← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قاما في وجه الفرنسيين مع كثرة جيوشهم وجيوش مستعمراتهم قالا لهم: نحن لا نرضى بالاستعباد، فإما حياة عزّ وإما موت شريف، كما قال المتنبي (١): عِشْ عزيزًا أو مُتْ وأنتَ شريف (٢) … بين طَعْنِ القَنا وخَفْقِ البنود (٣) لا كما قد حييت غير حميد وإذا مُتَّ مُتَّ غير فقيد (٤) فبارك الله في ثورتهما وكانت سببًا في استيقاظ أهل المغرب من سباتهم، وشرعوا في الجهاد والنضال حتى طهروا بلادهم من استعباد الأجانب بعدما حكم الفرنسيون بلادهم ثلاثًا وأربعين سنة، والفضل لله، ثم لثورة الملكين المذكورين، لا لاستعانة المشركين بأهل القبور، والعجب من ذلك الشاعر البارع الذي يقول إن إدريس الله ملجأ القطر المغربي في العسر واليسر، والمسلمون لا ملجأ لهم إلا الله، قال تعالى في سورة التوبة في وصف الثلاثة الذين خلفوا، أي: أخر قبول توبتهم: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] وقال النبي ﷺ في الدعاء الذي يقال قبل النوم وهو في «الصحيح» (٥): «اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت». فقد اتخذ ذلك الجهول إدريس شريكًا مع الله وحاشا لأهل المغرب أن يوافقوه على شركه وجهله، فإن منهم من يوحد الله تعالى ولا يشرك به شيئًا وإن كانوا اليوم قليلًا، فنرجو الله أن يكثرهم، وكيف يلجؤون إلى غير الله وهم

стр. 457

يقرؤون قوله تعالى في سورة النمل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]؟ وما أحسن قول من قال (١): يا مَنْ يرى ما في الضَّمِير ويسمعُ … أنتَ المُعَدُّ لكل ما يتوقع يا مَنْ يُرجى للشدائد كلها … يا من إليه المُشْتَكى والمَفْزَعُ يا من خزائن رزقه في قولِ كُنْ … أُمْنُنْ فإنَّ الخير عندك أجمع هكذا ينبغي للمؤمن الموحّد أن يقول وبالله يصول ويجول، ومن دواعي الأسف أن معنى الآية قد انعكس في هذا الزمان فصار الجهال والمشركون والمبتدعون يقولون بلسان حالهم وقالهم: إنما يعمر مساجد الله من أشرك بالله، وخالف سنة رسول الله وابتدع في دين الله، فالدعوة إلى توحيد الله واتباع سنة رسول الله ﷺ ممنوعة في المساجد في المغرب والجزائر، إلا بإذن من حاكم البلد، وكم من شاب وكهل من الصالحين الدعاة إلى الله منع منها!! وفي هذه الأيام كتب إلي أحد تلامذتي وهو عبد الواحد بادو، يقول: إنه فضل أن يكون معلمًا في قرية ليبعد عما في المدن من الفجور، فصار معلمًا في قرية بقرب مدينة الحاجب، وأخذ يلقي دروسًا في مسجد القرية يعلم الناس فيها توحيد الله، فمنعه أمير القرية الذي يسمونه القائد، فجاءه العزل عقابًا من الله له لمنعه مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعيه في خرابها يترك الناس في البدع والشرك، قال: فلما عزل عدت إلى الوعظ في المسجد فمنعني نائب الأمير الذي يسمى عندهم الخليفة، فكتب إليه اختر دكان واحد من الذين استجابوا لك واجعله مكانًا للدعوة، واقصد الأسواق مع بعض إخوانك ودور القهوة واتخذها مكانًا للدعوة، ولو أن أولئك الحكام يراقبون الداعي فإذا رأوه يدعو إلى فتنة أو ثورة منعوه، وإذا رأوه يدعو إلى توحيد الله واتباع سنة رسول الله ﷺ أعانوه ونصروه أو على الأقل كفوه شرهم فلا يناله منهم خير ولا شر، لعذرناهم ولكنهم يتركون الدجاجلة يسرحون ويمرحون وينشرون الشرك والبدع، ولا يتعرضون لهم

стр. 458

بسوء، وإنما يمنعون دعاة التوحيد والسنة، فلا حول ولا قوة إلا بالله. الباب الرابع قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨] قال (ك): «أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتًا بنفي المشركين الذين هم نجس دينًا عن المسجد الحرام أن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها في سنة تسع، ولهذا بعث رسول الله ﷺ عليًا صحبة أبي بكر ﵁ عامئذ وأمره أن ينادي في المشركين: «أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان (١). فأتم الله ذلك وحكم به شرعًا وقدرًا، وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي، كتب عمر بن عبد العزيز: أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين وأتبع نهيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢) الآية» (٣). قال محمد تقي الدين: هذا قول عمر بن عبد العزيز الله وهو من رأيه واجتهاده وكذلك يقول المالكية: لا يجوز أن يدخل الكافر المسجد ولو أذن له المسلمون، وفي ذلك نظر، قال البخاري (٤) بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: «بعث النبي ﷺ خيلًا قبل نَجْدٍ، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي ﷺ فقال: «أطلقوا ثمامة». فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال:

стр. 459

أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، هكذا ذكره البخاري في أحكام المساجد مختصرًا (١)، وأخرجه في كتاب المغازي مطولًا، تحت ترجمة (باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال)، قال: بعث النبي ﷺ خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يُقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: «ما (٢) عندك يا ثمامة؟»، فقال: عندي خير يا محمد إنْ تَقْتُلْني تقْتُلْ ذا دم، وإنْ تُنْعِم تُنْعِم على شاكر، وإن كُنْتَ تريد المال فَسَل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد ثم قال له: «ما عندك يا ثمامة؟»، فقال: ما قلت لك: إِنْ تُنْعِم تُنْعِم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي ما قلتُ لك. فقال: «أَطْلِقُوا ثمامة» فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدِّين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليَّ، وإنَّ خَيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: صبأت، قال: لا والله ولكن أسلمت مع رسول الله ﷺ ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ . قال الصنعاني في سبل السلام على بلوغ المرام ما نصه: «وفيه دليل على جواز ربط الأسير بالمسجد وإن كان كافرًا، وإن هذا [تخصيص] (٣) لقوله ﷺ : «إن المسجد لذكر الله والطاعة» (٤)، وقد أنزل وفد ثقيف في المسجد (٥)، قال

стр. 460

الخطابي (١): فيه جواز دخول المشرك إذا كان له فيه حاجة مثل أن يكون له غريم في المسجد لا يخرج إليه، ومثل أن يحاكم إلى قاض هو في المسجد، وقد كان الكفار يدخلون مسجده ﷺ ويطيلون فيه الجلوس، وقد أخرج أبو داود (٢) من حديث أبي هريرة أن اليهود أتوا النبي ﷺ وهو في المسجد. وأما قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ فالمراد به لا يمكنون من حج ولا عمرة كما ورد في القصة التي بعث لأجلها الله بآيات براءة إلى مكة، وقوله: «فلا يحجن بعد هذا العام مشرك» (٣). وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤] لا يتم بها دليل على تحريم المساجد على (٤) المشركين؛ لأنها نزلت في حق من استولى عليها وكانت له [القوة] (٥) والمنعة كما وقع في سبب نزول الآية الكريمة، فإنها نزلت في شأن النصارى واستيلائهم على بيت المقدس، وإلقاء الأذى فيه والأزبال (٦)، أو أنها نزلت في شأن قريش ومنعهم له ﷺ عام الحديبية عن العمرة (٧) وأما دخوله من غير استيلاء ومنع وتخريب فلم تفده الآية الكريمة، وكأن المصنف ساقه لبيان جواز دخول المشرك المسجد، وهو مذهب إمامه فيما عدا المسجد الحرام (٨). فصل قال محمد تقي الدين نجاسة المشركين معنوية، فقد روى الشيخان (٩) عن

стр. 461

عمران بن حصين، أن النبي ﷺ وأصحابه توضؤوا من مزادة امرأة مشركة، وكذلك الخمر نجسة، اختلف العلماء في نجاستها، أهي حسية إذا أصابت ثوب رجل أو بدنه وجب عليه أن يغسلها أم نجاستها معنوية، وهي ما فيها من السكر الذي يذهب بالعقل وتنشأ عنه جرائم كثيرة؟ وقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. فقد سمى الله تعالى الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسًا، الثلاثة المذكورة مع الخمر نجاستها معنوية بالاتفاق، فكذلك الخمر لأنه سبحانه علل تحريم هذه الأشياء الأربعة بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١] فالخمر والميسر تعاطيهما تنشأ عنه العداوة والبغضاء والتشاجر والتقاتل، والأنصاب شرك، والأزلام طلب لمعرفة الغيب والغيب لا يعلمه إلا الله، فسبب نجاسة المشركين هو الشرك، فلا يجوز لهم دخول مكة ولا ينبغي أن يعمروا المساجد مع شركهم كما تقدم في الباب الذي قبل هذا. الباب الخامس قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣٣]. قال (ك): «هذه مقالة شنيعة وفرية عظيمة على الله تعالى، فأما اليهود فقالوا في العزير: إنه ابن الله تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وأما ضلال النصارى في

стр. 462

المسيح، فظاهر، ولهذا كذب الله الطائفتين، فقال: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: لا مستند لهم فيما ادعوه، سوى افترائهم واختلاقهم (١) ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ أي: يشابهون ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من قبلهم من الأمم ضلوا كما ضل هؤلاء، ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: لعنهم الله، ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف يضلون عن الحق، وهو ظاهر، ويعدلون إلى الباطل. وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير (٢) من طرق عن عدي بن حاتم ﵁: «أنه لما بلغته دعوة رسول الله ﷺ فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم منّ رسول الله ﷺ على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله ﷺ ، فقدم عدي إلى المدينة، وكان رئيسًا في قومه طئ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله ﷺ ، وفي عنق عدي صليب من فضة، وهو يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم! فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم»، وقال رسول الله ﷺ : «يا عدي ما تقول؟ أيفرك (٣) أن يقال، الله أكبر، فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ ما يُفِرُّكَ (٤) [أيفرك] (١) أن يقال: لا إله إلا الله، فهل تعلم إلهًا غير الله؟»، ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق، قال: فلقد رأيت وجهه استبشر، ثم قال: «وإن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون» (٥).

стр. 463

وهكذا قال حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسير: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ «إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا» (١)، وقال السدي: «استنصحوا الرجال [ونبذوا] (٢) كتاب الله وراء ظهورهم»، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد، والأولاد، لا إله إلا هو ولا رب سواه. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية، يقول تعالى: يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب ﴿أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾، أي: ما بعث به

стр. 464

رسول الله ﷺ ، من الهدى ودين الحق، بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك، كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس، أو نور القمر بنفخة، وهذا لا سبيل إليه، فكذلك ما أرسل به رسول الله ﷺ لا بد أن يتم ويظهر، ولهذا قال تعالى: مقابلًا لهم فيما راموه وأرادوه، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ والكافر: هو الذي يستر الشيء ويغطيه، ومنه سمي الليل كافرًا؛ لأنه يستر الأشياء، والزارع كافرًا؛ لأنه يغطي الحب في الأرض، كما قال: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]. ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ فالهدى (١): ما جاء به من الإخبارات الصادقة والإيمان الصالح (٢) والعلم النافع، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: هو الأعمال الصالحة الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: على سائر الأديان كما ثبت في «الصحيح» (٣) عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: انظر إلى كرم النبي ﷺ ورحمته، وإنزال الناس منازلهم، لم يكتف ﵊ بإطلاق سراح هذه الأميرة، بل أكرمها وأعطاها؛ لأنها ابنة رجل مشهور بالكرم، وهو: «حاتم الطائي»، يضرب به المثل في الجود، وكذلك أطلق رسول الله ﷺ من معها من الأسارى بدون فدية، فانطلقت إلى أخيها عدي، وأخبرته بما رأت من الأخلاق الكريمة، والشمائل العظيمة، فكان ذلك سببًا في إتيانه إلى النبي ﷺ وإسلامه، وفوزه بصحبة النبي ﷺ . تلك السعادة إن تُلمَّ بساحها … فحط رحلك قد عوفيت من تعس وفي رواية: إن النبي ﷺ لما رأى الصليب في عنق عدي قال له: «ألق

стр. 465

عنك هذا الوثن) (١)، فعلم بذلك أن كل شيء عبد من دون الله أو حمل للتبرك به فهو وثن، فالقباب التي يعبدها المشركون، والقبور التي تعبد والأشجار والمياه والأحجار كلها أوثان، وقد قال النبي ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢). رواه مالك في «الموطأ»، وإنما نهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ المساجد عند القبور، لعلمه أن تحري العبادة عندها يفضي إلى اتخاذها أوثانًا تعبد من دون الله، كما هو مشاهد في هذا الزمان، ثم انظر إلى قول النبي ﷺ : «فذلك عبادتهم»، يعني: إن من جعل الحكم لشخص يحلل ويحرم برأيه، ولا يطالب بدليل من الكتاب والسنة، فقد عبده، قال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم - وهو شرحه لخمسين حديثًا من جوامع الكلم -: قال ابن هبيرة: من مكايد الشيطان أن يقيم أوثانًا في المعنى تعبد من دون الله مثل أن يتبين لأحدهم الحق، فيقول ليس عليه مذهبنا، تعظيمًا لمقلد - بفتح اللام عنده - قد قدمه على الحق» (٣). انتهى. فالتحليل والتحريم والإيجاب والاستحباب والكراهة إذا قيدها المتعصب بالمذهب، ولم يبال بمخالفة الدليل عن النبي ﷺ ، فقد اتخذ ذلك المذهب وثنًا معنويًا يعبده من دون الله؛ لأن المذهب مجموع آراء رجال المذهب، وليس بقبة ولا شجر ولا حجر، ولكن لما جعل معيارًا للحكم صار وثنًا معنويًا، يدرك بالعقل، وهكذا يقال فيمن أطاع حزبه في معصية الله تعالى، أو ترك الفرائض التي شرعها الله تعالى، فذلك الحزب وثن يعبده، والحاصل أن الحكم لا يكون إلا لله، ومن جعله لغير الله فقد أشرك. ومن أمثال ذلك أن أهل المغرب الذين ينتسبون إلى المذهب المالكي يذبحون الذئاب ويأكلونها؛ لأنهم يزعمون أن أكل كل ذي ناب من السباع - كالكلب والذئب والثعلب والنمر والأسد - وكل ذي مخلب من الطير - كالغراب

стр. 466

والصقر والنسر والحدأة من سباع الطير - فيه ثلاثة أقوال في المذهب، ينسبونها إلى مالك ﵁: الإباحة، والكراهة التنزيهية، والحرمة، ويرجحون القول الثاني، وهو: «الكراهة التنزيهية»، ويزعمون أنه المشهور في المذهب المالكي (١)، فمن ترك أكل السباع المذكورة أثيب على تركه، ومن أكل لحومها فلا شيء عليه ولا يأثم، وقد روى مالك في «الموطأ» عن النبي ﷺ أنه قال: «كل ذي ناب من السباع حرام» (٢)، وكيف يروي مالك هذا عن النبي ﷺ ثم يقول بالإباحة أو الكراهة التنزيهية؟ وهذا طعن في تمسك مالك بالسنة، والصحيح كما قاله ابن عبد البر: «إن مالكا وسائر الأئمة يقولون بتحريم أكل لحوم السباع» (٣)، قال ابن تيمية الجد في «منتقى الأخبار» (٤) ما نصه: ١ - عن أبي ثعلبة الخشني: إن رسول الله ﷺ قال: «كل ذي ناب من السباع فأكله حرام» (٥)، رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود. ٢ - وعن ابن عباس ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» (٦)، رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. ٣ - وعن جابر قال: «حرم رسول الله ﷺ يعني: يوم خيبر - لحوم حمر الأنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» (٧)، رواه أحمد والترمذي.

стр. 467

٤ - وعن العرباض بن سارية: «إن رسول الله ﷺ ، حرم يوم خيبر كل ذي مخلب من الطير، ولحوم الحُمُرِ الأهليَّة، والخَلِيسَة والمجثمة» (١)، رواه أحمد والترمذي وزاد في رواية: قال أبو عاصم: المجثمة: أن ينصب الطير فيرمى، والخَلِيْسَة: الذئب أو السبع يدركه الرجل فيأخذ منه، يعني: الفريسة، فتموت في يده قبل أن يذكيها. قال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢) بعد ذكر الأحاديث المتقدمة: «وذو الناب من السباع كالأسد، والذئب، والنمر والفيل، والقرد، وكل ما له ناب يتقوى به ويصطاد، قال في «النهاية» (٣)، وهو: «ما يفترس الحيوان [ويأكل] (٤) قسرًا كالأسد والنمر والذئب ونحوها، وقال في «القاموس» (٥): «والسبع بضم الباء وفتحها المفترس من الحيوان»». انتهى. وقول (ك): «والكافر الذي يستر الشيء ويغطيه»، ولذلك سمى الكافر بالله تعالى الجاحد بما جاءت به رسل الله: كافرًا؛ لأنه ستر الحق وغطاه بجحوده، قال لبيد في «معلقته» (٦): حتى إذا ألقت يدًا في كافرٍ … وأَجَنَّ عوراتِ البيوتِ ظلامُها يريد بقوله: «ألقت يدًا في كافر»: غروب الشمس فشبهها بإنسان وأثبت لها يدًا، على طريق الاستعارة وجعل غروبها إلقاء يدها في الكافر وهو الليل، وقال لبيد (٧) أيضًا:

стр. 468

وقال الشاعر (١): في ليلةٍ كَفَر النُّجوم ظلامها … لي فيك أجر مُجاهد إن صح أنَّ الليل كافر الباب السادس قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١] قال (ك): «يعلم الله ﵎ نبيه ﷺ بعداوة هؤلاء له؛ لأنه مهما أصابه من حسنة - أي: فتح ونصر - وظفر على الأعداء مما يسره ويسر أصحابه ساءهم ذلك، ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قد احترزنا (٢) من قبل هذا ﴿وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ فأرشد الله تعالى رسول الله ﷺ إلى جوابهم في عداوتهم هذه التامة، فقال: ﴿قُلْ﴾ أي: لهم ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أي: نحن تحت مشيئته (٣) وقدره، ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ أي: سيدنا وملجأنا، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ونحن متوكلون عليه، [وهو] (٤) حسبنا ونعم الوكيل» (٥) فصل قال محمد تقي الدين: جاء في الحديث: «إن العلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر» (٦). انتهى، فالعلماء يرثون الأنبياء في علمهم وعملهم وصبرهم، وتوكلهم

стр. 469

واستعانتهم بالله على الأعداء، فكما أن المشركين والمنافقين كانوا يفرحون إذا أصابت النبي ﷺ وأصحابه ضراء، ويحزنون إذا أصابت النبي ﷺ وأصحابه سراء، فكذلك المشركون والمنافقون بعد زمانه ﵊، يعاملون ورثته المتبعين له، وينصبون لهم الحبائل، ويكيدون لهم المكايد، فإن أصاب الدعاة إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ شر فرحوا، وإن أصابهم فلاح ونجاح ساءهم ذلك وحزنوا، وهؤلاء الدعاة الحنفاء، نضر الله وجوههم، يقتدون بنبيهم، فيقولون لأعداء السنة وأعداء التوحيد: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ وناصرنا عليكم، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فنحن لا نتوكل إلا عليه ولا نستغيث إلا به وهو لا يضيع أحدًا توكل عليه، وهذا واقع في كل زمان، نسأل الله أن يجعلنا من المخلصين في اتباع نبينا في العلم والعمل، ويرزقنا الصبر على ما يصيبنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. الباب السابع قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِي وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ١١٣ - ١١٦] قال (ك): «أخرج (أ) و (م) (١) عن ابن المسيب عن أبيه قال: «لما

стр. 470

حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي ﷺ ، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: «أي عمي، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ، فقال أبو جهل وعبد الله ابن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك»، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ قال: ونزلت فيه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] وقال (١) بسنده عن علي ﵁ قال: سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أَوَلَمْ يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية». قال (ك): وقال (أ) وذكر سنده (٢) إلى ابن بريدة عن أبيه قال: «كنا مع النبي ﷺ ونحن في سفر فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان فقام إليه عمر بن الخطاب، وفداه بالأب والأم، وقال: يا رسول الله ما لك؟ قال: «إني سألت ربي في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث، نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها لتذكركم خيرًا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث فكلوا وأمسكوا ما شئتم، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية فاشربوا في أي وعاء شئتم، ولا تشربوا مسكرًا». وروى (ع) وذكر سنده (٣) إلى سليمان بن بريدة عن أبيه: «إن النبي ﷺ لما قدم مكة أتى رسم قبر فجلس إليه، فجعل يخاطب ثم قام مستعبرًا، فقلنا: يا رسول الله، إنا رأينا ما صنعت، قال: «إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي

стр. 471

فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فما رئي باكيًا أكثر من يومئذ. وروى ابن أبي حاتم (١) وذكر سنده إلى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «خرج رسول الله ﷺ يومًا إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلًا، ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم قام، فقام إليه عمر بن الخطاب فدعاه، ثم دعانا، فقال: ما أبكاكم؟ فقلنا: بكينا لبكائك، فقال: «إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، إني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي»، ثم أورده من وجه آخر ثم ذكر من حديث ابن مسعود قريبًا منه، وفيه: «وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي وأنزل علي ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، فأخذني ما كان يأخذ الولد للوالد، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الآخرة» ثم قال (ك) ما معناه: «ومن أغرب الأحاديث وأشدها نكارة ما رواه الخطيب البغدادي في كتاب «السابق واللاحق» بسند مجهول، عن عائشة في حديث فيه قصة إن الله أحيا أمه فآمنت ثم عادت» (٢)،

стр. 472

وكذلك ما رواه السهيلي في «الروض» (١) بسند فيه جماعة مجهولون: «إن الله

стр. 473

أحيا له أباه وأمه فآمنا به»» (١). فصل قال محمد تقي الدين: بعث الله نبيه ورسوله - سيد ولد آدم محمدًا ﷺ رحمة للعالمين، وأنزل عليه الكتاب والحكمة، فضله على خلقه نعمة منه ورحمة وكرامة لمن آمن به واتبعه، ولم يجعله ملكًا يرث الملك من أبيه أو يورثه ذريته أو أقاربه، وقد أخطأ كثير من الناس خطأ فاحشًا في فهم هذا المعنى فقاسوا النبي ﷺ على الملوك والأمراء، فتعجبوا واستغربوا أن لا تشمل هذه الرحمة أقرب الناس إليه أباه وأمه وعمه أبا طالب، مع أنه كان للنبي ﷺ كالوالد الرحيم عندما مات جده عبد المطلب، وكان عمر النبي إذ ذاك عشر سنين، لم يزل يكرمه ويرعاه ويتحمل الشدائد من أجله، لما قاطعه أهل مكة لم يخذله أبو طالب ومن معه من بني هاشم، فإن قريشًا تعاهدوا وتقاسموا على مقاطعة بني هاشم وحصارهم، ومنعوا الطعام أن يصل إليهم، فبقي أبو طالب محاصرًا في الشعب مدة طويلة هو ومن معه يقاسون الجوع والضيق وعداوة أهل بلدهم إلى أن فرج الله عنهم، فسعى بعض أشراف مكة في تمزيق الصحيفة التي كتبتها قريش حين تعاهدوا على ذلك الجرم الفظيع (٢)، ومع ذلك لم تشمله هذه الرحمة التي شملت

стр. 474

أهل الأرض ممن آمن بالنبي ﷺ ؛ لأنه أبى أن يؤمن برسالة محمد ﷺ ، ولم يكن شاكًا في صدقه فإنه قال في شعر له (١): واللهِ لَنْ يَصِلُوا إليكَ بِزَعْمِهم … حتى أُوَسَّدَ في التَّرَابِ دَفِينَا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة … فلقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا الملامة أو حِذَارُ مسبَّةٍ … لوجدتني سمحًا بذاك مبينا وقد جاءت قصة وفاة أبي طالب في «صحيح البخاري» (٢) وحرص النبي ﷺ على إيمانه وحزنه لما مات كافرًا، وروى البخاري عن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: «إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها» (٣)، انتهى، فولاية النبي ﷺ لأقاربه إنما جاءت من حيث إنهم من صالحي المؤمنين، لا للقرابة المجردة، فإنها وحدها لا تجعلهم أولياء النبي ﷺ ، وإن وصل رحمهم بالإحسان إليهم؛ لأن صلة الرحم واجبة مع الأقارب، وإن لم يكونوا مسلمين، وأما ما روي من الحديث في إحياء الأبوين وإيمانهما بالنبي ﷺ ، فهو باطل، إذ لا يصح في ذلك شيء (٤)، ولو فرضنا أنه ثبت في ذلك حديث وتجاوز درجة الوضع والنكارة إلى الضعف، ما ثبت به حكم ولا استطاع أن يقاوم حديث مسلم ولا أن يعارضه، وحديث النبي ﷺ لا ينقض بعضه بعضًا، بل ينصر بعضه بعضًا، وقد نظم بعضهم في هذا المعنى شعرًا فقال: حبا الله النبي مزيد فضلٍ … على فَضل وكان به رؤوفا فأحيا أمه وكذا أباه … لإيمان به فضلًا منيفا فَسَلِّمْ فالقدير بذا جديرٌ … وإن كان الحديث به ضعيفا

стр. 475

وقال آخر وهو أشد جهلا من الأول: أيقنت أن أبا النبي وأمه … أحياهما الرب الكريم الباري حتى له شهدا بصدق رسالة … سلم فتلك كرامة المختار هذا الحديث ومن يقول بضعفه فهو الضعيف عن الحقيقة عاري وقائل هذا الشعر من أجهل الجاهلين، فإنه أراد أن يعظم النبي ﷺ بتكذيبه وتكذيب جميع المحدثين، وكفى بذلك جهلا وضلالا. ثم قال (ك): «وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية: إن النبي ﷺ أراد أن يستغفر لأمه فنهاه الله عن ذلك، فقال: إن إبراهيم خليل الله ﷺ قد استغفر لأبيه فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية (١) فأمسكوا (٢) عن الاستغفار لأمواتهم، ولم ينهوا عن أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم أنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ الآية (٣)، وقال قتادة في الآية: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الأرحام، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟، قال: فقال النبي ﷺ : «بلى والله إني لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) حتى بلغ قوله: ﴿الْجَحِيمَ﴾ ثم عذر الله تعالى إبراهيم ﵇.، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ الآية، قال: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: «قد أوحى الله إلي (٥) كلمات فدخلن في أذني ووقرن في قلبي: أمرت أن لا».

стр. 476

أستغفر لمن مات مشركًا، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا يلوم الله على كفاف». وروى ابن جرير (١) عن ابن وكيع عن أبيه عن عصمة بن زامل (٢) عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: رحم الله رجلًا استغفر لأبي هريرة ولأمه، قلت: ولأبيه، قال: لا، قال: إن أبي مات مشركًا. وقوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ وقال ابن عباس وكثير من السلف - مثل قتادة والضحاك: «ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه»، وفي رواية: «لما مات تبين له أنه عدو الله» (٣)، وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ قال سفيان الثوري عن ابن مسعود (٤) «الأواه: الدعاء». وقال آخرون: الأواه هو الرحيم (٥). قال محمد تقي الدين: وصف الله إبراهيم بالحلم بأنه حلم عن أبيه لما آذاه بقوله: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٦ - ٤٧] واستمر يستغفر له إلى أن مات على الشرك، فترك الاستغفار له، ﴿وَمَا كَانَ

стр. 477

اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ الآية، قال (ج): «يقول الله تعالى: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال، بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا (١)، فأما قبل أن يبين لكم كراهة (٢) ذلك بالنهي عنه، ثم تتعدوا (٣) نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال؛ لأن (٤) الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، فأما من لم يؤمر ولم ينه، فغير كائن مطيعًا أو عاصيًا فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه» (٥). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِي وَلَا نَصِيرٍ﴾ قال (ج): «هذا تحريض من الله تعالى لعباده المؤمنين في قتال المشركين وملوك الكفر، وأن يثقوا (٦) بنصر الله مالك السموات والأرض، ولا (٧) يرهبوا من أعدائه، فإنه لا ولي لهم من دون الله، ولا نصير لهم سواه» (٨). فصل قال محمد تقي الدين: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من آيات توحيد الربوبية، فهو سبحانه مالك متصرف في عباده وليس لهم ولي يتولونه فتنفعهم ولايته، ولا نصير يستنصرونه فينصرهم، فمن استنصر غير الله ضل وأصابه الخزي في الدنيا والآخرة، ومن استنصر الله وحده وأطاعه واتبع رسوله ﷺ وحكم شرعه انتصر وعز، ولذلك نرى المسلمين في هذا الزمان ضعفاء أذلاء؛ لأنهم لم يستنصروا الله وحده، بل طلبوا النصر من غيره، فأذلهم قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنْ يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا

стр. 478

الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]. الباب الثامن قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧، ١١٨] قال (ك): قال مجاهد وغير واحد نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مجدبة وحر شديد، وعسر من الزاد والماء (١). قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد، فأصابهم (٢) فيها جهد شديد حتى ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم، يمصها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم (٣). وقال (ج) بسنده عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلًا، فأصابنا فيه عطش فظننا أن رقابنا ستنقطع، وحتى إن كان الرجل يذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا فادع لنا، فقال: «أتحب ذلك؟» قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى سالت السماء فأهطلت، ثم سكنت فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (٤). وقال

стр. 479

ابن جرير (١) في قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ أي: «من النفقة والظهر والزاد والماء». ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ أي: عن الحق ويشك في دين الرسول (٢) ﷺ ويرتاب للذي (٣) نالهم من المشقة والشدة في سفرهم وغزوهم (٤) ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: ثم رزقوا الإنابة إلى ربهم والرجوع إلى الثبات على دينه ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٥). ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ الآية، قال (ك): قال الإمام أحمد بسنده (٦) إلى عبيد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزاة غزاها قط إلا في غزوة (٧) تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله ﷺ يريد غير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم (٨) على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا (٩) على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أَذْكَرَ في الناس منها وأشهر. وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت

стр. 480

قبلها راحلتين قط حين (١) جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله ﷺ قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا، ومفاوز وعددًا (٢) كثيرًا، جلى (٣) للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه (٤) ما لم ينزل فيه وحي من الله . وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال (٥)، وأنا إليها أصعر، فتجهز رسول الله ﷺ والمؤمنون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض من جهازي شيئًا، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر (٦) بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غاديًا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا، وقلت: أتجهز (٧) بعد يوم أو يومين ثم ألحقه، فغدوت بعدما فصلوا (٨) لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئًا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فألحقهم - وليتني (٩) فعلت -، ثم لم يقدر لي ذلك فطفقت إذا خرجت في الناس بعد [خروج] (١٠) رسول الله ﷺ . [فطفت فيهم] (١٠) يحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق، أو رجلًا ممن عذره الله جل وعلا، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال: وهو جالس في القوم بتبوك: (ما فعل كعب بن مالك)؟ فقال رجل من بني

стр. 481

سلمة: حبسه يا رسول الله برده والنظر إلى عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا إلا خيرًا، فسكت رسول الله ﷺ . قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلًا من تبوك حصرني بني (١)، وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادمًا، زاح عني الباطل، وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه. فأصبح رسول الله ﷺ وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فيقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: «تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خلفك؟ ألم تكن قد اشتريت ظهرًا (٢)؟» فقلت: يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني أخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت [جدلًا] (٣)، ولكني والله لقد علمت، لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك بصدق تجد علي فيه: إني لأرجو عقبى ذلك من الله ، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال: فقال رسول الله ﷺ : «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك». فقمت وقام (٤) إلي رجال من بني سلمة واتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت إلا أن تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك، قال: فو الله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، قال: ثم قلت لهم: هل لقي معي هذا أحد؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: فمن هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا لي فيهما أسوة.

стр. 482

قال: فمضيت حين ذكروهما لي، فقال: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي: أَحَرَّكَ شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني. حتى إذا طال على ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي، وأحبُّ الناس إلي، فسلَّمتُ عليه، فو الله ما ردّ علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك الله، هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، قال: فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فسكت فقال: الله ورسوله أعلم، قال: ففاضت عيناي وتوليت حتى تسوَّرت الجدار، فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك، قال: فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلي كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا فإذا فيه أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، وإن الله لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعة، فالْحَقِّ بنا نواسك، قال: قلت حين قرأته: وهذا أيضًا من البلاء، قال: فتيممتُ به التنور فسجرته به. حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله ﷺ يأتيني يقول: يأمرك رسول الله ﷺ أن تعتزل امرأتك. قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: [بل] (١) اعتزلها ولا تقربها، قال: وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما يشاء، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن هلالًا شيخ ضعيف ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا ولكن لا يقربك (٢)، قالت: وإنه والله ما به من حركة إلى شيء، وإنه والله ما زال يبكي منذ

стр. 483

كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، قال: فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما أدري ما يقول فيها رسول الله ﷺ إذا استأذنته، وأنا رجل شاب. قال: فلبثنا عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، قال: ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صارخًا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: أبشرك (١) يا كعب بن مالك، قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء الفرج من الله بالتوبة علينا. فآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجل فرسًا وسعى ساع من أسلم، وأولى (٢) على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته لي، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم (٣) رسول الله ﷺ وتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنؤونني بتوبة الله، يقولون: ليهنئك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد والناس حوله، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول، حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلَّمتُ على رسول الله ﷺ ، قال وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك». قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا، بل من عند الله. قال: وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك». قال: فقلت: فإني

стр. 484

أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله، إنما نجاني الله بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. قال: والله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: وأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩] إلى آخر الآيات. قال كعب: فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال الله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥، ٩٦] قال: وكنا أيها الثلاثة الذين خلفنا عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين خلفوا، فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه، فلذلك قال الله : ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا﴾ وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخلّفنا (١) عن الغزو، وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه، فقبل منه. وهذا حديث صحيح ثابت، متفق على صحته رواه صاحبا «الصحيح»، البخاري ومسلم (٢) من حديث الزهري بنحوه.

стр. 485

فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الآية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها، وقوله في الحديث: «فسموا رجلين شهدا بدرًا» [قيل: خطأ من الزهري، فإنه لا يعرف شهود واحد من هؤلاء الثلاثة بدرًا] (١). والله أعلم، ولما ذكر تعالى ما فرج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب من هجر المسلمين إياهم نحوًا من خمسين ليلة بأيامها، وضاقت عليهم أنفسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، أي: مع سعتها فسدت (٢) عليهم المسالك والمذاهب، فلا يهتدون إلى (٣) ما يصنعون، فصبروا لأمر الله واستكانوا لأمر الله وثبتوا، حتى فرج الله عنهم بسبب صدقهم رسول الله ﷺ في تخلفهم وأنه كان عن غير عذر فعوقبوا على ذلك هذه المدة، ثم تاب الله عليهم، فكان عاقبة صدقهم خيرًا لهم، وتوبة عليهم، ولهذا قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: اصدقوا والزموا الصدق تكونوا من أهله وتنجوا من المهالك ويجعل لكم فرجًا من أموركم ومخرجًا. وقد أخرج (١) (و) عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا» (٤). وقال شعبة: عن عمرو بن مرة سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه قال: «الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، اقرؤوا إن شئتم ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٥) قال: مع محمد ﷺ وأصحابه، وقال الضحاك: مع أبي بكر وعمر.

стр. 486

وأصحابهما، وقال الحسن البصري: إن أردت أن تكون مع الصادقين، فعليك بالزهد في الدنيا والكف عن أهل الملة» (١). فصل قال محمد تقي الدين: قوله: «أقفلهم من غزوتهم أي: ردهم سالمين، يقال: قفلت من سفري، أي رجعت، وقوله: «الظهر»، المراد به ما يركب، وكانت مراكبهم الإبل التي يركبونها، وهذا من تسمية الشيء بجزئه، ويسمى مجازًا مرسلًا، وقوله: ما أحب أن لي بها مشهد بدر معناه: لو خيرت بين أن أشهد العقبة وأحرم من بدر أو أن أشهد بدرًا وأحرم العقبة، لفضلت بيعة العقبة على غزوة بدر، وقوله: ورى بغيرها»، معناه كان النبي ﷺ إذا أراد أن يغزو ناحية، كمكة مثلًا، يسأل أصحابه عن طريق نجد، حتى يظن الناس أنه يريد التوجه إلى المشرق، وهو يريد التوجه إلى المغرب خوفًا من أن يطلع المنافقون وضعاف الإيمان على الجهة التي يريد غزو أهلها فيبعثوا إليهم من يخبرهم، فهذا معنى التورية. وهي في علم البلاغة: ذكر لفظ يحتمل معنيين فيذكره الشاعر أو الناثر ويريد أحد المعنيين مثال ذلك قول الشاعر: خاط لي عَمْرو قَبَاءً … لَيتَ عَيْنيه سواءا وكان عمرو المذكور في هذا الشعر أعور فقوله: «ليت عينيه سواء» يحتمل أنه أن يكون مبصرًا بالعينين كلتيهما، ويحتمل أن يتمنى له أن تكون العينان عمياوين كلتيهما (٢).

стр. 487

وقوله (١): «فأنا إليها أصعر»، معناه: أميل من الميل وهو الحب، أي: غلب علي حب الظلال والثمار وكرهت نفسي أن تتركهما وتخرج إلى القتال والعطش والحر والجوع. وقوله: «بأحسن الوجوه وأبسطها»؛ أبسطها: أوسعها كما قال تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] والجهال من أهل هذا الزمان يعبرون بالأبسط عن الأسهل، وبالبسيط عن السهل أو القليل، ويزيدون على ذلك جهلا فيقولون: بسط الشيء بتشديد السين، بمعنى سهله، ويقولون: قواعد النحو المبسطة، وكل ذلك ضلال (٢)، فإن بسط بالتشديد معناه: كثرة التوسيع، كقتل وقتل بالتشديد.

стр. 488

قال محمد تقي الدين: يجب علينا أن نفكر كثيرًا في هذا النوع من العقاب الذي عاقب به رسول الله ﷺ هؤلاء الثلاثة فإنه عقاب صارم شديد (١)، ولكن

стр. 489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 490

إيمانهم كان قويًا، فصبروا حتى فرج الله عنهم ومن عليهم بهذا الشرف العظيم، الذي يُذكرون به إلى يوم القيامة، وهناك أمر آخر وهو أهم مما تقدم، وهو: إحجام كعب بن مالك عن الكذب على النبي ﷺ ، لما ظهر له من الجلال والهيبة التي أعطيها النبي ﷺ تأييدًا من الله تعالى له ومعجزة لا يطمع فيها ملك وإن أعطي سلطانًا عظيمًا وهيبة، وكان مرهوب الجانب ولا غرابة في ذلك، فإن نور النبوة له شأن عظيم. قال محمد تقي الدين: والشاهد هنا في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ أي: توجهوا إلى الله تعالى بالدعاء فالتجؤوا إليه؛ لعلمهم أنه لا ينقذهم ولا يغيثهم ولا يكشف عنهم الكرب إلا الله، وفي «الصحيح» (١) أن النبي ﷺ رغب في الدعاء التالي عند النوم وهو: «اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت». فمن علم وتيقن أنه ليس له ملجأ ولا مفر ولا مهرب من المصائب التي تصيبه والأعداء التي تحيط به إلا الله، والتجأ إليه بصدق وإخلاص آواه ونصره ونجاه من كل ما يخاف، نسأل الله أن يجعلنا ممن اتصفوا بهذا الوصف.

стр. 491

الباب التاسع قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٨، ١٢٩] قال (ك): يقول تعالى: ممتنًا على المؤمنين بما أرسل إليهم من أنفسهم أي: من جنسهم وعلى لغتهم، كما قال إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]- وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: منكم وبلغتكم كما قال جعفر بن أبي طالب ﵁ للنجاشي، والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: «إن الله بعث فينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته» وذكر الحديث (١). وقال: سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، وقال ﷺ : «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح» (٢) وقد وصل هذا من وجه آخر كما قال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي في كتابه «الفاصل بين الراوي والواعي» بسنده عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي (٣) وأمي، ولم يمسني (٤) من سفاح الجاهلية شيء» (٥).

стр. 492

وقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها، ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه أنه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة» (١) وفي «الصحيح»: «إن الدين يسر» (٢). وشريعته كلها سهلة سمحة كاملة يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ أي: على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم، وقال الطبراني وذكر سنده إلى أبي ذر قال: تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علمًا، قال: وقال رسول الله ﷺ : «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم» (٣).

стр. 493

وَقَوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ كَقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٥ - ٢١٧] وهكذا أمره تعالى في هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تولوا عما جئتهم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة: ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: الله كافي لا إله إلا هو عليه توكلت، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي: هو مالك كل شيء وخالقه؛ لأنه ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورين بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شيء وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل (١). فصل قال محمد تقي الدين: في هاتين الآيتين أخبرنا الله تعالى بأن هذا الرسول الكريم محمدًا ﷺ من صميم العرب، فهم أولى الناس باتباعه والسعادة بما جاء به، وقد كانوا كذلك، ثم ولوا عنه مدبرين، فأصابهم من العذاب في هذه الحياة الدنيا ما لم يصب أمة من الأمم، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦]. ولم نزل ندعوهم وندعو غيرهم من المسلمين إلى الرجوع وإلى التمسك بهذا الدين الحنيف الذي سعد به أسلافهم وصاروا هم به أشقياء، ولا يزالون إلى الآن مدبرين، والنكبات تحل بهم يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام، وإلى الآن لا يزال أكثرهم مصرًا على استبدال الشريعة الإسلامية بحكم الطاغوت، وقد أمرنا الله أن

стр. 494

نكفر بالطاغوت، ونؤمن بالله، قال تعالى في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء: ٦٠، ٦١] وقال تعالى في السورة نفسها: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. اللهم أرنا الحق حقًا، وأعنا على اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وأعنا على اجتنابه. الشاهد هنا في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أمر الله نبيه ﷺ أن يقول: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾، أي: الله يكفيني، فلا أحتاج إلى غيره، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، لا أصرف شيئًا من عبادتي لغيره كائنًا من كان ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾، لا أعتمد في جلب الخير ودفع الشر، وقضاء الحاجات وتفريج الكربات إلا عليه، وهذا توحيد العبادة، نسأل الله تعالى أن يديم علينا نعمة التوحيد، وأن يوفقنا للتمسك به، والكون مع أهله والبراءة من الشرك وأهله، إنه سميع مجيب.

стр. 495

سورة يونس الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢] قال (ك): يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الشر ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] أي: كثير، وهما في معنى واحد؛ وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع منها، وأكثر الدعاء عند ذلك، فدعا الله في كشفها ودفعها (١) عنه في حال اضطجاعه وقعوده وقيامه وفي جميع أحواله، فإذا فرج الله شدته وكشف كربته أعرض ونأى بجانبه، وذهب كأنه ما كان (٢) من ذلك [من] (٣) شيء مَرَّ كَأَنْ لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ ثم ذم تعالى من هذه صفته وطريقته، فقال: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فأما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد، فإنه [يستثنى] (٤) من ذلك، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ١١] وكقول رسول الله ﷺ : (٥): «عجبًا لأمر المؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له، وإن
следующие страницы →