← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 426

الترمذي، واستغربه وأعله (ك) بثلاث علل وضعفه بها وهو الحق، وهناك علة رابعة وهي أن يقال: كيف تقع حواء، وهي زوجة نبي في الشرك الأكبر ولا يعلم ذلك زوجها؟ أو يعلمه ولا يمنعها؟ ومن العلل الثلاث، أن الحسن الذي هو راوي الحديث فسر الحديث بخلاف ما دل عليه الحديث، وهو أن الشرك وقع من ذرية آدم وحواء لأمتهما، وهو الصحيح. ثم ذكر (ك) آثارًا عن ابن عباس (١) حاصلها أن آدم وحواء كانا يلدان أولادًا يُعبّدانهم الله تعالى، أي: يسميانهم عبد الله وعبد الرحمن وعبد العزيز، فكانوا يموتون، فجاءهما إبليس وزيّن لهما أن يسميا من يولد لهما عبد الحارث، أي: عبد إبليس، فسمياه بذلك، فعاش وهذا من أعظم الكذب الذي اختلقه أهل الكتاب، فرواه عنهم بعض الرواة لغفلتهم، وإلا كيف يعقل أن عالمًا من العلماء المحققين يسمي ابنه عبد الحارث، أي: عبد إبليس؟ فكيف بصحابي؟ وكيف بنبي؟ أما أهل الكتاب فيجيزون على الأنبياء الكبائر والكفر، فلا عبرة برواياتهم وأنبياء الله منزهون ومعصومون من الكفر والذنوب. ثم قال (ك) في قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾: «هذا إنكار من الله تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام (٢) وهي مخلوقة مربوبة، مصنوعة لا تملك شيئًا من الأمر، ولا تضر ولا تنفع ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك، ولا تسمع، ولا تبصر، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم، ولهذا قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ (٣) ولا يستطيع ذلك كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤]. أخبر تعالى أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم الذبابة شيئًا من حقير الطعام (٤) وطارت لما استطاعوا إنقاذه (٥) منها، فمن

стр. 427

هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر؟ ولهذا قال تعالى (١): ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ أي: لعابديهم ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (٢) يعني ولا أنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما كان الخليل ﵊ يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة، كما أخبر تعالى عنه في قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٨]. وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل ﵄، وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبًا للأرامل ليعتبر قومها بذلك، ويرتأوا لأنفسهم، فكان لعمرو بن الجموح - وكان سيدًا في قومه - صنم يعبده ويطيبه، فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجُمُوح فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفًا ويقول له: انتصر ثم يعودان لمثله (٣) ويعود إلى صنيعته أيضًا حتى أخذاه مرة فقرناه بكلب (٤) ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك، نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل ثم أسلم، فحسن إسلامه (٥)، وقتل يوم أحد شهيدًا، ﵁ وأرضاه وجعل جنة الفردوس مأواه» (٦). فصل قال محمد تقي الدين: قول (ك): «وهي جماد لا تسمع ولا تبصر»، ولا

стр. 428

شك أن المشركين في كل زمان ومكان يعبدون الأصنام والأشجار والأحجار والأبنية والقباب والمياه والنيران، ويزعمون أن وراءها أرواحًا للملائكة والأولياء والصالحين والجن والشياطين تتلبس بها وتقضي حاجة من طاف بها وعكف عندها، وكل أولئك عاجزون، من يعقل منهم ومن لا يعقل، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الأعراف: ١٨٨] إلخ، أما التعبيد للمخلوقين، فإنه واقع عند المشركين من أهل هذا الزمان، فإن الشيعة يسمون عبد علي، وعبد الزهراء، وكلب علي، وعبد الحسن، وعبد الحسين، وعبد الأمير، وعبد السادة، ومن يزعمون أنه من أهل السنة وهم أهل شرك وبدعة، ويسمون عبد الرسول، وعبد النبي، طاعة لإبليس وإرضاء له ومعصية الله تعالى وإسخاطًا له، فنعوذ بالله من الخذلان. الباب الثاني عشر قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٤ - ١٩٨] قال (ك): «ثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها أي مخلوقات مثلهم، بل الناس (١) أكمل [منها] (٢)؛ لأنها تسمع، وتبصر، وتبطش، وتلك لا تفعل شيئًا من ذلك، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ الآية، أي: استنصروا بها علي، فلا تؤخروني طرفة عين، واجهدوا جهدكم: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ أي: الله حسبي، [وكافيّ] (٣)، وهو نصيري، وعليه متكلي، وإليه ألجأ،

стр. 429

وهو وليي في الدنيا والآخرة، وهو ولي كل صالح بعدي وهذا كما قال هود ﷺ لما قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٥] وكقول الخليل: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٨] الآيات، وكقوله لأبيه وقومه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨] (١). فصل قال محمد تقي الدين: قول (ك): «أنها عبيد مثل عابديها» اعلم أنهم لا يعبدون التماثيل والقباب والأشجار والأحجار لذاتها، وإنما يعبدونها لما يزعمون فيها من [البركات] (٢) التي تجعلها أفضل منهم والتي بسببها تقضى الحاجات، وتنفرج الكربات بزعمهم، ولذلك تراهم إذا جاء السيل وجرف قبة يعودون إلى بنائها من جديد ويعبدونها، ولا يقولون في أنفسهم: لو كانت هذه القبة تملك نفعًا أو ضرًا، أو كان صاحبها الذي تنسب إليه يملك نفعًا أو ضرًا لحفظ قبته، فإذا عجز عن حفظها من السيل فهو عن حفظ العابدين أعجز، ولكن المشركين لا يعقلون. وقوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ تشنيع على عباد الأصنام والأوثان؛ لأن الأصنام وإن كانت لها أرجل وأيد وأعين وآذان إلا أنها لا تمشي، ولا تبطش، ولا تبصر، ولا تسمع، أما الأوثان كالقباب والأحجار فليس لها أرجل ولا أيد ولا أعين ولا آذان، ولكن عبّادها يزعمون أن الأرواح المتلبسة بها تسمع وتبصر وتعلم الغيب وتضر وتنفع، ويسألونها قضاء الحاجات، فإن قضيت نسبوا قضاءها إليها، وإن لم تقض نسبوا التقصير إلى أنفسهم لا إلى أوثانهم، ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩].

стр. 430

سورة الأنفال الباب الأول قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠]. رو (حم، م، د، ت، ج) عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﷺ القبلة وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا». قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. فلما كان يومئذ التقوا فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلًا، وأسر منهم سبعون رجلًا، واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليًا، فقال أبو بكر: يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا، فقال رسول الله ﷺ : «ما ترى يا ابن الخطاب؟»، قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم

стр. 431

وأئمتهم وقادتهم، فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد، قال عمر: فغدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر، وهما يبكيان، فقلت: ما يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ قال النبي ﷺ : «للذي (١) عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة»، لشجرة قريبة من النبي ﷺ ، وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٩] فأحل لهم الغنائم فلما كان يوم أحد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون رجلًا، وفر أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ ، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] (٢). وقال البخاري (٣) في كتاب المغازي: باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ عن عبد الله بن مسعود قال: «شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره». يعني: قوله» (٤). قال محمد تقي الدين: المراد بذكر هذه الآية أن الاستغاثة في الشدائد لا تكون إلا بالله، ومن استغاث بغير الله فقد كفر؛ لأن الله تعالى أخبرنا أن النبي ﷺ وأصحابه في غزوة بدر حين اشتد بهم الكرب وتكاثرت عليهم الأعداء، استغاثوا كلهم بالله، استغاث النبي ﷺ واستغاث الصحابة بالله، ولم يستغث الصحابة بالنبي

стр. 432

ويستغيث النبي ﷺ بالله، كما يفعل المشركون في هذا الزمان، وهذا من أعظم البراهين على ضلال هؤلاء المشركين، لو كانوا يعقلون، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] فهذا كتاب الله وهذه سنة رسول الله الصحيحة الصريحة، فأين تذهبون، توبوا إلى الله، ووحدوا ربكم وارجعوا إلى الحق إن كنتم مؤمنين. لعمري لقد نَبَّهتُ مَنْ كان نائمًا … وأسمعتُ مَنْ كانت له أُذُنان (١) ثم قال (ك): «وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾، الآية، أي: وما جعل الله بعث الملائكة وإعلامه إياكم بهم إلا بشرى، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾، وإلا فهو تعالي قادر على نصركم على أعدائكم [﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي:] (٢) بدون ذلك، ولهذا قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾» (٣). اهـ. قال محمد تقي الدين: وهذا محل الشاهد أن النصر لا يأتي إلا من الله، ولا ينبغي للمؤمن أن يطلبه إلا من الله، فإن طلبه من غيره خاب وخسر، ولم يظفر به أبدًا، ولهذا ترى المشركين في هذا الزمان يتعلقون بالأوربيين ويطلبون منهم السلاح، ويتعلمون استعماله منهم، ويظنون أن ذلك كل شيء، ولم ينفعهم ذلك شيئًا، ولن ينصروا أبدًا، إلا إذا رجعوا إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وحكموا شريعة الله، وقد مضت عليهم مئات السنين وهم يجربون طريقهم العقيم، فما حصدوا إلا الخيبة والخسران، ولو جربوا طريق الحق سنة واحدة لطلع عليهم فجر السعادة، وذهب نحسهم وظهر سعدهم ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. الباب الثاني قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٣٩ - ٤٠]

стр. 433

قال (ك): «عن نافع عن ابن عمر أنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: «إن الناس قد صنعوا ما ترى، وأنت ابن عمر بن الخطاب، وأنت صاحب رسول الله ﷺ ، فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرم علي دم أخي المسلم، قالوا: أولم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾؟ قال: «قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله» (١)، ثم روى عن أسامة بن زيد أنه قال: «لا أقاتل رجلًا يقول: لا إله إلا الله، أبدًا، فقال سعد بن مالك: وأنا والله لا أقاتل رجلًا يقول: لا إله إلا الله، أبدًا، فقال رجل: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾؟ فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله الله (٢)، رواه ابن مردويه، وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؛ يعني: لا يكون شرك (٣)، وكذا قال أبو العالية ومجاهد وقتادة والحسن والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم وقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهري عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: حتى لا يفتن مسلم في دينه». وقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية قال: يخلص التوحيد الله (٤). وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصًا لله ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد، ويشهد لهذا ما ثبت في «الصحيحين» (٥) عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ». وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي:

стр. 434

بقتالكم عما هم فيه من الكفر فكفوا (١) وإن لم تعلموا بواطنهم. وفي «الصحيح (٢) أن رسول الله ﷺ قال لأسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف فقال: لا إله إلا الله، فضربه فقتله فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال لأسامة: «أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ وكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة؟» فقال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا، قال: «شققت عن قلبه؟» وجعل يقول ويكرر عليه: «من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة». فقال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: اعلم - وفقني الله وإياك لمعرفة الحق والتمسك به - أن لا إله إلا الله لا تنفع أحدًا إلا إذا قالها وهو عالم بمعناها وعامل بمقتضاها، ولعلك لم تنس حديث أبي واقد الليثي الذي قال فيه النبي ﷺ : «قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] (٤). وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى في سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وأطلت الكلام فيه، فمن يقول: لا إله إلا الله، وينادي بأعلى صوته: يا رسول الله أغثني، يا علي يا فلان يا فلان، فإذا قلت له: وحد الله بدعائك، صاح عليك أنت وهابي، تبغض النبي وتبغض الأولياء، فهل هذا وأمثالهم تنفعهم لا إله إلا الله، كلا والله. فصل اعلم أيضًا أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ كعبد الله بن عمر ﵃ لم يروا القتال مع علي ولا مع عثمان اجتهادًا منهم، والصواب الذي لا شك فيه ما ذهب جمهور الصحابة من قتال البغاة الخارجين على أئمة الحق، لقول الله تعالى في سورة الحجرات: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] الآية، فقتال

стр. 435

الخارجين على عثمان والخارجين على علي هو الحق بلا شك، لهذه الآية ولقول رسول الله ﷺ : «ويح عمار تقتله الفئة الباغية» (١)، وكان عمار يقاتل مع علي فقتله جيش معاوية، وقال النبي ﷺ : «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» (٢) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

стр. 436

سورة التوبة الباب الأول قال الله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١ - ٥] قال (ك) بعد أن ذكر أن عثمان ﵁ لم يكتب في أول التوبة بسم الله الرحمن الرحيم، لظنه أنها والأنفال سورة واحدة (١): «وأول هذه السورة الكريمة.

стр. 437

نَزَل (١) على رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة تبوك، وهم بالحج ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك، وأنهم يطوفون بالبيت عراة، فكره مخالطتهم، وبعث أبا بكر الصديق ﵁ أميرًا على الحج تلك (٢) السنة؛ ليقيم للناس مناسكهم، ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا، وأن ينادي في الناس ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣) فلما قفل أتبعه بعلي بن أبي طالب ليكون مبلغا عن رسول الله ﷺ ، لكونه عصبة له كما سيأتي بيانه، فقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: هذه (٤) براءة، أي: تبرؤ (٥) من الله ورسوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ اختلف المفسرون ههنا اختلافا كبيرًا (٦) فقال قائلون: هذه الآية لذي العهود المطلقة غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقت، فأجله إلى مدته مهما كان لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ الآية. ولما سيأتي في الحديث، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته، وهذا أحسن الأقوال وأقواها وقد اختاره (ج) (٧). قال ابن عباس: «حد الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون في الأرض حيث شاؤوا وأجل (٨) من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى سلخ (٩) المحرم، فذلك خمسون ليلة» (١٠) [قال الضحاك] (١١): «فأمر الله نبيه إذا انسلخ

стр. 438

المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبينه عهد يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام، وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر أن يضع فيهم السيف أيضًا، حتى يدخلوا في الإسلام» (١). ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ يقول تعالى: وإعلام ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وتقدم، وإنذار إلى الناس: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ وهو يوم النحر الذي هو أفضل أيام المناسك [وأظهرها وأكبرها] (٢)، ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ أي: بريء منهم أيضًا، ثم دعاهم إلى التوبة إليه، فقال: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أي: مما أنتم فيه من الشرك والضلال، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: استمررتم على ما أنتم عليه، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ بل هو قادر عليكم وأنتم في قبضته وتحت قهره ومشيئته: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: في الدنيا بالخزي والنكال، وفي الآخرة بالمقامع والأغلال. قال البخاري (٣) ﵀ بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: «بعثني أبو بكر ﵁ في تلك الحجة في المؤذنين الذين بعثهم يوم النحر، يؤذن بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن (٤) بالبيت عريان» قال حميد: ثم أردف النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة، وأن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ثم ذكر (ك) هذا الحديث من رواية أبي هريرة، أيضًا في صحيح البخاري (٥) في (كتاب الجهاد) (٦) ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، هذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق، ليس

стр. 439

بمؤقت، فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض، يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء، إلا من له عهد مؤقت فأجله إلى المدة المضروبة التي عوهد عليها، وقد تقدمت الأحاديث، ومن كان له عهد مع رسول الله ﷺ ، فعهده إلى مدته، وذلك بشرط أن لا ينقض المعاهد عهده، فلا (١) يظاهر على المسلمين أحدًا؛ أي: يمالئ عليهم من سواهم، فهذا الذي يوفي له بذمته وعهده إلى مدته، ولهذا حرض تعالى على الوفاء بذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: الموفين بعهدهم. ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، اختلف المفسرون في الأشهر (٢) الحرام (٣)، فذهب (عج) إلى أنها [الأربعة] (٤) المذكورة، في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [إلا أن المحرم هو آخرها في حقهم] (٥). قال (ك): «وفيه نظر، والذي يظهر من حيث السياق: ما ذهب إليه ابن عباس في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وآخرون (٦): أن المراد بها أشهر [السيح] (٧) الأربعة المنصوص عليها بقوله (٨): ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. ثم قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم فيها قتالهم، وأجلناهم فيها فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر. ثم إن الأشهر الأربعة المحرمة، سيأتي بيان

стр. 440

حُكمُها في آية أخرى بعد، في هذه السورة الكريمة، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ﴾ أي: من الأرض وهذا عام، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم، بقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]. وقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي: وأسروهم، إن شئتم قتلًا وإن شئتم أسرًا، وقوله: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع، وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولهذا اعتمد الصديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي: الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة التي هي حق الله وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج، وهي: أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيرًا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة. وقد جاء في الصحيحين (١) عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، الحديث، وقال أبو إسحاق: عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال (٢): «أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له» (٣). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «أبى الله أن يقبل الصلاة

стр. 441

إلا بالزكاة، وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه». ثم قال (ك): «وهذه الآية الكريمة هي آية السيف، التي قال فيها الضحاك بن مزاحم: «أنها نسخت كل عهد بين النبي ﷺ وبين أحد من المشركين، وكل عقد (١) وكل مدة» (٢). وقال العوفي عن ابن عباس ﵁ في هذه الآية [الكريمة] (٣): «لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت براءة» (٤)، وانسلاخ الأشهر الحرم ومدة من كان له عهد من

стр. 442

المُشْرِكِينَ قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر، من يوم أذِّن براءة إلى عشر من أول شهر ربيع الآخر (١). فصل قال محمد تقي الدين: تبرأ الله ورسوله ﷺ من المشركين بقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ وقال تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨] وقال تعالى في سورة الممتحنة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] فوجب على كل مؤمن أن يتبرأ من المشركين في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة.

стр. 443

الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾ [التوبة: ٦ - ١١] قال (رح): «يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [أي] (١): الذين أمرتك بقتالهم، وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ أي: استأمنك، فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام الله، أي: (القرآن) تقرؤه عليه، وتذكر له شيئًا من [أمر] (٢) الدين، تقيم به عليه (٣) حجة الله ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي: وهو آمن مستمر الأمان، حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء، ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده. وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد في تفسير هذه الآية، قال: «إنسان يأتيك يسمع ما تقول، وما أنزل عليك، فهو آمن حتى يأتيك قسمعه (٤) كلام الله، وحتى يبلغ مأمنه حيث جاء». ومن هذا كان رسول الله ﷺ يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدًا أو في رسالة، كما جاء (٥): يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش، منهم عروة بن مسعود، ومُكْرِزُ بن حفص، وسهيل بن عمرو وغيرهم، واحدًا بعد واحد،

стр. 444

يترددون في القضية (١) بينه وبين المشركين، فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله ﷺ ما بهرهم، وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك (٢)، كان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم، ولهذا أيضًا لما قدم رسول مسيلمة الكذاب على رسول الله ﷺ قال له: «أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟ قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك» (٣). وقد قيض الله له ضرب العنق في إمارة ابن مسعود على الكوفة، وكان يقال له: ابن النواحة، ظهر عنه في زمان ابن مسعود أنه يشهد لمسيلمة بالرسالة، فأرسل إليه ابن مسعود فقال له: إنك الآن لست في رسالة، وأمر (٤) فضربت عنقه (٥)، لا ﵀ ولعنه. والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام، في أداء رسالة، أو تجارة، أو طلب صلح، أو مهادنة، أو حمل جزية، أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أمانًا أعطي أمانًا، ما دام مترددًا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه، لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك، فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة، قولان عن الإمام الشافعي (٦) وغيره من العلماء ﵏. ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، يبين تعالى حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر، ثم بعد ذلك السيف المرهف،

стр. 445

أين ثقفوا، فقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ أي: أمان، ويتركون فيما هم فيه، وهم مشركون بالله كافرون به وبرسوله، ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ يعني يوم الحديبية، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] الآية، ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أي مهما تمسكوا بما عاقدتموهم عليه، وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين، ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وقد فعل رسول الله ﷺ ذلك والمسلمون، استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست إلى أن نقضت قريش العهد، ومالؤوا حلفاءهم وهم (١) بنو بكر على خزاعة أحلاف رسول الله ﷺ فقتلوهم معهم في الحرم أيضا، فعند ذلك غزاهم رسول الله ﷺ في رمضان، سنة ثمان، ففتح الله البلد الحرام، ومكنه من نواصيهم ولله الحمد والمنة، فأطلق (٢) منهم بعد القهر والغلبة عليهم فسموا الطلقاء، وكانوا قريبا من ألفين، ومن استمر على كفره و فر من رسول الله ﷺ بعث إليه بالأمان والتسيير في الأرض أربعة أشهر، يذهب حيث شاء، ومنهم (صفوان بن أمية)، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما، ثم هداهم الله بعد ذلك إلى الإسلام التام، والله المحمود على جميع ما يقدره ويفعله. ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ الآية، يقول الله تعالى تحريضا (٣) للمؤمنين على معاداتهم والتبرؤ منهم، ومبينا أنهم لا يستأهلون (٤) أن يكون لهم عهد لشركهم بالله تعالى وكفرهم برسول الله ﷺ ولأنهم لو ظهروا على المسلمين وأديلوا عليهم لم يبقوا ولم يذروا ولا راقبوا فيهم إلا ولا ذمة، وقال ابن عباس وغيره: «الإل: (القرابة) والذمة: (العهد)»، قال تميم بن مقبل: أفسد الناس خلوق خلفوا … قطعوا الإل وأعراق الرحم (٥) وقال حسان بن ثابت ﵁ (٦):

стр. 446

وَجَدْنَاهُمُ كَاذِبًا إِلَّهُمْ … وذو الإل والعهد لا يكذب (١) وقيل: الإل هو الله، ومنه جبرائيل وميكائيل، وما أشبه ذلك، والتفسير الأول أحسن. ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية، يقول تعالى ذمًا للمشركين وحثًا للمؤمنين على قتالهم: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ يعني: إنهم اعتاضوا عن اتباع آيات الله بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة، ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: منعوا المؤمنين من اتباع الحق، ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ تقدم تفسيره، وكذا الآية التي بعدها ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ إلى آخرها تقدمت، وروى البزار بسنده عن أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ : «من فارق الدنيا على الإخلاص لله وعبادته لا يشرك به وأقام الصلاة وآتى الزكاة، فارقها والله عنه راض» وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث، واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ (٢) فإن خلعوا الأوثان وعبادتها: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٣).

стр. 447

ثم قال البزار (١): «آخر الحديث عندي والله أعلم: «فارقها وهو عنه راض»، وباقيه عندي من كلام الربيع بن أنس». (٢) فصل قال محمد تقي الدين: من زعم من المعتزلة والخوارج أن القرآن ليس كلام الله، وإنما هو خلق من خلقه فقد كفر بهذه الآية؛ لأن السامع إنما يسمعه من قراءة النبي ﷺ ، والكلام ينسب لقائله الأصلي، وهو الله تعالى، والعجز عن الكلام نقص في حق المخلوق، فكيف بالخالق؟ وكذلك الأشعرية المتأخرون الذين يزعمون أن كلام الله ليس بحرف ولا صوت، ولا بعربية ولا عجمية، وأنه صفة نفسية، وينكرون أن القرآن كلام الله، فهذه الآية حجة عليهم، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] والمسلمون إذا كانوا مسلمين حقا ومتخلقين بالقرآن وبسيرة الرسول ﵊ محكمين شريعة الله، محافظين على حدود الله، متى دخل بلادهم مشرك اعترته هيبة منهم، وامتلأ قلبه تعظيما للإسلام وأهله، وانجذب إليهم، فإما أن يدخل في دين الله ويسعد به، وإما أن تقوم عليه حجة الله، أما إذا دخل بلادهم ووجدهم متخلقين بمساوئ الأخلاق، منهمكين في الموبقات، لا يتبعون القرآن ولا الرسول، ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فإنه يزداد عداوة للإسلام وبعدا عن أهله. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨]. قال (كه): «يقول تعالى: ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، ومن قرأ (٣): «مسجد الله» فأراد به

стр. 448

المسجد الحرام، أشرف المساجد في الأرض، الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له، وأسسه خليل الرحمن، هذا وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر، أي: بحالهم وقالهم، كما قال السدي: لو سألت النصراني: ما دينك؟ لقال: نصراني، ولو سألت اليهودي: ما دينك؟ لقال: يهودي، والصابئ؟ لقال: صابئ، والمشرك؟ لقال: مشرك. ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بشركهم ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فشهد الله بالإيمان لعمار المساجد كما قال الإمام أحمد (١) بسنده عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان»، ورواه الترمذي والحاكم في «المستدرك» به (٢). وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ أي: التي هي أكبر عبادات البدن ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أي: هي أفضل الأعمال المتعدية إلى بر الخلائق وقوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلا الله﴾ أي: ولم يخف إلا من الله [تعالى]، ولم يخش سواه، ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا

стр. 449

يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يقول: من وَحَّدَ الله وآمن باليوم الآخر، يقول من آمن بما أنزل الله ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ يعني الصلوات الخمس ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ يقول: لم يعبد إلا الله، ثم قال: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ يقول تعالى: إن أولئك هم المفلحون، كقوله لنبيه ﷺ : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) [الإسراء: ٧٩] وهي الشفاعة وكل عسى في القرآن فهي واجبة (٢)، وقال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀: وعسى من الله حق (٣). فصل فصل قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية دليل على أن كل مسجد بني لله تعالى لا يجوز لمشرك أن يدخله ولا أن يتعبد فيه بعبادته الشركية التي يقول فيها: يا رسول الله أعطني، ويستغيث بالمخلوقين، وكذلك المبتدع الذي يعمرها بالمكاء والتصدية، وهو الخوار الذي يفعله أصحاب الطرائق كخوار البقر (٤)، أصوات قبيحة لا معنى لها في أي لغة، ويسمون ذلك زورًا وبهتانًا ذكر الله؛ ومعاذ الله أن يكون ذلك ذكر الله؛ لأن ذكر الله معلوم في كتب السنة، مطابق لفعل الرسول ﷺ والصحابة والتابعين، وصدق من سمى ذلك مكاء وتصدية وتشبيها بأهل الجاهلية، فهل فعله رسول الله ﷺ أو الصحابة أو التابعون أو الأئمة المجتهدون؟ حشاهم من ذلك، وما أحسن قول شاعر مصلح: ليس التصوف لبس الصوف ترفعه … ولا بكاؤك إذ غنى المغنونا ولا صياح ولا رقص ولا طرب … ولا ارتعاش كأن قد صرت مجنونا بل التصوف أن تصفو بلا كدر … وتتبع الحق والقرآن والدّينا وأن تُرى خاشعًا لله مكتئبًا … على ذنوبك طول الدهر محزونا

стр. 450

وقال آخر (١) ياعصبة ما ضر أمة أحمد … وسعى على إفسادها إلا هي طارٌ ومزمارٌ ونغمة شادن … أرأيتَ قطُّ عبادة بملاه وكذلك المبتدعة الذين يجلسون حلقة في المسجد، ويذكرون الله بذكر مشروع، ولكنهم يذكرونه بلسان واحد أو بمقدَّم يؤمهم في ذلك الذكر، وهم يقتدون به، فقد روى ابن وضاح في كتاب «البدع» - ونقله الشاطبي في «الاعتصام» (٢) - عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه بلغه أن ناسًا يجتمعون في مسجد الكوفة حلقة وبين أيديهم الحصى، فيقول أحدهم: سبحوا مائة فيسبحون، ثم يقول: هللوا مائة فيهللون، ثم يقول: كبروا مائة فيكبرون، فلبس البرنس وانطلق حتى جلس إليهم ورأى بعينه صنيعهم، فقال: «والله لقد فقتم أصحاب محمد ﷺ علمًا، أو جئتم ببدعة ظلمًا» فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، ما فقنا أصحاب محمد ﷺ علمًا، ولا جئنا ببدعة ظلمًا، ولكننا نذكر ربنا، فقال عبد الله بن مسعود: بلى والذي نفس ابن مسعود بيده، «والله لقد فقتم أصحاب محمد ﷺ علمًا أو جئتم ببدعة ظلمًا». ثم طردهم من المسجد فذهبوا وبنوا مسجدًا بظاهر الكوفة، أي خارجًا عن مدينة الكوفة، وأخذوا يصنعون فيه ذلك الصنيع، فبلغ ابن مسعود خبرهم فأمر بهدمه فهدم، وتفرقوا» (٣). اهـ.

стр. 451

فهؤلاء ذكروا الله بذكر مفهوم المعنى مشروع، ولكن زادوا عليه هيئة الاجتماع في وقت معلوم والمقدَّم الذي يرشدهم، فصار ذلك بدعة إضافية، وأصحابها داخلون في الوعيد، وهي شر من المعاصي؛ لأن المعاصي يعرف فاعلها أنها معاص، ولا يعتقد أنها قربة إلى الله، فيرجى أن يتوب منها، بخلاف

стр. 452

البدعة فإن صاحبها لاعتقاده أنها قربة لا يتوب منها، وكذلك النفر الذين جاؤوا إلى أزواج رسول الله ﷺ فسألوهن عن عبادته، فأخبرنهم بها فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: لسنا مثل رسول الله ﷺ ، فإن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما أنا فأصوم أبدًا ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم الليل أبدًا ولا أنام، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء، فلما سمع بذلك النبي ﷺ قال لهم: «أنتم الذين قلتم ما قلتم؟ قالوا: نعم، فقال رسول الله ﷺ : «أما أنا فأصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١). وكذلك المغاربة الذين يقرؤون القرآن جماعة بلسان واحد بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة المغرب يقرؤون القرآن جماعة بصوت واحد نصف جزء من القرآن ويسمونه حزبًا، يفتح القراءة لهم الإمام ثم بعد ذلك يختمون ذلك بأدعية ينطقون بها بلسان واحد (٢)، كما يفعل اليهود والنصارى في كنائسهم، ومنهم أخذ المغاربة هذه العادة السيئة لم يسبق إليها سابق، ولا لحقهم فيها لاحق، ومن العجب أنهم كلهم يتركون سنة المغرب البعدية والقبلية، أما البعدية فيفعلون بدلها تلك البدعة (٣) وأما القبلية فيزعمون أنها مكروهة. وحقيقة المكروه هو ما نهى الله أو نهى رسوله ﷺ عنه نهيًا مخففًا، بحيث إذا ترك يكون في تركه أجر وإذا فعل لا يكون في فعله عقاب، فنقول لهم: يا الله العجب! متى نهى الله أو رسوله ﷺ عن صلاة ركعتين قبل المغرب (٤) أي بعد أذان المغرب وقبل صلاتها؟ هل تستطيعون أن تجدوا في ذلك آية أو حديثًا ولو ضعيفًا؟ لن تجدوا ذلك أبدًا، بل الموجود الصحيح ما رواه البخاري في صحيحه» (٥) عن حديث أنس.

стр. 453

عبد الله المزني أن رسول الله ﷺ قال: «صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب» وقال في الثالثة: «لمن شاء» وجميع أهل الحديث منهم الشافعي وأحمد يقولون إن هذه الصلاة سنة وهذه السنة معمول بها في الحرمين الشريفين، وفي جميع المساجد التي يعمل فيها بالسنة، ويضرب بالرأي عرض الحائط. والذين يسمون فقهاء عند المغاربة - أعني: غلاتهم - إذا ذكرت لهم حديث رسول الله ﷺ يغضبون ويصرون على باطلهم، ويقولون: هذا العمل فعله فلان وفلان، وهما أفضل منك وأعلم بالسنة، وأمثال هذا من أقوالهم الباطلة، وإذا شئت أن تلزمهم وتلقمهم حجرًا في مسألة القراءة جماعة بصوت واحد، فاقرأ عليهم ما كتبه المواق في «شرحه لمختصر خليل»، عند قوله: «وجهر بها في مسجد [وقراءة بتلحين] (١) كجماعة، وجلوس لها لا لتعليم، وأقيم القارئ في المسجد يوم خميس أو غيره (٢) فمثل هذا النقل يخرسهم، أما الكتاب والسنة فلا يرفعون بهما رأسًا، وكذلك قول مالك ﵀ (٣) إذا خالف عادتهم لا يقبلونه بل يروغون روغان الثعلب، فنسأل الله العافية. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾؛ يعني: إن الذين هم أولياء الله ويحق لهم أن يعمروا مساجد الله هم الذين يوحدون الله في عبادته ولا يخافون إلا الله، واعلم أن الخوف قسمان بل نوعان نوع طبيعي فطر عليه الإنسان، كالخوف من العدو والخوف من الأسد، والخوف من الهزيمة في الحرب، والخوف من السراق واللصوص، فهذا الخوف ليس شركًا، كما قال تعالى في سورة طه: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٧ - ٦٨] الآية، والخوف الذي هو شرك يتنافى مع التوحيد، هو الخوف بالغيب، كالذي يريد أن يدخل بلدًا، فيخاف ما يسمى بالأولياء الأموات أو الأحياء إذا لم يخضع لهم أن يصيبوه بمصيبة، فيستأذنهم ويخضع لهم، ويسألهم الضيافة وهم أموات أو غائبون.

стр. 454

ويحسن أن أحكي هنا حكاية لتوضيح المقام: كان العالم السلفي المشهور عبد الله السنوسي نزيل مدينة طنجة له خادم يرافقه، فسافر من طنجة إلى العرائش، وهي مدينة في المغرب على شاطئ البحر المحيط، فلما أراد دخول هذه المدينة، قال خادمه: أسأل الضيافة من الله ومن سيدتنا منانة - ومنانة هذه: امرأة ميتة بنيت على قبرها قبة يعبدها الجهال - فسكت الشيخ ولم ينكر عليه قوله، وكانت عادة الشيخ أن ينزل عند بعض المحبين، فيجتمع عليه الناس للاستفادة من علمه، وينطلق خادمه إلى مشرب من مشارب القهوة والشاي، وهو ما يسمى «بالقهوة» فيمكث هناك إلى أن يمضي أول الليل، ثم يرجع إلى البيت الذي نزل فيه الشيخ فيجد عشاءه محفوظا له فيأكله وينام، ولما رجع تلك الليلة جلس ينتظر أن يقدم له عشاؤه كالعادة فلم يقدم له شيء، وكان الشيخ قد أخبر أهل ذلك البيت أن خادمه استضاف شخصا آخر، وأمرهم أن لا يتركوا له طعاما، فلما طال انتظاره، قال له الشيخ: كيف كان عشاؤك عند منانة؟ فقال له: يا سيدي ما تعشيت، فقال الشيخ: سبحان الله! كيف تركتك منانة بلا عشاء وأنت ضيفها؟! فاذهب إلى فراشك فليس لك هنا عشاء، وكان ذلك عقابا له وعبرة لغيره، وعادة عامة المغاربة أن يطلبوا الضيافة كما تقدم من رجال البلد، ويقصدون بذلك الأموات الذين بنيت على قبورهم قباب. ولما بدأت الدعوة إلى الله في المغرب سنة ١٣٨٠ هـ علمت من استجاب لدعوتي طلب الضيافة من الله بالدعاء الذي كان يدعو به النبي ﷺ إذا أقبل على بلد، وهو: «اللهم رب السموات وما أظللن ورب الأرضين وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن، ورب البحار وما جرين، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها، اللهم حببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا» (١).

стр. 455

وهذا مفترق الطرق بين الموحدين والمشركين، فالموحدون يطلبون حاجاتهم كلها من الله تعالى ولا يطلبون من مخلوق شيئًا، والمشركون لا يكفيهم الله تعالى فيتوجهون إلى المخلوقين العاجزين فيسألون حاجاتهم، فبئس ما يفعلون، قال الله تعالى في سورة سبأ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ﴾ [سبأ: ٢٤] وقال الله تعالى في سورة يونس: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] أخبر الله تعالى في هذه الآية أن المشركين الأولين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كانوا يقرون ويعتقدون أن الله هو الذي يرزق، وهو الذي يملك كل شيء، وهو وحده الذي يتصرف في العالم بالإعطاء والإحياء والإماتة وغير ذلك من أنواع التصرف، والمشركون في هذا الزمان يعتقدون أن أولياءهم يتصرفون في العالم، فلذلك يستغيثون بهم في الشدائد ويطلبون منهم حاجاتهم بدون حياء من الله تعالى ولا خوف، قال بعض المغاربة لما حاصر الفرنسيون مدينة فاس سنة ١٩١٢ بتاريخ النصارى، قال بعض من يسمون بالعلماء عندهم - وهم أجهل بالله من الدواب - يستغيث بإدريس بن عبد الله الأكبر المدفون بزرهون ﵀، شعرًا: أمولاي يا إدريس يا ابن نبينا … وملجأ هذا القطر في العُسر واليسر تكنفنا الأسدُ الصّراةُ وإنَّنا … على خَطَرٍ إِنْ لم تُغِثْنا على الفور أراد هذا المشرك المجنون، أن يقوم إدريس من قبره، أو تأتي روحه فتقاتل الجيش الفرنسي، وتصده عن مدينة فاس، أما هو فيجلس رابضًا كالثور المريض في يده سبحة يعد حباتها ويأكل ويشرب، فلم يغثه إدريس بل دخل الفرنسيون مدينة فاس، ثم فتحوا بلاد المغرب بلدًا بلدًا إلى أن استولوا عليها كلها، ومكثوا يحكمونها بالحديد والنار ثلاثًا وأربعين سنة، إلى أن تصدى لهم الملك محمد بن يوسف بن الحسن وابنه الملك الحسن بن محمد، رحم الله الوالد وأطال عمر الحسن ابنه ووفقه للخير وأعانه عليه ونصره على أعداء الإسلام، هذان رجلان

стр. 456

قاما في وجه الفرنسيين مع كثرة جيوشهم وجيوش مستعمراتهم قالا لهم: نحن لا نرضى بالاستعباد، فإما حياة عزّ وإما موت شريف، كما قال المتنبي (١): عِشْ عزيزًا أو مُتْ وأنتَ شريف (٢) … بين طَعْنِ القَنا وخَفْقِ البنود (٣) لا كما قد حييت غير حميد وإذا مُتَّ مُتَّ غير فقيد (٤) فبارك الله في ثورتهما وكانت سببًا في استيقاظ أهل المغرب من سباتهم، وشرعوا في الجهاد والنضال حتى طهروا بلادهم من استعباد الأجانب بعدما حكم الفرنسيون بلادهم ثلاثًا وأربعين سنة، والفضل لله، ثم لثورة الملكين المذكورين، لا لاستعانة المشركين بأهل القبور، والعجب من ذلك الشاعر البارع الذي يقول إن إدريس الله ملجأ القطر المغربي في العسر واليسر، والمسلمون لا ملجأ لهم إلا الله، قال تعالى في سورة التوبة في وصف الثلاثة الذين خلفوا، أي: أخر قبول توبتهم: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] وقال النبي ﷺ في الدعاء الذي يقال قبل النوم وهو في «الصحيح» (٥): «اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت». فقد اتخذ ذلك الجهول إدريس شريكًا مع الله وحاشا لأهل المغرب أن يوافقوه على شركه وجهله، فإن منهم من يوحد الله تعالى ولا يشرك به شيئًا وإن كانوا اليوم قليلًا، فنرجو الله أن يكثرهم، وكيف يلجؤون إلى غير الله وهم

стр. 457

يقرؤون قوله تعالى في سورة النمل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]؟ وما أحسن قول من قال (١): يا مَنْ يرى ما في الضَّمِير ويسمعُ … أنتَ المُعَدُّ لكل ما يتوقع يا مَنْ يُرجى للشدائد كلها … يا من إليه المُشْتَكى والمَفْزَعُ يا من خزائن رزقه في قولِ كُنْ … أُمْنُنْ فإنَّ الخير عندك أجمع هكذا ينبغي للمؤمن الموحّد أن يقول وبالله يصول ويجول، ومن دواعي الأسف أن معنى الآية قد انعكس في هذا الزمان فصار الجهال والمشركون والمبتدعون يقولون بلسان حالهم وقالهم: إنما يعمر مساجد الله من أشرك بالله، وخالف سنة رسول الله وابتدع في دين الله، فالدعوة إلى توحيد الله واتباع سنة رسول الله ﷺ ممنوعة في المساجد في المغرب والجزائر، إلا بإذن من حاكم البلد، وكم من شاب وكهل من الصالحين الدعاة إلى الله منع منها!! وفي هذه الأيام كتب إلي أحد تلامذتي وهو عبد الواحد بادو، يقول: إنه فضل أن يكون معلمًا في قرية ليبعد عما في المدن من الفجور، فصار معلمًا في قرية بقرب مدينة الحاجب، وأخذ يلقي دروسًا في مسجد القرية يعلم الناس فيها توحيد الله، فمنعه أمير القرية الذي يسمونه القائد، فجاءه العزل عقابًا من الله له لمنعه مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعيه في خرابها يترك الناس في البدع والشرك، قال: فلما عزل عدت إلى الوعظ في المسجد فمنعني نائب الأمير الذي يسمى عندهم الخليفة، فكتب إليه اختر دكان واحد من الذين استجابوا لك واجعله مكانًا للدعوة، واقصد الأسواق مع بعض إخوانك ودور القهوة واتخذها مكانًا للدعوة، ولو أن أولئك الحكام يراقبون الداعي فإذا رأوه يدعو إلى فتنة أو ثورة منعوه، وإذا رأوه يدعو إلى توحيد الله واتباع سنة رسول الله ﷺ أعانوه ونصروه أو على الأقل كفوه شرهم فلا يناله منهم خير ولا شر، لعذرناهم ولكنهم يتركون الدجاجلة يسرحون ويمرحون وينشرون الشرك والبدع، ولا يتعرضون لهم

стр. 458

بسوء، وإنما يمنعون دعاة التوحيد والسنة، فلا حول ولا قوة إلا بالله. الباب الرابع قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨] قال (ك): «أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتًا بنفي المشركين الذين هم نجس دينًا عن المسجد الحرام أن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها في سنة تسع، ولهذا بعث رسول الله ﷺ عليًا صحبة أبي بكر ﵁ عامئذ وأمره أن ينادي في المشركين: «أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان (١). فأتم الله ذلك وحكم به شرعًا وقدرًا، وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي، كتب عمر بن عبد العزيز: أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين وأتبع نهيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢) الآية» (٣). قال محمد تقي الدين: هذا قول عمر بن عبد العزيز الله وهو من رأيه واجتهاده وكذلك يقول المالكية: لا يجوز أن يدخل الكافر المسجد ولو أذن له المسلمون، وفي ذلك نظر، قال البخاري (٤) بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: «بعث النبي ﷺ خيلًا قبل نَجْدٍ، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي ﷺ فقال: «أطلقوا ثمامة». فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال:

стр. 459

أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، هكذا ذكره البخاري في أحكام المساجد مختصرًا (١)، وأخرجه في كتاب المغازي مطولًا، تحت ترجمة (باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال)، قال: بعث النبي ﷺ خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يُقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: «ما (٢) عندك يا ثمامة؟»، فقال: عندي خير يا محمد إنْ تَقْتُلْني تقْتُلْ ذا دم، وإنْ تُنْعِم تُنْعِم على شاكر، وإن كُنْتَ تريد المال فَسَل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد ثم قال له: «ما عندك يا ثمامة؟»، فقال: ما قلت لك: إِنْ تُنْعِم تُنْعِم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي ما قلتُ لك. فقال: «أَطْلِقُوا ثمامة» فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدِّين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليَّ، وإنَّ خَيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: صبأت، قال: لا والله ولكن أسلمت مع رسول الله ﷺ ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ . قال الصنعاني في سبل السلام على بلوغ المرام ما نصه: «وفيه دليل على جواز ربط الأسير بالمسجد وإن كان كافرًا، وإن هذا [تخصيص] (٣) لقوله ﷺ : «إن المسجد لذكر الله والطاعة» (٤)، وقد أنزل وفد ثقيف في المسجد (٥)، قال

стр. 460

الخطابي (١): فيه جواز دخول المشرك إذا كان له فيه حاجة مثل أن يكون له غريم في المسجد لا يخرج إليه، ومثل أن يحاكم إلى قاض هو في المسجد، وقد كان الكفار يدخلون مسجده ﷺ ويطيلون فيه الجلوس، وقد أخرج أبو داود (٢) من حديث أبي هريرة أن اليهود أتوا النبي ﷺ وهو في المسجد. وأما قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ فالمراد به لا يمكنون من حج ولا عمرة كما ورد في القصة التي بعث لأجلها الله بآيات براءة إلى مكة، وقوله: «فلا يحجن بعد هذا العام مشرك» (٣). وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤] لا يتم بها دليل على تحريم المساجد على (٤) المشركين؛ لأنها نزلت في حق من استولى عليها وكانت له [القوة] (٥) والمنعة كما وقع في سبب نزول الآية الكريمة، فإنها نزلت في شأن النصارى واستيلائهم على بيت المقدس، وإلقاء الأذى فيه والأزبال (٦)، أو أنها نزلت في شأن قريش ومنعهم له ﷺ عام الحديبية عن العمرة (٧) وأما دخوله من غير استيلاء ومنع وتخريب فلم تفده الآية الكريمة، وكأن المصنف ساقه لبيان جواز دخول المشرك المسجد، وهو مذهب إمامه فيما عدا المسجد الحرام (٨). فصل قال محمد تقي الدين نجاسة المشركين معنوية، فقد روى الشيخان (٩) عن
следующие страницы →