← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

سورة الكهف الباب الأول قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُم مِرْفَقًا (١٦)﴾ [الكهف: ١٣ - ١٦]. قال (ك): «من ههنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية، وهم الشباب وهم أقبل للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عثوا [وانغمسوا] (١) في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين الله تعالى ولرسوله ﷺ شبابًا، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل، وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف، أنهم كانوا فتية شبابًا (٢)، ألهمهم الله رشدهم، وآتاهم تقواهم، فآمنوا بربهم، أي: اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾. استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة، كالبخاري (٣) وغيره ممن

стр. 597

ذَهَبَ إِلى زِيادَةِ الإِيمَانِ وَتَفَاضُلِهِ، وَأَنَّهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، كَمَا قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وَقَالَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، وَقَالَ: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، وقد ذكر (١) أنهم كانوا على دين المسيح عيسى بن مريم فالله أعلم، والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية، فإنهم لو كانوا على دين النصرانية لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم لمباينتهم لهم، وقد تقدم عن ابن عباس أن قريشًا بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله ﷺ فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء وعن خبر ذي القرنين وعن الروح (٢) فدل هذا على أن هذا أمر

стр. 598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 600

محفوظ في كتب أهل الكتاب وأنه متقدم (١) على دين النصرانية، والله أعلم. وقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يقول تعالى: وصبرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد، والسعادة والنعمة، فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم، وسادتهم، وأنهم خرجوا يومًا في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت، ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبار عنيد، يقال له: «دقيانوس» وكان يأمر الناس بذلك، ويحثهم عليه، ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها، لا ينبغي إلا لله الذي خلق السموات والأرض، فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية، فكان أول من جلس منهم وحده (٢) أحدهم، جلس تحت ظل شجرة، فجاء الآخر فجلس إليهما (٣) وجاء الآخر فجلس إليهم (٤) وجاء الآخر وجاء الآخر، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري تعليقًا بسنده عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (٥).

стр. 601

والغرض أنه جعل كل واحد منهم يكتم ما هو عليه (١) عن أصحابه خوفًا منهم، ولا يدري أنهم مثله حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم أنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء، فليظهر كل واحد منكم بأمره (٢) فقال آخر: أما أنا فإني والله رأيت ما قومي عليه فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك به شيء، هو (٣) الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وقال (٤) الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك، وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يدًا واحدة، وإخوان صدق فاتخذوا لهم معبدًا يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين يديه، فسألهم عن أمرهم وما هم عليه فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله ، ولهذا أخبر تعالى بقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ ولن لنفي التأبيد، أي: لا يقع منا هذا أبدًا، لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلًا، ولهذا قال فيهم (٥): ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: باطلًا وكذبًا وبهتانًا، ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ أي: هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلًا واضحًا صحيحًا ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك، فيقال: إن ملكهم لما دعوه إلى الإيمان بالله أبى عليهم وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون (٦)، وكان هذا من لطف الله بهم فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة، وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفًا على دينه كما جاء في الحديث، يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنمًا يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن (٧) ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس، ولا تشرع فيما عداها (٨)، لما يفوت، بها من ترك

стр. 602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 603

الجماعات والجمع، فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم واختار الله تعالى لهم ذلك، وأخبر عنهم بذلك، في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾، أي: وإذا فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضًا بأبدانكم، ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُم﴾ أي (١) الذي أنتم فيه ﴿مِرْفَقًا﴾ أي: أمرًا ترتفقون به، فعند ذلك خرجوا هرابًا إلى الكهف، فأووا إليه، ففقدهم قومهم، من بين أظهرهم، وتطلبهم الملك، فيقال: إنه لم يظفر بهم، وعمى الله خبرهم كما فعل بنبيه محمد ﷺ وصاحبه الصديق، حين لجأ إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطلب، فلم يهتدوا إليه، مع أنهم يمرون عليه وعندها، قال النبي ﷺ ، حين رأى جزع الصديق في قوله: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (٢). وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم (٣)، وأعجب من قصة أصحاب الكهف (٤). الباب الثاني : قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)

стр. 604

وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٧ - ٢٩] قال (ك): يقول تعالى أمرًا رسوله ﷺ بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: لا (١) مغير لها ولا محرف ولا مؤوّل (٢)، وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ عن مجاهد: ملتحدًا، قال: ملجأ، وعن قتادة: وليًا ولا مولى، قال ابن جرير: يقول: إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك (٣) فإنه لا ملجأ لك من الله، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] أي: سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه ويحمدونه، ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشيًا، من عباد الله سواء كانوا فقراء، أو أغنياء، أو أقوياء، أو ضعفاء، يقال (٤): إنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا من النبي ﷺ ، أن يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه، كبلال، وعمار، وصهيب، وخباب، وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله عن ذلك فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء، فقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية، وقال مسلم بسنده عن سعد بن أبي وقاص، قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون (٥)

стр. 605

للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما (١)، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله ﷺ : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٢) [الأنعام: ٥٢] انفرد به مسلم دون البخاري، وقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: «لا تجاوزهم إلى غيرهم» (٣)، يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف، والثروة ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط، وضياع ولا تكن مطيعًا له، ولا محبًا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِن﴾ الآية. يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ ، ﴿وَقُلِ﴾ يا محمد للناس، هذا الذي جئتكم به من ربكم هو ﴿الْحَقُّ﴾ الذي لا مرية فيه، ولا شك، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ هذا من باب الوعيد والتهديد (٤) الشديد، ولهذا قال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أي (٥): أرصدنا ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ أي: سورها، وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ الآية، قال ابن عباس: «المهل الماء الغليظ (٦) مثل دُرْدِي الزيت» (٧)، وقوله:

стр. 606

بِئْسَ الشَّرَابُ أي: بئس هذا شرابًا (١)، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، وقال تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَة﴾ [الغاشية: ٥] أي: حارة كما قال تعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: ساءت النار منزلًا ومقيلًا ومجتمعًا وموضعًا للارتفاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٧٦]» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: تضمنت هذه الآيات أمورًا: الأول: أمر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ ، بتلاوة ما أنزل عليه وهو القرآن وأمته تابعة له في هذا الأمر، فما دامت تتلو القرآن وتعمل به وتتخذه إمامًا وحكمًا تكون سعيدة في دينها ودنياها، ولا كلمة فوق كلمتها، وإن لم تفعل ذلك شقيت في دينها ودنياها، كما هو واقع في هذا الزمان، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أي: لا مهرب ولا ملجأ ولا ولي ولا نصير ولا منقذ ولا مخلص. الثاني: أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يصبر نفسه ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ وإن كانوا فقراء محتقرين عند الأغنياء، محرومين من لذة العيش، ففي الكون معهم رضوان الله ومغفرته ورحمته. الأمر الثالث: نهى الله رسول الله ﷺ - وأمته تبع له - عن طاعة الغافلين عن ذكر الله المضيعين لأمر الله المتبعين أهواءهم، المفرطين في جنب الله، لأن طاعتهم فيها الخسران المبين. الأمر الرابع: أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يقول الحق ويعلنه عند من أحبه وعند من كرهه، فمن آمن واتبع فاز بالسعادة الأبدية، ومن كفر فإن الله له بالمرصاد، لا يضر إلا نفسه، فإن الله أعد للكافرين عذابًا محيطًا بهم، ولا نجاة لهم منها أبدًا. اهـ.

стр. 607

الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٣٢ - ٤٣] قال (ك): يقول تعالى بعد ذكره (١) المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم، فضرب لهم مثلًا برجلين جعل الله لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ، أي: بساتين من أعناب محفوفتين بالنخيل (٢) المحدقة في جنباتهما وفي خلالهما الزروع، وكل من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجودة، ولهذا قال: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أخرجت ثمرها، ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ ولم تنقص منه شيئًا، ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ أي والأنهار متفرقة فيهما ههنا وههنا ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أي: ثمار كثيرة، ﴿فَقَالَ﴾ أي صاحب هاتين الجنتين ﴿لِصَاحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ أي: يجادله ويخاصمه يفتخر عليه ويترأس ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ أي: أكثر خدمًا وحشمًا وولدًا، قال

стр. 608

قتادة: «تلك والله أمنية [الكافر] كثرة الأموال، وعزة النفر» (١)، وقوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي: بكفره وتمرده وتكبره (٢) وإنكاره المعاد ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ وذلك اغترار منه لما رأى فيها (٣) من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها (٤) ظن أنها لا تفنى (٥) ولا تهلك ولا تتلف (٦)، لقلة عقله وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها وكفره بالآخرة ولهذا قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ أي: كائنة، ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ أي: ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلى الله ليكونن لي هناك أحسن من هذا الحظ عند ربي، ولولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، وقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] أي: في الدار الآخرة تألّى على الله ، وكان سبب نزولها في العاص بن وائل (٧) كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان. ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ … ﴾ إلخ. قال (ك): يقول تعالى مخبرًا عما أجابه به صاحبه المؤمن واعظًا له وزاجرًا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين، وهو آدم ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] الآية، أي: كيف تجحدون ربكم ودلالته عليكم ظاهرة جلية؟! كل أحد يعلمها من نفسه ولا يستند إلى شيء من المخلوقات؛ لأنه بمثابته فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء، ولهذا قال المؤمن (٨): ﴿لَكِنَّا﴾

стр. 609

هُوَ اللَّهُ رَبِّي أي: لكن أنا لا أقول بمقالتك بل أعترف الله بالوحدانية والربوبية ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له، ثم قال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ هذا تحضيض وحث على ذلك، ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ أي: هلا إذ أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها حمدت (١) الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يعطه غيرك، ﴿قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. وقلت: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله (٢)، وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة، وقد ثبت في «الصحيحين» عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال له: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله» (٣). وقوله: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾ أي: على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال ابن عباس والضحاك وقتادة ومالك عن الزهري: أي: عذابًا من السماء (٤)، والظاهر أنه مطر عظيم مزعج يقلع زروعها وأشجارها،

стр. 610

ولهذا قال: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أي: بلقعًا ترابًا أملس لا يثبت فيه قدم، وقال ابن عباس: «كالجُرز الذي لا ينبت شيئًا» (١). وقوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ أي: غائرًا في الأرض، وهو ضد النابع الذي يطلب وجه الأرض، فالغائر يطلب أسفلها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ (٢) ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] أي: جار وسائح، وقال ههنا: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ والغور: مصدر بمعنى غائر، وهو أبلغ منه. كما قال الشاعر (٣): تَظَلُّ جيادُه نَوْحًا عَلَيْهِ … مُقَلَّدَةٌ (٤) أَعِنَّتُها صُفُونا (٥) بمعنى نائحات عليه، وقوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ الآية، يقول تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ بأمواله أو بثماره على القول الآخر، والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان يحذر مما خوفه به المؤمن من إرسال الحسبان على جنته التي اغتر بها، وألهته عن الله ﷺ ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾، وقال قتادة: يصفق كفيه متأسفًا متلهفًا على الأموال التي أذهبها عليها، ﴿وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ عشيرة أو ولد كما افتخر بهم واستعز ﴿يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ (٦). فصل قال محمد تقي الدين: أهم شيء عندنا في نقل هذه الآيات هو التحذير من

стр. 611

الشرك بالله تعالى الذي يدل عليه قول المؤمن: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، وقول الكافر بعد نزول العذاب به وذهاب أمواله: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، ومن ذلك نعلم أن المشرك وإن كان له جاه ومال فماله إلى الخسران والندامة، وأن الموحد وإن كان فقيرًا فماله إلى الانتصار والغبطة. الباب الرابع قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ، فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٢ - ١٠٥]. قال (ك): «يقول تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ أي: اعتقدوا أنهم يصلح لهم ذلك وينتفعون به (١) ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]، ولهذا أخبر الله تعالى أنه قد أعد لهم جهنم يوم القيامة نزلًا ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ الآية، قال البخاري بسنده عن مصعب قال: سألت أبي - يعني سعد بن أبي وقاص - عن قول الله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ الآية، أهم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدًا ﷺ وأما النصارى فكفروا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه فكان سعد ﵁ يسميهم الفاسقين (٢)، وقال علي بن أبي طالب (٣).

стр. 612

والضحاك وغير واحد (١): هم الحرورية، ومعنى هذا عن عليٍّ أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص، ولا هؤلاء، بل هي أعم من هذا فإن هذه الآية هي قبل خطاب اليهود والنصارى، وقبل وجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ وعمله مردود، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٢ - ٤]، وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: نخبركم ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ ثم فسرها (٢) فقال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: عملوا أعمالًا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية.

стр. 613

مقبولة ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ أي: يعتقدون أنهم على شيء، وأنهم مقبولون محبوبون، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ أي: جحدوا آيات الله في الدنيا وبراهينه التي أقام على وحدانيته وصدق رسله وكذبوا بالدار الآخرة ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ أي: لا نثقل موازينهم، لأنها خالية عن (١) الخير، قال البخاري (٢) بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليأتين الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة»، وقال: «اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: علمنا مما نقله الحافظ ابن كثير عن السلف أن هذه الآية وما بعدها تشمل كل من عبد الله على طريقة غير مرضية، فيدخل فيها اليهود والنصارى والوثنيون والخوارج، وكل مبتدع، لأن المبتدع على طريقة مضادة لسنة النبي ﷺ لم تكن في زمانه دينًا فلن تكون دينًا، كما قال مالك ﵀: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة، لأني سمعت الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا» (٤). ومما يدخل في هذه الآية بلا شك أصحاب الطرائق القدد، الذين ينتسبون إلى التصوف في هذا الزمان، فإنهم يخالفون ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من وجوه: الوجه الأول: إحداث التفريق بين المسلمين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، وقال تعالى في سورة الروم: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وهذا ينطبق على أصحاب الطرائق غاية الانطباق، وقال النبي ﷺ : «إن بني إسرائيل تفرقوا على

стр. 614

اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (١). فهل أحدث الصحابة طرائق في الدين، فكانت هناك طريقة بكرية وطريقة عمرية، وطريقة عثمانية، وطريقة علوية، وطريقة جابرية، وطريقة مسعودية … إلخ؟! معاذ الله أن يتفرق أصحاب رسول الله ﷺ في دينهم. الثاني: إنهم مبتدعون، وكل بدعة ضلالة، فكل مبتدع ضال. الثالث: إن المتأخرين منهم مع جهلهم وضلالهم لا يريدون وجه الله بعملهم، بل يريدون الدنيا، فينطبق عليهم قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] فإن الرجل منهم يدخل بلدًا من البلدان لا يملك شيئًا، فيحتال على الناس ويعدهم ويمنيهم وما يعدهم إلا غرورًا فيقول لهم: من دخل في طريقتي أضمن له سعادة الدنيا والآخرة، وإن لم يدخل الجنة فليحاسبني بين يدي الله من أخذ طريقتي فذنوبه مغفورة بالغة ما بلغت، وقد زعم التجانيون في ما نسبوه (٢) إلى شيخهم أبي العباس أحمد بن محمد التجاني المتوفى بفاس سنة ١٢٣٠ عن ثمانين سنة، أنه قال: واعلموا أنه لا يستطيع أحد من الرجال أن يدخل كافة أصحابه الجنة بلا حساب ولا عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا من

стр. 615

المعاصي ما بلغوا إلا أنا وحدي، ووراء ذلك ما ضمنه لي فيهم سيد الوجود ﷺ أمر لا يحل ذكره، ولا يرى ولا يعرف إلا في الدار الآخرة، بشرى للمعتقد على رغم أنف المنتقد، انظر كتابي: «الهدية الهادية إلى الطائفة التجانية» (١). قلنا: إن الرجل منهم يدخل البلد لا يملك شيئًا، وفي وقت قصير يتزوج أربع نسوة ويشيد القصور ويكون له الخدم والحشم، ويعيش عيشة الأمراء المترفين، مع أنه يزعم أنه يدعو إلى طريقة الزهد في الدنيا والانقطاع إلى العبادة. الرابع: إن الشرك الذي ينصبه ليصيد به أولئك الجهال، هو الورد وهو أذكار يعطيهم إياها يذكرونها صباحًا ومساءً بشروط يشترطها عليهم من طهارة واستقبال قبلة وتغميض العيون وعدم الكلام، ويزعم لهم أنهم إذا ذكروا تلك الأوراد بالإذن الخاص يدركون أسرارًا عظيمة، ويرتقون في مراتب الإحسان إلى أعلى الدرجات، وتكون لهم كرامات ويدركون الولاية قبل موتهم، وإذا ذكروها بالإذن العام لا يكون لهم شيء من ذلك، فيقال له: هذه الأذكار التي تريد أن تعطينا بأسرارها وأنوارها هل هي شيء نزل عليك بطريق الوحي، أم هي مما جاء به النبي ﷺ وأذن الله ورسوله فيها لجميع المسلمين؟ فلا يسعه إلا أن يقول: هي مما جاء به النبي ﷺ فيقال: إذا أنت كاذب ومحتال! فما أعطانا الله ورسوله منذ قرابة ١٤٠٠ سنة لا يمكن إعطاؤه ولا الإذن فيه؛ لأن ذلك من تحصيل الحاصل وهو محال، وقد نصبت هذا الشرك الشيطاني؛ لتستعبد الناس وتبتز أموالهم وتفسد عليهم دينهم. الخامس: وهو الطامة الكبرى: أنه يقول لهم: تخيلوا صورتي عند ذكر الورد، وتخيلوا عمودًا من النور يخرج من قلبي ويدخل قلوبكم، وهذا كفر، لأن تنوير القلوب لا يقدر عليه إلا الله، وليس مقصودي أن أحصي شرور شيوخ الطرائق فإنها لا تحصى (٢)، ولكني أشرت إلى شيء منها.

стр. 616

الباب الخامس قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. قال القاسمي في «تفسيره» (١): «﴿قُلْ﴾ أي: لهؤلاء المشركين والكافرين من أهل الكتاب ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: خصصت بالوحي وتميزت عنكم به ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: يخاف المصير إليه أو يأمل لقاءه ورؤيته أو جزاءه الصالح ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ أي: في نفسه لائقًا بذلك المرجو، وهو ما كان موافقًا لشرع الله ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أي: من خلقه إشراكًا جليًا، كما فعله الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه، ولا إشراكًا خفيًا كما يفعله أهل الرياء، ومن يطلب به أجرًا من المدح وتحصيل المال والجاه». قال (ك): «﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: ثوابه وجزاءه الصالح ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ أي (٢): كان موافقًا لشرع الله ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصًا لله صوابًا على شريعة رسول الله ﷺ ، ويروى أن رجلًا جاء إلى عبادة بن الصامت، فقال: أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلًا يصلي ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، فقال عبادة: ليس له شيء، إنَّ الله تعالى يقول: أنا خير شريك فمن كان له معي شريك فهو له كله، لا حاجة لي فيه» (٣).

стр. 617

سورة مريم الباب الأول قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٧]. قال القاسمي في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾: «أنطقه الله بذلك أولًا تحقيقًا للحق في شأنه، وتنزيهًا لله تعالى عن الولد ردًا على من يزعم ربوبيته وبنوته ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ أي: الإنجيل، ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ أي: كثير الخير، حيثما وجدت أبلغ وحي ربي لتقويم النفوس وكبح الشهوات والأخذ بها هو مناط السعادة (١) والتعبير بلفظ الماضي في الأفعال الثلاثة إما باعتبار ما سبق في القضاء (٢) المحتوم أو جعل الآتي لا محالة كأنه وجد ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ أي: أمرني بالعبادة وإنفاق المال مدة حياتي ﴿وَبَرًا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أي: مستكبرًا عن طاعته وأمره. ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ﴾ أي: الذي فصلت نعوته الجليلة، وخصائصه الباهرة ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أي: لا ما يصفه به النصارى وهو

стр. 618

تكذيب لهم فيما يزعمونه على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني حيث جعله موصوفًا بأضداد ما يصفونه، ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣٥) أي: ومن هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٠]، ثم أشار إلى تتمة كلام عيسى من الأمر بعبادته تعالى وحده بقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٣٦) أي: قويم، من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوي» (١). فصل قال محمد تقي الدين: الشاهد هنا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ فلا يعبد إلا الله، فمن عبد الملائكة أو الأنبياء كعيسى بن مريم، أو الصالحين كأمه كمن عبد الشياطين، فهو مشرك وفي الأناجيل الأربعة أدلة صريحة صرح فيها عيسى بأنه عبد الله وأن الله ربه وإلهه، انظر كتابي: «البراهين الإنجيلية على أن عيسى داخل في العبودية وبريء من الألوهية» (٢).

стр. 619

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 620

الباب الثاني قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٥٠] قال (ع): «يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ واتله (١) على قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن، الذين هم من ذريته، ويدعون أنهم على ملته وقد ﴿كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ مع أبيه كيف نهاه عن عبادة الأصنام، فقال: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ أي: لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررًا ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ (٢)، وإن كنت من صلبك، وتراني أصغر منك لأني ولدك، فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه ولا جاءك بعد ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ أي: طريقًا مستقيمًا موصلًا إلى نيل المطلوب والنجاة من المرهوب ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ أي: لا تطعه في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى ذلك والراضي به، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠]. وقال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا

стр. 621

(٦٧)﴾ [النساء: ١١٧] وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ أي: مخالفًا مستكبرًا عن طاعة ربه، فطرده وأبعده فلا تتبعه تصر مثله ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أي: عذاب (١) شركك وعصيانك لما أمرك به ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ يعني: فلا يكون لك مولى ولا نصيرًا ولا (٢) مغيثًا إلا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ الآية، يقول تعالى مخبرًا عن جواب أبي إبراهيم لولده (٣) فيما دعاه إليه أنه (٤): ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي﴾ يعني أما (٥) تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك، اقتصصتُ منك وشتمتك وسببتك، وهو قوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قاله ابن عباس والسدي وغيره (٦). وقوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال ابن عباس وغير واحد: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: سويًا سالمًا قبل أن تصيبك مني عقوبة (٧) فعندها قال إبراهيم لأبيه ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ كما قال تعالى في صفة المؤمنين: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] ومعنى قول إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ يعني: أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى، وذلك لحرمة الأبوة ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ (٨)

стр. 622

ولكن سأسأل الله فيك أن يهديك ويغفر ذنبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال ابن عباس وغيره: لطيفًا (١)، أي: في أن هداني لعبادته والإخلاص له» (٢). وقال صاحب «اللسان»: «وحفا بالرجل حفاوة وحفاوة وحفاية وتحفى به واحتفى بالغ في إكرامه»، ثم قال: «وحَفِي الله بك، في معنى أكرمك الله» (٣). «وقد استغفر إبراهيم ﷺ لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام، وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق ﵇، في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم (٤) من المشركين في ابتداء الإسلام» (٥). قال محمد تقي الدين: أنزل الله تعالى من سورة التوبة: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣، ١١٤] وقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله، ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له، ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ وعسى هذه موجبة لا محالة، فإنه ﵇ سيد الأنبياء بعد محمد ﷺ . ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، قال (ك): يقول تعالى: فلما اعتزل الخليل أباه وقومه (٦) بدله الله من هو خير منهم، وهب (٧) له إسحاق ويعقوب، يعني: ابنه وابن إسحاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] وقال: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] ولا خلاف أن إسحاق والد يعقوب وهو نص القرآن في سورة البقرة ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ

стр. 623

الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] ولهذا إنما ذكر ههنا إسحاق ويعقوب، أي: جعلنا له نسلًا وعقبًا أنبياء أقر الله بهم عينه في حياته ولهذا قال: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ فلو لم يكن يعقوب قد نبئ في حياة إبراهيم لما اقتصر عليه ولذكر ولده يوسف فإنه نبي أيضًا، كما قال رسول الله ﷺ ، في الحديث المتفق على صحته، حين سئل عن خير الناس؟ فقال: «يوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله» (١)، وفي اللفظ الآخر (٢): «أنا الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم». وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣): يعني: الثناء الحسن، وكذا قال السدي ومالك بن أنس وقال ابن جرير (٤): «إنما قال: عَلِيًّا لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم، ويمدحونهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» (٥). فصل قال محمد تقي الدين في هذا الكلام فوائد: الأولى: إن العرب الشماليين كانوا ينتسبون إلى إسماعيل وإبراهيم، ويعظمونهما، فأمر الله سبحانه نبيه محمدًا ﷺ ، أن يحتج عليهم بما صنع إبراهيم مع أبيه حين دعاه إلى التوحيد فأبى، فكانت العاقبة لإبراهيم وذريته، وكانت عاقبة أبيه آزر لما أصر على الشرك، الخسران المبين. الثانية: كل من عبد غير الله تعالى من الأصنام، والأوثان، والقباب، والغائبين، والأموات، وغير ذلك من المعبودات، فإنه يعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئًا، لأن الذي يسمع جميع الأصوات ويبصر جميع المبصرات في

стр. 624

كل مكان، وفي كل وقت، هو الله وحده لا شريك له، والذي يغني أي: ينفع ويضر هو الله وحده لا شريك له، فمن عبد غيره فهو خاسر في الدنيا والآخرة. الثالثة: المراد بالعلم هنا هو الوحي، فإن الله أوحى إلى خليله إبراهيم وعلمه التوحيد وأمره بالدعوة إليه، فمن جاءه الوحي وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فهو حجة عليه، سواء أكان الذي جاء به صغيرًا في السن أو كبيرًا، متقدمًا في الزمان أو متأخرًا، والمشركون الأولون والآخرون يخالفون هذا، فالأولون قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] وقالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٧، ٨] وقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، وأمر الله رسوله ﷺ أن يقول: ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥] وقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣، ٤٤]، والمشركون والمبتدعون المتأخرون يقولون مثل ذلك: لم نزل نرى العلماء ونسمع حديثهم، وما أحد منهم قال لنا: لا تبنوا القباب على قبور الصالحين، ولا تذبحوا لهم، ولا تنذروا لهم، ولا تستغيثوا بهم، ولا تقيموا لهم مواسم وأعيادًا، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] فأشبه المشركون المتأخرون المشركين المتقدمين في أقوالهم وأفعالهم وعداوتهم للتوحيد واتباع السنة، كما قال تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨]. الرابعة: إن كل من عبد غير الله تعالى فهو عابد للشيطان، ولو عبد الملائكة والأنبياء. الخامسة: إن كل من أصر على الشرك يمسه عذاب من الرحمن في كل زمان ومكان، ولا يجد لنفسه وليًا ولا نصيرًا. السادسة: إن المشركين في كل زمان ومكان إذا رأوا إمامًا مصلحًا يدعوهم إلى توحيد الله تعالى وترك عبادة آلهتهم وقال لهم: إن الهتكم لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع دعاءكم ولا تستجيب لكم، ولو سألتموها شربة ماء ما قدرت أن تعطيكم قطرة واحدة، قالوا: هذا يسب آلهتنا وينتقصها، كما قال أبو إبراهيم لإبراهيم، وكما قالت قريش لمحمد رسول الله ﷺ ، وكما يقول المشركون اليوم إذا قيل لهم: هذه القباب التي بنيتموها على القبور وصرتم تعبدونها بالذبح والنذر.

стр. 625

والاستغاثة والدعاء، كل ذلك يوجب غضب الله عليكم، كما قال النبي ﷺ ، فيما رواه مالك في «الموطأ»: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١). يقولون: هذا يسب الأولياء ويتنقصهم. والأولياء قسمان: أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، فأولياء الرحمن: يكرهون بناء القباب على القبور، ويكرهون عبادتها، فإذا نهينا الناس عن البناء على القبور وعبادتها فإن عملنا هذا يحبه الله ورسوله ويحبه أولياء الرحمن - وهم: المؤمنون - وإنما يكرهه أولياء الشيطان، ونحن لا نخافهم ولا نبالي ببغضهم، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥] أي: يخوفكم أولياءه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. السابعة: من سفاهة عقول المشركين في كل زمان ومكان، أنهم يزعمون أن آلهتهم تتصرف في السموات والأرض، وتحيي وتميت، وتغني وتفقر، فإذا جاءهم نبي، أو أتباع نبي، وقالوا لهم: إن آلهتكم لا تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا تمنع يغضبون، ولا يتركون الانتقام لتلك الآلهة، بل يعينونها بأيديهم وألسنتهم، ولم يشعروا أن هذا اعتراف منهم بعجزها، فآزر أبو إبراهيم أراد أن ينتقم لآلهته من إبراهيم، ولم يكتف بانتقامها هي؛ لسفاهة رأيه وتناقضه. ولما حججت أول حجة سنة ١٣٤١ هـ في زمان الشريف حسين، لقيت رجلًا من بلادنا، فيلاليًا من الغرفة، فدعاني للعشاء، وكان بوابًا للملك حسين، فجاءني بطعام ملكي رفيع وقال لي: يا ولد احفظ دينك وعقيدتك، فإن بلاد المشرق فيها عقائد كثيرة، وأكثرها ضلال، أما بلادنا المغرب فعقيدتهم واحدة على مذهب أهل السنة والجماعة، ومن أغرب هذه الفرق وأعجبها فرقة تسمى (الوهابية) (٢)! وهم في شرق مملكة الحجاز، مجاورون لهذه المملكة، فهؤلاء يكرهون النبي، ولا يحبون أن يسمعوا اسمه، وإذا سمعوه غضبوا وقتلوا من ذكره لهم، وهم لا يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله كما نقول نحن، بل يقولون بدل محمد رسول الله: لا إله إلا الله مالك يوم الدين، فأظهرت له التعجب، ولم يدر أنني من هذه الفرقة!!

стр. 626

وبعد ذلك بقليل استولى الملك عبد العزيز بن سعود على الحجاز، ولما حججت الحجة الثانية، سنة ١٣٤٥ هـ، أنزلني الملك عبد العزيز - رحمة الله عليه - في دار الضيافة، فبحثت عن ذلك الرجل الفلالي، فوجدته ودعوته إلى دار الضيافة الخاصة بي، فتغدى معي، فعرف حينئذ أنه لما كان ينصحني كان مخطئًا مغفلًا، فسكت وكتم ما في نفسه. فلما تغدينا ذهبنا إلى المسجد الحرام، فوجدنا الشيخ عبد الظاهر أبا السمح (١) جالسًا على الحصباء، وهو إمام المسجد الحرام وخطيبه، وسلمت عليه وجلست معه، فلما جلس رفيقي قال: يا رسول الله!! فقال الشيخ عبد الظاهر: قل: يا الله، فقال: ما أقول: إلا يا رسول الله، يا رسول الله، يا رسول الله، اقطع رأسي إن قدرت، أنا قلت: يا رسول الله أمام الأمير محمد أخي الملك عبد العزيز، ثم التفت إليَّ، وقال: هذا الشر كله ما أصابني إلا بسببك! لا أرافقك أبدًا! فتبعته وصرت أتلطف معه لعل الله أن يهديه فهرب ولم أره بعد ذلك. وحدثني الشريف محمد من أهل مكة في تلك السنة نفسها سنة ١٣٤١، قال لي: كنت مسافرًا من المدينة إلى مكة، وكان صاحب البعير الذي أركبه نجديًا وهابيًّا، فركب خلفي ليستريح فتنهدت وقلت: يا رسول الله، فلطمني لطمة أفقدتني صوابي وكدت أسقط من ظهر البعير، وقال لي: يا حمار ما تقول: يا الله؟! قال: فسكت على مضض. ولما وصلت إلى مكة ودخلت بيتي تركته على الباب ينتظر الكراء، فجاءني أولادي يسلمون علي، فقلت لهم: يا أولادي! إنَّ هذا النجدي الذي عند الباب لطمني لطمة ما أصبت بمثلها في عمري كله، لا معلم المكتب، ولا والدي، ولا أحد لطمني مثل تلك اللطمة، فأحضروا عصيًّا، وقالوا له: ادخل، فلما دخل ضربوه حتى طاب خاطري وكففتهم عنه، فقلت له: أيها الشرقي، هذا جزاء اللطمة التي لطمتني. وينبغي أن أنبه هنا على أن ذلك الأخ النجدي مع حسن نيته ارتكب خطأ، فهو يعلم أن الملك حسينًا كان يعادي أهل نجد، وقد منعهم من الحج اثنتي عشرة سنة، فكان ينبغي له أن يتلطف مع ذلك الرجل، ويقول له: يا أخي صل.

стр. 627

عَلَى النَّبِيِّ وَاسْأَلْ حَاجَتَكَ مِنَ اللَّهِ وَاسْتَغِثْ بِهِ وَحْدَهُ، وَتَوَسَّلْ إِلَى اللَّهِ بِمَحَبَّةِ النَّبِيِّ وَاتِّبَاعِ النَّبِيِّ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى أَنْ يُدْعَى مَعَهُ غَيْرُهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَنَا وَلَهُ. الثَّامِنَةُ: لَمَّا دَعَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ أَبَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهِ وَغَضِبَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَتَوَعَّدَهُ بِالْعِقَابِ اعْتَزَلَهُ، أَيْ: تَبَرَّأَ مِنْهُ وَمِنْ دِينِهِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُوَحِّدِ إِذَا دَعَا أَقَارِبَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَامْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِهِ أَنْ يُعْلِنَ بَرَاءَتَهُ مِنْ شِرْكِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَوِّضُهُ خَيْرًا مِنْهُمْ، كَمَا عَوَّضَ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَبِالْمَالِ الْكَثِيرِ، وَسَتَأْتِي زِيَادَةٌ عَلَى هَذَا فِي (سُورَةِ الْمُمْتَحَنَةِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ. الباب الثالث قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢]. قَالَ (ك): «يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْكُفَّارِ الْمُشْرِكِينَ بِرَبِّهِمْ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ (١) آلِهَةً لِتَكُونَ تِلْكَ الْآلِهَةُ عِزًّا يَعْتَزُّونَ بِهَا وَيَسْتَنْصِرُونَهَا (٢)، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا، وَلَا يَكُونُ مَا طَمِعُوا، قَالَ: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ أَيْ: بِخِلَافِ مَا ظَنُّوا فِيهِمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: تقرر وتكرر في كتاب الله تعالى أن الآلهة أي: كل من عبد من دون الله يتبرأ من عابديه يوم القيامة، ويكون عدوا لهم كعيسى بن مريم والملائكة، وسيأتي مزيد على هذا إن شاء الله في (سورة سبأ)، وفي (سورة فاطر)، وفي (سورة الأحقاف).

стр. 628

سورة طه الباب الأول بسم الله الرحمن الرحيم ﴿طه (١) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ١ - ٨] قال (ى): «قد (١) تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وقال جويبر عن الضحاك: لما أنزل الله القرآن على رسوله ﷺ ، قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى، فأنزل الله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ (٢). فليس الأمر كما زعمه المبطلون، بل من آتاه الله العلم فقد أراد به خيرًا كثيرًا، كما ثبت في «الصحيحين» عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : «من

стр. 629

يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين (١). ما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم في ذلك، حيث قال بسنده عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي» (٢). إسناده جيد، (وثعلبة بن الحكم) هذا، هو: (الليثي) ذكره أبو عمر في «استيعابه» (٣) وقال: «نزل البصرة، ثم تحول إلى الكوفة، وروى عنه سماك بن حرب». وقال قتادة: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ لا والله ما جعله شقاء ولكن جعله رحمة ونورًا ودليلًا إلى الجنة، ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ إن الله أنزل كتابه وبعث رسوله (٤) رحمة رحم بها عباده، ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر أنزل الله فيه حلاله وحرامه، وقوله: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ أي: هذا القرآن الذي جاءك يا محمد هو (٥) تنزيل من ربك (٦) رب كل شيء ومليكه القادر على ما يشاء، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السموات العلى في ارتفاعها ولطافتها. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف، بما أغنى عن إعادته أيضًا، وإن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف، إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف، ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل، وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا

стр. 630

بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ أي: الجميع في ملكه وفي قبضته وتحت تصرفه (١) ومشيئته وإرادته وحكمه، وهو خالق ذلك ومالكه وإلهه لا إله سواه ولا رب غيره، وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ المراد بالثرى: الأرض (٢). وقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال البيضاوي (٣): أي: وإن تجهر بذكر الله ودعائه فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه سبحانه يعلم السر وأخفى منه، وهو ضمير النفس وفيه تنبيه على أن شرع الذكر والدعاء والجهر فيهما ليس لإعلام الله، بل لتصوير الذكر في النفس (٤) ورسوخه فيها، ومنعها عن الاشتغال بغيره وهضمها بالتضرع. وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ «أي: الذي أنزل عليك القرآن هو (٥) الذي لا إله إلا هو، ذو الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة (الأعراف) ولله الحمد والمنة» (٦). قال محمد تقي الدين: وها أنا ذا أذكر شيئًا مما ذكره الحافظ (ك) مما يتعلق بالأسماء الحسنى في سورة الأعراف: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر»، أخرجاه في «الصحيحين» (٧). ثم ذكر أن الترمذي رواه في «جامعه» (٨)، وزاد ذكر الأسماء التسعة

стр. 631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 633

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 634

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →