سورة إبراهيم
الباب الأول
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٣٠].
قال (كه): «قال البخاري (١): قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ ألم تعلم، كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ [الفيل: ١] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] البوار الهلاك، بار يبور بورا، و ﴿قوما بورا﴾ [الفرقان: ١٨] هالكين».
وقال بسنده عن عطاء: سمع ابن عباس: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم كفار أهل مكة (٢) وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: هو جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم (٣)، والمشهور الصحيح عن ابن عباس (٤) الأول، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: جعلوا له شركاء عبدوهم معه ودعوا الناس إلى ذلك، ثم قال تعالى: [مهددا] (٥) لهم ومتوعدا على لسان نبيه ﷺ : ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ أي: مهما قدرتم عليه في الدنيا فافعلوا فمهما يكن من شيء ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ أي:
стр. 562
مرجعكم وموئلكم إليها، كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُم قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُم إِلى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] وقال تعالى: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠] (١).
فصل
قال محمد تقي الدين: جبلة بن الأيهم كان أميرا لنصارى بني غسان في الشام، فلما جاء الإسلام أسلم وذهب يطوف بالبيت، فوطئ أعرابي على طرف إزاره فلطمه جبلة، فتخاصما إلى عمر بن الخطاب فحكم للأعرابي بالقصاص، فقال جبلة: يا أمير المؤمنين أنا ملك وهو من سوقة، فقال: الإسلام سوى بينكما، فقال: أمهلني يوما واحدا، فقال: ليس الأمر لي، وإنما هو من خصمك، فاسأله ذلك، فسأل جبلة خصمه الإمهال، فقبل وهرب جبلة إلى قسطنطينية، وقصد ملك الروم وأعطاه قصرا وخدما وأكرمه غاية الإكرام، فتوجه أحد شعراء المدينة نسيت اسمه إلى قسطنطينية، وزار جبلة فرأى ما هو فيه من الأبهة والنعمة والترف، فلما رآه جبلة سأله عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعن حال المسلمين، فأخبر أنهم بخير وأخذ يتحدث معه فذكر ما كان فيه من الهدى والنور، وما رجع إليه من الضلال وظلمة الكفر، فندم وبكى وأنشد:
تنصرت الأشراف من أجل (٢) لطمة … وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفني منها (٣) لجاج ونخوة … فبعت (٤) بها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني … رجعت إلى الأمر (٥) الذي قاله (٦) عمر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة … وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة … أجالس قومي فاقد (٧) السمع والبصر (٨)
стр. 563
فصل
قال محمد تقي الدين: وكذلك رؤساء المشركين في هذا الزمان، جعلوا الله أندادًا ونصبوا قبابًا على القبور التي يعتقدون أن المدفونين فيها صالحون، وأمروا أتباعهم إذا ماتوا أن يبنوا على قبورهم قبابًا ويعبدونها، فهم داخلون في معنى هذه الآية، فكم منكرات ترتكب عند هذه الأوثان من اختلاط الرجال والنساء كما تقدم؟! وكتابة كتب الاستجداء وإلقائها في توابيت الأضرحة، يسألون المقبورين حاجاتهم فيجيبهم السدنة إن كانوا أغنياء، وإن كانوا فقراء أهملوا جوابهم، وكم بقر وغنم يُهَلّ بها لغير الله عند تلك الأوثان؟! وقلت في (القصيدة التائية) من قصيدة أدرجتها برمتها في كتاب «الهدية الهادية إلى الطائفة التجانية» (١):
سفرتُ إلى مصر لأخبر خبرها … وأنظر هل فيها شفاء لغلتي
ومن قبل قد أُخبرتُ أنَّ في ربوعها … رجالًا لنصر الدين أصحاب شدَّةِ
وصلتُ فلم ألف سوى أهل بدعة … وشرك والحاد وشك وردة
سمعتُ بها الإلحاد يُدرس جهرةً … بجامعة للشَّرِّ مع كل فتنة
رأيتُ بها الأوثان تُعبدُ جَهْرَةً … قُبورًا عظامًا ناخرات أَجنَّتِ
ويَدْعُونِ دونَ اللهِ مَنْ لا يُجيبهم … وهم عن دعاء القوم في عظم غفلة
حشائلة مستضعفين رأيتُهم … تسومُهم الأعداء سوء الأذية
لها جعلوا قسمًا بمال وإلّةٍ … فلا عاش مَنْ قد ظنَّهم أهلَ ملَّةِ
وهم صُبُر مستمسكون بدينهم … ويَدْعُونَ مَا اسْطَاعُوا لِبَيْضًَا نقية
وما صدهم إيذاؤهم عن جهادهم … لأنهم أهل النفوس الأبية
ولو آمنوا بالله حق الإيمان وأيقنوا أنه المعطي المانع القابض الباسط ما قصدوا تلك الأوثان، ولا عبدوها بل يكفيهم الله، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر: ٣٦، ٣٧] بل يا
стр. 564
رب إنك عزيز ذو انتقام، تنتقم من الظالمين بأيدي الموحدين المقسطين، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.
الباب الثاني
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦]
قال (ك): «يذكر تعالى في هذا المقام محتجًا على مشركي العرب بأن البلد الحرام مكة، إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم الذي كانت عامرة بسببه (١) تبرأ ممن عبد غير الله وأنه دعا لمكة بالأمن، فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ وقد استجاب الله له، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧] وقال في هذه القصة: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ فعرفه لأنه دعا (٢) بعد بنائها، ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩] ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، فأما حين ذهب بإسماعيل وأمه وهو رضيع إلى مكان مكة فإنه دعا أيضًا فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] كما (٣) ذكرناه هنالك في سورة البقرة مستقصى مطولًا وقوله (٤): ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته، ثم ذكر أنه افتتن بالأصنام خلائق من الناس، وأنه تبرأ (٥) ممن عبدها ورد أمرهم إلى الله: إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، كقول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] وليس فيه (٦) أكثر من
стр. 565
الرد إلى مشيئة الله تعالى، لا تجويز (١) وقوع ذلك» (٢).
فصل
قال محمد تقي الدين: قول (ك): «إن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة» قرأت هذا في «التوراة» باللغة العبرانية، فلله در هذا الإمام ما أعظم تحقيقه، وأوسع إطلاعه، وقوله: «ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته»؛ يعني بما دعا إبراهيم لنفسه ولبنيه، ولو قلت لرجل اليوم من عامة المسلمين، وأكثر خاصتهم من الذين يزعمون أنهم علماء: أسأل الله أن يحفظك ووالديك وذريتك من عبادة الأصنام، لغضب غضبًا شديدًا وظن أنك تسبه فإذا حلم ولم يشتمك ولم يضربك يقول: هل أنت شاك في إسلامي وإسلام والدي وذريتي؟ ونحن نقرأ القرآن ونصلي ونحج ونؤدي الزكاة ونصوم رمضان ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؟ فاتق الله ولا تكفر المسلمين، واترك عقيدة الوهابية، فيقال له: هل كان إبراهيم وهابيًا حين دعا بهذا الدعاء؟ وهل كان إبراهيم ويعقوب وهابيين إذ حكى الله عنهما وصيتهما لأبنائهما؟ قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وهل كان يعقوب وهابيًا حين سأل بنيه عند موته، وقال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]؟ وهل أنت أيها المتعالم وأولادك أفضل من إسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنيه؟ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩] فيا أيها الموحد المتبع المهتدي المقتدي اصبر إن وعد الله حق، ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] اللهم احفظنا وذريتنا وإخواننا من عبادة الأصنام والأوثان وكل ما سواك، وقول إبراهيم ﵇: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وكذلك قول عيسى: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ليس فيهما دليل على أن الله يغفر للمشركين الذين ماتوا على الشرك، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] ولغير ذلك من أدلة السنة والإجماع.
стр. 566
الباب الثالث
قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ، وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢].
قال (ك): «يقول تعالى: هذا القرآن بلاغ للناس، كقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] أي: هو بلاغ لجميع الخلق من أنس وجن (١) كما قال في أول السورة ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الآية [إبراهيم: ١] ﴿وَلِيُنذَرُوا بِهِ﴾ أي: ليتعظوا (٢) له ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: يستدلوا بما فيه من الحجج والدلالات على أنه لا إله إلا هو، ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ أي: ذوو (٣) العقول» (٤).
فصل
قال محمد تقي الدين: والذين يفتون أو يقضون بالتقليد والتمذهب لا يعملون بمقتضى هذه الآية، فهم يقولون بلسان حالهم ومقالهم أيضًا هذا القرآن ليس بلاغًا لنا، وإنما هو بلاغ للإمام، وكذلك حديث النبي ﷺ ، وإنما هو موجه للإمام، أما نحن فلا نتعدى قول الإمام أبدًا، ولا نستدل على حكم بالقرآن ولا بالحديث إلا إذا وافق رأي إمامنا، هذه حال القضاة والمفتين بالتقليد، هذه الآية حجة عليهم، وما ذكره (ك) معها، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣ - ٤٥] وستأتي هذه الآيات في سورة الزخرف، في (قسم آيات العبادة)، وفي (قسم آيات الاتباع)، إن يسر الله إتمام هذا الكتاب، وفي هذه الآية دليل واضح على أن من أشرك بالله ليس من أولي الألباب، وكذلك المفتي والقاضي بالتقليد ليسا من أولي الألباب، وقد تقدم الكلام على ذلك في آيات التوبة وغيرها.
стр. 567
سورة الحجر
الباب الأول
قال الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٩].
قال (ك): «يقول تعالى أمرًا رسوله ﷺ بإبلاغ ما بعثه به وإنفاذه (١) والصدع به، وهو مواجهة المشركين (٢)، كما قال ابن عباس [في قوله] (٣): ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: أمضه (٤)، وفي رواية: افعل ما تؤمر (٥)، وقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة (٦). وقال أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود: (ما زال النبي ﷺ مستخفيًا حتى نزلت: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فخرج هو وأصحابه) (٧) وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾
стр. 568
[القلم: ٩] ولا تخفهم فإن (١) الله كافيك إياهم، وحافظك منهم، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال الحافظ البزار بسنده عن يزيد بن درهم قال: سمعت أنسًا ﵁ يقول في هذه الآية: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قال: «مر رسول الله ﷺ فغمزه بعضهم فجاء جبريل قال: أحسبه. قال: فغمزهم فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة فماتوا» (٢).
وقال ابن إسحاق: كان عظماء المستهزئين كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير خمسة نفر (٣) وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم: الأول (٤): الأسود بن [المطلب أبو] (٥) زمعة الأسدي، كان رسول الله ﷺ فيما بلغني قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه، واستهزائه فقال: «اللهم أعم بصره وأثكله ولده» [والثاني] (٦):
стр. 569
الأسود بن عبد يغوث الزهري (١) الثالث (٢): أبو الوليد بن المغيرة [المخزومي] (٣) ورابعهم (٤): العاص بن وائل السهمي (٥) وخامسهم (٦): الحارث بن الطلاطلة الخزاعي (٧) فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء أنزل الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾، إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٨).
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديد شديد ووعيد أكيد لمن جعل مع الله معبودا آخر وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ أي: وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم ضيق صدر وانقباض (٩)، فلا يهيدنك ذلك، ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله، وتوكل عليه، فإنه كافيك وناصرك عليهم، فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه، وعبادته التي هي الصلاة، ولهذا قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد بسنده عن نعيم بن همار (١٠) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره» (١١) ورواه أبو داود والنسائي من طريق
стр. 570
آخر بنحوه (١)، ولهذا كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى (٢)، وقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قال البخاري (٣): «قال سالم: الموت». وسالم هذا هو: سالم بن عبد الله بن عمر ويستدل بهذه (٤) الآية الكريمة وهي قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتًا، فيصلي بحسب حاله كما ثبت في «صحيح البخاري» (٥) عن عمران بن حصين ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء ﷺ كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله، وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد (٦) وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين ههنا الموت كما قدمناه» (٧).
فصل
قال محمد تقي الدين: ينبغي للداعي إلى التوحيد إذا جاء قومًا مشركين في هذا الزمان، أن يتلطف في الدعوة فيقيم لهم الدليل تلو الدليل، على أن ما هم
стр. 571
عليه شرك، فإن قالوا له: قد جعلتنا كفارًا يقول لهم: أنا أدعوكم إلى ترك هذا العمل الذي عرفتكم حقيقته، ولا أريد أن أسبّكم، ولا أن أتنقصكم، فإن تركتم هذه الأعمال أطعتم الله ورسوله وحققتم التوحيد، وغفر الله لكم ما تقدم منها، فمن أصر على الشرك بعد بيان الدليل فلا حرج عليه أن يسمّيه مشركًا إذا رأى المصلحة تقتضي ذلك، وقد جربت هذه الطريقة في بلدان مختلفة فنجحت، انظر كتابي: «الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة» (١). كما كفى الله رسوله ﷺ المستهزئين (٢) فإن الله يكفي كلّ من اتبعه بصدق،
стр. 572
المستهزئين بالتوحيد في زمانه، وقد رأينا من ذلك العجب العجاب، نسأل الله أن يزيدنا من فضله، ويحفظنا من شرور أنفسنا.
وقوله: (فغمزه بعضهم) يعني ﷺ ، قال ابن الأثير في النهاية: «الغمز: العصر والكبس باليد … وبعضهم فسر الغمز في بعض الأحاديث بالإشارة كالرمز بالعين أو الحاجب أو اليد» (١). اهـ.
وفي «تفسير الجلالين» عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا﴾ «أي: المؤمنون ﴿بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] أي: يشير المجرمون إلى المؤمنين بالجفن والحاجب استهزاء» (٢).
قال محمد تقي الدين: ذكرني الخبر أن بعضهم غمز النبي ﷺ وهذا الغمز يحتمل أن يكون باليد بمعنى الكبس والدفع ويحتمل أن يكون بالحاجب والعين استهزاء والأول أظهر؛ لأن غمز جبريل لأولئك النفر كان فيما يظهر باليد، ولذلك أصابهم الوجع ثم الموت، والجزاء من جنس العمل، والله أعلم.
وقوله: (وكانوا ذوي أسنان وشرف) أي: كانوا شيوخًا متقدمين في السِّنِّ، وذوي منازل عالية في قومهم، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: معبودًا آخر، فكل من استغاث بمخلوق لجلب خير أو دفع شر بطريق الهمة والحال لا بطريق الأسباب، أو طلب منه قضاء حاجة، كذلك فقد جعله إلها، انظر: ما تقدم في (سورة الأعراف) عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فقد بسطت القول هناك في هذا المعنى وبالله التوفيق.
стр. 573
قال محمد تقي الدين: كل عالم بمعاني آيات التوحيد يرى المشركين في هذا الزمان يعبدون القبور، وشيوخ التصوف والمجانين الذين يسمونهم مجاذيب، ولم يضق صدره بما يفعلون ويقولون، فهو مداهن خائن للأمانة، كاتم للعلم، يلعنه الله ويلعنه اللاعنون، نعوذ بالله من ذلك، كيف وقد أمرنا الله تعالى بالتبرئ من المشركين في سورة الممتحنة، بقوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟! [الممتحنة: ٤].
стр. 574
سورة النحل
الباب الأول :
قال الله تعالى: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١ - ٣]
قال (ك) في تفسير هذه الآية: يخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها معبرًا بصيغة الماضي الدال على التحقيق والوقوع لا محالة كقوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي قرب ما تباعد: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ يحتمل أن يعود الضمير على الله، ويحتمل أن يعود على العذاب وكلاهما متلازم كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٣، ٥٤] ثم أنه تعالى نزه نفسه عن شركهم به غيره وعبادتهم معه ما سواه من الأوثان والأنداد، تعالى وتقدس علوًا كبيرًا، وهؤلاء هم المكذبون بالساعة، فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يقول تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ أي: الوحي كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وهم الأنبياء كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] وقال: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ
стр. 575
الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٥ - ١٦] وقوله: ﴿أَنْ أَنذِرُوا﴾ أي لينذروا: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ أي: فاتقوا عقوبتي لمن خالف أمري (١). ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يخبر تعالى عن خلقه العالم العلوي وهو السموات، والعالم السفلي وهو الأرض بما حوت، وإن ذلك مخلوق بالحق لا للعبث (٢) بل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، ثم نزه نفسه عن شرك من عبد معه غيره وهو المستقل بالخلق وحده لا شريك له، فلهذا يستحق أن يعبد وحده لا شريك له» (٣). اهـ.
فصل
قال محمد تقي الدين: جميع الملائكة الذين أنزلهم الله على الرسل نزلوا قبل كل شيء بالتوحيد، والرسل كلهم بدؤوا الدعوة إلى الله بالتوحيد وأخبروا قومهم أنه لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق سواه، وكل من عبد غيره من المخلوقين فعبادته باطلة وسيعذبه الله عليها في الدنيا والآخرة عذابًا سرمدًا، فالغرض الأعظم من بعثة الرسل هو توحيد الله تعالى، وهو الأساس لكل عمل يحبه الله ويثيب عليه، والآيات التي بعد هذه دالة على توحيد الربوبية.
الباب الثاني
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ١٩ - ٢٢]
قال (ك): «يخبر تعالى أنه يعلم الضمائر والسرائر، كما يعلم الظواهر وسيجزى كل عامل بعمله يوم القيامة إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. ثم أخبر
стр. 576
أن الأصنام التي يدعونها من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، كما قال الخليل: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥، ٩٦] وقوله: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء﴾ أي: هي جمادات لا أرواح فيها ولا (١) تسمع ولا تبصر ولا تعقل، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا يدرون متى تكون الساعة، فكيف يرتجى عند هذه نفع أو ثواب أو جزاء. إنما يرجى (٢) ذلك من الذي يعلم كل شيء، وهو خالق كل شيء، ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وأخبر أن الكافرين تنكر قلوبهم ذلك كما أخبرنا عنهم متعجبين من ذلك، ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] وقوله: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: عن عبادة الله مع إنكار قلوبهم لتوحيده، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (٣).
فصل
قال محمد تقي الدين: أخبر الله أنه يعلم كل شيء سرا كان أو جهرا، وهذه صفة خاصة به، فمن لمن تكن فيه هذه الصفة لا يستحق العبادة، وأخبر أن المشركين يعبدون من لا يستحق العبادة من المخلوقين، فيعبدون تماثيل الأنبياء والصالحين وقبابهم وقبورهم والأماكن التي جلسوا فيها، وهذه من الجماد الذي لا يحس، فكيف يسمع أو يبصر؟! فكيف يعلم السر والجهر؟! ويعبدون أرواح الصالحين، وهي لا تسمعهم ولا تبصرهم، ولو سمعتهم ما قدرت أن تنفعهم بشيء، كما قال تعالى في سورة فاطر: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وقوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ معناه: معبودكم الذي يستحق العبادة وينفع ويضر ويحيى ويميت، هو الله وحده.
стр. 577
الباب الثالث
قوله تعالى: ﴿قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (٢٦) ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين (٢٧) الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (٢٨) فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين (٢٩)﴾ [النحل: ٢٦ - ٢٩].
قال (ك): «قالت جماعة هو من باب المثل لإبطال ما صنعه هؤلاء الذين كفروا بالله وأشركوا في عبادته غيره، كما قال نوح ﵇ ﴿ومكروا مكرا كبارا (٢٢)﴾ [نوح: ٢٢] أي: احتالوا في إضلال الناس بكل حيلة، وأمالوهم إلى شركهم بكل وسيلة، كما يقول لهم أتباعهم يوم القيامة: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾ [سبأ: ٣٣] الآية وقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ أي: اجتثه من أصله وأبطل عملهم (١). كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ [المائدة: ٦٤] وقوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وقال الله ههنا: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهم﴾ أي: يظهر فضائحهم، وما كانت [تجنيه] (٢) ضمائرهم فيجعله علانية، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أي: تظهر وتشتهر كما في «الصحيحين» عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان» (٣) وهكذا هؤلاء يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر ويخزيهم الله على رؤوس الخلائق، ويقول لهم الرب ﵎
стр. 578
مقرّعًا لهم وموبخًا: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ تحاربون وتعادون في سبيلهم أين هم عن نصركم وخلاصكم ههنا؟ ﴿هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٣]. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] فإذا توجهت عليهم الحجة وقامت عليهم الدلالة، وحقت عليهم الكلمة وأسكتوا (١) عن الاعتذار حين لا فرار ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وهم السادة في الدنيا والآخرة، والمخبرون عن الحق [في الدنيا] (٢) والآخرة فيقولون حينئذٍ ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: الفضيحة والعذاب محيط اليوم بمن كفر بالله وأشرك به ما لا يضره وما لا ينفعه ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يخبر تعالى عن حال المشركين الظالمي أنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم الخبيثة ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي: أظهروا السمع والطاعة والانقياد، قائلين: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ كما يقولون يوم المعاد ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [المجادلة: ٦] فيحلفون له كما يحلفون لكم، قال الله مكذبًا لهم في قيلهم ذلك: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان لمن كان متكبرًا عن آيات الله واتباع رسله، وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم وينال (٣) أجسادهم في قبورها من حرّها وسمومها، فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم، وخلدت في نار جهنم، ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] كما قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] (٤).
فصل
قال محمد تقي الدين: فيه فوائد:
الأولى: إن المشركين يمكرون ليوقعوا الموحدين في المهالك فيعود عليهم مكرهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾؟ وقال تعالى في
стр. 579
سورة النمل ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥٣].
قال محمد تقي الدين ولما علم الله ضعف الموحدين وغربتهم وتألب المشركين عليهم نصرهم وأبطل كيد المشركين ومكرهم، فكل داع إلى توحيد الله واتباع سنة رسوله الكريم مخلص في دعوته يرى العجب العجاب من نصر الله، وإبطال كيد المشركين له، هذا في الدنيا، فكيف بالآخرة؟!
الثانية: قوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ جاء مثله في مواضع من القرآن كقوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] وقد تكررت وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله، وقال تعالى في سورة فصلت: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٧ - ٤٨].
الثالثة: إن الذين أوتوا العلم في لغة القرآن والسنة وهم علماء الكتاب والسنة، المؤمنون بالله الموحدون له المتبعون لسنة نبيه، ومن لم يكن كذلك لا يعد من الذين أوتوا العلم إلا مقيلا كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]، وكقوله تعالى في سورة غافر: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٣ - ٨٥] فعلمهم ذلك ليس فيه إيمان بالله فلذلك لم ينفعهم بل ضرهم، ولذلك قال النبي ﷺ : «وأعوذ بك من علم لا ينفع» (١).
ومثال العلم الذي لا ينفع: علم الكلام إذا كان صاحبه يعتقد أنه حق، وقول بعض المتكلمين شعرا:
أيها المغتدي ليطلب علما … كل علم عبد لعلم الكلام
стр. 580
تطلب العلم كي تصحح حكمًا … ثم أغفلت منزل الأحكام.
وجوابه: أن يقال كذبت: علم الكلام ليس سيدًا للعلوم، وإنما هو عبد لهو من المتفلسفين، وسخافاتهم وهو بدعة ملعونة، إلا في حق من اضطر إليه ليدافع به عن الحق، ويلجم أهله، ويرميهم بأحجارهم، ويأخذهم بإقرارهم، ثم يقال له: نحن ما أغفلنا منزل الأحكام ولكنا وصفناه بما وصف به نفسه سبحانه وبما وصفه به رسوله الكريم متبعين في ذلك لنبيه ﷺ وللصحابة والتابعين. وأقول في ذلك شعرًا معارضًا له (١):
أيها المغتدي لتطلب عِلمًا … اجْتَنِبُ جاهدًا ظلام الكلام
إنَّ علم الكلام ليس بعلم … إنَّما العلم شِرعة العلام
وكذلك علم الفروع إذا لم يكن معه علم الكتاب والسنة، كعلم الغزالي والبيضاوي والزمخشري، فهؤلاء كلهم جاهلون بالحديث، ومن جهل الحديث لم يستطع أن يفهم القرآن، فيكون محرومًا من علم الكتاب والسنة، كهؤلاء الثلاثة الذين حشوا كتبهم بالموضوعات والمتروكات والغرائب التي لا تخفى على المبتدئين في علم السلف، مع أن الغزالي كان عالمًا بالفلسفة وبدع المتصوفة، وعلم الفروع وأصول الفقه المبنية على شفا جرف.
الرابعة: إن المشركين جاهلون جهلًا مركبًا من جهلين: الأول: إنهم يجهلون توحيد الله واتباع رسوله الكريم. الثاني: إنهم يجهلون جهلهم كحمار الطبيب توما النصراني، الذي قال فيه بعض الشعراء:
قال حمار الحكيم توما … لو أنصفوني ما كنت أُرْكَبُ
لأنَّ جهلي غدا بسيطًا … وراكبي جَهْلُهُ مركب
ومن جهل هذا الطبيب أنه قرأ في كتاب «الحبة السوداء شفاء من كل داء» (٢) فرأى تحت الباء نقطتين خطأ فقرأها «الحية السوداء» فاصطاد حية سوداء وأحرقها وأخذ يعالج بها الناس، فكل عين عولجت بها عميت، وكل بطن عولج
стр. 581
بها ازداد صاحبه مرضا، فضرب به المثل في الجهل، ولجهل المشركين المركب يظنون أن ما هم عليه من الشرك هو الحق، ولذلك إذا جاءتهم الملائكة لتتوفاهم ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي أظهروا السمع والطاعة والانقياد، وقالوا: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ فالاستمداد من أرواح الشيوخ والاستغاثة بهم والهتاف بأسمائهم عند القيام والقعود وعند حدوث حادث مروع يا سيدي فلان، يا سيدي فلان، يا أولياء الله، والذبح لهم والنذر لهم والخوف منهم بالغيب ورجاؤهم والتوكل عليهم سواء عندهم حتى في وقت الغرغرة، فيكذبهم الله تعالى وتقول لهم الملائكة: ﴿بَلَى﴾، كنتم تعملون السوء ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. اهـ.
الباب الرابع
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦].
قال (ك): «أخبر الله تعالى أنه بعث ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ (١) أي: في كل (٢) طائفة من الناس رسلًا (٣) وكلهم [يدعون] (٤) إلى عبادة الله [وينهون] (٥) عن عبادة ما سواه، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوحًا، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد رسول الله ﷺ ، الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي
стр. 582
كُلَّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] [فمشيئة الله] (١) تعالى الشرعية عنهم منتفية، لأنه (٢) نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية وهي تمكينهم من ذلك قدرًا؛ فلا حجة لهم فيها؛ لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، له في ذلك حجة قاطعة، وحكمة بالغة (٣) ثم إنه تعالى قد أخبر أنه أنكر (٤) عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل، فلهذا قال: ﴿فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق، كيف ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠]، فقال: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] (٥).
فصل
قال محمد تقي الدين فيه فوائد:
الأولى: إن كل أمة من أمم الأرض بعث الله إليها رسولًا يدعوها إلى توحيد الله واتباع شرعه، فبعض هذه الأمم استجابت لداعي الله بالسمع والطاعة، ولم تمنعهم أغراض الدنيا الفانية كالجاه والمال أن يستجيبوا لرسل الله، فأدركوا بذلك سعادة الدنيا والآخرة. وبعضهم منعتهم أهواؤهم وأغراضهم الفاسدة، فأبوا أن يستجيبوا لداعيهم، فأضلهم الله، والله حكم عدل، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فإن قلت: فلماذا عذب الله عمرو بن لحي الذي أخبر النبي ﷺ أنه رآه يجر قصبه في النار (٦) كما في «الصحيح»؟ ولماذا عذب الله عبد المطلب جد النبي ﷺ ؟ بدليل أن أبا طالب لما كان آخر كلامه: «هو على
стр. 583
دين عبد المطلب، مات كافرًا (١) كما في «الصحيح» أيضًا، فالجواب: إن هذين الرجلين اللذين كانا في زمانين مختلفين يعلمان يقينًا أن ملة إبراهيم تتنافى مع عبادة الأصنام، بدليل قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] وقد تكرر هذا في القرآن في مواضع كثيرة أن المشركين من العرب كانوا يوحدون الله تعالى في الشدة ويشركون في الرخاء، ولا سبيل لهم إلى معرفة التوحيد إلا ما بلغهم من شريعة إبراهيم وإسماعيل وهو حجة عليهم.
الثانية: قول (ك): «فمشيئة الله تعالى الشرعية عنهم منتفية» المشيئة الشرعية، معناها: كل ما شرعه الله تعالى لعباده بواسطة رسله فقد أراده وأحبه ورضيه، وأما الإرادة الكونية القدرية: فإنها تشمل الكفر والإيمان والمعصية والطاعة (٢)، فإن الله شاء للكفار والعصاة ما اختاروه لأنفسهم، ولم يشأ أن يجبرهم على الإيمان والطاعة، بل استدرجهم بإبقاء نعمه من الجاه والمال والصحة والعافية وسائر ما أعطاهم الله من النعم، فلم يشكروها، بل زادتهم طغيانًا ولم يرض الكفر والمعصية، قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وقد اقتضت حكمته البالغة أن يجزي المؤمنين المطيعين جزاء حسنًا في الدنيا والآخرة، وأن يجزي الكافرين والعصاة عذابًا في الدنيا والآخرة.
الثالثة: قول (ك): «نكر (٣) عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل»، معناه أن الله تعالى أنكر عليهم الكفر والمعاصي، بطريقين: الطريق الأول: بواسطة رسله وما جاؤوا به من الشرائع. والثاني: إنه جعل عاقبتهم الهلاك في الدنيا بعد الإمهال، كما فعل بعاد، وثمود، وقوم موسى، وقوم نوح، وأصحاب مدين، وأهل مكة في غزوة بدر، وذلك معنى قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨]. فكيف كان إنكاري عليهم بما أصبتهم به من العذاب ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣].
стр. 584
الباب الخامس
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥١ - ٥٦].
قال (ك): «يخبر (١) تعالى أنه لا إله إلا هو وأنه لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال ابن عباس وغيره أي: دائمًا (٢)، وعن ابن عباس أيضًا أي: واجبًا (٣)، وقال مجاهد أي: خالصًا (٤)، أي: له العبادة وحده ممن في السموات والأرض كقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] هذا على قول ابن عباس وعكرمة، فيكون من باب الخبر (٥). وأما على قول مجاهد: فإنه يكون من باب الطلب، أي: ارهبوا أن تشركوا بي شيئًا، وأخلصوا لي الطاعة (٦) كقوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] ثم أخبر أنه مالك النفع والضر وأن ما بالعباد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله عليهم وإحسانه إليهم: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أي: لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو، فإنكم عند الضرورات تلجؤون إليه
стр. 585
وتسألونه وتلحون في الرغبة مستغيثين به، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] وقال ههنا: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قيل: اللام ههنا لام العاقبة، وقيل: لام التعليل، بمعنى (١) قضينا لهم ذلك ليكفروا، أي: يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم، وإنه المسدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم ثم توعدهم قائلًا: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أي: اعملوا ما شئتم، وتمتعوا بما أنتم فيه قليلًا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي عاقبة ذلك ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ يخبر تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان والأنداد [بغير علم] (٢)، وجعلوا للأوثان (٣) نصيبًا مما رزقهم الله، فقالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] أي: جعلوا لآلهتهم نصيبًا مع الله وفضلوها (٤) على جانبه، فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه والتفكوه وليقابلنهم عليه وليجازينهم أوفر الجزاء في نار جهنم، فقال: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (٥).
فصل
قال محمد تقي الدين: أنا أختار تفسير مجاهد لقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ أي: خالصًا فلا يجوز أن يعبد غيره بأي نوع من أنواع العبادة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ علة لما تقدمه، أي: وحدوا الله لأنه هو الذي يمن عليكم بالنّعم، وغيره لا ينفع ولا يضر فلم تعبدونه؟ وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ هذه عادة المشركين يجعلون أموالهم لآلهتهم التي يسمونها بالأولياء، وقد زين لهم الشيطان أن يتخذوا أولياء
стр. 586
من دون الله، ولو اتخذوا الله وليا لكفاهم، ولكنهم قوم لا يعقلون.
الباب السادس
قوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السَّمَاوَاتِ والأرض شيئا ولا يستطيعون (٧٣) فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (٧٤) ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (٧٥) وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يَسْتَوِي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (٧٦)﴾ [النحل: ٧٣ - ٧٦]
قال (ك): «يقول تعالى إخبارا عن المشركين الذين عبدوا معه غيره مع أنه هو المنعم المتفضل الخالق الرازق وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون من دونه من الأصنام والأنداد والأوثان ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾، أي: لا يقدر على إنزال مطر، ولا إنبات زرع، ولا شجر، ولا يملكون ذلك لأنفسهم، أي: ليس لهم ذلك، ولا يقدرون عليه لو أرادوه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ أي: لا تجعلوا له أندادا وأشباها وأمثالا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: إنه يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو وأنتم بجهلكم تشركون به غيره، ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ إلخ قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: وهو مثل مضروب للوثن وللحق تعالى، فهل يستوي هذا وهذا، ولما كان الفرق (١) بينهما ظاهرا واضحا بينا لا يجهله إلا كل غبي، قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ الآية، قال: وهذا أيضا المراد به الوثن والحق تعالى، يعني: إن الوثن أبكم لا يتكلم ولا ينطق بخير ولا بشر (٢) ولا يقدر على شيء بالكلية فلا مقال ولا فعال، وهو مع هذا كل أي عيال وكلفة على مولاه ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّههُ﴾ أي: يبعثه ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ ولا
стр. 587
ينجح (١) مسعاه ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾ من هذه صفاته ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط، فمقاله حق وفعاله مستقيمة، ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).
فصل
قال محمد تقي الدين:
فائدة: من عادة الحافظ ابن كثير الله أن يفسر القرآن بالقرآن، ويجمع النظائر ولم يفعل ذلك في هذه الآية والكمال الله، فإن تفسيرها ظاهر في آية الروم، يقول تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨].
ففي الآيتين كلتيهما بيان من الله تعالى أنَّ مَنْ عبد مخلوقًا، وجعله الله ندًا بأن استغاث به بغير طريق الأسباب، واستعان به كذلك، أو خافه بالغيب، أو توكل عليه في قضاء حاجة إلى غير ذلك من أنواع العبادة، فإنه لم ينتفع بعقله فلا عقل ولا علم؛ لأنه لا يرضى أبدًا أن يكون عبده شريكًا له في ما له يتصرف كتصرفه، فإذا قال المشرك لوثنه أو لروح شيخه: إن ولد لي ولد ذبحت لك شاة، فقد جعل شيخه شريكًا مع الله، يعطي ويمنع ويقبل النذر ويعبد من دون الله؛ لأن شيخه عبد مملوك لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فكيف يشارك الله تعالى ويتصرف في ملكه.
فائدة ثانية في معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ قال مجاهد: أي عيال عليه؛ ومعنى: العيال المحتاجون إلى نفقة من يعولهم، فشيخ الطريقة وكل الصالحين محتاجون إلى الله تعالى في إيجادهم وإمدادهم وفقراء إليه تعالى، فمن نسب لهم التصرف يكون في الجهل والحماقة كالذي ينسب الملك والتصرف إلى العبد المملوك الذي لو تركه سيده بلا عشاء لبات يتضور ويتألم من الجوع، فأحمق الناس وأجهلهم هو الذي يأتي إلى مثل هذا العبد ويلتمس منه عشاء، والآن حضرتني نادرة مضحكة، وهي مناسبة للمقام، يحكى أن راعي غنم من أهل البادية في الجزائر، جاءه رجل وهو راجع بغنمه إلى الخيمة قبل غروب
стр. 588
الشمس فقال له: باللغة الجزائرية «أضياف ربي» ومعنى ذلك، أنا ضيف الله عندك، فلم يجد بدأً من قبوله وكانت أمه من أبخل الناس، فلما أقبل بالغنم على الخيمة رأت أمه معه رجلًا آخر، فقالت له: من هذا الرجل الذي معك؟ فقال: ضيف، فغضبت غضبًا شديدًا، وقالت له: «يا خاليها يا طويها» ومعنى ذلك يا أيها المبذر المتلاف الذي سيخلي هذه الخيمة حتى تطوى ولا تنصب، أخوك جاءني بضيف في السنة الماضية، ورأيت ما صنعت به من التنكيل، وإذا بك تأتيني أنت في هذه السنة بضيف آخر، والله لا تأكله لا أنت ولا هو، فتحير الراعي في أمره كيف يطرد هذا الضيف بعدما وصل إلى الخيمة، فقال الراعي للضيف: كيف تطأ على برنسي بنعليك فقال: ما وطئت عليه، قال: أتكذبني؟ والله لا أكلت طعامي، فهذا الضيف عاجز لا يملك شيئًا، والراعي مثله، ضعف الطالب والمطلوب، فهذا مثل يضرب لمن ينزل حاجته بالمخلوق العاجز الفقير.
قال شيخنا محمد بن العربي العلوي (١) ﵀: يا عجبًا لهؤلاء الجهال يطعمون شيخهم من جوع، ويسقونه من ظمأ، ويكسونه من عري، ويركبونه على دوابهم أو سياراتهم، ويقونه الحر والقر، ويؤوونه في بيوتهم فهو عيال عليهم ومع ذلك يسألونه أن يرزقهم، ويقضي حاجاتهم فهم يرزقونه رزقًا حقيقيًا، ويسألونه رزقًا خياليًا لا وجود له، ولا يكفهم ذلك حتى يسألوه تنوير قلوبهم وهدايتها، وهذا كفر بالله إذ لا يهدي القلوب إلا الله.
والمثل الأوربي يقول: (فاقد الشيء لا يعطيه).
الباب السابع
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٨٦، ٨٧]
قال (ك): أخبر تعالى عن تبرؤ آلهتهم منهم أحوج ما يكونون إليها فقال: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ أي: الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ﴿قَالُوا رَبَّنَا
стр. 589
هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَي: قالت لهم الآلهة: كذبتم ما نحن أمرناكم بعبادتنا كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦] وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢] وقال الخليل ﵊: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ﴾ الآية [العنكبوت: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ الآية [القصص: ٦٤]، والآيات في هذا كثيرة، وقوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ قال قتادة وعكرمة: ذلوا واستسلموا يومئذ، أي: استسلموا لله جميعهم، فلا أحد إلا سامع مطيع، وقوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه افتراء على الله، فلا ناصر لهم ولا معين ولا مجير (١).
فصل
قال محمد تقي الدين: قد أجاد الحافظ (ك) في تفسير هذه الآيات، وصدق ﵀، ففي القرآن آيات كثيرة تدل على أن المعبودين من الملائكة والأنبياء والصالحين يتبرؤون من عابديهم، كما قال تعالى: وقد تقدم ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦، ١٦٧].
الباب الثامن
قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣].
стр. 590
قال (ك): يمدح الله تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء ووالد الأنبياء ويبرئه من المشركين ومن اليهودية والنصرانية، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ فأما الأمة: فهو الإمام الذي يقتدى به. والقانت: هو الخاشع المطيع والحنيف المنحرف قصدًا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قال سفيان الثوري بسنده عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن الأمة القانت، فقال: «الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع الله ورسوله» (١) ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ أي: قائمًا بشكر نعم الله عليه، كقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] أي: قام بجميع ما أمره (٢) الله تعالى به، وقوله: ﴿اجْتَبَاهُ﴾ أي اختاره واصطفاه كقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] ثم قال: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي، وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أي: جمعنا له خيرًا من جميع ما يحتاج المرسل (٣) إليه في إكمال حياته الطيبة ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وقال مجاهد في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أي: لسان صدق وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي: ومن كماله وعظمته وصحة توحيده (٤)، أَنَّا ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كقوله في الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١] (٥).
قال محمد تقي الدين إبراهيم الخليل، صلاة الله عليه إمام الموحدين
стр. 591
الحنفاء وحسبه شرفا أن الله أمر خير خلقه محمدا، أن يتبعه وأن يكون على ملته ولذلك يجب على كل مسلم أن يكون حنيفا موحدا الله، وسيأتي قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] إن شاء الله.
стр. 592
سورة الإسراء
الباب الأول
قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢) وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٢، ٢٣]
وهنا ذكر الله تعالى ثماني عشرة وصية جمعت الخير كله، وسماها الحكمة ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] قدم قبلها النهي عن جعل إله مع الله، وأخبر أن من فعل ذلك يكون مَذْمُومًا عند الله والناس والمؤمنين، وتَخْذُولا ليس له ولي ولا نصير، وقال آخرها: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] والملوم، الذي يلومه الله تعالى، ويلومه عباده الصالحون، والمدحور: المطرود من رحمة الله، وهذا يدلنا على عظمة التوحيد عند الله، وأن من لم يأت به فهو شقي خاسر لا يقبل الله منه عملًا ولا يرحمه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] والوصايا التي سماها الله الحكمة:
أولها: توحيد الله تعالى. وثانيها: بر الوالدين.
وثالثها: الإحسان إلى الأقارب.
ورابعها: الإحسان إلى المساكين.
وخامسها: الإحسان إلى ابن السبيل، وهو المسافر المنقطع عن أهله.
وسادسها: ترك التبذير.
وسابعها: القول الميسور للسائلين إذا لم يجد الإنسان ما يعطيهم.
وثامنها: التوسط في الإنفاق.
وتاسعها: ترك قتل الأولاد خوف الفقر، ويقرب من ذلك ما سماه النبي ﷺ
стр. 593
بالوأد الخفي (١)، وهو عزل المني عن رحم المرأة حتى لا تحمل، ومثله كل ما يمنع الحمل إلا إذا كان لمصلحة كحفظ الحياة وحفظ الصحة.
وعاشرها: ترك الزني.
والحادي عشر: ترك قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والقتل بالحق يكون مشروعا، كالقصاص ورجم الزاني، وقتل من ارتد عن الإسلام، وقتل قطاع الطريق وما أشبه ذلك.
والثاني عشر: أن لا يقرب مال اليتيم إلا بقصد الإصلاح.
الثالث عشر: الإيفاء بالعهد.
الرابع عشر: إيفاء الكيل.
الخامس عشر: إيفاء الوزن.
السادس عشر: أن لا يتكلم الإنسان في الدين إلا بعلم، ومن ذلك يظهر تحريم الإفتاء بالتقليد والتمذهب.
السابع عشر: ترك الخيلاء والكبر.
والثامن عشر: ترك الشرك بالله.
الباب الثاني
قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]
قال محمد تقي الدين: اختلف السلف في المراد بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ الآية [الإسراء: ٥٧]:
فقال ابن مسعود وجماعة: كان المشركون يعبدون جماعة من الجن، فأسلمت الجن ووحدوا الله، وصاروا يبتغون إليه الوسيلة بالعمل الصالح، ولم يشعر بإسلامهم الذين كانوا يعبدونهم من الإنس، واستمروا على عبادتهم،
стр. 594
فعاب الله عليهم ذلك (١)، وقال ابن عباس (٢) وجماعة: المراد الملائكة وعيسى، فإن الملائكة وعيسى يعبدون الله ويوحدونه ويتقربون إليه، والجهال من بني آدم يعبدونهم، حاصله أن المعبودين من دون الله إما أن يكونوا أبرارًا أو فجارًا، فالأبرار كالملائكة والأنبياء والصالحين والفجار كل من عبد ورضي بذلك من الجن والإنس، ومن عبد غير الله فهو خاسر سواء كان المعبود من الأبرار أم من الفجار.
الباب الثالث
قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٦، ٦٧]
قال (ك): «يخبر تعالى عن [لطفه بخلقه في] (٣) تسخيره لعباده الفلك في البحر، وتسهيله لمصالح عباده لابتغائهم من فضله في التجارة من إقليم إلى إقليم، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ أي: إنما فعل هذا بكم من فضله عليكم ورحمته بكم ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾
يخبر ﵎ أن الناس إذا مسهم (٤) ضر دعوه منيبين إليه مخلصين له الدين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ أي:
стр. 595
ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله تعالى، كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارا من رسول الله ﷺ حيث فتح مكة، فذهب هاربا فركب في البحر ليدخل الحبشة، فجاءتهم ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعو الله وحده، فقال عكرمة في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك علي عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد (١) فلأجدنه رؤوفا رحيما، فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله ﷺ فحسن (٢) إسلامه ﵁ (٣) وأرضاه، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ أي: نسيتم ما عرفتم من توحيده في البحر، وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ أي: سجيته هذا ينسى النعم ويجحدها إلا من عصم الله» (٤).
فصل
قال محمد تقي الدين: ومن ذلك تعلم أن جاهلية زماننا أعظم بكثير من الجاهلية الأولى، الذين دعاهم رسول الله ﷺ وقاتلهم، والدليل على ذلك أن المشركين في ذلك الزمان يوحدون الله في الشدة، ويشركون في الرخاء، أما مشركو هذا الزمان، فإنهم يشركون في الشدة أكثر مما يشركون في الرخاء. اهـ.
стр. 596
سورة الكهف
الباب الأول
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُم مِرْفَقًا (١٦)﴾ [الكهف: ١٣ - ١٦].
قال (ك): «من ههنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية، وهم الشباب وهم أقبل للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عثوا [وانغمسوا] (١) في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين الله تعالى ولرسوله ﷺ شبابًا، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل، وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف، أنهم كانوا فتية شبابًا (٢)، ألهمهم الله رشدهم، وآتاهم تقواهم، فآمنوا بربهم، أي: اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.
استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة، كالبخاري (٣) وغيره ممن
стр. 597
ذَهَبَ إِلى زِيادَةِ الإِيمَانِ وَتَفَاضُلِهِ، وَأَنَّهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، كَمَا قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وَقَالَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، وَقَالَ: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، وقد ذكر (١) أنهم كانوا على دين المسيح عيسى بن مريم فالله أعلم، والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية، فإنهم لو كانوا على دين النصرانية لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم لمباينتهم لهم، وقد تقدم عن ابن عباس أن قريشًا بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله ﷺ فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء وعن خبر ذي القرنين وعن الروح (٢) فدل هذا على أن هذا أمر
محفوظ في كتب أهل الكتاب وأنه متقدم (١) على دين النصرانية، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يقول تعالى: وصبرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد، والسعادة والنعمة، فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم، وسادتهم، وأنهم خرجوا يومًا في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت، ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبار عنيد، يقال له: «دقيانوس» وكان يأمر الناس بذلك، ويحثهم عليه، ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها، لا ينبغي إلا لله الذي خلق السموات والأرض، فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية، فكان أول من جلس منهم وحده (٢) أحدهم، جلس تحت ظل شجرة، فجاء الآخر فجلس إليهما (٣) وجاء الآخر فجلس إليهم (٤) وجاء الآخر وجاء الآخر، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري تعليقًا بسنده عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (٥).