أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]. ولهذا لما قالوا هذا الذي دل على جهلهم، وقلة عقلهم في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم، قال تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذاب الله تعالى ونقمته، سيعلمون غب ما قالوا وما كذبوا به يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (١). اهـ.
فصل
قال محمد تقي الدين: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، أقسم الله تعالى بالقرآن وهو كلامه ووصفه بقوله سبحانه: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: التذكير لأنه يذكر كل غافل، ويعلم كل جاهل، ويهدي كل ضال إلا من أبى واستكبر وكان من الكافرين وأعرض عن القرآن واستبدل به الشرائع الأرضية فإنه يخسر دنيا وأخرى. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، فيجتمع له شقاء الدنيا وشقاء الآخرة.
فائدة ثانية: قولهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ هو قول المشركين في كل زمان ومكان، ومنهم المشركون في هذا الزمان، فإنهم إذا قيل لهم: لا تستغيثوا إلا بالله، ولا تدعوا لجلب الخير ودفع الشر إلا الله، غضبوا وقالوا: إن الله أولياء، لا يحصل لأحد خير إلا بواسطتهم، وهذا افتراء على الله، فالمؤمنون الصادقون ليس لهم إلا الولي الحميد، الذي يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، الذي يطعم ولا يطعم، ويعين ولا يعان، ويجير ولا يجار عليه.
فائدة ثالثة: قولهم: إنا نخاف أن يموت هذا الشيخ، فيكون إليه شيء … ، إلى آخره. يقصدون بذلك أنهم يخافون أن يموت أبو طالب فيفضي بهم بغضهم للإسلام إلى أن يقتلوا النبي ﷺ أو يحبسوه، أو ينفوه، فتعيرهم قبائل العرب بأنهم تركوا شيخهم ورئيسهم أبا طالب إلى أن مات واعتدوا على ابن أخيه، ولم يحفظوا حرمته. وقد فعلوا ما كانوا يتخوفون منه حين عزموا على قتل النبي ﷺ ، قبيل الهجرة» (٢)، وبذلوا كل جهد في ذلك، فأنقذه الله منهم.
стр. 807
فائدة رابعة: قولهم «فمره أن يكف عن شتم آلهتنا»: ما هو شتم النبي ﷺ لآلهتهم؟ هو قوله: اتركوا هذه الإلهة، فإنها لا تنفع ولا تضر، واعبدوا الله وحده الذي بيده الخير، فعدّوا هذا شتمًا، وهكذا المشركون في هذا الزمان، إذا قلت لهم: إن أولياءكم الذين اتخذتموهم من دون الله، لا ينفعون ولا يضرون، ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا ولا حياة، ولا موتًا، ولا بعثًا، فكيف يقدرون أن ينفعوكم، غضبوا وثاروا، وقالوا: هذا يسب أولياءنا، ويتنقصهم وينكر كرامتهم، وتصرفهم في الكون، ويحاربون ذلك الداعي إلى الله بكل ما يقدرون عليه. وقبل أيام قليلة كان أحد الإخوان الموحدين، واقفًا أمام دكان فقال صاحب الدكان: يا مولاي إدريس، فقال له الموحد: قل يا الله، فإن المخلوق لا ينفع ولا يضر، فاستمع صاحب الدكان لقول الحق واعترف به.
وكان هناك سادن يعيش على النذور التي تقدم للأوثان، فغضب على الموحد غضبًا شديدًا، وقال: كيف تسب مولاي إدريس؟ فقال: أنا ما سببته، ولكن أنكرت الاستغاثة به، وأخذ يصيح لتجتمع الناس، ظانًا أنهم إذا اجتمعوا سينصرونه، فاجتمعوا ولكنهم لم ينصروه بل نصروا الموحد على السادن. ومدينة مكناس هذه كانت قبل خمس عشرة سنة، هي مركز الشرك والبدع، ولكن الله الكريم بارك في دعوتي التي بدأتها وحدي، فاستجاب إليها كثير من الناس، فأينما ذهبت في أنحاء المدينة تجد أنصار التوحيد إخوان من وحد الله، ولا تزال دعوة التوحيد تنتشر وتنتصر يومًا بعد يوم، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، فلك الحمد ولك الشكر. اهـ.
فائدة خامسة: قول النبي ﷺ لمشيخة قريش (١): «أفلا أدعوهم إلى ما هو
стр. 808
خير لهم؟ أدعوهم إلى كلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم، قال: وهي: أن تقولوا لا إله إلا الله»، ولم يقصد النبي ﷺ مجرد التلفظ بها، انظر: (الباب الثاني) من (سورة الصافات)، بل أراد منهم، أن يقولوا بألسنتهم، ويعتقدوا معناها بقلوبهم، ويعملوا بها بكل جوارحهم، وهذه الكلمة المباركة: لا إله إلا الله تحقق بها ما قاله رسول الله ﷺ ، فدانت العرب لقريش، وملكوا بها العجم. وسرها لا يزال فيها كما كان، فكل من أخذها بصدق في كل زمان ومكان ملك العالم، وهؤلاء العرب الذين يتخبطون في محنتهم الحاضرة، ويبحثون عن حل لمشكلتهم وغسل العار عنهم، دواؤهم حاضر في غاية السهولة، وهو في أيديهم، ولا يحتاجون أن يسافروا إلى (موسكو) ولا (بكين) ولا (واشنطن) ولا (باريس) ولا (لندن) وإنما يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ ويعتقدون معناهما، ويعملون بمقتضاهما، فيملكون العالم مرة أخرى، وبدون هذا الحل الذي هو بلسم الشفاء الوحيد، سيبقون يئنون من مرضهم العضال إلى الأبد. وما أحسن ما قال الشاعر، وهو منطبق عليهم أتم انطباق:
ومن العجائب والعجائب جَمَّة … قُربُ الحبيب وما إليه سبيل
كالعيس في البيداء يقتلها الظَّمَا … والماء فوق ظهورها محمول (١)
стр. 809
سورة الزمر
الباب الاول
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ١ - ٣]
قال (ك): يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب، وهو: القرآن العظيم، من عنده ﵎، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، كما قال : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] وقال ﵎: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] وقال: جل وعلا ههنا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ أي: المنيع الجناب، ﴿الْحَكِيمِ﴾ أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أي: فاعبد الله وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له [وحده] (١)، وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل الله وحده لا شريك له، ثم أخبر عن عباد الأصنام من المشركين، أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، أي: إنما يحملهم على عبادتهم لهم؛ أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور
стр. 810
الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمور (١) الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له، كافرين به، قال زيد بن أسلم وغيره: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة (٢)، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك» (٣)، وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها، والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة الله وحده لا شريك له، وأن هذا الشيء (٤) اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وأخبر أن الملائكة الذين (٥) في السموات من الملائكة المقربين، وغيرهم كلهم عبيد خاضعون الله لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ تعالى الله عن ذلك [علوًا كبيرًا] (٦)، وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (٧) يوم القيامة ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١] وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ أي: لا يرشد إلى الهداية من قصده الكذب والافتراء على الله تعالى، وقلبه كافر (٨) بآياته وحججه (٩) وبراهينه» (١٠).
стр. 811
فصل
قال محمد تقي الدين: فائدة: لم يكن عند المشركين من العرب شك في أن الله هو الخالق والرازق المحيي المميت المعطي المانع الخافض الرافع المتصرف في السموات والأرض، وهذا توحيد الربوبية، وإنما كانوا يشركون بالله في توحيد الألوهية؛ باتخاذهم وسائط شفعاء تقربهم إلى الله، وتقضي حاجاتهم عند الله، فأخبرهم الله تعالى أن ذلك العمل الذي يعملونه لأولئك الشفعاء، من ذبح ونذر ودعاء واستغاثة وخوف ورجاء، وهو كذب وكفر شديد، يستوجب ضلالهم وخسرانهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، وإنما ينال ما عند الله من خيري الدنيا والآخرة، بعبادته وحده لا شريك له، والكفر بكل معبود سواه، والتبرؤ من عبادته، والتوفيق بيد الله. اهـ.
الباب الثاني
قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦]
قال (ك): يخبر تعالى أنه الخالق لما في السموات والأرض وما بين ذلك من الأشياء، وبأنه (١) مالك الملك، المتصرف فيه، يقلب ليله ونهاره، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ أي: سخرهما يجريان متعاقبين لا يقران (٢)، كل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، وقوله : ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: إلى مدة معلومة عند الله تعالى، ثم تنقضي يوم (٣) القيامة ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أي: مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه وقوله [جلت عظمته] (٤): ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: خلقكم مع اختلاف
стр. 812
أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم، وألوانكم من نفس واحدة هو آدم ﵊: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حواء عليها (١) السلام، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي: وخلق لكم من ظهور (٢) الأنعام ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، وهي المذكورة في سورة الأنعام ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾. . . . ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾، وقوله : ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي: قدركم في بطون أمهاتكم، ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ (٣) يكون أحدكم أولًا نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يخلق فيكون لحمًا وعظمًا، وعصبًا وعروقًا، وينفخ فيه الروح فيصير خلقًا آخر، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ يعني: [في] (٤) ظلمة الرحم وظلمة المشيمة التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد وظلمة البطن، كذا قال ابن عباس (٥) وغيره. وقوله جل وعلا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلقكم وخلق آباءكم، هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٦) أي: الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده [لا شريك له] (٧) ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: فكيف تعبدون معه غيره، أين يذهب بعقولكم» (٨).
فصل
قال محمد تقي الدين: فائدة جمعت هذه الآية بين توحيد الربوبية وتوحيد العبادة، وقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قد يقول متفلسف معتوه: كيف
стр. 813
يكون أجناس بني آدم مع اختلاف ألوانهم وملامحهم وصور خلقهم المتباينة؟ فكلهم من رجل واحد، وامرأة واحدة، هذا أمر يستبعده العقل، فنقول له: على رسلك! إنك لم تؤت من العلم إلا قليلًا، أو لم تؤت شيئًا، فأنت مثل الفرخ الذي فقست عنه البيضة، ففتح عينيه فلم ير إلا العُش الذي هو فيه، وهو مصنوع من ليف، فاعتقد أنه لا يوجد في الدنيا إلا هو وأمه والعش، ثم فتح عينيه أكثر فرأى أوراق الشجرة التي فيها العش، فاطلع على شيء آخر لم يكن يعرفه، وهو أوراق الشجرة، ولما صار له جناحان، وطار في السماء ورأى الشمس والقمر والنجوم والبحر والبر والحيوان والإنسان والجبال، وغير ذلك تبين له أنه كان على جهل عظيم عندما فتح عينيه لأول مرة. وليعلم أن الله أظهر في هذا الزمان آية عظيمة تدل على وحدة الإنسان، وأن أجناسه ترجع إلى أصل واحد، وذلك أن العلماء وجدوا أن دماء البشر تنقسم إلى فضائل فإذا احتاج إنكليزي مثلًا بسبب نزيف دموي وكان معه جماعة من أبناء جنسه وجماعة من الزنوج السود، وجماعة من الصينيين الصفر، وجماعة من سكان أمريكا الأصليين الحمر، وجماعة من أهل الهند السمر، فإن الدم الذي يناسب فصيلة دمه، ويمكن تعويض جسمه لما خسره منه، قد يكون في جسم زنجي أو صيني، أو غيرهما، ولا يوجد في أبناء جنسه الإنكليز، فهذه الفصائل الدموية لا تعرف لونًا ولا جنسًا، وهي متفرقة في جميع بني آدم، فتبارك الله أحسن الخالقين. وقُلْ لمَن يدعي بالعلم معرفة … علمت شيئًا وغابت عنك أشياء (١)
الباب الثالث
قوله تعالى ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨]
قال (ك): ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ أي: عند الحاجة [يتضرع] (٢) ويستغيث بالله وحده لا شريك له، ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا
стр. 814
كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ: أي: في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع، كما قال ﷻ ، ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: في حالة العافية يشرك بالله ويجعل أندادًا ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي: قل لمن هذه حالته (١) وطريقته ومسلكه، ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾، وهو (٢) تهديد ووعيد أكيد، كقول تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] (٣).
فصل: فائدة
قال محمد تقي الدين: تقدم في مواضع أن شرك المشركين في هذا الزمان، أغلظ بكثير من شرك المشركين في زمان النبي ﷺ (٤)، مع أن أولئك لم يكن عندهم كتاب منزل محفوظ، ولا سنة نبي مدونة، وإنما كان عندهم بقية قليلة من دين إبراهيم وإسماعيل، وهؤلاء عندهم كتاب الله مصون في المصاحف محفوظ في الصدور، مبين بالتفاسير، وعندهم سنة النبي سيد المرسلين مدونة مبينة، ومع ذلك بلغوا إلى هذا الدرك الأسفل من الشرك، ونبذوا كتاب الله وسنة رسوله وراء ظهورهم، واستعاضوا عنها أساطير المتأخرين، فنحمد الله على العافية.
الباب الرابع
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾
стр. 815
يَعِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١١ - ١٨].
قال (رح): «وقوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ﴾ أي: إنما أمرت بإخلاص العبادة الله وحده لا شريك له، ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال السدي: يعني من أمته ﷺ ».
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾.
قال (رح): يقول تعالى: قل يا محمد، وأنت رسول الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يوم القيامة، وهذا شرط، ومعناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِنْ دُونِهِ﴾ وهذا أيضًا تهديد وتبرؤ منهم، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: إنما الخاسرون كل الخسران ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: تفارقوا فلا التقاء لهم أبدًا سواء ذهب أهلوهم إلى الجنة، وقد ذهبوا (١) إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار، ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور، ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أي: هذا هو ﴿الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (٢) الظاهر الواضح، ثم وصف حالهم في النار فقال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ وقوله: ﷻ : ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ أي: إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوف به عباده، ليزجروا عن المحارم والمآثم، وقوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ أي: اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي.
قال (رح): ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ فهؤلاء هم الذين ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، ثم قال : ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي: يفهمونه ويعملون بما فيه كقوله ﵎ لموسى ﵊ حين آتاه التوراة ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥]. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين
стр. 816
هداهم الله في الدنيا والآخرة، ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ذوو العقول الصحيحة والفطر السليمة (١)(٢).
فصل فائدة :
قال محمد تقي الدين: الموحدون الله تعالى المتبعون لرسل الله في كل زمان ومكان ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهم الذين هداهم الله، وهم أصحاب العقول الصحيحة، ومن خالف طريقهم، فلا بشرى له ولا هدى ولا عقل، نسأل الله أن يجعلنا من الذين اجتنبوا الطاغوت وأنابوا إلى الله. اهـ.
الباب الخامس
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٤ - ٢٩]
قال صاحب «جامع البيان» (٣): «﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾، شدته يوم القيامة، ظرف ليتقي، وخبره محذوف، أي: كمن يأتي آمنًا يوم القيامة، والإنسان إذا لقي مخوفًا استقبله بيده، يقي بها وجهه، الذي هو أعز أعضائه، والكافر المغلول لا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه».
стр. 817
قال (ك): ويقرع فيقال له ولأمثاله من الظالمين: ﴿ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾، وقوله جلت عظمته: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ يعني: القرون الماضية المكذبة للرسل أهلكهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من العذاب والنكال، وتشفّي المؤمنين منهم، فليحذر المخاطبون من ذلك، فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل وخاتم الأنبياء ﷺ ، والذي أعده الله ﷻ لهم في الآخرة من العذاب الشديد أعظم مما أصابهم في الدنيا؛ ولهذا قال : ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وقوله : ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قال (ك): «يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: بينا للناس فيه بضرب الأمثال ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، فإن المثل يقرب المعنى إلى الأذهان (١) ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي: هو قرآن بلسان عربي مبين، لا اعوجاج فيه، ولا انحراف، ولا لبس؛ بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله الله تعالى كذلك (٢) وأنزله بذلك ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، أي: يحذرون ما فيه من الوعيد، ويعملون (٣) بما فيه من الوعد، ثم قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي: يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾، أي: سالمًا (٤) لرجل، [أي: خالصًا] (٥) لا يملكه أحد غيره، ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ أي: لا يستوي هذا وهذا، كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فأين هذا من هذا؟ قال ابن عباس وغيره: «هذه الآية ضربت مثلًا للمشرك والمخلص» (٦). ولما كان هذا المثل ظاهرًا بينًا جليًا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: على إقامة الحجة عليهم، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلماذا يشركون بالله؟» (٧).
стр. 818
فصل
قال محمد تقي الدين: فائدة: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ، سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ معناه: يلقى سوء العذاب بوجهه لا يستطيع أن يتقيه بيديه، لأن يديه مغلولتان إلى عنقه، وهو في هذه الحال؛ يوبخ فيقال له ولأمثاله من المشركين: ﴿ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ من الشرك بالله، والاعتداء على خلق الله، كيف يستوي من هذه حاله مع من يجيء آمنًا قد بشر برضوان الله تعالى وكرامته؟ وقوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا … ﴾ إلى آخره، كل أمة قامت عليها حجة الله بإرسال رسول ونزول كتاب فنبذت كتاب الله وراء ظهورها، وعصت رسوله، يذيقها الله الخزي في الحياة الدنيا، وما أعد الله لها من العذاب في الآخرة أعظم مما يصيبها في الدنيا.
فائدة ثانية: ما أبلغ هذا المثل الذي ضرب الله للمشركين والموحدين، فالمشركون في هذا الزمان يعبدون كل من يسمى وليًا في اصطلاحهم، وعلامته أن تبنى عليه قبة ويقصده المشركون لقضاء حاجاتهم، ويتزلّفون له بالذبح والنذر والتمسح بتابوت قبره، والخضوع له والاستغاثة به، والشكوى إليه، وهؤلاء الأولياء مبثوثون في كل مكان، والمشرك يخافهم ويرجوهم، ويكون قلبه موزعًا بينهم يحاول أن يرضيهم جميعًا ويخاف غضبهم، وذلك عذاب مُعجَّل. أما الموحد فإنه لا يعبأ بوجودهم، فهو آمن مطمئن أنهم لا ينفعون ولا يضرون، ولا يملكون مثقال ذرة، فيكون خوفه ورجاؤه كله لله، قائلًا: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١].
الباب السادس
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ
стр. 819
بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٦ - ٣٨]
قال (كله): يقول تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وقرأ بعضهم (١): (عباده)، يعني أنه تعالى يكفي من عبده وتوكل عليه، وقال الترمذي بسنده وصححه عن فضالة بن عبيد الأنصاري، أنه سمع رسول الله ﷺ ، يقول: «أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافًا وقنع به (٢) ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ يعني: المشركين يخوفون الرسول ﷺ ويتوعدونه بالهتهم (٣) التي يدعونها (٤) من دون الله جهلًا منهم، وضلالًا، ولهذا قال : ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ﴾ أي: منيع الجناب لا يضام من استند إلى جنابه، ولجأ إلى بايه، فإنه العزيز الذي لا أعز منه، ولا أشد انتقامًا منه ممن كفر به، وأشرك وعاند رسوله ﷺ ، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله﴾؛ يعني: المشركين، كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه غيره مما (٥) لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله إِنْ أَرَادَنِيَ الله بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ
стр. 820
ممسكات رحمته﴾ أى: لا تستطيع شيئا من الأمر» (١). وقال صاحب «جامع البيان»: «وهذا بيان أنها لا تنفع ولا تضر، فلا خوف منها.
﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾:
قال (ك): «أى: الله كافى ﴿عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون﴾ [يوسف: ٦٧]، كما قال هود ﵊ حين قال له (٢) قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦] وقال ابن أبي حاتم بسنده (٣) عن ابن عباس ا رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ : قال: «من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى، ومن أحب أن يكون أغنى الناس، فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه، ومن أحب أن يكون أكرم على الله فليتق الله »». (٤)
فصل
قال محمد تقي الدين: فائدة: كل من آمن بأن الله كاف عباده وأنه لا شريك له ولا معين له، لا بد أن يكتفي به، ولا يسأل غيره شيئا مما لا يقدر عليه إلا الله، كإنزال المطر، وهداية القلوب، وإعطاء المرأة العقيم أولادا، وتوسيع الرزق، وشفاء المرضى إلى غير ذلك، ومن عادة المشركين في كل زمان ومكان، إذا رأوا موحدا لا يؤمن بآلهتهم التي يسمونها أولياء، أن يخوفوه من انتقام تلك الآلهة فإذا رأوا آلهتهم عجزت أن تصيبه بضر عمدوا إلى إعانتها فآذوه، ولكن الله ينصره عليهم، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. اهـ.
стр. 821
الباب السابع
قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٦].
قال (ك): «يقول تعالى: ذامًا للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم: الأصنام والأنداد التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان حداهم على ذلك، وهي لا تملك شيئًا من الأمر، بل وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالًا من الحيوان بكثير» قال: «﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن ما اتخذوه شفعاء لهم عند الله تعالى، أخبرهم أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له فمرجعها كلها إليه، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو المتصرف في جميع ذلك ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم القيامة، فيحكم بينكم بعدله، ويجزي كلًا بعمله، ثم قال تعالى: ذامًا للمشركين أيضًا، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ أي: إذا قيل: لا إله إلا الله، ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾، قال مجاهد: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ انقبضت (١)، ولهذا قال ﵎: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من الأنداد والأصنام (٢) قاله مجاهد (٣) ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: يفرحون ويسرون، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يقول ﵎ بعد ما ذكر عن المشركين ما ذكر من المذمة لهم في حبهم
стр. 822
الشّرك، ونفرتهم عن التّوحيد: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: ادع أنت الله وحده الذي خلق السموات والأرض وفطرها، أي: جعلها على غير مثال سبق، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: السر والعلانية، ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: في دنياهم ستفصل بينهم ويوم معادهم ونشورهم وقيامهم من قبورهم، قال مسلم في «صحيحه»: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة ﵂: بأي شيء كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١).
وقال الإمام أحمد بسنده، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «من قال: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدًا توفينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. إلا قال الله لملائكته يوم القيامة: إن عبدي قد عهد إلي عهدًا فأوفوه إياه، فيدخله الله الجنة» (٢).
وقال الإمام أحمد بسنده (٣): إن عبد الله بن عمرو أخرج قرطاسًا، وقال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا نقول: «اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت رب كل شيء، وإله كل شيء، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك، والملائكة يشهدون، أعوذ بك من الشيطان وشركه (٤)، وأعوذ بك أن أقترف على نفسي إثمًا، أو أجره إلى مسلم».
стр. 823
قال أبو عبد الرحمن (١) ﵁: كان رسول الله ﷺ يعلمه عبد الله بن عمرو ﵁ أن يقول ذلك حين يريد أن ينام» (٢).
فصل
قال محمد تقي الدين: فائدة: قول الحافظ ﵀ في الأصنام: «بل وليس لها عقل تعقل به؛ ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالًا من الحيوان بكثير».
إذا سئل عباد الأصنام والأوثان: لماذا تعبدون الأصنام وهي تماثيل صنعتموها بأيديكم؟ وإذا سئل عباد الأوثان: لماذا تعبدون هذه القبور وهذه التوابيت والقباب وقد بنيتموها بأيديكم فأنتم صناعها فكيف يعبد الصانع صنعته؟ يقولون كلهم: نحن نعلم أنها جماد لا تضر ولا تنفع بذاتها، ولكن من نسبت إليهم وسميت بأسمائهم ينفعون ويضرون هكذا يقول المتأخرون من المشركين، فيعترفون على أنفسهم بالشرك في الربوبية والعبادة معًا، أما المشركون الأولون فإنهم يقولون: نحن نعترف بأن الأصنام والأوثان لا تضر ولا تنفع، ومن نسبت إليهم لا يضرون ولا ينفعون، سواء أكانوا من الملائكة أم الأنبياء؛ أم من الصالحين، أم من الشياطين، ولكن إذا عبدناها تكون تكريمًا وتشريفًا لمن نسبت إليهم، وسميت بأسمائهم، وهم يشفعون لنا عند الله، وقد نفى الله تعالى هذه الشفاعة وأخبر أنه هو وحده يملك الشفاعة ويهبها من شاء من عباده، ولكنه لا يهبها من عبد غير الله، أو رضي بعبادة غير الله.
فائدة ثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ … ﴾ إلى آخره، ينطبق كل الانطباق على المشركين في هذا الزمان، لأنك إذا قلت لأحدهم: لا تستمد من شيخك، فإن الممد هو الله وحده، بالأرزاق الحسية والمعنوية، ولا تستغث بشيخك ولا غيره، بل ادع الله وحده، بالأرزاق الحسية والمعنوية، ولا تستغث بشيخك ولا غيره، بل ادع الله.
أي: ما يدعو إليه. ويوسوس به من الإشراك بالله تعالى والثاني: شركه، بفتح الشين والراء، أي: حبائله ومصايده واحدها: شركة، بفتح الشين والراء، وآخرها هاء، قاله النووي في «الأذكار» (٢٢١).
стр. 824
مخلصًا له الدين، تشمئز نفسه، وأكثرهم يغضب غضبًا شديدًا، فيؤذي من قال له ذلك بالقول، وربما آذاه بالفعل.
فائدة ثالثة: قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ … ﴾ إلى آخره، فسره النبي ﷺ أحسن تفسير، فنسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى حفظ تلك الأدعية المحمدية، والابتهال إلى الله تعالى بها.
الباب الثامن
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٦]
قال (ك): يخبر تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها ومليكها والمتصرف فيها، وكل تحت تدبيره وقهره وكلاءته. وقوله : ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال بعضهم هي: المفاتيح، وقال بعضهم: خزائن السموات والأرض، و [المعنى] (١) على كلا القولين: إن أزمة الأمور بيده ﵎. ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: حججه وبراهينه، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ وقوله ﵎: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ذكروا في سبب نزولها: ما رواه ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس ﵁ أن المشركين من جهلهم (٢) دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة آلهتهم ويعبدوا معه إلهه؛ فنزلت: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقوله : (٣)
стр. 825
﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: أخلص العبادة لله وحده لا شريك له، «أنت ومن اتبعك (١) وصدقك». اهـ (٢).
فصل
قال محمد تقي الدين فائدة: هذه الآيات جمعت بين توحيد الربوبية وتوحيد العبادة، فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ إِلَى ﴿الْخَاسِرُونَ﴾، دلت على توحيد الربوبية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾ … إلى آخره، دلت على توحيد العبادة، وقد وجه الخطاب للنبي ﷺ مع أنه معصوم من كل ذنب تعظيمًا للأمر وتحذيرًا للأمة من الشرك بالله الذي هو الذنب الأكبر، وقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ فيه تقديم المعمول الذي يفيد الحصر، فهو كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠] إلى غير ذلك من الآيات. اهـ.
стр. 826
سورة غافر
الباب الأول :
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٠ - ١٤]
قال محمد تقي الدين: لم أجد تفسيرًا يطابق ما أريده من السهولة على القراء والمستمعين، فسأفسر هذه الآيات الخمس بنفسي.
يقول تعالى مخبرًا عن أحوال الكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ﴾ يوم القيامة، ويقال لهم: إن بغض الله لكم حين دعيتم إلى الإيمان بالله وحده واتباع رسله أكبر من بغضكم لأنفسكم الآن وأنتم تذوقون العذاب، فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ أي: إماتتين ﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ إحياءتين، فالإماتة الأولى حين كانوا نطفًا قبل أن ينفخ فيهم الروح، والإماتة الثانية عند انقضاء آجالهم، والإحياءة الأولى عندما ينفخ الملك الروح في أجسادهم، وهم أجنة في بطون أمهاتهم، والإحياءة الثانية عند البعث من القبور، وقد كانوا ينكرون الإحياءة الثانية، فاعترفوا بها بعدما دخلوا جهنم، وقالوا: قد اعترفنا اليوم بما أنكرناه من قبل، فهل إلى الخروج من النار سبيل؟ فيكون الجواب: ذلكم العذاب الذي أنتم فيه بسبب أنكم كنتم في الدنيا إذا ﴿دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ منفردًا بالربوبية والعبادة ونفي عنه الشريك ﴿كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ غيره ﴿تُؤْمِنُوا﴾، ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ وقد حكم عليكم بالخلود في النار.
стр. 827
قال (ك): «وقوله جل وعلا ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من الآيات العظيمة، الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها، ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ وهو المطر الذي يخرج به من الزرع والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه، وهو ماء واحد، فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ أي: يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾، أي: من هو يصير منيبًا (١) إلى الله ﵎، وقوله : ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أي: فأخلصوا الله وحده العبادة والدعاء، وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم، وروى مسلم وغيره عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله ﷺ ، يقول في دبر كل صلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» (٢). وقال ابن أبي حاتم بسنده (٣) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ادعوا الله ﵎ وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه» (٤).
فصل
قال محمد تقي الدين: فائدة: ما أحسن ما قال الإمام (ك) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ فإن المطر الذي ينزل من السماء سبب والأرض الطيبة شرط، والزرع وتنظيف الأرض مما يضر المزروعات شرط أيضًا، وزوال الموانع التي تمنع بلوغ الثمرة إلى الينع والزرع إلى إدراك الحب شرط آخر، ومع ذلك لا يتم شيء من ذلك إلا بإذن الله تعالى الذي هو خالق كل شيء.
стр. 828
وفي كُلِّ شيءٍ لَهُ آيةٌ … تدلُّ عَلَى أَنَّهُ الواحد (١)
ولو كان النبات والخضر والفواكه كل ذلك ينمو بطبعه لما وجدت هذه الفروق الكثيرة بين الثمرات والخضر والمقائي من اختلاف في الحجم والشكل واللون، فسبحان المنعم العظيم، وقد خاب وخسر من كفر به. اهـ.
الباب الثاني
قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ، لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ١٨ - ٢٠]
﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ اسم من أسماء يوم القيامة، وسميت بذلك لاقترابها كما قال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٧، ٥٨] وقوله تعالى: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ قال قتادة وغيره: وقَفَتِ القلوب في الحناجر من الخوف فلا (٢) تخرج ولا تعود إلى أماكنها (٣)، ومعني ﴿كَاظِمِينَ﴾ أي: ساكتين، لا يتكلم أحد إلا بإذنه، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] وقوله : ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أي: ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير، وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يخبر عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها، ليحذر الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله تعالى حق الحياء ويتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه ، فإنه يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر، قال ابن عباس ﵁
стр. 829
في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾: «هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم وفيهم المرأة الحسناء أو تمر به وبهم (١) المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غض بصره عنها، فإذا غفلوا لحظ، وإذا (٢) فطنوا غض، وقد اطلع الله على (٣) قلبه أنه ودّ أن (٤) لو اطلع على فرجها» (٥).
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾: «قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة» (٦)، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وهذا الذي فسر به ابن عباس ﵁ هذه الآية كقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من الأصنام والأوثان والأنداد ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، أي: لا يملكون شيئًا ولا يحكمون بشيء، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، أي: سميع لأقوال خلقه؛ بصير بهم، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو الحاكم العادل في جميع ذلك». اهـ (٧).
فصل
قال محمد تقي الدين فائدة: كل من وحد الله تعالى وطهر قلبه من الشرك وصار مسلمًا حنيفًا يعتقد جازمًا أن الحكم كله لله، والملك كله لله هو الذي يحكم بين عباده، وهو الذي يجزيهم على أعمالهم في الدنيا والآخرة، من عمل خيرًا جزاه الله خيرًا ومن عمل شرًا جزاه الله شرًا، ولا يجوز أن يكون الحكم لغيره، فالحلال ما أحله الله سبحانه والحرام ما حرمه، والواجب
стр. 830
ما أوجبه؛ والمستحب ما أحبه، والمباح ما أباحه؛ ومن جعل الحكم لغيره في الجزاء أو التشريع فقد اتخذه إلها من دون الله، هذا حاصل معنى هذه الآيات. اهـ.
الباب الثالث
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٤١ - ٥٢]
قال (ك): يقول لهم المؤمن: ما بالي أدعوكم إلى النجاة وهي: عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق رسوله ﷺ ، الذي بعثه ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: على جهل بلا دليل، ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ أي: هو في عزته وكبريائه يغفر ذنب من تاب إليه، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ يقول حقًا، وقال
стр. 831
السدي: لا يجيب داعيه لا في الدنيا ولا في الآخرة» (١)، وهذا كقوله ﵎: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦] وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾، أي: في الدار الآخرة فيجازي كلًا بعمله، ولهذا قال: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي: خالدين فيها بإسرافهم وهو شركهم بالله ، ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ أي: سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه، ونصحتكم ووضحت لكم، وتتذكرونه وتندمون، حيث لا ينفعكم الندم. ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: وأتوكل على الله وأستعينه، وأقاطعكم وأباعدكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: هو بصير بهم. تعالى وتقدس، فيهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة والحكمة التامة والقدر النافذ، وقوله ﵎: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فنجاه الله تعالى مع موسى ﵊، وأما في الآخرة فبالجنة، ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وهو الغرق في اليم، ثم النقلة منه إلى الجحيم، فإن أرواحهم تعرض على النار صباحًا ومساءً إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة، اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أي: أشده ألمًا وأعظمه نكالًا، وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، وروى البخاري بسنده عن عائشة أن يهودية دخلت عليها فقالت: نعوذ بالله (٢) من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر، فقال: «نعم عذاب القبر حق»، قالت عائشة: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر (٣).
وروى البخاري ومسلم بسنديهما عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة
стр. 832
فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾، قال (ع): يخبر تعالى عن تحاج أهل النار في النار وتخاصمهم، وفرعون وقومه من جملتهم فيقول: ﴿الضُّعَفَاءُ﴾ وهم الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وهم القادة والسادة والكبراء ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾، أي: أطعناكم فيما دعوتمونا إليه، في الدنيا من الكفر والضلال، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ أي: قسطًا تتحملونه عنا، ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ أي: لا نتحمل عنكم شيئًا كفى بنا ما عندنا وما حملنا من العذاب والنكال، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ أي: يقسم (٢) بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا، كما قال تعالى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ لما علموا أن الله لا يستجيب لهم (٣) ولا يستمع لدعائهم بل قد قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] سألوا الخزنة وهم كالسجانين (٤) لأهل النار أن يدعوا لهم الله تعالى في أن يخفف عن الكافرين ولو يومًا واحدًا من العذاب، فقالت لهم الخزنة رادين عليهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: أو ما قامت عليكم الحجج في الدنيا على ألسنة الرسل، ﴿قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ أي: أنتم لأنفسكم فنحن لا ندعو لكم ولا نسمع منكم ولا نود خلاصكم، ونحن منكم براء، ثم نخبركم أنه سواء دعوتم أو لم تدعوا لا يستجاب لكم ولا يخفف عنكم، ولهذا قالوا (٥): ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ (٦).
قال القاسمي: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ أي: لننصرهم في الدارين، أما في الدنيا: فبإهلاك عدوهم
стр. 833
واستئصاله عاجلًا، أو بإظفارهم بعدوهم وإظهارهم عليه، وجعل الدولة لهم والعاقبة (١) لأتباعهم، وأما في الآخرة: فبالنعيم الأبدي والحبور السرمدي، و ﴿الْأَشْهَادُ﴾ جمع شاهد وهم: من يشهد على تبليغ الرسل وتكذيبهم ظلمًا، أو جمع شهيد، كأشراف وشريف.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾، قال ابن جرير: «ذلك يوم لا ينفع أهل الشرك اعتذارهم، لأنهم لا يعتذرون، إن اعتذروا إلا بالباطل (٢)، وذلك أن الله قد أعذر إليهم في الدنيا، وتابع عليهم الحجج فيها، فلا حجة لهم في الآخرة إلا في (٣) الاعتصام بالكذب، بأن (٤) يقولوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٥)» ولذا كانت لهم اللعنة، وهي: البعد من رحمة الله وشر ما (٦) في الدار الآخرة من العذاب الأليم (٧).
فصل
قال محمد تقي الدين: فائدة: من المعلوم أن دين التوحيد هو دين جميع الأنبياء ومن اتبعهم بإحسان، وقد تقدم أن بني إسرائيل مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقال جهالهم لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩] أي: دين الشرك الذي هم عليه يهلكه الله ويهلك من اتبعه، وتقدم أيضًا في سورة الأعراف: أن أبا واقد الليثي وأصحابًا له كانوا حدثاء عهد بشرك، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال: «الله أكبر إنها السنن قلتم، والذي نفسي بيده كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلهة﴾» (٨)، وههنا مؤمن آل فرعون ينادي في قومه ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ
стр. 834
الْغَفَّارِ﴾ فهذه دعوة جميع الرسل ودعوة كل متبع لهم، فأهل الحق ينادون إخوانهم يا قومنا اعبدوا الله وحده ولا تعبدوا الأوثان، لا تذبحوا لها ولا تنذروا لها ولا تقيموا حولها مواسم وأعيادًا، أو تتخذوها آلهة من دون الله، إننا لكم من الناصحين، ونبرأ إلى الله مما أنتم عليه.
فائدة ثانية: معنى ﴿لَا جَرَمَ﴾: حقًا؛ يعني: إن الحق هو أن ما تدعونني إليه ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ كما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ، وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤]، فكل من دعا غير الله لجلب خير أو دفع شر فهو من الكافرين - بنص القرآن - ودعاؤه في ضلال.
فائدة ثالثة: قول الحافظ (ك) في تفسير قوله تعالى: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى الله أي: أتوكل على الله وأستعينه وأقاطعكم وأباعدكم فمن وحد الله تعالى في ربوبيته وعبادته وأسمائه وصفاته واتبع رسوله ﷺ لكنه لا يتبرأ من المشركين ولا يقاطعهم ولا يباعدهم (١) بل يتولاهم ويرغب في صحبتهم ولا ينكر عليهم شركهم يكون غير عامل بقوله تعالى حكاية عن إمام الموحدين إبراهيم الخليل: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨]. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٩، ٥٠]. فيجب على كل موحد مخلص دينه الله أن يعتزل المشركين، وحينئذ يهب الله له خيرًا كثيرًا ويرى ما يسرّه في أبنائه وأحفاده، فإن يعقوب، ابن إسحاق وإسحاق، ابن إبراهيم (٢)، ويهب الله له شيئًا كثيرًا من رحمته ويجعل له لسان صدق عند المؤمنين من أهل زمانه ومن بعدهم (٣)، وسيأتي إن شاء الله زيادة على هذا في سورة المجادلة وفي (سورة الممتحنة).
стр. 835
فائدة رابعة: كل من دعا إلى توحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له لا بد أن يكون يتعرض لمكر أعداء التوحيد، ولكن الله وعده بالوقاية من مكرهم وبالنصر عليهم، ووعد أعداء التوحيد بسوء العذاب.
الباب الرابع
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِي الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤ - ٦٦].
قال (ك): وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ أي: جعلها لكم مستقرًا بساطًا مهادًا، تعيشون عليها وتتصرفون فيها وتمشون في مناكبها، وأرساها بالجبال لئلا تميد بكم ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أي: سقفًا للعالم محفوظًا، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أي: فخلقكم في أحسن الأشكال، ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم، ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: من الماكل والمشارب في الدنيا، فيذكر (١) أنه خلق الدار والسكان والأرزاق، فهو الخالق الرازق، وقال تعالى [هاهنا] (٢) بعد خلق هذه الأشياء ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: فتعالى وتقدس وتنزه رب العالمين كلهم، ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: هو الحي أزلًا وأبدًا، لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا نظير له ولا عديل له، ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال ابن جرير بسنده (٣) عن ابن
стр. 836
عباس قال: «من قال لا إله إلا الله فليقل على إثرها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وذلك قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾»، [وقال أبو أسامة وغيره عن إسماعيل بن أبي خالد عن سعيد بن جبير قال: إذا قرأت ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾] (١) فقل: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وقل على إثرها: الحمد لله رب العالمين، ثم قرأ هذه الآية ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِي الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
قال (ك): «يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إن الله ل ينهى أن يعبد أحد سواه من الأصنام والأنداد والأوثان، وقد بين ﵎ أنه لا يستحق العبادة أحد سواه» (٣).
فصل
قال محمد تقي الدين فائدة وقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هو كقوله تعالى في سورة البقرة لإمام الحنفاء إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] فمعناها: أمرني ربي أن أوحده، وأن أسلم نفسي إليه، فلا أوجه وجهي إلا له، ولا أدعوا بلساني ولا بقلبي غيره. اهـ.
فائدة
قال محمد تقي الدين: هذه الآيات التي ذكرتها هنا اشتملت على توحيد الربوبية من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ ثم جاءت الدلالة على توحيد العبادة في قوله تعالى: ﴿لَا
стр. 837
إِلَهُ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ … إلى آخره، وبعد ذلك تجيء آيات توحيد الربوبية مرة أخرى في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآيات.
الباب الخامس
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٣) ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٤) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ (٧٦)﴾. [غافر: ٧٣ - ٧٦]
قال (ك): «وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: قيل لهم: أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله، هل ينصرونكم اليوم؟ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾، أي: ذهبوا فلم ينفعونا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾، أي: جحدوا عبادتهم كقوله جلت عظمته: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣] ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾، وقوله: ﴿ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)﴾ أي: تقول لهم الملائكة: هذا الذي أنتم فيه جزاء على فرحكم في الدنيا بغير الحق ومرحكم وأشركم وبطركم، ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ (٧٦)﴾، أي: فبئس المنزل والمقيل الذي فيه الهوان والعذاب الشديد لمن استكبر عن آيات الله واتباع دلائله وحججه [والله أعلم] (١)».
فصل
قال محمد تقي الدين: فائدة: قوله: «أين الأصنام … ؟» يحتاج إلى بيان، فإن المشركين ما كانوا يعبدون الأصنام وحدها، بل كانوا يعبدون ثلاثة أنواع من الشركاء:
النوع الأول: جماد منسوب إلى الملائكة أو الأنبياء والصالحين، ولهذا عبدوه.
النوع الثاني: عاقل لا يعقل وهو كل معبود رضي بعبادته أو بعبادة غيره من المخلوقين.
стр. 838
الصنف الثالث: وهو الملائكة والأنبياء والصالحون يعقلون ولا يرضون أن يعبد مع الله أحد ويتبرؤون من المشركين ويكفرون يوم القيامة بشركهم.
فالصنف الأول والثاني مع عابديهم إلى جهنم، كما قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢، ٢٣].
أما الصنف الثالث: فإنهم متبرئون من كل من عبدهم ويكونون عليهم ضدًا ويكفرون بعبادتهم، فحينئذ تصيب المشركين الحسرة والندامة حين لا ينفع الندم، وهؤلاء الأصناف الثلاثة لا ينفعون عابديهم مثقال ذرة، لا في الدنيا ولا في الآخرة. اهـ.
الباب السادس
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٢ - ٨٥]
قال (ك): «يخبر تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر، وماذا حل بهم من العذاب الشديد، مع شدة قواهم، وما [أثاروا] (١) في الأرض وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئًا، ولا ردّ عنهم ذرة من بأس الله، وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات والحجج القاطعات والبراهين الدامغات (٢)، لم يلتفتوا إليهم ولا أقبلوا عليهم واستغنوا بما عندهم من العلم في
стр. 839
زعمهم عما جاءتهم به الرسل، قال مجاهد: «قالوا: نحن أعلم منه (١) لن نبعث ولن نعذب» (٢)، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أي: أحاط بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يكذبون ويستبعدون وقوعه ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ أي: عاينوا وقوع العذاب بهم ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أي: وحدوا الله وَكَفَرُوا بالطاغوت. ولكن حيث لا تقال العثرات ولا تنفع المعذرة، وهي (٣) كما قال فرعون حين أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]. قال الله ﵎: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] أي: فلم يقبل الله منه لأنه قد استجاب لنبيه موسى ﵊ دعاءه عليه حين قال: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. [وهكذا قال تعالى ههنا] (٤): ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ أي: هذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنه [لا تقبل توبته] (٥)، ولهذا جاء في الحديث: «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (٦) أي: فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة وعاين الملك فلا توبة حينئذ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (٧)
فصل
قال محمد تقي الدين فائدة: يولد الإنسان جاهلًا عاجزًا فقيرًا، ثم يعطيه الله سبحانه العلم والمال والأولاد والجاه.
والعلم قسمان: وكذلك المال والأولاد والجاه؛ فالعلم الذي يوصل صاحبه إلى الإيمان بالله ورسله وطاعة الله وطاعة رسله والعمل الصالح والأخلاق
стр. 840
الحسنة، هو علم نافع يوصل إلى السعادة في العاجل والآجل، والعلم الذي يدعو صاحبه إلى الكفر بالله وبما جاءت به الرسل ويدعوه إلى الأعمال السيئة ومساوئ الأخلاق كالكبر والاستعلاء على الناس وسوء المعاملة والإعجاب بالنفس؛ والطغيان والظلم وكفر النعم؛ فهذا العلم شر على صاحبه من سُقْم على بدن والجهل خير منه، فكثير من الناس يفتح له في علوم الدنيا المادية فيغتر بها، ويتطاول ويعرض عن ميراث الأنبياء، وهو العلم النافع فيكون علمه وبالًا عليه، ويكون زاده إلى النار، فقبح الله العلم الذي يحول بين صاحبه وبين الإيمان بالله تعالى وما جاءت به الرسل.
كنت في مدينة بن «بجرمانية» - ويسميها العرب في هذا الزمان جهلًا منهم «ألمانية» - وكنت مدعوًا للعشاء ومعي شخص آخر عند ممرضة في مستشفى العيون اسمها إلزبث، وزوجها هو الأستاذ أندري، كان أستاذًا بعلم النبات والحيوان في جامعة بن، حتى أُحيل على التقاعد وكان عمره في ذلك الوقت يزيد على التسعين، فوقفنا نصلي المغرب والعشاء، فوقف إجلالًا واحترامًا لصلاتنا، بل إجلالًا لله الذي نصلي له مدة الآذان والإقامة وصلاة المغرب والعشاء والوتر ثماني ركعات، وهو ضعيف جدًا، فلما فرغنا من صلاتنا قال لي باللغة الجرمانية ما معناه: أصابتني هيبة وإجلال لصلاتكما. ثم جلسنا وأخبرني أنه يؤمن بالله وبجميع رسل الله ولم يحضر قط درسًا في الدين، وإنما عرف الله تعالى بما رأى من عجيب صنعه في الحيوان، وأيقن أن ذلك الصنع المحكم يدل على صانع عليم قدير كامل لا حد لعلمه، ولا لقدرته، وله الحكمة البالغة في كل ما خلقه وسيره وقدره، ونرى المقلدين الجهال من أبناء الشعوب المتخلفة يزعمون أن العلم يمنع صاحبه من الإيمان بالله ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]. انظر كتابي: «الطريق إلى الله» (١) المطبوع في بيروت منذ بضع سنين، أرجو من الله تعالى أن ييسر طبع أصله وهو الكتاب الكبير المسمى «دواء الشاكين وقامع المشككين» (٢). اهـ.
стр. 841
سورة فصلت
الباب الأول
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٦ - ٨]
قال (ك): يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المكذبين المشركين: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، لا كما تعبدونه من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرقين، إنما الله إله واحد ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أي: أخلصوا له العبادة على منوال ما أمركم به على ألسنة الرسل ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أي: لسالف الذنوب ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: دمار لهم وهلاك عليهم ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (١).
قال القاسمي: «أي: لا يزكون أنفسهم بطاعة الله، أو لا ينفقون من أموالهم زكاتها، وهذا ما رجحه (ج) ذهابًا إلى أن ذلك هو الأشهر، لا سيما مع ضميمة الإيتاء، وفيه إشارة إلى أن من أخص صفات الكفار هو (٢) منع الزكاة، ليحذر المؤمنين من ارتكابه، وعن قتادة: «إن الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك» (٣). قال (ج) (٤): «وقد كان أهل الردة، بعد نبي الله،
стр. 842
قالوا: أما الصلاة فنصلي وأما الزكاة فوالله لا تُغْصَبُ أموالنا. قال: فقال أبو بكر: والله؛ لا أفرق بين شيئين (١) جمع الله بينهما، والله لو منعوني عقالًا مما فرض الله ورسوله لقاتلناهم عليه (٢). ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: بإحيائهم بعد مماتهم للمجازاة ﴿هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي (٣): غير منقطع» (٤). اهـ.
فصل
قال محمد تقي الدين: الذي يظهر لي أن المراد بالزكاة هنا الصدقة المطلقة، وهي مشروعة من أول الإسلام، قال تعالى في سورة المعارج وهي مكية: [وَالَّذِينَ فِي] (٥) ﴿أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥] وقال تعالى في سورة الذاريات: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ (٦) وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩] فقد أثبت الله حقًا للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء في هاتين السورتين المكيتين قبل أن يفرض الزكاة، وقال تعالى في سورة الليل وهي مكية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] وقال تعالى في سورة الضحى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩، ١٠] وقال تعالى في سورة الماعون: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧] أي: يمنعون إعارة ما يستعان به من الأواني والأدوات، وقال تعالى في سورة القيامة: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢] الآيات.
стр. 843
الباب الثاني
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩].
قال (ك): «هذا إنكار من الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره وهو الخالق لكل شيء المقتدر على (١) كل شيء، فقال: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا﴾، أي: نظراء وأمثالًا تعبدونها معه ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: الخالق للأشياء، هو رب العالمين كلهم» (٢).
فصل
قال محمد تقي الدين: كل من صرف من عبادته لمخلوق شيئًا، فقد اتخذه ندًا، وارتكب الشرك الأكبر الذي لا يغفر إلا بالتوبة والتوحيد.
الباب الثالث
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت: ١٣ - ١٨].
قال (ك): يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق: إن أعرضتم عما جئتكم به من عند الله تعالى، فإني أنذركم حلول
стр. 844
نقمة الله بكم، كما حلت بالأمم الماضية من المكذبين بالمرسلين، صَعِقَةٌ مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ أي (١): ومن شاكلهما ممن فعل كفعلهما ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأحقاف: ٢١] أي: في القرى المجاورة لبلادهم، بعث الله إليهم الرسل يأمرونهم (٢) بعبادة الله وحده لا شريك له، ومبشرين ومنذرين، ورأوا ما أحل الله بأعدائه من النقم وما ألبس أولياءه من النعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا بل كذبوا وجحدوا، وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلَائِكَةً﴾ أي: لو شاء (٣) أرسل الله رسلًا لكانوا ملائكة من عنده، ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم به﴾ أي: أيها البشر ﴿كَافِرُونَ﴾ أي: لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بغوا وعتوا وعصوا ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ أي: اغتروا (٤) بشدة تركيبهم وقواهم واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: أفلا (٥) يتفكرون، فيمن يبارزون بالعداوة؟ فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وإن بطشه شديد، كما قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] فبارزوا الجبار بالعداوة وجحدوا بآياته، وعصوا رسله، فلهذا قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب، وقيل: الباردة، وقيل: هي التي لها صوت، والحق أنها متصفة بجميع ذلك.
وقوله تعالى: ﴿في أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ أي: متتابعات ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] كقوله: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرّ﴾ [القمر: ١٩] أي: ابتداؤها (٦) بهذا العذاب في يوم نحس عليهم واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام [حسومًا] (٧)، حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة. ولهذا قال تعالى: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ أي:
стр. 845
أشد خزيًا لهم ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: في الأخرى كما لم ينصروا في الدنيا، ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ يقيهم العذاب ويدرأ عنهم النكال، وقوله : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، قال ابن عباس وغيره: بيَّنا لهم (١). ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الهُدَى﴾ أي (٢): بصرناهم وبينا لهم ووضحنا لهم الحق على لسان نبيهم صالح ﵊ فخالفوه وكذبوه وعقروا ناقة الله تعالى التي جعلها آية وعلامة على صدق نبيهم ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ أي: بعث الله عليهم صيحة ورجفة وذلًا وهوانًا وعذابًا ونكالًا ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، أي: من التكذيب والجحود ﴿وَنَجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: من بين أظهرهم لم يمسسهم سوء ولا نالهم من ذلك ضرر، بل نجاهم الله تعالى مع نبيهم صالح ﵊ بإيمانهم وتقواهم الله (٣).
فصل
قال محمد تقي الدين: كل من وحد الله واتبع الرسول الذي أرسل إليه من الأولين والآخرين لا بد أن تكون عاقبته حميدة، ومن أشرك بالله ولم يتبع الرسول الذي أرسل إليه فلا بد أن تكون عاقبته سيئة، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣]. اهـ.
الباب الرابع
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٣]