← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

عبد الله بن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: نأكل مما قتلناه ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال (ك) بعد كلام: «وهذا فيه نظر من وجوه ثلاثة: أحدها: إن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا. الثاني: إن الآية من الأنعام (١) مكية. الثالث: إن هذا الحديث رواه الترمذي (٢) وذكر سنده عن ابن عباس أن ناسًا أتوا النبي ﷺ … إلى آخره،

стр. 352

وقال الترمذي: حسن غريب»، ثم ذكر (ك) أخبارًا ونقولًا تدل على أن الذي قال ذلك هم المشركون، وهو الصحيح؛ لأنهم يأكلون الميتة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] وقد روى الترمذي (١) في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله، ما عبدوهم، فقال: «بلى، إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم» (٢). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: الذي نختاره من هذه الأقوال الثلاثة هو أن الذبيحة إذا ترك ذابحها التسمية سهوًا يجوز أكلها وإن تركها عمدًا لا يجوز أكلها، والمراد بالشرك هنا كما قال (ك) الله: جعل التشريع لغير الله، فمن اتخذ إمامًا أو شيخًا وبالغ في تعظيمه حتى جعل له الحكم إذا حلل شيئًا أو حرمه أو أوجبه لم يطالبه بدليل، بل لو كان قوله مخالفًا لكلام الله وكلام رسوله رجحه عليهما، وقال: (إمامي) أو شيخي أعلم بالحديث وبالقرآن فقد أشرك بالله واتخذ شيخه وإمامه ربًا من دون الله، وسيأتي إن شاء الله مزيد على هذا في (القسم الثاني) من هذا الكتاب عند تفسير آية التوبة المشار إليها أعلاه. الباب الخامس قال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] قال محمد تقي الدين: وجدت تفسير هذه الآية في (ك) محرفًا فاسدًا (٣)

стр. 353

فاضطررت أن أفسرها بكلامي مما فهمته من التفاسير، قال تعالى عائبا على المشركين: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾ أي: خلق ﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾ أي: غلة الزرع ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، ﴿نَصِيبًا﴾ أي: قسما، وجعلوا لأوثانهم نصيبا آخر، فقالوا: هذا الله، وأطعموه الضيوف والمساكين، وأما النصيب الذي جعلوه لأوثانهم فإنهم يعطونه سدنتها، فإذا وقع من النصيب الذي جعلوه الله شيء في النصيب الذي جعلوه لأوثانهم تركوه مع نصيب الأوثان، وقالوا: إن الله غني، والأوثان فقيرة، أما إذا وقع في النصيب الذي جعلوه الله شيء من النصيب الذي جعلوه لأوثانهم أخذوه وردوه إلى نصيب الأوثان، وهذا يدل على أن خوفهم ورجاءهم للأوثان أكثر من خوفهم ورجائهم الله تعالى، فلذلك يتساهلون في حق الله ولا يتساهلون في حق الأوثان. وهكذا يعمل مشركو هذا الزمان، وقد تقدم بيان ذلك، هذا معنى ما رأيته في عدة من التفاسير، ويظهر لي أن معنى الآية أن المشركين، يتصدقون بنصيب من أموالهم لوجه الله، ويتصدقون بنصيب آخر تقربا إلى أوثانهم، فما جعلوه الله لا يقبله منهم فلا يصل إلى الله، أي: لا يكون مقبولا عنده، وما جعلوه من الصدقة لشركائهم فهو للشركاء وكذلك ما جعلوه الله أيضا يرجع للشركاء؛ لأن الله تعالى غني عن الشرك ولا يقبل من العمل إلا ما كان كله خالصا له، فمن جعل من عبادته تسعمائة وتسعة وتسعين جزءا الله تعالى وجزءا واحدا لغير الله تعالى، أحبط الله عمله ولم يقبل من عبادته شيئا، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (١). وفي حديث آخر يقول الله تعالى: «أنا خير الشريكين» (٢) وهذا المعنى ظاهر في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ١ - ٣] فنفى الله عنهم عبادته مع أنهم كانوا يعبدونه بالحج والصدقة لأنهم كانوا يعبدون معه غيره.

стр. 354

وفي هذا الزمان ينفق المشركون الأموال الكثيرة بسخاء وطيب نفس تقربًا إلى آلهتهم التي يسمونها أولياء، ويمنعون الزكاة والصدقة لأنهم يخافون أولياءهم وشركاءهم الذين اتخذوهم مع الله، ويرجون منهم ما لا يخافون ولا يرجون من الله تعالى، ولو ساووهم بالله تعالى لكانوا من أكفر الكافرين وأظلم الظالمين، كما قال تعالى حكاية عن المشركين السابقين في سورة الشعراء: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٩٢ - ١٠٢]. قلت: وقد كانوا مؤمنين بتوحيد الربوبية، فلم ينفعهم ذلك شيئًا؛ لأنهم أشركوا مع الله في عبادته. اهـ. الباب السادس عشر قال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١] قال (ك): «عن ابن مسعود ﵁ قال: «من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه، فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١)، وأخرج الحاكم في «مستدركه» (٢) عن ابن عباس قال: «في الأنعام آيات محكمات من أم

стр. 355

الكتاب، ثم قرأ ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآيات، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأما تفسيرها، فيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذي عبدوا غير الله وحرموا ما رزقهم الله، وقتلوا أولادهم، وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿تَعَالَوْا﴾ أي: هلموا وأقبلوا ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: أقص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقًا لا تخرصًا ولا ظنًا، بل وحيًا منه وأمرًا من عنده ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وكأن في الكلام محذوفًا دل عليه السياق، وتقديره: وأوصاكم ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ولهذا قال في آخر الآية: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وتقول العرب: «أمرتك أن لا تقوم». وفي «الصحيحين» (١) من حديث أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا من أمتك دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق قلت: وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر؟ قال: وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر». وفي بعض الروايات، أن قائل ذلك إنما هو أبو ذر لرسول الله ﷺ ، وأنه ﵊ قال في الثالثة: «وإن رغم أنف أبي ذر» فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث: «وإن رغم أنف أبي ذر». وفي بعض «المسانيد» و «السنن» (٢) عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 356

يقول الله تعالى: «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك ما كان منك ولا أبالي، ولو أتيتني بقراب الأرض خطايا أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئًا، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك». ولهذا شاهد في القرآن قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وفي «صحيح مسلم» (١) عن ابن مسعود: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة» والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًا، وروى ابن مردويه من حديث عبادة وأبي الدرداء (٢): «لا تشركوا بالله شيئًا وإن قطعتم أو صلبتم أو حرقتم».

стр. 357

وَقَوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأوصاكم وأمركم بالوالدين إحسانًا، أي أن تحسنوا إليهما (١) كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقرأ بعضهم (٢): ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا، أي: أن تحسنوا إليهما (٣) والله تعالى كثيرًا ما يقرن بين طاعته وبر الوالدين، كما قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٤، ١٥]، فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] الآية، والآيات كثيرة، وفي الصحيحين (٤) عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قال: حدثني بهن رسول الله ﷺ ، ولو استزدته لزادني». وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه، بسنده عن أبي الدرداء، وعن عبادة بن الصامت كل منهما يقول: أوصاني خليلي رسول الله ﷺ : «أطع والديك وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا فافعل (٥). ولكن في إسناديهما ضعف» (٦). قال محمد تقي الدين: إن صحت هذه العبارة عن النبي ﷺ فالمراد بها لو ملكت ما ملكت من متاع الدنيا، وأراد منك الوالدن أن تعطيهما إياه، فافعل، وإن كان الحديث غير صحيح ولا حسن فلا يثبت به حكم. اهـ. قال (ك): ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لما أوصى تعالى بالوالدين والأجداد (٧) عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء.

стр. 358

والأحفاد، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سولت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يئدون البنات خشية العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار، ولهذا ورد في «الصحيحين» (١) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل الله ندا وهو خلقك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية وقوله تعالى: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ قال ابن عباس: هو الفقر، أي: لا تقتلوهم من فقركم الحاصل، وقال في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] أي: لا تقتلوهم خوفًا من الفقر (٢) في الآجل، ولهذا قال هناك: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي لا تخافوا من ظفركم بسبب رزقهم (٣) على الله، وأما هنا فلما كان الفقر حاصلًا قال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لأنه الأهم ههنا، والله أعلم، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وقد تقدم تفسيرها في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] وفي «الصحيحين» (٤) عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن». وقال عبد الملك بن عُمير عن رواد عن مولاه المغيرة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت مع امرأتي رجلًا لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (٥). وقوله تعالى:

стр. 359

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وهذا مما نص ﵎ عن النهي عنه تأكيدًا، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فقد جاء في «الصحيحين» (١) عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». وقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهد وهو المستأمن من أهل الحرب، فروى البخاري (٢) عن عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ مرفوعًا: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا». وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من قتل معاهدًا له ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا». رواه ابن ماجه والترمذي (٣)، وقال: حسن صحيح، وقوله: ﴿ذلكم وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: هذا [مما] وصاكم به لعلكم تعقلون عن الله أمره ونهيه» (٤). اهـ. قال محمد تقي الدين: اشتملت هذه الآية على خمس وصايا: الأولى: توحيد الله تعالى والنهي عن الشرك به. والثانية: بر الوالدين. والثالثة: النهي عن قتل الأولاد الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، وفي هذا الزمان يقتلون النطف في الأرحام منعًا من الحمل خوفًا من قلة الرزق، وهذا يؤول بهم إلى إنكار القرآن، وقد قال الله تعالى في مواضع كثيرة، أنه متكفل برزق كل مخلوق، كقوله تعالى في أول سورة هود: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وكقوله في هذه الآية: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ إلى غير ذلك ولم يقتصروا على قتل النطف بمنعها من الوصول إلى الرحم مع أن النبي ﷺ

стр. 360

قال في العزل: «إنه الموؤدة الصغرى» (١)، أي: قتل الأولاد الأصغر حتى أضافوا إلى ذلك قتل الجنين في رحم أمه؛ مخافة أن يأكل معهم. وليس العجب من الأوربيين إذا فعلوا ذلك فإنهم جاهلون بالله وبصفاته، ولكن العجب ممن يدعي الإسلام، ويؤمن بهذا الضلال ويقتبسه منهم كأنه فضيلة، وقد كانت حكومة «هتلر» تقرض كل رجل وامرأة يريدان الزواج خمسة آلاف مارك ألماني بشرط أن يفحصهما طبيب ويجدهما صالحين للتناسل، أما الغرباء الذين ليسوا جرمانيين ولا أوربيين فكانوا يمنعونهم من التناسل ويجبرونهم على الاختصاء تعصبًا منهم لجنسهم، وهؤلاء الجاهلون يقطعون نسل أبناء جنسهم، وقد ألفت مقالة طويلة في حكم منع النسل، وأقمت البراهين على بطلانه من الوجهة الشرعية ومن الوجهة الاقتصادية، إلا إذا كان فيه ضرر محقق على الوالدين أو الأولاد، فيكون بقدره ونشر هذا المقال في صحيفة «دعوة الحق» (٢) المغربية. الرابعة: النهي عن إتيان الفواحش وهي الكبائر ما ظهر منها وما بطن. الخامسة: تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا من أوجب الشرع قتله لإقامة العدل بين الناس. وهناك خمس وصايا أخرى لم نثبت آياتها وتفسيرها اختصارًا، وهي: أكل مال اليتيم، وإيفاء الكيل والميزان، والتزام العدل في القول والعمل، والوفاء بالعهد، واتباع الصراط المستقيم، وهو ما كان عليه النبي ﷺ من أمور الدين فهذه عشر وصايا جمعت الخير كله، ما من أمة تحافظ عليها إلا سعدت في دنياها وآخرتها، وما من أمة تضيعها إلا شقيت في عاجلها وآجلها، وبالله التوفيق.

стр. 361

الباب السابع عشر ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ … ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ … ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٤] قال (ك): «يقول تعالى آمرًا نبيه ﷺ سيد المرسلين، أن يخبر بما أنعم (١) به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أي قائمًا ثابتًا: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣]. وليس يلزم من كونه ﷺ أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها؛ لأنه ﵇ قام بها قيامًا عظيمًا، وأكملت له إكمالًا تامًا لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال، ولهذا كان خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق حتى (٢) الخليل ﵇، وروى ابن مردويه (٣) بسنده عن ابن أبزى عن أبيه قال كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال:

стр. 362

«أُصْبِحْنا على مِلَّةِ الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين». وقال الإمام أحمد (١) بسنده إلى ابن عباس أنه قال: قيل لرسول الله ﷺ : أي الأديان أحب إلى الله تعالى؟ قال: «الحنيفية السمحة»، وقال أحمد بسنده (٢) عن عائشة ﵂ قالت: وضع رسول الله ﷺ ذقني على منكبه لأنظر إلى زفن الحبشة، حتى كنت التي مللت فانصرفت عنه، قال عبد الرحمن عن أبيه قال: قال لي عروة أن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يومئذ: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة». أصل الحديث مخرج في «الصحيحين» (٣)، والزيادة لها شواهد من طرق عدة. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته (٤) ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] أي: أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى، قال ابن أبي حاتم (٥) بسنده عن جابر بن عبد الله قال: ضحى رسول الله ﷺ في

стр. 363

يوم عيد النحر بكبشين، وقال حين ذبحهما: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. وقوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال قتادة: أي من (١) هذه الأمة، وهو كما قال، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقد أخبر تعالى عن نوح أنه قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٢] وقال يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وقال موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس: ٨٤ - ٨٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤] [وقال] (٢) تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى

стр. 364

الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]. فأخبر تعالى أنه بعث رسله بالإسلام، ولكنهم متفاوتون فيه بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضًا، إلى أن نسخت بشريعة محمد ﷺ التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال قائمة منصورة، وأعلامها منشورة (١) إلى قيام الساعة، ولهذا قال ﷺ : «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد» (٢) وأولاد (٣) العلات هم الإخوة من أب واحد، وأمهات شتى، فالدين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات، كما أن إخوة الأخياف عكس هذا بنو الأم الواحدة من آباء شتى، والإخوة الأعيان الأشقاء من أب واحد وأم واحدة، وقال الإمام أحمد بسنده (٤) عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر استفتح ثم قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي أنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك». ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد. وقد رواه مسلم في «صحيحه». ثم قال (ك): «يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة له والتوكل عليه: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ أي: أطلب ربًا سواه ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يربيني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي: لا أتوكل إلا عليه ولا أنيب إلا إليه؛ لأنه رب كل شيء ومليكه وله الخلق والأمر، ففي هذه الآية الأمر (٥) بإخلاص التوكل، كما تضمنت (٦) التي قبلها إخلاص العبادة لله وحده لا

стр. 365

شريك له، وهذا المعنى (١) يقرن بالآخر كثيرًا في القرآن كقوله تعالى مرشدًا لعباده أن يقولوا له: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [المائدة: ٢٩] وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] وأشباه ذلك من الآيات. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ إخبار عن الواقع يوم القيامة في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة (٢) أحد على أحد، وهذا من عدله تعالى كما قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] قال علماء التفسير أي: فلا يظلم بأن يحمل عليه سيئات غيره ولا يهضم بأن ينقص من حسناته، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩] معناه كل نفس مرتهنة بعملها السوء (٣)، ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فإنه قد تعود بركة (٤) أعمالهم الصالحة على ذرياتهم وقراباتهم، كما قال في سورة الطور: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] أي: ألحقنا بهم ذريتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة، وإن لم يكونوا قد شاركوهم في الأعمال بل في أصل الإيمان. ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ أي: أنقصنا (٥) أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئًا، حتى ساويناهم وهؤلاء الذين هم أنقص منهم منزلة، بل رفعهم تعالى إلى منزلة (٦) الآباء ببركة أعمالهم بفضله ومنه (٧)، ثم قال: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] أي من شره (٨) كقوله (٩): ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

стр. 366

[الأنعام: ١٦٤] أي: اعملوا على مكانتكم إنا عاملون على ما نحن عليه، فستعرضون ونعرض عليه، وينبئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم، وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا، كقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٥ - ٢٦] (١). فائدة قال محمد تقي الدين: قول (ك): «إن أصل الإسلام عبادة الله وحده لا شريك له». يريد بذلك الإسلام الصحيح الذي يكون فيه القلب مطابقًا للسان والجوارح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] أما إسلام المنافقين وأدعياء الإسلام من المشركين، فإنه لا ينفعهم ولا يرفعهم بل هم في الدرك الأسفل من النار، فمن يلتجئ إلى غير الله في قضاء الحاجات وتفريج الكربات، أو يحلل ما حرم الله، أو يستحسن الحكم بغير ما أنزل الله، فلا حظ له في الإسلام الصحيح ولا نجاة له من الخلود في العذاب الأليم، إن لم يتب ويخلص الدين الله تعالى قبل موته.

стр. 367

سورة الأعراف الباب الأول قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠]. قال (ك): «قوله (١) تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل والاستقامة ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ أي: أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المويدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاؤوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، وأن يكون خالصًا من الشرك. وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ قال (ع): عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولًا كذلك يعيدكم آخرًا، وأيده بما رواه عن ابن عباس (٢) قال: «قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: يا أيها الناس، إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾». وهذا الحديث مخرج في «الصحيحين» (٣). قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾.

стр. 368

كل من هداه الله تعالى فبفضله، وكل من أضله فبعدله، ولكن من طلب الهدى هداه الله، لقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم» (١). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] وقال في أهل الضلال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقال فيهم: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] وقال تعالى في سورة البقرة: ﴿إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦ - ٢٧] وقال هنا: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فقد زينت لهم الشياطين عبادة القبور والمقبورين فيها، وعبادة شيوخ التصوف والاستمداد منهم، وهو شرك. واعتقاد أنهم يؤثرون في قلب المريد إذا رضوا عنه، إما فتحًا وتنويرًا وجذبًا إلى الله تعالى، وإما طردًا وإبعادًا وطمسًا للقلب وسدًا له، وهذا شرك في الربوبية، فإن الذي يعطي ويمنع وينور القلوب ويزيل ظلمتها وقسوتها ويصلحها ويملؤها نورًا وخشوعًا وتوكلًا على الله وإيمانًا به، ليس الشيخ المتصوف ولا غيره من الخلق، وإنما يفعل ذلك الله وحده لا شريك له، وصحبة التلميذ لمعلمه إذا كان المعلم من أهل العلم والعمل، والأخلاق الكريمة، يستفيد منها التلميذ، كما يدل على ذلك قصة طلب موسى لصحبة الخضر، أما التأثير، فلله وحده لا شريك له، بيده الهداية والإضلال والنفع والضر، سبحانه عما يشركون. الباب الثاني قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] معنى تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن تقدم في (الباب السادس عشر) من (سورة الأنعام)، والإثم قال (ك): «حاصل ما فسر به الإثم: إنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي: هو التعدي على (٢) الناس، فحرم الله هذا وهذا،

стр. 369

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ أي تجعلوا له شركاء في عبادته: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من الافتراء والكذب، من دعوى أن له ولدًا ونحو ذلك مما لا علم لكم به، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ … ﴾ [الحج: ٣٠] (١). اهـ. قال محمد تقي الدين: فسر العلماء القول على الله بلا علم، بالقضاء والإفتاء بالتقليد؛ لأن التقليد جهل محض، فلا يجوز للمقلد أن يفتي، ولا أن يقضي في قليل ولا كثير؛ لأنه بمنزلة الأعمى، والأعمى يقاد ولا يقود، قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» (٢) نظمًا أنشده لنفسه ومنه قوله: لا فرق بين مُقَلَّد وبهيمة … تَنْقَادُ بين جنادل ودعاثر تبًا لقاض أو لمفت لا يرى … عِللًا ومعنى للمقال السائر فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة … المبعوث بالدين الحنيف الطاهر وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد … ومع الدليل فمل بفهم حاضر (٣) وقس الفروع على الأصول (٤) ولا تقس فرعًا بفرع كالجهول الحائر وهي طويلة فانظرها فيه، وقوله: وقس الفروع على الأصول … البيت، يعني: إذا لم تجد في المسألة نصًا من الكتاب ولا من السنة فقس الفروع على الأصول، والمراد بالفروع ما لم يرد فيه نص قسه على ما يماثله مما ورد فيه نص، مثال ذلك صدقة الفطر، فقد جاء في الحديث أنها كانت تؤدى في زمان النبي ﷺ من الشعير والبر والتمر والأقط (٥)، وهذا كان غالب قوتهم فالبلاد التي غالب قوت أهلها من الأرز، يؤدون صدقة الفطر من الأرز قياسًا على ما تقدم من قوت أهل المدينة في ذلك الزمان؛ لأن العلة واحدة وهي التغذية فهذا بيان قياس الفروع على الأصول، أما قياس الفروع على الفروع الذي نهى عنه الإمام أبو

стр. 370

عمر ابن عبد البر، فهو ما يفعله المقلدون للمذاهب، فإذا رأوا أن إمامهم لم يجد نصًا في مسألة فاجتهد وأفتى فيها برأيه، يتخذون رأيه أصلًا كأنه قرآن أو حديث، ويقيسون على تلك المسألة التي أفتى فيها إمامهم بالرأي ما يماثلها من المسائل ولا يبحثون عن النصوص، وقد أطال الحافظ ابن القيم الكلام في هذا المعنى في كتابه «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (١). اهـ. الباب الثالث قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٥٩ - ٦٢] قال (ك): لما ذكر تعالى قصة آدم في أول السورة وما يتعلق بذلك وما يتصل به وفرغ منه، شرع تعالى في ذكر قصص الأنبياء ﵈، الأول فالأول، فابتدأ بذكر نوح ﵇ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم ﵇، قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير: وكان أول ما عبدت الأصنام أن قومًا صالحين ماتوا فبنى قومهم عليهم مساجد وصوّروا (٢) أولئك فيها؛ ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم، فلما طال الزمان جعلوا (٣) أجسادًا على تلك

стр. 371

الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين ودًا، وسواعًا، ويغوث، ويعوق، ونسرًا، فلما تفاقم الأمر بعث الله - وله الحمد والمنة - رسوله نوحًا فأمرهم (١) بعبادة الله وحده لا شريك له فقال: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: من عذاب يوم القيامة، إذا لقيتم الله وأنتم مشركون به، ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا آباءنا عليها. وهكذا حال الفجار، إنما يرون الأبرار في ضلالة كقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] إلى غير ذلك من الآيات: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: ما أنا ضال، ولكن أنا رسول من رب العالمين، رب كل شيء ومليكه: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغًا (٢) فصيحًا ناصحًا عالمًا بالله لا يدركه (٣) أحد من خلق الله في هذه الصفات، كما جاء في «صحيح مسلم» (٤) أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم عرفة - وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعًا -: «أيها الناس، إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها عليهم، ويقول: «اللهم اشهد، اللهم اشهد» (٥). فصل قال محمد تقي الدين: في هذا الباب فائدتان: الأولى: أن الغلو في قبور الصالحين يصيّرها أوثانًا تعبد من دون الله كما وقع لقوم نوح، ومن أعظم أسباب الشرك بالله الغلو في الأنبياء والصالحين والمبالغة في تعظيمهم، إلى أن يجعل لهم حق الله، وهو العبادة كما فعلت

стр. 372

النصارى مع عيسى وكما يفعل المشركون الأولون والآخرون مع قبور الصالحين، وقد قال النبي ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» (١). وقد تقدم في الآية السابقة التنبيه على مفاسد الغلو. الثانية: إن المحاربين لدعوة الرسل وأتباعهم في كل زمان ومكان هم الرؤساء والكبراء ومن يقتدي بهم من العوام، ولكن العاقبة لأهل التوحيد، والخسران لأهل الشرك، جعلنا الله ممن نصر توحيده واتبع سنة نبيه ﷺ . الباب الرابع قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ (٧١) فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾ [الأعراف: ٦٥ - ٧٢] قال (ك): «يقول تعالى: وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحًا كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هودًا، قال محمد بن إسحاق: هم ولد عاد بن إرم، قلت: هؤلاء هم عاد الأولى الذين ذكرهم الله وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى العمد

стр. 373

في البر كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨] وذلك لشدة بأسهم وقوتهم كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥]. وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف، وهي جبال الرمل، وقد كان هود من أشرف قومه نسبا؛ لأن الرسل إنما يبعثهم الله من أفضل القبائل وأشرفهم، ولكن كان قومه كما شدد خلقهم شدد على قلوبهم، وكانوا من أشد الأمم تكذيبا للحق، ولهذا دعاهم هود ﵇ إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى طاعته وتقواه: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ والملأ: هم الجمهور والسادة والقادة منهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: في ضلالة حيث [تدعونا] (١) إلى ترك عبادة الأصنام والإقبال على عبادة الله وحده، كما تعجب الملأ من قريش من الدعوة إلى إله واحد، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ … ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٥ - ٧]، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) أي: إني لست كما تزعمون، بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء، فهو رب كل شيء ومليكه. ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل: البلاغ (٣)، والنصح، والأمانة: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾ أي: لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولا من أنفسكم لينذركم أيام الله ولقاءه، بل احمدوا الله على ذلكم (٤): ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي: واذكروا نعمة الله عليكم في (٥) جعلكم من ذرية نوح الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته لما خالفوه وكذبوه ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ أي: زاد طولكم على الناس ﴿بَسْطَةً﴾ أي: جعلكم أطول من أبناء جنسكم كقوله في قصة طالوت: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]،

стр. 374

﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ أي: نعمته ومنته عليكم: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والآلاء جمع ألى». ثم قال (ك) يخبر تعالى عن تمردهم وطغيانهم وعنادهم وإنكارهم على هود ﵇: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ الآية، كقول (١) الكفار من قريش: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره أنهم كانوا يعبدون أصنامًا، فصنم يقال له: صدًا (٢) وآخر يقال له: صمودًا (٣)، وآخر يقال له: إلهنا (٤)، ولهذا قال هود ﵇: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ أي: وقد وجب عليكم بمقالتكم هذه من ربكم رجس قيل: هو مقلوب من رجز، وعن ابن عباس: معناه سخط وغضب. ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم﴾ أي: أتحاجوني في هذه الأصنام التي ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم﴾ آلهة، وهي لا تضر ولا تنفع، ولا جعل الله لكم على عبادتها حجة ولا دليلًا، ولهذا قال: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ وهذا تهديد ووعيد من الرسول لقومه، ولهذا عقبه (٥) بقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وقد ذكر الله سبحانه صفة إهلاكهم في أماكن أخر من القرآن بأنه أرسل عليهم الريح العقيم، ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] (٦). اهـ. إيضاح قال محمد تقي الدين كل أمة استولى عليها الجهل بالله تعالى وفشت فيها عبادة الأوثان واتباع الهوى وعمها ظلام الكفر تبغض دعاة الحق في كل زمان وتقابلهم بالتمرد والعناد والتعجب، فالمشركون في هذا الزمان كالمشركين في الأزمنة الأولى، وجوابهم لدعاة الحق كجواب أولئك لرسلهم، والعلماء ورثة

стр. 375

الأَنبياء، والوارثُ يُلاقي من أهلِ الشِّركِ مثلَ ما لاقاه الموروث، ففي هذا الزمان إذا قُلنا لِعِبادِ القُبور: دَعوا عِبادةَ القُبورِ واتِّخاذَها أوثانًا واعبدوا اللهَ وَحدَه، قالوا: يا عَجَبًا مُنذُ خَلَقَنا اللهُ لم نَزَلْ نَرى العُلَماءَ الكِبارَ الذين لا تُساوي تُرابَ نِعالِهم وهم كانوا يَروننا نَذبَحُ للأولياءِ ونَنذُرُ لهم ونَتمسَّحُ بِقُبورِهم ونَستَغيثُ بهم فما نَهونا عن ذلك، ولا قالوا: إنَّه شِركٌ ولا كُفر، وآباؤُنا وجَدوا آباءَهم كذلك وعُلَماءُ زَمانِهم كذلك، فمِن أين أتيتَ بِهذا الدِّينِ الجديد، فإذا تَلَوتَ عليهم كتابَ الله، وذَكَرتَ لهم حديثَ رسول الله ﷺ ، قالوا: إنَّ أولئك العُلَماءَ يَعرِفون القُرآنَ والحديثَ أحسنَ مِنك، وعُلَماءُ زَمانِنا كذلك، فهل انحَصَرَ العلمُ فيك وَحدَك؟ فهل تُريدُ أن تُدَخِّلَنا في المذهبِ الوَهابي، وتَنقُلَنا من مَذهبِ أهلِ السُّنة؟ لا نَسمَعُ ولا نُطيع، فأنتَ تَرى أنَّ المُشرِكينَ تَشابَهَت قُلوبُهم وتَماثَلَت أجوبَتُهم لِلمُصلِحين، ورَحِمَ اللهُ الشيخَ عمرانَ اللّنجي (١) إذ يَقول: إِنْ كانَ تابِعُ أحمدَ مُتَوَهِّبًا … فأنا المُقِرُّ بِأنَّني وَهَّابي أنفي الشَّريكَ عن الإلهِ فليسَ لي … رَبٌّ سوى المُتَفَرِّدِ الوَهَّابِ لا قُبَّةٌ تُرْجَى ولا وَثَنٌ ولا … قَبرٌ له سببٌ من الأسباب (٢) أيضًا ولستُ مُعَلَّقًا لِتَميمةٍ … أو حَلقَةٍ أو وَدْعَةٍ أو نَابِ لِرَجاءِ نَفعٍ أو لدَفعِ مَضرَّة (٣) … اللهُ يَنفَعُني ويَدفَعُ ما بي والابتِداعُ وكُلُّ أمرٍ مُحْدَث … في الدِّينِ يُنْكِرُه ذَوُو (٤) الألبابِ أرجو بِأنّي لا أُقارِبُه ولا … أرضاهُ دِينًا وهو غيرُ صَواب (٥)

стр. 376

كالشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد (١) التقي الأواب (٢). وإذا قلت لهم: لماذا تخالفون حديث النبي ﷺ وهو صحيح صريح؟ قالوا: هذا مذهبنا، وإمامنا أعلم بالحديث منك، فما ترك العمل به إلا لأمر حمله على ذلك. فإن قلت لهم: متى أمركم الله أو أذن لكم أن تتخذوا هذا المذهب الذي يمنعكم من اتباع الرسول؟ فهل كانت للصحابة مذاهب أو للتابعين أو للأئمة المجتهدين أو لأحد من القرون المفضلة الثلاثة بنص النبي ﷺ : «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته، يخونون ولا يؤتمنون، ويعدون ولا يوفون» (٣). أو كما قال ﵊؟ يجيبونك عن هذا، أنت تريد أن تأتينا بالمذهب الخامس، ونحن راضون بمذهبنا لا نبغي به بديلًا، فيقال لهم: إن كان الصحابة والتابعون أهل القرون المفضلة من مبعث النبي ﷺ إلى مائة وعشرين سنة كلهم على المذهب الخامس، فما أحسن المذهب الخامس! والحق أنكم كاذبون، فإنه لا يوجد في الإسلام إلا مذهب واحد، وهو ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وما حدث بعدهم من المذاهب فهو ذاهب. اهـ. الباب الخامس قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ

стр. 377

وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٣ - ٧٩]. قال (ك): قال علماء (١) النسب: ثمود بن عاثر، أخو جديس بن عاثر، وكذلك قبيلة طسم، كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل ﵇، وكانت ثمود بعد عاد ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام، إلى وادي القرى وما حولها. ثم قال: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ أي: ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحا: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فجميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ أي: قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به، وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية، واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صماء - عينوها بأنفسهم، وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها: الكاتبة - فطلبوا منه أن تخرج (٢) لهم منها ناقة عشراء تمخض، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبهم (٣) ليؤمنن به وليتبعنه، فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، قام صالح ﵇ إلى صلاته ودعا الله ، فتحركت تلك

стр. 378

الصخرة، ثم انصدعت عن ناقة (١) وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها (٢) فأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها وتدعه لهم يومًا (٣) وكانوا يشربون لبنها يوم شربها يحتلبونها فيملأون ما شاؤوا من أوعيتهم وأوانيهم كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] وقال تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] (٤). فلما طال (٥) واشتد تكذيبهم لصالح النبي ﵇، عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم، فيقال: إنهم اتفقوا كلهم على قتلها، قال قتادة: بلغني أن الذي قتلها (٦) طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن (٧)، قلت: وهذا هو الظاهر لقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤] وقال: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩] وقال: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ فأسند (٨) ذلك إلى (٩) مجموع القبيلة، فدل على رضى جميعهم بذلك، فلما عقروا الناقة وقتلوها قال لهم نبيهم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] أي: وبعدها يأتيكم العذاب، وعد الله الذي وعد به رسوله صالحًا، وكان الذين تولوا عقر الناقة تسعة رهط كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النحل: ٤٨] وتقاسموا فيما بينهم وتعاهدوا على قتل صالح، وقالوا: إن كان صادقًا عجلنا به قبلنا، وإن كان كاذبًا ألحقناه بناقته، قال الله تعالى في سورة النمل: ﴿قَالُوا﴾

стр. 379

تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٤٩ - ٥١] فأهلك الله أولئك الرهط وعجل لهم الهلاك قبل قومهم. وبعد ثلاثة أيام جاءت الصيحة فأهلكتهم جميعًا في ساعة واحدة: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أي: صرعى». ثم قال (ك): «هذا تقريع من صالح ﵇ لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله وإبائهم عن قبول الحق، وإعراضهم عن الهدى إلى العمى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعًا وتوبيخًا وهم يسمعون ذلك كما ثبت في «الصحيحين» (١): إن رسول الله ﷺ لما ظهر على أهل بدر أقام هناك ثلاثًا ثم أمر براحلته فشدت بعد ثلاث (٢) من آخر الليل، فركبها ثم سار حتى وقف على القليب - قليب بدر - فجعل يقول: يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا فلان ابن فلان، هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا، فقال له عمر: يا رسول الله! ما تكلم من أقوام قد جيفوا؟ فقال: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع مما أقول منهم ولكن لا يجيبون» (٣). قال محمد تقي الدين: العرب العاربة هم سكان الجزيرة العربية الذين ليسوا من ذرية إسماعيل ﵇؛ لأن إبراهيم أبا إسماعيل وإسحاق ليس عربيًا فابنه إسماعيل استعرب فهو وذريته مستعربون، وهذا يدل على أن كل من تعلم العربية وصارت لغته من القبائل يسمون عربًا وإن كانوا في الأصل عجمًا. والمقصود بسرد هذه القصة: بيان أن كل رسول أرسله الله إلى قومه يقول لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾؛ لأن التوحيد هو الأصل الذي تبنى عليه أمور الدين كلها، فإذا حقق وثبت ثبت ما بعده، وإذا لم يحقق ولم يثبت تهدم كل شيء من أمور الدين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] وهذا هو

стр. 380

الغرض من تأليف هذا الكتاب؛ لأن المسلمين في هذا الزمان بعدوا عن أصول دينهم، وفشت فيهم الضلالات، وشرها الشرك بالله، فبنوا القباب على القبور وزخرفوها وأنفقوا عليها الأموال الطائلة التي لا ينفقون عشرها في سبيل الله في بناء المساجد والمدارس الدينية والجهاد في سبيل الله وبناء دور اليتامى، وقد قال النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» - يحذر ما صنعوا - قالت راوية الحديث عائشة ﵂: «ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا». رواه البخاري ومسلم (١). واتخاذ القبور مساجد يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله، يدل على ذلك قول النبي ﷺ فيما رواه مالك في «الموطأ» (٢) أن النبي ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وإنما اشتد غضب الله عليهم؛ لأن اتخاذ المساجد على القبور يؤدي إلى عبادتها كما هو مشاهد. الباب السادس قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنكُمْ آمَنُوا

стр. 381

بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥ - ٩٣]. قال (ك): «مدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة، وهي التي بقرب معان من طريق الحجاز ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] وهم أصحاب الأيكة كما سنذكره إن شاء الله وبه الثقة، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ هذه دعوة الرسل كلهم: ﴿قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: قد أقام الله الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به. ثم وعظهم في معاملتهم الناس بأن يوفوا المكيال والميزان ولا يبخسوا الناس أشياءهم، أي: لا يخونوا الناس في أموالهم ويأخذوها على وجه البخس، وهو نقص المكيال والميزان خفية وتدليسًا كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦] وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، نسأل الله العافية منه». ثم قال تعالى إخبارًا عن شعيب الذي يقال له: خطيب الأنبياء لفصاحة عبارته وجزالة موعظته، قال (ك): «ينهاهم (١) ﵇ عن قطع الطريق الحسي والمعنوي بقوله: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي: تتوعدون الناس

стр. 382

بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم. قال السدي وغيره: كانوا عشارين، وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي: تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه والأول أظهر؛ لأنه قال: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ وهو الطريق (١)، وهذا الثاني وهو قوله: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: وتودون أن تكون سبيل الله عوجًا مائلة ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ أي: كنتم مستضعفين لقلتكم فصرتم أعزة لكثرة عددكم، فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك ﴿وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من الأمم الخالية والقرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله وتكذيب رسله. وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: قد اختلفتم عليَّ، ﴿فَاصْبِرُوا﴾ أي: انتظروا ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾ وبينكم أي: يفصل: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ فإنه سيجعل العاقبة للمتقين والدمار على الكافرين». ثم قال (ك): «هذا خبر (٢) من الله تعالى عما واجهت به الكفار نبيه شعيبًا ومن معه من المؤمنين في توعدهم إياه ومن معه بالنفي عن (٣) القرية، أو الإكراه على الرجوع في ملتهم والدخول معهم فيما هم فيه، وهذا خطاب مع الرسول، والمراد أتباعه الذين كانوا معه على الملة، وقوله: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ يقول: أو أنتم فاعلو ذلك ولو كنا كارهين ما تدعوننا (٤) إليه؟ فإنا إن رجعنا إلى ملتكم ودخلنا معكم فيما أنتم فيه (٥) أعظمنا الفرية على الله في جعل الشركاء معه أندادًا، وهذا تنفير منه عن اتباعهم (٦). ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ وهذا رد إلى الله المسبب (٧)، فإنه يعلم كل شيء وقد أحاط بكل شيء علما (٨) ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ أي: في أمورنا، ما نأتي منها وما نذر ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ أي:

стр. 383

احكم (١) بيننا وبين قومنا، وانصرنا عليهم: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ أي: خير الحاكمين فإنك العادل الذي لا يجور أبدًا». ثم قال (ك): «يخبر تعالى عن شدة كفرهم (٢) وتمردهم وعتوهم وما هم فيه من الضلال، وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق، ولهذا أقسموا وقالوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ فلهذا عقبه تعالى (٣) بقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أخبر تعالى (٤) أنهم أخذتهم الرجفة، وذلك كما أرجفوا شعيبًا وأصحابه، وتوعدوهم (٥) بالجلاء كما أخبر عنهم في سورة هود فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ والمناسبة هناك (٦) - والله أعلم ـ، أنهم لما تهكموا به (٧) في قولهم: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ الآية فجاءت الصيحة فأسكتتهم، وقال تعالى (٨) في سورة الشعراء: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية، فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة. وقد اجتمع عليهم ذلك كله: أصابهم ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجة (٩) من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح وفاضت النفوس وخمدت الأجسام: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي: كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها، ثم قال تعالى مقابلًا لقيلهم: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ ثم قال (ك): «أي: فتولى عنهم

стр. 384

شعيب بعد ﴿ما أصابهم﴾ (١) من العذاب والنقمة والنكال. وقال مقرّعًا لهم وموبخًا: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي: قد أديت إليكم ما أرسلت به، فلا آسف (٢) عليكم وقد كفرتم بما جئتكم به، فلهذا (٣) قال: ﴿فكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ (٤). فصل قال محمد تقي الدين: مَنْ حقق توحيد الله تعالى بأن أفرده بالعبادة، ولم يدع مع الله أحدًا، وحقق اتباع رسوله ﷺ ، واتخذه إمامًا وقدوة لا يبغي به بديلًا ويرضاه في طريقه دليلًا، لا بد أن يعمل بمقتضى الشهادتين، فيطيع الله ورسوله ويحافظ على الأوامر ويجتنب المنهيات، فلا يغش مسلمًا ولا معاهدًا، وفي «الصحيح» (٥): «أن النبي ﷺ ذهب إلى السوق فوجد صبرة من طعام، فأدخل يده فيها، فوجد أسفل الحب مبتلًا وأعلاه يابسًا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» فقال: يا رسول الله، أصابته السماء من الليل، فقال النبي ﷺ : «فهلا أظهرته؟ من غشنا فليس منا»»، هذا معنى الحديث. وبيان هذا الحديث، أن رجلًا من أهل المدينة كان يبيع الحبوب، فنزل المطر فابتل الحب، فجاء بحب ناشف لم يصبه المطر، فغطى الحب المبتل به، وهذا غش لأنه أخفى العيب الذي في حبه ولم يظهره للناس، فالذي يغش المسلمين أو المعاهدين لم يعمل بمقتضى الشهادتين، فمثل هؤلاء هم الذين يخونون الأمانات ويأكلون أموال الناس بلا حق، ولا يوفون الكيل ولا الميزان، ويفسدون في الأرض بعد إصلاحها، ويقعدون بكل سبيل يتوعدون الناس بالأذى ليأكلوا أموالهم بالمكس ونحوه، وهم أهل لكل شر لما عندهم من النفاق، ولأن قلوبهم خالية من نور الإيمان، وهو نور لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقوله: «كانوا عشارين» العشار: هو المكاس الذي يأخذ العشر من البضائع.

стр. 385

التي تمر عليه في الطريق، وأخذ المكس والأعشار حرام بالإجماع، وهو من أعظم الذنوب، يدلك على ذلك أن النبي ﷺ لما صلى على المرأة الغامدية التي اعترفت بالزنى وطلبت منه إقامة الحد ﵂، قيل له: كيف تصلي عليها وقد زنت؟ فقال: «إنها تابت توبة لو قسمت على سبعين منكم لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن تجود بنفسها؟» (١). اهـ. وصدق رسول الله ﷺ ، فإن الجود بالنفس أقصى غاية الجود، وفي رواية: «إنها تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له» (٢). وقد استباح الناس في هذا الزمان المكسوس في مشارق الأرض ومغاربها، وصارت عندهم من الأمر بالمعروف الذي لا ينكره الخاصة والعامة، فلذلك سلط الله عليهم عدوهم وأذلهم وأهانهم، ولا يزالون كذلك حتى يرجعوا إلى اتباع الرسول ﷺ في كل ما جاء به. فصل قوله تعالى: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقال: ما أشبه الليلة بالبارحة، فما زال المشركون يأكلون خير الله ويعبدون غير الله، ما زالوا في كل زمان ومكان يصدون الناس عن سبيل الله، أي: توحيد الله واتباع رسله، وفي هذا الزمان كل من وحد الله واتبع سنة رسوله ﷺ يقفون له بالمرصاد، ويقولون: احذروا فلانا فإنه وهابي وقد صدقوا وهم كاذبون، فإن من وحد الله واتبع رسوله ﷺ تصح نسبته إلى الوهاب سبحانه كما قال تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٩ - ٥٠] لما اعتزل إبراهيم المشركين في العراق وهو وطنه، وذهب في أرض الله متوكلًا على الله، وهب الله له ذرية طيبة إسماعيل وإسحاق، وبشره كذلك بيعقوب بن إسحاق ليرى أبناءه وأحفاده

стр. 386

صالحين، وأعطاه أموالًا كثيرة كما هو معروف في التاريخ، وقد أشار إلى ذلك القرآن، فإن الملائكة لما زاروه ضيوفًا بالغ في إكرامهم وجاءهم بعجل حنيذ، أي: مشوي، يفهم من ذلك أن أمواله كانت كثيرة، فيا أيها الشخص الذي أكرمه الله بالتوحيد واتباع السنة، ظفرت بحبل الله فاعتصم: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]. فصل قوله: «في توعدهم إياه بالنفي ومن معه، أو الإكراه على الرجوع في ملتهم». قال محمد تقي الدين هكذا كان المشركون الأولون يعاملون الرسل ومن معهم، ومشركو هذا الزمان يتبعونهم في ذلك، حذو النعل بالنعل، فإنهم متى دعاهم داع إلى توحيد الله واتباع سنة رسول الله ﷺ والحكم بشريعة الله يسعون في نفيه من البلاد أو يجبرونه على العودة في ملتهم الشركية، ولو بالسكوت والمشاركة، و (الساكت عن قول الحق شيطان أخرس) (١)، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] وقال تعالى فيها أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. وفي سنة ١٣٤١ هـ حججت الحجة الأولى في زمان ملك الحجاز الحسين بن علي واجتمعت بمحمد حبيب الله بن مايابا الشنقيطي ووقعت بيننا مناظرة، قال لي في أثنائها: أنت وهابي، وأنتم عندي معشر الوهابية ثلاثة أصناف: الصنف الأول: أهل نجد وهم عندنا كفار كاليهود والنصارى، ونحن المسلمون، والصنف الثاني: وهابية الشام، وأنت منهم وهذا الصنف عندنا ضلال، والصنف الثالث: وهم وهابية الهند، وهم عندنا مخطئون. وبعد هذه المناظرة سمعت أن جماعة من الحجاج الأندونيسيين من أصحاب الشيخ أحمد الشركتي (٢) رحمة الله عليه، جاهروا بالتوحيد فأنكر عليهم

стр. 387

الناس وساقوهم إلى مجلس العلماء، فسألهم أولئك المسمون بالعلماء؟ فاعترفوا، فاستتابوهم وهددوهم فتابوا، فلما سمعت هذا الخبر اختفيت ثمانية أيام في المعابدة عند بعض المغاربة؛ خوفا من أن يخبر الشيخ المذكور مجلس العلماء المعين من قبل الملك حسين، فيستتيبوني، وكان صاحب البيت الذي أنا فيه يذهب إلى المسجد الحرام ويتحسس: هل يبحث عني؟ فلم يسمع شيئا، وكانت هذه حسنة من ذلك الشيخ إذ لم يخبر عني، مع أنه من رجال المجلس ومن المقربين عند الملك حسين، انظر هذه القصة بتمامها وغيرها في كتابي «الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة» (١) فإن فيه من هذا القبيل الشيء الكثير، فنسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

стр. 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 390

الباب السابع قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ [الأعراف: ١٢٧ - ١٢٨] قال محمد تقي الدين عفا الله عنه: نظرت في تفاسير عدة لأنقل تفسير هاتين الآيتين كعادتي، فوجدتها مشحونة بالقال والقيل، اختلفت فيها الآراء، ولا دليل على شيء منها، والأصل فيما وقع قبل الإسلام أن يأتينا من طريق النبي ﷺ ، فإذا لم نجد خبرًا مرفوعًا إليه وتضاربت الآراء، توكلنا على الله وفسرنا القرآن بما يظهر لنا من اللفظ، فأقول: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ تقدم أنهم الأشراف والرؤساء متعجبين من فرعون لصبره على موسى وقومه، كيف تترك موسى وقومه يفسدون عقائد رعيتك بصرفهم عن طاعتك وعبادة آلهتك إلى طاعة الله وحده لا شريك له؟ ولا غرابة في ذلك، فإن المفسدين في كل زمان ومكان يرون الصلاح فسادًا، والفساد صلاحًا، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ [البقرة: ١١] فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ [البقرة: ١٢] وكانت لفراعنة المصريين ولرعاياهم آلهة يعبدونها كما سيأتي عن قريب في هذه السورة. وقول فرعون لموسى: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] لا يتنافى مع وجود تلك الآلهة التي هي أصنامهم، وتاريخ قدماء المصريين وآثارهم الباقية، لا تبقي شكًا فيما ذكرته، والمشركون في كل زمان ومكان لا يحبون من يعرض عن آلهتهم ولو لم يمنعهم من عبادتها، ولم يدعهم إلى عبادة الواحد الأحد، فكيف إذا عاب عليهم
следующие страницы →