← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

لا نظير له في ذلك، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئًا. ثم قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: يعلم ما تكن (١) الضمائر، وما تنطوي عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]، وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [أي: هو] (٢) المنفرد بالإلهية فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ويختار سواه. ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ أي: في جميع ما يفعله، هو المحمود عليه لعدله (٣) وحكمته ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الذي لا معقب له لقهره وغلبته وحكمته ورحمته ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: جميعكم يوم القيامة فيجزي كل عامل بعمله من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال (٤). وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ قال (ك): «يقول تعالى ممتنًا على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار اللذين لا قوام لهم بدونهما، وبين أنه لو جعل الليل دائمًا عليهم سرمدًا إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم ولسئمته (٥) النفوس وانحصرت منه، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء﴾ أي: تبصرون به وتستأنسون بسببه: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾. ثم أخبر تعالى أنه لو جعل النهار سرمدًا [أي] (٦): دائمًا مستمرًا إلى يوم القيامة؛ لأضر ذلك بهم ولتعبت الأبدان، وكلت من كثرة الحركات والأشغال، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ أي: تستريحون من حركاتكم وأشغالكم ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي بكم: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: خلق هذا وهذا ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: في النهار بالأسفار.

стр. 737

والترحال والحركات والأشغال، وهذا من باب اللف والنشر وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار ومن فاته شيء بالليل استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]. والآيات في هذا كثيرة، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. وهذا أيضًا نداء [ثان] (١) على سبيل التوبيخ والتقريع (٢) لمن عبد مع الله إلهًا آخر، يناديهم الرب على رؤوس الأشهاد، فيقول: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: في دار الدنيا، ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ قال مجاهد: يعني: رسولًا (٣)، ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي: على صحة ما ادعيتموه من أن الله شركاء ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ أي: لا إله غيره فلم ينطقوا (٤). فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: المعبودون من دون الله قسمان: أبرار وغيرهم، فالأبرار: الملائكة والأنبياء، كعيسى بن مريم، والصالحون كأصل أصنام قوم نوح. وغير الأبرار قسمان قسم دعوا الناس إلى عبادتهم أو رضوا بها، كفرعون والسدنة الأولين للأصنام، وسدنة القباب المعبودة، والقسم الثاني: الأصنام والأوثان (٥)، فالأصنام تماثيل الصالحين أو الأنبياء، ولو في نظر من يعبدونهم، والأوثان: كل جماد عبد من دون الله كالشمس والقمر والنجوم والقباب والقبور والأشجار والأحجار والمياه والنار.

стр. 738

وهؤلاء الشركاء المذكورون في هذه الآية من الصنف الأول من (القسم الثاني)، وهم الذين يدعون الناس إلى عبادتهم أو يرضون بها، وذلك لقولهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أما قولهم: ﴿تَبَرَأْنَا إِلَيْكَ﴾ فهو تبرؤ لا ينفعهم لأنهم في دار الجزاء. وأما قولهم: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ فإنه يحتمل وجهين: أحدهما: نتبرأ إليك اليوم من عبادتهم لنا في دار الدنيا. والثاني: إنهم كانوا يعبدون الشيطان الذي زين لهم عبادتنا، فإن كل عابد لغير الله هو عابد للشيطان كما قال تعالي: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٧ - ١١٨] وقال تعالى في سورة يس: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠ - ٦١]. فائدة ثانية: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: هل قلتم لهم: سمعنا وأطعنا، أو قلتم: سمعنا وعصينا، فمن قال: سمعنا وأطعنا، فهم المسلمون، فإن قالوها ظاهرًا وباطنًا فهم المخلصون إذ نجوا من الرياء والسمعة، وهم السعداء الذين ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]، وإن قالوها بألسنتهم دون قلوبهم وأعمالهم، فهم المنافقون والمتمذهبون المقلدون، إذا وجدوا حجة من كتاب الله أو سنة رسوله تخالف مذهبهم، أو تخالف ما وجدوا عليه آباءهم، رفضوا قبولها وأصروا على اتباع آبائهم وعادات بلادهم، فهم من المنافقين، وسيأتي الكلام على ذلك في (قسم توحيد الاتباع) إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: لا يجدون جوابًا، فيكبتون حين يصرح الأئمة ببراءتهم منهم ويقولون: ﴿تَبَرَأْنَا إِلَيْكَ﴾ ما أمرناهم بتقليدنا ولا باتخاذ المذاهب والتعصب لها، وإنا كنا نأمر الناس باتباع كتابك وسنة نبيك يا رب، فيسقط في أيديهم ويندمون حين لا يفيد الندم. فائدة ثالثة: قوله: ﴿عَسَى﴾ من الله موجبة يعني: إن الله وعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن يكونوا من المفلحين يوم القيامة، الذين فازوا بما أملوا، ونجوا مما خافوا، فإن قيل: فما فائدة التعبير بعسى؟ ولماذا لم يقل: فأولئك من المفلحين؟ فالجواب: والله أعلم أن فائدتها أن يكون العبد بين الخوف والرجاء، وأن لا يتكل على عمله، ولذلك كان كبار الصحابة يخافون على

стр. 739

أنفسهم النفاق، وفي «صحيح البخاري» أن عمر بن الخطاب سأل حذيفة بن اليمان بقوله: أنشدك الله هل ذكر لك النبي ﷺ اسمي في أسماء المنافقين؟ قال: لا، ولا أزكي بعدك أحدا (١). فائدة رابعة: أكثر البلدان جعل الله لهم نهارا وليلا في كل أربع وعشرين ساعة، وسكان الأراضي القطبية، كما في شمال نرويج جعل الله لهم السنة أربعة أقسام، القسم الأول زمان الربيع، فيه نهار وليل لكن كل يوم ينقص الليل ويزيد النهار، وفصل الصيف: كله نهار لا تغيب الشمس فيه مدة ثلاثة أشهر بالحساب الشمسي، وفصل الخريف: فيه ليل ونهار، ولكن كل يوم ينقص النهار ويزيد الليل بعكس الربيع مدة ثلاثة أشهر، وعند ذلك يجيء الشتاء: وهو كله ليل لا تظهر فيه الشمس مدة ثلاثة أشهر، وقد شاهدت ذلك بنفسي، وشاهده من معي [لما] (٢) وصلنا تلك البلاد في فصل الصيف الذي لا تغيب فيه الشمس (٣)، وهذا هو الزمان المناسب لزيارة تلك البلاد لشدة البرد في الفصول الأخرى، فسبحان الخلاق العليم. الباب الثاني قوله تعالي: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى

стр. 740

رَبِّكَ ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٧، ٨٨] قال (ك): ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾، أي: لا تتأثر لمخالفتهم لك، وصدهم الناس عن طريقك ولا تبال (١) فإن الله معل كلمتك، ومؤيد دينك، ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان، ولهذا قال: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: إلى عبادة ربك وحده لا شريك له: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا تليق العبادة إلا له، ولا تنبغي الإلهية إلا لعظمته. وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]. فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ههنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه، وقد ثبت في «الصحيحين (٢) من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل» (٣) وقال مجاهد والثوري في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه» كالمقرر له (٤). قال ابن جرير (٥): ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر (٦): أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحصِيهُ … رَب العباد إليه الوَجْهُ والعمل وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال أنها

стр. 741

باطلة إلا ما أريد به (١) وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة الإسلامية، والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية (٢) وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس (٣)، فإنه الأول والآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء، وقوله: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الملك والتصرف ولا معقب لحكمه، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم معادكم فيجزيكم بأعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: معنى التفسير الأول أن كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الحي الباقي، سبحانه لا إله إلا هو، ومعنى التفسير الثاني: إن كل ما أنفقه الإنسان أو عمله، ولم يقصد به التقرب إلى الله تعالى، فهو ضائع لا ينفعه في الدار الآخرة، فيكون الوجه بمعنى التوجه، كما في قول الشاعر (٥): «إليه الوجه … والعمل»، أي: نتوجه ونعمل له.

стр. 742

سورة العنكبوت الباب الأول : قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨] قال (ك): «يقول تعالى أمرًا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما إليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق، والوالدة بالإشفاق، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤] ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي: وإن حرصا عليك أن تتابعهما على (١) دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، فلا تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إليَّ يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما وصبرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين، لا في زمرة والديك وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا، فإن المرء يحشر يوم القيامة مع من أحب، أي حبًا دينيًا (٢). فصل قال محمد تقي الدين: بر الوالدين أعظم الواجبات بعد توحيد الله ، وعقوقهما شر المعاصي بعد الإشراك بالله، ومع أن الله أوصى بالإحسان إليهما،

стр. 743

فإذا أمرا بمعصية الله أو بالشرك بالله وجبت معصيتهما في ذلك، إذ «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (١)، وفي الحديث أن أم سعد بن أبي وقاص قالت له: لا آكل ولا أشرب حتى تكفر بمحمد، فأخبر النبي ﷺ فقال له: «دعها» فبقيت ثلاثة أيام لا تأكل ولا تشرب، فلما اشتد جوعها وعطشها أكلت وشربت (٢). وفي الحديث أيضًا أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق كان في غزوة بدر كافرًا يقاتل مع المشركين ثم أسلم بعد ذلك، فقال لأبيه: لقد هدفت لي يوم بدر فلم أقتلك، فقال له أبو بكر ﵁: «أما إنك لو هدفت لي لقتلتك» (٣) ومن هذا نعلم أن استعمال كتاب هذا العصر، (هدف واستهدف)، بمعنى: قصد، جهل عظيم باللغة العربية (٤) فإن معناهما نصب نفسه هدفًا لمن يرميه، ومن ذلك قولهم:

стр. 744

مَنْ أَلَّف فقد استهدف»، أي: نصب نفسه هدفًا للطاعنين في كتابه. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦ - ١٧] قال (ك): يخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء أنه دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والإخلاص له في التقوى وطلب الرزق منه وحده لا شريك له، وتوحيده في الشكر، فإنه المشكور على النعم لا مُسْدٍ لها غيره، فقال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي: أخلصوا له في (١) العبادة والخوف. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: إذا فعلتم ذلك (٢) حصل لكم الخير في الدنيا والآخرة، واندفع عنكم الشر في الدنيا والآخرة، ثم أخبر (٣) تعالى أن الأصنام التي يعبدونها (٤) والأوثان لا تضر ولا تنفع، وإنما اختلقتم (٥) لها أسماء فسميتموها (٦) آلهة، وإنما هي مخلوقة مثلكم، وهي لا تملك لكم رزقًا، ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾، وهذا أبلغ في الحصر، كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] ولهذا قال: ﴿فَابْتَغُوا﴾ أي: فاطلبوا (٧) ﴿عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ أي: لا عند (٨).

стр. 745

غيره، فإن غيره لا يملك شيئًا، ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ أي: كلوا من رزقه، واعبدوه وحده، واشكروا له على ما أنعم به عليكم ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم القيامة فيجازي كلَّ عامل بعمله» (١). فصل قال محمد تقي الدين: ملة إبراهيم هي الحنيفية التي أمر الله نبيه محمدًا ﷺ باتباعها وأمته تبع له، فأهل هذه الملة لا يتوجهون بقلوبهم ولا بألسنتهم ولا بذبائحهم ونذورهم إلا إلى الله وحده، جازمين بأن غيره لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فكيف يملك ذلك لغيره؟ الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] قال (ك): «﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يقول لقومه مقرعًا لهم وموبخًا على سوء صنيعهم في عبادتهم للأوثان: إنما اتخذتم هذه لتجتمعوا على عبادتها في الدنيا صداقة وألفة منكم بعضكم بعضًا (٢) في الحياة الدنيا، وهذا على قراءة من نصب ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ على أنه مفعول له، وأما على قراءة الرفع (٣)، فمعناه: إنما اتخاذكم هذا لتحصل (٤) المودة.

стр. 746

في الدنيا فقط ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ينعكس هذا الحال فتنقلب (١) هذه الصداقة والمودة بغضًا (٢) وشنآنًا، ثم ﴿يَكْفُرُ﴾ (٣) بَعْضُكُم بِبَعْضٍ أي: تتجاحدون ما كان بينكم، ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ أي: يلعن الأتباع المتبوعين والمتبوعون الأتباع، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. وقال ههنا: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ الآية، أي: ومصيركم ومرجعكم بعد عرصات القيامة إلى النار، وما لكم من ناصر ينصركم ولا منقذ ينقذكم من عذاب الله، وهذا حال الكافرين، فأما المؤمنون فبخلاف ذلك، قال ابن أبي حاتم بسنده عن أم هانئ أخت علي بن أبي طالب، قالت: قال لي النبي ﷺ : «أخبرك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، فمن يدري أين (٤) الطرفين؟» قالت: الله ورسوله أعلم [قال]: «ثم ينادي مناد من تحت العرش: يا أهل التوحيد، إن الله قد عفا عنكم، قال: فيقوم الناس قد تعلق بعضهم ببعض في ظلامات الدنيا - يعني المظالم - ثم ينادي: يا أهل التوحيد ليعف بعضكم عن بعض وعلى الله الثواب» (٥). فصل قال محمد تقي الدين وهذه الآية تنطبق على أصحاب المواسم الذين يجتمعون كل سنة عند الأوثان، فيذبحون لها ويختلطون رجالًا ونساء ويستوجبون

стр. 747

بذلك غضب الله تعالى، روى مالك في «الموطأ» عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١). اهـ. فإذا كان غضب الله يشتد على من بنى المساجد على قبور الأنبياء وجعل صلاته ودعاءه عند قبورهم، وإن كان يدعو الله وحده ولا يشرك به شيئًا، فما بالك بأصحاب المواسم الذين يشدون الرحال من بلدان بعيدة بنسائهم وأولادهم إلى الوثن، ويذبحون له ويطوفون بضريحه، ويتمسحون به ويستغيثون به، لا شك أن غضب الله يكون عليهم أشد، وستصير تلك المودة التي جمعتهم على الأوثان عداوة يوم القيامة حين ينكشف الغطاء، ويتبين لهم أنهم كانوا خاسرين ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]. الباب الرابع قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١ - ٤٣]. قال (ك): «هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، يرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئًا، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه الله، وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع، فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها، ثم قال متوعدًا لمن عبد غيره وأشرك به (٢): إنه تعالى يعلم ما هم عليه.

стр. 748

من الأعمال، ويعلم ما يشركون به من الأنداد و ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩]. ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ أي: وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون في العلم والمتضلعون (١) منه، وروى ابن أبي حاتم بسنده (٢) عن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني لأني سمعت الله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٣). فصل قال محمد تقي الدين: قال الله تعالى في سورة السجدة: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٦ - ٧]، فكل ما خلقه الله فهو حسن كامل واف بالغرض الذي خلق لأجله، فبيوت النمل في غاية الإحكام وحسن الهندسة، تتحير فيها الألباب، وبيوت النحل كذلك، وأعشاش الطيور، فكذلك بيت العنكبوت هو في غاية الكمال، واف بالغرض الذي خلق لأجله، وليس فيه نقص ولا عيب، ولكن لو أن الإنسان اتخذ بيتًا من نسج العنكبوت لا يصلح أن يكون له مسكنًا لا يقيه حرًا ولا بردًا ولا مطرًا ولا يحفظه من السراق واللصوص، فهو كالعدم، فكذلك الذين اتخذوا أولياء يعبدونهم مع الله لا ينفعونهم بشيء، ولا يدفعون عنهم شيئًا من الضر، فهذا وجه الشبه بين المشركين وبين من اتخذه من نسيج العنكبوت. الباب الخامس قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] قال (ك): هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين بأن

стр. 749

يُوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم، ولهذا قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾، قال الإمام أحمد بسنده عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله ﷺ : «البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيرًا فأقم (١)». ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة، ليأمنوا على دينهم هناك، فوجدوا خير المنزلين [هناك] (٢) أصحمة النجاشي ملك الحبشة - رحمه الله تعالى - فآواهم (٣) وأيدهم بنصره وجعلهم (٤) ببلاده، ثم بعد ذلك هاجر رسول الله ﷺ وأصحابه (٥) الباقون إلى المدينة النبوية يثرب المطهرة (٦). فصل قال محمد تقي الدين: حاصل هذا الكلام أن المسلم لا يجوز له أن يقيم في بلد لا يستطيع أن يعلن فيه توحيد الله والبراءة من الشرك وأهله، وقد ضمن الله سبحانه لكل موحد صادق أن يهيئ له مكانًا في هذه الأرض الواسعة يستطيع أن يحقق فيه توحيد الله تعالى، فعليه أن يسعى بجد (٧)، والله لا يخلف الميعاد …

стр. 750

سورة الروم الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾ [الروم: ١٢ - ١٣]. قال (ك): ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾ قال ابن عباس: ييأس المجرمون (١)، «وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَابِهِمْ شُفَعَوا أي: ما شفعت فيهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى وكفروا بهم وخانوهم أحوج ما كانوا إليهم» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: المراد بالمجرمين هنا المشركون، أخبر الله تعالى أنهم ييأسون من رحمة الله يوم القيامة، ومن عبدوهم من الملائكة والأنبياء والصالحين وتماثيلهم وقبابهم وآثارهم، لا ينفعونهم بشيء يوم القيامة، بل يكفرون بعبادتهم، ويكونون لهم أعداء، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦].

стр. 751

الباب الثاني قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٢٨ - ٣٥]. قال (ك): «هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء، وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له ملك له، كما كانوا (١) يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك (٢)، فقال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنفُسِكُم﴾ أي: تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم، ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء﴾ أي: [يرضى أحدكم] (٣) أن يكون عبده شريكًا له في ماله، فهو وهو فيه على السواء، ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: تخافون أن يقاسموكم الأموال، قال أبو مِجْلَز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذلك (٤)، كذلك الله لا شريك له، والمعنى: أن أحدكم يأنف من ذاك (٥)، فكيف تجعلون

стр. 752

[﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾] (١) من خلقه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] (٢). اهـ. قال محمد تقي الدين: ومعنى ذلك مفسر بقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] وقال تعالى في سورة النجم: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢] وهذا شأن المشركين يصفون الله تعالى بما يكرهونه لأنفسهم، ولو وصفوا الله بصفاتهم لكانوا كافرين جاهلين، ظالمين فكيف إذا وصفوه بما لا يرضونه لأنفسهم؟ كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون، ما أوضح بيان الله تعالى وما أشد عمى بصائر المشركين. رجوع إلى بقية تفسير (ك): «ولما كان التنبيه بهذا المثل على براءته تعالى ونزاهته عن ذلك (٣) بطريق الأولى والأحرى، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ثم قال تعالى مبينًا أن المشركين إنما عبدوا غيره سفهًا من أنفسهم وجهلًا ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: المشركون، ﴿أَهْوَاءَهُم﴾ أي: في عبادتهم الأنداد ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ أي: فلا أحد يهديهم إذا كتب الله ضلالهم، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ أي: ليس لهم عن قدرة الله (٤) منقذ ولا مجير ولا محيد لهم عنه، لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن». وقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ إلى قوله: ﴿يَفْرَحُونَ﴾. قال (ك): «يقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية - ملة إبراهيم التي هداك الله لها وكملها لك غاية الكمال -، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره. وقوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قال بعضهم: معناه: لا تبدلوا خلق الله فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبرًا بمعنى الطلب،

стр. 753

كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وهو (١) معنى حسن صحيح. وقال آخرون: هو خبر على بابه، ومعناه: إنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك، ولهذا قال ابن عباس وغيره في «قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لدين الله، وقال البخاري: قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لدين الله، خُلُقُ الأولين: [دين الأولين] (٢) والفطرة: الإسلام» (٣)، قال البخاري (٤) بسنده أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تُنتِجُ البهيمةُ بهيمةً جَمْعَاء، هل تُحِسُّون فيها من جدعاء؟» ثم يقول: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: التمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين (٥) المستقيم، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: فلهذا (٦) لا يعرفه أكثر الناس، فهم عنه ناكبون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٦]. وقوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ قال ابن زيد وابن جريج (٧): أي: راجعين إليه ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ أي: خافوه وراقبوه، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وهي الطاعة العظيمة، ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة لا يريدون بها سواه، قال ابن جرير بسنده عن يزيد بن أبي مريم قال: «مر عمر ﵁ بمعاذ بن جبل فقال عمر: ما قوام هذه الأمة (٨)؟ فقال معاذ: ثلاث وهن.

стр. 754

المنجيات: الإخلاص، وهي الفطرة ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، والصلاة: وهي الملة، والطاعة، وهي العصمة، فقال عمر: صدقت» (١). وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: لا تكونوا من المشركين الذين (٢) فرقوا دينهم أي: بدلوه وغيروه وآمنوا ببعض وكفروا ببعض وقرأ بعضهم (٣): (فارقوا دينهم) أي: تركوه وراء ظهورهم (٤)، وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وسائر أهل الأديان الباطلة مما عدا أهل الإسلام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٩]، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء وملل باطلة وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء وهذه الأمة أيضًا اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة وهم أهل السنة والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما روى (٥) الحاكم في «مستدركه» أنه

стр. 755

سُئِلَ ﷺ عن الفرقة الناجية منهم، فقال: «من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾. قال: (ك): يقول تعالى مخبرًا عن الناس أنهم في حال الاضطرار يدعون الله وحده لا شريك له، وأنه إذا أسبغ عليهم النعم إذا فريق منهم في حالة الاختيار يشركون بالله ويعبدون معه غيره. وقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ هي لام العاقبة عند بعضهم، ولام التعليل عند آخرين، ولكنها تعليل لتقييض الله لهم ذلك، ثم توعدهم بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ قال بعضهم: والله لو توعدني حارس درب لخفت منه، فكيف والمتوعد ههنا الذي يقول للشيء: كن، فيكون. ثم قال تعالى منكرًا على المشركين فيما اختلقوه من عبادة غيره (٢) بلا دليل ولا حجة ولا برهان: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ أي: حجة ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ أي: ينطق ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ وهذا استفهام إنكار، أي: لم يكن شيء من ذلك» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: هذا المثل لا يبقي شكًا لكل امرئ تدبره ولم يختم الله على قلبه، أن عبادة غير الله باطلة، وذلك لأن كل شيء خلقه الله ملك لله تعالى، سواء أكان عاقلًا كالملائكة والأنبياء والصالحين، أم غير عاقل كالأصنام والأوثان، ولا يوجد شخص عاقل يرضي أن يشاركه عبده في ماله، لأنه من جملة ماله، فكيف يتخذون من عبيد الله شركاء يعبدونهم معه بالذبح والنذر، والاستغاثة وغيرها من أنواع العبادة. تجادلت امرأتان منذ مدة قريبة وهما مغربيتان إحداهما موحدة والأخرى مشركة، وكانتا جالستين في المسجد النبوي، فقالت الموحدة للمشركة: لا ينبغي لك أن تستغيثي بنبي ولا بصالح، بل يجب عليك أن تستغيثي بالله وحده، فلم

стр. 756

تَقْبَلُ المشركة، ورأت أن عدم الاستغاثة بالأنبياء والصالحين يَحُطُّ من قدرهم، لأن مقامهم عند الله عال. فقالت الموحدة للمشركة: أترضين أن يتزوج عليك زوجك امرأة أخرى؟ فقالت: لا ثم لا. فقالت لها: أليس ذلك حلالًا في دين الإسلام؟! فقالت: بلى، ولكنني لا أرضى بذلك، لأن ذلك يدل على أنني لا أملأ عينه ولا أكفي رغبته، فقالت الموحدة: فكيف ترضين الله رب العالمين ما لا ترضينه لنفسك؟! فإن من دعا غير الله لم يكفه الله، فتأملت المرأة المشركة كلام الموحدة ففقهت واعترفت بخطئها، ولله المثل الأعلى. ومن العجائب التي شاهدناها في بلدان مختلفة أن العامي الأمي من الرجال والنساء إذا وَحَّدَ الله ينفتح له باب العلم والفهم، حتى إنه يناظر علماء المشركين فيفحمهم ويهزمهم، كان معنا في بغداد رجل من الفلاحين لا يعرف إلا قراءة المصحف بلحن وصعوبة، فلما وَحَّدَ الله وتمسك بسنة الرسول ﷺ صار علماء المذهب الحنفي يخافونه، وإذا رأوه في طريق سلكوا غيره، صلى مرة في المسجد المنسوب إلى أبي حنيفة ﵀، ويسمونه جامع الإمام الأعظم، وهذا لقب منحه جهال الحكام من الأتراك لأبي حنيفة ﵀، فصار المرء لا يسمع إلا مذهب الإمام الأعظم، وقول الإمام الأعظم، فقلت لهم: إن الإمام الأعظم على الإطلاق هو رسول الله ﷺ ، ويطلق هذا اللفظ على خليفة المسلمين، فقالوا: إنك تبغض أبا حنيفة، فقلت: لا أبغضه، لأنه من أئمة السلف المثبتين لصفات الله تعالى كلها، ومنها علوه تعالى، واستواؤه على عرشه، وهو بريء ممن يفتي بالتقليد أو يقضي به أو يبيح التفرق في الدين، أو يعتقد اعتقاد الجهمية بأن الله ليس فوق العرش، بل هو في كل مكان، ولكنكم تعبدون خيالًا، وتسمونه الإمام الأعظم. ومن الحكايات الطريفة التي وقعت لذلك الشيخ الفلاح وهو أبو عبد الله أنه ذهب قصدًا ليغيظ غلاة المقلدين فصلى معهم في مسجد أبي حنيفة فلما قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قال أبو عبد الله: آمين، ورفع صوته ومده بها، وكان الإمام رقيق الدين خرج من المذهب الشافعي ودخل في المذهب الحنفي ليكون إمامًا لذلك المسجد، فلما فرغ من الصلاة غضب على أبي عبد الله وقال رافعًا صوته: من ذا الذي يصرخ بآمين (ليش الله أصمخ)؟! يعني: هل الله أصم؟ فقال له أبو عبد الله على البديهة: وأنت لماذا تصرخ بقولك: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، ليش الله أصمخ؟! فقال له: أنت (وكح) أي: وقح، فقال أبو

стр. 757

عبد الله: (أنا ما وكح) ولكن متمسك بسنة النبي، فقال الحاضرون: كيف تجادل العالم وأنت جاهل؟! فقال أبو عبد الله: بل هو الجاهل أو المخالف للسنة على عمد، لأن الجهر بالتأمين سنة (١)، ولا يستطيع هو أن يزعم أنه ليس بسنة. اهـ. فائدة ثانية: قول البخاري ﵀: «خلق الأولين»، إشارة إلى قوله تعالى حكاية عن قول قوم هود لنبيهم حين دعاهم إلى عبادة الله وحده واتباع رسوله هود ﵇، أجابوه بقولهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦ - ١٣٨]، قرئ (٢) (خُلق الأولين) بفتح فسكون، بمعنى: كذب الأولين لأن الخلق والاختلاق في اللغة هو الكذب، قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إفكا﴾ [العنكبوت: ١٧] أي: يكذبون كذبًا، وقرئ (٣) بضم الخاء واللام، بمعنى: العادة والطبيعة، فعلى القراءة الأولى يكون المعنى: هذا الذي تدعونا إليه يا هود إنما هو كذب الأمم السابقة وأساطيرهم وليس من الله كما تدعي، وعلى القراءة الثانية يكون المعنى على أحد وجهين: الأول: هذا الذي تقوله يا هود ليس من الله، وإنما هو من عادة الأولين … الثاني: معناه: نحن على عادة الأولين ودينهم، لا ننتقل عن ذلك إلى ما تدعونا إليه، وهذا أضعف الأقوال وأقواها أولها. اهـ. فائدة ثالثة: قول (ك): «خبر بمعنى الإنشاء» أي: لا تبدلوا خلق الله، فعلى هذا يكون المعنى لا تبدلوا أيها الناس دين الله الذي بعث به رسله، وهو: توحيده وإقامة العدل والإحسان بين الناس، ومحاسن الأخلاق، وتحكيم شرع الله، فإن الله خلق عباده على الفطرة، فمتى عرض عليهم دين الحق مالت إليه قلوبهم وانشرحت له صدورهم ما لم تغير فطرتهم بتعليم كفري، كالمجوسية.

стр. 758

واليهودية، والنصرانية، وعبادة الأوثان، والابتداع في دين الله كطرق المتصوفة التي فرقت الناس وأفسدت عليهم دينهم ودنياهم. وحتى بعد ما تغير الفطرة ويقع صاحبها في الضلال إذا جاءه داع يدعوه إلى دين الحق، ولم يكن عنده مانع من اتباع الهوى (١)، يتلقى الدعوة بفرح، ويتوب إلى الله ويتمسك بدين الحق، ويتعجب من نفسه كيف كان يقرأ القرآن ولا يتدبره ولا يفهم معناه مع وضوحه، لأن ذلك التعليم الخبيث الذي سبق له أعماه عن فهم القرآن، ولا سيما وقد حرفه المضلون وسدوا باب فهمه، وفتحوا أبوابًا أخرى من الجهالات والضلالات، فالحمد لله الذي هدانا لدين الحق وأخرجنا من الظلمات إلى النور، فلله الحمد في الأولى والآخرة. فائدة رابعة: قول الإمام (ك): «وهذه الأمة أيضًا اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة … إلى آخره». قال محمد تقي الدين: ومن الضلال إحداث المذاهب والتعصب لها، كما بينه (ك) ﵀ فيجب على المسلمين في كل زمان ومكان أن يكونوا في دين الله كما كان أصحاب رسول الله ﷺ ، لم تكن عندهم مذاهب ولا طرق ولا فرق ولا نحل، فلو كان التفرق حقًا لكان أصحاب رسول الله ﷺ على مذاهب بكرية، وعمرية، وعثمانية، وعلوية، حاشاهم من ذلك، وهم خير القرون، نسأل الله أن يجعلنا ممن اتبعهم بإحسان. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُم مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُشْرِكِينَ (٤٢)﴾ [الروم: ٤٠ - ٤٢].

стр. 759

قال (ك): «وقوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ أي: هو الخالق الرازق يخرج الإنسان من بطن أمه عريانًا (١)، لا علم له، ولا سمع ولا بصر ولا قوة (٢)، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك، والرياش واللباس والمال والأملاك والمكاسب، كما قال الإمام أحمد بسنده عن حَبَّة وسَوَاء ابني خالد قالا: دخلنا على النبي ﷺ وهو يصلح شيئًا، فأعناه، فقال: «لا تيأسا من الرزق ما تهززت (٣) رؤوسكما، فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة، ثم يرزقه الله » (٤). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ أي: بعد هذه الحياة ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُم﴾ أي: يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ أي: الذين تعبدونهم من دون الله ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُم مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، بل الله هو المستقل بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة، ولهذا قال بعد هذا كله ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: [تقدس وتعالى] (٥) وتنزه وتعاظم وجل وعز عن أن يكون له شريك، أو نظير أو مساو أو ولد أو والد؛ بل هو الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحدًا» (٦). وقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ إلى قوله: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُم مُشْرِكِينَ﴾. قال القاسمي: «﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: كثرت المضار والمعاصي على وجه الأرض وعلى ظهر السفن في لجج البحر ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: من الآثام والموبقات، ففشا الفساد وانتشرت عدواه، وتوارثه جيل

стр. 760

عن جيل أينما حلوا وحيثما ساروا، ﴿لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ اللام للعاقبة، أي ظهور الشرور بسببهم مما استوجبوا به أن يذيقهم الله وبال أعمالهم (١). وقيل: اللام للعلة على معنى أن ظهور الجدب والقحط والغرق بسبب شؤم معاصيهم، ليذيقهم وبال بعض أعمال في الدنيا، قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة لعلهم يرجعون عما هم عليه، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُشْرِكِينَ﴾ أي: أذاقهم (٢) سبحانه سوء العاقبة، لشركهم المستتبع لكل إثم وعصيان» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: جمعت هذه الآيات بين توحيد الربوبية في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ «وما بعده» وتوحيد الإلهية في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فائدة ثانية: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ مقرونًا بالشرك والمعاصي وخصوصًا في البلدان التي أسعد الله أهلها بالإسلام بعد أن كانوا لا شيء، فأعطاهم العزة والسيادة والعلم، واستخلفهم في أرضه، وكانت لهم البلاد، ثم رجعوا على أعقابهم وتنكروا للإسلام ونبذوا شريعته، فجعلهم الله أسفل سافلين، وسلبهم ما منحهم، فصاروا أذل الناس وأحقرهم وأفقرهم وأجهلهم وصاروا أذنابًا بعد أن كانوا رؤوسًا، اللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكور، ﴿وَمَنْ يُبَدِّل نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ٢١١].

стр. 761

سورة لقمان الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٣ - ١٥] قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عن وصية لقمان لولده، وقد ذكر (١) الله تعالى [لقمان] (٢) بأحسن الذكر، وأنه (٣) آتاه الحكمة، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف، ولهذا أوصاه أولًا بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا، ثم قال محذرًا له: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي: هو أظلم الظلم، وتقدم في (سورة الأنعام) الكلام على قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ في (الباب التاسع) عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] وفيها حديث مرفوع إلى النبي ﷺ . (٤) ثم قرن وصيته إياه بعبادة الله وحده البر (٥) بالوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وكثيرًا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن وقال ههنا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا﴾

стр. 762

[ذات وهن أو تهن ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ أي: تضعف] (١) ضعفًا [فوق] (٢) ضعف، [فإنها لا تزال يتضاعف ضعفها] (٣). وقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين (٤)، ومن ههنا استنبط ابن عباس وغيره (٥)، من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه قال في الآية الأخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلًا ونهارًا، ليُذكر بإحسانها.

стр. 763

المتقدم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي: فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء. قال ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن وهب، قال: قدم علينا معاذ بن جبل وكان بعثه النبي ﷺ فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تطيعوني لا آلوكم خيرًا، وإن المصير إلى الله وإلى الجنة أو إلى النار، إقامة فلا ظعن، وخلود فلا موت (١)». وقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي: إن حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفًا، أي: محسنًا إليهما ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾؛ يعني: المؤمنين. ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال الطبراني في «كتاب العشرة (٢)» بسنده عن داود بن أبي هند: أن سعد بن مالك قال: أنزلت في هذه الآية، ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ الآية، قال: كنت رجلًا بارًا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد، ما هذا الذي أراك قد أحدثت، لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال: يا قاتل أمه، فقلت: لا تفعلي يا أماه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكثت يومًا وليلة لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يومًا آخر وليلة لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يومًا وليلة أخرى لا تأكل فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أماه والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما

стр. 764

تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي، فأكلت (١). فصل قال محمد تقي الدين فائدة: لقد عظم الله شأن بر الوالدين إذ قرن الإحسان إليهما بتوحيده الذي هو أشرف العبادات وأعظمها، فيفهم من ذلك أن بر الوالدين أعظم العبادات بعد توحيد الله تعالى، ومع ذلك لم يبح لعباده أن يرضوا والديهم إذا أرادوا منهم أن يشركوا بالله تعالى، وتأمل قصة سعد بن مالك مع أمه تزدد علمًا وتحقيقًا للتوحيد، جعلنا الله وإياك من أهله. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظ﴾ [لقمان: ٢٢ - ٢٤] قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عمن أسلم وجهه الله، أي: أخلص له العمل وانقاد لأمره واتبع شرعه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: في عمله باتباع ما به أمر وترك ما عنه زجر فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى أي: فقد أخذ موثقًا من الله متينًا أنه لا يعذبه، وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ (٢) لا تحزن [عليهم يا محمد] (٣) في كفرهم بالله وبما جئت به، فإن قدر الله نافذ فيهم، إلى الله مرجعهم فينبئهم ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: فيجزيهم عليه ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ فلا تخفى عليه خافية. ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ أي: في الدنيا ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ أي: نلجئهم ﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظ﴾ أي: فظيع صعب شاق على النفوس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ

стр. 765

نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩ - ٧٠] (١). فصل قال محمد تقي الدين: إسلام الوجه هنا، معناه: توحيد الله تعالى في ربوبيته وعبادته وأسمائه وصفاته، واتباع الوحي الذي أنزله على نبيه، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣١ - ١٣٢] انظر ما تقدم في (الباب الحادي عشر) من (سورة البقرة). قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ دليل على شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ والعمل بمقتضاها، وهو محبة النبي ﷺ واتباعه في كل ما جاء به من أمور الدين، كما أن إسلام الوجه الله تعالى يتضمن معنى لا إله إلا الله، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠] فـ ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾ تضمنت معنى، (لا إله إلا الله)، و ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، تضمنت معنى (محمد رسول الله) ومثل ذلك حديث سفيان بن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك؟ قال: «قل: آمنت بالله، ثم استقم» (٢)، رواه مسلم. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾؛ يعني: أن من أشرك بالله ولم يسلم وجهه إليه، أو أعرض عن اتباع رسول الله فهو كافر فلا يحزنك كفره، فسوف يمتع قليلًا ثم يضطر إلى عذاب غليظ. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ

стр. 766

لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٢٩ - ٣٢] قال (ك): «يخبر تعالى أنه ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ بمعنى: يأخذ منه في النهار فيطول ذاك ويقصر هذا، وهذا يكون زمن الصيف يطول النهار إلى الغاية ثم يشرع في النقص، فيطول الليل ويقصر النهار. وهذا يكون في الشتاء. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل: إلى غاية محدودة، وقيل: إلى يوم القيامة، وكلا المعنيين صحيح، وقال ابن أبي حاتم بسنده (١) عن ابن عباس أنه قال: «الشمس بمنزلة الساقية، تجري في السماء بالنهار في فلكها، فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، وكذلك القمر». إسناده صحيح. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ كقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج: ٧٠] ومعنى هذا أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١٢]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ أي: إنما يظهر لكم آياته لتستدلوا بها على أنه الحق أي: الموجود الحق، الإله الحق، وأن كل ما سواه باطل، فإنه الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، لأن كل ما في السموات والأرض، الجميع خلقه وعبيده، لا يقدر أحد منهم على تحريك ذرة إلا بإذنه، ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذبابًا لعجزوا عن ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ أي: ﴿الْعَلِيُّ﴾ الذي لا أعلى منه، ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي هو أكبر من كل شيء، فكل شيء خاضع حقير بالنسبة إليه.

стр. 767

وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي﴾ إلى قوله: ﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾، قال (ك): يخبر تعالى أنه الذي سخر البحر لتجري فيه الفلك بأمره، أي: بلطفه وتسخيره، فإنه لولا ما جعل في الماء من قوة يحمل بها السفن لما جرت، ولهذا قال: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ أي: من قدرته ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي: صبار في الضراء شكور في الرخاء. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ أي: كالجبال والغمام ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ الآية. ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ﴾ قال مجاهد: أي: كافر (١)، كأنه فسر المقتصد ههنا بالجاحد كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ فالختار هو الغدار، قاله مجاهد (٢) والحسن (٣) وقتادة (٤) ومالك عن زيد بن أسلم (٥)، وهو الذي كلما عاهد نقض عهده، والخثر أتم الغدر وأبلغه، قال عمرو بن معد يكرب (٦): وإنك لو رأيت أبا عُمير … ملأت يديك من غدر وختر وقوله: ﴿كَفُورٍ﴾ أي: جحود للنعم لا يشكرها، بل يتناساها ولا يذكرها (٧).

стр. 768

فصل يقول محمد تقي الدين: فائدة: جمعت هذه الآيات يبين توحيد الربوبية وتوحيد العبادة فمن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾، إلى ﴿خَبِيرٌ﴾ آية دالة على توحيد الربوبية، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ الآية دالة على توحيد العبادة. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ الآية دالة على توحيد الربوبية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ﴾ الآية دالة على توحيد العبادة، وتفسير ابن عباس (١) لجريان الشمس يعلم منه أن الشمس حين تغيب عن قوم تطلع على آخرين، فهي تجري دائمًا ليلًا ونهارًا حتى ينتهي عمرها، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].

стр. 769

سورة السجدة الباب الأول قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِي وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤]. قال (ك): «يخبر تعالى أنه الخالق للأشياء، فخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وقد تقدم الكلام على ذلك، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِي وَلَا شَفِيعٍ﴾ أي: بل هو المالك لأزمة الأمور، الخالق لكل شيء، المدبر لكل شيء، القاهر على كل شيء، فلا ولي لخلقه سواه، ولا شفيع إلا من بعد إذنه ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾؛ يعني أيها العابدون غيره، المتوكلون على من عداه، تعالى وتقدس وتنزه أن يكون له نظير أو شريك [أو وزير أو ند] (١) أو عديل، لا إله إلا هو، ولا رب سواه» (٢). فصل قال محمد تقي الدين فائدة: قوله: «تقدم الكلام على ذلك» يعني: في (سورة الأعراف)، وجميع الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين وأئمة الحديث يعتقدون أن الله فوق عرشه الذي هو أعظم المخلوقات، وعرشه فوق سمواته ويحاربون عقيدة من يقول: إن الله في كل مكان، وسأتعرض لذلك بإقامة البراهين والبحث والتحقيق في (قسم توحيد الأسماء والصفات) في (الجزء الثالث) من (هذا الكتاب) (٣) إن شاء الله تعالى.

стр. 770

قوله: «فلا ولي لخلقه سواه» العقيدة الشائعة عند أكثر من ينتسب إلى الإسلام أنهم يقولون بوجود أولياء ينفعون ويضرون، وقد منحهم الله التصرف (١) في العالم يفعلون ما يشاؤون، يحيون الأموات، ويميتون الأحياء، ويعطون كل من سألهم حاجته، وهذه عقيدة أهل الكفر والشرك، وقد نفى الله الأولياء في مواضع لا تحصى من كتابه العزيز: فقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣] وقال تعالى في سورة الشورى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] وقال تعالى في هذه السورة أيضًا منكرًا على المشركين اتخاذ الأولياء: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فالمسلم الحقيقي الموحد ليس له إلا ولي واحد، وهو الله سبحانه، قال تعالى في سورة الأعراف آمرًا رسوله محمدًا ﷺ : ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٥ - ١٩٦] وقال في سورة الأنعام: ﴿قُلْ أَغَيْرَ (٢) اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]. اهـ.

стр. 771

سورة الأحزاب الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣] قال (ك): «﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: في جميع أمورك وأحوالك «وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا» أي: وكفى به وكيلًا لمن توكل عليه وأناب إليه» (١). فصل قال محمد تقي الدين: التوكل (٢): هو الاعتماد بالقلب على الله وحده في جلب كل محبوب ودفع كل مكروه، فطالب العلم يبذل جهده في التعلم، ولا يتوكل على جهده بل يتوكل على الله في بلوغ النجاح، والزارع يبذل كل جهده في الحرث وإصلاح التربة واستعمال المخصبات، ولا يتكل على ذلك، بل على الله وحده، فإن من اعتمد على حوله وقوته وكله الله إلى نفسه. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] قال (ك): يمدح ﵎: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ أي: إلى خلقه ويؤدونها بأمانتها ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ أي: يخافونه ولا يخافون أحدًا سواه فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله تعالى ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: وكفى بالله ناصرًا ومعينًا، وسيد الناس في هذا المقام - بل وفي كل مقام - محمد رسول الله ﷺ ، فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب إلى

стр. 772

جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله تعالى كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإنه قد كان النبي [قبله إنما] (١) يبعث إلى قومه خاصة، وأما هو ﷺ فإنه بعث إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم. ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ثم ورث مقام البلاغ عنه أمته من بعده (٢)، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه ﵃ بلغوا عنه كما أمرهم في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره وحضره وسفره وسره وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم ثم ورثه (٣) كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون، فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم، روى الإمام أحمد وابن ماجه بسندهما (٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ولا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه»، فقال: «ثم لا يقوله، فيقول الله: ما يمنعك أن تقوله؟ فيقول: رب خشيت الناس؟ فيقول: فأنا أحق أن يخشى» (٥). فصل قال محمد تقي الدين أثنى الله تعالى على ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾، وأخبر أنه ينصرهم ويعينهم، وقد بين الحافظ (ك) من هم هؤلاء المعنيون بهذا وأنهم الأنبياء وورثتهم، فلا يكون منهم حقًا وصدقًا إلا من اتصف بخشية الله وحده، ولم يخش أحدًا غيره، وتكفل الله سبحانه لمن كانت هذه صفته بالنصر والعون، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم. اهـ.

стр. 773

الباب الثالث قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]. قال محمد تقي الدين: ذكر الحافظ (ك) في تفسير هذه الآية روايات كثيرة، حاصلها أن الأمانة هي الفرائض، والإنسان هو آدم، ثم ذكر أحاديث الأمانة أنقل شيئًا منها، روى أحمد والشيخان بسندهم (١) عن حذيفة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: «إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال (٢)، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة» (٣)، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من

стр. 774

قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك تراه منتبرا، وليس فيه شيء». قال: ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله قال: «فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا! حتى يقال للرجل: ما أجلده وأظرفه وأعقله، وما في قلبه حبة خردل من إيمان»، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت إن كان مسلما ليردنه علي دينه، وإن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعيه، فأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا» (١). ١ - قال صاحب «اللسان»: «مجلت يده بالكسر ومجلت تمجل وتمجل مجلا ومجلا ومجولا لغتان نفطت من العمل، أي: [تقرحت] (٢) من [الشغل بها] (٣) فمرنت وصلبت وثخن جلدها، [وتحجر] (٤) وظهر فيها ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة. وفي حديث فاطمة (٥) أنها شكت إلى علي ﵇، مجل يديها من الطحن، وفي حديث حذيفة: «فيظل أثرها مثل أثر المجل»، وأمجلها العمل» (٦). ٢ - قال صاحب «اللسان» (٧): «النبرة: الورم في الجسد، وقد انتبر، ومنه

стр. 775

حَديثُ عمرَ ﵁: «إيَّاكم والتَّخلُّلَ بالقَصَب، فإنَّ الفَمَ يَتَنَبَّرُ منه»، أي يَتَنَقَّط». ٣ - ساعيه: المكلف بأخذ الجزية منه، قال الإمام أحمد بسنده (١) عن عبد الله بن عمرو ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة (٢)، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة [في] (٣) طعمة» (٤)، وروى أبو داود عن ابن بريدة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف بالأمانة فليس منا» (٥). وقوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ أي: إنما حمل ابن آدم الأمانة وهي التكاليف ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ﴾ منهم ﴿وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ وهم الذين يظهرون الإيمان خوفًا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾، وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله ومخالفة رسوله (٦)، ﴿وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، أي: ويرحم (٧) المؤمنين من الخلق [الذين آمنوا] (٨) بالله وملائكته وكتبه ورسله (٩)، العاملين
следующие страницы →