← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

صالحين، وأعطاه أموالًا كثيرة كما هو معروف في التاريخ، وقد أشار إلى ذلك القرآن، فإن الملائكة لما زاروه ضيوفًا بالغ في إكرامهم وجاءهم بعجل حنيذ، أي: مشوي، يفهم من ذلك أن أمواله كانت كثيرة، فيا أيها الشخص الذي أكرمه الله بالتوحيد واتباع السنة، ظفرت بحبل الله فاعتصم: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]. فصل قوله: «في توعدهم إياه بالنفي ومن معه، أو الإكراه على الرجوع في ملتهم». قال محمد تقي الدين هكذا كان المشركون الأولون يعاملون الرسل ومن معهم، ومشركو هذا الزمان يتبعونهم في ذلك، حذو النعل بالنعل، فإنهم متى دعاهم داع إلى توحيد الله واتباع سنة رسول الله ﷺ والحكم بشريعة الله يسعون في نفيه من البلاد أو يجبرونه على العودة في ملتهم الشركية، ولو بالسكوت والمشاركة، و (الساكت عن قول الحق شيطان أخرس) (١)، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] وقال تعالى فيها أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. وفي سنة ١٣٤١ هـ حججت الحجة الأولى في زمان ملك الحجاز الحسين بن علي واجتمعت بمحمد حبيب الله بن مايابا الشنقيطي ووقعت بيننا مناظرة، قال لي في أثنائها: أنت وهابي، وأنتم عندي معشر الوهابية ثلاثة أصناف: الصنف الأول: أهل نجد وهم عندنا كفار كاليهود والنصارى، ونحن المسلمون، والصنف الثاني: وهابية الشام، وأنت منهم وهذا الصنف عندنا ضلال، والصنف الثالث: وهم وهابية الهند، وهم عندنا مخطئون. وبعد هذه المناظرة سمعت أن جماعة من الحجاج الأندونيسيين من أصحاب الشيخ أحمد الشركتي (٢) رحمة الله عليه، جاهروا بالتوحيد فأنكر عليهم

стр. 387

الناس وساقوهم إلى مجلس العلماء، فسألهم أولئك المسمون بالعلماء؟ فاعترفوا، فاستتابوهم وهددوهم فتابوا، فلما سمعت هذا الخبر اختفيت ثمانية أيام في المعابدة عند بعض المغاربة؛ خوفا من أن يخبر الشيخ المذكور مجلس العلماء المعين من قبل الملك حسين، فيستتيبوني، وكان صاحب البيت الذي أنا فيه يذهب إلى المسجد الحرام ويتحسس: هل يبحث عني؟ فلم يسمع شيئا، وكانت هذه حسنة من ذلك الشيخ إذ لم يخبر عني، مع أنه من رجال المجلس ومن المقربين عند الملك حسين، انظر هذه القصة بتمامها وغيرها في كتابي «الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة» (١) فإن فيه من هذا القبيل الشيء الكثير، فنسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

стр. 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 390

الباب السابع قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ [الأعراف: ١٢٧ - ١٢٨] قال محمد تقي الدين عفا الله عنه: نظرت في تفاسير عدة لأنقل تفسير هاتين الآيتين كعادتي، فوجدتها مشحونة بالقال والقيل، اختلفت فيها الآراء، ولا دليل على شيء منها، والأصل فيما وقع قبل الإسلام أن يأتينا من طريق النبي ﷺ ، فإذا لم نجد خبرًا مرفوعًا إليه وتضاربت الآراء، توكلنا على الله وفسرنا القرآن بما يظهر لنا من اللفظ، فأقول: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ تقدم أنهم الأشراف والرؤساء متعجبين من فرعون لصبره على موسى وقومه، كيف تترك موسى وقومه يفسدون عقائد رعيتك بصرفهم عن طاعتك وعبادة آلهتك إلى طاعة الله وحده لا شريك له؟ ولا غرابة في ذلك، فإن المفسدين في كل زمان ومكان يرون الصلاح فسادًا، والفساد صلاحًا، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ [البقرة: ١١] فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ [البقرة: ١٢] وكانت لفراعنة المصريين ولرعاياهم آلهة يعبدونها كما سيأتي عن قريب في هذه السورة. وقول فرعون لموسى: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] لا يتنافى مع وجود تلك الآلهة التي هي أصنامهم، وتاريخ قدماء المصريين وآثارهم الباقية، لا تبقي شكًا فيما ذكرته، والمشركون في كل زمان ومكان لا يحبون من يعرض عن آلهتهم ولو لم يمنعهم من عبادتها، ولم يدعهم إلى عبادة الواحد الأحد، فكيف إذا عاب عليهم

стр. 391

عبادتها، وصرح لهم بأنها لا تنفع ولا تشفع؟ فحينئذ تثور ثائرتهم ويحاربون الداعي حربًا لا تسامح فيها. وكان فرعون أيضًا يعلم أن رب العالمين وخالقهم الذي أنزل الكتب وأرسل الرسل هو الله وحده لا شريك له، وإنما كان يجحد كما قال تعالى في سورة الإسراء حكاية عن موسى ﷺ : ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] وقال تعالى مخبرًا عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤]. والظاهر أن الذي كان يهم فرعون أن يكون سيدًا مطاعًا منفردًا بالتشريع، فما أوجبه فهو واجب على قومه، وما حرمه فهو محرم على قومه، ولا يحب أن ينازعه أحد ولو كان رسولًا من الله تعالى إليه، فلما عاتبه رؤساء دولته واتهموه بالتسامح مع موسى ﷺ ، قال لهم: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ﴾ أي: أبناء بني إسرائيل ﴿وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ﴾ أي: تبقى نساؤهم فلا نقتلهن، لنعبدهن ونسخرهن في خدمتنا ﴿وَإِنَّا﴾ معشر المصريين ﴿فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ غالبون لا نخشى بأسهم، إنما هم عبيدنا فلا تخافوا موسى ولا قومه. ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ بني إسرائيل: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ فبالاستعانة بالله وحده على أعدائكم، وبالصبر على ما يصيبكم من أذاهم حتى يجيء نصر الله، بهذين الأمرين تبلغون ما وعدكم الله من نصركم وإهلاك عدوكم، واعلموا ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا﴾ لا لفرعون ولا لقومه، ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ﴾ الحميدة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يوحدون الله ويتبعون رسله وكتبه، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠]. الباب الثامن قال الله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٤٠].

стр. 392

قال (ك): «يخبر تعالى عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى ﵇ لحين جاوزوا البحر، وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا ﴿فَأَتَوْا﴾ (١) أي: فمروا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾، قال بعض المفسرين: كانوا من الكنعانيين، وقيل: كانوا من لخم، قال ابن جريج (٢): وكانوا يعبدون أصنامًا على صور البقر، فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك فقالوا: ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أي: تجهلون عظمة الله وجلاله، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل، ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ أي: هالك ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾» (٣). قال العلامة المحقق سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ في شرحه لكتاب التوحيد الذي ألفه الإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب، واسم هذا الشرح، «تيسير العزيز الحميد» في صفحة ٤٣، ما نصه: «(باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوها) كبقعة وغار وعين وقبر ونحو ذلك مما يعتقد كثير من عباد القبور وأشباههم فيه البركة، فيقصدونه رجاء البركة، ويعني بقوله: «تبرك» أي: طلب البركة ورجاها واعتقدها، ما حكمه هل هو شرك أم لا؟» ثم قال: «وعن أبي واقد الليثي قال: قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : «الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، لتركبن سنن من كان قبلكم» رواه الترمذي وصححه (٤).

стр. 393

قال الشارح: «رواه الترمذي كما قال المصنف، ثم ذكر الشارح إسناد الترمذي إلى أبي واقد الليثي، أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى حنين مر بشجرة للمشركين يقال لها: ذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم، قالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ : «سبحان الله، هذا كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم». هذا حديث حسن صحيح، وأبو واقد الليثي اسمه الحارث بن عوف، وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة، هذا لفظ الترمذي بحروفه، وفيه مخالفة لما في الكتاب لفظًا ومعنى، وقد اتفق اللفظان على المقصود هنا، وقد رواه أحمد وأبو داود وأبو يعلى وابن أبي شيبة والنسائي، و (ع) وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني بنحوه. قوله: «عن أبي واقد الليثي» اسمه الحارث بن عوف، كما قال الترمذي وقيل: الحارث بن مالك (١) صحابي مشهور مات سنة ٦٨ هـ وله خمس وثمانون سنة. قوله: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، في حديث عمرو بن عوف قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح ونحن ألف ونيف، حتى إذا كنا بين حنين والطائف» (٢). لا مخالفة بينهما في المعنى، فإن غزوتي (٣) الفتح وحنين (٤) كانتا في سفر واحد، وقوله: «نحن حدثاء عهد بكفر». أي: قريبو عهد بكفر، ففيه دليل أن غيرهم لا يجهل هذا، وأن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يأمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادات الباطلة، ذكره المصنف. قوله: «يعكفون عندها» الاعتكاف: هو الإقامة على الشيء بالمكان ولزومه (٥)،

стр. 394

ومنه قوله: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] وكانوا يعكفون عند هذه السدرة تبركًا بها، وفي حديث عمرو بن عوف قال: «كان يناط بها السلاح، فسميت ذات أنواط، وكانت تعبد من دون الله، فلما رآها رسول الله ﷺ انصرف عنها في يوم صائف إلى ظل هو أدنى منها … » الحديث، فيجمع بينهما بأن عبادتها هي العكوف عندها رجاء لبركتها. وقوله: «وينوطون بها أسلحتهم» أي: يعلقونها عليها للبركة، وقوله: «يقال لها: ذات أنواط»، قال أبو السعادات (١): «سألوه أن يجعل لهم مثلها فنهاهم عن ذلك، وأنواط: جمع نوط، وهو مصدر سُمِّي به المنوط» (٢)، وقوله: «فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط»، أي: شجرة مثلها نعلق عليها [أسلحتنا] (٣) ونعكف حواليها، ظنوا أن هذا الأمر (٤) محبوب عند الله فقصدوا التقرب إلى الله بذلك، وإلا فهم أجلّ قدرًا - وإن كانوا حديثي عهد بكفر - عن قصد مخالفة النبي ﷺ ، وقوله: «فقال النبي ﷺ : الله أكبر» هكذا في بعض الروايات، وفي رواية الترمذي: «سبحان الله»، والمقصود باللفظين واحد؛ لأن المراد تعظيم الله وتنزيهه عن الشرك، والتقرب به إليه، وفيه تكبير الله وتنزيهه عند التعجب أو ذكر الشرك خلافًا لمن كرهه. قوله: «إنها السُنن» بضم السين، أي: الطرق، فقوله: «قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا … إلخ» أخبر ﷺ أن هذا الأمر الذي طلبوه منه، وهو اتخاذ الشجرة (٥) للعكوف عندها، وتعليق الأسلحة بها تبركًا، كالأمر الذي طلبه بنو إسرائيل من موسى ﵇ حيث قالوا: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، فإذا كان اتخاذ شجرة لتعليق الأسلحة والعكوف عندها اتخاذ إله مع الله مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها، فما الظن بما حدث من عباد القبور من دعاء الأموات والاستغاثة بهم والذبح والنذر لهم والطواف بقبورهم وتقبيلها، وتقبيل أعتابها، وجدرانها، والتمسح بها، والعكوف عندها، وجعل السدنة والحجاب لها؟ وأي نسبة بين هذا وبين تعليق الأسلحة على شجرة تبركًا؟

стр. 395

قال الإمام أبو بكر الطرطوشي (١) من أئمة المالكية: «فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس [ويعظمونها] (٢) ويرجون البرء والشفاء من قبلها، [وينوطون بها] (٣) المسامير والخرق، فهي ذات أنواط فاقطعوها». قال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي المعروف بأبي شامة في كتاب «البدع والحوادث»: «ومن هذا القسم أيضًا ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشياطين للعامة، تخليق الحيطان والعمد وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم [يتجاوز] (٤) هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها [فيرجون] (٥) الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لهم (٦) وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر، وفي مدينة - دمشق صانها الله من ذلك - مواضع متعددة كعوينة (٧) الحمى خارج باب توما، والعمود المخلق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر في نفس قارعة الطريق، سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات أنواط الواردة في الحديث». ثم ذكر الحديث المتقدم، وكلام الطرطوشي الذي ذكرنا، ثم قال: «ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو إسحاق الجبنياني (٨) - رحمه الله تعالى - أحد

стр. 396

الصالحين ببلاد إفريقية في المائة الرابعة، حكى عنه صاحبه الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المؤدب «أنه كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية، وكانت (١) العامة قد افتتنوا بها يأتونها من الآفاق، من تعذر عليها نكاح أو ولد قالت: امضوا بي إلى العافية فتعرف بها الفتنة. قال أبو عبد الله: فأتاني (٢) في السحر ذات ليلة إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها، فخرجت فوجدته قد هدمها وأذن الصبح عليها ثم قال: اللهم إني هدمتها لك فلا ترفع لها رأسًا، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن» (٣). قلت: أبو إسحاق الذي هدمها إمام مشهور من أئمة المالكية زاهد اسمه إبراهيم بن أحمد بن علي بن أسلم (٤)، وكان الإمام أبو محمد بن أبي زيد يعظم شأنه ويقول: طريق أبي إسحاق خالية لا يسلكها أحد في الوقت، وكان القابسي (٥) يقول: الجبنياني (٦) إمام يقتدى به، مات سنة ٣٦٩ هـ. وذكر ابن القيم نحو ما ذكره أبو شامة، ثم قال: «فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله ولو كانت ما كانت ويقولون: إن هذا الحجر وهذه الشجرة وهذه العين تقبل النذر؛ أي تقبل العبادة من دون الله، فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له» (٧). وقال العلامة المذكور في الكتاب نفسه في (صفحة ٢٩٢، المتن موجود بالشرح) ما نصه (باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله) أراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة أمورًا: الأول: التحذير من الغلو في

стр. 397

قبور الصالحين، الثاني: إن الغلو فيها يؤول إلى عبادتها، الثالث: إنها إذا عبدت سميت أوثانًا ولو كانت قبور الصالحين، الرابع: التنبيه على العلة في المنع من البناء عليها واتخاذها مساجد، والأوثان هي (١): المعبودات التي لا صورة لها كالقبور والأشجار والعمد والحيطان والأحجار ونحوها، وقد تقدم بيان ذلك، وقيل: الوثن هو الصنم، والصنم هو الوثن، وهذا غير صحيح إلا مع التجريد، فأحدهما قد يعنى به الآخر، وأما مع الاقتران فيفسر (٢) كل واحد بمعناه (٣). قال: روى مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤). هذا الحديث رواه مالك في باب «جامع الصلاة» مرسلًا عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قاله (٥)، ورواه البزار عن عمر بن محمد عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا وعمر بن محمد (٦) من ذرية (٧) عمر بن الخطاب ثقة من أشراف (٨) المدينة (٩) وله شاهد عند الإمام أحمد والعقيلي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١٠). قوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد»، قد استجاب الله دعاء رسوله،، فمنع الناس من الوصول إلى قبره؛ لئلا يعبد

стр. 398

استجابة الدعاء رسوله ﷺ ، كما قال ابن القيم (١): [ودعا بأن لا يُجْعَلَ القبر الذي … قد ضَمَّهُ وَثَنًا من الأوثان] (٢) فأجاب ربُّ العَالَمين دُعَاءه … وأحاطه بثلاثةِ الجُدران [حتى اعْتَدَتْ (٣) أرجَاؤُهُ بدُعائه … في عزّة وحماية وصِيَانِ] (٢) ودل الحديث على أن قبر الرسول ﷺ لو عبد لكان وثنًا، فما ظنك بقبر غيره من القبور التي عبدت هي وأربابها من دون الله، وإذا أريد تغيير شيء من ذلك أنف عبّادها واشمأزت قلوبهم، واستكبرت نفوسهم، وقالوا: تنقص أهل الرتب العالية، ورموهم بالعظائم، فماذا يقولون لو قيل لهم: إنها أوثان تعبد من دون الله؟ فالله المستعان على غربة الإسلام، وهذه هي الفتنة العظمى التي قال فيها عبد الله بن مسعود: «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، تجري على الناس، يتخذونها سنة إذا غُيّرت قيل: غُيّرت السنة» (٤).

стр. 399

وَيُؤْخَذُ من الحديث المنعُ من تتبع آثار الأنبياء والصالحين، كقبورهم ومجالسهم ومواضع صلاتهم للصلاة والدعاء عندها، فإن ذلك من البدع أنكره السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم، ولا نعلم أحدًا أجازه أو فعله إلا ابن عمر على وجه غير معروف عند عباد القبور، وهو إرادة التشبه برسول الله ﷺ في الصلاة فيما صلى فيه ونحو ذلك، ومع ذلك فلا نعلم أحدًا وافقه عليه من الصحابة، بل خالفه أبوه وغيره، لئلا يفضي ذلك إلى اتخاذها أوثانًا كما وقع، قال ابن عبد الباقي في «شرح الموطأ»: «روى أشهب عن مالك أنه كره لذلك (١) أن يدفن في المسجد»، قال: «وإذا منع من (٢) ذلك (٣) فسائر آثاره أحرى بذلك، وقد كره مالك (٤) طلب موضع شجرة بيعة الرضوان مخالفة لليهود والنصارى» (٥). اهـ. وقال ابن وضاح: «سمعت عيسى بن يونس (٦) يقول: أمر عمر بن الخطاب بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فقطعها؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة. قال عيسى بن يونس: وهو عندنا من حديث ابن عون عن نافع أن الناس كانوا يأتون الشجرة فقطعها عمر ﵁» (٧)، وقال المعرور بن سويد: «صليت مع عمر بن الخطاب في طريق مكة صلاة الصبح فقرأ فيها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ وَ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين،

стр. 400

مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فهم يصلون فيه، فقال: إنما أهلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون (١) آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعًا، فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل ومن لا فليمض لا يتعمدها» (٢). وفي «مغازي بن إسحاق» من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة خالد بن دينار: حدثنا أبو العالية قال: «لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرًا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر فدعا له كعبًا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل قرأه من العرب قرأته مثل ما أقرأ القرآن، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه، قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون، فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال (٣)، فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة، قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض» (٤).

стр. 401

قال ابن القيم (١) - رحمه الله تعالى -: «في هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره؛ لئلا يفتتن به ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف ولعبدوه من دون الله» قال شيخ الإسلام ﷺ : «وهو إنكار منهم لذلك» (٢). فمن قصد بقعة يرجو الخير [لقصدها] (٣)، ولم يستحب الشارع قصدها فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله عندها أو لينسك (٤) عندها (أي يذبح) بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيصها به لا نوعًا ولا عينًا؛ لأن ذلك قد يجوز بحكم الاتفاق لا بقصد (٥) الدعاء فيها، كمن يدعو الله في طريقه ويتفق أن يمر في طريقه بالقبور أو كمن يزورها ويسلّم عليها ويسأل الله العافية له وللموتى، كما جاءت به السنة، فإن ذلك ونحوه لا بأس به، وأما تحري الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره، فهذا هو المنهي عنه والفرق بين النوعين ظاهر، فإن الرجل لو كان يدعو الله واجتاز في ممره بصنم أو صليب أو كنيسة أو دخل إليها ليبيت فيها مبيتًا جائزًا ودعا الله في الليل وأتى بعض أصدقائه ودعا الله في بيته لم يكن بهذا بأس، ولو تحرى الدعاء عند هذه المواضع لكان من العظائم بل قد يكون كفرًا. قوله: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٦). هذه الجملة بعد الأولى تنبيه على سبب لحوق اللعن بهم، وهو توسلهم بذلك إلى أن تصير أوثانًا تعبد، ففيه إشارة إلى ما ترجم له المصنف، وفيه تحريم البناء على القبور، وتحريم الصلاة عندها، وقد روى أصحاب مالك عنه أنه كره أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ وعلل وجه الكراهة بقوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٧) فكره إضافة

стр. 402

هذا اللفظ إلى القبر؛ لئلا يقع التشبه بفعل أولئك، سدًا للذريعة وحسمًا للباب، ذكره الطبري وفيه أنه ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه. ذكره المصنف، قال: ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللّاتَ وَالْعُزّى﴾ [النجم: ١٩] قال: كان يَلُتُّ لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره، [فعبدوه] (١)، وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يَلُتُّ سَوِيقَ الحاج (٢). قوله: «ولابن جرير»: هو الإمام الحافظ محمد بن جرير بن يزيد الطبري صاحب «التفسير» و «التاريخ» وغيرهما، قال ابن خزيمة: لا أعلم على الأرض أعلم من محمد بن جرير، وكان من الأئمة المجتهدين لا يقلد أحدًا، وله أصحاب يتفقهون على مذهبه، ولد سنة أربع وعشرين ومائتين (٣)، ومات ليومين بقيا من شوال (٤) سنة عشر وثلاثمائة. قوله: «كان يَلتُ لهم السويق فمات فعكفوا على قبره»، لَتُّ السويق: هو خلطه بسمن ونحوه، وقد قيل: إن اسم الرجل: صرمة بن غنم، وعن ابن عباس: «كان يَلُتُّ السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه». رواه ابن أبي حاتم (٥)، وعن مجاهد: «كان اللات رجلًا في الجاهلية وكان له غنم فكان

стр. 403

يحلب من رسلها، ويأخذ من زبيب الطائف والأقط فيجعل منه حيسًا ويطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه وقالوا: هو اللات (١). وكان يقرأ: اللات، مشددة (٢)، رواه سعيد بن منصور والفاكهي. قوله: «وكذا قال أبو الجوزاء» وأثر أبي الجوزاء رواه البخاري (٣)، والسبب في عبادة الصالحين ود وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وغيرهم اليوم فإنهم غلوا فيهم وبنوا على قبورهم القباب والمشاهد، وجعلوها ملاذًا لقضاء المآرب، وبالجملة فالغلو أصل الشرك في الأولين والآخرين إلى يوم القيامة، وقد أمرنا الله تعالى بمحبة أوليائه وإنزالهم منازلهم من العبودية، وسلب خصائص الإلهية عنهم وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم، ونهانا عن الغلو فيهم فلا نرفعهم فوق منزلتهم ولا نحطهم منها؛ لما يعلمه تعالى في ذلك من الفساد العظيم، فما وقع الشرك إلا بسبب الغلو فيهم فإن الشرك بهم غلو فيهم، وأنزلوهم منازل الإلهية وعصوا أمرهم وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم، فتجد أكثر هؤلاء الغالين فيهم العاكفين على قبورهم معرضين عن طريقة من فيها وهديه وسنته عائبين لها مشتغلين بقبورهم عما أمروا به ودعوا إليه. وتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما [هي] (٤) باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم وسلوك طريقتهم، دون عبادتهم وعبادة قبورهم والعكوف عليها، كالذين يعكفون على الأصنام واتخاذها (٥) مجامع للزيارات والفواحش وترك الصلوات، فإن من اقتفى آثارهم كان متسببًا في تكثير أجورهم باتباعه لهم ودعوته الناس إلى اتباعهم، فإذا أعرض عما دعوا إليه واشتغل بضده حرم نفسه وحرمهم ذلك الأجر، فأي تعظيم (٦) واحترام في هذا؟ قال: وعن ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ هـ زائرات القبور والمتخذين عليها

стр. 404

المساجد والسرج» (١)، رواه أهل [السنة] (٢). قوله: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور»، أي: من النساء وهذا يدل على تحريم زيارة القبور عليهن كما هو مذهب أحمد وطائفة (٣)، وقيل في تعليل ذلك: إنه يخرجهن إلى الجزع والندب والنياحة والافتتان بها وبصورتها وتؤذي الميت ببكائها، كما في حديث آخر: «فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت» (٤). وإذا كانت زيارة النساء مظنة وسببًا للأمور المحرمة في حقهن وحق الرجال، وتقدير ذلك غير مضبوط؛ لأنه لا يمكن حد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك ولا التمييز بين نوع ونوع، ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها، فتحرم سدًا للذريعة كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة لما في ذلك من الفتنة، وكما حرمت الخلوة بالأجنبية، وليس في زيارتها من المصلحة ما يعارض

стр. 405

هذه المفسدة؛ لأنه ليس في زيارتها إلا دعاؤها (١) للميت أو اعتبارها به، وذلك ممكن في بيتها. وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم عن حسان بن ثابت مرفوعًا: «لعن الله زوّارات القبور» (٢). وعن أبي هريرة: إن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور (٣). رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، وضعفه عبد الحق، وحسنه ابن القطان، ولا يعارض هذا حديث: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (٤). رواه مسلم وغيره؛ [لأنه] (٥) إن سلم دخول النساء فيه فهو عام، والأول خاص والخاص مقدم عليه، وأيضًا ففي دخول النساء في خطاب الذكور خلاف عند الأصوليين (٦).

стр. 406

قوله: «والمتخذين عليها المساجد» تقدم في الباب قبله شرحه وتعليله، قوله: «والسرج» هذا دليل على تحريم اتخاذ السرج على القبور، قال أبو محمد المقدسي: «لو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله؛ لأن فيه تضييعًا للمال في غير فائدة، وإفراطًا في تعظيم القبور، أشبه تعظيم الأصنام» (١)، وقال ابن القيم: «اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها من الكبائر» (٢). ووجه إيراد المصنف هذا الحديث في هذا الباب دون الذي قبله هو أنه لعن المتخذين عليها المساجد والسرج، وقرن بينهما، فهما قرينان في اللعنة، فدل ذلك على أنه ليس المنع من اتخاذ المساجد عليها لأجل النجاسة، بل لأجل نجاسة الشرك، ولذلك قرن بينه وبين من أسرج عليها وليس النهي عن الإسراج لأجل النجاسة فكذلك البناء، قوله: رواه أهل [السنة] (٣)، يعني هنا: أبا داود وابن ماجه والترمذي فقط، ولم يروه النسائي (٤). الباب التاسع قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ = العزيز: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩]، ولم يقل (الخاطئات)؛ فهي داخلة في جمع الذكور، وقوله - تعالى -: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، ومن بين هؤلاء حواء.

стр. 407

الرَّاحِمِينَ (١٥١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨ - ١٥٣]. قال (ك): يخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل، الذي اتخذه لهم السامري من حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلًا، ثم ألقى فيه قبضة (١) من التراب أخذها من أثر فرس جبرائيل (٢)، فصار عجلًا جسدًا له خوار، والخوار: صوت البقر، وكان هذا منهم بعد ذهاب موسى لميقات ربه تعالى وأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور حيث يقول تعالى إخبارًا عن نفسه الكريمة: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] وقد اختلف المفسرون في هذا العجل: هل صار لحمًا ودمًا له خوار، أو استمر على كونه من ذهب، إلا أنه يدخل فيه الهواء فيصوت كالبقر؟ على قولين، والله أعلم، ويقال إنهم لما صوت لهم العجل رقصوا له (٣) وافتتنوا به، وقالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨]. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ ينكر تعالى عليهم في ضلالهم بالعجل وذهولهم عن خالق السموات والأرض ورب كل شيء ومليكه أن عبدوا معه عجلًا جسدًا له خوار لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولكن غطى على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال كما تقدم من رواية الإمام أحمد وأبي داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : حبك الشيء يعمي ويصم (٤).

стр. 408

وقوله: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا على ما فعلوا: ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ وقرأ بعضهم (١): لئن لم ترحمنا بالتاء المثناة من فوق ﴿رَبَّنَا﴾ منادى ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: من الهالكين، وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله . ثم قال (ك): يخبر تعالى أن موسى ﵇ رجع إلى قومه من مناجاة ربه تعالى وهو غضبان أسف، قال أبو الدرداء: الأسف أشد الغضب (٢). ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ يقول: بئس ما صنعتم في عبادة العجل بعد أن ذهبت وتركتكم، وقوله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يقول: استعجلتم مجيئي إليكم وهو مقدر من الله تعالى. وقوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ وفي هذا دلالة على ما جاء في الحديث: «ليس الخبر كالمعاينة» (٣) ثم ظاهر السياق أنه إنما ألقى الألواح غضبًا على قومه، وقوله: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ خوفًا أن يكون قد قصر في نهيهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٢ - ٩٣]، ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِي الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تسقني سياقهم (٤).

стр. 409

وتجعلني (١) معهم وإنما قال: ﴿ابْنَ أُمَ﴾ ليكون أرق (٢) وأنجع عنده، وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه فلما تحقق موسى ﵇ براءة ساحة هارون ﵇ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه: ٩٠] فعند ذلك قال موسى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ نائلة لكل من افترى بدعة، فإن ذل البدعة ومخالفة الرشاد (٣) متصلة من قبله على كتفيه، كما قال الحسن البصري: «إن ذل البدعة على أكتافهم وإن هملجت بهم البغلات وطقطقت بهم البراذين»، وهكذا روى أيوب السختياني عن أبي قلابة الجرمي أنه قرأ هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فقال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة، وقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل (٤)، ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان حتى ولو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق، ولهذا عقب هذه القصة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد يا رسول التوبة ونبي الرحمة (٥)، ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد تلك الفعلة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦). فصل قال محمد تقي الدين: كل من عبد غير الله تعالى فهو من الذين لا يعقلون، وهو من شر الدواب الذين لا يسمعون، وهؤلاء المشركون بعضهم أضل من بعض، فالذين عبدوا الأنبياء والصالحين في ضلال مبين، والذين عبدوا قبورهم أضل منهم، وأهل الهند الذين يعبدون البقرة الأنثى، وقوم موسى الذين عبدوا عجلًا من ذهب له خوار أقل ضلالًا من الذين يعبدون القبور والأشجار

стр. 410

والأحجار؛ لأن القبور إنما هي تراب ليس فيها روح ولا حياة، فالذين يعبدونها أضعف عقلًا من الذين يعبدون البقرة التي فيها منافع، وعجل السامري له خوار. والغلو في الأنبياء والصالحين يفضي إلى الكفر كما وقع للنصارى حين غلوا في عيسى ﵇، وكما وقع لقوم نوح حين غلوا في الصالحين حتى عبدوهم وعبدوا قبورهم، ثم تماثيلهم كما قال النبي ﷺ : «أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (١). وقد تقدم ذلك مبسوطًا. فصل استدل بهذا السلف على ضلال من ينكر كلام الله تعالى من المعتزلة الذين يقولون إن كلام الله مخلوق ومتأخري الأشعرية الذين يزعمون أن كلام الله معنى قائم بذاته تعالى ليس بحرف ولا صوت ولا بالعربية ولا بالعجمية، وليس فيه تقديم ولا تأخير ويزعمون أن القرآن ليس كلام الله، وإنما هو دال على مدلول كلام الله تعالى، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وإنما يسمعه هذا المشرك من لسان النبي ﷺ بحرف وصوت، والعجز عن التكلم نقص، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] فالذي لا يستطيع الكلام ولا يملك الضر والنفع لا يعبد ولا يكون إلهًا. فصل قول (ك): وهذا دلالة على ما جاء في الحديث: «ليس الخبر كالمعاينة» (٢). نص الحديث على ما ذكره السيوطي في «الجامع الصغير» عن أبي هريرة وأنس مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: «ليس الخبر كالمعاينة» ونسب حديث أنس إلى الطبراني في «الأوسط»، وحديث أبي هريرة إلى الخطيب، ثم ذكر حديثًا آخر عن ابن عباس مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: «ليس الخبر كالمعاينة» أن الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح، فلما عاين ما

стр. 411

صنعوا ألقى الألواح فانكسرت، أخرجه أحمد والطبراني في «الأوسط» والحاكم في «المستدرك» عن ابن عباس وعلّم عليه السيوطي بعلامة الحسن. قال السخاوي في «المقاصد الحسنة»: «ليس الخبر كالمعاينة» أخرجه أحمد وابن منيع والطبراني والعسكري من حديث أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بزيادة: «إن الله قال لموسى: إن قومك فعلوا كذا وكذا فلما عاين ألقى الألواح». وفي لفظ: «إن موسى أخبر أن قومه قد ضلوا من بعده، فلم يلق الألواح، فلما رأى ما أحدثوا ألقى الألواح». وقد صحح هذا الحديث ابن حبان والحاكم وغيرهما، وأورده الدارقطني في «الأفراد» من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر، وقال: إنه باطل لا يصح عن عمرو ولا عن ابن عيينة» (١). اهـ. قال محمد تقي الدين: تضمن هذا الحديث أمرين: أحدهما: عام، وهو أن العلم الحاصل بالأخبار لا يبلغ درجة العلم الحاصل بالمعاينة، وفي هذا تفصيل، فإن كان المخبر ممن يجوز عليه الوهم أو الخطأ أو الكذب فالأمر واضح، وإن كان ممن لا يجوز عليه ذلك كالأنبياء ثم العدول الثقات فهما متساويان. الأمر الثاني: ادعاء أن موسى حين أخبره الله بأن قومه قد اتخذوا العجل أنها من بعد غيبته عنهم لم يحصل له من العلم مثل ما حصل له برؤيتهم؛ فيه نظر، وقد أشار (ك) إلى ذلك بقوله: «ظاهر السياق أنه ألقى الألواح غضبًا على قومه، يعني لا أنه كان في شك ثم تيقن لما رآهم كذلك، ولا يمكن أن يشك موسى، بل ولا الصالحون من المؤمنين فيما أخبر الله به أبدًا، هذا ما ظهر لي، والله أعلم.

стр. 412

الباب العاشر قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]. قال (ك): يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وفي الصحيحين (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة وفي رواية: «على هذه الملة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟». وفي «صحيح مسلم» (٢) عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم». وروى أحمد والنسائي و (ج) (٣) عن الأسود بن سريع قال: غزوت مع رسول الله ﷺ أربع غزوات، قال: فتناول القوم الذرية، فقال رجل: يا رسول الله بعد ما قتلوا المقاتلة فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فاشتد عليه، ثم قال: «ما بال أقوام يتناولون الذرية». فقال رجل: يا رسول الله أليسوا

стр. 413

أبناء المشركين؟ فقال: «إن خياركم أبناء المشركين، ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها، فأبواها يهودانها وينصرانها». قال الحسن: ولقد قال الله في كتابه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. ثم قال (ك): «وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم ﵇ وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال (١) بأن الله ربهم، وأخرج (و) و (حم) (٢) عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك بي». وروى (حم، ن، ج) (٣)، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ بنعمان يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قبلًا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾» قال (ك): «وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤) وقال: صحيح (٥) على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، ثم ذكر اختلاف الرواة في وقفه ورفعه ثم رجح وقفه، وبعد أن ساق (ك) أحاديث كثيرة بعضها مرفوع وبعضها موقوف بمعنى حديث ابن عباس المتقدم الذكر، قال ما نصه: «والشهادة تارة تكون بالقول كقوله: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ وتارة تكون حالًا كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] أي: حالهم شاهد عليهم

стр. 414

بذلك لا أنهم قائلون (١) ذلك، وكذا (٢) قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: ٧]. كما أن السؤال تارة يكون بالمقال (٣) وتارة يكون بالحال كقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مِن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤] قالوا: ومما يدل على أن المراد بهذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، فلو كان قد وقع هذا كما قال من قال؛ لكان كل (٤) أحد يذكره ليكون حجة عليه، فإن قيل: إخبار الرسول ﷺ به كاف في وجوده، فالجواب أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أن الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: لئلا تقولوا يوم القيامة ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ أي: التوحيد ﴿غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ الآية» (٥). الباب الحادي عشر قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨ - ١٩٢] قال (ك): أمره الله تعالى أن يفوض الأمور إليه وأن يخبر عن نفسه أنه لا

стр. 415

يَعْلَمُ الغيب المستقبل (١) ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ قال الضحاك: عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ أي: من المال، وفي رواية: لعلمت إذ اشتريت شيئًا ما أربح فيه، فلا أبيع شيئًا إلا ربحت فيه (٢) ولا يصيبني الفقر (٣)، وقال (ج): وقال آخرون: معنى ذلك لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة، ولوقت (٤) الغلاء من الرخص فاستعددت له من الرخص. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ قال: لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون واتقيته (٥). اهـ. قال محمد تقي الدين عفا الله عنه: هؤلاء الأئمة الفحول قد فسروا هذه الآية بكلام عام ولم يضربوا لذلك مثلًا بالجزئيات مع كثرتها في سيرة النبي ﷺ وأنا أذكر هنا ما يحضرني منها: الأول: قصة القراء السبعين (٦) الذين بعثهم رسول الله ﷺ مع قبائل المشركين الذين ادعوا الإسلام وطلبوا من النبي ﷺ أن يبعث إليهم معلمين يعلمونهم الإسلام، فاختار النبي ﷺ سبعين من خيرة أصحابه، كلهم يحفظ القرآن فأخذوهم إلى أهلهم وقتلوهم كلهم إلا واحدًا تركوه ليبلغ الخبر، وهذه مكيدة عظيمة وحبالة خبيثة، نصبها أعداء الإسلام للنبي ﷺ فحزن النبي ﷺ على قتلهم حزنًا عظيمًا، والقصة في كتب الحديث مشهورة، فلو كان النبي ﷺ يعلم الغيب ما بعثهم معهم. الثاني: قصة الحديبية (٧) فإن النبي ﷺ بعد ما رأى في المنام - ورؤيا

стр. 416

الأَنْبِيَاءِ (حَقٌّ) (١) - أنه دخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين أي بعضهم حلق، وبعضهم قصر ـ، عرض على أصحابه التوجه إلى مكة للعمرة، فلما وصل إلى الحديبية - وهي مكان قريب من وادي فاطمة - خرج له أهل مكة متأهبين للقتال ومنعوه من دخول مكة، فرجع هو وأصحابه دون أن يدخلوا مكة، فلو كان النبي ﷺ يعلم أنهم سيمنعونه ما توجه إلى مكة، ولكن العاقبة كانت خيرًا، فإن صلح الحديبية حصل به من انتشار الإسلام ما لم يحصل بالحرب. الثالث: قصة الإفك (٢)، لو أن النبي ﷺ كان يعلم أن عائشة لم تكن في الهودج حين حمله الرجال الأربعة ووضعوه على بعيرها، لأمرهم بالانتظار إلى أن تجيء، وقد حصل بسبب قصة الإفك غم وحزن للنبي ﷺ ، وعقاب لأهل الشرك وشر كبير، وأشد ذلك ما وقع لعائشة نفسها من الحزن والمرض ولأبويها، وهي الطاهرة المطهرة التي نزلت براءتها من السماء وهلك فيها من هلك. الرابع: إن النبي ﷺ لما كان راجعًا من غزوة خيبر منتصرًا وقد أردف صفية ﵂ خلفه عثر بعيره فسقط وسقطت صفية على الأرض (٣)، فلو كان يعلم الغيب لأناخ البعير ونزل قبل أن يعثر. الخامس: مما يدل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، قوله ﵊ في حجة الوداع حين أمر من لم يسق الهدي من أصحابه أن يفسخ حجه

стр. 417

ويجعله عمرة (١)، فلما شق عليهم ذلك قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي». السادس: إن النبي ﷺ لما توجه إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة، ما كان يعلم أن أمير الطائف سيقابله بالتكذيب ويرد عليه بأقبح رد، وإن سفهاء أهل الطائف سيقعدون له سماطين، ويرمونه بالحجارة حتى يسيل الدم من رجليه الشريفتين، وأنه سيحتاج في الرجوع إلى مكة إلى من يجيره من أهلها؛ لأنهم سيغضبون عليه حين يذهب لدعوة أعدائهم، فاضطر إلى أن يبعث مولاه زيد بن حارثة إلى المُطعِم بن عدي أحد سادات مكة ليدخل في جواره، أي حمايته، وحصل له غم عظيم عند رجوعه من الطائف، فدعا بالدعاء المشهور: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك (٢)». ومن تتبع سيرة النبي ﷺ وجد الشيء الكثير من ذلك، فالعجب من المشركين في هذا الزمن الذين يزعمون أن النبي ﷺ يعلم الغيب ويتصرف في السموات والأرض وهو موجود في كل مكان (٣)، ثم هم مع ذلك يخالفون سنته،

стр. 418

ويحكمون بخلاف شريعته، ويزعمون أن هذه المحبة الشركية الكاذبة تغنيهم عن الاتباع، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وإذا كان النبي ﷺ لا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه نفعًا لا ضرًا، فكيف يستطيع قضاء حاجات هؤلاء الغربان الناعبين في كل حين إذا قاموا قالوا: يا رسول الله، وإذا قصدوا قالوا: يا رسول الله، وإذا فزعوا قالوا: يا رسول الله، والله تعالى يقول في سورة المائدة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]. ثم أخبر أنه إنما هو نذير وبشير؛ أي نذير للكافرين من العذاب، وبشير للمؤمنين بالجنات، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]. ثم قال (ك): ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم ﷺ وأنه خلق منه زوجته (١) حواء، ثم انتشر الناس منهما، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء﴾ [النساء: ١] وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ أي: ليألفها كقوله (٢) تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] فلا ألفة بين اثنين أعظم مما بين الزوجين، ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجته (٣). ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أي: وطئها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ وذلك (٤) الحمل لا تجد المرأة له ألمًا، إنما هي النطفة ثم العلقة ثم المضغة، وقوله: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال مجاهد: استمرت بحمله (٥) فشكت أحملت أم لا؟ ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: صارت ذات ثقل بحملها ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ أي: بشرًا

стр. 419

سَوِيًّا، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). ذكر (ك) في تفسير هذه الآية حديثًا رواه أحمد والترمذي وابن جرير وغيرهم من طريق الحسن عن سمرة مرفوعًا عن النبي ﷺ ، قال: «لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث، فإنه يعيش فسمته عبد الحارث، فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» (٢). حسنه

стр. 420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →