← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي: كل من عبد من دون الله، ولم يرض بعبادة العابدين، بل دعا إلى توحيد الله مبعد عن النار ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ أي: صوتها ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُم﴾ من النعيم ﴿خَالِدُونَ﴾ باقون إلى الأبد ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ وهو الخوف الذي يحصل للمجرمين عند النفخة الأخيرة في الصور، كما قال تعالى في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: تستقبلهم بالبشرى قائلين لهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدنيا، وكان عبد الله بن الزبعري شاعرًا شديد العداوة للإسلام، ثم أسلم ومدح النبي ﷺ ، فمن ذلك قوله (١): يا رسول المليكِ إنَّ لِساني … راتق ما فتقتُ إِذْ أَنا بُورُ

стр. 667

إذْ أُجَارِي الشَّيْطَانَ فِي سَنَنِ الغَيِّ … وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَشْبُورُ معناه: يا رسول مالك يوم الدين، إن لساني اليوم يمدحك ويصلح ما أفسده حين كنت بورًا، أي: هالكًا بالكفر وحين كنت أجاري الشيطان، أجري معه مطيعًا له في طريق الضلال، ومن يمل مع الشيطان ويطعه فهو هالك. وفي (كتاب التوحيد) من (صحيح البخاري) في حديث رؤية المؤمنين ربهم، ما نصه: «يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت» (١) الحديث. وهذا يزيد معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ يزيده وضوحًا. الباب السابع قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨ - ١١٠]. قال (ك): يقول تعالى آمرًا رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن يقول للمشركين: ﴿إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: متبعون على ذلك، مستسلمون منقادون له ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تركوا ما دعوتهم إليه ﴿فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء﴾ أي: أعلمتكم أني حرب عليكم (٢) كما أنكم حرب علي (٣)، بريء منكم كما أنتم (٤) براء مني، كقوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] وقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾ [الأنفال: ٥٨] أي: ليكن علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء، وهكذا ههنا ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾.

стр. 668

أي: أعلمتكم ببراءتي منكم وبراءتكم مني لعلمي بذلك، وقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: هو واقع لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ أي: إن الله يعلم الغيب جميعه، ويعلم ما يظهره العباد وما يسرون، يعلم الظواهر والضمائر ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما العباد عاملون في جهرهم (١) وإسرارهم وسيجزيهم على ذلك على (٢) القليل والجليل» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: هذا الإسلام الذي طلب منهم هو الإسلام ظاهرًا وباطنًا بالقلب والجوارح واللسان، وهذه السورة مكية ومع ذلك أمر الله رسوله أن يتبرأ من المشركين، فالتوحيد الصحيح لا يقوم إلا على الحب في الله والبغض في الله والولاية الله والعداوة الله (٤).

стр. 669

سورة الحج الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]. قال (ك): «هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن (١) عبد غير الله فأشرك (٢) به، من قريش في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بوّأ إبراهيم مكان البيت، أي: أرشده إليه (٣)، وأذن له في بنائه، واستدل به كثير ممن قال: إن إبراهيم هو أول من بنى البيت العتيق، وإنه لم يبن قبله، كما ثبت في «الصحيح» عن أبي ذر، قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: بيت المقدس، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة» (٤)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] [الآيتين] (٥)، وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] وقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار بما أغنى عن إعادته ههنا. وقال تعالى ههنا: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أي: ابنه على اسمي وحدي ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ قال قتادة ومجاهد من الشرك (٦) ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ

стр. 670

وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي: اجعله خالصًا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطواف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ أي: في الصلاة، ولهذا قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا مختصين به، فالطواف عنده، والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثنى من الصلاة عند اشتباه القبلة، وفي الحرب وفي النافلة في السفر، والله أعلم (١). فصل قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام فوائد: الأولى: إن المسجد الحرام وسائر المساجد الإسلامية إنما تؤسس على توحيد الله تعالى واتباع رسوله، ولا يجوز أن يحدث فيها شرك أو بدعة، فإن ذلك سعي في خرابها، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤]، فكل من أدخل شيئًا من الشرك أو البدعة في بيوت الله يناله هذا الوعيد. الثانية: كلام الحافظ (ك) ودليله ظاهر في أن أول من بنى المسجد الحرام إبراهيم، وكأن الروايات التي تقول: بأن أول من بناه الملائكة ثم آدم .. إلى آخرها لم تصح عنده. الثالثة: قوله: «إلا عند اشتباه القبلة»، معناه أن من لم يعرف القبلة لغيم أو ظلمة أو لكونه غريبًا في البلاد، فإنه يختار جهة ويصلي إليها، وإذا تبين أنه أخطأ فلا إعادة عليه، وكذلك المقاتلون في سبيل الله إذا لم يتمكنوا من استقبال القبلة لشغلهم بقتال العدو، يصلون إلى أي جهة تناسب غرضهم الحربي، وكذلك المسافر يجوز له أن يتنفل على دابته أينما توجهت به.

стр. 671

الباب الثاني قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الريحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣٥] قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر المذكور من قبل ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ كل ما حرمه أو أمر بتعظيمه، ﴿فَهُوَ﴾ أي: التعظيم ﴿خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ لما فيه من الثواب ورفع الدرجات، فإن من عظم حرمات الله عظمه الله، ومن لم يعظمها أهانه الله، ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ في سورة المائدة وغيرها كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣] أي: الرجس الذي هو الأوثان، فإن عبادتها شر النجاسات المعنوية، كما قال تعالى في سورة التوبة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] والأوثان كل جماد عبد من دون الله كالقباب والقبور والأشجار والأحجار، ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ أي: شهادة الزور، ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ الحنفاء هم الموحدون المتبعون لملة إبراهيم، ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ﴾ تفسير له وتوكيد، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ﴾ أي: سقط ﴿مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ أي: تقطع جسمه، ويأخذ كل منها نصيبه ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: تسقطه ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ أي: بعيد، وهما نوعان من الهلاك. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر المذكور ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أي: الإبل والبقر التي أهداها أصحابها الله، وجعلوا لها علامات تعرف بها وساقوها لينحروها ويذبحوها

стр. 672

في الحرم المكي، ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ أي: طاعتها لله، فلا يجوز التعدي عليها بنهب أو سرقة أو غير ذلك. قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ كالركوب والحلب ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ولا يحل نحرها أو ذبحها إلا في البيت العتيق: ما حوله من الأراضي، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ أي: ذبحًا تعظيمًا الله تعالى ورحمة للمساكين، ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ أي: عند ذبحها أو نحرها ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وهو الله تعالى: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أي: اعبدوه وحده لا شريك له ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ المتذللين لله تعالى؛ المتواضعين الخاشعين ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: خافت، ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ من البلايا والمصائب ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ المحافظين عليها، الذين يحرصون على أركانها وشروطها، ويصلون صلاة رسول الله ﷺ لا يخالفونها أبدًا ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي: يؤدون زكاة أموالهم ويتصدقون على قدر جهدهم. اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: فتنبهوا أيها الإخوان الذين شرح الله صدورهم للتمسك بكتابه واتباع سنة نبيه لعظم شأن التوحيد عند الله تعالى، فإنه ذكره في هذه الآيات مرتين: الأولى: في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. والثانية: في قوله تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ وكل من خاف غير الله بالغيب، ودعاه لجلب خير أو دفع شر بطريق الهمة والحال، لا بطريق الأسباب، فقد اتخذه إلهًا مع الله، وكفر بمعنى لا إله إلا الله، فلا ينفعه قولها باللسان أبدًا، وكل من خالف رسول الله ﷺ في أمر من أمور الدين على عمد فقد كفر بمعنى محمد رسول الله، وقد تقدم هذا في مواضع. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا

стр. 673

اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤١] قال محمد تقي الدين: يتلخص تفسير هذه الآيات فيما يلي: لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة بعدما بايعه أهلها ليلة العقبة بمنى وقوي المسلمون أذن الله له تعالى في قتال أعدائه (١)، لأنهم ظلموا النبي ﷺ والمؤمنين به وآذوهم وطردوهم من بلدهم، وهموا بقتل النبي ﷺ وأخرجوه من بلده وليس لهؤلاء المخرجين ذنب إلا أنهم قالوا: ربنا الله، والمراد بقولهم: رَبُّنَا الله، لا نعبد إلا الله، ونكفر بعبادة ما سواه. والمشركون لا ينكرون عليهم توحيد الربوبية، فإنهم مقرون به، وإنما ينكرون عليهم توحيد الألوهية والعبادة، لأنهم قالوا كما في سورة ص: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦]. فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] وقال تعالى في سورة الزمر: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] وقال تعالى في سورة المؤمن: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢].

стр. 674

فصل قال محمد تقي الدين: وكذلك المشركون في هذا الزمان إذا قيل لهم: ادعوا الله وحده، وتوجهوا إليه، واتركوا أولياءكم، يقولون: (الله ورجاله)! وبعبارتهم الخاصة: (رب برجالو) يعنون أن الله لا يكفيهم ولا تقضى حاجتهم إلا إذا أشركوا به رجالًا مخلوقين، فأف لهم! ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وقد وعدهم بالنصر فقال تعالى في سورة محمد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٧، ٨] وقال تعالى في سورة المؤمن: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] وقد فعل من نزول هذه الآية إلى يومنا هذا وسيفعل ذلك إلى يوم القيامة، فكل هزيمة أصابت المؤمنين، فهي من ضعف إيمانهم وعدم قيامهم بالواجبات (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ … ﴾ إلى آخره يعني: إن الله تعالى شرع الجهاد والدفاع بحكمته البالغة، ابتلاء منه لعباده، وأمر المؤمنين أن يدافعوا عن أنفسهم ودينهم، ولو تركوا الجو خاليًا للمجرمين لتغلب أهل الباطل على أهل الحق، وعم الكفر والظلام وحينئذ تهدم معابد النصارى الخاصة بالرهبان وهي الصوامع، ومعابدهم العامة وهي البيع، ومعابد اليهود وهي الصلوات، ومعابد المسلمين وهي المساجد التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا، ولو شاء الله لأهلك المجرمين بعذاب من عنده، ولكن أراد سبحانه أن يبلو الناس بعضهم ببعض؛ لما في ذلك من الفوائد والنعم. ثم أكد وعده بقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ فلا يهزم جنده ولا يذل أولياؤه، والعجب من المفسرين الأولين فإنهم اختلفوا في معنى البيع والصلوات، وكل من يعرف شيئًا من السريانية والعبرانية (٢) يعلم يقينًا أن (البيع) معابد النصارى العامة، وأصل البيعة، بيضة

стр. 675

بالسريانية؛ لأن السريانيين كثيرًا ما يقلبون الضاد عينًا، فيقولون للأرض: أرعى، وللبيضة بيعى، وإنما سميت كنيسة النصارى بيعة عندهم، لأنهم كانوا يجعلون لها قبة على شكل بيضة، ثم عم استعمالها في كل كنيسة لهم، والصلاة معبد اليهود، فإنهم يسمون الصلاة (تفله) بسكون التاء وكسر الفاء ولام مشددة مفتوحة بعدها هاء لا ينطق بها، إلا أنهم يسمون كنيستهم بيت تفله أي: بيت الصلاة، والله در الإمام ابن جرير (١) فإنه فسر البيع بكنائس النصارى، والصلوات بكنائس اليهود، ولم يشك. ثم وصف الله المؤمنين الذين يستحقون النصر بقوله : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ أي: نتائجها، فمن أحسن حسنت عاقبته، ومن أساء ساءت عاقبته فعاقبة التوحيد فوز، وعاقبة الشرك خسران. الباب الرابع قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] قال (ك): «قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له، لأنه ذو السلطان العظيم الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء فقير إليه ذليل لديه، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ أي: من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من دونه تعالى فهو باطل؛ لأنه (٢) لا يملك ضرًا ولا نفعًا. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، كما قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤] وقال: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] فكل شيء تحت قهره

стр. 676

وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون [المعتدون] (١) علوًّا كبيرًا (٢). فصل قال محمد تقي الدين: ومن ذلك تعلم أن كل من دعا غير الله دعاء عبادة أو دعاء مسألة، فإنه مبطل ضال مشرك، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا يوم القيامة. الباب الخامس قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧١ - ٧٤]. قال (رحمه): يقول تعالى مخبرًا عن المشركين فيما جهلوا وكفروا وعبدوا ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾؛ يعني: حجة وبرهانًا، كقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ولهذا قال ههنا ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: ولا علم لهم فيما اختلقوه والتفكوه، وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا حجة، وأصله مما سول لهم الشيطان، وزينه لهم، ولهذا توعدهم تعالى بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أي: من ناصر ينصرهم من الله فيما يحل بهم من العذاب والنكال.

стр. 677

ثم قال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: وإذا ذكرت لهم آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأنه لا إله إلا هو، وأن رسله الكرام حق وصدق ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أي: يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة من القرآن، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء. ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: النار وعذابها ونكالها أشق وأطم (١) وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب الآخرة على صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم إن نلتم بزعمكم وإرادتكم، وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: وبئس النار [مقيلًا ومنزلًا] (٢) ومرجعًا وموئلًا ومقامًا ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. قال (ك): يقول تعالى منبهًا على حقارة الأصنام، وسخافة عقول عابديها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أي: لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به، ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أي: أنصتوا وتفهموا ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أي: لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك، كما قال الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق (٣) كخلقي؟ فليخلقوا مثل خلقي: ذرة أو ذبابة أو حبة» (٤). وأخرجه صاحب «الصحيح» من طريق عمارة عن أبي زُرْعة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: قال الله : «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة فليخلقوا شعيرة» (٥). ثم قال تعالى أيضًا: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أي: هم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والانتصار منه لو سلبهم شيئًا من الذي عليهم من الطيب، ثم أرادوا أن يستنقذوه منه لما

стр. 678

قَدَرُوا] (١) على ذلك، هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قال السدي وغيره: ﴿الطَّالِبُ﴾ العابد ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ الصنم. ثم قال: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج: ١٢، ١٣] ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وقوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ أي: قد عزّ كل شيء فقهره وغلبه، فلا يمانع ولا يُغالب لعظمته وسلطانه، وهو الواحد القهار (٢). فصل قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام فوائد: الأولى: إن المشركين في كل زمان ومكان يعبدون من دون الله مخلوقين مثلهم، وليس لهم دليل على عبادتهم، لا من القرآن ولا من كتب الأنبياء السابقين، ولا يعلمون حقيقة ما يعبدون، فكلما وجدوا قبة مبنية ورأوا الناس يقصدونها لقضاء الحاجات عبدوها معهم، حتى بلغ بهم الأمر إلى أن عبدوا قبة مبنية على حمار، وأخرى مبنية على كلب، والمشرك عديم العقل والتمييز، فلو سألته عن صاحب القبة والقبر الذي يعبده: متى وجد؟ وكيف كانت حاله؟ تجده جاهلًا كل الجهل، وهب أنه عرفه، وأنه كان عالمًا صالحًا مستجاب الدعوة، أو نبيًا رسولًا، أو ملكًا، فإن عبادته شرك بالله وكفر ولا تنفع العابد بل تضره وتهلكه. الثانية: التمثيل دائمًا بالأصنام غير جيد؛ لأن المشركين يعبدون الملائكة والأنبياء والصالحين وتماثيلهم، وهي الأصنام وقبورهم، والأماكن التي جلسوا فيها أو مروا بها، والشمس والقمر والكواكب وكل ذلك شرك وكفر.

стр. 679

الثالثة: إن المشركين في كل زمان ومكان إذا دعاهم داع إلى توحيد الله تذمروا وتنمروا وظهر في وجوههم المنكر، ويكادون يبطشون بالداعي، وكثيرًا ما يبطشون به فعلًا. الرابعة: هذا مثل عظيم ضربه الله للمشركين وتحداهم به، فإن جميع المعبودين من الأبرار والفجار والأصنام والأوثان لا يستطيعون - ولو اجتمعوا - أن يخلقوا ذبابًا، ونرى كثيرًا من المشركين يذهبون إلى قبور الصالحين ويطلبون منهم الأولاد، وذلك من سفاهة عقولهم، فالذي لا يستطيع أن يوجد ذبابًا، كيف يستطيع أن يخلق جنينًا في بطن أمه، ويحفظ عليه حياته في زمان الحمل وبعده، ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩]. الخامسة: إن الله تعالى أخبر أن الذين يعبدهم المشركون كما أنهم عاجزون أن يخلقوا ذبابًا، فهم عاجزون إذا سلبهم الذباب شيئًا أن يستردوه منه (١)، فإذا

стр. 680

كان شيخ الطريقة الذي يعبده أتباعه يأكل عسلًا مثلًا، وجاء ذباب فأخذ شيئًا من ذلك العسل، لا يستطيع الشيخ أن يقاومه ويسترده منه، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ولو قدروه حق قدره ما عبدوا معه غيره، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، لا يغلب من استنصره.

стр. 681

سورة المؤمنون الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٣ - ٢٥]. قال (ك): يخبر تعالى عن نوح ﵇ حين بعثه إلى قومه لينذرهم عذاب الله وبأسه الشديد، وانتقامه ممن أشرك به وخالف أمره وكذب رسله، ﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أي: ألا (١) تخافون من الله في إشراككم به؟ فقال الملأ وهم السادة والأكابر منهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾، يعنون: يترفع عليكم ويتعاظم بدعوى النبوة، وهو بشر مثلكم، فكيف أوحى إليه دونكم؟ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ أي: لو أراد أن يبعث نبيًا، لبعث ملكًا من عنده ولم يكن بشرًا، ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ أي: ببعث البشر ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ يعنون بهذا أسلافهم وأجدادهم في الدهور الماضية. وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي: مجنون فيما يزعمه، من أن الله أرسله إليكم واختصه من بينكم بالوحي، ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ أي: انتظروا به ريب المنون، واصبروا عليه مدة حتى تستريحوا منه» (٢).

стр. 682

فصل قال محمد تقي الدين: تقدم الكلام في قصة نوح مع قومه، وسيأتي إن شاء الله، والمهم في هذا الموضع أن حجة قوم نوح وهي قولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ هي حجة المشركين في هذا الزمان يقولون: لم نزل نرى العلماء ونسمع كلامهم، فما رأينا أحدًا منهم ينكر بناء القباب على القبور والذبح لها، والنذور وإقامة المواسم حتى جاء هذا الرجل!! الباب الثاني قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣١ - ٣٤] قال محمد تقي الدين: يقول الله تعالى: وبعد قوم نوح أنشأنا قومًا آخرين، وأرسلنا إليهم رسولًا منهم، وأول ما دعاهم إليه كسائر رسل الله أن اعبدوا الله وحده لا شريك له، ولا تعبدوا معه أحدًا، فكذبوه وأنكروا البعث والمعاد، فدعا الله تعالى أن ينصره عليهم، فاستجاب الله دعاءه وأهلكهم، وتلك سنته سبحانه مع رسله، وكل من اتبعهم بصدق إلى يوم القيامة، اللهم اجعلنا ممن اتبع رسلك وخاصة أفضلهم محمدًا ﷺ بصدق وإخلاص، فنصرتهم على أعدائهم، وأيدتهم بروح منك. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ

стр. 683

وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٢ - ٦١]. قال (ك): قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد، وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ولهذا قال: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ وقوله: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ أي: الأمم الذين بعثت الأنبياء إليهم (١)، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: يفرحون بما هم فيه من الضلال لأنهم يحسبون أنهم مهتدون، ولهذا قال [تعالى مهددًا] (٢) لهم ومتوعدًا: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ أي: في غيهم وضلالهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي: إلى حين حينهم وهلاكهم كما قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]. وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ يعني: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا، كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥] لقد أخطؤوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجًا وإنظارًا وإملاء، ولهذا قال: ﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾، وقال الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه، قالوا: وما بوائقه يا رسول الله؟ قال: غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكنه يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا

стр. 684

يمحو الخبيث) (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿سَابِقُونَ﴾، قال (ك): يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أي: هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله خائفون منه وجلون من مكره، بهم، كما قال الحسن البصري: إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقة، وإن الكافر (٢) جمع إساءة وأمنًا. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، كقوله تعالى إخبارًا عن مريم ﵇: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] أي: أيقنت ما كان إنما (٣) هو عن قدر الله وقضائه، وما شرعه الله فهو إن كان أمرًا فمما يحبه ويرضاه، وإن كان نهيًا فهو مما يكرهه ويأباه، وإن كان خبرًا فهو حق، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ أي: لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا هو (٤) واحدًا صمدًا لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأنه لا نظير له ولا كفء له. وقوله (٥): ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ أي: يعطون العطاء وهم خائفون وجلون (٦) أن لا يتقبل منهم؛ لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشرط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط، كما قال الإمام أحمد والترمذي بسنده عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله ؟ قال: «لا يا بنت الصديق، ولكنه يصلي ويصوم ويتصدق.

стр. 685

وَيَخَافُ اللَّهَ (١). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾، قال صاحب «جامع البيان في تفسير القرآن»: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾، أي: أولئك يسارعون في نيل خيرات الدارين بمزاولة الأعمال الصالحة، فيعطيهم خير الدنيا والآخرة ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ أي: يسبقون غيرهم». فصل قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام فوائد: الأولى: إن دين الأنبياء واحد، وإن اختلفت شرائعهم، فكلهم جاؤوا بعبادة الله وحده لا شريك له، وبإقامة العدل والإحسان بين الناس، كما قال تعالى في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] فليس في دين أي نبي شرك بالله ولا ظلم لعباد الله، فتفرقت الأمم في الدين وتنازعت، وتفرقت كل أمة منها إلى فرق، والناجون منهم هم المتبعون للرسل، ومن طبع الأحزاب والفرق أن يفرح كل حزب بما عنده، ويدعي أنه الحق، ولكن (عند الصَّبَاحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرَى) (٢) - والصباح: الموت وما بعده - فحينئذ يفرح أهل الحق الذين وحدوا الله واتَّبعوا رسله، ويندم أهل الباطل الذين أشركوا بالله وابتدعوا في دين الله، والمثل الألماني يقول ما معناه: (الذي يضحك آخرًا هو خير الضاحكين)، يعنون بهذا المثل: إن الذي يضحك أولًا ثم يبكي آخرًا فضحكه شر عليه.

стр. 686

الثانية: قول النبي ﷺ : «إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ» (١)؛ مثال ذلك: من اغتصب أرضًا وزرعها واكتسب من زراعته مالًا كثيرًا فحج به وتصدق وأنفق على الأرامل واليتامى، وبنى به المساجد لا يقبل الله منه شيئًا، لأن ذلك الاغتصاب سيئة، وتلك الأعمال التي عملها وظنها من الصالحات هي أيضًا سيئة، والسيئ لا يمحو السيئ، كمن غسل الدم بالدم. الثالثة: قرأ الجمهور ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا﴾ من أتى الرباعي، بمعنى: أعطى، وقرئ (يَأْتُونَ مَا أَتَوا) (٢) من أتى الثلاثي، أي: يفعلون ما فعلوا، وهي قراءة عائشة روتها عن النبي ﷺ (٣) ولذلك التبس عليها الأمر فسألت عن الأفعال التي يفعلونها أهي المعاصي؟ فأخبرها النبي ﷺ (٤) أنها الأعمال الصالحة وهم مع ذلك خائفون أن لا تقبل منهم؛ لأن محبطات الأعمال كثيرة، والحازم يغلب الخوف على الرجاء إلا في الاحتضار حين تنقطع الأعمال أو تكاد، ولو قرأت عائشة بقراءة الجمهور ما وقع لها التباس. الرابعة: قول النبي ﷺ لعائشة: «لا يا بنت الصديق» (٥). فيه تكريم لها

стр. 687

ولأبيها ﵂، فويل للرافضة الذين يبغضونهما بغضًا شديدًا، ومن العجب أني لما كنت في العراق تخرجت على يدي في جامعة بغداد طالبة اسمها عائشة من الموصل، وكانت بيني وبين أخويها صداقة، فبقيت في بيتنا تنتظر التعيين، فعينتها وزارة المعارف معلمة في مدرسة ثانوية بمدينة كربلاء، وكربلاء مدينة شيعية فيها ضريح ينسب للحسين بن علي ﵄ وعليه قبة مذهبة، وهذا الضريح مكذوب؛ لأن قبر الحسين مجهول، لأنه قتل في فتنة، وكذلك القبة التي في القاهرة، يزعمون أن رأسه مدفون تحتها، هو كذب أيضًا، فإن رأسه حمل إلى يزيد بن معاوية، ولا يعرف ما جرى عليه بعد ذلك، والمقصود أن الطالبة المذكورة لم تقبل العمل في كربلاء؛ لأنه من المشهور عند الناس أن الشيعة الرافضة إذا وجدوا شخصًا اسمه أبو بكر أو عمر أو امرأة اسمها عائشة يؤذون من يسمى بهذه الأسماء وربما قتلوه. وقد أخبرني الشيخ عمر خطاب أبو تلميذي (قيس خطاب) أنه يلاقي مشقة عظيمة وصعوبات في المعاملة بسبب اسمه (١)، فقال لي: إن والدي جلبا علي شقاء بسبب تسميتهما لي بهذا الاسم، فكلما دخلت مكتبًا من مكاتب الدولة، وسألني رئيسه: ما اسمك؟ فقلت: عمر، يظهر العبوس في وجهه، ولا يقضي حاجتي إلا بعد اللتيا والتي، فهؤلاء القوم الضالون يهينون ويبغضون مَنْ كرمهم الرسول وأحبهم، فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلوا به. الباب الرابع قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١، ٩٢] «ينزه تعالى نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك والتصرف والعبادة (٢) فقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: لو قدر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم بما خلق (٣)،

стр. 688

فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم، متسق كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعض. والمتكلمون ذكروا هذا المعنى وعبروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه لو فرض صانعان فصاعدًا، فأراد واحد تحريك جسم والآخر أراد (١) سكونه، فإن لم يحصل مراد كل واحد منهما كانا عاجزين، والواجب لا يكون عاجزًا ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد، وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالًا فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الواجب، والآخر المغلوب ممكنًا، لأنه لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهورًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: عما يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك علوًّا كبيرًا، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: يعلم ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه، ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تقدس وتنزه وتعالى وعزَّ وَجَلَّ عما يقول الظالمون والجاحدون) (٢). فصل قال محمد تقي الدين: وتقدم في سورة الأنبياء قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وتقدم في سورة الإسراء: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٢، ٤٣] فالنظام الواحد يدل على إله واحد، والألوهية لا توهب، لأنها خاصة بالواحد الأحد، ومن سخافة جهال المغاربة أنهم يقولون في الإنسان والحيوان والجماد هذا الشيء فيه بركة، وكل ما فيه بركة بزعمهم يعبدونه حتى وصلوا إلى عبادة الحمير، ففي الدار البيضاء حجر يسمى للاحمارة تعبده النساء (٣).

стр. 689

الباب الخامس قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٧، ١١٨]. قال (ك): يقول تعالى متوعدًا من أشرك به غيره، وعبد معه سواه ومخبرًا أن من أشرك بالله ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ﴾ أي: لا دليل على قوله فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ وهذه جملة معترضة وجواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: الله (١) يحاسبه على ذلك، ثم أخبر ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: لديه يوم القيامة فلا فلاح لهم ولا نجاة. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ هذا إرشاد من الله تعالى إلى هذا الدعاء، فالغفر إذا أطلق معناه: محو الذنب وستره عن الناس، والرحمة معناه: أن يسدده ويوفقه في الأقوال والأفعال» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: هاتان الآيتان معناهما واضح، وقد أجاد الحافظ ابن كثير في تفسيرهما، وتقدم البرهان على أن من دعا غير الله لقضاء حاجته أو تفريج كربه، فقد اتخذ ذلك المدعو إلهًا، وكفر بالله، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، ومن تبرك بشجرة أو حجر فقد اتخذه إلها، وقد تقدم بسط ذلك في سورة الأعراف، وقول الإمام ابن كثير في قوله تعالى: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾: «إنها جملة معترضة عندي فيه نظر، والظاهر أنها صفة لـ إلها وهي صفة لازمة كقول النحاة: خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها، فأطول حال لازمة، والحال أصلها صفة، ويجوز أن تكون هذه الجملة حالًا من إلها؛ لأن النكرة إذا وصفت تجيء الحال بعدها، قال الشاعر: نَجَّيْتَ يا ربُّ نُوحًا واسْتَجبت له … في فُلك ماخر في اليَمِّ مَشْحُونا فمشحونًا: حال من الفلك؛ لأنها وصفت بماخر، وهي أيضًا حال لازمة.

стр. 690

سورة الفرقان الباب الأول قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ١ - ٣]. قال (ك): «معنى ﴿تَبَارَكَ﴾: كثرت بركته وخيره، و ﴿الْفُرْقَانَ﴾ هو القرآن؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، وقوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ هذه صفة مدح وثناء، وقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ أي: إنما خصه بهذا الكتاب المفصل العظيم المبين (١) المحكم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] الذي جعله فرقانًا عظيمًا (٢) ليخصه بالرسالة إلى من يستظل بالخضراء، ويستقل على الغبراء، كما قال ﷺ : «بعثت إلى الأحمر والأسود» (٣). وقال: «إني أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي». فذكر منهن: «إنه كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت للناس عامة» (٤)، كما قال (٥) تعالى: ﴿قُلْ

стр. 691

يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] الآية، أي: الذي أرسلني (١) هو مالك السموات والأرض (٢)، ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ ونزه (٣) نفسه عن الولد وعن الشريك، ثم أخبر أنه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي: كل شيء مما سواه مخلوق مربوب، وهو خالق كل شيء، وربه ومليكه وإلهه، وكل شيء تحت [قهره وتدبيره وتسخيره وتقديره] (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ إلى قوله: ﴿نُشُورًا﴾. قال (ك): يخبر تعالى عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، الخالق لكل شيء، المالك لأزمة الأمور، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومع هذا عبدوا معه من الأصنام ما لم (٥) يقدر على خلق جناح بعوضة، بل هم مخلوقون ولا يملكون لأنفسهم ضَرًّا ولا نفعًا، فكيف يملكون لعابديهم؟ ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ أي: ليس لهم (٦) من ذلك شيء بل ذلك كله مرجعه إلى الله (٧) الذى يحيي ويميت، وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة، أولهم وآخرهم: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] فهو الله الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، ولا تنبغي العبادة إلا له، لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي لا ولد له، ولا والد ولا عديل ولا نديد (٨) ولا وزير ولا نظير، بل هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد» (٩). اهـ (ك). فصل قال محمد تقي الدين: قول (ك): لمن يستظل بالخضراء ويستقل على

стр. 692

الغبراء»، الخضراء: هي السماء، والغبراء: هي الأرض، كما قال النبي ﷺ : «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر» (١). المراد بذلك أن محمدًا ﷺ أرسل إلى جميع من هم على الأرض وتحت السماء من العقلاء - الإنس والجن - ليكون لهم نذيرًا يحذرهم من عذاب الله إذا أقاموا على الشرك والمعاصي، ولم يمتثلوا ما أمرهم الله به. الثانية: إن المشركين سفهاء؛ لأنهم اتخذوا آلهة من أهل الأرض، وآلهة أخرى من أهل السماء، مع علمهم بأنهم مخلوقون عاجزون لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة، فكيف يستطيعون أن ينفعوا غيرهم؟ البَابُ الثَّانِي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِن مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِم مِنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٧ - ١٩] قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عما يقع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا من دون الله من الملائكة وغيرهم، فقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا

стр. 693

يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال مجاهد: هو عيسى [والعزير] والملائكة (١) ﴿فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ الآية، فيقول (٢) ﵎ [للمعبودين] (٣): أَأَنتُمْ دَعَوْتُمْ هَؤُلاءِ إِلَى عِبَادَتِكُم مِنْ دُونِي أَمْ هُمْ عَبَدُوكُم مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ مِنْكُمْ لَهُمْ؟ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا (٤) اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧] (٥) الآية. ولهذا قال تعالى مخبرًا عما يجيب به المعبودون يوم القيامة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدًا سواك (٦) فنحن ما دعوناهم إلى ذلك، بل هم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ولا رضانا ونحن برءاء منهم ومن عبادتهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ الآية [سبأ: ٤٠، ٤١] ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ أي: طال عليهم العمر … ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ أي: نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلهم من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ قال ابن عباس: أي: هلكى (٧). قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ أي: فقد كذبكم الذين عبدتم

стр. 694

[مِنْ دُونِ اللَّهِ] (١) فيما زعمتم أنهم لكم أولياء [أنهم] (٢) يقربونكم إلى الله زلفى، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦] وقوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ أي: لا يقدرون على صرف العذاب عنهم ولا الانتصار لأنفسهم، ﴿وَمَنْ يَظْلِم مِنكُمْ﴾ أي: يشرك بالله ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (٣). فصل قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام فوائد عظيمة النفع لمن فكر فيها وفهمها: الأولى: إن الله تعالى يجمع العابدين والمعبودين يوم القيامة؛ ليخزي العابدين ويوقعهم في الحسرة والندامة، فيقول للمعبودين كعيسى بن مريم، وعزير والملائكة، والجن والصالحين: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ فقلتم: اعبدونا بالذبح والدعاء والنذر والاستغاثة والتوكل والرجاء والخضوع والتذلل، ونحن نتكفل لكم بقضاء حاجاتكم عند الله في الدنيا وندخلكم الجنة يوم القيامة؟ أم من تلقاء أنفسهم ضلوا السبيل فعبدوكم من دون الله، واعتمدوا عليكم في قضاء الحاجات وتفريج الكربات؟ فيجيب أولئك المعبودون عن سؤال الله تعالى لهم بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ ننزهك أن يعبد معك غيرك، ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾ أن نقول لهؤلاء المشركين ولا أن نرضى بعملهم، ولكن أنت يا رب متعتهم ومتعت آباءهم من قبلهم بطول العمر وسعة الجاه والأموال والأولاد حتى نسوا ذكرك ونبذوا كتابك وما جاءت به رسلك، وكانوا قومًا هالكين. ثم يقول الله تعالى للعابدين: اسمعوا، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ وتزعمون من أنهم كانوا راضين عنكم بعبادتكم لهم، فأنتم وهم في هذا اليوم عاجزون، لا يستطيعون صرف العذاب عنكم، ولا تستطيعون أن تنصروا أنفسكم ولا غيركم، ﴿وَمَنْ يَظْلِم مِنكُمْ﴾ ظلمًا كبيرًا - وهو الشرك بالله - أو ظلمًا صغيرًا - وهو المعاصي -، ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾. اهـ.

стр. 695

البَابُ الثَّالِثُ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٤]. قال (ك): «يُخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول ﷺ إذا رأوه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ الآية [الأنبياء: ٣٦] يصفونه (١) بالعيب والنقص وقال ههنا: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ أي: على سبيل التنقص والازدراء فقبحهم الله، كما قال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [الأنعام: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ يعنون: أنه كاد يفتنهم (٢) عن عبادة الأصنام (٣) لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا عليها (٤)، قال الله تعالى متوعدًا لهم ومتهددًا: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ الآية. ثم قال تعالى لنبيه منبهًا له (٥) أن من كتب الله عليه الشقاوة والضلال، فإنه لا يهديه أحد إلا الله : ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ أي: مهما استحسن من شيء ورآه حسنًا (٦) كان دينه ومذهبه كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [فاطر: ٨] ولهذا قال ههنا: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ قال ابن عباس: «كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانًا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول» (٧). ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ الآية، أي:

стр. 696

هم أسوأ حالًا من الأنعام السارحة، فإن تلك تفعل ما خلقت له، وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له، فلم يفعلوا (١) وهم يعبدون غيره ويشركون به مع قيام الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: كلُّ المشركين من عُبَّاد الشمس والقمر والملائكة والتماثيل وأرواح الأنبياء والصالحين وقبورهم والقباب المبنية عليها والأشجار التي جلسوا تحتها كلهم سواء، ولا يعقل أن يعبد أحد حجرًا لأنه حجر، وإنما يعبده لأنه يعتقد أن روح معبوده متلبسة به، وهي التي يرجو أن تقضي حاجته، وهذا من جهلهم بالله العظيم الذي يقول في سورة البقرة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] والجهل أصل لما في النفس من داء، وقانا الله تعالى شر جهلنا، ورزقنا العلم النافع. الباب الرابع قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا (٥٥) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ، وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٥٥ - ٦٠] قال (ك): يخبر تعالى عن جهل المشركين في عبادتهم غير الله من الأصنام التي لا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا (٣) بلا دليل قادهم إلى ذلك، ولا حجة أدتهم إليه، بل بمجرد الآراء والتشهي والأهواء، فهم يوالونهم (٤) ويقاتلون في

стр. 697

سبيلهم، ويعادون الله ورسوله [والمؤمنين] (١) فيهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ أي: عونًا في سبيل الشيطان على حزب الله، وحزب الله هم الغالبون، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤، ٧٥] أي: الهتهم التي اتخذوها من دون الله لا تملك لهم نصرًا، وهؤلاء الجهلة للأصنام جند محضرون، يقاتلون عنهم ويذبون عن حوزتهم، ولكن العاقبة والنصر (٢) لله ولرسوله [وللمؤمنين] (٣) في الدنيا والآخرة، قال مجاهد: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ قال: «يظاهر الشيطان على (٤) معصية الله ويعينه» (٥). ثم قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: بشيرًا للمؤمنين، ونذيرًا للكافرين، مبشرًا بالجنة لمن أطاع الله، ونذيرًا بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله، ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: على هذا البلاغ (٦) وإنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ [التكوير: (٢٨)] إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ومسلكًا ومنهجًا يقتدي فيها بما جئت به. ثم قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ أي: في أمورك كلها كن متوكلًا على الله الحي الذي لا يموت أبدًا الذي ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] الدائم الباقي السرمدي الأبدي الحي القيوم رب كل شيء ومليكه، اجعله ذخرك وملجأك، وهو الذي يتوكل عليه ويفزع إليه، فإنه كافيك وناصرك ومؤيدك ومظفرك، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وروى ابن أبي حاتم بسنده عن شهر بن حوشب قال: لقي سلمان النبي ﷺ في بعض فجاج المدينة فسجد له فقال: «لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي

стр. 698

لَا يَمُوتُ» (١)، وهذا مرسل حسن. وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ أي: اقرن بين حمده وتسبيحه، ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك» (٢) أي: أخلص له العبادة والتوكل، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ أي: لعلمه (٣) التام الذي لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية، أي: هو الحي الذي لا يموت، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه الذي خلق بقدرته وسلطانه السموات السبع في ارتفاعها واتساعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: يدبر الأمر ويقضي الحق، وهو خير الفاصلين، وقوله: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ أي: استعلم عنه من هو خبير به عالم به واقتد به، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه، سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة الذي لا ﴿يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فما قاله [هو الحق] (٤) وما أخبر به فهو الصدق (٥) وهو الإمام المحكم، الذي إذا تنازع الناس في شيء، وجب ردّ نزاعهم إليه، فما وافق (٦) أقواله وأفعاله فهو الحق، وما خالفها (٧) فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩] ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ

стр. 699

بِهِ خَبِيرًا، قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قال: «ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك» (١). ثم قال تعالى منكرًا على المشركين الذين يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ أي: لا نعرف الرحمن وكانوا ينكرون أن يسمى الله باسمه الرحمن، كما أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال النبي ﷺ للكاتب: «اكتب (بسم الله الرحمن الرحيم)»، فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم ولكن اكتب كما كنت تكتب: باسمك اللهم) (٢)، ولهذا أنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] أي: هو الله وهو الرحمن وقال في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ أي: لا نعرفه ولا نقر به، ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ أي: لمجرد قولك: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ فأما المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم ويفردونه بالإلهية ويسجدون له، وقد اتفق العلماء (٣) ﵏ على أن هذه السجدة التي في الفرقان مشروع السجود عندها لقارئها ومستمعها كما هو مقرر في موضعه، والله ﷺ أعلم «» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: لقد أجاد الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآيات، ولم يترك مقالًا لقائل، والمشركون في هذا الزمان وفي كل زمان لا يريدون أن يصدقوا أن آلهتهم لا تنفع عبادتها، ولا يضر ترك عبادتها. وفي هذه السنة سنة ١٣٩٤ هـ انقطع المطر في المغرب وطال انقطاعه فأبى المشركون أن يصلوا صلاة الاستسقاء وتشاءموا منها، وعمد بعضهم إلى ثور

стр. 700

فاشتروه بثمانمائة درهم، وساروا به إلى الوثن المنصوب على قبر إدريس بن عبد الله ﷺ ، وذبحوه له متوسلين بذلك لنزول المطر فخيب الله سعيهم (١). وأخبرني تلميذي الشاب النجيب المحقق علي بن أحمد الريسوني (٢) أن السفهاء من أهل شفشاون ذبحوا بقرة سوداء في موضع يسمى رأس الماء بقرب الكهف المنسوب إلى الجنية مسعودة، ومشوا حفاة حاسري الرؤوس إلى قبر الشيخ الوافي، كل ذلك فعلوه لطلب الغيث فردهم الله خائبين (٣)، ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. الباب الخامس قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧١]. أخرج البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم عن عبد الله بن مسعود: سئل رسول الله ﷺ : أي الذنب أكبر؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك»، قال: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»، قال: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك»، قال عبد الله: وأنزل الله تصديق ذلك، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية (٤).

стр. 701

وروى الإمام أحمد بسنده عن المقداد بن الأسود ﵁، يقول: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «ما تقولون في الزنا؟» قالوا: حرمه الله ورسله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: (لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره)، قال: «فما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرمها الله ورسوله فهي حرام، قال: «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره» (١). وقوله تعالى: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ أي: جزاء [وعقابًا] (٢). وفسره بما بعده مبدلًا منه، وهو قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يكرر عليه ويغلظ، ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ أي: حقيرًا ذليلًا ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ أي: في الدنيا إلى الله من جميع ذلك فإن الله يتوب عليه» (٣).

стр. 702

سورة الشعراء الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً (١٠٢) فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ١٠٤] قال (ك): «هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم ﵇

стр. 703

إمام الحنفاء، أمر الله تعالى رسوله محمدًا ﷺ أن يتلوه على أمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له، والتبرؤ من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل (١)، أي: من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشب أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله، فـ ﴿قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (٢)، أي: مقيمون (٣) على عبادتها ودعائها ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾؛ يعني: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئًا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠]. فعند ذلك قال لهم إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير، فلْتَخْلُص إلي بالمساءة فإنّي عدو لها لا أبالي بها (٤) ولا أفكر فيها، وهذا كما قال تعالى مخبرًا عن نوح: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ الآية [يونس: ٧١]، وقال هود ﷺ : ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ، فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]، وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم فقال (٥): ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ٨١] وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤] إلى قوله: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]؛ يعني: لا إله إلا الله (٦). وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إلى قوله: ﴿خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾؛ يعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ أي: هو

стр. 704

الخالق الذي قدر قدرًا وهدى الخلائق إليه فكل يجري على [ما قدر له] (١) وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ أي: هو خالقي ورازقي بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن، وأنزل الماء وأحيى به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقًا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زلالًا ﴿وَنُسْقِيَهُ (٢) مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٩]. وقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أسند المرض إلى نفسه وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبًا كما قال تعالى أمرًا للمصلي أن يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] إلى آخر السورة، فأسند الإنعام والهداية إلى الله تعالى، والغضب حذف فاعله أدبًا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] وكذا قال إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ أي: هو الذي يحيي ويميت لا يقدر على ذلك أحد سواه فإنه هو الذي يبدئ ويعيد، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي (٣): لا يقدر على غفران (٤) الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وهو الفعال لما يشاء. وقوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، هذا سؤال من إبراهيم ﵇ أن يؤتيه ربه حكمًا، قال ابن عباس: «وهو العلم» (٥)، وقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي ﷺ عند الاحتضار: «اللهم في الرفيق الأعلى (٦)» قالها ثلاثًا، وفي (٧) الحديث في الدعاء: «اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين،

стр. 705

وَأَلْحَقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مُبَدِّلِينَ) (١) وقوله: ﴿وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: واجعل لي ذكرًا جميلًا بعدي أذكر به، ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ أي: أنعم علي في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم. وقوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ الآية، كقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [إبراهيم: ٤١] وهذا مما رجع عنه إبراهيم ﵇ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾، وقد قطع الإلحاق في استغفاره لأبيه فقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤]. وقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: أجرني من الخزي يوم القيامة، يوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم، قال البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين» (٢)، وفي (أحاديث الأنبياء) بهذا الإسناد بعينه منفردًا به، ولفظه: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة على وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول لإبراهيم: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم يا رب، إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي [الأبعد] (٣)؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت
следующие страницы →