سورة فصلت
الباب الأول
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٦ - ٨]
قال (ك): يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المكذبين المشركين: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، لا كما تعبدونه من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرقين، إنما الله إله واحد ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أي: أخلصوا له العبادة على منوال ما أمركم به على ألسنة الرسل ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أي: لسالف الذنوب ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: دمار لهم وهلاك عليهم ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (١).
قال القاسمي: «أي: لا يزكون أنفسهم بطاعة الله، أو لا ينفقون من أموالهم زكاتها، وهذا ما رجحه (ج) ذهابًا إلى أن ذلك هو الأشهر، لا سيما مع ضميمة الإيتاء، وفيه إشارة إلى أن من أخص صفات الكفار هو (٢) منع الزكاة، ليحذر المؤمنين من ارتكابه، وعن قتادة: «إن الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك» (٣). قال (ج) (٤): «وقد كان أهل الردة، بعد نبي الله،
стр. 842
قالوا: أما الصلاة فنصلي وأما الزكاة فوالله لا تُغْصَبُ أموالنا. قال: فقال أبو بكر: والله؛ لا أفرق بين شيئين (١) جمع الله بينهما، والله لو منعوني عقالًا مما فرض الله ورسوله لقاتلناهم عليه (٢). ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: بإحيائهم بعد مماتهم للمجازاة ﴿هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي (٣): غير منقطع» (٤). اهـ.
فصل
قال محمد تقي الدين: الذي يظهر لي أن المراد بالزكاة هنا الصدقة المطلقة، وهي مشروعة من أول الإسلام، قال تعالى في سورة المعارج وهي مكية: [وَالَّذِينَ فِي] (٥) ﴿أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥] وقال تعالى في سورة الذاريات: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ (٦) وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩] فقد أثبت الله حقًا للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء في هاتين السورتين المكيتين قبل أن يفرض الزكاة، وقال تعالى في سورة الليل وهي مكية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] وقال تعالى في سورة الضحى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩، ١٠] وقال تعالى في سورة الماعون: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧] أي: يمنعون إعارة ما يستعان به من الأواني والأدوات، وقال تعالى في سورة القيامة: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢] الآيات.
стр. 843
الباب الثاني
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩].
قال (ك): «هذا إنكار من الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره وهو الخالق لكل شيء المقتدر على (١) كل شيء، فقال: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا﴾، أي: نظراء وأمثالًا تعبدونها معه ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: الخالق للأشياء، هو رب العالمين كلهم» (٢).
فصل
قال محمد تقي الدين: كل من صرف من عبادته لمخلوق شيئًا، فقد اتخذه ندًا، وارتكب الشرك الأكبر الذي لا يغفر إلا بالتوبة والتوحيد.
الباب الثالث
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت: ١٣ - ١٨].
قال (ك): يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق: إن أعرضتم عما جئتكم به من عند الله تعالى، فإني أنذركم حلول
стр. 844
نقمة الله بكم، كما حلت بالأمم الماضية من المكذبين بالمرسلين، صَعِقَةٌ مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ أي (١): ومن شاكلهما ممن فعل كفعلهما ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأحقاف: ٢١] أي: في القرى المجاورة لبلادهم، بعث الله إليهم الرسل يأمرونهم (٢) بعبادة الله وحده لا شريك له، ومبشرين ومنذرين، ورأوا ما أحل الله بأعدائه من النقم وما ألبس أولياءه من النعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا بل كذبوا وجحدوا، وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلَائِكَةً﴾ أي: لو شاء (٣) أرسل الله رسلًا لكانوا ملائكة من عنده، ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم به﴾ أي: أيها البشر ﴿كَافِرُونَ﴾ أي: لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بغوا وعتوا وعصوا ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ أي: اغتروا (٤) بشدة تركيبهم وقواهم واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: أفلا (٥) يتفكرون، فيمن يبارزون بالعداوة؟ فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وإن بطشه شديد، كما قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] فبارزوا الجبار بالعداوة وجحدوا بآياته، وعصوا رسله، فلهذا قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب، وقيل: الباردة، وقيل: هي التي لها صوت، والحق أنها متصفة بجميع ذلك.
وقوله تعالى: ﴿في أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ أي: متتابعات ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] كقوله: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرّ﴾ [القمر: ١٩] أي: ابتداؤها (٦) بهذا العذاب في يوم نحس عليهم واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام [حسومًا] (٧)، حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة. ولهذا قال تعالى: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ أي:
стр. 845
أشد خزيًا لهم ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: في الأخرى كما لم ينصروا في الدنيا، ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ يقيهم العذاب ويدرأ عنهم النكال، وقوله : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، قال ابن عباس وغيره: بيَّنا لهم (١). ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الهُدَى﴾ أي (٢): بصرناهم وبينا لهم ووضحنا لهم الحق على لسان نبيهم صالح ﵊ فخالفوه وكذبوه وعقروا ناقة الله تعالى التي جعلها آية وعلامة على صدق نبيهم ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ أي: بعث الله عليهم صيحة ورجفة وذلًا وهوانًا وعذابًا ونكالًا ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، أي: من التكذيب والجحود ﴿وَنَجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: من بين أظهرهم لم يمسسهم سوء ولا نالهم من ذلك ضرر، بل نجاهم الله تعالى مع نبيهم صالح ﵊ بإيمانهم وتقواهم الله (٣).
فصل
قال محمد تقي الدين: كل من وحد الله واتبع الرسول الذي أرسل إليه من الأولين والآخرين لا بد أن تكون عاقبته حميدة، ومن أشرك بالله ولم يتبع الرسول الذي أرسل إليه فلا بد أن تكون عاقبته سيئة، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣]. اهـ.
الباب الرابع
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٣]
стр. 846
قال (ك): «يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ أي: أخلصوا العمل لله وعملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع الله لهم، وقال ابن أبي حاتم بسنده، عن سعيد بن نمران (١) قال: قرأت عند أبي بكر الصديق ﵁ هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فقال]: «وهم الذين لم يشركوا بالله شيئًا» (٢)، وروى مسلم بسنده عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: «قل آمنت بالله ثم استقم» قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تخاف علي؟ فأخذ رسول الله ﷺ بطرف لسان نفسه، ثم قال: «هذا» (٣). وقوله تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، قال زيد بن أسلم: «يبشرونه عند موته وفي قبره وحين يبعث» (٤). قال (ك): «وهذا القول يجمع الأقوال كلها وهو حسن جدًّا، وهو الواقع.
قوله ﵎: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار: نحن كنا أولياءكم، أي: قرناءكم في الحياة الدنيا نسددكم (٥) ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة، نؤنس
стр. 847
منكم الوحشة في القبور وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور، ونجاوزكم (١) الصراط، ونوصلكم إلى جنات النعيم ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ﴾ أي: في الجنة من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس وتقر به العيون ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ أي: مهما طلبتم وجدتم، وحضر بين أيديكم كما اخترتم ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ أي: ضيافة وعطاء وإنعامًا من ﴿غَفُورٍ﴾ لذنوبكم ﴿رَحِيمٍ﴾ بكم رؤوف حيث غفر وستر ورحم ولطف، وقال الإمام أحمد بسنده عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه قلنا: يا رسول الله، كلنا نكره الموت! قال ﷺ : «ليس ذلك كراهية الموت، ولكن المؤمن إذا حضر جاءه البشير من الله تعالى بما هو صائر إليه، فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله تعالى فأحب الله لقاءه»، قال: وإن الفاجر أو الكافر إذا حضر، جاءه بما هو صائر إليه من الشر، أو ما يلقى من الشر فكره لقاءه» (٢)، وهذا حديث صحيح، وقد ورد في «الصحيح» من غير هذا الوجه.
وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ الآية.
قال (ك): يقول : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ﴾ أي: دعا عباد الله إليه ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: وهو في نفسه مهتد بما يقوله، فنفعه لنفسه ولغيره لازم ومتعد، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ويأتونه، بل يأتمر بالخير ويترك الشر ويدعو الخلق إلى الخالق ﵎، وهذه عامة في كل من دعا إلى خير وهو في نفسه مهتد، ورسول الله ﷺ أولى الناس بذلك كما قال السدي وغيره» (٣).
وقوله: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: من المنقادين إلى توحيد الله وطاعته.
стр. 848
فصل
قال محمد تقي الدين: فائدة: ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ هم الذين حققوا معنى لا إله إلا الله، وعبدوا الله وحده ولم يتخذوا ربًّا سواه، معنى ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ أي: حققوا معنى محمد رسول الله، فاتبعوا الرسول ﷺ ولم يحيدوا عن سنته مثقال ذرة ولم يبتدعوا في دين الله، ولا حكموا بغير شرع الله، وأحبوا في الله وأبغضوا في دين الله، ووالوا في الله وعادوا في الله، تتنزل الملائكة عند موتهم، ملائكة الرحمة كأنَّ عَلَى وجوههم الشمس فتبشرهم وتتولى قبض أرواحهم من ملك الموت فتصعد بها إلى الله تعالى حتى تسمع أن الله قد رضي عنها، كما جاء في الحديث (١)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: دعا إلى تحقيق معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله وعمل صالحًا، أي: عمل بما يدعو إليه ولم يكن من الذين يقولون ما لا يفعلون، فأنت ترى أن تحقيق الشهادتين ذكر في هذه الآيات مرتين، لأنه هو الأساس العظيم والصراط المستقيم، مَنْ ظفر به سعد في الدنيا والآخرة، ومن حرمه شقي في الدنيا والآخرة. اهـ.
الباب الخامس
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]
قال (ك): يقول تعالى منبهًا خلقه على قدرته العظيمة، وأنه الذي لا نظير له وأنه على ما يشاء قدير (٢): ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾، أي: أنه خلق الليل بظلامه والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يفتران (٣) والشمس ونورها وإشراقها، والقمر وضياءه، وتقدير منازله في فلكه واختلاف سيره في سمائه ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير (٤) الليل والنهار والجمع
стр. 849
والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول الحقوق وأوقات العبادات والمعاملات، ثم لما كانت الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره، فقال: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي: ولا تشركوا به، فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره فإنه ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (١).
فصل
قال محمد تقي الدين: فائدة: لقد أجاد الحافظ (ك) في تفسيره هذه الآية، وحاصل معناها: إن لله آيات تدل على عظمته وعلى أنه إله العالمين، لا يعبد غيره ولا يحكم بشرع غيره، فالموفّق العاقل يستدل بتلك الآيات التي من أظهرها الليل والنهار والشمس والقمر، ولا يشغله الإعجاب بها عن تعظيم خالقها وتنزيهه وحمده وشكره، والجاهل المغفل هو الذي يشغله الإعجاب بالصنعة وينسى الصانع، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]. ولو فكر الذين يعبدون الشمس والقمر والأنبياء والصالحين وتماثيلهم وقبورهم - وهي الأصنام والأوثان - لو فكروا في خالقهم وصانعهم وقدروه حق قدره، لما عبدوا معه غيره. اهـ.
الباب السادس
قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٧، ٤٨]
قال (ك): «وقوله جل وعلا: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: لا يعلم ذلك أحد سواه، كما قال محمد ﷺ وهو سيد البشر - لجبريل ﵊ وهو من سادة (٢) الملائكة - حين سأله عن الساعة فقال: «ما المسؤول عنها
стр. 850
بأعلم من السائل» (١)، وكما قال : ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٤] وقال ﷻ : ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ أي: الجميع يعلمه، لا يعزب عن علمه من (٢) مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وقوله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ أي: يوم القيامة ينادي الله المشركين على رؤوس الخلائق: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ الذين عبدتموهم معي ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾ أي: أعلمناك ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ أي: ليس أحد منا يشهد اليوم أن معك شريكًا ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: ذهبوا فلم ينفعوهم ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: وَظَنَّ المشركون يوم القيامة، وهذا بمعنى اليقين ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: لا محيد لهم من عذاب الله» (٣).
فصل
قال محمد تقي الدين: فائدة: أجمع أهل السنة والجماعة على أنه لا يعلم الغيب إلا الله، ومن اعتقد أن أحدًا من المخلوقين يعلم الغيب فقد كفر بالقرآن العظيم، وكذب القرآن والرسول ﷺ وقد تقدم ذلك في مواضع كثيرة، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ … ﴾ إلى آخر الآية تقدم مثله كذلك. ولو كان المشركون في هذا الزمان يؤمنون بالله ورسوله ويعقلون عن الله ورسوله ما اتخذوا من دون الله أولياء يحبونهم كحب الله، بل أكثر، ويعظمونهم كتعظيم الله بل أكثر، ويهتفون بأسمائهم عند القيام والقعود، وعندما يصيبهم أدنى فزع، فهؤلاء هم الذين يوبخهم الله تعالى بقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ فينظرون يمينًا وشمالًا فلا يجدون شيئًا، بل يكون أولياؤهم عليهم ضدًا، ويكفرون بعبادتهم ويتبرؤون منهم، فحينئذ يقولون: سبحانك ما منا من شهيد، ولكن ذلك لا ينفعهم ولا مناص لهم من عذاب الله، فالحمد لله الذي هدانا لتوحيده واتباع رسوله محمد ﷺ .
стр. 851
سورة الشورى
الباب الأول
قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل (٦) وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (٧) ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته، والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير (٨) أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي الموتى وهو على كل شيء قدير (٩)﴾ [الشورى: ٦ - ٩]
قال (ك): «وقال : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾؛ يعني: المشركين، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: شهيد على أعمالهم يحصيها ويعدها عدا، وسيجزيهم (١) بها أوفر الجزاء، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيل﴾ أي: إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل». وقوله : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ الآية قال (ك): «يقول تعالى: وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: واضحا جليا بينا ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ وهي مكة، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، أي: من سائر البلاد شرقا وغربا، وسميت مكة أم القرى لأنها أشرف من سائر البلاد، لأدلة كثيرة مذكورة في مواضعها، ومن أوجز ذلك وأدله: ما قال الإمام أحمد وغيره بسنده عن عبد الله بن عدي الزهري سمع رسول الله ﷺ يقول وهو واقف في سوق مكة: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (٢). وقوله : ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ وهو يوم القيامة
стр. 852
يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، وقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك في وقوعه، وأنه كائن لا محالة، وقوله جل وعلا: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] أي: يغبن أهل الجنة أهل النار، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: إما على الهداية أو على الضلال (١)، ولكنه تعالى فاوت بينهم، فهدى من شاء (٢) إلى الحق؛ وأضل من شاء (٢) عنه، وله الحكمة والحجة البالغة، ولهذا قال : ﴿وَلَكِن يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِي وَلَا نَصِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال (ك): يقول تعالى منكرًا على المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، ومخبرًا أنه هو (٣) الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، فإنه هو القادر على إحياء الموتى ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤).
فصل
قال محمد تقي الدين فائدة: تكرر هذا المعنى في الآيات المكية كقوله تعالى في سورة الغاشية: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢] وكقوله تعالى في هذه السورة: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ الآية. لأن النبي ﷺ لم يؤمر بقتال المشركين في مكة، وإنما أمر بالتبليغ والصبر على الأذى.
стр. 853
قال محمد تقي الدين فائدة ثانية: قوله: «فاوت بينهم، فأضل من شاء بعدله وهدى من شاء بفضله» تقدم أن الله لا يضل إلا من سلك سبيل الضلال، ونبذ طريق الهدى، واتبع هواه، أما من طلب الهدى فإن الله يهديه؛ في الحديث القدسي - وهو حديث أبي ذر الطويل: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم … » (١) الحديث، وقد تقدم هذا المعنى بأبسط من هذا.
قال محمد تقي الدين فائدة ثالثة: ذكر الله تعالى الأولياء في القرآن في مواضع كثيرة، وذم من اتخذهم ونهى عنهم، والمشركون في هذا الزمان يذكرونهم في كل حين ويعطون لأجلهم ويمنعون لأجلهم، ويحبون لأجلهم ويبغضون لأجلهم، ويسألونهم حاجاتهم استقلالًا، قال شاعرهم:
أولياء الإله إنّي مريض … والدَّواء لديكم والشَّفَاءُ
انظروا لي بفضلكم في عِلاجي … وامنحوني بجودكم ما أشاء
وهذه غاية الضلال، فلو قال: يا الله ويا أولياء الله امنحوني ما أشاء، لكان مشركًا كافرًا، فكيف وقد أفردهم بالدعاء، وهذه الآية الكريمة تغبر في وجوه المشركين وتنكر عليهم أشد الإنكار، لو كانوا يعقلون.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ نرجو أن يوفقنا الله تعالى ونذكرها في (توحيد الاتباع) من كتاب «سبيل الرشاد»، وكذلك قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢).
الباب الثاني
قوله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٦ - ٣٩]
стр. 854
قال (ك): يقول تعالى محقرًا لشأن الحياة الدنيا وزينتها وما فيها من الزهرة والنعيم الفاني، بقوله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به فإنما هو متاع الحياة الدنيا وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، أي: وثواب الله خير من الدنيا وهو باق سرمدي، فلا تقدموا الفاني على الباقي. ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: للذين صبروا على ترك الملاذ في الحياة (١) الدنيا، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: ليعينهم على الصبر في أداء الواجبات، وترك المحرمات (٢).
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ قال صاحب «اللسان» (٣): «الفواحش: القبائح من القول والفعل، والمراد هنا كبائر الذنوب والإثم. ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي: سجيَّتهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس، ليس سجيتهم الانتقام من الناس، وقد ثبت في الصحيح» أن رسول الله ﷺ ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله (٤). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي: اتبعوا رسله وأطاعوا أمره واجتنبوا زجره، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ وهي أعظم العبادات. قال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أي: لا يبرمون أمرًا حتى يتشاوروا فيه، ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها، كما قال ﵎: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الآية. ولهذا كان النبي ﷺ يشاورهم في الحروب ونحوها ليطيب بذلك قلوبهم، وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب ﵁ الوفاة حين طعن جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر، وهم: عثمان وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف ﵃ (٥) اجتمع رأي الصحابة كلهم الله على تقديم عثمان عليهم (٦). ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وذلك بالإحسان إلى خلق الله الأقرب إليهم منهم فالأقرب، وقوله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أي: فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين (٧)، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى.
стр. 855
عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا، كما قال يوسف ﵊ لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه، وكما عفا رسول الله ﷺ (١) عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية ونزلوا من جبل التنعيم، فلما قدر عليهم من عليهم (٢)، مع قدرته على الانتقام (٣)، وكذلك عفوه عن غورث بن الحارث الذي أراد الفتك به حين اخترط سيفه وهو نائم، فاستيقظ ﵇ وهو في يده صلتًا، فانتهره فوضعه من يده، وأخذ رسول الله ﷺ السيف من يده، ودعا أصحابه ثم أعلمهم بما كان من أمره، وأمر هذا الرجل، وعفا عنه (٤)، وكذلك عفا عن لبيد بن الأعصم الذي سحره ﵇ (٥)، ومع هذا لم يعرض له ولا عاتبه مع قدرته عليه، وكذلك عفوه عن المرأة اليهودية، وهي زينب أخت مرحب اليهودي الخيبري؛ التي سمت الذراع يوم خيبر فأخبره الذراع بذلك فدعاها فاعترفت، فقال: «ما حملك على ذلك؟» قالت: أردت: إن كنت نبيًا لم يضرك، وإن لم تكن نبيًا استرحنا منك، فأطلقها (٦)، ولكن لما مات منه بشر بن البراء قتلها به (٧)) (٨). اهـ.
стр. 856
فصل
قال محمد تقي الدين: فائدة: محل الشاهد هنا في هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: لا يعتمدون بقلوبهم في جلب الخير ودفع الشر إلا على الله تعالى، مع اتصافهم بالصفات المذكورة، ولو توكلوا على غير الله تعالى لبطل ما كانوا يعملون.
الباب الثالث
قوله تعالى: «﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦].
قال (ك): ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: ينقذونهم مما هم فيه من العذاب والنكال، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيل﴾ أي: ليس له خلاص» (١). اهـ.
فصل
قال محمد تقي الدين: فائدة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧] والظالمون ما لهم من أولياء ينقذونهم من عذاب الله، وإن كانوا يزعمون في أساطيرهم وحكاياتهم الباطلة أن هناك أهل النوبة من أوليائهم، وهم: الحرس المكلفون بإنقاذ من استغاث بهم، وهم في ذلك كاذبون، فإنه لا يجيب المضطر إذا دعاه إلا الله كما تقدم (٢) في (سورة النمل). اهـ.
стр. 857
سورة الحرف
الباب الأول
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ١٩ - ٢٨].
قال (ك): وقوله ﵎: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ أي: اعتقدوا فيهم ذلك فأنكر عليهم تعالى قولهم ذلك، فقال: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أي: شاهدوه وقد خلقهم الله إناثًا، ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ أي: بذلك ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾ عن ذلك يوم القيامة، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أي: لو أراد الله لحال بينهم وبين عبادة هذه الأصنام - التي هي على صورة الملائكة - التي هي بنات الله، فإنه عالم بذلك وهو يقررنا (١) عليه، فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ:
стр. 858
أحدها: جعلهم الله تعالى ولدًا، تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوًا كبيرًا.
الثاني: دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا.
الثالث: عبادتهم لهم مع ذلك كله بلا دليل ولا برهان ولا إذن من الله ، بل بمجرد الآراء والأهواء والتقليد للأسلاف والكبراء والآباء، والخبط في الجاهلية الجهلاء.
الرابع: احتجاجهم بتقديرهم على ذلك قدرًا، وقد جهلوا في هذا الاحتجاج جهلًا كبيرًا، فإنه تعالى قد أنكر ذلك عليهم أشد الإنكار، فإنه منذ بعث الرسل وأنزل الكتب يأمر بعبادته وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما سواه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] وقال جل وعلا في هذه الآية بعد أن ذكر حجتهم هذه: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بصحة ما قالوه واحتجوا به ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أي: يكذبون ويتقولون) (١).
وقوله ﵎: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ الآيات، قال (ك): يقول تعالى منكرًا على المشركين في عبادتهم غير الله بلا برهان ولا دليل ولا حجة: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل شركهم ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي: فيما هم فيه، أي: ليس الأمر كذلك، ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُهْتَدُونَ﴾ أي: ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد بأنهم كانوا على أمة، والمراد بها الدين ههنا، وفي قوله ﵎: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢] وقولهم: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم﴾ أي: وراءهم ﴿مُهْتَدُونَ﴾، دعوى منهم بلا دليل، ثم بين جل وعلا أن مقالة هؤلاء قد سبقهم إليها أشباههم ونظراؤهم من الأمم السالفة (٢) المكذبة للرسل، تشابهت قلوبهم، فقالوا مثل مقالتهم: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ
стр. 859
طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣] وهكذا قال ههنا: ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ثم قال ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء المشركين، ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ أي: ولو علموا وتيقنوا صحة ما جئتهم به لما انقادوا لذلك بسوء (١) قصدهم ومكابرتهم للحق وأهله، قال الله تعالى: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: من الأمم المكذبة بأنواع من العذاب، كما فصله ﵎] في قصصهم ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: كيف بادوا وهلكوا وكيف نجى الله المؤمنين» (٢).
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ «يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد من بعث بعده من الأنبياء، الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها، أنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أي: هذه الكلمة وهي عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان، وهي «لا إله إلا الله أي: جعلها دائمة في ذريته، يقتدي به فيها من هداه الله تعالى من ذرية إبراهيم ﵊: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إليها» (٣).
قال محمد تقي الدين: فائدة: شرح الحافظ (ك) بأن عبادة أولئك المشركين للملائكة كانت بواسطة تماثيل جعلوها لهم وسموها بأسمائهم، كما يفعل عباد القبور حين يشيدون القباب، ويصنعون التوابيت على القبور، ويجعلون للتابوت كسوة كالكعبة، ويعلقون المصابيح والثريات، ويزخرفون الوثن بأنواع الزخرفة، ويحكون للناس حكايات يختلقونها، مضمنها أن ذلك الوثن جاءه ناس قد عميت أبصارهم فرجعوا يبصرون، وجاءه ناس قد استولى شلل على أجسادهم فرجعوا يمشون، وجاءه ناس مجانين فرجعت إليهم عقولهم، وبهذه الحكايات ينشرون الشرك في الناس، قاتلهم الله.
فائدة ثانية: احتج المشركون بالقدر في قديم الزمان وحديثه، وقد ذكر الله
стр. 860
تعالى احتجاجهم وأنكر ذلك عليهم، وسماه تكذيبا في سورة الأنعام: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] قال (ك): «هذه مناظرة ذكرها الله تعالى، وشبهة تشبث بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا، فإن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو قادر على تغييره، بأن يلهمنا الإيمان أو يحول بيننا وبين الكفر فلم يغيره، فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا بذلك، ولهذا قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ الآية وكذلك الآية التي في النحل مثل هذه (١) سواء قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: بهذه الشبهة ضل من كان (٢) قبل هؤلاء وهي حجة داحضة باطلة، لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه ودمر عليهم ونصر (٣) عليهم رسله الكرام، وأذاق المشركين من أليم الانتقام ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بأن الله راض عنكم فيما أنتم فيه ﴿فَتُخْرِجُوهُ﴾ أي: فتظهروه هنا لنا (٤)، وتبينوه وتبرزوه؟ ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ أي: الوهم والخيال، والمراد بالظن ههنا الاعتقاد الفاسد ﴿وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ أي (٤): تكذبون على الله فيما ادعيتموه، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ وقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ فإنهم قالوا عبادتنا الآلهة تقربنا إلى الله زلفى فأخبرهم الله أنها لا تقربهم، وقوله (٥): ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ يقول تعالى: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين (٦). وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول تعالى لنبيه ﷺ : قل لهم يا محمد: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ أي: له الحكمة.
стр. 861
التامة والحجة البالغة في هداية من هدي وإضلال من ضل (١) ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فكل ذلك بقدرته ومشيئته واختياره، وهو مع ذلك يرضى عن المؤمنين ويبغض الكافرين» (٢).
فصل
قال محمد تقي الدين: قد أجاد الحافظ (ك) ﵀ في الرد على المحتجين بالقدر. ومما يزيد كلامه وضوحًا أن يقال: قال الله تعالى في سورة الدهر: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. وقال تعالى في سورة الشمس: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٨ - ١٠] وقال تعالى في سورة البلد: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أي: طريق الخير وطريق الشر وسبب الاحتجاج بالقدر الجهل بإرادة الله تعالى، وعدم التمييز بين الإرادة القدرية والإرادة الشرعية (٣)، فإن الله تعالى قدر كل شيء بمعنى أنه عالم بما سيختاره عباده، وأن بعضهم سيختار طريق الخير، وهو الإيمان بالله وطاعته واتباع رسله، وبعضهم سيختار طريق الشر، وهو الكفر بالله ومعصيته ورد ما جاءت به رسله، فمن اختار منهم طريق الخير والهدى هداه الله ووفقه، قال تعالى في سورة محمد: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وقال تعالى في سورة التغابن: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] وقال النبي الله في حديث أبي ذر الطويل فيما يرويه عن ربه أنه قال: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم» (٤). فكل من استهدى الله هداه بيقين، وهو الذي لا يخلف الميعاد، وقال تعالى فيمن اختار طريق الشر في سورة البقرة: ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٦] أي: بالمثل أو بالقرآن ﴿كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ
стр. 862
وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] فإذا عرض الحق على الإنسان لأول مرة وكان سليم القلب من اتباع الهوى، فإنه يستعمل فكره فيرى الحق حقًا فيؤمن به ويهتدي فيزيده الله هدى، وإذا عرض عليه الحق فمنعه الهوى من النظر فيه والتفكير بقلب سليم، فكذب به اتباعًا لهواه أضله الله وختم على قلبه فلا يستطيع أحد أن يهديه، وقال تعالى في سورة الصف: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فلو لم يزيغوا لهداهم الله، وقال تعالى في سورة فصلت: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت: ١٧ - ١٨].
والإرادة الثانية: إرادة شرعية، وهي في معنى الرضى، فلا يريد الله تعالى بهذه الإرادة الشرعية إلا ما شرعه لعباده، قال تعالى في سورة الزمر: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وقال تعالى في سورة الأعراف إخبارًا عن الكفار: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٢٩] وقال تعالى فيها أيضًا: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]. اهـ.
قال محمد تقي الدين: فلو لم يتخذوا الشياطين أولياء من دون الله لما حقت عليهم الضلالة، والآيات في هذا المعنى أكثر من أن تحصى، فمن احتج بالقدر على استمراره في الكفر أو في المعاصي، فهو جاهل بحقيقة إرادة الله تعالى، أو مغالط مكذب، كما تقدم في آيات الأنعام، ولنضرب لذلك مثلًا والله المثل الأعلى: جماعة من الناس قصدوا رجلًا غنيًا وقالوا له: نحن نحسن التجارة ونربح فيها، ونخرج من هذا الفقر المؤلم، ولنا عليك حق، فلو أقرضت كل واحد منا شيئًا يتخذه رأس مال لكنت سببًا في إنقاذنا من ألم الفقر دون أن تخسر شيئًا، فإننا نأخذ الربح ونرد لك رأس المال، وهذا الرجل الغني يعلم أن بعضهم صادق فيما ادعاه، وبعضهم كاذب يدعي ما لا يقدر عليه، فأعطى كل واحد منهم مقدارًا معلومًا من المال، وضرب لهم أجل خمس سنين مثلًا، وبعد مضي الأجل استرد منهم رأس المال. فأما الذين كانوا صادقين، فإنهم ردوا
стр. 863
للمقرض قرضه، وبقي لهم خير كثير، يكفيهم أن يعيشوا عيشًا وغدًا، وأما الكاذبون فلم يجد عندهم شيئًا لا رأس مال ولا ربحًا، وهذا المثل نفسه يصلح ردًا على الاشتراكية الشيوعية، وللرد على الشيوعيين مقام آخر، والله أعلم.
وبعد ذلك أقول: لو أن الله تعالى أجبر الناس على الهدى ومنعهم من الكفر والمعاصي بحيث أن من كفر أو هَمَّ بالكفر أو المعاصي يصيب لسانه وجوارحه شلل، فلا يتكلم ولا يتحرك حتى يتوب ويعزم على ترك الكفر، والمعصية لبطل الثواب والعقاب ولما كانت دار عذاب ولا كرامة، وصار الناس أمة واحدة سواسية، لا فضل لأحد على أحد وأصبحوا كالآلات، أو كالشمس والقمر، بدون إرادة ولا اختيار، يحركهم غيرهم فيتحركون، فلا يستحقون ثوابًا ولا عقابًا، ولا يوصفون بإحسان ولا إساءة، وهذا ما لم يرده الله تعالى فله الحكمة البالغة. اهـ.
فائدة ثالثة: قول الحافظ (ك): «أي: من قبل شركهم» تفسير لما يعود عليه الضمير، في قوله تعالى من قبله، وعندي فيه نظر، والذي يظهر أن يعود على القرآن وإن لم يتقدم له ذكر، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقد تقدم ذكر القرآن، إلا أنه بعيد، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤] ثم نظرت في «البيضاوي» (١) فوجدت كلامه مطابقًا لما رأيته، والكمال لله.
الباب الثاني
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣ - ٤٥]
قال (ك): «يقول: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: خذ بالقرآن المنزل على قلبك فإنه هو (٢) الحق، وما يهدي إليه هو
стр. 864
الحق المفضي إلى صراط الله المستقيم الموصل إلى جنات النعيم، والخير الدائم المقيم، ثم قال ﷻ : ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قيل: معناه: لشرف لك ولقومك، قاله ابن عباس وغيره (١) وأورد البغوي (٢) والبخاري بسندهما عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلا كبه الله تعالى على وجهه ما أقاموا الدين (٣)، معناه أنه شرف لهم من حيث إنه أنزل بلغتهم، فهم أفهم الناس له، فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به، وأعملهم بمقتضاه، وهكذا كان خيارهم وصفوتهم من الخُلَّص من المهاجرين السابقين الأولين ومن شابههم وتابعهم، وقيل: معناه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أي: لتذكير لك ولقومك، وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وكقوله ﵎: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ أي: عن هذا القرآن، وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له، وقوله : ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أي: جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد، كقوله جلت عظمته: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، قال مجاهد في قراءة عبد الله بن مسعود (٤): (وسل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا) وهذا كأنه تفسير لا تلاوة، والله أعلم» (٥).
стр. 865
فصل
قال محمد تقي الدين: فائدة الآيتان الأوليان من أدلة توحيد الاتباع، فإن الله أمر محمدًا ﷺ أن يتمسك بالقرآن، وأن يتخذه سراجًا ومنارًا يهتدي به هو وأمته، كما قال تعالى في سروة الأعراف: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقال تعالى في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٤ - ١٧٥] وقال تعالى في سورة التغابن: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن: ٨] ونرى اليوم العرب وسائر المسلمين يتخبطون في الظلمات الإعراضهم عن هذا النور واتخاذهم القرآن مهجورًا، ولن يخرجوا من ظلماتهم إلا بالرجوع إليه، والاستضاءة به، واتخاذه إمامًا وحكمًا، والتمسك بسنة الرسول، التي تبينه وتشرحه، والتفسير الثاني هو الراجح، وهو أن القرآن تذكير للنبي ولقومه ولجميع العالمين، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] من سورة الذاريات وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] وسيأتي تحقيق (توحيد الاتباع) في (القسم الذي بعد هذا) إن شاء الله.
فائدة أخرى: قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ الآية، معناه: إن كل رسول أرسله الله جاء بتوحيد الله تعالى وإنكار عبادة غيره، كائنًا من كان، وهذا مبين في التوراة والأناجيل أتم تبيين، انظر «البراهين الإنجيلية» (١) لمؤلف هذا الكتاب. اهـ.
الباب الثالث
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٣ - ٦٤]
стр. 866
قال (ك): ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ﴾ أي: بالنبوة، ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ قال ابن جرير: «يعني: من الأمور الدينية لا الدنيوية» (١). وهذا الذي قاله حسن جيد، ثم رد قول من زعم أن ﴿بَعْضَ﴾ ههنا بمعنى «كل» واستشهد بقول لبيد (٢) الشاعر حيث قال:
تَرَّاكَ أمكنة إذا لَمْ أَرضَهَا … أو يعتلق بعض النفوسِ حِمَامُها
وأولوه على أنه أراد جميع النفوس، قال (ج): «إنما أراد نفسه فقط، وعبر بالبعض عنها، وهذا الذي قاله محتمل، وقوله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ (٣) فيما جئتكم به، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: أنا وأنتم عبيد له فقراء إليه مشتركون في عبادته وحده لا شريك له: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي جئتكم به هو الصراط المستقيم، وهو عبادة الرب [جل وعلا] وحده» (٤). اهـ.
فصل
قال محمد تقي الدين: فائدة، قوله تعالى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ ليس ﴿بَعْضَ﴾ ههنا بمعنى كل لأن عيسى ابن مريم ﵇ لم يجئ بنسخ شريعة موسى كلها كما جاء محمد ﷺ بنسخ جميع الشرائع التي قبله، وإنما جاء بنسخ بعضها كالعمل يوم السبت، إذا كان فيه خير وفي تركه شر، كإنقاذ الغريق، وعلاج المريض، وإعانة المحتاج، ويؤيد هذا قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠].
فائدة ثانية: قول عيسى ﵇: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ الآية، انظر أيضًا «البراهين الإنجيلية» فقد جاء فيها أن سائلًا سأل عيسى ﵇ عن الوصية الأولى من الوصايا العشر، التي في التوراة فأجاب قائلًا: «اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا واحد وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك.» اهـ من (الصفحة ١٤).
стр. 867
الباب الرابع
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨١ - ٨٧].
في تفسير الجلالين ما نصه: «﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ فرضًا (١)، ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ للولد لكن ثبت أن لا ولد له تعالى فانتفت عبادته» (٢).
فصل
قال محمد تقي الدين: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزه خالق السموات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما عما يصفه به الجاهلون المشركون، من كونه له ولد، وتنزه وتقدس عن كل نقص، فذرهم، أي: اتركهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في غيهم حتى يجيئهم اليوم الذي كانوا يوعدونه، وهو يوم القيامة الذي تجزى فيه كل نفس بما كسبت، ويعاقب من نسب الله ولدًا أو اتخذ معه شريكًا، ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ أي: هو معبود أهل السماء وأهل الأرض بحق وهو ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله وفي شرعه وقدره، ﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي لا تخفى عليه خافية، ﴿وَتَبَارَكَ﴾ أي: تعالى وتقدس ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، وكل من سواه مملوك، ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: ساعة القيامة لا يعلمها إلا هو، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠، ٤١]، ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ
стр. 868
يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ ولو كانوا ملائكة أو أنبياء أو صالحين، ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾، أي: وحد الله تعالى ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يعتقدون تنزيه الله تعالى عن الشرك وسائر النقائص، فإن الله يهب من شاء منهم الشفاعة في من شاء من المستحقين للعذاب والمعذبين، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يا محمد، أي: المشركين من أهل مكة وغيرهم ﴿مَنْ خَلَقَهُمْ﴾ أنفسهم، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ خلقنا الله ولم يشاركه في خلقنا أحد ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف يصرفون عن توحيده في عبادته؟!. اهـ.
стр. 869
سُورةُ الدُّخَانِ
الباب الأول
قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الدخان: ٧، ٨].
قال (ك): أي: الذي أنزل هذا (١) القرآن هو رب السموات والأرض وخالقهما ومالكهما وما فيهما ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي: إن كنتم متحققين، ثم قال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] الآية (٢).
فصل
قال محمد تقي الدين فائدة: ذكر الله التوحيد في مواضع من كتابه العزيز، وأنكر على المشركين عبادتهم لغيره، واحتج عليهم بأنه هو وحده الذي يحيي ويميت، وكل ما سواه فإنه سبقه العدم، فأوجده الله تعالى ووهبه الحياة، وهو الذي يميت كل نفس ويذيقها الموت، فكيف يعبد من يحتاج إلى موجد يوجده، وحياته بيد ذلك الموجد يأخذها متى شاء، لا جرم أنه لا يعبد ذلك الفاني الذي يحيى ويمات، إلا من مات قلبه فنسألك اللهم أن تحيي قلوبنا، وأن تزيدنا إيمانًا بك وبنبيك محمد ﷺ وبما جاء به ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
стр. 870
الباب الثاني
قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)﴾ [الدخان: ٤٠ - ٤٢].
قال (ك): «﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)﴾ وهو يوم القيامة يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق فيعذب الكافرين ويثيب المؤمنين، وقوله: ﴿مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)﴾ أي: يجمعهم كلهم أوَّلهم وآخرهم ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا (٤١)﴾ (١) أي: لا ينفع قريب قريبًا، كقوله : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ وكقوله جلت عظمته: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُم﴾ أي: لا يسأل أخًا له عن حاله وهو يراه عيانًا، وقوله جل وعلا: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ أي: لا ينصر القريب قريبه ولا يأتيه نصره من الخارج (٢)، ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ أي: لا ينفع يومئذ إلا من [﵀] (٣) لخلقه (٤): ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)﴾ أي: هو عزيز ذو رحمة واسعة» (٥). اهـ.
فصل
قال محمد تقي الدين فائدة: كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة ناطقان مصرحان بأن القرابة وحدها - ولو كانت للأنبياء والمرسلين - لا تنفع ولا تشفع بل أقارب الأنبياء إذا عصوهم وخالفوا طريقهم هم أشد الناس عذابًا وخزيًا، انظر: (الفائدة الخامسة) من (الباب الأول) من (سورة الشعراء).
стр. 871
سورة الجاثية
الباب الأول
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٢ - ٢٣].
قال (ك): «﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، ثم قال جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ أي: إنما يأتمر بهواه فمهما رآه حسنًا فعله ومهما رآه قبيحًا تركه، وعن مالك فيما روي عنه من التفسير (١) «لا يهوى شيئًا إلا عَبَدَه» (٢)، وقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ يحتمل قولين: أحدهما: وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك. والآخر: وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه (٣) وقيام الحجة عليه، والثاني يسلتزم الأول، ولا ينعكس، ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ أي: فلا يسمع ما ينفعه ولا يعي شيئًا يهتدي به، ولا يرى حجة يستضيء بها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٦]» (٤).
стр. 872
فصل
قال محمد تقي الدين فائدة التحسين والتقبيح فيما ينسب إلى الله من الصفات، وما ينفى عنه لا يكون إلا من طريق الشرع، أي: الكتاب والسنة، فما استحسنه الله تعالى ورسوله ﷺ ، فهو الحسن، وإن لم تستحسنه عقول بعض الناس، وما استقبحه الله تعالى ورسوله، فهو القبيح وإن استحسنته عقول بعض الناس (١)،
مثال ذلك: شفاعة النبي ﷺ في خروج الموحدين من النار (١)، أخبر بها الرسول ﷺ ، واستحسنها، وهي في نفسها حسنة، واستقبحتها عقول المعتزلة فهم مخطئون في ذلك، وملومون عليه، ومثل ذلك إيجابهم على الله أن يعذب.
стр. 876
المذنبين، واستقباحهم عفو الله عنهم، وهم في ذلك مخطئون، والكريم إذا وعد أنجز وإذا أوعد عفا، فتلك صفة كما قال الشاعر (١):
وإني إذا أو عَدْتُه أو وَعَدتُه … لمخلفٌ إيعادي ومنجز موعدي
وقاله الشاعر يفتخر بأنه كريم حليم؛ إذا وعد لا يخلف وعده، وأما إذا أوعد بالعقاب فإنه يعفو ويصفح.
قال تعالى في سورة فاطر: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥]، وإذا عفا عنهم وأخر عقابهم فهو سبحانه جدير أن يعفو عنهم يوم القيامة أيضًا، كما قال تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الفتح: ١٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وكذلك الاستحسان في الشريعة قال به بعض الفقهاء، وهو أن يحكم بوجوب شيء أو تحريمه أو كراهيته أو استحبابه أو إباحته بالاستحسان العقلي، قالوا في تعريفه: هو حجة تنقدح في ذهن المجتهد ولا يستطيع التعبير عنها، وجمهور علماء الأصول ينكرون هذا الاستحسان (٢)، ويحصرون الحجة في الكتاب والسنة والإجماع والقياس على خلاف بينهم فيه. اهـ.
فائدة ثانية: قال محمد تقي الدين: من اتبع هواه في عبادة غير الله أو تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، أو رد شيئًا مما جاء به رسول الله، كالذين يقولون في هذا الزمان بتطور أصول الدين، والاجتهاد مع وجود النص والإجماع، كرفض الصيام في رمضان، بدعوى أنه لا يوافق العصر الحاضر،
стр. 877
وتحليل الربا بدعوى أنه ضروري في هذا العصر إذا تركته دولة قلَّتْ أموالها، وضعف اقتصادها، وضاع حقها في المعاملات الدولية، فإنها لا بد أن تعطي وتأخذ، فإذا أخذت فلا مناص من دفع الربا، وإذا أعطت بلا ربا تكون هي الخاسرة، فنقول: إن هناك طريقًا آخر وهي أن تكون مستقلة غنية قوية لا تأخذ الربا ولا تعطيه، وحينئذ لا بد أن تخضع لها الدول الأجنبية وتقبل شرطها، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، ولنضرب مثلًا بالدولة السعودية فإنها لا تتعامل بالربا وهي أغنى الدول، والحاصل: من اتبع هواه في الشرك بالله أو تغيير حكم شرعي أو رد ما جاء به الرسول ﷺ فهو كافر فردًا كان أو جماعة، أما من اتبع هواه في ارتكاب المحرمات، وهو يعترف أنه مذنب ويؤمل التوبة فهذا فاسق لا يخرج من الإسلام، ولا يخلد في النار بسبب التوحيد والإيمان والمحافظة على الصلاة في أوقاتها الذي معه (١). اهـ.
стр. 878
سورة الأحقاف
الباب الأول
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٤ - ٦].
قال (ك): «قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: ولا شرك لهم في السموات ولا في الأرض، ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾؛ إن الملك والتصرف كله لله ، فكيف تعبدون معه غيره وتشركون به من أرشدكم إلى هذا من دعاكم إليه أهو أمركم به أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم؟ ولهذا قال: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ أي: هاتوا كتابًا من كتب الله المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يأمركم بعبادة هذه الأصنام (١)، ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: علم مأثور عن الأنبياء السابقين يشهد لكم بصحة ما أنتم عليه من الشرك في عبادة الله.
وقوله ﵎: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ أي: لا أضل ممن يدعو [أندادًا و] (٢) أصنامًا
стр. 879
ويطلب منهم (١) ما لا يستطيعونه (٢) ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٣).
﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ فلا يسمعون ولا يبصرون ولا يبطشون، لأنهم فقراء عاجزون مربوبون، تحت تصرف الله تعالى وقهره، وتماثيلهم وآثارهم أشد عجزًا.
«وقوله ﵎: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ كقوله ﷺ : ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢] أي: سيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم» (٤).
فصل
قال محمد تقي الدين وتقدم تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣، ١٤].
فائدة: قال محمد تقي الدين الكفار في هذا الزمان أنواع:
النوع الأول: يقرون بأن الله رب كل شيء وخالق كل شيء؛ وبالكتب المنزلة على رسل الله أو بعضها كاليهود والنصارى، إلا أنهم يعبدون غير الله، بدعوى أن الله وهب بعض عباده شيئًا من صفاته، كالتصرف في خلقه بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والنصر والهزيمة والخصب والجذب، وإطالة الأعمار وتقصيرها، والإفقار والإغناء، وهذه عقيدة المشركين المتأخرين.
النوع الثاني: المشركون على عهد النبي ﷺ من العرب، وهؤلاء كانوا لا يشركون بالله في الربوبية والملك والتصرف، وأما العبادة فكانوا في وقت الشدائد يوحدون الله تعالى، ولا يدعون معه أحدًا، وفي وقت الرخاء يتخذون معه آلهة زاعمين أنهم يشفعون لهم عند الله في قضاء الحاجات وتفريج الكربات، ومشركو هذا الزمان يوافقونهم على ذلك، غير أنهم لا يوحدون الله أصلًا، لا في الشدة ولا في الرخاء، فشركهم أغلظ، وجهلهم أكثر. اهـ.
стр. 880
النوع الثالث: يعتقدون أن الله خالق كل شيء ولكنهم لا يؤمنون بالرسالة، ويزعمون أن العقل يغني عن إرسال الأنبياء في معرفة الخالق ومن هؤلاء توماس بين مؤلف كتاب «عصر العقل» (The age of reason).
النوع الرابع: الواقفون (Ignostic) وهؤلاء يقولون: إنهم لا يثبتون لهذا العالم ربًا وهو الله تعالى، ولا ينفونه، لأنهم يزعمون أنه لم يقم عندهم دليل على الإثبات ولا على النفي، ومن هؤلاء Ougesol الأمريكي، وله مقالات بالإنكليزية مشهورة.
ويلزم أهل النوع الثالث أن الله سبحانه مع اعترافهم بكمال قدرته وكمال علمه خلق الخلق وأهملهم ووكلهم إلى عقولهم، التي لا تكاد تتفق على شيء، وهذا يتنافى مع كمال القدرة والحكمة والرحمة، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، من سورة القيامة، وقال تعالى في آخر سورة المؤمنين: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦]. ومتى رأيتم ملكًا قويًا حكيمًا رحيمًا من المخلوقين يهمل رعيته ولا يعلمهم ما يأتون وما يذرون، فما فائدة ملكه لهم؟ فكيف بملك الملوك خالق السموات والأرض يترك عباده بلا رسل ولا كتب، ولا شرع، ولا يثيب محسنًا على إحسانه، ولا يعاقب مسيئًا على إساءته؟ هذا يتنافى مع صفات الكمال. اهـ.
أما أهل القسم الرابع: فهم أضل وأجهل، قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿أَوَلَمْ (١) يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وقال تعالى في سورة يونس: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] والقرآن مشحون بمثل هذه الإرشادات وما يعقلها إلا العالمون، اهـ.
والنوع الخامس: يصرحون بأنه لا رب لهذا العالم ولا خالق له ولا متصرف فيه ولا مدبر لشؤونه، فيلزمهم أن السفينة تصنع نفسها وتسير في البحر بلا ربان ولا ملاحين، ويلزمهم أن القطار يصنع نفسه ويصنع السكة التي يسير عليها أو تصنع نفسها، ويحمل الناس والبضائع، وإذا رأى أناسًا أو حيوانًا صفر