← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

سورة الأحزاب الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣] قال (ك): «﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: في جميع أمورك وأحوالك «وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا» أي: وكفى به وكيلًا لمن توكل عليه وأناب إليه» (١). فصل قال محمد تقي الدين: التوكل (٢): هو الاعتماد بالقلب على الله وحده في جلب كل محبوب ودفع كل مكروه، فطالب العلم يبذل جهده في التعلم، ولا يتوكل على جهده بل يتوكل على الله في بلوغ النجاح، والزارع يبذل كل جهده في الحرث وإصلاح التربة واستعمال المخصبات، ولا يتكل على ذلك، بل على الله وحده، فإن من اعتمد على حوله وقوته وكله الله إلى نفسه. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] قال (ك): يمدح ﵎: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ أي: إلى خلقه ويؤدونها بأمانتها ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ أي: يخافونه ولا يخافون أحدًا سواه فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله تعالى ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: وكفى بالله ناصرًا ومعينًا، وسيد الناس في هذا المقام - بل وفي كل مقام - محمد رسول الله ﷺ ، فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب إلى

стр. 772

جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله تعالى كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإنه قد كان النبي [قبله إنما] (١) يبعث إلى قومه خاصة، وأما هو ﷺ فإنه بعث إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم. ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ثم ورث مقام البلاغ عنه أمته من بعده (٢)، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه ﵃ بلغوا عنه كما أمرهم في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره وحضره وسفره وسره وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم ثم ورثه (٣) كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون، فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم، روى الإمام أحمد وابن ماجه بسندهما (٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ولا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه»، فقال: «ثم لا يقوله، فيقول الله: ما يمنعك أن تقوله؟ فيقول: رب خشيت الناس؟ فيقول: فأنا أحق أن يخشى» (٥). فصل قال محمد تقي الدين أثنى الله تعالى على ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾، وأخبر أنه ينصرهم ويعينهم، وقد بين الحافظ (ك) من هم هؤلاء المعنيون بهذا وأنهم الأنبياء وورثتهم، فلا يكون منهم حقًا وصدقًا إلا من اتصف بخشية الله وحده، ولم يخش أحدًا غيره، وتكفل الله سبحانه لمن كانت هذه صفته بالنصر والعون، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم. اهـ.

стр. 773

الباب الثالث قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]. قال محمد تقي الدين: ذكر الحافظ (ك) في تفسير هذه الآية روايات كثيرة، حاصلها أن الأمانة هي الفرائض، والإنسان هو آدم، ثم ذكر أحاديث الأمانة أنقل شيئًا منها، روى أحمد والشيخان بسندهم (١) عن حذيفة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: «إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال (٢)، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة» (٣)، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من

стр. 774

قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك تراه منتبرا، وليس فيه شيء». قال: ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله قال: «فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا! حتى يقال للرجل: ما أجلده وأظرفه وأعقله، وما في قلبه حبة خردل من إيمان»، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت إن كان مسلما ليردنه علي دينه، وإن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعيه، فأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا» (١). ١ - قال صاحب «اللسان»: «مجلت يده بالكسر ومجلت تمجل وتمجل مجلا ومجلا ومجولا لغتان نفطت من العمل، أي: [تقرحت] (٢) من [الشغل بها] (٣) فمرنت وصلبت وثخن جلدها، [وتحجر] (٤) وظهر فيها ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة. وفي حديث فاطمة (٥) أنها شكت إلى علي ﵇، مجل يديها من الطحن، وفي حديث حذيفة: «فيظل أثرها مثل أثر المجل»، وأمجلها العمل» (٦). ٢ - قال صاحب «اللسان» (٧): «النبرة: الورم في الجسد، وقد انتبر، ومنه

стр. 775

حَديثُ عمرَ ﵁: «إيَّاكم والتَّخلُّلَ بالقَصَب، فإنَّ الفَمَ يَتَنَبَّرُ منه»، أي يَتَنَقَّط». ٣ - ساعيه: المكلف بأخذ الجزية منه، قال الإمام أحمد بسنده (١) عن عبد الله بن عمرو ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة (٢)، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة [في] (٣) طعمة» (٤)، وروى أبو داود عن ابن بريدة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف بالأمانة فليس منا» (٥). وقوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ أي: إنما حمل ابن آدم الأمانة وهي التكاليف ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ﴾ منهم ﴿وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ وهم الذين يظهرون الإيمان خوفًا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾، وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله ومخالفة رسوله (٦)، ﴿وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، أي: ويرحم (٧) المؤمنين من الخلق [الذين آمنوا] (٨) بالله وملائكته وكتبه ورسله (٩)، العاملين

стр. 776

بطاعته ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١). فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: عرض الله الأمانة، وهي التكاليف الشرعية على الأشياء المذكورة بكيفية يعلمها هو سبحانه، فخافت هذه الأشياء أن لا تقوم بعملها خير قيام، مع قوتها وعظم حجمها، وحملها الإنسان الضعيف، والمراد بالإنسان جنسه، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وقد فسر الإنسان في «التفاسير» التي عندي بأنه آدم، وفيه إشكال، لأن آدم لا يتصف بكثرة الظلم والجهل. بخلاف الجنس، فإن أكثرهم متصفون بذلك (٢)، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. فائدة ثانية: ذكر حذيفة في الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ حديثين، أحدهما قد رآه والآخر لم يره، ولكنه ينتظره، الحديث الأول، رفع الأمانة من قلوب الرجال، وقد عاش حذيفة إلى أن رأى ذلك، فقبل رفع الأمانة كان يعامل جميع الناس من المسلمين وأهل الذمة، ولا يخشى غدرًا ولا خيانة، أما بعد رفع الأمانة صار لا يعامل إلا من يعرفه ويثق به. فائدة ثالثة: وصف النبي ﷺ ارتفاع الأمانة من قلوب الرجال، وشبهه بموضع من جسم الإنسان وقعت عليه جمرة فانتفخ، فإذا رآه الإنسان منتفخًا.

стр. 777

ناتئًا، يظن أنه يشتمل على شيء، وهو في الحقيقة فارغ. فكذلك الذي يدعي الإسلام إذا سمع الإنسان دعواه يظن أنه ثقة، فإذا امتحنه بالمعاملة، وجده فارغًا من الإيمان الذي ثمرته الصدق في المعاملة. اهـ. فائدة رابعا ة: تأملوا قول النبي ﷺ : «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا» (١)، فقد جمعت هذه الأربع الخلال الخير كله، فمن كانت فيه فهو سعيد في الدنيا والآخرة، ومن نقصه شيء منها نقصت سعادته، ومن لم يكن فيه شيء منها فهو شقي، نسأل الله أن يرزقنا إياهكلها. اهـ. فائدة خامسة (٢): المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات أعد الله لهم عذابًا أليمًا، إلا أن المنافق شر من المشرك وأكثر ضررًا للمسلمين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥].

стр. 778

سورة سبأ الباب الأول قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]. قال (ك): «بين» (١) ﵎ أنه [لا إله إلا هو] (٢) الأحد الفرد الصمد، الذي لا نظير له ولا شريك له، بل هو المستقل بالأمر وحده من غير مشارك، ولا منازع ولا معارض، فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من الآلهة التي عبدت من دونه، ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ كما قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ أي: لا يملكون شيئًا استقلالًا ولا على سبيل الشركة ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي: وليس الله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور، بل الخلق كلهم فقراء إليه، عبيد لديه، قال قتادة في قوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِنْ ظَهِيرٍ﴾: «من عون يعينه بشيء» (٣)، ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لعظمته وجلاله وكبريائه لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء، إلا بعد إذن له في الشفاعة كما قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].

стр. 779

قال البيضاوي: «﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ غاية لمفهوم الكلام من أن ثم توقفا وانتظارا للإذن، أي: يتربصون فزعين، حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين، والمشفوع لهم بالإذن، وقيل: الضمير للملائكة، وقد تقدم ذكرهم ضمنا، ﴿قَالُوا﴾ قال بعضهم لبعض: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ في الشفاعة ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ قالوا: قال القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، وهم المؤمنون، وقرئ بالرفع (١) أي: مقوله الحق، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ذو العلو والكبرياء، ليس لملك ولا لنبي من الأنبياء أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: في هاتين الآيتين إرشاد عظيم لمن نور الله قلبه ولم يمنعه اتباع الهوى عن قبول الحق، وحجة دامغة لأهل الباطل، فقد نفى الله فيها أربعة أمور: الأول: إن الآلهة الذين يعبدهم المشركون سواء أكانوا ملائكة أم أنبياء أم صالحين أم تماثيل أم أوثانا لا يملكون من الخير ما يزن نملة صغيرة، لا في السموات ولا في الأرض استقلالا. الأمر الثاني: إنهم لا يملكون مثقال ذرة على وجه الشركة مع الله تعالى. الأمر الثالث: إن الله تعالى ليس له معين من خلقه. الأمر الرابع: وهو آخر ما يؤمله المؤمل الشفاعة، فإن الله لا يشفع عنده أحد لأحد إلا إذا أذن للشافع ورضي عقيدة المشفوع له. اهـ. والشفاعة عند الله تعالى ليست كشفاعة المخلوقين بعضهم عند بعض، فالملك والأمير وإن كبر شأنه لا بد أن يكون عنده من يخافه ويستحيي منه، كالوالدين والزوجة والأولاد وكبار رجال الدولة، فهؤلاء إذا أرادوا أن يشفعوا عنده لا يحتاجون إلى استئذان لما لهم عنده من المنزلة. فهذه هي الشفاعة التي نفاها الله، وينبغي أن نعيد هنا الحديث الذي في «الصحيح»، وهو قول النبي ﷺ : «ليرفعن أقوام منكم إلي، وأنا على الحوض، ثم ليختلجن دوني، فأقول: إلى أين؟

стр. 780

فيقال: إلى النار، فأقول: أي ربي أصحابي أصحابي - وفي رواية خارجة عن الصحيح: إنهم من أمتي (١) - فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم بدلوا وغيروا فأقول: سحقا سحقا» (٢). أي: بعدا بعدا لهم، بمعنى: أبعدهم الله. اهـ. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣] قال (ك): يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن، و [بما] (٣) أخبر به من أمر المعاد، ولهذا قال [تعالى]: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال الله متهددا لهم ومتوعدا ومخبرا عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ منهم (٤) وهم الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ منهم (٥) وهم قادتهم وسادتهم [﴿لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ أي:] (٦) لولا أنتم تصدونا (٧) لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاؤونا به، فقال لهم

стр. 781

القادة والسادة وهم الذين استكبروا: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ أي: نحن ما فعلنا بكم (١) أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل (٢) لشهوتكم، واختياركم لذلك، ولهذا قالوا: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ أي: بل كنتم تمكرون بنا ليلًا ونهارًا [وتغروننا وتمنوننا وتخبروننا] (٣) أنا على هدى، وأنا على شيء، فإذا جميع ذلك باطل وكذب ومين، قال قتادة وابن زيد: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يقول: «بل مكركم بالليل والنهار» (٤)، وكذا قال مالك عن زيد بن أسلم: «مكركم» بـ ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٥)، ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾ أي: نظراء وآلهة معه وتقيموا لنا شبهًا وأشياء من المحال تضلونا بها، ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: الجميع من السادة والأتباع كل ندم على ما سلف منه، ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: إنما يجازيكم بأعمالكم كل بحسبه، للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع بحسبهم ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] (٦). فصل قال محمد تقي الدين: تقدم في (الباب الأول) من (سورة البقرة) معنى الند، وجمعه الأنداد عند قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وذكرت هناك أحاديث في هذا المعنى منها: قول النبي ﷺ لمن قال له: ما شاء الله وشئت: أجعلتني الله ندًا؟ قل: ما شاء الله وحده (٧) وفي الحديث الآخر: «لا

стр. 782

تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، بل قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد» (١)، وهذه إذا كان القائل يعتقد أن المخاطب بذلك له إرادة مع الله، فهو من الشرك الأكبر، وأما إذا قال ذلك غفلة وهو يعتقد أن المشيئة لله وحده، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فحينئذ يكون من الشرك الأصغر، فكيف بمن يتخذ أندادا يهتف بأسمائهم عند القيام والقعود والفزع، ويستغيث بهم في الشدائد، ويخافهم ويرجوهم، ويتوكل عليهم، فالحمد لله على العافية، اللهم أتمم علينا نعمتك، ولا تردنا على أعقابنا. اهـ. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَمَا آتَيْنَاهُم مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤٥] قال (ك): يخبر تعالى أنه يقرع المشركين يوم القيامة على رؤوس

стр. 783

الخلائق، فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على [صورهم] (١) ليقربوهم إلى الله زلفى، فيقول للملائكة: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ أي: أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم، كما قال تعالى في سورة الفرقان: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧] وكما يقول لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] وهكذا تقول الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تعاليت وتقدست عن أن يكون معك إله ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي: نحن عبيدك ونبرأ إليك من هؤلاء، ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾، يعنون الشياطين؛ لأنهم هم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان، وأضلوهم (٢) ﴿أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ كما قال ﵎: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللهُ﴾ [النساء: ١١٧ - ١١٨] قال الله : ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ أي: لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه اليوم من الأنداد والأصنام (٣) التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم وكربكم، اليوم لا يملكون لكم نفعًا ولا ضرًا ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم المشركون ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا». وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. قال (ك): ويخبر تعالى عن الكفار أنهم يستحقون منه العقوبة والأليم من العذاب؛ لأنهم كانوا إذا تتلى عليهم آياته بينات يسمعونها غضة طرية من لسان [رسول الله] (٤) ﷺ ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ يعنون: دين آبائهم هو الحق وأن ما جاء به الرسول عندهم باطل (٥) ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ يعنون القرآن ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُم مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ أي: ما أنزل الله على العرب من كتاب قبل القرآن، وما أرسل

стр. 784

إليهم نبيًا قبل محمد ﷺ وقد كانوا يودون ذلك، ويقولون: لو جاءنا نذير أو أنزل علينا كتاب لكنا أهدى من غيرنا، فلما منّ الله عليهم بذلك، كذبوا وجحدوه وعاندوه (١)، ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأمم ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ قال ابن عباس وغيره: «أي من القوة في الدنيا» (٢) وما دفع ذلك عنهم عذاب الله ولا رده، بل دمر الله عليهم كما كذبوا رسله، ولهذا قال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: فكيف كان عقابي ونكالي وانتصاري لرسلي» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: نستفيد من هذه الآيات أن عبادة غير الله تعالى كلها سواء، وإن اختلف المعبودون، فمن عبد الملائكة والأنبياء، كمن عبد الشياطين والأوثان، وإن المشركين في كل زمان ومكان إذا جاءهم الحق من الله تعالى بواسطة رسله أو بواسطة أتباعهم أجابوه بقولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ قال تعالى في سورة (ص): ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٦ - ٧] وهذا لا يضر دعاة التوحيد (٤) أهل الاتباع إن أخلصوا لله وصبروا على ما يلاقون، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. اهـ.

стр. 785

سورة فاطر الباب الأول قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤] قال (ك): «وهذا أيضًا من قدرته التامة وسلطانه العظيم في تسخيره الليل بظلامه والنهار بضيائه، ويأخذ من طول هذا فيزيد في قصر هذا، فيعتدلان ثم يأخذ من هذا فيطول هذا ويقصر هذا، ثم يتقارضان صيفًا، وشتاء، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي: والنجوم السيارات، والثوابت الثاقبات بأضوائهن أجرام السموات الجميع يسيرون بمقدار معين، وعلى منهاج مقنن محرر تقديرًا من عزيز عليم، كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي: إلى يوم القيامة ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: الذي فعل هذا هو الرب العظيم الذي لا إله غيره، له [الملك وحده] (١)، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من الأصنام والأنداد (٢) ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ قال ابن عباس وغير واحد من السلف (٣): القطمير هو اللفافة التي تكون على نواة

стр. 786

التمر، أي: لا يملكون من السموات والأرض شيئًا، ولا بمقدار هذا القطمير، ثم قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾؛ يعني: الآلهة التي تدعونها من دون الله لا تسمع (١) دعاءكم (٢) ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على [شيء مما] (٣) تطلبونه منهم، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: يتبرؤون منكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦] وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢] وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه مثل خبير بها، قال قتادة: يعني نفسه ﵎، فإنه أخبر بالواقع لا محالة» (٤). فصل قال محمد تقي الدين فائدة: ذكر الله سبحانه قبل هاتين الآيتين أدلة متعددة على توحيد الربوبية، بدأها بقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [فاطر: ١١]، وختمها بأولى هاتين الآيتين، ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ ثم أخبر أن جميع المدعوين من الملائكة والأنبياء والصالحين وتماثيلهم وآثارهم، لا يملكون لمن دعاهم شيئًا ولو قطميرًا، فإذا كانوا لا يملكون القطمير وهو غلاف رقيق يكون على ظهر نواة التمر أبيض فكيف يملكون نواة؟ فكيف بالتمرة؟ وإذا كانوا لا يملكون شيئًا، فدعاؤهم في غاية الجهل والضلال والسفاهة، ولو أمن الداعي من عذاب الله، كيف وهو مع خسارته في سعيه ينتظر عذاب الله، ثم أخبر أن أولئك المدعوين لا يسمعون دعاء الداعي أبدًا؛ لأن الذي يسمع كل نداء هو الله وحده، ولأن أولئك المدعوين غافلون عن دعاء الداعي، فالملائكة غافلون لاشتغالهم بعبادة الله تعالى، والصالحون غافلون عنهم لاشتغالهم بالنعيم، هذا لو كانت لهم القدرة

стр. 787

على سماعهم، وقد تقدم أن الذي يسمع كل نداء هو الله وحده، ثم قال تعالى: وهبوا أنهم سمعوا دعاءكم، فإنهم لا يستجيبون لكم، ويوم القيامة ينكشف لهم، أنكم كنتم تعبدونهم وتتخذونهم شركاء مع الله، وحينئذ يكفرون بشرككم، فتعظم حسرتكم وندامتكم حين لا ينفعكم الندم والذي نبأكم بهذا هو العليم الخبير، الذي لا تخفى عليه خافية. وهنا نكتة يجب التنبيه عليها وهي أن كل من دعاه الإنسان لجلب خير أو دفع شر، فقد عبده واتخذه شريكًا مع الله، نبه الله على ذلك بقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ولم يقل: بدعائكم، ليبين لعباده أن دعاء غير الله شرك. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠]. قال (ك): يقول تعالى لرسوله ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من الأنداد والأصنام (١) ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: ليس لهم شيء من ذلك ما يملكون من قطمير، وقوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ أي: أم أنزلنا عليهم كتابًا بما يقولونه من الشرك والكفر ليس الأمر كذلك، ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ أي: بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم، وهي غرور باطل وزور» (٢). فصل قال محمد تقي الدين في هذه الآية الكريمة احتجاج على المشركين في غاية البيان، لو أنهم يعقلون، وذلك أن أولئك المعبودين الذين اتخذوهم شركاء مع الله لم يخلقوا شيئًا، ولا ذبابًا أو نملة أو بعوضة، ولا يملكون من السموات

стр. 788

والأرض شيئًا بل هم مخلوقون ومملوكون الله تعالى، فأي سفاهة، أعظم من اتخاذهم شركاء (١)، وأخبر الله تعالى أن جميع الكتب السماوية التي أنزلها على الأنبياء تدعو إلى توحيد الله، وليس فيها دليل، ولا شبهة للمشركين يستدلون بها على عبادة غير الله، ومن يضلل الله فما له من هاد. اهـ.

стр. 789

سورة يس الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٠ - ٢٧] ذكر (ك) مما نقل عن أهل الكتاب أن اسمه حبيب النجار (١)، وذكر كثيرًا من أخباره، ولم أر في نقل ذلك فائدة، والذي يهمنا من شأنه أنه كان موحدًا متبعًا لما جاءت به الرسل، وكان قومه مشركين، اتخذوا آلهة يعبدونها من دون الله، وعصوا المرسلين، فدعاهم إلى توحيد الله واتباع المرسلين، وأقام لهم البرهان على ذلك، وكان بيته في طرف البلد، فجاءهم ماشيًا، فقال: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ يحض قومه على اتباع الرسل الذين أتوهم ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ أي: على إبلاغ الرسالة، ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ﴿وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أي: وما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم المعاد فيجازيكم على أعمالكم، وإن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ

стр. 790

الِهَةٌ استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ أي: هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه لا يملكون من الأمر شيئًا، فإن الله تعالى لو أرادني بسوء ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]، وهذه الآلهة (١) لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا ينقذونني مما أنا فيه: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: إن اتخذتها آلهة من دون الله، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾، قال ابن عباس يقول لقومه: ﴿إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الذي كفرتم به ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ أي: فاسمعوا قولي، ويروى أنهم قتلوه فأدخله الله الجنة، فاغتبط بذلك، ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٢) (٣). فصل قال محمد تقي الدين: قال بعض السلف: «المؤمن ينصح دائمًا لقومه حيًّا وميتًا» فهذا الرجل تمنى لقومه أن يعرفوا فضل التوحيد واتباع الرسل، وما أعد الله لصاحبه من الكرامة، فيعمل بذلك فينال من السعادة مثل ما نال. اهـ. قال محمد تقي الدين: كل مسلم مخلص يجب عليه أن يقتدي بهذا الرجل [الذي] (٤) ذكره الله تعالى في كتابه العزيز، وأثنى عليه بهذا الثناء العظيم، خصوصًا في زمان غربة الإسلام. اهـ. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠ - ٦١]. قال (ك): هذا تقريع من الله تعالى للكفرة من بني آدم الذين أطاعوا

стр. 791

الشيطان، وهو عدو لهم مبين، وعصوا الرحمن، وهو الذي خلقهم ورزقهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: قد أمرتكم في [دار] (١) الدنيا بعصيان الشيطان، وأمرتكم بعبادتي، وهذا هو الصراط المستقيم، فسلكتم غير ذلك، واتبعتم الشيطان فيما أمركم به، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا﴾ يقال: (جُبْلًا) بكسر الجيم وتشديد اللام (٢)، ويقال: (جُبلًا) بضم الجيم والباء وتخفيف اللام (٣)، ومنهم من يسكن الباء (٤)، والمراد بذلك الخلق الكثير، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [أي: أن في ذلك هلاككم فتجتنبوه] (٥) (٦). فصل قال محمد تقي الدين: تقدم أن كل من عبد غير الله سواء زعم أنه عبد الملائكة، أم الأنبياء أم الصالحين وآثارهم، فإنما عبد الشيطان الذي أضله عن الصراط المستقيم، وزين له الشرك، فالصراط المستقيم، وهو توحيد الله، واتباع رسوله ﷺ . اهـ. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٤ - ٧٦].

стр. 792

قال (ك): «يقول تعالى منكرًا على المشركين (١) اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله، يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة، وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أي: لا تقدر الآلهة على نصر عابديها، بل هي أضعف من ذلك، وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ﴾ قال مجاهد: يعني: «عند الحساب (٢)، يريد: أن هذه الآلهة (٣) محشورة مجموعة يوم القيامة محضرة عند حساب عابديها، ليكون ذلك أبلغ في خزيهم (٤) وأدل عليهم في إقامة الحجة عليهم، وقال قتادة: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾؛ يعني: الآلهة ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ﴾ والمشركون يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيرًا، ولا تدفع عنهم سوءًا» (٥) وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُم﴾ أي: تكذيبهم لك، وكفرهم بالله ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: نحن نعلم جميع ما هم فيه وسيجزيهم وصفهم ويعاملهم (٦) على ذلك يوم لا يفقدون من أعمالهم جليلًا ولا حقيرًا ولا صغيرًا ولا كبيرًا، بل يعرض عليهم جميع ما كانوا يعملون قديمًا وحديثًا» (٧). فصل قال محمد تقي الدين: المشركون في كل زمان ومكان يستنصرون بآلهتهم، ويظنون أنها تنصرهم وتأتيهم بالعز، فما أسخف عقولهم! وما أضلهم! فإن كل من عبد غير الله تعالى، يذله الله في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ (٨) الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ

стр. 793

الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] وقد تقدم الكلام عليها في سورة النحل، وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٢] ولما حصر الفرنسيون مدينة فاس في عهد السلطان عبد الحفيظ، استنضر الجهال بالإمام إدريس بن عبد الله ﵀، فقال قائلهم: أمولاي يا إدريس يا ابن نبينا. . . … . . . . . . . . . . . . . . . البيتين، وقد تقدم ذكر ذلك في (سورة آل عمران) في (الباب الثالث)، فعاقب الله جميع المغاربة - لأن أكثرهم مشركون - بالخذلان والهزيمة، وانتصر عليهم الفرنسيون، وحكموا بلادهم ثلاثًا وأربعين سنة، وهذا جزاء من يستنصر بغير الله.

стр. 794

سورة الصافات الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ١ - ٥] (الصافات) هم الملائكة الجماعات الصافات المصطفة صفوفًا. وروى مسلم وغيره عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟» قلنا: كيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال ﷺ : «يتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصفوف» (١). قال محمد تقي الدين: فسر السلف (الصافات) بجموع الملائكة، تصطف عند ربها و (الزاجرات) بالآيات القرآنية التي تزجر الناس عن معصية الله، و (التاليات ذكرًا) بالملائكة تتلو كلام الله على الأنبياء والأنبياء يتلونه على أممهم، أقسم الله سبحانه بهذه الأقسام على أنه إله واحد، وأن كل إله اتخذ من دونه، فعبادته ضلال يفضي إلى الهلاك. قال (ك): «وقوله : ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ (٢) ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: من المخلوقات ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ أي: هو المالك المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من كواكب ثوابت وسيارات، تبدو من المشرق، وتغرب من المغرب، واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليهما، وقد صرح بذلك في قوله : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠] وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]؛ يعني

стр. 795

في الشتاء والصيف للشمس والقمر (١). فصل قال محمد تقي الدين: يا عجبًا للمشركين! يقسم الله بأنه إله واحد، ثم هم يتخذون معه آلهة أخرى، يدعونها لرغبتهم ورهبتهم، ويخافونها ويرجونها ويتوكلون عليها، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اهـ. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٣٠]. قوله (٢) تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال النعمان بن بشير ﵁: «يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم» (٣)، ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من الأنداد والأصنام (٤)، ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أي: أرشدوهم إلى طريق جهنم،

стр. 796

وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ أي: قفوهم حتى يسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ أي: كما زعمتم أنكم جميع منتصر، ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ أي: منقادون لأمر الله تعالى، لا يخالفونه ولا يحيدون عنه، والله أعلم (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ إلى قوله: ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال (ك): يذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة، كما يتخاصمون في دركات النار، ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾ قال ابن زيد: «معناه: تحولون بيننا وبين الخير، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير، الذي أمرنا به» (٢) ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾ تقول القادة من الجن والإنس للأتباع: ما الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان قابلة للكفر والعصيان، ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِنْ سُلْطَانٍ (٣٠)﴾ أي (٣): حجة على صحة ما دعوناكم إليه، ﴿بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣١)﴾ أي: بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق، فلهذا استجبتم لنا، وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء، وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاؤوكم به، فخالفتموهم ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣٢) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٣)﴾ يقول الكبراء للمستضعفين: حقت علينا كلمة الله، إنا من الأشقياء الذائقين للعذاب يوم القيامة، ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ أي: دعوناكم إلى الضلالة ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ أي: فدعوناكم إلى ما نحن فيه فاستجبتم لنا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٤)﴾ أي: الجميع في النار كل بحسبه ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٥) إِنَّهُمْ كَانُوا (٣٦)﴾ أي: في (٤) الدنيا ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٧)﴾ أي: يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون، ﴿وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ أي: أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول هذا الشاعر المجنون يعنون رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى تكذيبًا لهم وردًا عليهم: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾؛ يعني: رسول الله ﷺ ، جاء بالحق في جميع شرعة الله تعالى له.

стр. 797

مِنْ الإِخبار والطلب ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: صدقهم فيما أخبروا عنه من الصفات الحميدة والمناهج السديدة، وأخبر عن الله تعالى في شرعه وأمره، كما أخبروا، ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [فصلت: ٤٣] (١). فصل قال محمد تقي الدين: من أعظم المصائب التي حلَّت بمشركي هذا الزمان، ويأسف لها كلُّ مشفق عليهم: إنهم لا يعرفون معنى لا إله إلا الله، وقد أضلهم رؤساء جهال ينسبون إلى العلم زورًا وبهتانًا، ففسروا لهم لا إله إلا الله تفسيرًا ضلالًا، قال بعضهم: معنى لا إله إلا الله: لا مُسْتَغْنِ عن كل ما سواه ومفتقرًا إليه كل ما عداه إلا الله (٢)، فظنَّ هذا الجاهل أن لا إله إلا الله يقصد بها توحيد الربوبية وهو إثبات الغنى الله تعالى، وإثبات الفقر لكل من سواه فقط، ولو فكر في معنى أله يأله إلاهَةً، أي: عبد يعبد عبادة، لعلم أن كلمة (إله) فعال بمعنى مفعول أي: معبود، فقائل لا إله إلا الله العالم بمعناها، يشهد على نفسه أنه لا يعبد إلا الله، وأنه بريء مما يعبد من دونه، كما قال إبراهيم الخليل لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] وقال تعالى في سورة الممتحنة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] وقال تعالى في سورة مريم حكاية عن إبراهيم: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨] وقال تعالى في سورة هود حكاية عنه قال: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ الله وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٥] وتقدمت قصة أبي طالب لما قال له النبي ﷺ : «يا عم قل لا إله إلا الله»، فهم أبو طالب وأبو جهل وعبد الله بن أبي أمية أن معنى لا إله إلا الله، أن يترك ملة عبد المطلب وهي

стр. 798

الشّرك (١)، فهؤلاء الكفار الثلاثة فهموا معنى لا إله إلا الله، وكثير ممن ينسب إلى الإمامة في العلم والدين يجهل معناها، وقال في هذه الآية حكاية عن الكفار، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ فهموا أنهم إن قبلوا لا إله إلا الله تحتم عليهم ترك عبادة آلهتهم، ووجب عليهم الكفر بها، والمشركون في هذا الزمان يقولون: لا إله إلا الله في كل حين، وهم يعبدون آلهتهم، ويستغيثون بها، فلا نسمع إلا يا شيخنا يا سيدي فلان، فسبحان من طبع على قلوبهم وأعمى بصائرهم. اهـ. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٩٨]. قال محمد تقي الدين: أريد أن أفسر هذه الآيات بلفظي لأن التفاسير التي بيدي لم تتفق مع رغبتي. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي: من أهل دين نوح السائرين على منهاجه في عبادة الله وحده لا شريك له، ﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾ هو الخليل الذي ﴿جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ من الشرك معاد لأهله متبرئ منهم، حين قال: ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ، مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ أنكر عليهم عبادة الأصنام وما وراءها من الأنداد، أتقصدون بعبادتكم آلهة اتخذتموها من دون الله كذبًا وزورًا؟ فإن الله لا يرضى أن يعبد معه غيره، ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ماذا تظنون أن يفعل بكم من العذاب، لأنكم ما

стр. 799

قَدَّرْتُمُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ حِينَ أَشْرَكْتُمْ بِهِ؟ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ أي: نظر إلى السماء مفكرًا في حيلة يحتال بها على عدم الخروج معهم إلى العيد؛ ليخلو بأصنامهم ويكسرها في غيبتهم، فرأى أن يقول لهم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: مريض، ليفهموا أنه لا يستطيع الخروج معهم ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أي: تركوه وانطلقوا إلى عيدهم، ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ أي: مال إلى الأصنام يضربها ضربًا بيده اليمنى، حتى كسرها كلها إلا الصنم الكبير وقد تقدم في (سورة الأنبياء) أنهم لما رجعوا ووجدوا أصنامهم مكسرة، سألوا عن من كسرها، فأخبرهم إبراهيم أن كبير الأصنام هو الذي كسر رفقاءه، وقال لهم: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] فقالوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] إلى آخر ما تقدم، وفي هذه السورة، أخبرنا الله تعالى أن إبراهيم ﵇ قال للأصنام لما رأى الطعام موضوعًا عندها وضعه عبّادها لتجعل لهم فيه البركة ثم يأكلوه بعد ذلك: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾؟ قال ذلك استهزاء بهم، وبمن يعبدونهم، فإن من أعظم الجهل أن يعبد الإنسان جمادًا لا يأكل ولا يشرب ولا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر، وبعدما كسرهم أقبل عبادهم ﴿يَزِفُّونَ﴾، يهرعون، فقال لهم إبراهيم ﵇ منكرًا ومشنّعًا: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ الأصنام المنحوتة، فكيف تتخذونها آلهة، أين ذهبت عقولكم؟ قال (ك): فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إلى أخذه باليد والقهر، فـ ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ونجاه الله من النار وأظهره عليهم، وأعلى حجته، ونصرها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ (١). فصل قال محمد تقي الدين: تقدم في (الباب الثالث) من (سورة الأنبياء) حديث أن إبراهيم، لم يكذب إلا ثلاثًا (٢) … . فراجعه هناك. والمشركون في كل زمان ومكان متشابهون؛ فإن مشركي هذا الزمان يبنون بأيديهم قبابًا ينسبونها إلى الصالحين، ويعبدونها بالذبح والنذر والتمسح، فيجيء السيل العظيم، فيجرف

стр. 800

القبة ولا تستطيع هي ولا من نسبت إليه أن يحولا بين السيل وبينها، فيعيد المشركون بناءها ويعبدونها، وإذا قيل للمشركين: كيف تعبدون شيئًا بنيتموه بأيديكم؟ فيزعمون أن روح ذلك الصالح ملازمة لتلك القبة، وهي التي تقضي حاجات عابديها، يقال لهم: إن كان الأمر كما زعمتم، فلماذا لم تدفع السيل عن قبتها؟ فلا يجدون جوابًا، ومع ذلك يستمرون في شركهم، ولو أن شخصًا من الموحدين جاء يهدمها، لتصدوا لقتاله، ولو كانوا صادقين في زعمهم أن معها قوة تقضي الحاجات، وتفرج الكربات، لتركوا بينها وبين هادمها تنتقم منه، ولكنهم لا يعقلون. اهـ. الباب الرابع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣ - ١٢٨]. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ﴾ هو أحد الرسل من بني إسرائيل ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قومه ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ الله وتخافون عقابه، كيف تعبدون ﴿بَعْلًا﴾ وهو صنم مشهور عندهم، وتتركون عبادة الله الذي هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين؟ ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فيما دعاهم إليه من التوحيد ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ للعذاب ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ فإنهم لم يكذبوه بل آمنوا به، ووحدوا الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ أي: تشركون به فإنهم لم يتركوا عبادة الله، ولكنهم لما عبدوا معه غيره حبط عملهم وبطلت عبادتهم الله، فوصفوا بأنهم تركوا عبادة الله، كما قال تعالى في المشركين من العرب: ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فكل من صرف لغير الله مثقال ذرة من عبادته، فهو تارك لعبادة الله تعالى، وفي الحديث القدسي: يقول الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (١). اهـ.

стр. 801

الباب الخامس قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٥٨ - ١٦٣] قال (ك): ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال مجاهد: «قال المشركون: الملائكة بنات الله تعالى، فقال (١) أبو بكر ﵁: فمن أمهاتهن؟ قالوا: بنات سروات الجن» (٢)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ أي: الذين نسبوا إليهم ذلك ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: إن الذين قالوا ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب، لكذبهم في ذلك وافترائهم، وقولهم الباطل بلا علم، وقوله جلت عظمته: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه عن أن يكون له ولد، وعما يصفه به (٣) الظالمون الملحدون علوًّا كبيرًا، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤) استثناء منقطع، وهو من مثبت. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ يقول تعالى مخاطبًا للمشركين، ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ أي: إنما (٥) ينقاد لمقالتكم وما أنتم عليه من الضلالة، والعبادة الباطلة (٦) من هو أضل منكم ممن ذُرِئ للنار» (٧).

стр. 802

فصل قال محمد تقي الدين: قول الحافظ: (ك): «استثناء منقطع من مثبت» قد يشكل فهمه على بعض الناس. من المعلوم أن الاستثناء يكون من مثبت ومنفي، مثال المثبت: حضر الطلبة إلا سعيدًا، فالاستثناء متصل، والمستثنى من مثبت، فإذا قلنا: حضر الطلبة إلا جملًا، فالمستثنى منه مثبت والاستثناء منقطع، لأن الجمل غير داخل في الطلبة. ومثال الاستثناء من منفي: ما جاء أحد إلا عبد الله. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١)﴾ إلى آخره، منطبق على سدنة القبور والقباب وعلى الدعاة إلى أخذ الطرائق التي انتشرت في هذه الأزمنة، لأنهم يزينون للناس الدخول في طرائقهم، فيضمنون لهم الجنة افتراء على الله، ويضمنون لهم الحماية من شرور الدنيا والآخرة، والدخول في طرائقهم أعظم الشرور التي تصيب الناس في دنياهم وأخراهم، ولكن لا يفتن بوساوسهم إلا من ذرئوا لجهنم، ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].

стр. 803

سورة ص الباب الأول قال تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُم مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ١ - ٨]. قال (ك): «أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة، بما أغنى عن إعادته ههنا، وقوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد، ونفع لهم في المعاش والمعاد، قال الضحاك في قوله تعالى: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] أي: تذكيركم (١)، وقوله ﵎: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ أي: إن في هذا القرآن لذكرًا (٢) لمن يتذكر وعبرة لمن يعتبر، وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أي: استكبار عنه وحمية، ﴿وَشِقَاقٍ﴾ أي: مخالفة (٣) له ومعاندة ومفارقة، ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء فقال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ

стр. 804

قَبْلَهُم مِنْ قَرْنٍ أي: من أمة مكذِّبة ﴿فَنَادَوا﴾ أي: حين جاءهم العذاب، استغاثوا وجأروا إلى الله تعالى وليس ذلك بمجد عنهم شيئًا» (١). وقوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ (٨) قال (ك): يقول تعالى مخبرًا عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول الله (٢) ﷺ بشرًا (٣) كما قال : ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢] وقال جل وعلا ههنا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُم مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أي: بشر مثلهم: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟ أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى، وتعجبوا من ترك الشرك بالله، فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته قلوبهم، فلما دعاهم الرسول ﷺ إلى خلع ذلك من قلوبهم، وإفراد الإله (٤) بالوحدانية، أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾؟!! ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين: ﴿امْشُوا﴾ أي: استمروا على دينكم ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قال ابن جرير: «إن هذا الذي يدعونا إليه محمد ﷺ من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء، وأن يكون له منكم اتباع ولسنا مجيبيه (٥) إليه» (٦). ذكر سبب نزول هذه الآيات قال السدي: إن ناسًا من قريش اجتمعوا فيهم أبو جهل في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب فلنكلمه فيه، فلينصفنا منه، فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبده، فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ

стр. 805

فيكون منا إليه شيء فتعيّرنا به العرب، يقولون: تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه، فبعثوا رجلًا منهم يقال له: المطلب، فاستأذن لهم على أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك قال: أدخلهم، فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه، قال: فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتنا (١) ويدعوك والهك، قال ﷺ : «يا عم أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟» قال: وإلام تدعوهم؟ قال ﷺ : «ادعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم» فقال أبو جهل لعنه الله من بين القوم: ما هي وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها، قال ﷺ : «تقولون: لا إله إلا الله فنفروا وقالوا: سلنا غيرها (٢) قال ﷺ : لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها» فقاموا من عنده غضابًا وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي أمرك بهذا، ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ (٣). وقولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾، أي: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أي: في دين قريش، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ أي: كذب، وقولهم: ﴿أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يعني: إنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم، كما قالوا في الآية الأخرى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ

стр. 806

أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]. ولهذا لما قالوا هذا الذي دل على جهلهم، وقلة عقلهم في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم، قال تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذاب الله تعالى ونقمته، سيعلمون غب ما قالوا وما كذبوا به يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (١). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، أقسم الله تعالى بالقرآن وهو كلامه ووصفه بقوله سبحانه: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: التذكير لأنه يذكر كل غافل، ويعلم كل جاهل، ويهدي كل ضال إلا من أبى واستكبر وكان من الكافرين وأعرض عن القرآن واستبدل به الشرائع الأرضية فإنه يخسر دنيا وأخرى. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، فيجتمع له شقاء الدنيا وشقاء الآخرة. فائدة ثانية: قولهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ هو قول المشركين في كل زمان ومكان، ومنهم المشركون في هذا الزمان، فإنهم إذا قيل لهم: لا تستغيثوا إلا بالله، ولا تدعوا لجلب الخير ودفع الشر إلا الله، غضبوا وقالوا: إن الله أولياء، لا يحصل لأحد خير إلا بواسطتهم، وهذا افتراء على الله، فالمؤمنون الصادقون ليس لهم إلا الولي الحميد، الذي يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، الذي يطعم ولا يطعم، ويعين ولا يعان، ويجير ولا يجار عليه. فائدة ثالثة: قولهم: إنا نخاف أن يموت هذا الشيخ، فيكون إليه شيء … ، إلى آخره. يقصدون بذلك أنهم يخافون أن يموت أبو طالب فيفضي بهم بغضهم للإسلام إلى أن يقتلوا النبي ﷺ أو يحبسوه، أو ينفوه، فتعيرهم قبائل العرب بأنهم تركوا شيخهم ورئيسهم أبا طالب إلى أن مات واعتدوا على ابن أخيه، ولم يحفظوا حرمته. وقد فعلوا ما كانوا يتخوفون منه حين عزموا على قتل النبي ﷺ ، قبيل الهجرة» (٢)، وبذلوا كل جهد في ذلك، فأنقذه الله منهم.

стр. 807

فائدة رابعة: قولهم «فمره أن يكف عن شتم آلهتنا»: ما هو شتم النبي ﷺ لآلهتهم؟ هو قوله: اتركوا هذه الإلهة، فإنها لا تنفع ولا تضر، واعبدوا الله وحده الذي بيده الخير، فعدّوا هذا شتمًا، وهكذا المشركون في هذا الزمان، إذا قلت لهم: إن أولياءكم الذين اتخذتموهم من دون الله، لا ينفعون ولا يضرون، ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا ولا حياة، ولا موتًا، ولا بعثًا، فكيف يقدرون أن ينفعوكم، غضبوا وثاروا، وقالوا: هذا يسب أولياءنا، ويتنقصهم وينكر كرامتهم، وتصرفهم في الكون، ويحاربون ذلك الداعي إلى الله بكل ما يقدرون عليه. وقبل أيام قليلة كان أحد الإخوان الموحدين، واقفًا أمام دكان فقال صاحب الدكان: يا مولاي إدريس، فقال له الموحد: قل يا الله، فإن المخلوق لا ينفع ولا يضر، فاستمع صاحب الدكان لقول الحق واعترف به. وكان هناك سادن يعيش على النذور التي تقدم للأوثان، فغضب على الموحد غضبًا شديدًا، وقال: كيف تسب مولاي إدريس؟ فقال: أنا ما سببته، ولكن أنكرت الاستغاثة به، وأخذ يصيح لتجتمع الناس، ظانًا أنهم إذا اجتمعوا سينصرونه، فاجتمعوا ولكنهم لم ينصروه بل نصروا الموحد على السادن. ومدينة مكناس هذه كانت قبل خمس عشرة سنة، هي مركز الشرك والبدع، ولكن الله الكريم بارك في دعوتي التي بدأتها وحدي، فاستجاب إليها كثير من الناس، فأينما ذهبت في أنحاء المدينة تجد أنصار التوحيد إخوان من وحد الله، ولا تزال دعوة التوحيد تنتشر وتنتصر يومًا بعد يوم، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، فلك الحمد ولك الشكر. اهـ. فائدة خامسة: قول النبي ﷺ لمشيخة قريش (١): «أفلا أدعوهم إلى ما هو

стр. 808

خير لهم؟ أدعوهم إلى كلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم، قال: وهي: أن تقولوا لا إله إلا الله»، ولم يقصد النبي ﷺ مجرد التلفظ بها، انظر: (الباب الثاني) من (سورة الصافات)، بل أراد منهم، أن يقولوا بألسنتهم، ويعتقدوا معناها بقلوبهم، ويعملوا بها بكل جوارحهم، وهذه الكلمة المباركة: لا إله إلا الله تحقق بها ما قاله رسول الله ﷺ ، فدانت العرب لقريش، وملكوا بها العجم. وسرها لا يزال فيها كما كان، فكل من أخذها بصدق في كل زمان ومكان ملك العالم، وهؤلاء العرب الذين يتخبطون في محنتهم الحاضرة، ويبحثون عن حل لمشكلتهم وغسل العار عنهم، دواؤهم حاضر في غاية السهولة، وهو في أيديهم، ولا يحتاجون أن يسافروا إلى (موسكو) ولا (بكين) ولا (واشنطن) ولا (باريس) ولا (لندن) وإنما يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ ويعتقدون معناهما، ويعملون بمقتضاهما، فيملكون العالم مرة أخرى، وبدون هذا الحل الذي هو بلسم الشفاء الوحيد، سيبقون يئنون من مرضهم العضال إلى الأبد. وما أحسن ما قال الشاعر، وهو منطبق عليهم أتم انطباق: ومن العجائب والعجائب جَمَّة … قُربُ الحبيب وما إليه سبيل كالعيس في البيداء يقتلها الظَّمَا … والماء فوق ظهورها محمول (١)

стр. 809

سورة الزمر الباب الاول بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ١ - ٣] قال (ك): يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب، وهو: القرآن العظيم، من عنده ﵎، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، كما قال : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] وقال ﵎: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] وقال: جل وعلا ههنا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ أي: المنيع الجناب، ﴿الْحَكِيمِ﴾ أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أي: فاعبد الله وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له [وحده] (١)، وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل الله وحده لا شريك له، ثم أخبر عن عباد الأصنام من المشركين، أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، أي: إنما يحملهم على عبادتهم لهم؛ أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور

стр. 810

الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمور (١) الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له، كافرين به، قال زيد بن أسلم وغيره: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة (٢)، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك» (٣)، وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها، والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة الله وحده لا شريك له، وأن هذا الشيء (٤) اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وأخبر أن الملائكة الذين (٥) في السموات من الملائكة المقربين، وغيرهم كلهم عبيد خاضعون الله لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ تعالى الله عن ذلك [علوًا كبيرًا] (٦)، وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (٧) يوم القيامة ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١] وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ أي: لا يرشد إلى الهداية من قصده الكذب والافتراء على الله تعالى، وقلبه كافر (٨) بآياته وحججه (٩) وبراهينه» (١٠).
следующие страницы →