← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وروى الإمام أحمد بسنده عن المقداد بن الأسود ﵁، يقول: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «ما تقولون في الزنا؟» قالوا: حرمه الله ورسله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: (لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره)، قال: «فما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرمها الله ورسوله فهي حرام، قال: «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره» (١). وقوله تعالى: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ أي: جزاء [وعقابًا] (٢). وفسره بما بعده مبدلًا منه، وهو قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يكرر عليه ويغلظ، ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ أي: حقيرًا ذليلًا ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ أي: في الدنيا إلى الله من جميع ذلك فإن الله يتوب عليه» (٣).

стр. 702

سورة الشعراء الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً (١٠٢) فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ١٠٤] قال (ك): «هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم ﵇

стр. 703

إمام الحنفاء، أمر الله تعالى رسوله محمدًا ﷺ أن يتلوه على أمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له، والتبرؤ من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل (١)، أي: من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشب أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله، فـ ﴿قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (٢)، أي: مقيمون (٣) على عبادتها ودعائها ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾؛ يعني: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئًا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠]. فعند ذلك قال لهم إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير، فلْتَخْلُص إلي بالمساءة فإنّي عدو لها لا أبالي بها (٤) ولا أفكر فيها، وهذا كما قال تعالى مخبرًا عن نوح: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ الآية [يونس: ٧١]، وقال هود ﷺ : ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ، فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]، وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم فقال (٥): ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ٨١] وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤] إلى قوله: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]؛ يعني: لا إله إلا الله (٦). وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إلى قوله: ﴿خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾؛ يعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ أي: هو

стр. 704

الخالق الذي قدر قدرًا وهدى الخلائق إليه فكل يجري على [ما قدر له] (١) وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ أي: هو خالقي ورازقي بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن، وأنزل الماء وأحيى به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقًا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زلالًا ﴿وَنُسْقِيَهُ (٢) مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٩]. وقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أسند المرض إلى نفسه وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبًا كما قال تعالى أمرًا للمصلي أن يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] إلى آخر السورة، فأسند الإنعام والهداية إلى الله تعالى، والغضب حذف فاعله أدبًا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] وكذا قال إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ أي: هو الذي يحيي ويميت لا يقدر على ذلك أحد سواه فإنه هو الذي يبدئ ويعيد، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي (٣): لا يقدر على غفران (٤) الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وهو الفعال لما يشاء. وقوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، هذا سؤال من إبراهيم ﵇ أن يؤتيه ربه حكمًا، قال ابن عباس: «وهو العلم» (٥)، وقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي ﷺ عند الاحتضار: «اللهم في الرفيق الأعلى (٦)» قالها ثلاثًا، وفي (٧) الحديث في الدعاء: «اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين،

стр. 705

وَأَلْحَقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مُبَدِّلِينَ) (١) وقوله: ﴿وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: واجعل لي ذكرًا جميلًا بعدي أذكر به، ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ أي: أنعم علي في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم. وقوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ الآية، كقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [إبراهيم: ٤١] وهذا مما رجع عنه إبراهيم ﵇ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾، وقد قطع الإلحاق في استغفاره لأبيه فقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤]. وقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: أجرني من الخزي يوم القيامة، يوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم، قال البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين» (٢)، وفي (أحاديث الأنبياء) بهذا الإسناد بعينه منفردًا به، ولفظه: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة على وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول لإبراهيم: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم يا رب، إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي [الأبعد] (٣)؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت

стр. 706

الجنة على الكافرين، ثم يقال (١): يا إبراهيم انظر تحت رجليك (٢)، فَيَنْظُرُ، فإذا هو (٣) بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيُلقى في النار» (٤). قال صاحب «اللسان»: «وفي حديث القيامة: وينظر الخليل ﵇، إلى أبيه، فإذا هو بذيخ متلطخ. الذيخ: ذَكَرُ الضّباع، فأراد (٥) بالتلطخ التطلخ برجيعه أو بالطين» (٦). وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ أي: لا يقي المرء من عذاب الله ماله ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا ﴿وَلَا بَنُونَ﴾ أي: لو افتدى بمن في (٧) الأرض جميعًا، ولا ينفع يومئذ إلا الإيمان بالله وإخلاص الدين له، والتبرؤ من الشرك [وأهله] (٨)، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي: سالم من الدنس والشرك». وقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ … إلخ. قال (ك): «﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ أي: قربت وأدنيت من أهلها مزخرفة (٩) مزينة لناظريها، وهم المتقون الذين رغبوا فيها على ما في الدنيا، وعملوا لها [في الدنيا] (١٠) ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ أي: أظهرت وكشف عنها وبدت منها عنق فزفرت زفرة بلغت منها القلوب الحناجر، وقيل لأهلها تقريعًا وتوبيخًا: ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله من تلك الأصنام والأنداد تغني عنكم اليوم شيئًا، ولا تدفع عن أنفسها، فإنكم وإياها اليوم ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. وقوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ قال مجاهد: «يعني: [قد هووا]

стр. 707

فيها» (١)، وقال غيره: كبكبوا (٢) فيها والكاف مكررة كما يقال: صرصر، والمراد أنه ألقي بعضهم على بعضهم من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك، ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ أي: ألقوا فيها عن آخرهم ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: يقول الضعفاء للذين استكبروا ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾، ويقولون وقد عادوا على أنفسهم بالملامة: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: في العبادة كالدعاء والذبح والنذر وغير ذلك، ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ أي: ليس لنا شافع يشفع لنا عند الله فينجينا من عذابه، ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أي: يهتم بأمرنا ويتألم لنا، لأن المشرك لا يستطيع أحد أن يشفع فيه. وقد تقدم أن الله لم يقبل شفاعة إبراهيم في أبيه آزر، ولا استغفار محمد ﷺ لعمه أبي طالب (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وذلك أنهم يتمنون أن يردوا إلى دار الدنيا ليعملوا بطاعة ربهم فيما يزعمون، والله تعالى يعلم أنهم ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقد أخبر الله تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة (ص) ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُؤْمِنِينَ﴾ أي: في محاجة إبراهيم لقومه، وإقامة الحجة عليهم في التوحيد لآية - أي: لدلالة واضحة جلية - على أنه لا إله إلا الله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ القادر على تعجيل الانتقام، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالإمهال لكي يؤمنوا هم أو أحد من ذريتهم (٤). فصل قال محمد تقي الدين في هذا الكلام فوائد:

стр. 708

الأولى: لماذا قص الله علينا قصة إبراهيم مع قومه وأمر نبيه محمدًا ﷺ أن يتلوها علينا؟ قال (ك): «لنقتدي به في الإخلاص والتوكل وعبادة الله وحده لا شريك له، والتبرؤ من الشرك وأهله». فهذه أربعة أمور: الأول: الإخلاص هو تصحيح القصد وإرادة وجه الله تعالى في كل ما نقوله ونعتقده ونفعله وندعو الناس إليه. الثاني: الثقة بالله تعالى، والاعتماد عليه وعدم الخوف من المشركين والمنافقين. الثالث: إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له. الرابع: وهو شرط في صحة ما تقدم، وقليل من يتفطن له في هذا الزمان، وهو التبرؤ من الشرك وأهله، قال تعالى في سورة الممتحنة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] وقال تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧] وقال تعالى في سورة مريم: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨] وقال في هذه السورة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى آخر ما تقدم. فنحن نقول لعباد القبور والأضرحة والقباب: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ولا يتم توحيدنا إلا بذلك، هذا بعد أن نتلطف معهم، ونقيم لهم الحجج على أن ما يفعلونه هو الشرك الأكبر، ثم يصرون على عملهم، ولا نستثني من ذلك أحدًا لا أبًا ولا أمًا ولا أخًا ولا عمًا ولا صديقًا، وقد عسر هذا على بعض الموحدين، وعدّوه من التشدد والخروج من الحكمة، وهم محجوجون بما تقدم وبغيره. الثانية: إن تماثيل الصالحين، وهي الأصنام والأوثان وهي قبورهم وقبابهم والأحجار التي جلسوا عندها والأماكن التي مروا بها، وسائر آثارهم، إذا دعاها الداعي لا تسمع دعاءه ولا تراه، وكذلك أرواحهم؛ لأن السعيد من المعبودين تكون روحه في الجنة، فهي مشغولة بالنعيم عن سماع دعاء من دعاها ولنفرض أنها سمعته فإنها تكرهه وتمقت ذلك الداعي، لأنه أشرك بالله، ولا تجيبه أبدًا إلى

стр. 709

يوم القيامة، قال تعالى في سورة فاطر: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وإن كانت أرواح المعبودين شقية، فإنها لا تسمع دعاء العابدين، لأنها مشغولة بالعذاب. الثالثة: جواب المشركين لإبراهيم الخليل، وجواب المشركين لخير أبنائه محمد ﷺ حين سئلوا، من خلق السماوات والأرض، و ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: ٦٥]، كان اعترافًا بعجز آلهتهم، وأنها لا تسمع ولا تنفع، إلا أنهم اقتدوا بآبائهم. قال محمد تقي الدين: أما المشركون في هذا الزمان، فإنهم أشد جهلًا وأغلظ كفرًا (١)، فإنهم يزعمون أن آلهتهم تسمعهم إذا استغاثوا بها، وتتصرف في العالم وتنفع وتضر، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. الرابعة: ذكر الله لنا سبحانه أربعة من الرسل كلهم خوفهم المشركون من قومهم، وحذروهم أن تصيبهم آلهتهم بسوء، فقالوا لهم كلهم في المعنى: أجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم وكيدونا ولا تمهلونا طرفة عين، وكذلك المشركون في هذا الزمان، يخوفون الموحدين من غضب آلهتهم ويقولون لهم: احذروا الأولياء أن يصيبوكم بالمصائب التي لا طاقة لكم بها، ولما خرجت من الطريقة التجانية (٢) على يد شيخنا محمد بن العربي العلوي (٣) رحمة الله عليه في فاس في ربيع الأول سنة ١٣٣٨ هـ ورجعت إلى وجدة، حيث كنت معلمًا عند الشيخ أحمد سكيرج (٤)، لابنه عبد الكريم وابن أخيه عبد السلام، وكان يجلني ويكرمني، وكنا

стр. 710

في الهوى سواء، هو مقدم كبير في الطريقة التجانية وأنا مريد. فلما علم أني نبذت الطريقة التجانية نبذ النوى، أظهر الحزن، وجمع علي علماء وجدة، فناظروني فظهرت عليهم بالحجج القاطعة، فخوفوني من انتقام الشيخ، وذكروني بما نُسب (١) إلى الشيخ أحمد التجاني، أنه قال: من ترك طريقته وأخذ طريقتنا فلا خوف عليه لا من الله ولا من رسوله ولا من شيخه أيًا كان، من الأحياء أم من الأموات، أما من أخذ طريقتنا هذه الأحمدية المحمدية الإبراهيمية الحنيفية التجانية وتركها، فإنه يحل به البلاء دنيا وأخرى، ولا يموت إلا كافرًا قطعًا، وبذلك أخبرني سيد الوجود ﷺ يقظة لا مناما (٢)، فقلت لهم: دعوني من هذا الوعيد الذي لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولا قام عليه دليل بل هو مضاد للدليل كما أخبرتكم بالأدلة القاطعة، فغضبوا وقالوا للشيخ أحمد سكيرج: (هذا مُفلس) لا تنفع فيه النصيحة، والمفلس - بفتح اللام وتشديده، وضم الميم وتسكن تخفيفًا - في اللغة المغربية هو الذي بلغ غاية الضلال. ووقع لي مثل ذلك في تطوان لما أصابني مرض الربو، زعم المشركون أن السيد السعيدي هو الذي أصابني بذلك المرض، لأني قلت لهم: لا تذبحوا له ولا تطلبوا منه حاجة، فإنه لا يضر ولا ينفع، وكنت أعلم أن سبب المرض هو التعرض للبرد بعد الخروج من الحمام، وعلمت بعد ذلك بالتجربة أن هذا النوع من الربو دواؤه الانتقال من قرب البحر إلى الأماكن التي هواؤها جاف خال من الرطوبة، لأني إذا كنت في البلاد البعيدة من البحر، كسجلماسة، ومدينة مراكش، ومدينة النبي ﷺ ، ومكة، وشمال العراق، لا يصيبني أبدًا، فأين غضب السيد السعيدي وانتقامه مني حين أكون في البلاد البعيدة من البحر، وهل سيدي السعيدي يرضى أن يعبده الناس؟ لو كان كذلك لما كان صالحًا، إذ لا يرضى

стр. 711

بعبادة الناس له إلا شيطان أو طاغوت، فما أسفه عقول المشركين! الخامسة: يوجد كثير من الدجاجلة يضمنون الجنة لغيرهم بدراهم معدودة، ويقولون لهم: نحن آل النبي لا تمسنا النار، وقد ضمناكم فلا تمسكم النار حتى تَمَسَّنا، وهؤلاء مجرمون كاذبون على الله، فمحمد رسول الله ﷺ لم يستطع أن يدخل عمه أبا طالب الجنة، ولما استغفر له نهاه الله تعالى بقوله في سورة التوبة: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، وفي «صحيح البخاري» أن رسول الله ﷺ قال: «يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت وأنقذي نفسك من النار، لا أغني عنك من الله شيئًا»، وقال مثل ذلك لعمته صفية، ولعمه العباس، ولأقرب الناس إليه، بني هاشم (١)، وقد رأينا هنا أن إبراهيم إمام الحنفاء ﷺ يشفع لأبيه آزر فلا يقبل الله شفاعته فيه، بل يَمْسَحُ أباه آزر ذيخًا متلطخًا بما يخرج منه، ثم يأمر به فيلقى في جهنم (٢). الباب الثاني قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٣ - ٢٢٠] قال (ك): «يقول تعالى أمرًا بعبادته وحده لا شريك له، ومخبرًا أن من أشرك به عذبه، ثم قال تعالى أمرًا لرسوله ﷺ أن ينذر عشيرته الأقربين، أي الأدنين إليه، وأنه لا يخلّص أحدًا منهم إلا إيمانه بربه وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين، ومن عصاه من خلق الله كائنًا من كان فليتبرأ منه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وهذه النذارة الخاصة لا تنافي العامة بل هي فرد من أجزائها، كما قال تعالى:

стр. 712

﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦] وفي صحيح مسلم (١): «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار». وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة فلنذكرها: الحديث الأول: رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس ﵄ قال: لما أنزل الله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أتى النبي ﷺ الصَّفَا، فصعد عليه ثم نادى: يا صباحاه! فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ : «يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني»؟، قالوا: نعم، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، فقال أبو لهب: تبًا لك، سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] (٢). الحديث الثاني: روى الإمام مسلم وأحمد عن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام رسول الله ﷺ فقال: «يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم» (٣). الحديث الثالث: روى الإمام البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشًا فعم وخص فقال: «يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئًا إلا أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها» (٤). وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أي: في جميع أمورك فإنه

стр. 713

مؤيدك وحافظك وناصرك (١)، ومظفرك (٢)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ قال في الصلاة يراك وحدك ويراك في الجمع (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: «السَّمِيعُ لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: نستفيد من هذا الكلام فوائد: الأولى: إن كل من دعا الله غيره لجلب خير أو دفع شر، فإن الله يعذبه في الدنيا وفي الآخرة، وقد وجه الله تعالى الخطاب لنبيه وخير خلقه محمد ﷺ مع علمه سبحانه أنه معصوم من الشرك ومن المعاصي كلها، ليبين لنا أن كل من أشرك به، ولو بلغ في العبادة وعلو المنزلة كل مبلغ، فإن الله يحبط عمله ويعذبه، ولا يستطيع أحد أن يشفع فيه، حتى لو فرض المحال، وهو أن نبيًا من الأنبياء أشرك بالله، فإن الله يعذبه، وتعليق الحكم على المستحيل موجود في القرآن، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وقد تقدم تفسيره. الثانية وهي من أهم المسائل: أمر الله تعالى لنبيه أن يحذر أقرب الناس إليه من عذاب الله لئلا يتكلوا على قرابتهم منه، ويتكاسلوا عن العمل أو يتجرؤوا على ارتكاب المعاصي، اعتمادًا على أنهم أقرب الناس إلى سيد الشفعاء، وأنه يشفع لهم، ويخلصهم من العذاب، وقد قام النبي ﷺ بما أمره الله تعالى به خير قيام، فأنذر الأقربين كلهم حتى أنذر أقرب الناس إليه ابنته فاطمة، وخوفها من عذاب الله، وأخبرها أنه لا يخلصها من العذاب إلا توحيد الله تعالى وطاعة رسوله، وأن القرابة وحدها لا تغني عنها شيئًا. الثالثة: إن من آمن بالله واتقاه يكون معه بنصره وتأييده، وأنه لا يتوكل إلا على الله في جلب الخير ودفع الشر.

стр. 714

سورة النمل الباب الأول قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٣ - ٢٦]. قال معين الدين ابن الشيخ صفي الدين في «جامع البيان في تفسير القرآن»: «﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً﴾ أي: بلقيس تملكهم، الضمير لسبأ باعتبار أهلها، ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه الملوك: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ بالنسبة إلى عروش أمثالها، من ذهب مكلل بأنواع الجواهر ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ فلا يهتدون إلى قبائح أعمالهم ﴿فَصَدَّهُمْ﴾ منعهم ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ طريق الحق، ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ إليه ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ أي: صدهم أو زين لهم أعمالهم لئلا يسجدوا، من قرأ (١): ﴿أَلا﴾ بالتخفيف فمعناه: ألا يا قوم اسجدوا، وهو استئناف أمر من الله بالسجود أو من الهدهد أو من سليمان ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾، يظهر ما خفي في غيره وهو عام لإنزال المطر وإنبات النبات، وإنشاء البنين والبنات وغيرها في السموات والأرض ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا

стр. 715

تُعْلِنُونَ﴾ فله استحقاق السجود، لا لكرة تدور على الفلك بأمر مديرها ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ المحيط بجملة المكونات». فصل قال محمد تقي الدين: النظر هنا في آيتين: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الشمس أعظم آية من آيات الله التي نشاهدها بالبصر في هذه المجموعة الشمسية من الكواكب السيارة، والنجوم البعيدة والقمر، وقد جعلها الله تعالى سببًا لحياة الحيوان والنبات، وجعل الأرض التي نسكنها تبعد من الشمس بمقدار معين دقيق لو زاد شيئًا قليلًا في البعد من الشمس لجمد كل ما على ظهر الأرض من حيوان ونبات، ولو دنا قليلًا من الشمس لاحترق كل ما عليها من حيوان ونبات، فكيف يتجاسر الملحدون والقردة الذين يقلدونهم على القول بأن هذا العالم أوجد نفسه وهو يدبر نفسه، هؤلاء مغالطون مخادعون لأنفسهم قبل غيرهم. ولما كانت الشمس أعظم المخلوقات التي نشاهدها افتتن بها قوم من الذين يغترون بالظواهر، ولا ينظرون ما وراءها فاتخذوها إلهًا يعبدونها من دون الله، ومن بقاياهم الشعب الياباني، فإنهم يعتقدون أن ملكهم المسمى عندهم (مكدو) هو ابن الشمس، فهم يعبدونه من دون الله، ويوجد في شمال بلاد (نرويج) قوم من أهل البادية يسكنون الخيام في تلك الأراضي القطبية الشديدة البرد، فإنها في وقت شتائها تغيب عنها الشمس ثلاثة أشهر (١)، ولكن القمر يبقى ظاهرًا فهم يعبدونه، وأما أهل المدن فإنهم نصارى كسائر الأوربيين. ولو كانت الشمس هي التي أوجدت نفسها، وهي التي تدير نفسها، ولها علم وإرادة تسير باختيارها، لكان هناك العذر لمن يعبدها، ولكنها مخلوقة لها أجل محدود لم تكن من قبل ثم كانت، وإذا انقضى أجلها تفنى. وقد قدر علماء الفلك في هذا العصر حسب حدسهم وتخمينهم عمر

стр. 716

الشمس بعشرين ألف مليون سنة، وزعموا أن نصف هذه المدة قد مضى ونصفها باق، وهو عشرة آلاف مليون سنة، ولا يوجد أحد منهم في هذا الزمان يدعي أن الشمس أزلية، ولا أنها تطلع باختيارها وتغرب باختيارها، وتعطي الضوء والحر من تريد وتمنعهما ممن تريد، وعباد البقر في الهند أقل حماقة من عباد القبور، فلا ينبغي أن يعبد إلا رب العرش العظيم، وهو على كل شيء قدير (١). الباب الثاني قوله تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٤ - ٤٧]. قال محمد تقي الدين: إن كثيرًا من أهل هذا الزمان الذي لم يقتلوا «تفسير (كه)» درسًا وبحثًا يخيل لهم أن فيه خرافات إسرائيلية تكدر صفوه، فيجب حذفها، فأقول لهم: على رسلكم، ومن ذا الذي حرم علينا ذكر الإسرائيليات وروايتها إذا كانت فيها فائدة؟ كيف وقد قال النبي ﷺ : «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (٢)؟ فكأنّ هؤلاء يعارضون النبي ﷺ ويقولون: لا تحدثوا عن بني إسرائيل، ففي الحديث عنهم حرج، فإذا روى المفسرون السابقون، كابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والحسن البصري، وكبار أئمة الحديث، كأبي بكر بن أبي شيبة شيخ البخاري ومسلم حكايات كثيرة عن

стр. 717

بني إسرائيل، منها ما يصح ومنها ما لا يصح، فلا يسع الحافظ (ك) إلا أن يذكر ذلك في «تفسيره». ولكن هل كان يصدق كل ما روي في ذلك أو يعتمد عليه في إثبات حكم؟ الجواب: لا، ثم لا، وقد آتاه الله من العلم والحكمة ما يمنعه من ذلك، فقد ذكر ﵀ في قصة سليمان وبلقيس أخبارًا عجيبة غريبة وختمها بقصة طويلة عزاها إلى الإمام أبي بكر بن أبي شيبة، ثم قال بعد حكايتها عند قول ابن أبي شيبة: «ما أحسنه من حديث»، ما نصه: «قلت: بل هو حديث منكر غريب جدًا، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس، والله أعلم، والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما يوجد (١) في صحفهم، كروايات كعب، ووهب، سامحهما الله تعالى فيما نقلا (٢) إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان ومما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ، وقد أغنانا (٣) الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ، والله الحمد والمنة» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: أفبعد هذا يُتّهم (ك) بالغفلة وحشو كتابه بالإسرائيليات والحكايات الخيالية؟ اللهم لا، إنه بريء من ذلك (٥)، ثم قال في

стр. 718

بقية تفسير الآيات: أصل الصرح في كلام العرب هو القصر وكل بناء مرتفع، قال الله ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ الآيات، والصرح قصر في اليمن عالي البناء، والمراد المبني بناء محكمًا أملس. ﴿مِنْ قَوَارِير﴾ أي: زجاج، وتمريد البناء تمليسه، ومارد: حصن بدومة الجندل، والغرض أن سليمان ﵇ اتخذ قصرًا عظيمًا منيفًا من زجاج لهذه الملكة ليريها عظمة سلطانه وتمكنه، فلما رأت ما أتاه الله وجلالة ما هو فيه وتبصرت في أمره، انقادت لأمر الله تعالى، وعرفت أنه نبي كريم، وملك عظيم، وأسلمت لله وقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أي: فيما سلف من كفرها وشركها وعبادتها وقومها للشمس من دون الله ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: متابعة لدين سليمان في عبادته لله وحده لا شريك له الذي خلق كل

стр. 719

شيء، فقدره تقديرًا»، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. قال (ك): «يخبر تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها صالح ﵇، حين بعثه الله إليهم فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾، قال مجاهد: «مؤمن و كافر» (١) كقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥، ٧٦]. قال: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي: لم تدعون بحضور العذاب ولا تطلبون من الله رحمته، ولهذا قال: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ أي: ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرًا، وذلك أنهم لشقائهم كان لا يصيب أحدًا منهم سوء إلا قال: هذا من قبل صالح وأصحابه، قال مجاهد: تشاءموا بهم (٢)، وهذا كما قال تعالى: إخبارًا عن قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] أي: بقضائه وقدره (٣)، وقال تعالى مخبرًا عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٨ - ١٩] الآية، وقال هؤلاء: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: الله يجازيكم على ذلك، ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ قال قتادة: تبتلون بالطاعة والمعصية، والظاهر أن المراد بقوله: ﴿تُفْتَنُونَ﴾ أي: تستدرجون فيما أنتم فيه من «الضلال» (٤).

стр. 720

الباب الثالث قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا (١) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٥٩ - ٦٥] قال (ك): «يقول تعالى أمرًا رسوله ﷺ أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: على نعمه على عباده من النعم التي لا تعد ولا تحصى، وعلى ما اتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى، وأن يسلّم على عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم، وهم رسله وأنبياؤه الكرام عليهم من الله [أفضل] (٢) الصلاة والسلام، وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره: إن المراد بعباده الذين اصطفاهم (٣) الأنبياء، قال: وهو كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ

стр. 721

وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] وقال الثوري والسدي: هم أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم أجمعين - وروي نحوه عن ابن عباس [أيضًا] (١) ولا منافاة، فإنهم إذا كانوا من [عباد الله] (٢) الذين اصطفى، فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى والقصد أن الله تعالى أمر رسوله ومن اتبعه بعد [ذكره] (٣) لهم ما فعل بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد، وما أحل بأعدائه من الخزي والنكال والقهر، أن يحمدوه على جميع أفعاله، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار. وقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ استفهام إنكاري (٤) على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى، ثم شرع تعالى يبين أنه [المنفرد] (٥) بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ أي [خلق] (٦) تلك السموات [في ارتفاعها] (٧) وصفائها، وما جعل فيها من الكواكب النيرة والنجوم الزاهرة، والأفلاك الدائرة، وخلق الأرض في استقالها (٨) وكثافتها، وما جعل فيها من الجبال [والأطواد والسهول والأوعار] (٩) والفيافي والقفار، [والزروع والأشجار] (١٠) والثمار والبحار (١١) والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي: جعله رزقًا للعباد،

стр. 722

﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ أي: منظر حسن وشكل بهي ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ أي: لم تكونوا تقدرون على إنبات أشجارها (١) وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق المستقل بذلك المنفرد به دون ما سواه من الأصنام والأنداد، كما يعترف به هؤلاء المشركون، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] أي: هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة من هو [المنفرد] (٢) بالخلق والرزق، ولهذا قال تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي: أإله مع الله يعبد؟ وقد تبين لكم ولكل ذي لب ممن يعترفون (٣) به أيضًا أنه الخالق الرازق، ومن المفسرين من يقول معنى قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (٤) فعل هذا وهو يرجع إلى معنى الأول، لأن تقدير الجواب أنهم يقولون: ليس ثم أحد فعل هذا معه، بل هو المتفرد به، فيقال: كيف تعبدون معه غيره، وهو المستقل المتفرد بالخلق والرزق والتدبير؟ كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] الآية. وقوله تعالى ههنا: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿أَمَّنْ﴾ (٥) في هذه الآيات كلها تقديره: أمن يفعل هذه الأشياء كمن لا يقدر على شيء منها؟ هذا معنى السياق، وإن لم يذكر الآخر؛ لأن في قوة الكلام ما يرشد إلى ذلك، وقد قال تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم قال في الآية الأخرى (٦): ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يجعلون لله عدلًا ونظيرًا، وهكذا قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] أي: أمن هو هكذا كمن ليس كذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢]، وقال

стр. 723

تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] أي: أمن هو شهيد على أفعال الخلق، حركاتهم وسكناتهم، يعلم الغيب جليله وحقيره كمن هو لا يعلم ولا يسمع ولا يبصر من هذه الأصنام التي عبدوها؟ ولهذا قال: ﴿وَجَعَلُوا للَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] وهكذا هذه الآيات الكريمات كلها، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال (ك): يقول تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ أي: قارة ساكنة ثابتة لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا (١) ترجف بهم، فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة، بل جعلها من فضله ورحمته مهادًا بساطًا، ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء﴾ [غافر: ٦٤]. [وقوله] (٢): ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ أي: جعل فيها الأنهار العذبة الطيبة [شقها] (٣) في خلالها، وصرفها فيها ما بين أنهار كبار وصغار وبين ذلك، وسيرها شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، بحسب مصالح عباده في أقاليمهم وأقطارهم، حيث ذرأهم في أرجاء الأرض ويسير إليهم (٤) أرزاقهم بحسب ما يحتاجون إليه. ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِي﴾ أي: جبالًا شامخة ترسي الأرض وتثبتها لئلا تميد بكم، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ أي: جعل بين المياه العذبة والمالحة حاجزًا، أي مانعًا يمنعها من الاختلاط لئلا يفسد هذا بهذا، وهذا بهذا، فإن الحكمة الإلهية تقتضي بقاء كل منهما على صفته المقصودة منه، فإن البحر الحلو، هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين الناس، والمقصود منها أن تكون عذبة زلالًا، يسقي (٥) الحيوان والنبات (٦) منها، والبحار المالحة (٧) المحيطة بالأرجاء والأقطار من كل جانب (٨)، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ

стр. 724

فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣]، ولهذا قال تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي: فعل هذا، [أو يعبد] (١) على القول الأول (٢) وكلاهما متلازم صحيح، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: في عبادتهم غيره». وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. قال (ك): «ينبه تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد، المرجو عند النوازل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] وهكذا قال ههنا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ أي: من هو الذي [لا] (٣) يلجأ المضطر [إلا] (٣) إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين (٤) سواه. وروى الإمام أحمد بسنده عن جابر بن سليم الهجيمي قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو محتب بشملة وقد وقع هُدَبُها على قدميه، فقلت: أيكم محمد رسول الله؟ فأومى بيده إلى نفسه، فقلت: يا رسول الله أنا من أهل البادية وفي جفاؤهم فأوصني، قال: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه، فإنه يكون لك أجره وعليه وزره، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، ولا تسبن أحدًا» (٥). قال: فما سببت أحدًا ولا شاة ولا بعيرًا.

стр. 725

وقال أبو حاتم بسنده عن عبيد الله بن أبي صالح قال: «دخل علي طاوس يعودني، فقلت: ادع الله لي يا أبا عبد الرحمن، فقال: ادع لنفسك فإنه يجيب المضطر إذا دعاه» (١). وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالدقي الصوفي، قال هذا الرجل: كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا [في] (٢) بعض الطريق على طريق غير مسلوكة، فقال لي: خذ في هذه فإنها أقرب، فقلت: لا خبرة لي فيها، فقال: بل هي أقرب فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر وواد عميق، وفيه قتلى كثير (٣)، فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل، فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه وسل سكينًا معه، وقصدني ففررت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله، وقلت: خذ البغل بما عليه. فقال: هو لي وإنما أريد قتلك، فخوفته الله والعقوبة، فلم يقبل فاستسلمت بين يديه، وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين، فقال: وعجل فقمتُ أصلي فأرتج علي القرآن، فلم يحضرني منه حرف واحد فبقيت واقفًا متحيرًا وهو يقول: هيه افرغ، فأجرى الله على لساني قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم [الواد] (٤) وبيده حربة، فرمى بها الرجل، فما أخطأت

стр. 726

فؤاده، فخر صريعًا، فتعلقت بالفارس، وقلت [له] (١): بالله من أنت؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت سالمًا (٢). وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ أي: يخلف قرن قرنًا (٣) قبلهم وخلفًا لسلف كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣] ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ أي: قومًا يخلف بعضهم بعضًا، كما قدمنا تقريره (٤) ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي: يقدر

стр. 727

على ذلك، أُو: أإله مع الله يعبد؟ وقد علم أن الله هو المتفرد (١) بفعل ذلك [وحده لا شريك له] (٢) وقال تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم إلى الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم. وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣] يقول تعالى: أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر (٣) بما خلق من الدلائل السماوية والأرضية، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] الآية [وقال تعالى] (٤): ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: بين يدي السحاب الذي فيه مطر يغيث [الله] (٥) به عباده المجدبين (٦) القنطين، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: هو الذي بقدرته وسلطانه يبدأ الخلق ثم يعيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج: ١٢، ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بما ينزل من مطر السماء وينبت من بركات الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١١، ١٢] فهو ﵎ ينزل من السماء ماء مباركًا فيسلكه (٧) ينابيع في الأرض ثم يخرج به [منها] (٨) أنواع الزروع والثمار والأزاهير وغير ذلك من ألوان شتى، ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤]، ولهذا قال تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي: فعل هذا، وعلى القول الآخر يعبد (٩)، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ على

стр. 728

صحة ما تدعونه من عبادة آلهة أخرى ﴿إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ في ذلك، وقد علم أنه لا حجة لهم [في ذلك] (١) ولا برهان، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]. ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ يقول تعالى أمرًا رسوله ﷺ أن يقول معلمًا لجميع الخلق: إنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب [إلا الله] (١) وقوله تعالى: [إلا] (٢)، استثناء منقطع أي: لا يعلم أحد ذلك إلا الله، فإنه المتفرد (٣) بذلك وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ … ﴾ [لقمان: ٣٤] إلى آخر السورة، والآيات في هذا كثيرة، وقوله تعالى: [أَيَّانَ يُبْعَثُونَ] (٤) أي: وما يشعر الخلائق الساكنون في السموات والأرض بوقت الساعة، كما قال تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ٨٧] أي: ثقل علمها على أهل السموات الأرض، وقال ابن أبي حاتم بسنده عن عائشة ﵂ قالت: «من زعم أنه يعلم - تعني: النبي ﷺ ما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية، لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾» (٥). وقال قتادة (٦): «إنما جعل [الله] (٧) هذه النجوم لثلاث [خصال] (٨): جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجومًا للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك، فقد قال برأيه وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، وإن أناسًا (٩) جهلة بأمر الله قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا.

стр. 729

كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن ولد بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والقصير والطويل والحسن والدميم (١)، وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من الغيب، وقضى الله تعالى أنه (٢) ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله، وما يشعرون أيان يبعثون (٣). رواه ابن أبي حاتم عنه بحروفه، وهو كلام جليل متين (٤). فصل قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام فوائد: الأولى: إن كل من يقرأ الآيات ويفهم معناها ويبقى معتقدا بجواز عبادة غير الله تعالى بالدعاء وبالاستغاثة والذبح والنذر والخوف والرجاء والتوكل والخضوع والتذلل، فلا شك أن الله تعالى ختم على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، فمن يهدي من أضل الله؟ الثانية: ذكر الله تعالى في هذه الآيات خمسة عشر دليلا، كل واحد منها كاف شاف في أنه لا يعبد إلا الله، ومن عرف ذلك الدليل، وعبد غير الله، فهو أضل من الأنعام: الأول: خلق السموات والأرض. الثاني: إنزال الماء من السماء. الثالث: إنبات النبات من حدائق وغيرها. الرابع: جعل الأرض قرارا. الخامس: خلق الجبال في الأرض لتثبيتها. السادس: جعل الأنهار تجري خلالها. السابع: خلق حاجز بين الماء العذب والماء المالح.

стр. 730

الثامن: إجابة المضطر وغوث الملهوف كصاحب البغل. التاسع: كشف السوء كله من فقر ومرض وسجن وغير ذلك من أنواع الضيق والكرب. العاشر: جعل الله الناس خلفاء في الأرض يخلف بعضهم بعضًا، يعمر الأرض قوم ثم يذهبون، ويأتي قوم آخرون، وهكذا إلى يوم القيامة. الحادي عشر: هداية الله الناس في أسفارهم في ظلمات البر والبحر بنجوم السماء، وعلامات الأرض. الثاني عشر: إرسال الله الرياح مبشرات بين يدي المطر. الثالث عشر: إن الله يبدأ الخلق ثم يفنيهم ثم يعيدهم. الرابع عشر: إن الله يرزق عباده أنواعًا من الرزق، بعضها من السماء وبعضها من الأرض. الخامس عشر: استئثار الله تعالى بعلم الغيب. الثالثة: تكرار قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ خمس مرات، وقد فسرها بعض المفسرين بقولهم أإله يعبد مع الله؟ وفسرها آخرون بقولهم: أإله آخر هناك فعل ذلك؟ والجواب: لا، لأن المشركين في ذلك الزمان يعتقدون جازمين أنه لا يفعل ذلك إلا الله، فيقال لهم: لماذا تعبدون غيره إذًا؟! الباب الرابع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩١ - ٩٣] قال (ك): يقول تعالى مخبرًا عن رسوله (١) وآمرًا له أن يقول: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِن دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس: ١٠٤] وإضافة (٢) الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها.

стр. 731

والاعتناء بها، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣، ٤]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ أي: الذي إنما صارت حرامًا شرعًا وقدرًا بتحريمه لها، كما ثبت في «الصحيحين» عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها … » (١) الحديث بتمامه. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ من باب عطف العام على الخاص، أي: هو رب هذه البلدة، ورب كل شيء ومليكه، [لا إله إلا هو] (٢). ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له وقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ أي: على الناس أبلغهم إياه، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨]، وكقوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ [القصص: ٣] الآية أي: أنا مبلغ ومنذر: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ أي: لي [أسوة بالرسل] (٣) الذين أنذروا قومهم، وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة إليهم وخَلُصُوا من عهدتهم، وحساب أممهم على الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾، وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ، فَتَعْرِفُونَها﴾ أي: الله الحمد الذي لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، [والإنذار] (٤) إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بل هو شهيد على كل شيء، وقال ابن أبي حاتم بسنده عن أبي هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس لا يغترن أحدكم بالله، فإن الله لو كان غافلًا شيئًا لأغفل البعوضة

стр. 732

والخردلة والذرة» (١)، وكان الإمام أحمد ينشد هذين البيتين، إما له وإما لغيره (٢): إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خَلَوتُ … ولكن قل عليَّ رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة … ولا أن ما يخفى عليه يغيب فصل قال محمد تقي الدين: أمر الله رسوله ﷺ وأمر أمته تبعًا له بعبادة الله وحده لا شريك له، رب كل شيء، وأمره أن يكون من المسلمين، أي: الذين أسلموا نفوسهم وقلوبهم لله رب العالمين، ووحدوه وأطاعوه، وأمره بقراءة القرآن لوجه الله لا لغرض آخر، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] فمن قرأ القرآن لغرض آخر من أغراض الدنيا كتحصيل المال أو الفخر، فإنه يكون عليه وبالًا.

стр. 733

سورة القصص الباب الاول قوله تعالي: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٦٢ - ٧٥] قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة»

стр. 734

حيث يناديهم، فيقول: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، يعني: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا من الأصنام والأنداد؟! ﴿هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٣] وهذا على سبيل التقريع والتهديد، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ يعني: من (١) الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ فشهدوا عليهم أنهم أغووهم فاتبعوهم ثم تبرؤوا من عبادتهم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]، وقال الخليل لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] الآية، وقال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧] ولهذا قال: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ ليخلصوكم مما أنتم فيه كما كنتم ترجون منهم في الدار الدنيا ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة. وقوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أي: فودُّوا حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من المهتدين في الدار الدنيا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٢، ٥٣]. وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ النداء الأولى عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوات: ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم

стр. 735

[و] (١) كيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يسأل العبد في قبره: من ربك؟ ومن نبيك، وما دينك؟ فأما المؤمن؛ فيشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأما الكافر فيقول: هاه هاه، لا أدري (٢)، ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت، لأن ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقال مجاهد: فعميت عليهم الحجج فهم لا يتساءلون بالأنساب، وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: في الدنيا ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿وَعَسَى﴾ من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنته (٣) لا محالة». وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ إلى قوله: ﴿يُرْجَعُونَ﴾: قال: «يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع، ولا معقب قال (٤) تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ أي: ما يشاء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه. وقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ نفي على أصح القولين، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقد اختار ابن جرير (٥)، أن ما ههنا بمعنى: الذي، تقديره: ويختار الذي لهم خيرة، وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح (٦)، والصحيح أنها نافية، كما نقله ابن أبي حاتم عن ابن عباس (٧) وغيره أيضًا، فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق، والتقدير، والاختيار، وأنه

стр. 736

لا نظير له في ذلك، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئًا. ثم قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: يعلم ما تكن (١) الضمائر، وما تنطوي عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]، وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [أي: هو] (٢) المنفرد بالإلهية فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ويختار سواه. ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ أي: في جميع ما يفعله، هو المحمود عليه لعدله (٣) وحكمته ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الذي لا معقب له لقهره وغلبته وحكمته ورحمته ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: جميعكم يوم القيامة فيجزي كل عامل بعمله من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال (٤). وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ قال (ك): «يقول تعالى ممتنًا على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار اللذين لا قوام لهم بدونهما، وبين أنه لو جعل الليل دائمًا عليهم سرمدًا إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم ولسئمته (٥) النفوس وانحصرت منه، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء﴾ أي: تبصرون به وتستأنسون بسببه: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾. ثم أخبر تعالى أنه لو جعل النهار سرمدًا [أي] (٦): دائمًا مستمرًا إلى يوم القيامة؛ لأضر ذلك بهم ولتعبت الأبدان، وكلت من كثرة الحركات والأشغال، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ أي: تستريحون من حركاتكم وأشغالكم ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي بكم: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: خلق هذا وهذا ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: في النهار بالأسفار.

стр. 737

والترحال والحركات والأشغال، وهذا من باب اللف والنشر وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار ومن فاته شيء بالليل استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]. والآيات في هذا كثيرة، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. وهذا أيضًا نداء [ثان] (١) على سبيل التوبيخ والتقريع (٢) لمن عبد مع الله إلهًا آخر، يناديهم الرب على رؤوس الأشهاد، فيقول: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: في دار الدنيا، ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ قال مجاهد: يعني: رسولًا (٣)، ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي: على صحة ما ادعيتموه من أن الله شركاء ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ أي: لا إله غيره فلم ينطقوا (٤). فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: المعبودون من دون الله قسمان: أبرار وغيرهم، فالأبرار: الملائكة والأنبياء، كعيسى بن مريم، والصالحون كأصل أصنام قوم نوح. وغير الأبرار قسمان قسم دعوا الناس إلى عبادتهم أو رضوا بها، كفرعون والسدنة الأولين للأصنام، وسدنة القباب المعبودة، والقسم الثاني: الأصنام والأوثان (٥)، فالأصنام تماثيل الصالحين أو الأنبياء، ولو في نظر من يعبدونهم، والأوثان: كل جماد عبد من دون الله كالشمس والقمر والنجوم والقباب والقبور والأشجار والأحجار والمياه والنار.

стр. 738

وهؤلاء الشركاء المذكورون في هذه الآية من الصنف الأول من (القسم الثاني)، وهم الذين يدعون الناس إلى عبادتهم أو يرضون بها، وذلك لقولهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أما قولهم: ﴿تَبَرَأْنَا إِلَيْكَ﴾ فهو تبرؤ لا ينفعهم لأنهم في دار الجزاء. وأما قولهم: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ فإنه يحتمل وجهين: أحدهما: نتبرأ إليك اليوم من عبادتهم لنا في دار الدنيا. والثاني: إنهم كانوا يعبدون الشيطان الذي زين لهم عبادتنا، فإن كل عابد لغير الله هو عابد للشيطان كما قال تعالي: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٧ - ١١٨] وقال تعالى في سورة يس: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠ - ٦١]. فائدة ثانية: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: هل قلتم لهم: سمعنا وأطعنا، أو قلتم: سمعنا وعصينا، فمن قال: سمعنا وأطعنا، فهم المسلمون، فإن قالوها ظاهرًا وباطنًا فهم المخلصون إذ نجوا من الرياء والسمعة، وهم السعداء الذين ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]، وإن قالوها بألسنتهم دون قلوبهم وأعمالهم، فهم المنافقون والمتمذهبون المقلدون، إذا وجدوا حجة من كتاب الله أو سنة رسوله تخالف مذهبهم، أو تخالف ما وجدوا عليه آباءهم، رفضوا قبولها وأصروا على اتباع آبائهم وعادات بلادهم، فهم من المنافقين، وسيأتي الكلام على ذلك في (قسم توحيد الاتباع) إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: لا يجدون جوابًا، فيكبتون حين يصرح الأئمة ببراءتهم منهم ويقولون: ﴿تَبَرَأْنَا إِلَيْكَ﴾ ما أمرناهم بتقليدنا ولا باتخاذ المذاهب والتعصب لها، وإنا كنا نأمر الناس باتباع كتابك وسنة نبيك يا رب، فيسقط في أيديهم ويندمون حين لا يفيد الندم. فائدة ثالثة: قوله: ﴿عَسَى﴾ من الله موجبة يعني: إن الله وعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن يكونوا من المفلحين يوم القيامة، الذين فازوا بما أملوا، ونجوا مما خافوا، فإن قيل: فما فائدة التعبير بعسى؟ ولماذا لم يقل: فأولئك من المفلحين؟ فالجواب: والله أعلم أن فائدتها أن يكون العبد بين الخوف والرجاء، وأن لا يتكل على عمله، ولذلك كان كبار الصحابة يخافون على

стр. 739

أنفسهم النفاق، وفي «صحيح البخاري» أن عمر بن الخطاب سأل حذيفة بن اليمان بقوله: أنشدك الله هل ذكر لك النبي ﷺ اسمي في أسماء المنافقين؟ قال: لا، ولا أزكي بعدك أحدا (١). فائدة رابعة: أكثر البلدان جعل الله لهم نهارا وليلا في كل أربع وعشرين ساعة، وسكان الأراضي القطبية، كما في شمال نرويج جعل الله لهم السنة أربعة أقسام، القسم الأول زمان الربيع، فيه نهار وليل لكن كل يوم ينقص الليل ويزيد النهار، وفصل الصيف: كله نهار لا تغيب الشمس فيه مدة ثلاثة أشهر بالحساب الشمسي، وفصل الخريف: فيه ليل ونهار، ولكن كل يوم ينقص النهار ويزيد الليل بعكس الربيع مدة ثلاثة أشهر، وعند ذلك يجيء الشتاء: وهو كله ليل لا تظهر فيه الشمس مدة ثلاثة أشهر، وقد شاهدت ذلك بنفسي، وشاهده من معي [لما] (٢) وصلنا تلك البلاد في فصل الصيف الذي لا تغيب فيه الشمس (٣)، وهذا هو الزمان المناسب لزيارة تلك البلاد لشدة البرد في الفصول الأخرى، فسبحان الخلاق العليم. الباب الثاني قوله تعالي: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى

стр. 740

رَبِّكَ ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٧، ٨٨] قال (ك): ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾، أي: لا تتأثر لمخالفتهم لك، وصدهم الناس عن طريقك ولا تبال (١) فإن الله معل كلمتك، ومؤيد دينك، ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان، ولهذا قال: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: إلى عبادة ربك وحده لا شريك له: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا تليق العبادة إلا له، ولا تنبغي الإلهية إلا لعظمته. وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]. فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ههنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه، وقد ثبت في «الصحيحين (٢) من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل» (٣) وقال مجاهد والثوري في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه» كالمقرر له (٤). قال ابن جرير (٥): ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر (٦): أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحصِيهُ … رَب العباد إليه الوَجْهُ والعمل وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال أنها
следующие страницы →