← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الباب التاسع قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٨، ١٢٩] قال (ك): يقول تعالى: ممتنًا على المؤمنين بما أرسل إليهم من أنفسهم أي: من جنسهم وعلى لغتهم، كما قال إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]- وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: منكم وبلغتكم كما قال جعفر بن أبي طالب ﵁ للنجاشي، والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: «إن الله بعث فينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته» وذكر الحديث (١). وقال: سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، وقال ﷺ : «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح» (٢) وقد وصل هذا من وجه آخر كما قال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي في كتابه «الفاصل بين الراوي والواعي» بسنده عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي (٣) وأمي، ولم يمسني (٤) من سفاح الجاهلية شيء» (٥).

стр. 492

وقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها، ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه أنه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة» (١) وفي «الصحيح»: «إن الدين يسر» (٢). وشريعته كلها سهلة سمحة كاملة يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ أي: على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم، وقال الطبراني وذكر سنده إلى أبي ذر قال: تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علمًا، قال: وقال رسول الله ﷺ : «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم» (٣).

стр. 493

وَقَوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ كَقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٥ - ٢١٧] وهكذا أمره تعالى في هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تولوا عما جئتهم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة: ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: الله كافي لا إله إلا هو عليه توكلت، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي: هو مالك كل شيء وخالقه؛ لأنه ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورين بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شيء وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل (١). فصل قال محمد تقي الدين: في هاتين الآيتين أخبرنا الله تعالى بأن هذا الرسول الكريم محمدًا ﷺ من صميم العرب، فهم أولى الناس باتباعه والسعادة بما جاء به، وقد كانوا كذلك، ثم ولوا عنه مدبرين، فأصابهم من العذاب في هذه الحياة الدنيا ما لم يصب أمة من الأمم، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦]. ولم نزل ندعوهم وندعو غيرهم من المسلمين إلى الرجوع وإلى التمسك بهذا الدين الحنيف الذي سعد به أسلافهم وصاروا هم به أشقياء، ولا يزالون إلى الآن مدبرين، والنكبات تحل بهم يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام، وإلى الآن لا يزال أكثرهم مصرًا على استبدال الشريعة الإسلامية بحكم الطاغوت، وقد أمرنا الله أن

стр. 494

نكفر بالطاغوت، ونؤمن بالله، قال تعالى في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء: ٦٠، ٦١] وقال تعالى في السورة نفسها: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. اللهم أرنا الحق حقًا، وأعنا على اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وأعنا على اجتنابه. الشاهد هنا في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أمر الله نبيه ﷺ أن يقول: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾، أي: الله يكفيني، فلا أحتاج إلى غيره، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، لا أصرف شيئًا من عبادتي لغيره كائنًا من كان ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾، لا أعتمد في جلب الخير ودفع الشر، وقضاء الحاجات وتفريج الكربات إلا عليه، وهذا توحيد العبادة، نسأل الله تعالى أن يديم علينا نعمة التوحيد، وأن يوفقنا للتمسك به، والكون مع أهله والبراءة من الشرك وأهله، إنه سميع مجيب.

стр. 495

سورة يونس الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢] قال (ك): يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الشر ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] أي: كثير، وهما في معنى واحد؛ وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع منها، وأكثر الدعاء عند ذلك، فدعا الله في كشفها ودفعها (١) عنه في حال اضطجاعه وقعوده وقيامه وفي جميع أحواله، فإذا فرج الله شدته وكشف كربته أعرض ونأى بجانبه، وذهب كأنه ما كان (٢) من ذلك [من] (٣) شيء مَرَّ كَأَنْ لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ ثم ذم تعالى من هذه صفته وطريقته، فقال: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فأما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد، فإنه [يستثنى] (٤) من ذلك، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ١١] وكقول رسول الله ﷺ : (٥): «عجبًا لأمر المؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له، وإن

стр. 496

أصابته سراء فشكر، كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» (١). فصل قال محمد تقي الدين: الذي يظهر لي أن المراد بالإنسان هنا الكافر كما قال تعالى في سورة الزمر: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨] ومثل هذا في القرآن كثير، وسيأتي إن شاء الله، إلا أن المشركين الأولين كانوا إذا مسهم الضر وحدوا الله تعالى فلم يدعوا غيره، وإذا كانوا في وقت الرخاء أشركوا به، وعبدوا غيره، أما مشركو هذا الزمان، فإنهم أجهل وأضل؛ لأنهم مشركون بالله في الشدة وفي الرخاء، ولا يكادون يوحدون الله تعالى في أي حال، فالحمد لله الذي أنقذنا وأخرجنا من الظلمات إلى النور، نسأله سبحانه أن يديم علينا نعمه، حتى نلقاه غير مبدلين ولا مغيرين ولا فاتنين ولا مفتونين. الباب الثاني * قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] قال (ك): «ينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله، فأخبر تعالى أنها لا تضر ولا تنفع ولا تملك شيئًا، ولا يقع شيء مما يزعمون فيها ولا يكون هذا أبدًا، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾»، قال: (ج) «معناه أتخبرون الله بما لا يكون في السموات ولا في الأرض» (٢) ثم نزه نفسه الكريمة (٣) عن شركهم وكفرهم، فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤).

стр. 497

قال محمد تقي الدين: في هذا الزمان يعبد المشركون الأنبياء، فالنصارى يعبدون عيسى، وهو نبي ويغلون فيه فيجعلونه هو الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، والجهال المنتسبون إلى الإسلام يعبدون بعض الأنبياء، فيستغيثون بالنبي ﷺ فيقولون: يا رسول الله يا محمد، أعطنا وأغثنا، كما قال قائلهم: يا رسول الله يا بحر الوفا … يا غياث المعتدي والمهتدي إنني عبد ضعيفٌ وَجِلٌ … وذنوبي ما لها من عدد فانظر إلى هذا الجاهل المشرك الذي يعتقد أن النبي ﷺ لا يغيث المهتدين فقط، بل يغيث المعتدين أيضًا، ثم توجه إلى النبي ﷺ في البيت الثاني يريد منه مغفرة ذنوبه، وهذا جهل عظيم، فإنه لا يغفر الذنوب إلا الله، والنبي ﷺ لا يغيث أحدًا لا معتديًا ولا مهتديًا، وإذا كان يغيث المعتدي فهو إعانة له على الاعتداء، حاشاه من ذلك ويعبدون النبي شيئًا، وقد بنوا عليه قبة في الموصل، ويعبدون النبي يحيى وقد نصبوا له تابوتًا في وسط مسجد بني أمية في دمشق، ويعبدون ما لا يحصى من الأضرحة والقباب التي بنوها على قوم سموهم أولياء وكثير منها في وسط المساجد أو بقربها، وقد زين لهم الشيطان هذا العمل الذي هو معصية للرسول ﷺ فقد تواتر نهيه عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن من فعل ذلك (١)، وقد تقدم الكلام في هذا، وقال قائلهم في عبادة الأولياء: أولياء الإله إنّي مريض … والدواء لديكم والشفاء انظروا لي بفضلكم في علاجي … وامنحوني بجودكم ما أشاء قال الله تعالى في سورة الشورى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩].

стр. 498

الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس: ٢١] يخبر تعالى أنه إذا أذاق الناس رحمةً من بعد ضراء مستهم كالرخاء بعد الشدة، والخصب بعد الجدب، والمطر بعد القحط، ونحو ذلك: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ قال مجاهد: استهزاء وتكذيب، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ الآية [يونس: ١٢]، وفي «الصحيح» أن رسول الله ﷺ صلى بهم الصبح على أثر سماء كانت من الليل، أي مطر، ثم قال: «هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» (١). وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ أي: أشد استدراجًا وإمهالًا، حتى يظن الظان من المجرمين أنه ليس بمعذب، وإنما هو في مهلة ثم يؤخذ على غرة منه، والكاتبون الكرام يكتبون عليه جميع ما يفعله ويحصونه عليه، ثم يعرضونه على عالم الغيب والشهادة، فيجازيه على الجليل والحقير والنقير والقطمير» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: إن مشركي هذا الزمان ضربوا بسهم وافر في هذا النوع من الكفر، فإنهم يطلبون إعطاء الأولاد من الأموات والأحياء ممن يسمونهم أولياء، فإذا رزقهم الله ولدًا اعتقدوا أن ذلك الولي الذي طلبوه منه، هو الذي أعطاهم ذلك الولد، وازدادوا له خضوعًا وخوفًا ومحبة وإجلالًا وتعظيمًا وشكرًا، فإن كان ميتًا ذبحوا الذبائح على قبره، وحمدوه ولهجوا بذكره، والتزموا كل سنة أن يذبحوا ذبيحة على قبره ليحفظ لهم ذلك الولد، وإن كان حيًا جعلوا ذلك

стр. 499

الولد عبدًا له، سواء أكان ذكرًا أم أنثى، يؤدون له مالًا في كل سنة ليحفظه لهم، وإذا بلغت الأنثى وأراد التزوج بها أخذها، وإن لم يرد أن يتزوج بها هو ولا أحد أبنائه، أخذ نصف صداقها، وإذا انقطع عنهم المطر، يذهبون إلى قبور أوليائهم ويذبحون الثيران على الأولياء الكبار، والأكباش على الأولياء الصغار، ويتضرعون لهم في طلب المطر، ويقولون وهم حفاة حاسرو الرؤوس، والثور يمشي أمامهم ليذبحوه على القبر: جئناكم قاصدين … لا تردونا خائبين يا أولياء الله الصالحين وحدثت مرة في مدينة البيض في جنوب الجزائر أن شابين اقتتلا بالأيدي في مبنى القهوة، وكلاهما يدّعي أن أباه ولي، وكان ذلك بعد نزول المطر، فقال أحدهما: إن الذي أنزل هذا المطر هو والدي، فقال له الآخر: كذبت، بل الذي أنزله هو والدي أنا، وكان لفظهما «جاء والدي بالمطر» وأنا عبرت عنه بالإنزال، والمعنى واحد، والحكايات في هذا المعنى كثيرة، فالله يوفقنا وينجح سعينا في دعوة هؤلاء إلى صراط الله المستقيم، ونسأله أن لا يضيع عملنا، ويختم لنا بالحسنى. الباب الرابع قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٢٨ - ٣٠]. قال (ك): ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: أهل الأرض كلهم من جن وإنس (١) وبر وفاجر، كقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الآية، أي: الزموا أنتم وهم مكانًا معينًا امتازوا فيه عن مقام المؤمنين كقوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] وقوله: ﴿وَيَوْمَ

стр. 500

تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] وفي الآية الأخرى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] (١) يتفرقون، وهذا (٢) يكون إذا جاء الرب ﵎ لفصل القضاء (٣) يستشفع المؤمنون إلى الله تعالى أن يأتي لفصل القضاء ويريحنا من مقامنا هذا (٤). وقال تعالى في هذه الآية الكريمة إخبارًا عما يأمر به المشركين وأوثانهم يوم القيامة: ﴿مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ الآية، أنهم أنكروا عبادتهم وتبرؤوا منهم كقوله: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ الآية [مريم: ٨٢]، وقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء﴾ الآية [الأحقاف: ٥، ٦]. وقوله في هذه الآية إخبارًا عن قول الشركاء فيما راجعوا فيه عابديهم عند ادعائهم عبادتهم: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية، أي: ما كنا نشعر بها ولا نعلم بها، وإنما (٥) كنتم تعبدوننا من حيث لا ندري بكم والله شهيد بيننا وبينكم أنا ما دعوناكم إلى عبادتنا، ولا أمرناكم بها، ولا رضينا منكم بذلك، وفي هذا تبكيت عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ممن لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئًا ولم يأمرهم بذلك، ولا رضي به، ولا أراده، بل تبرأ منهم (٦) أحوج ما يكونون إليه، وقد تركوا عبادة الحي القيوم، السميع البصير القادر (٧) العليم بكل شيء، وقد أرسل رسله، وأنزل كتبه آمرًا بعبادته وحده لا شريك له، ناهيًا عن عبادة ما سواه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ

стр. 501

اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] والمشركون أنواع وأقسام كثيرون، قد ذكرهم الله في كتابه، وبين أحوالهم وأقوالهم ورد عليهم فيما هم فيه أتم رد. وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ أي: في موقف الحساب يوم القيامة، تختبر كل نفس وتعلم ما سلف (١) من عملها من خير وشر كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] وقال تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤] وقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ أي: ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل ففصلها وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾ أي: ذهب عن المشركين ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢) ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه) (٣). فصل قال محمد تقي الدين في هذه الآيات أوضح الأدلة على أن من عبد غير الله تعالى من الأنبياء والصالحين وغيرهم لا يشعر المعبودون بعبادة العابدين ولا يعلمونها، إذ لا يعلم الغيب إلا الله، وحين يعرف هؤلاء المعبودون يوم القيامة أن أولئك المشركين كانوا يعبدونهم حين يجمعهم الله تعالى ويحشرهم جميعًا - العابدين والمعبودين - يتبرأ المعبودون من عبادة العابدين ويقولون لهم تصريحًا: ﴿مَا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٨، ٢٩]. وبيان ذلك أن المعبود إما أن يكون من العقلاء، فهو مشغول بما هو فيه من نعيم الجنة وكرامة الله تعالى إن كان من الصالحين، أو بعذاب الله تعالى إن كان

стр. 502

من الطالحين، فلا يعلم شيئًا من عبادة العابدين له، ولو علم ذلك لأنكره وتبرأ إلى الله منه، فما أخسر صفقة المشركين الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، فنعوذ بالله من الخسران. فيا أيها القوم الذين أضلتهم الشياطين، وزينت لهم عبادة غير الله! توبوا إلى بارئكم وارجعوا إلى ربكم، ووحدوه توحيدًا تامًا ما دامت الفرصة سانحة لكم، فإنها لن تدوم، فإنكم لا تعلمون في أي وقت يأتيكم الموت ويحول بينكم وبين التوبة، اللهم أدم علينا نعمة التوحيد: توحيد الربوبية، وتوحيد العبادة، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد اتباع كتابك، وهدي نبيك محمد ﷺ إلى أن نموت، وأنت عنا راضي، والحمد لله رب العالمين. الباب الخامس قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣١ - ٣٥]. قال (ك): «يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته وربوبيته على وحدانية الألوهية (١) فقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر، فيشق الأرض (٢) بقدرته ومشيئته فيخرج منها ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٢٧ - ٣١]، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١] وقوله: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ أي: الذي وهبكم هذه القوة السامعة، والقوة الباصرة، ولو شاء لذهب.

стр. 503

بها ولسلبكم إياها، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ الآية [الملك: ٢٣] وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٤٦] وقوله: ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: بقدرته العظيمة ومنته العميمة (١) وأن الآية عامة لذلك كله، وقوله: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمر﴾ أي: ﴿مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨] وهو المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فالملك كله العلوي والسفلي وما فيهما من ملائكة وإنس وجان فقيرون إليه عبيد له وخاضعون له (٢) ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أي: هم يعلمون ذلك ويعترفون به، ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم، وقوله: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ الآية، أي: فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن يفرد بالعبادة ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ أي فكل معبود سواه باطل. لا إله إلا هو واحد لا شريك له: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه، وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء، والمتصرف في كل شيء وقوله: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ الآية، أي: كما كفر هؤلاء المشركون واستمروا على شركهم وعبادتهم مع الله غيره، مع أنهم يعترفون بأنه الخالق الرازق المتصرف في الملك وحده الذي بعث رسله بتوحيده، فلهذا حقت عليهم كلمة الله أنهم أشقياء من ساكني النار كقوله: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]. ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُم مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ﴾ الآية، وهذا إبطال لدعواهم فيما أشركوا بالله غيره، ومن (٣) عبدوا من الأصنام والأنداد، ﴿قُلْ هَلْ من شُرَكَائِكُم مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: من بدأ خلق هذه السموات والأرض ثم ينشئ ما فيهما من الخلائق، ويفرق أجرام السموات والأرض، ويبدلهما بفناء ما فيهما ثم يعيد الخلق خلقًا جديدًا ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هو الذي يفعل هذا ويستقل به

стр. 504

وحده لا شريك له ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل، ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُم مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ أي: أنتم تعلمون أن شركاءكم لا تقدر على هداية ضال، وإنما يهدي الحيارى والضلال ويقلب القلوب من الغي إلى الرشد الله الذي لا إله إلا هو، ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ أي: أفيتبع العبد الذي يهدي إلى الحق ويُبَصِّر بعد العمى أم الذي لا يهدي إلى شيء إلا أن يُهدى لعماه وبكمه كما قال تعالى إخبارًا عن إبراهيم أنه قال: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وقال لقومه: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥، ٩٦] إلى غير ذلك من الآيات، وقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي: فما بالكم أين يذهب بعقولكم؟ كيف سويتم بين الله وبين خلقه، وعدلتم هذا بهذا، وعبدتم هذا وهذا؟ وهلا أفردتم الرب ﷻ المالك الحاكم الهادي من الضلالة بالعبادة وحده، وأخلصتم إليه الدعوة والإنابة، ثم يبين تعالى أنهم لا يتبعون في دينهم هذا دليلًا ولا برهانًا، وإنما هو ظن منهم أي: توهم وتخيل، وذلك لا يغني عنهم شيئًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ تهديد لهم ووعيد شديد؛ لأنه تعالى أخبر أنه سيجازيهم على ذلك أتم الجزاء» (١). فصل قال محمد تقي الدين: ذكر الله في توحيد ربوبيته أمورًا: الأول: إنه هو الذي يرزق الناس والبهائم والطير وكل حي. الثاني: إنه هو الذي يملك السمع والبصر وسائر القوى التي وهبها خلقه. الثالث: إنه هو الذي يخرج الحي من الميت والميت من الحي، قال (ك): «أي: [يخرج الزرع من الحب، والحب] (٢) من الزرع، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء» (٣).

стр. 505

الرابع: إنه سبحانه هو الذي يُدَبِّرُ جميع الأمور. الخامس: إن الله نفى أن يكون أحد من الشركاء: لا عيسى ولا الملائكة ولا غيرهم، يستطيع أن يبدأ الخلق ثم يعيده، وصدقه في ذلك جميع المؤمنين وجميع المشركين الذين قاتلهم النبي ﷺ ، اعترفوا بأن شركاءهم عاجزون عن الخلق في البدء والإعادة. والأمر السادس: إن الله أخبر أنه هو الهادي وحده إلى الحق، وغيره، لا يهدي إلى شيء، بل غيره محتاج إلى هداية الله تعالى وإن علا منصبه وارتفعت درجته، كالملائكة والأنبياء، فهم مهديون بهداية الله ولا يملكون لغيرهم من الهداية شيئًا، وصدقه في ذلك المؤمنون والمشركون، إلا أن المشركين في هذا الزمان ينازعون في توحيد الربوبية أيضًا، فيزعمون أن شركاءهم من الشيوخ أحياء وأمواتًا، يتصرفون في العالم بالرزق وهداية القلوب وقد كفروا بالله تعالى، وبهذه الآية وغيرها، وكذبوا جميع الرسل، والمؤمنون من جميع الأمم، بل كل عاقل وإن لم يكن مؤمنًا يكذبهم ويعلم أن الذي أوجد الخلق من العدم، وحفظ عليهم وجودهم بالإمداد، وهو الذي يميتهم عند انقضاء آجالهم، وهو الذي يبعثهم للجزاء، هو وحده المتصرف في جميع خلقه، وليس لغيره تصرف، سبحانه وتعالى عما يشركون. الباب السادس قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩]. قال محمد تقي الدين: في هذه الآية الكريمة أمر من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ أن يخبر جميع الناس أنه لا يملك لنفسه - فكيف لغيره؟ - ضرًا ولا نفعًا، ولكن ما شاء الله كان من الضر والنفع وما لم يشأ لم يكن، فهو مالك الملك، المتصرف في عباده، وإذا كان أفضل خلق الله وأكرمهم على الله لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرًا ولا نفعًا، بطل كل ما بناه المشركون على شفا جرف هار، من تصرف الأولياء في الدنيا والآخرة.

стр. 506

الباب السابع قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٦]. قال (ك): يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، كما فسرهم ربهم، فكل من كان تقيًا كان الله وليًا (١) ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما وراءهم في الدنيا، وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس وغير واحد من السلف: أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وقد ورد هذا في حديث مرفوع كما قال البزار بسنده إلى ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله من أولياء الله؟ قال: «الذين إذا رؤوا ذكر الله» (٢). ثم ذكر (ك) حديثًا عن النبي ﷺ ورواه أئمة الحديث عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت وغيرهما: أن النبي ﷺ فسر قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ بأن البشرى في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد المؤمن أو ترى له، وفي الآخرة هي الجنة (٣)، وبذلك فسرها جماعة من

стр. 507

السلف، وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ أي: هذا الوعد لا يبدل ولا يخلف ولا يغير، بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ الآية، يقول تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ قول هؤلاء المشركين واستعن بالله عليهم، وتوكل عليه، ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، أي: جميعها له ولرسوله وللمؤمنين، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوال عباده، العليم بأحوالهم، ثم أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض. وأن المشركين يعبدون الأصنام، وهي لا تملك شيئًا لا ضرًا ولا نفعًا، ولا دليل لهم على عبادتها، بل إنما يتبعون في ذلك ظنونهم، وتخرصهم وكذبهم وإفكهم» (١).

стр. 508

فصل قال محمد تقي الدين: المشركون يعبدون أشياء كثيرة ولا تقتصر عبادتهم على الأصنام فقط، والأصنام إنما يعبدونها لاعتقادهم أن أرواحًا متعلقة بها، هي التي تقضي حاجاتهم، وتحفظهم وتدفع عنهم الشر، وفي بعض الأوثان مقادير من الذهب غالية الثمن، كما في الوثن الذي في كربلاء بالعراق، وفي الوثن الذي في النجف، وفي غيرهما في بلدان مختلفة، مع أن المشركين هم الذين بنوا بأيديهم تلك القباب المذهبة على قبور الصالحين وغير الصالحين، فلو أنهم يعتقدون أن تلك القباب ليس فيها إلا اللبن والجص وتابوت الخشب على القبر والتحف المعلقة، ما عبدوها، ولكنهم يعتقدون أن روح المقبور لها قوة عظيمة، وأنها فرحت بتلك القبة والتابوت والزائرين لها والطائفين بالتابوت والمتمسحين والمقبلين والمستغيثين والذابحين والناذرين والواضعين الدراهم في التابوت ليأخذها السدنة، فهي لذلك متلبسة بالقبة، وقد يأتي سيل عظيم فيجرف القبة والقبر والتابوت، ويترك المكان قاعًا صفصفًا، فلا يعتبرون بذلك ولا يفكرون في أنفسهم أن ذلك الولي - كما يسمونه - لو كان يقدر على جلب خير أو دفع ضر لحمى قبته، ودفع عنها السيل الذي هدمها، وإذا كان عاجزًا عن حماية قبته فهو عن قضاء حاجة عباده أشد عجزًا، ولكن المشركين لا يعقلون. الباب الثامن قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٣] قال (ك): «يقول تعالى لنبيه صلوات الله عليه وسلامه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أخبرهم واقصص ﴿عَلَيْهِمْ﴾، أي: على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك، ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾ أي: خبره مع قومه الذين كذبوه كيف أهلكهم الله ودمرهم بالغرق

стр. 509

أجمعين عن آخرهم، ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك، ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم﴾ أي: عَظُم عليكم ﴿مَقَامِي﴾ أي: فيكم بين أظهركم ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ إِيَّاكُم ﴿بِآيَاتِ اللهِ﴾ أي: بحججه وبراهينه ﴿فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: فإني لا أبالي ولا أكف عنكم، سواء عظم عليكم أم (١) لا، ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ أي: فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون الله من صنم ووثن، ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أي: ولا تجعلوا أمركم عليكم ملتبسًا، بل افصلوا حالكم معي فإن كنتم تزعمون أنكم محقون ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ أي: ولا تتأخروا (٢) ساعة واحدة، أي: مهما قدرتم فافعلوا فإني لا أباليكم ولا أخاف منكم؛ لأنكم لستم على شيء، كما قال هود لقومه: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ، فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ الآية [هود: ٥٤ - ٥٦]، وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: كذبتم وأدبرتم عن الطاعة ﴿فَمَا سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: لم أطلب منكم على نصحي إياكم شيئًا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: وأنا ممتثل ما أمرت به من الإسلام الله ، والإسلام هو دين الأنبياء جميعًا من أولهم إلى آخرهم، وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهجهم (٣) كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] قال ابن عباس: «سبيلًا وسنة»، فهذا نوح يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى في إبراهيم الخليل: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣١، ١٣٢] وقال يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وقال موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] وقالت السحرة: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] وقالت بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾

стр. 510

[المائدة: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] وقال خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ : ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] أي: من هذه الأمة، ولهذا قال في الحديث الثابت عنه: «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات وديننا واحد» (١) أي: هو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت شرائعنا، وذلك معنى قوله: «أولاد علات» وهم الأخوة من أمهات شتى، والرب واحد، وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ وهي السفينة ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ أي: في الأرض ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ أي: يا محمد كيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا المكذبين» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: في هذه الآيات فوائد: الأولى: إن الرسل قاسوا الشدائد في دعوة أممهم إلى توحيد الله والتمسك بالشريعة، فقد قابل هذه الدعوة أقوامهم بالتكذيب والاستهزاء وضروب الأذى، فصبر الرسل على ذلك، ولم يزحزحهم ما لقوا من أممهم قيد شعرة عن الدعوة إلى الله، ولم يخافوا وعيد قومهم؛ لأنهم وهبوا أنفسهم الله وأعظمهم صبرًا وجهادًا: سيد البشر محمد ﷺ ومن درس سيرته الطيبة الكريمة، رأى العجب العجاب من ذلك وقد امتثل أمر ربه سبحانه إذ قال له في سورة الأحقاف: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وكذلك فعل أصحابه والتابعون لهم بإحسان، وكذلك فعل أيضًا اتباع الرسل من قبل، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ﴾ وفي رواية نافع (٣).

стр. 511

«قُتِلَ» بضم القاف وكسر التاء ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] وقد فسر علماء السلف الربيين بالمجموع، وقد فسروه بالعلماء الأتقياء. قلت: والرّبِّيُّ في اللغة العبرانية: هو الفقيه العالم التقي، و (الوهن): الضعف والاستكانة التذلل، فهكذا ينبغي لمن يتبع الرسول ويدعو إلى اتباعه أن يكون كما قال نوح: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَقَامِي﴾ أي: كرهتم إقامتي بينكم ودعوتي لكم إلى سبيل الله، فأنا لا أخضع لكم ولا أتذلل ولا أضعف ولا أتبع أهواءكم، بل أصبر وأستمر على إعلان الحق، أحببتم أم كرهتم، وأنا متوكل على الله الذي بيده حياتي وموتى ونفعي وضري فافعلوا ما بدا لكم من الأذى، ولا تبقوني ساعة واحدة إن قدرتم على ذلك. الفائدة الثانية: إن الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم لا يسألون على الدعوة على تعليم الناس وإرشادهم، فإن ذلك يتنافى مع الإخلاص في الدعوة فإنهم إذا أخذوا أجرًا من المدعوين لا بد أن يخضعوا لهم وأن يخافوهم، والمدعوون أنفسهم إذا كانوا يعطون الداعي أجرًا يرون لأنفسهم فضلًا عليه وينقص قدره عندهم أو يزول، فإن قلت: نحن نرى شيوخ الطرائق كلًا على أتباعهم، فأتباعهم يخدمونهم ويبذلون أنفسهم وأموالهم، ومع ذلك يعظمونه غاية التعظيم، وهذا يبطل ما ادعيته!! أقول: على رسلك، فرق كبير بين دعوة أتباع الرسل ودعوة شيوخ الطرائق، فشيوخ الطرائق يوهمون أتباعهم أنهم ينفعونهم ويضرونهم إن شاؤوا، وإن كل ما عند أتباعهم من الأرزاق والنعم هم الذين منحوهم إياه، زد على ذلك أن شيوخ الطرائق يتبعون أهواء المدعوين فيقولون لهم: ما دمتم مخلصين في خدمتنا فافعلوا ما شئتم من المعاصي، تغفر لكم ذنوبكم، وتكونون من أولياء الله الصالحين، ولا تذوقون سكرات الموت، ولا تسألون في قبوركم وتحملكم الملائكة على كواهلها فتمر بكم على الصراط أسرع من لمح البصر، وتدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب في الزمرة الأولى، وتكونون في الفردوس مع النبي ﷺ وأصحابه، انظر كتابي «الهدية الهادية إلى

стр. 512

الطائفة التجانية» (١) فلا غرابة إذا عبدوهم وبذلوا أموالهم وأنفسهم. الفائدة الثالثة: إن الله تعالى أخبر بأنه أنجى رسله والذين آمنوا معهم حين حقت كلمة العذاب على الكافرين من أتباعهم، قال تعالى في سورة يونس في أواخرها: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣] وكذلك ينجي من دعا إلى كتابه القرآن، وسنة رسوله محمد ﷺ من مكر المشركين، ويجعل لهم فرجًا ومخرجًا من كل شدة وكربة، ويخذل أعداءهم، وهذا مجرب لا شك فيه. الباب التاسع قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس: ٨٤ - ٨٦] قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عن موسى أنه قال لبني إسرائيل: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ أي: فإن الله كاف من توكل عليه ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين العبادة والتوكل كقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩] ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] وأمر الله تعالى المؤمنين أن يقولوا في كل صلواتهم مرات متعددة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقد امتثل بنو إسرائيل ذلك فقالوا: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تظفرهم بنا وتسلطهم علينا فيظنوا أنهم إنما (٢) سلطوا لأنهم على الحق، ونحن على الباطل فيفتنوا بذلك، هكذا روي عن أبي مجلز وأبي الضحى، وقال ابن أبي (٢) نجيح وغيره عن مجاهد: «لا تعذبنا بأيدي

стр. 513

آل (١) فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون (٢): لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سُلّطنا عليهم فيفتنوا بنا (٣) ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٤) قوله: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ﴾ أي: خلصنا برحمة منك وإحسان، ﴿مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: الذين كفروا الحق وستروه، ونحن قد آمنا بك وتوكلنا عليك (٥). فصل قال محمد تقي الدين: هذا الذي خافه قوم موسى وسأل الله أن يحفظهم منه وقع فيه المدعون للإسلام في هذا الزمان، فقد صاروا فتنة للقوم الظالمين، ولم ينجوا من شر القوم الكافرين؛ لأنهم انهمكوا في المعاصي، وتركوا طاعة الله تعالى، ولم يتبعوا كتابه ولا سنة رسوله، ولم يوالوا أولياءه ولا عادوا أعداءه، فنعوذ بالله من الخذلان، فقد صار أعداء الإسلام يقولون فيهم: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا الذل، ولا وقع بينهم الشقاق والنزاع، ولا صار بأسهم بينهم؛ فتراهم على كثرتهم غثاء كغثاء السيل، لا يسرون صديقًا ولا يغيظون عدوًا. الباب العاشر قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ

стр. 514

يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٤ - ١٠٩]. قال (ك): «يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ [ديني]﴾ (١) صحة ما جئتكم به من (٢) الدين الحنيف الذي أوحاه الله إلي فأنا ﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ﴾ وحده لا شريك له، وهو ﴿الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ كما أحياكم، ثم إليه مرجعكم فإن كانت الهتكم التي تدعون من دون الله حقًا، فأنا لا أعبدها، فادعوها فلتضرني، فإنها لا تضر ولا تنفع، وإنما الذي بيده النفع والضر (٣) هو الله وحده لا شريك له، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ الآية أي: أخلص العبادة الله وحده ﴿حَنِيفًا﴾ أي: منحرفًا عن الشرك، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بضُر﴾ الآية، فيه بيان؛ لأنَّ الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده لا يشاركه في ذلك أحد، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، روى الحافظ ابن عساكر بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن الله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوه أن يستر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم» (٤) ثم

стр. 515

رواه من طريق الليث (١) عن أبي هريرة مرفوعًا بمثله سواء، وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي: لمن تاب إليه وتوكل عليه ولو من أي ذنب كان حتى من الشرك به، فإنه يتوب عليه، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية، يقول تعالى أمرًا لرسوله ﷺ أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا مرية فيه، ولا شك فيه، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ به واتبعه فإنما يعود نفع ذلك الاتباع على نفسه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عنه فإنما يرجع وبال ذلك عليه، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ أي: وما أنا موكل بكم حتى تكونوا مؤمنين به (٢)، وإنما أنا نذير لكم، والهداية على الله تعالى، وقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ﴾ أي: تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه إليك، واصبر على مخالفة من خالفك من الناس ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ﴾ أي: يفتح بينك وبينهم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ أي: خير الفاتحين بعدله وحكمته (٣). فصل قال محمد تقي الدين: يجب على كل داع أن يتأمل هذه الآيات ويفكر فيها طويلًا ويعمل بها، فإنه لا بد أن يلقي من المدعوين شيئًا مما لقيه الداعي الأول ﷺ ، ويقول كما قال القدوة العظمى: ﴿إِنْ كُنتُمْ فِي شَكٍّ﴾ يا أيها المدعوون من صحة توحيد الله تعالى في عبادته فلا تطمعوا أبدًا أن أوافقكم على شرككم بالله، سواء أعبدتم الملائكة أم الشياطين، وسواء أعبدتم الأنبياء والصالحين، أو قبورهم أو تماثيلهم أو المواضع التي كانوا فيها، فإنني لا أوافقكم على شيء من ذلك، ولكن أعبد الله وحده لا شريك له؛ لأنه وحده هو

стр. 516

الذي يستحق العبادة، فهو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لجميع الأمور، وأولئكم الذين تعبدونهم عاجزون عن كل شيء، مخلوقون محتاجون إلى الله، وقد أمرنا الله تعالى كما أمر رسوله محمدًا ﷺ أن نكون من المؤمنين بكل ما جاء به هذا الرسول الكريم، وأوله توحيد الله تعالى في ربوبيته وعبادته وأسمائه وصفاته، واتباع كتابه وسنة رسوله ﷺ وأمرنا أن نقيم وجوهنا لهذا الدين حنفاء لا نشرك بالله شيئًا، وأمرنا أن ندعو الله وحده لجلب الخير ودفع الشر، ولا ندعو من دونه أحدًا، لأنه لا ينفع ولا يضر إلا الله، ومن يدع غير الله لحاجة فهو من الظالمين المشركين إذا أصابنا ضر علمنا أنه لا يكشفه إلا الله، فدعوناه وتضرعنا له وإن أصابنا خير علمنا أنه من الله وحده، ولا يستطيع أحد أن يمنعنا منه فرجاؤنا كله من الله، وخوفنا كله من الله، لا نخاف غيره أن يصيبنا بضر، كالمرض والموت وتضييق الرزق وتعسر قضاء الحاجات وغير ذلك، ونعلم أن ما جاء به رسولنا خاتم النبيين هو الحق، لا نزيد عليه شيئًا ولا ننقص منه شيئًا، وإن حاربتمونا سألنا النصر عليكم من الله، وصبرنا حتى يحكم الله بيننا وبينكم، وهو خير الحاكمين.

стр. 517

سورة هود الباب الأول قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [هود: ١، ٢]. قال (رح): «قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هنا (١) وبالله التوفيق، وأما قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أي: هي محكمة في لفظها مفصلة في معناها، فهو كامل صورة ومعنى، هذا معنى ما روي عن مجاهد وقتادة واختاره ابن جرير (٢)، ومعنى قوله (٣): ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أي: من عند الله الحكيم في أقواله وأحكامه الخبير (٤) بعواقب الأمور، ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: نزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة الله وحده لا شريك له، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقوله: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ أي: إني لكم نذير من العذاب إن خالفتموه، وبشير بالثواب إن أطعتموه، كما جاء في الحديث الصحيح» (٥) أن رسول الله ﷺ صعد الصفا فدعا بطون قريش الأقرب ثم

стр. 518

الأقرب، فاجتمعوا فقال: «يا معشر قريش أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا تصبحكم ألستم مصدقي؟» فقالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» (١). فصل قال محمد تقي الدين: اختلف العلماء في الحروف التي بدئت بها بعض السور نحو: ﴿الم﴾، ﴿الر﴾، فاختار بعضهم تفويض معناها إلى الله تعالى، إذ لم يرد في تفسيرها شيء عن النبي ﷺ ولا تتعلق بها أحكام وبعضهم اعتبرها تحديًا للمشركين المكذبين، فكأنه يقول لهم: إن زعمتم أن محمدًا جاء بهذا القرآن من عنده فكلماته من حروف المعجم كالألف واللام والميم والراء والصاد والحاء والقاف، فركبوا أنتم كلمات وجملًا وسورًا تشبه القرآن في لفظه ومعناه، فأنتم عرب فصحاء، فكيف عجزتم أن تأتوا بأقصر سورة مثله؟، واستدلوا لهذا الرأي بأن القرآن يذكر بعد تلك الحروف في أكثر الفواتح، كالبقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس، وهود، ويوسف والرعد، إلى آخرها وهو رأي معقول والله أعلم، ودلالة الآية الثانية على إفراد الله تعالى بالعبادة وأن النبي ﷺ نذير لكل من أشرك به، بالعذاب المهين في الدنيا والآخرة، وبشير لكل من وحده التوحيد الكامل بالسعادة في الدنيا والآخرة. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: ٣١ - ٣٤].

стр. 519

قال (ك): «يخبرهم أنه رسول من الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له بإذن الله له في ذلك، ولا يسألهم على ذلك أجرًا، بل هو يدعو من لقيه من شريف ووضيع، فمن استجاب له (١) فقد نجا، ويخبرهم أنه لا قدرة له (٢) على التصرف في خزائن الله، ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وليس هو بملك من الملائكة، بل هو بشر مرسل مؤيد بالمعجزات، ولا أقول عن (٣) هؤلاء الذين تحقرونهم وتزدرونهم إنهم ليس لهم عند الله ثواب على أعمالهم، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ فإن كانوا مؤمنين باطنًا كما هو الظاهر من حالهم فلهم جزاء الحسنى، ولو قطع لهم أحد بشر (هكذا) (٤) بعد ما آمنوا لكان ظالمًا قائلًا ما لا علم له به، ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ الآية، يقول تعالى مخبرًا عن استعجال قوم نوح نقمة الله وعذابه وسخطه، والبلاء موكل بالمنطق، ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ أي: حاججتنا فأكثرت من ذلك، ونحن لا نتبعك ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ أي: من النقمة والعذاب، ادع علينا بما شئت فليأتنا ما تدعو به ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: إنما الذي يعاقبكم ويعجلها لكم الله الذي لا يعجزه شيء، ولا ﴿يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ (٥) أي شيء يجدي عليكم إبلاغي (٦) وإنذاري إياكم ونصحي، ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي: إغواءكم ودماركم، ﴿هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: هو مالك أزمة الأمور المتصرف الحاكم العادل الذي لا يجور، له الخلق، وله الأمر وهو المبدئ المعيد مالك الدنيا والآخرة» (٧). فصل قال محمد تقي الدين: تقدم في سورة الأنعام أن الله أمر سيد الخلق

стр. 520

محمدًا ﷺ أن يقول مثل هذا الكلام، وهو ثلاثة أمور: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ يعني: إنني فقير إلى الله كسائر الناس، كما قال تعالى في سورة فاطر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] ولذلك لا يجوز لأحد أن يسأل النبي ﷺ شيئًا من خير الدنيا والآخرة، ولا دفع ضر أو عذاب، ولكنه يتوسل إلى الله تعالى بمحبة النبي واتباعه، فإنهما من أعظم الوسائل. الأمر الثاني: إن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، وإنما يعلم منه ما علمه الله تعالى. الأمر الثالث: حاجته إلى ما يحتاج إليه البشر من أكل وشرب واستراحة ونوم، وليس كالملائكة الذين يستغنون عن ذلك، فالقدرة الكاملة، والعلم الكامل، والغنى المطلق كل هذه خاصة بالله تعالى، فأنت ترى أن الاثنين من أولي العزم وهما محمد ونوح أي: أولهم وآخرهم تبرأ بأمر من الله تعالى من الصفات الثلاث المذكورة، فما أجهل المشركين الذين يتعلقون بالمخلوق ويتركون الخالق. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ قَالَ ﴿يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٥ - ٤٧] قال ﵀: «هذا سؤال استعلام وكشف من نوح ﵇ عن حال ولده الذي غرق ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ أي: وقد وعدتني بنجاة أهلي، وَ ﴿وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الذي لا يخلف، فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين؟ ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي: الذين وعدت [بإنجائهم] (١) لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من

стр. 521

أهلك، ولهذا قال: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٧] فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق؛ لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوحًا ﵇، وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه، وإنما كان ابن زنية ويحكى القول بأنه ليس بابنه وإنما كان ابن امرأته عن مجاهد والحسن وعبيد بن عمير وأبي جعفر الباقر وابن جريج واحتج بعضهم بقوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح﴾ وبقوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠] فممن قاله الحسن البصري، احتج بهاتين الآيتين، وبعضهم يقول ابن امرأته وهذا يحتمل أن يكون أراد [ما أراد] (١) الحسن، أو أراد أنه نسب إليه مجازًا؛ لكونه كان ربيبًا عنده، فالله أعلم، وقال ابن عباس وغير واحد من السلف: «ما زنت امرأة نبي قط» (٢) قال: وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي: الذين وعدتك نجاتهم، وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، فإن الله تعالى أغير من أن يمكن من امرأة نبي هذه الفاحشة، ولهذا غضب الله على الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي الله وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُم مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١، ١٥] (٣). قال الجمل في حاشيته على الجلالين عند قوله تعالى: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ ما نصه: «يعني قال تعالى ﴿يَانُوحُ إِنَّهُ﴾ يعني: هذا الابن الذي سألتني نجاته ليس من أهلك، اختلف علماء التفسير هل كان هذا الولد ابن نوح لصلبه أم لا؟ فقال الحسن ومجاهد كان ولد حنث من غير نوح،

стр. 522

ولدته زوجته على فراشه، ولم يعلم به (١)، فلذلك قال الله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ وقال محمد بن جعفر الباقر: كان ابن امرأة نوح وكان يعلمه نوح، ولذلك قال: ﴿مِنْ أَهْلِي﴾، ولم يقل: مني، وقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأكثر المفسرين: إنه ابن نوح من صلبه (٢)، وهذا القول هو الصحيح، والقولان الأولان ضعيفان، بل باطلان يدل على صحة قول الجمهور ما صح عن ابن عباس أنه قال (٣): «ما بغت امرأة نبي قط» (٤)، ولأن الله تعالى نص عليه بقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢] ونوح أيضًا نص عليه بقوله: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَب مَعَنَا﴾ [هود: ٤٢] وهذا نص في الدلالة، وصرف الكلام عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة لا يجوز، وإنما خالف هذا الظاهر من خالفه لأنه استبعد أن يكون ولد نبي كافرًا، وهذا خطأ ممن قاله؛ لأن الله تعالى خلق خلقه فريق في الجنة، وهم المؤمنون وفريق في السعير، وهم الكفار، والله تعالى يخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر، ولا فرق في ذلك بين الأنبياء وغيرهم، فإن الله أخرج قابيل (٥) من صلب آدم، وهو نبي، وكان قابيل كافرًا، وأخرج إبراهيم ﵇ وهو نبي من صلب آزر وكان كافرًا، وكذلك أخرج كنعان وهو كافر من صلب نوح وهو نبي، فهو المتصرف في خلقه كيف شاء (٦).

стр. 523

فصل قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام فوائد، أذكر بعضها: الأولى: يظهر لي أن نوحًا سأل الله نجاة ابنه كنعان قبل أن يغرق، كما قاله الجمل، وكما قال الحافظ ابن كثير، أن السؤال سؤال استعلام، وكشف من نوح ﵇ عن حال ولده الذي غرق ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ أي: وقد وعدتني بنجاة أهلي، ووعدك الحق الذي لا يخلف، فكيف غرق، وأنت أحكم الحاكمين؟ الثانية: تأمل كلام الجمل، فإنه نفيس جدًا، يبطل اعتماد الجاهلين على النسب، وقد ضل في هذا الباب خلق كثير، فاعتقدوا أن كل من كانت له علاقة بنبي أو صالح لا يعذب في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه متعلق بحبيب من أحباء الله تعالى، والله لا يعذب بزعمهم من تعلق بأحد المحبوبين عنده، أو تعلق به أحد المحبوبين، كنوح وفي ذلك يقول مخاطبًا النبي ﷺ : ألم يرضك الرحمن في سورة الضحى * وحاشاكَ أَنْ تَرْضى وفينا معذَّبُ وهذا من أجهل الجاهلين، فإن لازمه أن لا يدخل النار أحد من أمة الإجابة، وقد تواترت الأخبار بأن بعض هذه الأمة المحمدية من الذين ماتوا مصرين على الكبائر يدخلون النار، ثم يخرجون منها بشفاعة النبي ﷺ ، ومن أجل ذلك اخترع بعضهم حديث إحياء الأبوين، وإيمانهما بالنبي ﷺ ثم إماتتهما (١)، وردوا بذلك الحديث «الصحيح» الذي رواه مسلم (٢)، وهو قول النبي ﷺ للرجل الذي سأله: أين أبي؟: «إن أبي وأباك في النار» وردوا بذلك الحديث «الصحيح» الذي رواه (أ) و (ج) وابن أبي حاتم، أن النبي ﷺ مرّ بقبر أمه فاستأذن الله أن يزوره فأذن له ثم استأذن أن يستغفر لها، فلم يأذن له، فبكى وأبكى من حوله (٣). وإنما قاس هؤلاء النبوة والصديقية والصلاح على الملك القيصري أو الكسروي، فقالوا بجهلهم: كيف يعذب ابن الملك أو أبو الملك أو صديق الملك؟

стр. 524

وما علموا أن بين النبوة والملك بعد ما بين السماء والأرض، فالنبوة اختيار الله تعالى لبعض خلقه، وإنزال الوحي عليهم لتبليغ رسالته، فلا يلزم من ذلك أن يكون كل من تعلق بهم بنسب أو سبب مختارًا، والأدلة على هذا كثيرة منها: قول النبي ﷺ لفاطمة ﵂: «سليني من مالي ما شئت، وأنقذي نفسك من النار، لا أغني عنك من الله شيئًا» (١) ومنها قوله ﷺ في آخر حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم: «ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» (٢) وليت شعري إذا عظم على هؤلاء الجهال أن يعذب الأبوان، فلماذا لم يخترعوا حديثًا لنجاة عبد المطلب وهو جد النبي ﷺ و «الجد أب»، كما قال أبو بكر الصديق (٣) ﵁، وهو في النار، بدليل قول أبي طالب عند موته: «هو على دين عبد المطلب»، فمات كافرًا (٤)، ولكن كل من نبذ الكتاب والسنة واتبع هواه يقع في أودية الضلال، ومن أعجب العجب أن بعض شرار الدواب زعم أن بول أهل البيت طاهر؛ لقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩]. الثالثة: قد أحسن من (٥) نزه أنبياء الله أن تقع أي فاحشة من نسائهم مع كفر بعضهن.

стр. 525

الباب الرابع ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٠ - ٥٨] قال (ك) يقول تعالى: ولقد أرسلنا ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ أمرًا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ناهيًا لهم عن الأوثان التي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة، وأخبرهم أنه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ، إنما يبغي ثوابه من الله الذي فطره ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ من يدعوكم إلى ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة، ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة، وبالتوبة عما يستقبلون، ومن اتصف بهذه الصفة يسر الله عليه رزقه، وسهل عليه أمره، وحفظ شأنه، ولهذا قال: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا﴾ وفي الحديث: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب» (١) ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي. . . .﴾ * الآية،

стр. 526

يخبر تعالى أنهم قالوا لنبيهم: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ أي: بحجة وبرهان على ما تدعيه، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: بمجرد قولك اتركوهم نتركهم، ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدقين ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ يقولون: ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها، ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ﴾ يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام، ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ أي: أنتم وآلهتكم إن كانت حقًا ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ أي: طرفة عين وقوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أي: تحت قهره وسلطانه، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه فإنه ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة، ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر ولا توالي ولا تعادي، وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له الذي بيده الملك، وله التصرف، وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُم﴾ الآية، يقول لهم هود (١): ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عما جئتكم به من عبادة الله ربكم وحده لا شريك له ﴿فَقَدْ﴾ قامت عليكم (٢) الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها، ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يعبدونه وحده لا يشركون به ولا يبالي بكم، فإنكم لا تضرونه بكفركم، بل يعود وبال ذلك عليكم، ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أي شاهد (٣) وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم، ويجزيهم عليها: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ وهو الريح العقيم، فأهلكهم الله عن آخرهم، ونجى هودًا وأتباعه من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه (٤).

стр. 527

فصل قال محمد تقي الدين: أفكار المشركين وأقوالهم متشابهة في كل زمان ومكان، فهكذا يقول عباد الأوثان في هذا الزمان، كيف نترك الاحتفال بقبة الشيخ فلان التي وجدنا عليها آبائنا وأسلافنا، ولم يزل العلماء يوافقوننا على عبادتها، بالذبح والنذر والتمسح والطواف والتقبيل، وهم كانوا أعلم منك ولا تعرف أنت عشر معشار علمهم، فهذا علم جديد، ودين جديد جئتنا به، وسيضربك المدفونون في تلك القباب ضربة تردك إلى صوابك، ويحسن هنا أن أذكر حكاية عجيبة ذكرها الشعراني في «الطبقات الكبرى» (١) وهي أن الاحتفال

стр. 528

بموسم أحمد البدوي المدفون في طنطا يختلط فيه الرجال والنساء، ويقع الزنا بينهم، فتصدى أحد العلماء للإنكار عليهم، فلما رجع إلى بيته قدم له الطعام، وكان فيه سمك، فوقف له عظم صغير في حلقه لا يصعد ولا يهبط، وبقي كذلك سنتين، وكان القيح والصديد يخرج من فمه، ولا يتغذى إلا باللبن (الحليب)، وبعد مضي سنتين في ذلك العذاب تذكر أنه أنكر على المشتغلين في موسم أحمد البدوي، وخطر بباله أن أحمد البدوي انتقم منه لإنكاره على المحتفلين بموسمه ما يأتونه من الفاحشة، فندم وتاب في باطنه فرضي عنه البدوي وقبل توبته فسقط صبي له من مكان عال إلى أسفل، ففزع وصاح صيحة شديدة فخرج العظم من فمه، وشفي في الحال. يريد الشعراني بهذه الحكاية أن يخوف العلماء من سطوة أرواح المقبورين، حتى لا ينكروا على الفساق ما يفعلونه عند قبورهم، وهذا عين ما قاله قوم هود لهود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ونحن نقول لهم اقتداء برسل الله عليهم الصلاة والسلام: إننا نشهد الله، واشهدوا أننا بريئون مما تشركون به يا عباد القبور، فكيدونا جميعًا أنتم وآلهتكم وأولياؤكم، وأهلكونا ولا تبقونا لحظة واحدة إن كنتم قادرين، ولا تظن أيها القارئ أن وقوع الزنا عند قبر البدوي خبر مبالغ فيه أو كذب، فقد أخبرني أخو الشيخ حسن عبد الرحمن من كبار العلماء المعاصرين للشيخ محمد عبده، ومن خيار السلفيين، أخبرني أن

стр. 529

( .... ) زنى بامرأة عند قبر البدوي، وكان الشيخ حسن قد أخبرني بذلك قبل أن نزور (*)، فلما زرناه قال له: اذكر ما فعلته عند قبر البدوي لمحمد تقي الدين ليزداد يقينًا، فذكر لي ذلك، ثم إن الشعراني حكى في ذلك حكاية. فانظر إلى أين يبلغ الجهل بالدين عند من يزعمون أنهم علماء (١)، بل أولياء وأقطاب، فماذا يقول العوام الجاهلون. الباب الخامس قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦١ - ٦٨] قال (): يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ﴾ وهم: الذين كانوا يسكنون مدائن الحجر بين تبوك والمدينة، وكانوا بعد عاد، فبعث الله منهم أخاهم صالحًا، فأمرهم بعبادة الله وحده، ولهذا قال: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: ابتدأ

стр. 530

خلقكم منها، خلق منها أباكم آدم ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أي: جعلكم عمارًا تعمرونها وتشغلونها ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [من سالف] (١) ذنوبكم ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ فيما تستقبلونه، ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]. ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآية، يذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح ﷺ وبين قومه وما كان عليه قومه من الجهل والعناد في قولهم: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوا قَبْلَ هَذَا﴾ أي: كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ وما كان عليه أسلافنا ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أي شك كثير، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده، فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أي: خسارة، ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ الآية، تقدم الكلام عليها في (سورة الأعراف) بما أغنى عن إعادته، فلله الحمد والمنة (٢). انظر (الباب الخامس) من (سورة الأعراف). فصل قال محمد تقي الدين: وهذا بعينه موجود في مشركي هذا الزمان؛ فإنهم يعتبرون العالم الذي يدعوهم إلى توحيد الله واتباع سنة رسوله ناقص العقل أحمق، ويعتبرون العالم الذي يسالمهم ولا ينكر عليهم ما هم فيه من الشرك عاقلًا حسن الخلق، يقدر الناس حق قدرهم، ويعاشرهم بالإحسان، فهذه سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولكن من شرح صدره للإسلام، وكان على نور من ربه، لا يبالي بعداوة المشركين، بل يجد في الدعوة إلى الله ويستنصر على أعداء التوحيد، فقد وعده بالنصر، والله لا يخلف الميعاد، قال تعالى في سورة المؤمن ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر: ٥١، ٥٢].
следующие страницы →