← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

يخبر تعالى أنهم قالوا لنبيهم: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ أي: بحجة وبرهان على ما تدعيه، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: بمجرد قولك اتركوهم نتركهم، ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدقين ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ يقولون: ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها، ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ﴾ يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام، ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ أي: أنتم وآلهتكم إن كانت حقًا ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ أي: طرفة عين وقوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أي: تحت قهره وسلطانه، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه فإنه ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة، ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر ولا توالي ولا تعادي، وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له الذي بيده الملك، وله التصرف، وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُم﴾ الآية، يقول لهم هود (١): ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عما جئتكم به من عبادة الله ربكم وحده لا شريك له ﴿فَقَدْ﴾ قامت عليكم (٢) الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها، ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يعبدونه وحده لا يشركون به ولا يبالي بكم، فإنكم لا تضرونه بكفركم، بل يعود وبال ذلك عليكم، ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أي شاهد (٣) وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم، ويجزيهم عليها: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ وهو الريح العقيم، فأهلكهم الله عن آخرهم، ونجى هودًا وأتباعه من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه (٤).

стр. 527

فصل قال محمد تقي الدين: أفكار المشركين وأقوالهم متشابهة في كل زمان ومكان، فهكذا يقول عباد الأوثان في هذا الزمان، كيف نترك الاحتفال بقبة الشيخ فلان التي وجدنا عليها آبائنا وأسلافنا، ولم يزل العلماء يوافقوننا على عبادتها، بالذبح والنذر والتمسح والطواف والتقبيل، وهم كانوا أعلم منك ولا تعرف أنت عشر معشار علمهم، فهذا علم جديد، ودين جديد جئتنا به، وسيضربك المدفونون في تلك القباب ضربة تردك إلى صوابك، ويحسن هنا أن أذكر حكاية عجيبة ذكرها الشعراني في «الطبقات الكبرى» (١) وهي أن الاحتفال

стр. 528

بموسم أحمد البدوي المدفون في طنطا يختلط فيه الرجال والنساء، ويقع الزنا بينهم، فتصدى أحد العلماء للإنكار عليهم، فلما رجع إلى بيته قدم له الطعام، وكان فيه سمك، فوقف له عظم صغير في حلقه لا يصعد ولا يهبط، وبقي كذلك سنتين، وكان القيح والصديد يخرج من فمه، ولا يتغذى إلا باللبن (الحليب)، وبعد مضي سنتين في ذلك العذاب تذكر أنه أنكر على المشتغلين في موسم أحمد البدوي، وخطر بباله أن أحمد البدوي انتقم منه لإنكاره على المحتفلين بموسمه ما يأتونه من الفاحشة، فندم وتاب في باطنه فرضي عنه البدوي وقبل توبته فسقط صبي له من مكان عال إلى أسفل، ففزع وصاح صيحة شديدة فخرج العظم من فمه، وشفي في الحال. يريد الشعراني بهذه الحكاية أن يخوف العلماء من سطوة أرواح المقبورين، حتى لا ينكروا على الفساق ما يفعلونه عند قبورهم، وهذا عين ما قاله قوم هود لهود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ونحن نقول لهم اقتداء برسل الله عليهم الصلاة والسلام: إننا نشهد الله، واشهدوا أننا بريئون مما تشركون به يا عباد القبور، فكيدونا جميعًا أنتم وآلهتكم وأولياؤكم، وأهلكونا ولا تبقونا لحظة واحدة إن كنتم قادرين، ولا تظن أيها القارئ أن وقوع الزنا عند قبر البدوي خبر مبالغ فيه أو كذب، فقد أخبرني أخو الشيخ حسن عبد الرحمن من كبار العلماء المعاصرين للشيخ محمد عبده، ومن خيار السلفيين، أخبرني أن

стр. 529

( .... ) زنى بامرأة عند قبر البدوي، وكان الشيخ حسن قد أخبرني بذلك قبل أن نزور (*)، فلما زرناه قال له: اذكر ما فعلته عند قبر البدوي لمحمد تقي الدين ليزداد يقينًا، فذكر لي ذلك، ثم إن الشعراني حكى في ذلك حكاية. فانظر إلى أين يبلغ الجهل بالدين عند من يزعمون أنهم علماء (١)، بل أولياء وأقطاب، فماذا يقول العوام الجاهلون. الباب الخامس قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦١ - ٦٨] قال (): يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ﴾ وهم: الذين كانوا يسكنون مدائن الحجر بين تبوك والمدينة، وكانوا بعد عاد، فبعث الله منهم أخاهم صالحًا، فأمرهم بعبادة الله وحده، ولهذا قال: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: ابتدأ

стр. 530

خلقكم منها، خلق منها أباكم آدم ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أي: جعلكم عمارًا تعمرونها وتشغلونها ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [من سالف] (١) ذنوبكم ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ فيما تستقبلونه، ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]. ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآية، يذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح ﷺ وبين قومه وما كان عليه قومه من الجهل والعناد في قولهم: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوا قَبْلَ هَذَا﴾ أي: كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ وما كان عليه أسلافنا ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أي شك كثير، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده، فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أي: خسارة، ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ الآية، تقدم الكلام عليها في (سورة الأعراف) بما أغنى عن إعادته، فلله الحمد والمنة (٢). انظر (الباب الخامس) من (سورة الأعراف). فصل قال محمد تقي الدين: وهذا بعينه موجود في مشركي هذا الزمان؛ فإنهم يعتبرون العالم الذي يدعوهم إلى توحيد الله واتباع سنة رسوله ناقص العقل أحمق، ويعتبرون العالم الذي يسالمهم ولا ينكر عليهم ما هم فيه من الشرك عاقلًا حسن الخلق، يقدر الناس حق قدرهم، ويعاشرهم بالإحسان، فهذه سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولكن من شرح صدره للإسلام، وكان على نور من ربه، لا يبالي بعداوة المشركين، بل يجد في الدعوة إلى الله ويستنصر على أعداء التوحيد، فقد وعده بالنصر، والله لا يخلف الميعاد، قال تعالى في سورة المؤمن ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر: ٥١، ٥٢].

стр. 531

الباب السادس قوله تعالى: ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط (٨٤) وياقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (٨٥) بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (٨٦) قالوا ياشعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد (٨٧) قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (٨٨)﴾ [هود: ٨٤ - ٨٨] قال (ك): «يقول تعالى: ولقد أرسلنا إلى مدين، وهم قبيلة من العرب كانوا يسكنون بين الحجاز والشام قريبا من معان بلادا تعرف (١) بهم يقال لها: مدين، فأرسل الله إليهم شعيبا، وكان من أشرفهم نسبا، ولهذا قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وينهاهم عن التطفيف في المكيال والميزان، ﴿إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أي: في معيشتكم ورزقكم وإني أخاف أن تسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أي: في الدار الآخرة، ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ الآية، ينهاهم أولا عن نقص المكيال والميزان إذا أعطوا الناس، ثم أمرهم بوفاء الكيل والوزن بالقسط آخذين ومعطين ونهاهم عن العثو (٢) في الأرض بالفساد وقد كانوا يقطعون الطريق، وقوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال (ج): ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس، وقال: وقد روى هذا عن ابن عباس (٣)، قال (ك):

стр. 532

ويشبه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ الآية [المائدة: ١٠٠]، وقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ﴾ أي: برقيب ولا حفيظ، أي: افعلوا ذلك الله لك لا تفعلوه ليراكم الناس بل الله ، ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآية، يقولون له: على سبيل التهكم - قبحهم الله -: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾ قال الأعمش: أي: قرآنك ﴿تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أي: الأوثان والأصنام ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ فنترك التطفيف عن قولك وهي أموالنا نفعل فيها ما نريد، قال الحسن في قوله: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾، إي: والله إن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم، وقال الثوري في قوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ يعنون: الزكاة (١)، ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قال ابن عباس وغيره من السلف يقولون (٢) ذلك - أعداء الله - على سبيل الاستهزاء) (٣). فصل قال محمد تقي الدين: أول ما أمر نبي الله شعيب قومه به أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، ثم نهاهم عن نقص الكيل والوزن؛ لأن من وحد الله حقًا في عبادته لا ينقص كيلًا ولا وزنًا لمسلم، ولا لذمي، ولا لمعاهد، ولا لمصالح، فإن فعل ذلك دل على ضعف إيمانه بالله، وقوله: ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ دليل على أن من نقص الكيل والوزن، فقد تعرض لعذاب الله الذي يحيط به ولا يدع له مخرجًا في الدنيا والآخرة، ثم أمرهم أن يوفوا الكيل والوزن إذا أعطوا غيرهم شيئًا مما يكال أو يوزن، وإيفاء الكيل والوزن، يلزم منه عدم نقصهما والعكس بالعكس، سواء أكان الشخص معطيًا أو آخذًا وفي «صحيح مسلم» أن النبي ﷺ قال: «من غشنا فليس منا» (٤)، وهذا دليل على أن العمل

стр. 533

داخل في الإيمان، كما هو مذهب جمهور أهل السنة، والقول الآخر ضعيف (١). فصل قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ دليل على أن الصلوات الصحيحة المقبولة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتأمر بالمعروف، وقال النبي ﷺ : «من لم تنهه صلواته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدًا»، وقال النبي ﷺ : «من لم تنهه صلواته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له» رواهما الطبراني (٢) من حديث ابن عباس. وقوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ يعني: أصلواتك تأمرك أن لا نتصرف في أموالنا كما نشاء، فنترك الصدقة إن شئنا، وإن كانت واجبة، ونوفي الكيل والوزن ولا ننقصهما إذا أخذنا وإذا أعطينا ننقصهما مع أنها أموالنا نتصرف فيها كيف نشاء؟ وهذا كلام الجاهلين الضالين، فإن المالك الحقيقي للأموال هو الله تعالى، والناس مستخلفون في تلك الأموال يجب عليهم أن يتصرفوا فيها كما أمرهم سيدهم وخالقهم ورازقهم ومالكهم ومالك أموالهم، ولا يجوز أن يتصرفوا فيها حسب أهوائهم، والحليم الرشيد هو الذي يستحق أن يكون إمامًا

стр. 534

يا قوم إن كنت لقومه؛ لأنه يعفو عن مسيئهم وهو رشيد لا يأمر إلا بالخير فأنكروا عليه هذه الإمامة لجهلهم وسفاهتهم. ثم قال: (ك): يقول لهم: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ يا قوم إن كنت ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على بصيرة فيما ادعو إليه ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ قيل: أراد النبوة، وقيل: أراد الرزق الحلال، ويحتمل الأمرين، وقال الثوري: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ أي: لا أنهاكم عن شيء (١) أخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم كما قال قتادة في قوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ يقول: لم أكن أنهاكم (٢) عن أمر وأرتكبه، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي: فيما أمركم وأنهاكم إنما أريد (٣) إصلاحكم جهدي وطاقتي، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي﴾ أي: في إصابة الحق فيما أريده ﴿إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي: أرجع، قاله مجاهد (٤). فصل قال محمد تقي الدين: أول شرط في الداعي إلى الله أن يكون على بصيرة، أي: على علم بما يدعو إليه بأدلته من الكتاب والسنة، ولا يجوز أن يكون مقلدًا لغيره؛ لأن المقلد قد أجمع أهل العلم على أنه جاهل، أعمى لا بصيرة له، فإذا استفتى عالمًا واجتهد في الاستفتاء كما يجب عليه باختيار المفتي الأعلم الأورع، الأتبع للسنة، وأفتاه بشيء جاز له العمل به في خاصة نفسه، ولا يجوز له أن يفتي بذلك لجهله بدليله. قال أبو حنيفة ﵀: «لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه». وهكذا قال الأئمة كلهم (٥)، متبعين في ذلك لنصوص الكتاب والسنة. وقال الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري في كتابه: «جامع بين العلم وفضله»، من قصيدة له مفيدة: لا فرق بين مقلّد وبهيمةٍ … تنقادُ بين جَنَادل ودعائر (٦)

стр. 535

الشرط الثاني: في الداعي إلى الله أن يكون مخلصًا في دعوته: فلا يترك ما أمر به، ولا يفعل ما نهى عنه، وهذا هو الإصلاح الحقيقي، ويسأل التوفيق دائمًا من الله سبحانه، ويتوكل عليه وحده، ويرجع إليه في جميع أموره، فيكون جديرًا بالنجاح. الباب السابع قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] قال (ك): «يقول تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ المشركون أنه باطل وجهل وضلال، فإنهم إنما يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل، أي: ليس لهم مستند فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في الجهالات، وسيجزيهم الله على ذلك أتم الجزاء، [فيعذبهم] (١) عذابًا لا يعذبه أحدًا (٢)، وإن كان لهم حسنات فقد وفاهم الله إياها في الدنيا قبل الآخرة. قال سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن مجاهد، عن ابن عباس (٣): ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ قال: ما وعدوا من خير أو شر» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: أمرنا الله تعالى في هذه الآية اتباعًا لنبينا محمد ﷺ أن لا نشك في ضلال المشركين وعذاب الله لهم في الدنيا والآخرة، وهناك طائفة في هذا الزمان ممن يدعون العلم - أو يُدَّعى لهم - يداهنون المشركين، ويحاولون التستر عليهم، فإذا رأوهم يدعون غير الله لجلب الخير أو دفع الشر ويذبحون على القبور ويستغيثون بأهلها، وينذرون لهم ويهتفون بأسمائهم في

стр. 536

قيامهم وقعودهم عند فزعهم سكتوا عنهم، ولم ينبهوهم، حتى إذا جاء داع من أهل الحق، ودعاهم وأخبرهم أن ما هم عليه من الشرك الأكبر الذي يخرج من الملة، أحب ذلك المتعالم أن يدافع عن المشركين ويظهر العطف عليهم ويقول للداعي: إن التكفير أمر عظيم، وهؤلاء جاهلون، ولا يقصدون بأعمالهم عبادة غير الله تعالى، فإذا قال له الداعي: أنا ما كفرتهم وإنما أخبرتهم أن هذا الذي يعملونه شرك وكفر، يجب عليهم أن يتوبوا منه فقال المتعالم: وهذا أيضًا لا ينبغي، قل لهم: هذا حرام، وتلطف معهم في القول، وهذا المتعالم إنما يقول ذلك لجهل أو نفاق، فإما أن يكون جاهلًا لا يعرف التوحيد بأدلته من الكتاب والسنة، أو يكون عالمًا به ولكنه يتبع أهواء المشركين، وما أكثر هذا الصنف في هذا الزمان! لا كثرهم الله، والواجب على من أكرمه الله بالعلم أن يصدع به كما قال تعالى في آخر سورة الحجر: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٩]. فلما كفى الله رسوله الأمين المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلهًا آخر، فسيكفي كل من اتبعه شر المستهزئين، ويجعل كيدهم في نحورهم، وينصر عباده الموحدين عليهم. الباب الثامن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] قال (ك): «يخبر تعالى أنه عالم غيب السموات والأرض، وأنه إليه المرجع والمآب (١)، فله الخلق (٢) والأمر، فأمر تعالى بعبادته والتوكل عليه، فإنه كاف من توكل عليه وأناب إليه، وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ليس يخفى عليه ما عليه مكذبوك يا محمد؛ بل هو عليم بأحوالهم وأقوالهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء، في الدنيا والآخرة، وسينصرك وحزبك عليهم في الدارين» (٣).

стр. 537

فصل قال محمد تقي الدين: هذه الآية جمعت بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وما أكثر الآيات التي تجمع بينهما، فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ دليل على توحيد الربوبية؛ لأن المعنى: إن كل غيب في السموات والأرض يعلمه الله وحده، ولا يحيط عباده بشيء من علمه إلا بما شاء، والأمور كلها راجعة إليه في مبدئها وفي مصيرها؛ لأنه رب كل شيء ومليكه، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ دليل على توحيد العبادة لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ١ - ٣] مع أنهم كانوا يعبدون الله بالصدقة والحج وغير ذلك، ولكنهم كانوا يشركون بالله فأحبط الله أعمالهم، فإن من جعل عبادته تسعمائة وتسعة وتسعين جزءًا، الله سبحانه وجعل جزء واحد من الألف لغير الله لم يقبل الله منه شيئًا، قال تعالى في سورة الزمر: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥، ٦٦] وقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ أي: لا تصرف من عبادتك شيئًا لغير الله؛ لأن تقديم المعمول يفيد الحصر.

стр. 538

سورة يوسف الباب الأول قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٧ - ٤٠]. قال (ك): هذا إنما هو من تعليم الله إياي؛ لأني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثوابًا ولا عقابًا في المعاد ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ الآية، يقول: هجرت طريق الكفر والشرك وسلكت طريق هؤلاء المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى واتبع طريق المرسلين، وأعرض عن طريق الضالين (١) فإن الله يهدي قلبه ويعلمه ما لم يكن يعلم، ويجعله إمامًا يقتدى به في الخير وداعيًا إلى سبيل الرشاد، ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ هذا التوحيد وهو الإقرار بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ أي: أوحاه إلينا وأمرنا به، ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ إذ جعلنا دعاة لهم (٢) إلى ذلك

стр. 539

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم بل ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]. وقال ابن أبي حاتم (١) بسنده عن ابن عباس: أنه كان يجعل الجد أبًا، ويقول: «والله من شاء لاعنته عند الحجر ما ذكر الله جدًا ولا جدة، قال الله تعالى إخبارًا عن يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ الآية. ثم إن يوسف ﵇ أقبل على الفتيين بالمخاطبة والدعاء (٢) لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما، فقال: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: الذي ذل (٣) كل شيء بعز (٤) جلاله وعظمة سلطانه، ثم بين لهما أن التي يعبدونها ويسمونها آلهة إنما هي جهل (٥) منهم، وتسمية من تلقاء أنفسهم تلقاها خلفهم من سلفهم وليس لذلك مستند من عند الله، ولهذا قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: حجة ولا برهان، ثم أخبرهم إن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله، وقد أمر عباده قاطبة أن لا يعبدوا إلا إياه، ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل له هو الدين المستقيم، الذي أمر الله به وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه ويرضاه، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٦) فلهذا كان أكثرهم مشركين، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]» (٧). فصل قال محمد تقي الدين: قول يوسف ﵇: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ

стр. 540

بِاللَّهِ﴾ هو قول جميع الأنبياء، وقول كل من اتبعهم وأسلم وجهه الله، وأخلص دينه له، وحقق اتباع الرسل، وهذا هو الأصل العظيم، والأساس المتين الذي لا يختلف فيه الرسل وأتباعهم، ومن لم يحققه كان سالكًا غير سبيلهم لا يستحق نصر الله، ولا ينجو من عذاب الله، وقوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ إلى آخره، حجة قائمة وحكمة بالغة، فإن من جعل في قلبه مكانًا لغير الله تعالى، يتشتت قلبه ويتفرق شمله، ويختل دينه وعقله؛ لأنه يخاف الله ويخاف غير الله، ويتمادى به الضلال إلى أن يخاف غير الله أكثر من خوفه الله، ويحب غير الله أكثر من حبه الله، ويعمل لغير الله أكثر من عمله الله. ودونك مثالًا: لما كنت في الطريقة التجانية كنت ذات ليلة أطالع كتابًا شغفت به ومنعني النوم، فنظرت إلى الشمعة التي كنت أقرأ في ضوئها، وإذا بها تكاد تنتهي وليس لي غيرها، ولو فنيت لتوقفت عن القراءة وضاق صدري فلا أستطيع نومًا ولا أستطيع صبرًا إلى الصباح، فخرجت من البيت في منتصف الليل أبحث عن دكان أشتري منه شمعة، فمضيت أطوف الشوارع فوجدت الدكاكين كلها مغلقة، ولم أزل أتنقل من شارع إلى شارع وكان ذلك في مدينة (وجدة) حوالي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة، وبعد طواف طويل، ظفرت بدكان، واشتريت منه شمعة، ولم تكن الكهرباء في ذلك الزمان موجودة في مدن المغرب، وفي ذهابي وإيابي كنت أمر بالسائلين، يسألون الناس، يقول أحدهم: «أعطوني شيئًا لوجه الشيخ عبد القادر الجيلاني» ويقول آخر: «أعطوني صدقة لأجل أهل وزان»، ويقول آخر: «أعطوني صدقة لوجه مولاي إدريس» ويقول غيره: «أعطوني صدقة لوجه الله فلم أبال بأحد منهم، فلما وصلت البيت وأنا شديد الشوق لقراءة الكتاب سمعت سائلًا يقول: «أعطوني صدقة لوجه السيد أحمد التجاني سمعته من بعيد فلم أستطع أن أحرمه، ورجعت إليه مسافة بعيدة، وأعطيته شيئًا من الدراهم فحينئذ طابت نفسي، فأنت ترى أنني في ذلك الزمان، كنت أحب مخلوقًا اتخذته إلهًا، وأخافه وأرجوه أكثر من حبي وخوفي ورجائي الله الخالق سبحانه، ولو أني سويت بين الخالق والمخلوق في الحب والخوف والرجاء لكنت من شرار الكفار. كما قال تعالى في سورة الشعراء حكاية عن المشركين: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا

стр. 541

كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيم﴾ [الشعراء: ٩٢ - ١٠١] فكيف وقد كنت أحب وأخاف وأرجو ذلك الشيخ العاجز الفقير الذي لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، أكثر من الله، ولم يكن يسمعني ولا يعرفني ولا يعلم بحالي فأي كفر أعظم من هذا، فالحمد لله الذي هدانا صراطه المستقيم. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِي لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٧، ٦٨]. قال (ك): «يقول تعالى إخبارًا عن يعقوب ﵇: إنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر، أن لا يدخلوا كلهم (١) من باب واحد وليدخلوا من أبواب متفرقة، فإنه (٢) كما قال ابن عباس وجماعة من السلف: إنه خشي عليهم العين، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة، ومنظر وبهاء، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم (٣)، فإن العين حق» (٤)، تستنزل

стр. 542

الفارس عن فرسه (١)، وقوله: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: أن هذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضاءه (٢) فإن الله إذا أراد شيئًا لا يخالف ولا يمانع ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ قالوا: هي دفع إصابة العين لهم، ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ قال قتادة والثوري: لذو عمل بعلمه (٣)، وقال (ج) لذو علم (٤) لتعليمنا إياه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥). فصل قال محمد تقي الدين: ثبت في الحديث أن بعض الناس إذا نظر إلى شيء واستحسنه ووقع في نفسه يصيب ذلك الشيء المستحسن ضرر، كأن ينظر إلى صبي جميل المنظر، أو إلى رجل أو امرأة، فيصابون بمرض أو غيره من المصائب، وثبت أن النبي ﷺ كان يقرأ على الحسن والحسين المعوذتين ويقول: «أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل عين لامة، ومن كل شيطان وهامة» (٦) قال في النهاية (٧):

стр. 543

«الهامة: كل ذات سم يقتل» فنحن نقتدي بالنبي ﷺ ، فنعوذ أنفسنا وكل عزيز لدينا بما تقدم، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يبالغ في الخوف من العين، حتى يصير موسوسًا فينسب كل ما أصابه للعين، ويخاف على أولاده حتى يمنعهم من الخروج من البيت أو يلبسهم ثيابًا بالية وسخة، ويمنعهم من غسل وجوههم، وما أشبه ذلك من الوسوسة. وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾؛ يعني: جميع الأحكام الشرعية والقدرية كلها لله، لا يشاركه فيها أحد، لذلك لا ينبغي للعباد أن يتوكلوا على أحد سواه. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٦ - ١٠٨] قال (ك): يخبر تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات الله ودلائل توحيده بما خلقه الله في السموات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت، وسيارات وأفلاك دائرات، والجميع مسخرات، وكم في الأرض من قطع متجاورات وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وأمواج متلاطمات وقفار شاسعات، وكم من أحياء وأموات وحيوان (١) ونبات، وثمرات متشابهة ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات، فسبحان الواحد الأحد، خالق أنواع المخلوقات المتفرد بالدوام والبقاء، والصمدية ذي الأسماء (٢) والصفات، وقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ قال ابن عباس: من إيمانهم أنهم إذا قيل لهم: من خلق السموات؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون به (٣)، وكذا قال غيره من

стр. 544

السلف (١) وفي الصحيحين: إن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك» (٢) وفي «صحيح مسلم» أنهم كانوا إذا قالوا: لبيك لبيك لا شريك لك، قال رسول الله ﷺ : «قد قد» (٣) أي: حسب حسب، لا تزيدوا على هذا. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وهذا هو الشرك الأعظم، يعبد مع الله غيره كما في «الصحيحين» عن ابن مسعود: «قلت: يا رسول الله، أي: الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خَلَقَك» (٤)، وثم شرك آخر خفي لا يشعر به غالبًا فاعله كما روى حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن عروة قال: دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيرًا فقطعه أو انتزعه، ثم قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (٥) وفي الحديث: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٦) رواه الترمذي وحسنه من رواية ابن عمر.

стр. 545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 546

وفي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وغيره عن ابن مسعود هـ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» (١)، وفي لفظ لهما «الطيرة شرك وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل» (٢) ورواه الإمام أحمد بسنده بأبسط من هذا عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه، قالت: وأنه جاء ذات يوم فتنحنح وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير قالت: فدخل فجلس إلى جانبي، فرأى في عنقي خيطًا فقال: ما هذا الخيط؟ قالت: قلت: خيط رقى لي فيه، فأخذه فقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» قالت: قلت له: لم تقول هذا، وقد كانت عيني تقذف فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها؟ فكان إذا رقاها سكنت فقال: إنما ذلك من الشيطان كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال النبي ﷺ : «أذهب البأس، رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» (٣).

стр. 547

وفي حديث آخر رواه الإمام أحمد بسنده عن عيسى بن عبد الرحمن قال: دخلت على عبد الله بن عُكَيم وهو مريض نعوده، فقيل له: لو تعلّقت شيئًا، فقال: أتعلق شيئًا؟! وقد قال رسول الله ﷺ : «من تعلق شيئًا وكل إليه» (١)، رواه النسائي عن أبي هريرة (٢)، وفي «مسند الإمام أحمد» من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «من علق تميمة فقد أشرك» (٣) وفي رواية: «من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له» (٤). وعن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 548

«يقول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (١) رواه مسلم. وعن أبي سعيد بن أبي فَضَالَة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد: من كان أشرك في عمل عمله الله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» (٢) رواه الإمام أحمد. وقال أحمد بسنده عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» (٣) وقال الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك»، قالوا: يا رسول الله ما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك» (٤). وقد روى الإمام أحمد

стр. 549

وأبو داود والترمذي وصححه النسائي من حديث يعلى بن عطاء سمعت عمرو بن عاصم سمعت (١) أبا هريرة قال: قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله علمني شيئًا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعي قال: «قل: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه» (٢). وقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ الآية، أي: أفأمن هؤلاء المشركون بالله أن يأتيهم أمر يغشاهم من حيث لا يشعرون كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٥ - ٤٧] ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَة﴾ الآية، يقول تعالى لرسوله (٣) ﷺ إلى الثقلين، الجن والإنس، أمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي: طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة، ويقين وبرهان [عقلي، وشرعي] (٤). وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللهِ﴾ أي: وأنزّه الله وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير أو عديل أو نديد أو ولد أو والد أو صاحبة أو وزير أو مشير، تبارك وتقدس وتنزه وتعالى عن ذلك كله علوًا كبيرًا، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ

стр. 550

كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] (١). فصل قال محمد تقي الدين: (الرُّقى) - جمع رُقية، بضم الراء في المفرد والجمع - وهي ما يقرأ على الإنسان من الأدعية والقرآن وغير ذلك للحفظ من العين أو المرض أو شفاء المرض، فإذا كانت الرقية كلامًا مفهومًا ليس فيه شرك فهي جائزة. و (التمائم) - جمع تميمة - وهي كل ما يفعله الإنسان في عنقه أو عضده للأغراض المتقدمة الذكر، ولا يجوز شيء منها، فكلها شرك، وإن كانت من القرآن. (والتولة) قال ابن الأثير (٢): «(التَّوْلَة) - بكسر التاء وفتح الواو: ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره، جعله من الشرك؛ لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى». قوله: «وما منا إلا … إلخ. هذا من كلام ابن مسعود أدرجه في الحديث، ومعناه كل واحد منا يعرض له شيء من الطيرة فيدفعه الله عنه بالتوكل، فإذا خرج إنسان من بيته وسمع كلامًا قبيحًا، نحو خاسر أو ضائع أو لا يفلح يقع في نفسه شيء من الكراهية لما سمع، ولكنه يتوكل على الله، ويمضي إلى حاجته، ولا يرجع ويقول: «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك» (٣)، فهذا لا يضره، أما إذا رجع خوفًا مما سمع، فذلك هو الشرك. و (الحُمرة): قال صاحب «اللسان» (٤): «والحُمرَة داء يعتري الناس فيحمر

стр. 551

موضعها وتغالب بالرقية، قال الأزهري: الحمرة من جنس الطواعين، نعوذ بالله منها». وقوله ﵊: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له» دعاء على من يتعلق التمائم أن لا يتم الله له مراده، وقوله: «من تعلق ودعة فلا ودع الله له». قال في «القاموس» (١): «الودعة، ويُحرَّك، جمع ودعات: خرز بيض تخرج من البحر بيضاء، شقها كشق النواة تُعلّق لدفع العين» اهـ. ومعنى: «فلا ودع الله له» أي: فلا ترك له شيئًا يحبه، ودعاء من النبي ﷺ على من يتعلق ودعة، وودع فعل ماض بمعنى ترك، استعمال الفعل الماضي قليل، والأكثر استعمال الفعل المضارع والأمر. فصل قال محمد تقي الدين في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ الآية برهان قاطع على إبطال التقليد بالنسبة إلى المفتي والقاضي والداعي؛ لأن هؤلاء إذا كانوا مقلدين، فهم على غير بصيرة (٢) في قضائهم وإفتائهم ودعوتهم الناس إلى شيء ليس لهم عليه دليل، وهم غير متبعين للرسول ﷺ ؛ لأن الله أمره أن يقول: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أمر من الله تعالى لرسوله ومن اتبعه أن ينزهوه عن القول عليه بلا علم؛ لأن ذلك يفضي إلى الشرك؛ لأن من جعل الحكم لغير الله ورسوله الذي لا ينطق عن الهوى فقد أشرك كما تقدم في آية التوبة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣١].

стр. 552

سورة الرعد الباب الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَال﴾ [الرعد: ١١]. قال (ك): قال ابن أبي حاتم بسنده عن إبراهيم قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله، إلا حول (١) الله عنهم ما (٢) يحبون إلى ما يكرهون، ثم قال: إن تصديق (٣) ذلك في كتاب الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (٤)، وفي «تفسير الجلالين» ما نصه: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ لا يسلبهم نعمته حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ من الحالة الجميلة بالمعصية ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ عذابًا ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ (٥)، ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ لمن أراد الله بهم سوءًا ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: غير الله ﴿مِنْ﴾ زائدة (٦) ﴿وَال﴾ يمنعه عنهم» (٧).

стр. 553

فصل قال محمد تقي الدين: هذه آية عظيمة، والمسلمون في هذا الزمان في أشد الحاجة إلى تدبرها، فإن التتار هجموا على بلاد الإسلام (١) ولم يكن هجومهم في زمن دول الإسلام العظيمة الثلاث، وهي دولة الخلفاء الراشدين، ودولة بني أمية، وصدر دولة بني العباس، وكان هجومهم في زمان لا يخلو فيه المسلمون من ضعف وتفرق، ولكن كانت عندهم بقية من الإيمان وتحكيم شريعة الرحمن، فنصرهم الله على ذلك العدو القوي وبعد ذلك هجم عليهم عدو أقوى من الأول، وهم الصليبيون نصارى أوروبا كلهم بملوكهم وجيوشهم،

стр. 554

واستمرت الحرب بين هذا العدو القوي وبين المسلمين مائة وتسعين سنة، وكانت العاقبة للمؤمنين، فهزم النصارى شر هزيمة على يد الملك الصالح صلاح الدين الأيوبي، وكان يعظم حرمات الله، ويحكم بشرع الله فنصره الله، وفي هذا الزمان هجمت عليهم شرذمة قليلة من اليهود وعددهم يزيد على سبعمائة مليون (١) فلم يستطيعوا الانتصار عليها؛ لأنهم لا يريدون أن يغيروا ما بأنفسهم، وهو الحكم بغير ما أنزل الله، ونبذ كتاب الله وسنة رسوله وراء ظهورهم وتحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، ولا يزالون على هذه الحال، ومع ذلك يطمعون في النصر فكأنهم لا يؤمنون بهذه الآية، ونحن منذ عشرات السنين نؤكد لهم أعظم تأكيد أنهم لن ينتصروا إلا إذا رجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله، وحكموا شرع الله. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ، لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ، وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٤ - ١٦] قال (ك): «قال علي بن أبي طالب ﵁: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ قال: التوحيد،

стр. 555

رواه (ج) (١) وقال ابن عباس وبعض من السلف: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (٢) ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية، ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ قال علي بن أبي طالب: كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده وهو لا يناله أبدًا، فكيف يبلغ فاه؟! (٣) وقيل: المراد كقابض يده على الماء فإنه لا يحكم منه على شيء، كما قال الشاعر (٤): فإنّي وإيّاكم وشوقًا إليكمُ … كقابضِ ماءٍ لم تسقه أنامله وقال الآخر (٥): فأصبحتُ مما كان بيني وبينها … من الودِّ مثل القابض الماءَ باليدِ ومعنى الكلام: إن (٦) الذي يبسط يده إلى الماء إما قابضًا، وإما متناولًا له من بعد، كما أنه لا ينتفع بالماء الذي لم يصل إلى فيه الذي جعله محلًا للشرب، فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلهًا غيره، لا ينتفعون به أبدًا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ الآية. يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء، ولهذا يسجد له كل شيء طوعًا من المؤمنين وكرهًا من الكافرين ﴿وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ﴾ أي: البكرات (٧) ﴿وَالْآصَالِ﴾ وهو جمع أصيل، وهو آخر النهار كقوله تعالى:

стр. 556

أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلَلُهُ الْآيَة [النحل: ٤٨]. ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم﴾ الْآيَة. يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو؛ لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض، وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم، وأولئك الآلهة (١) لا تملك لأنفسها (٢) ولا لعابديها بطريق الأولى ﴿نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ أي: لا تحمل لهم (٣) منفعة، ولا تدفع (٤) عنهم مضرة، فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله ومن عبد الله وحده لا شريك له، فهو (٥) على نور من ربه، ولهذا قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أجعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق، فخلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم فلا يدرون مخلوقه (٦) من مخلوق غيره، أي: ليس الأمر كذلك فإنه لا يشابهه شيء ولا يماثله، ولا ند له ولا عدل له ولا وزير له، ولا ولد ولا صاحبة تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له عبيد له كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك» (٧)، وكما أخبر تعالى عنهم في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فأنكر تعالى عليهم ذلك، حيث اعتقدوا ذلك، وهو تعالى لا يشفع أحد عنده (٨) إلا بإذنه ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية [النجم: ٢٦]، وقال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣، ٩٥] فإذا كان الجميع عبيدًا له فلم يعبد بعضهم بعضًا بلا دليل ولا برهان، بل لمجرد (٩) الرأي والاختراع والابتداع، ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم

стр. 557

تزجرهم عن ذلك وتنهاهم عن عبادة من سوى الله، فكذبوهم وخالفوهم فحقت عليهم كلمة العذاب لا محالة ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] (١). فصل قال محمد تقي الدين: ما أبلغ هذه الآية في إبطال الشرك والترغيب عنه، وبيان خسران المشركين لو كانوا يعقلون، وهذا المثل العظيم الذي ضربه الله لهم في غاية الوضوح قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ومن دعا غير الله عابدًا أو سائلًا لا يستجيب له أبدًا، كما أن من أراد أن يتناول الماء من البئر بيده لا يحصل على طائل، ويبقى ظمآن إلى الأبد، وقلت في قصيدة في هجو سفيه يسمي نفسه فقيهًا: حُرِمْتَ وصولًا للحقيقة عند ما … أضَعْتَ أصولًا مَنْ يُضِعُها يَلْدِدِ فكلمةُ توحيدٍ فَقُلْهَا محققًا … فإن تدر معناها إلى الحق تهتد فوحد إله الحق لا تدع غيره … لنفعك أو رفع المصائب ترشد فمن يدع غير الله يومًا لحاجة … يدنس بإشراك ويردى مع الردي. وذلك توحيد العبادة فادْرِه … فمن يجهلنه في الجحيم يخلد سواء أصلى قابضًا في صلاته … أم اختار سدلًا نقله لم يؤيد ومن رد قول المصطفى بعد صحة … فذلك كفار أثيم ومعتمد سيحرم في يوم القيام شفاعة … وإن يأت للحوض المبارك يطرد. ويسود في يوم القيامة وجهه … ويشوى ثواء في الجحيم ويخلد ويبرأ منه ذلك اليوم مالك … وكلُّ تقي للإله موحد وذلك في أصل الشهادة واضح … لكل صحيح الفهم لم يتبلد (٢).

стр. 558

وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ الآية من الآيات الجامعة بين توحيد الربوبية وتوحيد العبادة، وهي كثيرة، وتوحيد الربوبية دليل توحيد العبادة، فمن اعترف بأن الله وحده هو الخالق الرازق المحيي المميت والضار النافع، كيف يعبد غيره؟ أو يسأل حاجته من غيره؟ الباب الثالث قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] قال (ك): «يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تبلغهم رسالة الله إليهم كذلك أرسلنا في الأمم

стр. 559

الماضية الكافرة بالله، وقد كُذِّب الرسل من قبلك فلك بهم (١) أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، فإن تكذيبهم لك أشد من تكذيب غيرك من المرسلين، قال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [النحل: ٦٣] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] أي: كيف نصرناهم وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة، وقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أي: هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن لا يقرون به؛ لأنهم كانوا يأنفون من وصف الله بالرحمن الرحيم، ولهذا أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم. وقالوا: ما ندري ما الرحمن الرحيم، قاله قتادة والحديث في صحيح البخاري (٢)، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وفي صحيح مسلم (٣) عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله، وعبد الرحمن»، ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: هذا الذي تكفرون به أنا مؤمن به معترف مقر له بالربوبية والألوهية (٤)، هو ربي لا إله إلا هو ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: في جميع أموري ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي: إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه» (٥). الباب الرابع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ قال (رحمه): «يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ وهم قائمون بمقتضاه

стр. 560

﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ الآية [البقرة: ١٢١] وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨] أي: إن كان ما وعدنا الله به في كتبنا من إرسال محمد ﷺ لحقًا وصدقًا مفعولًا لا محالة كائنًا، فسبحانه ما أصدق وعده، فله الحمد وحده، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي: ومن الطوائف من يكذب ببعض ما أنزل إليك، وقال مجاهد: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾ أي (١): اليهود والنصارى من ينكر ﴿بَعْضَهُ﴾ أي (٢): بعض ما جاءك من الحق (٣)، وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٤) وهذا كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآية، ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ أي: إنما بعثت بعبادة الله وحده لا شريك له كما أرسل الأنبياء من قبلي ﴿إِلَيْهِ أَدْعُو﴾ أي: إلى سبيله أدعو الناس ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ أي: مرجعي ومصيري» (٥). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لجميع الناس: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ لم يأمرني الله تعالى إلا بعبادته وحده لا شريك له ونهاني عن الشرك به، فمن لم يحقق التوحيد ويتجنب الشرك فالنبي ﷺ بريء منه، لا يمكن أن يكون من المتبعين له، وقوله: ﴿إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ أي: لا أدعو إلا إلى سبيله وهي اتباع كتابه ورسوله ﷺ ، فمن دعا إلى اتباع غير ذلك، فقد خاب وخسر.

стр. 561

سورة إبراهيم الباب الأول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٣٠]. قال (كه): «قال البخاري (١): قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ ألم تعلم، كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ [الفيل: ١] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] البوار الهلاك، بار يبور بورا، و ﴿قوما بورا﴾ [الفرقان: ١٨] هالكين». وقال بسنده عن عطاء: سمع ابن عباس: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم كفار أهل مكة (٢) وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: هو جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم (٣)، والمشهور الصحيح عن ابن عباس (٤) الأول، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: جعلوا له شركاء عبدوهم معه ودعوا الناس إلى ذلك، ثم قال تعالى: [مهددا] (٥) لهم ومتوعدا على لسان نبيه ﷺ : ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ أي: مهما قدرتم عليه في الدنيا فافعلوا فمهما يكن من شيء ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ أي:

стр. 562

مرجعكم وموئلكم إليها، كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُم قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُم إِلى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] وقال تعالى: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠] (١). فصل قال محمد تقي الدين: جبلة بن الأيهم كان أميرا لنصارى بني غسان في الشام، فلما جاء الإسلام أسلم وذهب يطوف بالبيت، فوطئ أعرابي على طرف إزاره فلطمه جبلة، فتخاصما إلى عمر بن الخطاب فحكم للأعرابي بالقصاص، فقال جبلة: يا أمير المؤمنين أنا ملك وهو من سوقة، فقال: الإسلام سوى بينكما، فقال: أمهلني يوما واحدا، فقال: ليس الأمر لي، وإنما هو من خصمك، فاسأله ذلك، فسأل جبلة خصمه الإمهال، فقبل وهرب جبلة إلى قسطنطينية، وقصد ملك الروم وأعطاه قصرا وخدما وأكرمه غاية الإكرام، فتوجه أحد شعراء المدينة نسيت اسمه إلى قسطنطينية، وزار جبلة فرأى ما هو فيه من الأبهة والنعمة والترف، فلما رآه جبلة سأله عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعن حال المسلمين، فأخبر أنهم بخير وأخذ يتحدث معه فذكر ما كان فيه من الهدى والنور، وما رجع إليه من الضلال وظلمة الكفر، فندم وبكى وأنشد: تنصرت الأشراف من أجل (٢) لطمة … وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنفني منها (٣) لجاج ونخوة … فبعت (٤) بها العين الصحيحة بالعور فيا ليت أمي لم تلدني وليتني … رجعت إلى الأمر (٥) الذي قاله (٦) عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة … وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة … أجالس قومي فاقد (٧) السمع والبصر (٨)

стр. 563

فصل قال محمد تقي الدين: وكذلك رؤساء المشركين في هذا الزمان، جعلوا الله أندادًا ونصبوا قبابًا على القبور التي يعتقدون أن المدفونين فيها صالحون، وأمروا أتباعهم إذا ماتوا أن يبنوا على قبورهم قبابًا ويعبدونها، فهم داخلون في معنى هذه الآية، فكم منكرات ترتكب عند هذه الأوثان من اختلاط الرجال والنساء كما تقدم؟! وكتابة كتب الاستجداء وإلقائها في توابيت الأضرحة، يسألون المقبورين حاجاتهم فيجيبهم السدنة إن كانوا أغنياء، وإن كانوا فقراء أهملوا جوابهم، وكم بقر وغنم يُهَلّ بها لغير الله عند تلك الأوثان؟! وقلت في (القصيدة التائية) من قصيدة أدرجتها برمتها في كتاب «الهدية الهادية إلى الطائفة التجانية» (١): سفرتُ إلى مصر لأخبر خبرها … وأنظر هل فيها شفاء لغلتي ومن قبل قد أُخبرتُ أنَّ في ربوعها … رجالًا لنصر الدين أصحاب شدَّةِ وصلتُ فلم ألف سوى أهل بدعة … وشرك والحاد وشك وردة سمعتُ بها الإلحاد يُدرس جهرةً … بجامعة للشَّرِّ مع كل فتنة رأيتُ بها الأوثان تُعبدُ جَهْرَةً … قُبورًا عظامًا ناخرات أَجنَّتِ ويَدْعُونِ دونَ اللهِ مَنْ لا يُجيبهم … وهم عن دعاء القوم في عظم غفلة حشائلة مستضعفين رأيتُهم … تسومُهم الأعداء سوء الأذية لها جعلوا قسمًا بمال وإلّةٍ … فلا عاش مَنْ قد ظنَّهم أهلَ ملَّةِ وهم صُبُر مستمسكون بدينهم … ويَدْعُونَ مَا اسْطَاعُوا لِبَيْضًَا نقية وما صدهم إيذاؤهم عن جهادهم … لأنهم أهل النفوس الأبية ولو آمنوا بالله حق الإيمان وأيقنوا أنه المعطي المانع القابض الباسط ما قصدوا تلك الأوثان، ولا عبدوها بل يكفيهم الله، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر: ٣٦، ٣٧] بل يا

стр. 564

رب إنك عزيز ذو انتقام، تنتقم من الظالمين بأيدي الموحدين المقسطين، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. الباب الثاني قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦] قال (ك): «يذكر تعالى في هذا المقام محتجًا على مشركي العرب بأن البلد الحرام مكة، إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم الذي كانت عامرة بسببه (١) تبرأ ممن عبد غير الله وأنه دعا لمكة بالأمن، فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ وقد استجاب الله له، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧] وقال في هذه القصة: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ فعرفه لأنه دعا (٢) بعد بنائها، ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩] ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، فأما حين ذهب بإسماعيل وأمه وهو رضيع إلى مكان مكة فإنه دعا أيضًا فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] كما (٣) ذكرناه هنالك في سورة البقرة مستقصى مطولًا وقوله (٤): ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته، ثم ذكر أنه افتتن بالأصنام خلائق من الناس، وأنه تبرأ (٥) ممن عبدها ورد أمرهم إلى الله: إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، كقول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] وليس فيه (٦) أكثر من

стр. 565

الرد إلى مشيئة الله تعالى، لا تجويز (١) وقوع ذلك» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: قول (ك): «إن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة» قرأت هذا في «التوراة» باللغة العبرانية، فلله در هذا الإمام ما أعظم تحقيقه، وأوسع إطلاعه، وقوله: «ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته»؛ يعني بما دعا إبراهيم لنفسه ولبنيه، ولو قلت لرجل اليوم من عامة المسلمين، وأكثر خاصتهم من الذين يزعمون أنهم علماء: أسأل الله أن يحفظك ووالديك وذريتك من عبادة الأصنام، لغضب غضبًا شديدًا وظن أنك تسبه فإذا حلم ولم يشتمك ولم يضربك يقول: هل أنت شاك في إسلامي وإسلام والدي وذريتي؟ ونحن نقرأ القرآن ونصلي ونحج ونؤدي الزكاة ونصوم رمضان ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؟ فاتق الله ولا تكفر المسلمين، واترك عقيدة الوهابية، فيقال له: هل كان إبراهيم وهابيًا حين دعا بهذا الدعاء؟ وهل كان إبراهيم ويعقوب وهابيين إذ حكى الله عنهما وصيتهما لأبنائهما؟ قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وهل كان يعقوب وهابيًا حين سأل بنيه عند موته، وقال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]؟ وهل أنت أيها المتعالم وأولادك أفضل من إسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنيه؟ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩] فيا أيها الموحد المتبع المهتدي المقتدي اصبر إن وعد الله حق، ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] اللهم احفظنا وذريتنا وإخواننا من عبادة الأصنام والأوثان وكل ما سواك، وقول إبراهيم ﵇: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وكذلك قول عيسى: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ليس فيهما دليل على أن الله يغفر للمشركين الذين ماتوا على الشرك، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] ولغير ذلك من أدلة السنة والإجماع.
следующие страницы →