجل، فوقع على هامته فمات! فقال رسول الله ﷺ : «علي بالرجل!» فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان فأقعداه، فقالا: يا رسول الله قبض الرجل فأعرض عنهما رسول الله ﷺ ، ثم قال لهما رسول الله ﷺ : أما رأيتما إعراضي عن الرجل، فإني رأيت ملكين يدسان في فمه من ثمار الجنة، فعلمت أنه مات جائعا، ثم قال رسول الله ﷺ : هذا من الذين قال الله ﷺ فيهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ ثم قال: «دونكم أخاكم»، فاحتملناه إلى الماء، فغسلناه، وحنطناه، وكفناه، وحملناه إلى القبر، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس على شفير القبر، فقال: «ألحدوا ولا تشقوا، فإن اللحد لنا والشق لغيرنا» (١). وروى ابن مردويه بسنده عن عبد الله بن سخبرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعطي فشكر، ومنع فصبر، وظلم فاستغفر، وظلم فغفر» (٢). وسكت، فقالوا: يا رسول الله، ما له؟ قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ أي: وجهنا حجته [عليهم] (٣).

стр. 334

قال مجاهد وغيره: يعني بذلك قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ وقد صدقه (١) الله، وحكم له بالأمن والهداية، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ثم قال بعد ذلك كله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ قرئ بالإضافة وبلا إضافة، كما في سورة يوسف، وكلاهما قريب في المعنى، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أي: حكيم في أقواله وأفعاله، عليم [أي:] بمن يهديه ومن يضله، وأن قامت عليه الحجج والبراهين كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] ولهذا قال ههنا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). فائدة قال محمد تقي الدين: المشركون في كل زمان ومكان طبيعتهم واحدة لا تختلف إذا نهاهم ناه عن الشرك بالله، حاولوا أن يلتمسوا عذرًا لأنفسهم، فيقولون مثلًا: إن هذا الضريح، أو هذا التمثال، أو هذه الشجرة، أو هذا الحجر، أو هذا المكان، كل ذلك، منسوب إلى ملك مقرب أو نبي كريم، أو صالح من أولياء الله، فتعظيمنا له تعظيم للمنسوب إليه، ومنزلته عند الله عالية، ونحن مذنبون خاطئون، إذا دعونا الله لا يستجيب لنا، وإذا تشفعنا إليه بهذه الآثار المنسوبة إلى أوليائه يقضي حاجتنا، قال تعالى في سورة يونس: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٠] فأنت ترى أن الله لم يقبل عذرهم، وسمى عبادتهم لتلك الآثار وللمنسوبة إليهم شركًا. فائدة ثانية: إذا رأى المشركون أن الذي ينهاهم عن الشرك لا يقبل عذرهم، انتقلوا إلى حجة أخرى وهي تخويفه من شركائهم، كما حكى الله عن قوم إبراهيم وقوم هود، فقال لهم إبراهيم: أنا لا أخاف ما تشركون به من

стр. 335

الآثار، ولا الذين تنسبونها إليهم؛ لأني أعلم أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله، ولما كنت في تطوان أدعو إلى توحيد الله، أصابني مرض الربو، فقال المشركون: إن السيد السعيدي هو الذي أصابني بذلك المرض؛ لأني أنكرت عليهم عبادته بالذبح والنذر والاستغاثة وطلب قضاء الحاجات، حتى المطر يطلبونه منه، فقلت لهم على كرسي الوعظ في المسجد الجامع: إن قومًا زعموا أن السيد السعيدي هو الذي أصابني بهذا المرض، وهؤلاء ليس لهم عقل ولا دين، أما الدليل على أنهم ليس لهم عقل، فهو أن رجالًا ونساء كثيرًا من أهل تطوان مصابون بهذا المرض، وهم يعبدون السيد السعيدي، فمن أصابهم به؟ وأما الدليل على أن ليس لهم دين، فإن السعيدي إن كان صالحًا كما تقولون، فإنه لا يعلم ما أدعو إليه؛ لأنه مشغول بما أعد الله له من نعيم الجنة، ولا يعلم الغيب، ولو علم أني أدعو إلى توحيد الله واتباع رسوله لفرح بذلك، وإن كان السعيدي لا يحب توحيد الله تعالى ولا اتباع رسوله ﷺ فليس بصالح، ولا مؤمن بالله، فأنا لا أبالي به مع أنه عاجز عن النفع والضر. فائدة ثالثة: قال إبراهيم ﷺ في الحجة التي آتاه الله على قومه: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ أي: كيف أخاف أصنامكم ومن وراءهم من المعبودين، وأنا موحد لله، لا أشرك به شيئًا، ولا تخافون أنتم من عذاب الله، وقد أشركتم به بعض خلقه، فأينا أحق بالأمن؟ وأينا أحق بالخوف؟ قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ أي: لم يخلطوا إيمانهم بشرك ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وعدهم الله بالأمن من الخوف، وشهد لهم بالاهتداء، ومقتضى هذا: أن الذين أشركوا بالله هم أحق بالخوف، وهم ضالون، فمع توحيد الله الأمن والهدى، ومع الشرك بالله الخوف والضلال. الباب العاشر قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى

стр. 336

وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٨]. (ك) يذكر (١) تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طعن في السن، وأيس هو وامرأته سارة من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك وقالت: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢ - ٧٣] فبشروهما مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلًا وعقبًا، كما قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] وهذا أكمل في البشارة وأعظم في النعمة، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أي: ويولد لهذا المولود في حياتكما، فتقر أعينكما به، كما قرت بوالده، فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه، وقعت البشارة به وبولده باسم يعقوب الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم ﷺ حين اعتزل قومه وتركهم، ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهبًا إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله ﷺ عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه على دينه، لتقر بهم عينه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩] وقال ههنا ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾ وقوله: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبله هديناه كما هديناه، ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح ﵇، فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به، وهم الذين صحبوه في السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذريته (٢)، وأما الخليل إبراهيم ﵇، فلم يبعث الله بعده نبيًا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ (٣) النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] وقال

стр. 337

تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ أي: وهدينا من ذريته داودَ وَسُلَيْمَانَ، وعود الضمير إلى نوح - لأنه أقرب المذكورين - ظاهر لا إشكال فيه، وهو اختيار (عج) (١). وعوده إلى إبراهيم؛ لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن، لكن يشكل عليه (٢) لوط، فإنه ليس من ذرية إبراهيم، بل هو ابن أخيه ماران (٣) بن آزر، اللهم إلا أن يقال: أنه دخل في الذرية تغليبًا، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فإسماعيل عمه دخل في آبائه تغليبًا، وكما قال في قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠] فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود، وذم على المخالفة؛ لأنه كان في تشبه بهم، فعومل معاملتهم، ودخل معهم تغليبًا، وإلا فهو كان من الجن، وطبيعته من النار، والملائكة من النور، وفي ذكر عيسى ﵇ في ذرية إبراهيم أو نوح على القول الآخر دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل؛ لأن عيسى ﵇ إنما ينسب إلى إبراهيم ﵇ بأمه مريم ﵍، فإنه لا أب له، قال ابن أبي حاتم (٤) وذكر سنده إلى [أبي] (٥) حرب بن أبي الأسود قال: أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر، فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي ﷺ تجده في كتاب الله، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده؟ قال: أليس تقرأ سورة الأنعام: ﴿وَمِنْ

стр. 338

ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ قال: بلى، قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال: صدقت فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته، أو وقف على ذريته، أو وهبهم، دخل أولاد البنات فيهم (١)، فأما إذا أعطى الرجل بنيه، أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه، وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر العربي (٢): بنونا بنو أبنائنا وبناتنا … بنوهن أبناء الرجال الأباعد (٣) وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم أيضًا؛ لما ثبت في صحيح البخاري (٤)، أن رسول الله ﷺ قال للحسن بن علي: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». فسماه ابنًا، فدل على دخوله في الأبناء، وقال آخرون: هذا تجوز، وقوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ ذكر أصولهم وفروعهم وذوي طبقتهم، وإن الهداية والاجتباء شملهم كلهم، ولهذا قال: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: إنما حصل لهم ذلك (٥) بتوفيق الله وهدايته إياهم: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] وكقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧] وكقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤] (٦)

стр. 339

فائدة قال محمد تقي الدين: قول (ك): «وهذا مجازاة حين اعتزل قومه … إلخ»، قال تعالى في سورة مريم: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ [مريم: ٤٩ - ٥٠] يؤخذ من هذا أن كل من اعتزل المشركين المصرين على عبادة غير الله وهجرهم، وتوجه إلى الله طالبًا وجود قوم يتعاون معهم على عبادة الله وحده لا شريك له واتباع الرسول ﷺ ، لا بد أن يقر الله عينه ويعطيه من خير الدنيا والآخرة فوق ما كان يؤمل، ويجعل له لسان صدق في الآخرين، ومن شك في هذا فليجرب، فهذه سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلًا. الفائدة الثانية: قول (ك) في إبليس: «إنه كان في تشبه بهم»، أي: بالملائكة، فيه ركاكة، ولعله محرف، والمراد بالتشبه بهم، أنه كان يعبد الله مثل عبادتهم. الفائدة الثالثة: قوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ المذكورون من قبل بعضهم أنبياء، ويستحيل عليهم أن يشركوا، وقد بين (ك) غاية البيان، أن الشرط يتعلق بما لا يجوز وقوعه، وبعضهم يجوز عليهم الشرك بل وقع فيهم كأبي إبراهيم آزر، وابن نوح الذي غرق، والمقصود أن الشرك يحبط جميع الأعمال، ومن مات عليه لا يدخل الجنة أبدًا وهذا هو الأصل في هذا الباب. الباب الحادي عشر قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾ [الأنعام: ٩٤]. قال (ك): أي: يقال لهم يوم معادهم هذا، كما قال: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف: ٤٨] أي: كما بدأناكم أعدناكم، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه، فهذا يوم البعث، وقوله: ﴿وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ

стр. 340

وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي: من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا وراء ظهوركم، وثبت في «الصحيح» (١) أن رسول الله ﷺ قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس». وقال الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة، فيقول الله [له]: أين ما جمعت؟ فيقول: يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان، فيقول له: يا ابن آدم! أين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدَّم شيئًا. وتلا هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ رواه ابن أبي حاتم (٢)، وقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أنها تنفعهم في معاشهم ومعادهم إن كان ثم معاد، فإذا كان يوم القيامة تقطعت بهم الأسباب، وانزاح الضلال وضل عنهم ما كانوا يفترون، ويناديهم الرب ﷻ على رؤوس الخلائق: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢ و ٧٤] ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢ - ٩٣] ولهذا قال ههنا: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ أي: في العبادة، لهم فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم، ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرئ بالرفع (٣) أي: شملكم، وبالنصب (٤)، أي: لقد تقطع (٥) ما بينكم من الأسباب والصلات (٦) والوسائل، ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ أي: ذهب عنكم ﴿مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ من نفع (٧).

стр. 341

الأصنام والأنداد، كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقال: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [القصص: ٦٤] وقال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٢٨ - ٣٠]» (١). قال محمد تقي الدين: قوله (٢): «إن كان ثم معاد»: يعني بالنسبة إلى المشركين، فإن كثيرًا منهم كانوا ينكرون المعاد أو يشكون فيه. فائدة قال محمد تقي الدين آيات هذا الباب تدل دلالة في غاية الوضوح على أن عبّاد القبور وأصحاب الطرائق يخسرون يوم القيامة خسرانًا مبينًا؛ لأنهم يظنون بل يعتقدون أن شيوخهم يشفعون لهم عند الله ويدخلونهم الجنة، فإذا بهم يتبرؤون منهم ويقولون لهم بلسان فصيح ما كنتم إيانا تعبدون يعنون: إنما كنتم تعبدون شياطين الإنس والجن الذين أضلوكم وزينوا لكم الشرك ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٩] وذلك أن المقبور إما أن يكون نبيًا أو صالحًا فهو غافل عن عبادة المشركين بما أعد الله له من النعيم، وإما أن يكون طالحًا راضيًا بالشرك فهو غافل عن عبادتهم بما أعده الله له من عذاب أليم.

стр. 342

الباب الثاني عشر قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠٥] قال (ك): «هذا رد على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، وأشركوا به في عبادته، بأن عبدوا الجن فجعلوهم شركاء له في العبادة، تعالى الله عن شركهم وكفرهم، فإن قيل: فكيف عبدت الجن [مع أنهم] (١) إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب: أنهم ما عبدوها (٢) إلا عن طاعة الجن، وأمرهم إياهم بذلك كقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١١٧ - ١٢٠] وكقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠] الآية، وقال إبراهيم لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤] وكقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠ - ٦١] وتقول الملائكة يوم القيامة: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١] ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ أي: وقد خلقهم فهو الخالق وحده لا شريك له، فكيف يعبد معه

стр. 343

غيره؟ كقول إبراهيم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦] ومعنى الآية أنه هو المستقل بالخلق وحده، فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له، وقوله تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ينبه به تعالى عن ضلال من ضل في وصفه تعالى بأن له ولدًا، كما يزعم (١) من قاله من اليهود في عزير ومن النصارى في عيسى (٢)، ومن قال من مشركي العرب (٣) في الملائكة أنها بنات الله تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، ومعنى خرقوا (٤) أي: اختلقوا والتفكوا وتخرصوا وكذبوا كما قاله علماء السلف. قال (ح): وتأويله (٥) إذًا: جعلوا الله الجن شركاء في عبادتهم إياه (٦)، وهو المتفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٧) بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلًا بالله وبعظمته، فإنه لا ينبغي لمن كان إلها أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون من الأولاد والأنداد والنظراء والشركاء ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مبدعهما وخالقهما ومنشئهما ومحدثهما على غير مثال سبق كما قال مجاهد والسدي، ومنه سميت البدعة بدعة؛ لأنه لا نظير لها فيما سلف، ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: كيف يكون له ولد؟ ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ أي: والولد إنما يكون متولدًا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه؛ لأنه خالق كل شيء فلا صاحبة له ولا ولد كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي

стр. 344

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥] ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فبين تعالى أنه خلق كل شيء وهو (١) بكل شيء عليم، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه وهو الذي لا نظير له، فأنى يكون له ولد، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. يقول تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: الذي خلق كل شيء ولا ولد له ولا صاحبة: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ أي: فاعبدوه وحده لا شريك له، وأقروا له بالوحدانية وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا ولد له (٢) ولا نظير ولا عديل: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي: حفيظ ورقيب، يدبر كل ما سواه ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار (٣). فائدة قال محمد تقي الدين: قول (ك): «فإن قيل: كيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ وجوابه عن ذلك، بأن الجن يوسوسون لعباد الأصنام يزينون لهم عبادتها فنسبت إليهم العبادة لذلك. فيه نظر؛ لأن القرآن قد صرح بأن بعض المشركين كانوا يعبدون الجن حقيقة، كما في قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١] وقال تعالى في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] قال (ك) في تفسير هذه الآية: «أي: كنا نرى أن لنا فضلًا على الإنس؛ لأنهم كانوا يعوذون بنا إذا نزلوا واديًا أو مكانًا موحشًا من البراري وغيرها، وكما كانت عادة العرب في جاهليتها، يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشيء يسوءهم، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم فَزَادُوهُمْ رَهَقًا، أي: خوفًا وإرهابًا وذعرًا حتى صاروا (٤) أشد منهم

стр. 345

مخافة وأكثر تعوذًا بهم، كما قال قتادة: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: إثمًا وازدادت الجن عليهم بذلك جرأة، وقال السدي: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها، فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أضر وأنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، قال قتادة فإذا عاذ بهم من دون الله رهقتهم الجن الأذى عند ذلك» (١). اهـ. قال محمد تقي الدين فقد تبين أن مشركي العرب كانوا يعبدون الجن بالعياذ والخوف، وتقدم أن الجهال في هذا الزمان يعبدون الجن إذا بنوا بيتًا جديدًا يذبحون ذبيحة للجن قربانًا لهم لئلا يؤذوهم، والسحرة في هذا الزمان إذا دعوا لعلاج شخص مصروع يأمرون أهله بذبح ذبيحة لذلك الجن الذي صرعه بزعمهم. الباب الثالث عشر قال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٦ - ١٠٧] قال (ك): «يقول تعالى أمرًا لرسوله ﷺ ولمن اتبع طريقته: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: اقتد به واقتف أثره، واعمل به، فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه، لأنه لا إله إلا هو: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: اعف عنهم واصفح واحتمل أذاهم حتى يفتح الله لك وينصرك ويظفرك عليهم، واعلم أن الله حكمة في إضلالهم فإنه لو شاء لهدى الناس كلهم جميعًا، [﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] (٢)، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ أي: بل له المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: حافظًا تحفظ أقوالهم وأعمالهم: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي: موكل على أرزاقهم وأمورهم، إن عليك إلا البلاغ كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾

стр. 346

[الغاشية: ٢١ - ٢٢] وقال: ﴿فَإِنَّمَا (١) عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] (٢). فصل قال محمد تقي الدين: قوله تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ وفي ضمنه خطاب لأمته: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يشمل الوحي كله، سواء أكان قرآنًا أم حديثًا، فإن الحديث يوحى إلى النبي ﷺ أيضًا، ولكن لا يسمى قرآنًا؛ لقوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] وفي «الصحيح» (٣): إن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة وجد أهلها يلقحون النخل، فقال لهم: «ما هذا؟» فقالوا: شيء نأخذه من الذكر ونضعه في الأنثى، يصلح عليه التمر، فقال: «ما أراه ينفع»، فتركوا التلقيح، ففسد التمر وصار شيصًا فأخبروا النبي ﷺ بذلك، فقال: «إذا حدثتكم عن الله فخذوا به، فإني لا أكذب على الله، وأنتم أعلم بأمور دينكم». أو كما قال ﵊، فكل ما تكلم به النبي ﷺ في أمور الدين، فهو من الله تعالى وأهم أمور الدين توحيد الله تعالى في ربوبيته، فلا رب غيره، وفي عبادته فلا يعبد غيره، وفي أسمائه وصفاته فلا يشاركه فيها غيره، وفي الاتباع فلا يتبع إلا وحيه وهو القرآن والحديث الثابت، وعلى هذه الأربعة نويت أن أؤلف هذا الكتاب وقد بدأته وتمامه على الله، فاتباع توحيد الله تعالى بأنواعه الأربعة فرض على كل مسلم، والإعراض عن المشركين بمخالفتهم والبراءة منهم واجب حتم. الباب الرابع عشر قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ

стр. 347

فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١ - ١٢٢] قال (ك): «استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها [وإن] (١) كان الذابح مسلمًا، وقد اختلف الأئمة ﵏ في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال: لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدًا أو سهوًا، وهو مروي عن ابن عمر ونافع مولاه وعامر الشعبي ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل، نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح (٢) محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه «الأربعين» (٣) واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ثم أكد في هذه الآية بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والضمير قيل: عائد على الأكل، وقيل: عائد على الذبح لغير الله، وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي عدي ابن حاتم (٤) وأبي ثعلبة (٥): «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه، فكل ما أمسك عليك». [وهو] (٦) في الصحيحين أيضًا، وحديث ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال للجن: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه». رواه مسلم (٧)،

стр. 348

وحديث جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله ﷺ : «من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله». أخرجاه (١) (٢)، وعن عائشة ﵂: «أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: سموا عليه أنتم وكلوا»، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر. رواه البخاري (٣)، ووجه الدلالة، أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها، وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح، إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد. والمذهب الثاني في المسألة: إنه لا يشترط التسمية بل هي مستحبة؛ فإن تركها عمدًا أو نسيانًا لا يضر، وهذا مذهب الإمام الشافعي ﵀ وجميع أصحابه ورواية عن الإمام أحمد نقلها عنه حنبل وهو رواية عن الإمام مالك، ونص على ذلك أشهب (٤) وحمل الشافعي الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقال ابن جريج عن عطاء: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس، وهذا المسلك الذي [طرده] (٥) الإمام الشافعي قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل الواو في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقًا ولا يكون فسقًا حتى يكون قد أهل به لغير الله، ثم ادعى أن هذا متعين، ولا يجوز أن تكون الواو عاطفة؛ لأنه يلزم فيه (٦) عطف جملة اسمية خبرية على جملة فعلية طلبية، وهذا ينتقض عليه بقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ فإنها عاطفة لا محالة، فإن كانت الواو التي ادعى أنها حالية (٧) بطل ما قال من أصله والله أعلم.

стр. 349

وقال ابن أبي حاتم (١) بسنده عن ابن عباس في الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: هي الميتة، وقد استدل لهذا المذهب بما رواه أبو داود في «المراسيل» (٢)، وذكر سنده إلى الصَّلت السَّدُوسي قال: قال رسول الله ﷺ : «ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله». وهذا مرسل يعضد بما رواه الدراقطني (٣) عن ابن عباس أنه قال: «إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله». المذهب الثالث في المسألة: إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانًا لم يضر وإن تركها عمد لا (٤) تحل، هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه وهو يحكى (٥) عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والحسن البصري وأبي مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وقال أبو جعفر ابن جرير ﵀: من حرم ذبيحة الناسي، فقد خرج من قول جميع الحجة وخالف الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ ، يعني ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي (٦) بسنده عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «المسلم يكفيه اسمه إن نسي

стр. 350

أن يسمي حين يذبح، وليذكر اسم الله وليأكل، وهذا الحديث رفعه خطأ أخطأ فيه معقل بن عبيد الله [الجزري] (١)، ورواه سعيد بن منصور بسنده عن ابن عباس موقوفًا، قال (ك): «وهذا أصح، نص عليه البيهقي (٢). قال (ع): ولا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه» (٣). قال (ك): «وهذا الذي قاله صحيح» (٤) وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ روى ابن أبي حاتم (٥) بسنده إلى عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ﵃، أنهما قالا في المختار بن أبي عبيد لما ادعى أن الوحي ينزل عليه صدق، وقرأ هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يعنيان أن المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب كان من أولياء الشياطين. قال محمد تقي الدين مرادهما: أن الوحي الذي ادعاه المختار ابن أبي عبيد هو من وحي الشياطين، ثم قال (ك): روى أبو داود (٦) وذكر سنده عن =

стр. 351

عبد الله بن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: نأكل مما قتلناه ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال (ك) بعد كلام: «وهذا فيه نظر من وجوه ثلاثة: أحدها: إن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا. الثاني: إن الآية من الأنعام (١) مكية. الثالث: إن هذا الحديث رواه الترمذي (٢) وذكر سنده عن ابن عباس أن ناسًا أتوا النبي ﷺ … إلى آخره،

стр. 352

وقال الترمذي: حسن غريب»، ثم ذكر (ك) أخبارًا ونقولًا تدل على أن الذي قال ذلك هم المشركون، وهو الصحيح؛ لأنهم يأكلون الميتة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] وقد روى الترمذي (١) في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله، ما عبدوهم، فقال: «بلى، إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم» (٢). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: الذي نختاره من هذه الأقوال الثلاثة هو أن الذبيحة إذا ترك ذابحها التسمية سهوًا يجوز أكلها وإن تركها عمدًا لا يجوز أكلها، والمراد بالشرك هنا كما قال (ك) الله: جعل التشريع لغير الله، فمن اتخذ إمامًا أو شيخًا وبالغ في تعظيمه حتى جعل له الحكم إذا حلل شيئًا أو حرمه أو أوجبه لم يطالبه بدليل، بل لو كان قوله مخالفًا لكلام الله وكلام رسوله رجحه عليهما، وقال: (إمامي) أو شيخي أعلم بالحديث وبالقرآن فقد أشرك بالله واتخذ شيخه وإمامه ربًا من دون الله، وسيأتي إن شاء الله مزيد على هذا في (القسم الثاني) من هذا الكتاب عند تفسير آية التوبة المشار إليها أعلاه. الباب الخامس قال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] قال محمد تقي الدين: وجدت تفسير هذه الآية في (ك) محرفًا فاسدًا (٣)

стр. 353

فاضطررت أن أفسرها بكلامي مما فهمته من التفاسير، قال تعالى عائبا على المشركين: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾ أي: خلق ﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾ أي: غلة الزرع ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، ﴿نَصِيبًا﴾ أي: قسما، وجعلوا لأوثانهم نصيبا آخر، فقالوا: هذا الله، وأطعموه الضيوف والمساكين، وأما النصيب الذي جعلوه لأوثانهم فإنهم يعطونه سدنتها، فإذا وقع من النصيب الذي جعلوه الله شيء في النصيب الذي جعلوه لأوثانهم تركوه مع نصيب الأوثان، وقالوا: إن الله غني، والأوثان فقيرة، أما إذا وقع في النصيب الذي جعلوه الله شيء من النصيب الذي جعلوه لأوثانهم أخذوه وردوه إلى نصيب الأوثان، وهذا يدل على أن خوفهم ورجاءهم للأوثان أكثر من خوفهم ورجائهم الله تعالى، فلذلك يتساهلون في حق الله ولا يتساهلون في حق الأوثان. وهكذا يعمل مشركو هذا الزمان، وقد تقدم بيان ذلك، هذا معنى ما رأيته في عدة من التفاسير، ويظهر لي أن معنى الآية أن المشركين، يتصدقون بنصيب من أموالهم لوجه الله، ويتصدقون بنصيب آخر تقربا إلى أوثانهم، فما جعلوه الله لا يقبله منهم فلا يصل إلى الله، أي: لا يكون مقبولا عنده، وما جعلوه من الصدقة لشركائهم فهو للشركاء وكذلك ما جعلوه الله أيضا يرجع للشركاء؛ لأن الله تعالى غني عن الشرك ولا يقبل من العمل إلا ما كان كله خالصا له، فمن جعل من عبادته تسعمائة وتسعة وتسعين جزءا الله تعالى وجزءا واحدا لغير الله تعالى، أحبط الله عمله ولم يقبل من عبادته شيئا، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (١). وفي حديث آخر يقول الله تعالى: «أنا خير الشريكين» (٢) وهذا المعنى ظاهر في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ١ - ٣] فنفى الله عنهم عبادته مع أنهم كانوا يعبدونه بالحج والصدقة لأنهم كانوا يعبدون معه غيره.

стр. 354

وفي هذا الزمان ينفق المشركون الأموال الكثيرة بسخاء وطيب نفس تقربًا إلى آلهتهم التي يسمونها أولياء، ويمنعون الزكاة والصدقة لأنهم يخافون أولياءهم وشركاءهم الذين اتخذوهم مع الله، ويرجون منهم ما لا يخافون ولا يرجون من الله تعالى، ولو ساووهم بالله تعالى لكانوا من أكفر الكافرين وأظلم الظالمين، كما قال تعالى حكاية عن المشركين السابقين في سورة الشعراء: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٩٢ - ١٠٢]. قلت: وقد كانوا مؤمنين بتوحيد الربوبية، فلم ينفعهم ذلك شيئًا؛ لأنهم أشركوا مع الله في عبادته. اهـ. الباب السادس عشر قال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١] قال (ك): «عن ابن مسعود ﵁ قال: «من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه، فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١)، وأخرج الحاكم في «مستدركه» (٢) عن ابن عباس قال: «في الأنعام آيات محكمات من أم

стр. 355

الكتاب، ثم قرأ ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآيات، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأما تفسيرها، فيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذي عبدوا غير الله وحرموا ما رزقهم الله، وقتلوا أولادهم، وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿تَعَالَوْا﴾ أي: هلموا وأقبلوا ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: أقص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقًا لا تخرصًا ولا ظنًا، بل وحيًا منه وأمرًا من عنده ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وكأن في الكلام محذوفًا دل عليه السياق، وتقديره: وأوصاكم ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ولهذا قال في آخر الآية: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وتقول العرب: «أمرتك أن لا تقوم». وفي «الصحيحين» (١) من حديث أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا من أمتك دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق قلت: وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر؟ قال: وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر». وفي بعض الروايات، أن قائل ذلك إنما هو أبو ذر لرسول الله ﷺ ، وأنه ﵊ قال في الثالثة: «وإن رغم أنف أبي ذر» فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث: «وإن رغم أنف أبي ذر». وفي بعض «المسانيد» و «السنن» (٢) عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ :
следующие страницы →