والتسعين وقال: «حديث غريب»، ثم رجَّح أن ذكر الأسماء مدرج من كلام بعض الرواة ولا يصح رفعه إلى النبي ﷺ ، ثم قال: «إن أسماء الله [غير] (١) منحصرة في [تسعة وتسعين]» (٢)، واستدل على ذلك بالحديث الذي رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٣)، عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «ما أصاب أحدًا
стр. 637
قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحًا فقيل: يا رسول الله أفلا نتعلمها؟ فقال: «بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها» (١).
فصل
قال محمد تقي الدين: أسماء الله توقيفية، لا يجوز لنا أن نسمي الله تعالى إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ ، وفي هذا الكلام فوائد: الأولى: إن الجهال في كل زمان ومكان يظنون أن عبادة الله تعالى شقاء، لما فيها من تعب الأجسام بزعمهم، والصبر على الآلام في الحر والقر والجهاد في سبيل الله وما يترتب عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأذى في الله، هذا من بلادتهم وغلظ طبعهم، فإن كل من أحب شيئًا يتلذذ بتحمل الأذى في سبيله، كما قال المتنبي (٢):
فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالْحَيَاةُ مَرِيرَةٌ … وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيْتَ الَّذِي بيني وَبينك عامر … وَبيني وَبينَ الْعَالَمِينَ خَرَابُ
على أن الله جعل العاقبة للمتقين والفوز والنصر لهم، وجعل للمجاهدين إحدى الحسنيين، كما قال تعالى في سورة التوبة ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] وروى مسلم في «صحيحه».
стр. 638
من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «عجبًا للمؤمن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر الله عليها فكان له خير، وإن أصابته ضراء صبر عليها فكان له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن» (١). أو كما قال ﵊.
فلذلك قال المشركون من أهل مكة لما رأوا النبي ﷺ وأصحابه يقومون بالليل يصلون ويتهجدون بالقرآن، قالوا من جهلهم: أنزل هذا القرآن لشقاء محمد وأصحابه، فرد الله عليهم بقوله: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ (٢).
الثانية: إن كل من رزقه الله القرآن وحفظ ألفاظه ولم يتدبره ولم يعمل به بل تأكل به أو سحر به أو قرأه رياء وسمعة وافتخر به، فإنه يكون شقاء عليه ووبالًا.
الثالثة: المراد بالفقه في الدين: فهم معاني الكتاب والسنة، إذ هو الذي كان يسمى فقهًا، في خير القرون قرن النبي ﷺ ، والذي يليه، والذي يليه، أما الفروع المولدة أو المستنبطة بلا دليل فليس ذلك بفقه.
قال أبو عمر بن عبد البر ﵀ في قصيدته التي ذم بها المقلدين، وذكرها في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» (٣):
لا فرقٌ بين مُقَلَّدٍ وبهيمةٍ … تنقادُ بين جنادلَ ودعائر
فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة الـ … مبعوثُ بالدين الحنيف الطاهر
وإذا الخلاف أتى فدونكَ فاجْتَهِدِ … ومعَ الدَّليلِ فمِلْ بفهم حاضر
وقس الفروع على الأصول ولا تَقِسْ … فرعًا بفرع كالجهول الحائر
والفرق بين قياس الفروع على الأصول وقياس الفروع على الفروع، هو: إن الأول قياس شيء غير مذكور في الكتاب والسنة على شيء مذكور فيهما، لوجود الشبه التام بينهما، كقياس الأرز في إخراج صدقة الفطر على البر والشعير، فإن القوت والادخار (٤) يحصلان في الأصل الذي هو البر والشعير،
стр. 639
وفي الفرع الذي هو الأرز، فلا نشك في أن الشارع لما ذكر الأنواع التي تخرج منها وهي البر، والشعير، والزبيب، والأقط - وهو اللبن المخيض بعد تجفيفه - ما أراد هذه الأشياء لذاتها، وإنما ذكرها لما فيها من التغذية، فكل ما أشبهها في ذلك فهو مثلها، فهذا قياس الفرع على الأصل. أما قياس الفرع على الفرع، فهو أن يفتي شخص غير معصوم باجتهاده في مسألة لتحليل أو تحريم، فيجيء المقلد ويجد شيئًا مشابهًا لما أفتى به ذلك المجتهد فيقيسه عليه بلا دليل من الكتاب والسنة (١).
стр. 640
الرابعة: قوله (١): «وقعد على كرسيه»، مذهب السلف الإيمان بمثل هذا مع تنزيه الله تعالى من مشابهة المخلوقين، وسيأتي كلام (ك) في هذا المعنى.
الباب الثاني
قوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٣ - ١٥]
قال محمد تقي الدين: طالعت كل ما عندي من «التفاسير» لأجد تفسيرًا تطمئن نفسي إليه في قوله تعالى: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ فلم أجد شيئًا، ثم طالعت كتب اللغة فلم أحصل على طائل (٢)، والأمر المهم في إيراد هاتين الآيتين هو الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ على توحيد الله تعالى في عبادته، فكل من صرف شيئًا من العبادة لغير الله تعالى، فقد اتخذ ذلك الشيء إلهًا مع الله، كأن يستغيث بغير الله أو يذبح لغير الله ولو مرة في عمره، وإن لم يفعل ذلك ورضي به ولم ينكره ولم يتبرأ منه، فهو كفاعله، أما قوله تعالى: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ فأحسن ما قيل في تفسيره: أريد أن أخفيها، و (كاد) بمعنى (أراد) موجود في لغة العرب، قال الشاعر (٣):
стр. 641
والبيت لا يبتنى إلا بأعمدة … ولا عمود إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمع أوتاد وأعمدة … وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
(فكادوا) هنا أرادوا، قاله صاحب «اللسان» (١). والقول الثاني: «إنها صلة لا تدل على شيء، وهذا مرجوح (٢). وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ أي: بما تعمل كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التحريم: ٧] وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ الخطاب لموسى يعني: اخترتك لكلامي ورسالتي، فهو كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤].
الباب الثالث
قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ
стр. 642
رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى﴾ ﴿يرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا﴾ ﴿تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي﴾ ﴿خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قَالَ فَمَا﴾ ﴿خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ ﴿مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ﴾ ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ﴾ ﴿تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ﴾ ﴿فِي الْيَمِ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ﴾ ﴿كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٨٨ - ٩٨]
قال محمد تقي الدين: المهم في ذكر هذه الآيات، ذكر إنكار موسى على السامري ومن اتبعه من قوم موسى في اتخاذهم العجل الذهبي إلها من دون الله، مع أنه لا يتكلم ولا يسمع ولا يجيب سائلًا، وخواره ليس بكلام كالخوار الذي يفعله المتأخرون من أدعياء التصوف وأصحاب الطرائق القدد، ويكذبون على الله والناس، فيسمون ذلك الخوار ذكر الله (١)، وقد أجمع أهل الأديان، وسائر العقلاء على أن ذكر الله لا بد أن يكون بلغة من اللغات، وأن يكون له معنى يفهمه الذاكر والسامع، وعباد القبور والأضرحة والقباب المزخرفة، شر من عُباد العجل، لأن العجل له خوار، وتلك الأضرحة ليس لها خوار، والفريقان كلاهما مشرك بالله، وعباد القبور وعباد عجل السامري شر من الوثنيين من أهل الهند الذين يعبدون البقرة الأنثى، لأن البقرة فيها حياة حقيقية وينتفع الناس بلبنها
стр. 643
وأولادها، وكل من عبد غير الله محروم من نعمة العقل، وقد ذكر المفسرون في هذه القصة أشياء كثيرة من الخوارق، ونقل الرازي في «تفسيره» عن أبي مسلم إنكار ذلك، وإنكاره ينحصر في أمور (١):
الأول: إن عجل السامري لم تكن فيه حياة، والخوار كان يسمع بسبب دخول الريح من منافذه وخروجها.
والثاني: إن قول السامري: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾، ليس معناها أنه أخذ قبضة من تراب حافر فرس جبريل، وإنما هي قبضة معنوية من شريعة الرسول موسى ﵇، ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ تركتها وكفرت بها، وعلل ذلك بعلل تركت ذكرها اختصارًا.
الثالث: إن قوله: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ يعني: أن موسى السامري حرمه الله من مخالطة الناس عقابًا له في الدنيا وعذاب الآخرة أكبر، وختمت الآيات بقول هارون: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فلا خير في إله لا يتكلم ولا يعلم، والمعتزلة والمتأخرون من الأشعرية، ينفون الكلام عن الله تعالى وخطؤهم في ذلك واضح، وقد اتفقت الفرقتان على أن القرآن ليس كلام الله، ثم تفرقتا في تأويل ذلك، فقالت المعتزلة: القرآن حروف وأصوات خلقها الله في الهواء، وقالت الأشعرية: القرآن حروف وأصوات تصدر من الناس، وتدل على معنى الكلام النفسي الذي ليس فيه حرف ولا صوت، وهذا الكلام النفسي شيء اخترعوه لا وجود له في الحقيقة، وقد شبهوا كلام الله بحديث النفس الذي يخطر في بال الإنسان، ويدور في خلده قبل أن يتكلم به، وهذا لا يسمى كلامًا إلا بقرينة، كأن يقول الرجل: قلت في نفسي.
والقرآن والحديث صريحان في نفي هذا الباطل، وأما القرآن: فقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فكلام الله هنا هو القرآن، وإنما يسمعه ذلك المستأمن من لسان الرسول ﷺ وأما الحديث، فقول النبي ﷺ : «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان» (٢). فبطل ما زعموه والله الحمد.
стр. 644
سورة الانبياء
الباب الأول
فقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢١ - ٢٩].
قال (ك): ينكر تعالى على من اتخذ من دونه آلهة، فقال: ﴿أَمْ (١) اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ أي: أهم يحيون الموتى وينشرونهم من الأرض؟ أي: لا يقدرون على شيء من ذلك، فكيف جعلوها الله ندًا وعبدوها معه؟! ثم أخبر تعالى أنه لو كان في الوجود آلهة غيره لفسدت السموات والأرض، فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ أي: في السموات (٢) والأرض، ﴿لَفَسَدَتَا﴾ كقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وقال ههنا: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا
стр. 645
يَصِفُونَ أي عما يقولون أن له ولدًا أو شريكًا (١) وتقدس وتنزه عن الذي يفترون ويأفكون علوًّا كبيرًا.
وقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ أي: هو الحاكم الذي لا معقب لحكمه ولا يعترض عليه أحد لعظمته وجلاله وكبريائه وعلمه وحكمته وعدله ولطفه ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ أي: هو سائل خلقه عما يعملون، كقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، وهذا (٢) كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]». وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ إلى قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ قال (ك): «يقول تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ قل: يا محمد ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي دليلكم على ما تقولون ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ يعني: القرآن ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يعني: الكتب المتقدمة على خلاف ما تقولونه وتزعمونه (٣)، فكل كتاب أنزل على كل نبي أرسل ناطق بأنه لا إله إلا هو (٤) ولكن أنتم أيها المشركون لا تعلمون الحق، فأنتم معرضون عنه ولهذا قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] فكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والفطرة شاهدة بذلك أيضًا، والمشركون لا برهان لهم، ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦]».
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ الآية، قال (ك): «يقول تعالى ردًا على من زعم أن له تعالى وتقدس ولدًا من الملائكة كمن قال ذلك من العرب، أن الملائكة بنات الله، فقال: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أي: الملائكة عباد الله مكرمون عنده في منازل عالية ومقامات سامية، وهم له في غاية الطاعة قولًا وفعلًا ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يتقدمون بين يديه بأمر ولا يخالفونه فيما أمرهم (٥) به، بل يبادرون إلى فعله، وهو
стр. 646
تعالى علمه محيط بهم، فلا يخفى عليه منهم خافية، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] في آيات كثيرة في معنى ذلك ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ﴾ أي: من خوفه ورهبته ﴿مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من ادعى منهم أنه إله من دون الله أي مع الله ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ أي: كل من قال ذلك، وهذا شرط والشرط لا يلزم وقوعه كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]» (١).
فصل
قال محمد تقي الدين: نفهم من هذا الكلام أمورًا:
الأول: إن الله أنكر على المشركين اتخاذهم من دون الله آلهة مع أن تلك الآلهة مخلوقة لا خالقة ومتصرف فيها لا متصرفة، فلا تستطيع أن تخلق ذبابًا ولو اجتمعت له، ولا تستطيع أن تميت حيًّا ولا أن تحيي ميتًا، فعيسى والملائكة ومن عبد من الأنبياء والصالحين مخلوقون مربوبون لا ينفعون ولا يضرون، فمن عبدهم خاسر في الدنيا والآخرة، وسيقول المشرك الجهول: نحن لا نتخذ الصالحين آلهة ولا نعبدهم!
وقد تقدم الرد على هذا الادعاء في مواضع كثيرة، ونزيد هنا فنقول: لو علمتم معنى لا إله إلا الله لعلمتم معنى العبادة، ولأقررتم بأنكم اتخذتم آلهة من دون الله وعبدتموهم، فإن كل من عبدته فقد اتخذته إلها، والعبادة ما يتقرب به إلى الله تعالى كالدعاء والاستغاثة والاستعانة بغير طريق الأسباب، والخوف بالغيب والرجاء والتوكل والذبح والنذر وجعل التحليل والتحريم لهم إلى غير ذلك.
الثاني: في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ واضح، فتوحيد النظام يدل على وحدة المنظم، ووحدة الخط وتناسقه يدلان على وحدة
стр. 647
الكاتب، وهكذا يقال في جميع الصنائع، ولله المثل الأعلى.
الثالث: في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ كل من عبد غير الله تعالى فهو فاسد العقل، مختل المزاج، لا يستطيع أن يقيم دليلًا على ما ارتكبه من الشرك فيلتجئ إلى قوله: إنا وجدنا آباءنا على هذا وقد كانوا أحسن منا، وهذه حجة داحضة، وهي حجة المشركين في كل زمان ومكان.
الرابع: في قوله تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ وسيأتي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠]، وقال تعالى في سورة الزخرف ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] والمشركون والمقلدون في هذا الزمان يقولون: إن القرآن لا يستطيع أحد أن يفهمه، لأن صوابه خطأ، وخطأه كفر (١)، قالوا: وحسبنا كتب
الفقه، فإنها مخضت القرآن والحديث وأخذت زبدتهما، ويعنون بكتب الفقه كتب الفروع المشتملة على الأخطاء الكثيرة، ومخالفة الكتاب والسنة، والآيات المذكورة وما في معناها حجة عليهم لو كانوا يعقلون، وما أحسن قوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
الخامس: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ينفي الشفاعة الشركية ويثبت الشفاعة التوحيدية، وهي التي تكون بعد رضى الله تعالى عن عقيدة المشفوع له وإذنه للشافع.
الباب الثاني
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِنْ دُونِنَا لَا
стр. 651
يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٢، ٤٣]
قال (ك): «يقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أي: بدل الرحمن، يعني: غيره، كما قال الشاعر (١):
جارية لم تلبس المُرَقَّقا … ولم تذق مِنَ البقول الفُسْتُقا
أي: لم تذق بدل البقول الفستق، وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: لا يعترفون بنعمة الله عليهم وإحسانه إليهم، بل يعرضون عن آياته وآلائه، ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِنْ دُونِنَا﴾ استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ، أي: ألهم آلهة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا ولا كما (٢) زعموا، ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ﴾ أي: هذه الآلهة التي استندوا إليها غير الله لا يستطيعون نصر أنفسهم ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ قال قتادة: لا يصحبون من الله بخير» (٣).
فصل
قال محمد تقي الدين: حدثني الثقة - وهو: عمار بن محمد الصائغ - أنه يوجد في نواحي سجلماسة (تافيلالت) قوم من المشركين يجعلون للدجاجلة خراجًا سنويًا فيتكفلون لهم بحفظ أجزاء أجسادهم، أحدهم يضمن له حفظ رأسه من الآفات، فيعطيه عليه أجرًا سنويًا، والآخر يحفظ له يديه، والثالث يحفظ له ما بين يديه ورجليه من ظهر وبطن، والرابع يحفظ له ماله، وهؤلاء الآلهة كل واحد منهم ينتمي إلى صاحب قبة من الأموات المشهورين بالصلاح، وإنما يعتمد في ذلك على جده.
стр. 652
وتوجد قرية اسمها (أولاد يوسف) عندهم خطارة، والخطارة عندهم جدول من الماء ينشأ من مياه آبار متعددة، أولها في مكان عال، وثانيها أسفل منه، والثالث أسفل من الثاني، وهكذا إلى آخر الآبار، ثم يوصل بعضها ببعض ويحفر لها مجرى يجري منه الماء إلى المزارع والبساتين، ولما حفر أجدادهم هذه الخطارة نذروا لصاحب قبة يسمونه سيدي أحمد الحبيب أن يعطوه في كل سنة مقدارًا من المال، ليحفظ لهم هذه الخطارة فلا ينضب ماؤها، وبعد وفاته أخذوا يعطون ذريته ذلك المال المنذور.
وفي هذا الزمان سافر بعض أهل هذه القرية إلى البلدان التي ألقي فيها دروس التوحيد، وعلموا من سماع تلك الدروس أن الماء بيد الله هو الذي يعطيه أو يمنعه، ولا يستطيع أحد من الخلق أن يعطي قطرة أو يمنعها، فقالوا لقومهم: توبوا إلى الله، فإن هذا شرك في الربوبية والعبادة جميعًا، فدعوني لألقي عليهم درسًا في التوحيد لعل الله يهدي إخوانهم ويجمع كلمتهم على توحيده ويستريحون من ذلك الخراج.
فسافرت إلى قريتهم وهي تبعد عن مكناس ٤٥٦ ميلًا، وأعطيتهم درسًا من المغرب إلى العشاء، وأرجو الله أن ينفعهم به (١).
وتوجد قرية أخرى في ناحية السيفة لهم خطارة، وقع لهم مثل ما وقع لقرية أولاد يوسف، وكان رجل منهم يأتي إلى مدينة أرفود ويحضر دروسي في التوحيد، فوحد الله تعالى، ودعا قومه إلى ترك دفع الخراج لذرية صاحب القبة الذي يعبدونه، فأبوا وقالوا له: أنت تريد أن تعرّض نفسك للهلاك، أما نحن فلا نريد ذلك، فقال لهم: أما أنا فلا أدفع فلسًا واحدًا ولا حبة حنطة، ولي نوبة ماء هذه الخطارة - والنوبة عندهم يوم وليلة في كل خمسة عشر يومًا -، فإذا جاءت نوبتي قولوا لمعبودكم يوقف ماء الخطارة عن الجري، أو يجعل ماءها غورًا.
وعندنا في المغرب قبائل لا تعد ولا تحصى من العرب والبربر، يأتيهم أبناء الشيخ الذي يعبدونه في كل سنة، ويأخذون منهم الخراج، سمنًا وصوفًا ودراهم
стр. 653
وَحُبُوبًا، وهم يشاهدون أبناء معبودهم يزنون ويشربون الخمر، ولا تنقص درجة تقديسهم عندهم مثقال ذرة؛ لاعتقادهم أن جدهم يدخلهم الجنة على أي حال كانوا، فنسأل الله تعالى ونتوسل إليه بأسمائه الحسنى، وبتوحيدنا له الذي هدانا إليه بفضله، وباتباعنا لسنة نبيه الكريم، أن يزيدنا هدى ويختم لنا بالحسنى، ويقوينا على الدعوة إلى توحيده، وينقذ بدعوتنا خلقًا كثيرًا، كما فعل سبحانه فيما مضى، بل نريد أكثر من ذلك، والله ذو الفضل العظيم.
الباب الثالث
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٧٠]
قال (ك): «يخبر تعالى عن خليله إبراهيم ﵇ أنه آتاه رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ» أي: من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا
стр. 654
آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ (١) أي: كنا عالمين أنه أهل لذلك، ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ هذا هو الرشد الذي أوتيه من صغره الإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ أي: معتكفون على عبادتها.
وقوله: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال، ولهذا قال: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: الكلام مع آبائكم الذين احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ضلال على غير الطريق المستقيم، فلما سفه أحلامهم وضلّل آباءهم واحتقر آلهتهم ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ يقولون: هذا الكلام الصادر منك (٢) تقوله لاعبًا أو محقًا فيه؟ فإنا لم نسمع به قبلك.
﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أي: ربكم الذي لا إله غيره هو الذي خلق السماوات والأرض وما حوت من المخلوقات التي (٣) ابتدأ خلقهن، وهو الخالق لجميع الأشياء ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: وأنا أشهد أن لا إله غيره ولا رب سواه. وقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾.
قال (ك): «ثم أقسم الخليل قسمًا أسمعه بعض قومه، ليكيدن أصنامهم أي: ليحرصن على أذاهم وتكسيرهم بعد أن يولوا مدبرين (٤)، وكان لهم عيد يخرجون إليه، قال السدي: لما اقترب وقت ذلك العيد، قال أبوه: يا بني لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا، فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه إلى الأرض وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، فجعلوا يمرون عليه وهو صريع، فيقولون: مه، فيقول: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، فلما جاز عامتهم وبقي ضعفاؤهم قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ فسمعه أولئك.
стр. 655
وقوله: ﴿جُذَاذًا﴾ أي: حطامًا كسرها كلها ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ يعني: إلا (١) الصنم الكبير عندهم، كما قال ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣].
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ذكروا أنه وضع القدوم في يد كبيرهم لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غار بنفسه، وأنف أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار، فكسرها ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: حين رجعوا وشاهدوا ما فعله الخليل بأصنامهم من الإهانة والإذلال الدال على عدم إلهيتها، وعلى سخافة عقول عابديها ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: في صنيعه هذا ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: قال من سمعه يحلف أنه ليكيدنهم، ﴿سَمِعْنَا فَتًى﴾ أي: شابًا ﴿يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ قال ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيًا إلا شابًا ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب (٢)، وتلا هذه الآية: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِبْرَاهِيمُ﴾.
وقوله: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ أي: على رؤوس الأشهاد في الملأ الأكبر بحضرة الناس كلهم، وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم ﵇، أن يبين (٣) في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم، وقلة عقلهم في عبادة هذه الأصنام التي لا تدفع عن نفسها ضرًا ولا [تملك] (٤) لها نصرًا، فكيف يطلب منها شيء من ذلك ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ يعني: الذي تركه ولم يكسره ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، وإنما أراد بهذا أن يبادروا من تلقاء أنفسهم فيعترفوا أنهم لا ينطقون [وأن] (٥) هذا لا يَصْدُرُ عن هذا الصنم، لأنه جماد، وفي «الصحيحين» (٦) من حديث
стр. 656
هشام (١) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم ﵇ لم يكذب غير ثلاث، اثنتين (٢) في ذات الله: قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ قال: وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابرة [ومعه سارة] (٣) إذ نزل منزلًا، فأتى الجبار رجل فقال: قد نزل ههنا رجل بأرضك معه (٤) امرأة أحسن الناس، فأرسل إليه، فجاء، فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: [هي] (٣) أختي، قال: فاذهب فأرسل بها إليَّ، فانطلق إلى سارة، فقال: إن هذا الجبار قد سألني عنك، فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، وإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك، فانطلق بها إبراهيم، ثم قام يصلي، فلما أن دخلت عليه فرآها أهوى إليها فتناولها، فأُخِذَ أخذًا شديدًا فقال: ادعي الله لي، ولا أضرك، فدعت له فأرسل، فأهوى إليها فتناولها، فأخذ بمثلها أو أشد، ففعل ذلك الثالثة، فأخذ فذكر مثل المرتين الأوليين، فقال: ادعي الله فلا أضرك، فدعت له: فأرسل، ثم دعا أدنى حجابه، فقال إنك لم تأتني (٥) بإنسان، لكنك (٦) أتيتني بشيطان، أخرجها، وأعطها هاجر، فأخرجت وأعطيت هاجر، فأقبلت، فلما أحس إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته، وقالت: مهيم؟ قال: كفى الله كيد الكافر الفاجر وأخدمني هاجر» (٧).
وقوله تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عن قوم إبراهيم حين قال لهم ما قال: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ﴾ أي: بالملامة في عدم احترازهم وحراستهم لآلهتهم، ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: في ترككم لها مهملة لا حافظ عندها ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ أي: ثم أطرقوا إلى (٨) الأرض فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ
стр. 657
ينطقون﴾ قال قتادة: أدركت القوم حيرة (١) السوء، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ (٢) فكيف تقول لنا: سلوهم إن كانوا ينطقون، وأنت تعلم أنها لا تنطق؟ فعندها قال لهم إبراهيم لما اعترفوا بذلك: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ (٣) أي: أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر؟ فأقام عليهم الحجة وألزمهم بها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] الآية».
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿الْأَخْسَرِينَ﴾ قال (٤): «لما دحضت حجتهم وبان عجزهم، فظهر الحق، واندفع الباطل، عدلوا إلى استعمال جاه ملكهم، فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ فجمعوا حطبًا كثيرًا جدًا، قال السدي: حتى إن كانت المرأة لتمرض وتنذر (٥) إن عوفيت أن تحمل حطبًا لحريق إبراهيم، ثم جعلوه في حومة (٦) من الأرض، وأضرموها نارًا، فكان لها شرر عظيم، ولهب مرتفع، لم توقد نار قط مثلها، وجعلوا إبراهيم ﵇ في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد.
قال البخاري عن ابن عباس أنه قال: «حسبي الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﵇ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] (٧). وقوله تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (٨) أي: المغلوبين الأسفلين؛ لأنهم أرادوا بنبي الله كيدًا، فكادهم الله ونجاه من النار، فغلبوا هنالك.
стр. 658
فصل
قال محمد تقي الدين في قصة إبراهيم ﵇ فوائد:
الأولى: كل موحد وإنْ قَلَّ علمه، يجد حجةً على توحيد الله تعالى يغلب بها أكبر علماء الشرك والتقليد، فمن ذلك أن رجلًا من المشركين في صعيد مصر بالريرمون قال لموحد: أنتم وهابية تنكرون معجزات النبي ﷺ مع أنه حي يصلي في قبره، والأغوات (١) - وهم خدام المسجد النبوي - يضعون له الماء للوضوء قبل كل صلاة، فقال له الموحد: أنت كفرت بإجماع المسلمين، وتنقصت رسول الله ﷺ شر تنقص، لأن الوضوء لا يكون إلا عن حدث والنبي ﷺ منزه عن الحدث بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، فاعترف المشرك، وقال: أستغفر الله، والحكايات في هذا الباب كثيرة.
الثانية: حجة قوم إبراهيم: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ هي حجة المشركين في كل زمان ومكان، وما أحسن جواب إبراهيم ﵇ لقومه، إذ قال لهم: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
الثالثة: إن قوم إبراهيم كانوا يوحدون الله تعالى في ربوبيته، ولذلك لم ينكروا عليه قوله: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وكذلك المشركون في زمان النبي ﷺ كانوا يعترفون ويؤمنون أن الله رب كل شيء ومليكه، والمتصرف فيه، بخلاف المشركين في هذا الزمان الذين اتخذوا من دون الله أولياء، واعتقدوا أنهم يتصرفون في العالم بالإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع والنصر والهزيمة وإنزال المطر، والخصب أو القحط والجدب، فهؤلاء أغلظ كفرًا وشركًا من أولئك (٢).
стр. 659
الرابعة: يجب على كل من قدر على تحطيم ما يعبد من دون الله من القباب والأحجار والأشجار أن يقتدي بخليل الله إبراهيم، ويخليله محمد ﷺ فكل منهما كسر الأصنام، وقد فعل ذلك الإخوان الموحدون ﵏ في الحجاز، فهدموا قبة حمزة ﵁ والقباب التي كانت في البقيع، فجزاهم الله خيرًا وأجزل ثوابهم.
الخامسة: تذكرنا قصة إبراهيم الخليل بمشركي هذا الزمان، فإنهم يبنون قبة على قبر بجانب الوادي، ويعبدون تلك القبة بالذبح والنذر، ويأتي السيل فيجرفها فيعيدون بناءها وعبادتها، ولا يفكرون بعقولهم في أن هذه القبة أو الروح المتلبسة
стр. 660
بها، لو كانت تستطيع أن تدفع أو تجلب لهم خيرًا لدافعت عن نفسها، وصرفت السيل عن القبة وحفظتها منه، ولكن كذلك يطبع الله على قلوب المشركين وما أحسن قول الخليل لهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥، ٩٦].
السادسة: الكذبتان الأوليان كانتا جهادًا في سبيل الله، والكذب في الجهاد واجب على أعداء الله، سعيًا في هلاكهم، وأما الكذبة الثالثة فإنها دفاع عن النفس، واشتغاله بالصلاة التجاء إلى الله تعالى ليحفظ زوجته، فاستجاب الله دعاءه، وأنقذ سارة ورجعت سالمة غانمة، وهاجر هذه هي أم إسماعيل جد النبي ﷺ الأعلى.
السابعة: إن نصر الله للموحدين وإهلاكه للمشركين سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، فإذا لم ينتصر الموحدون، وطال عليهم زمان غلبة أعدائهم فاعلم أن توحيدهم ضعيف، وإيمانهم ناقص، فإن الله وعد كل من نصر دينه الحق بالنصر، فقال تعالى في سورة محمد ﷺ : ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ وقال تعالى في سورة المؤمن: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] اللهم اجعلنا ممن نصر دينك ونصرته.
الباب الرابع
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤]
قال: (ك): «يذكر الله تعالى عن أيوب ﵇ ما كان أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير، وأولاد كثير (١) ومنازل مرضية، فابتلي في ذلك كله وذهب عن آخره ثم ابتلي في جسده - يقال: بالجذام - في سائر بدنه ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه يذكر بهما الله ، حتى عافه الجليس، وأفرد في ناحية من البلد ولم يبق أحد من
стр. 661
الناس (١) يحنو عليه سوى زوجته كانت تقوم بأمره (٢)، ويقال: إنها احتاجت فصارت (٣) تخدم من أجله، وقد قال النبي ﷺ : «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل» (٤)، وفي الحديث الآخر: «يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه» (٥)، وقد كان نبي الله أيوب ﷺ غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك (٦).
فصل
قال محمد تقي الدين: إنما ذكرت قصة أيوب هنا للاستدلال بها على أن الله تعالى لما ذكر لنا قصص الأنبياء وما أصابهم من المحن أخبرنا أنهم توجهوا إليه وسألوه تفريج كربهم وشفاء مرضهم، وإنما حكى لنا ذلك لنقتدي بهم فيما يصيبنا من المصائب، ولا ندعو مخلوقًا ولا نستعين به، فمن دعا المخلوق لتفريج كربه وشفاء دائه، فقد أشرك بالله.
الباب الخامس
قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ
стр. 662
مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٩٠].
قال محمد تقي الدين: رأيت «تفسير (ك)» لهذه الآيات فيه أقوال كثيرة لا غرض لنا بذكرها فأردت أن أفسرها حسب ما فهمته:
قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ … إلخ: ﴿النُّون﴾ هو الحوت، أي: واذكر صاحب الحوت، وهو يونس ﵇، لما ذهب مغاضبًا لقومه، أي: أغضبه قومه، وهم أهل نينوى مدينة قديمة في العراق لا تزال آثارها موجودة بقرب الموصل في شمال العراق، وعندها قرية تسمى بهذا الاسم، وذلك أنه دعاهم إلى توحيد الله وطاعته وطاعة رسوله، فتباطؤوا فغضب عليهم وأوعدهم بعذاب الله، وذهب وتركهم فخافوا وخرجوا من مدينتهم بنسائهم وأطفالهم ومواشيهم، وأخذوا يجأرون إلى الله بالدعاء وتابوا إلى الله تعالى وآمنوا بما جاءهم به يونس فدفع الله عنهم العذاب، قال تعالى في سورة يونس: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].
هذا ما كان من أمر قوم يونس، أما يونس، فإنه وجد قومًا راكبين في سفينة فركب معهم فلما توسطت السفينة في البحر تلاطمت عليها الأمواج ورأى أهلها أنها مثقلة لا بد من إلقاء بعض الركاب في البحر، فاقترعوا (باللغة المغربية: ضربوا العود) فخرج سهم يونس على أنه هو الذي يلقى في البحر، ثم أعادوا الاقتراع فخرج سهمه أيضًا، ثم أعادوه مرة ثالثة، فخرج سهمه للمرة الثالثة فقام وألقى نفسه في البحر، فأمر الله حوتًا كبيرًا أن يبتلعه ولا يضره، كما قال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٨].
стр. 663
يقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى أهل نينوى المدينة التي تقدم ذكرها ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ أي: هرب من قومه لما عصوه وسماه الله آبقًا كما يسمى العبد الذي هرب من سيده؛ لأنه بارح قومه بغير إذن من الله تعالى: ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ السفينة الممتلئة بالركاب ﴿فَسَاهَمَ﴾ أي: اشترك مع أهلها في القرعة ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾، أي: المغلوبين ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: فعل ما يلام عليه، ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ في بطن الحوت بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ أي: لبقي في بطن الحوت ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وكان بطن الحوت قبره، فلا يرجع إلى الحياة إلى يوم القيامة … .
﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أمر الله الحوت أن يلقيه على الأرض بشاطئ البحر ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي: مريض بسبب ابتلاع الحوت له ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ وهو القرع، ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ أي بل يزيدون على مائة ألف، فآمنوا بالله ورسوله يونس، ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي: دفع الله عنهم العذاب بعد ما شاهدوه، وقوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ هو من قدر بمعنى قدر المشدد الدال، يقال: قدر الله عليه كذا وكذا يقدره على وزن ضرب، وهذا الأمر مقدور، ويجمع على مقادير، قال الشاعر:
دع المقادير تجري في أعنتها … ولا تبيتنَّ إلا خالي البال
ما بين غمضة عين وانتباهتها … يغيَّرُ الأمرُ من حال إلى حال
والمعنى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ عقابًا لما بارح قومه بلا إذن، فلما ابتلعه الحوت نادى في الظلمات وهي ثلاث ظلمات، قال ابن مسعود: «ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل» (١)، نادى قائلًا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ توسل إلى الله بتوحيده واعترف بخطئه، وروى الترمذي وغيره عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ قال: «دعوة ذي النون، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له» (٢).
стр. 664
قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: كما أنجينا يونس لما دعا بهذا الدعاء كذلك ننجي كل مؤمن مخلص إذا دعا به، ثم أخبر تعالى أن زكرياء ﷺ لما نادى ربه ولم يكن له ولد يرث علمه وعلم آبائه، فاستجاب الله له وأصلح امرأته وكانت عاقرًا؛ فحملت بيحيى، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ … ﴾ إلى آخره، أي: إن أولئك الأنبياء المذكورين كانوا يسارعون في الخيرات، أي: يبادرون إلى طاعة الله تعالى ويدعونه ﴿رَغَبًا﴾ فيما عنده من الخير، ﴿وَرَهَبًا﴾، أي: خوفًا منه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١) [فاطر: ٢٨].
فصل
قال محمد تقي الدين: وفي ذكر دعوة أيوب، ويونس، وزكرياء، تعليم من الله لنا كيف ندعوه، فإن أحدًا منهم لم يقل: بحق إبراهيم ونوح، بل دعوا الله تعالى متوسلين إليه بتوحيده والتذلل له، وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ أي: خائفين، خاضعين متذللين، والخشوع روح الدعاء، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
الباب السادس
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ
стр. 665
لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٣].
قال محمد تقي الدين الخطاب هنا لمشركي مكة ومن سلك سبيلهم في الشرك بالله، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ يشمل الأوثان والأصنام من قباب أو أحجار وأشجار، ويشمل الطواغيت الذين يدعون الناس إلى عبادتهم أو عبادة غيرهم من المخلوقين، والحصب ما يلقى في النار لتتقد، وقوله: ﴿أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أي: فيها داخلون، لَوْ كَانَ هَؤُلَاء الأصنام والأوثان الهة حقًا، ما دخلوا جهنم ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ العابدون والمعبودون، ﴿لهم فيها زَفِيرٌ﴾ أي: أنين، وتنفس شديد، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ من شدة العذاب.
ولما نزلت هذه الآية جاء عبد الله بن الزبعري إلى النبي ﷺ وجادله فقال: إن بعض العرب يعبدون الملائكة، واليهود يعبدون عزيرًا، والنصارى يعبدون عيسى ابن مريم وأمه، فهل هؤلاء أيضًا يدخلون جهنم؟ فأنزل الله تعالى جوابه (١).
стр. 666
وذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي: كل من عبد من دون الله، ولم يرض بعبادة العابدين، بل دعا إلى توحيد الله مبعد عن النار ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ أي: صوتها ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُم﴾ من النعيم ﴿خَالِدُونَ﴾ باقون إلى الأبد ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ وهو الخوف الذي يحصل للمجرمين عند النفخة الأخيرة في الصور، كما قال تعالى في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: تستقبلهم بالبشرى قائلين لهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدنيا، وكان عبد الله بن الزبعري شاعرًا شديد العداوة للإسلام، ثم أسلم ومدح النبي ﷺ ، فمن ذلك قوله (١):
يا رسول المليكِ إنَّ لِساني … راتق ما فتقتُ إِذْ أَنا بُورُ
стр. 667
إذْ أُجَارِي الشَّيْطَانَ فِي سَنَنِ الغَيِّ … وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَشْبُورُ
معناه: يا رسول مالك يوم الدين، إن لساني اليوم يمدحك ويصلح ما أفسده حين كنت بورًا، أي: هالكًا بالكفر وحين كنت أجاري الشيطان، أجري معه مطيعًا له في طريق الضلال، ومن يمل مع الشيطان ويطعه فهو هالك.
وفي (كتاب التوحيد) من (صحيح البخاري) في حديث رؤية المؤمنين ربهم، ما نصه: «يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت» (١) الحديث.
وهذا يزيد معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ يزيده وضوحًا.
الباب السابع
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨ - ١١٠].
قال (ك): يقول تعالى آمرًا رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن يقول للمشركين: ﴿إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: متبعون على ذلك، مستسلمون منقادون له ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تركوا ما دعوتهم إليه ﴿فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء﴾ أي: أعلمتكم أني حرب عليكم (٢) كما أنكم حرب علي (٣)، بريء منكم كما أنتم (٤) براء مني، كقوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] وقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾ [الأنفال: ٥٨] أي: ليكن علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء، وهكذا ههنا ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾.
стр. 668
أي: أعلمتكم ببراءتي منكم وبراءتكم مني لعلمي بذلك، وقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: هو واقع لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ أي: إن الله يعلم الغيب جميعه، ويعلم ما يظهره العباد وما يسرون، يعلم الظواهر والضمائر ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما العباد عاملون في جهرهم (١) وإسرارهم وسيجزيهم على ذلك على (٢) القليل والجليل» (٣).
فصل
قال محمد تقي الدين: هذا الإسلام الذي طلب منهم هو الإسلام ظاهرًا وباطنًا بالقلب والجوارح واللسان، وهذه السورة مكية ومع ذلك أمر الله رسوله أن يتبرأ من المشركين، فالتوحيد الصحيح لا يقوم إلا على الحب في الله والبغض في الله والولاية الله والعداوة الله (٤).
стр. 669
سورة الحج
الباب الأول
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦].
قال (ك): «هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن (١) عبد غير الله فأشرك (٢) به، من قريش في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بوّأ إبراهيم مكان البيت، أي: أرشده إليه (٣)، وأذن له في بنائه، واستدل به كثير ممن قال: إن إبراهيم هو أول من بنى البيت العتيق، وإنه لم يبن قبله، كما ثبت في «الصحيح» عن أبي ذر، قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: بيت المقدس، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة» (٤)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] [الآيتين] (٥)، وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] وقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار بما أغنى عن إعادته ههنا.
وقال تعالى ههنا: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أي: ابنه على اسمي وحدي ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ قال قتادة ومجاهد من الشرك (٦) ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ
стр. 670
وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي: اجعله خالصًا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطواف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ أي: في الصلاة، ولهذا قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا مختصين به، فالطواف عنده، والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثنى من الصلاة عند اشتباه القبلة، وفي الحرب وفي النافلة في السفر، والله أعلم (١).
فصل
قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام فوائد:
الأولى: إن المسجد الحرام وسائر المساجد الإسلامية إنما تؤسس على توحيد الله تعالى واتباع رسوله، ولا يجوز أن يحدث فيها شرك أو بدعة، فإن ذلك سعي في خرابها، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤]، فكل من أدخل شيئًا من الشرك أو البدعة في بيوت الله يناله هذا الوعيد.
الثانية: كلام الحافظ (ك) ودليله ظاهر في أن أول من بنى المسجد الحرام إبراهيم، وكأن الروايات التي تقول: بأن أول من بناه الملائكة ثم آدم .. إلى آخرها لم تصح عنده.
الثالثة: قوله: «إلا عند اشتباه القبلة»، معناه أن من لم يعرف القبلة لغيم أو ظلمة أو لكونه غريبًا في البلاد، فإنه يختار جهة ويصلي إليها، وإذا تبين أنه أخطأ فلا إعادة عليه، وكذلك المقاتلون في سبيل الله إذا لم يتمكنوا من استقبال القبلة لشغلهم بقتال العدو، يصلون إلى أي جهة تناسب غرضهم الحربي، وكذلك المسافر يجوز له أن يتنفل على دابته أينما توجهت به.