← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

المذنبين، واستقباحهم عفو الله عنهم، وهم في ذلك مخطئون، والكريم إذا وعد أنجز وإذا أوعد عفا، فتلك صفة كما قال الشاعر (١): وإني إذا أو عَدْتُه أو وَعَدتُه … لمخلفٌ إيعادي ومنجز موعدي وقاله الشاعر يفتخر بأنه كريم حليم؛ إذا وعد لا يخلف وعده، وأما إذا أوعد بالعقاب فإنه يعفو ويصفح. قال تعالى في سورة فاطر: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥]، وإذا عفا عنهم وأخر عقابهم فهو سبحانه جدير أن يعفو عنهم يوم القيامة أيضًا، كما قال تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الفتح: ١٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وكذلك الاستحسان في الشريعة قال به بعض الفقهاء، وهو أن يحكم بوجوب شيء أو تحريمه أو كراهيته أو استحبابه أو إباحته بالاستحسان العقلي، قالوا في تعريفه: هو حجة تنقدح في ذهن المجتهد ولا يستطيع التعبير عنها، وجمهور علماء الأصول ينكرون هذا الاستحسان (٢)، ويحصرون الحجة في الكتاب والسنة والإجماع والقياس على خلاف بينهم فيه. اهـ. فائدة ثانية: قال محمد تقي الدين: من اتبع هواه في عبادة غير الله أو تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، أو رد شيئًا مما جاء به رسول الله، كالذين يقولون في هذا الزمان بتطور أصول الدين، والاجتهاد مع وجود النص والإجماع، كرفض الصيام في رمضان، بدعوى أنه لا يوافق العصر الحاضر،

стр. 877

وتحليل الربا بدعوى أنه ضروري في هذا العصر إذا تركته دولة قلَّتْ أموالها، وضعف اقتصادها، وضاع حقها في المعاملات الدولية، فإنها لا بد أن تعطي وتأخذ، فإذا أخذت فلا مناص من دفع الربا، وإذا أعطت بلا ربا تكون هي الخاسرة، فنقول: إن هناك طريقًا آخر وهي أن تكون مستقلة غنية قوية لا تأخذ الربا ولا تعطيه، وحينئذ لا بد أن تخضع لها الدول الأجنبية وتقبل شرطها، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، ولنضرب مثلًا بالدولة السعودية فإنها لا تتعامل بالربا وهي أغنى الدول، والحاصل: من اتبع هواه في الشرك بالله أو تغيير حكم شرعي أو رد ما جاء به الرسول ﷺ فهو كافر فردًا كان أو جماعة، أما من اتبع هواه في ارتكاب المحرمات، وهو يعترف أنه مذنب ويؤمل التوبة فهذا فاسق لا يخرج من الإسلام، ولا يخلد في النار بسبب التوحيد والإيمان والمحافظة على الصلاة في أوقاتها الذي معه (١). اهـ.

стр. 878

سورة الأحقاف الباب الأول قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٤ - ٦]. قال (ك): «قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: ولا شرك لهم في السموات ولا في الأرض، ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾؛ إن الملك والتصرف كله لله ، فكيف تعبدون معه غيره وتشركون به من أرشدكم إلى هذا من دعاكم إليه أهو أمركم به أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم؟ ولهذا قال: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ أي: هاتوا كتابًا من كتب الله المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يأمركم بعبادة هذه الأصنام (١)، ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: علم مأثور عن الأنبياء السابقين يشهد لكم بصحة ما أنتم عليه من الشرك في عبادة الله. وقوله ﵎: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ أي: لا أضل ممن يدعو [أندادًا و] (٢) أصنامًا

стр. 879

ويطلب منهم (١) ما لا يستطيعونه (٢) ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٣). ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ فلا يسمعون ولا يبصرون ولا يبطشون، لأنهم فقراء عاجزون مربوبون، تحت تصرف الله تعالى وقهره، وتماثيلهم وآثارهم أشد عجزًا. «وقوله ﵎: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ كقوله ﷺ : ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢] أي: سيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم» (٤). فصل قال محمد تقي الدين وتقدم تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣، ١٤]. فائدة: قال محمد تقي الدين الكفار في هذا الزمان أنواع: النوع الأول: يقرون بأن الله رب كل شيء وخالق كل شيء؛ وبالكتب المنزلة على رسل الله أو بعضها كاليهود والنصارى، إلا أنهم يعبدون غير الله، بدعوى أن الله وهب بعض عباده شيئًا من صفاته، كالتصرف في خلقه بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والنصر والهزيمة والخصب والجذب، وإطالة الأعمار وتقصيرها، والإفقار والإغناء، وهذه عقيدة المشركين المتأخرين. النوع الثاني: المشركون على عهد النبي ﷺ من العرب، وهؤلاء كانوا لا يشركون بالله في الربوبية والملك والتصرف، وأما العبادة فكانوا في وقت الشدائد يوحدون الله تعالى، ولا يدعون معه أحدًا، وفي وقت الرخاء يتخذون معه آلهة زاعمين أنهم يشفعون لهم عند الله في قضاء الحاجات وتفريج الكربات، ومشركو هذا الزمان يوافقونهم على ذلك، غير أنهم لا يوحدون الله أصلًا، لا في الشدة ولا في الرخاء، فشركهم أغلظ، وجهلهم أكثر. اهـ.

стр. 880

النوع الثالث: يعتقدون أن الله خالق كل شيء ولكنهم لا يؤمنون بالرسالة، ويزعمون أن العقل يغني عن إرسال الأنبياء في معرفة الخالق ومن هؤلاء توماس بين مؤلف كتاب «عصر العقل» (The age of reason). النوع الرابع: الواقفون (Ignostic) وهؤلاء يقولون: إنهم لا يثبتون لهذا العالم ربًا وهو الله تعالى، ولا ينفونه، لأنهم يزعمون أنه لم يقم عندهم دليل على الإثبات ولا على النفي، ومن هؤلاء Ougesol الأمريكي، وله مقالات بالإنكليزية مشهورة. ويلزم أهل النوع الثالث أن الله سبحانه مع اعترافهم بكمال قدرته وكمال علمه خلق الخلق وأهملهم ووكلهم إلى عقولهم، التي لا تكاد تتفق على شيء، وهذا يتنافى مع كمال القدرة والحكمة والرحمة، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، من سورة القيامة، وقال تعالى في آخر سورة المؤمنين: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦]. ومتى رأيتم ملكًا قويًا حكيمًا رحيمًا من المخلوقين يهمل رعيته ولا يعلمهم ما يأتون وما يذرون، فما فائدة ملكه لهم؟ فكيف بملك الملوك خالق السموات والأرض يترك عباده بلا رسل ولا كتب، ولا شرع، ولا يثيب محسنًا على إحسانه، ولا يعاقب مسيئًا على إساءته؟ هذا يتنافى مع صفات الكمال. اهـ. أما أهل القسم الرابع: فهم أضل وأجهل، قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿أَوَلَمْ (١) يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وقال تعالى في سورة يونس: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] والقرآن مشحون بمثل هذه الإرشادات وما يعقلها إلا العالمون، اهـ. والنوع الخامس: يصرحون بأنه لا رب لهذا العالم ولا خالق له ولا متصرف فيه ولا مدبر لشؤونه، فيلزمهم أن السفينة تصنع نفسها وتسير في البحر بلا ربان ولا ملاحين، ويلزمهم أن القطار يصنع نفسه ويصنع السكة التي يسير عليها أو تصنع نفسها، ويحمل الناس والبضائع، وإذا رأى أناسًا أو حيوانًا صفر

стр. 881

له وبطأ سيره، وإذا رأى ما يستوجب الوقوف وقف، وإذا وصل إلى محطة وصل بعد أن يختار موقفه، ويتوجه إليه بنفسه، حتى لا يتصادم مع القطر الأخرى، وينتظر النازلين حتى ينزلوا والراكبين حتى يركبوا، وإذا جاء وقت التحرك عرفه، واستأنف سيره، ويلزمهم أن الأطعمة في المعدة تتحول إلى دم من تلقاء نفسها، ثم إلى تعويض ما فقد من اللحم والعظام والأعصاب والغضاريف والأمعاء وما يحتوي عليه البطن والدماغ، كل ذلك بلا خالق ولا مدبر، ويلزمهم أن الشمس خلقت نفسها وهي تسير بإرادتها، وأن الأرض خلقت نفسها والتزمت أن لا تبعد عن الشمس بعدًا يهلك ما عليها من حيوان ونبات بالبرد، ولا تقرب من الشمس قربًا يهلك ما عليها بالاحتراق، بل تبقى بينها وبين الشمس مسافة معلومة تمكن ما عليها من حيوان ونبات من الحياة، لا جرم أن هذه الفروض لا يستطيع العقل البشري أن يعتقدها، لأنها في غاية الاستحالة انظر: كتابي «دواء الشاكين» (١). وقد طبع باسم «الطريق إلى الله» (٢) وقد طبع برمته وهو يباع، طبعه المحسن الكبير الحاج مصطفى الودغيري. الباب الثاني ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢١ - ٢٥] قال (ك): «يقول تعالى مسليًا لنبيه ﷺ ، في تكذيب من كذبه من قومه: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ وهو هود ﵊، بعثه الله إلى عاد الأولى، وكانوا يسكنون الأحقاف، جمع حقف وهو الجبل من الرمل، وعن علي بن أبي

стр. 882

طالب: الأحقاف واد بحضرموت (١)، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾، يعني: وقد أرسل الله تعالى إلى من حول بلادهم في القرى مرسلين ومنذرين» (٢). وقال البيضاوي: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: «قبل هود وبعده» (٣). قال محمد تقي الدين ويظهر أن قول البيضاوي هو الصواب، ثم قال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: الله أعلم بكم: إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب [فسيفعل] (٤) ذلك بكم، وأما أنا فمن شأني أني أبلغكم ما أرسلت به ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أي: لا تعقلون ولا تفهمون، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ أي: لما رأوا العذاب مستقبلهم اعتقدوا أنه عارض ممطر (٥) ففرحوا واستبشروا به وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: هو العذاب الذي قلتم ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: تخرب ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ من بلادهم مما من (٦) شأنه الخراب ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، أي: بإذن الله لها في ذلك كقوله : ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذرايات: ٤٢] أي: كالشيء البالي، ولهذا قال: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ أي: قد بادوا كلهم عن آخرهم ولم يبق (٧) لهم باقية ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: هذا حكمنا فيمن كذب رسلنا وخالف أمرنا» (٨). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين فائدة: عاد الأولى ليس لها اسم سوى عاد، وعاد الثانية لها اسم آخر وهو ثمود. والأحقاف اسمها في هذا الزمان حَضْرَمَوْت واسمها أيضًا جنوب اليمن،

стр. 883

ومقر الحكم فيها عدن، نسأل الله أن يطهرها من الشيوعية (١). وقول الحافظ (ك): ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: معناه: من حوله من البلاد ظهر لي لأول وهلة أن المراد بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ ما قبله من الزمان، والمراد بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ ما بعده من الزمان، ثم راجعت كل «التفاسير» التي عندي - وهي خمسة - فوجدتها موافقة لما ذكرته، ومخالفة لتفسير (ك) والكمال لله. وقول (ك): «﴿تُدَمِّرُ﴾ أي: تخرب كل شيء من بلادهم «مما شأنه الخراب»، يريد أن كل شيء عام أريد به الخصوص (٢)، أي: كل شيء من بلاد عاد لا من بلاد غيرهم. قوله: «مما شأنه الخراب» كبني آدم والأشجار، أما الجبال فلم تخربها لأنها لم ترسل إليها؛ هذا كقوله تعالى في ملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَت مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] أي: يكون عند الملوك. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧ - ٢٨]. قال (ك): ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِنَ الْقُرَى﴾ يعني: أهل مكة، قد أهلك الله الأمم المكذبة بالرسل مما حولها، كعاد وكانوا بالأحقاف بحضرموت عند اليمن، وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سبأ، وهم أهل اليمن، ومدين، وكانت في طريقهم وممرهم إلى غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط، كانوا يمرون بها أيضًا، وقوله : ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ أي: بينَّاها وأوضحناها فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً فهلا نصروهم عند احتياجهم إليهم؟ بَلْ ضَلُّوا

стр. 884

عَنْهُمْ﴾ أي: بل ذهبوا عنهم أحوج ما كانوا إليهم ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ أي: كذبهم، ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: وافتراؤهم في اتخاذهم إياهم آلهة، وقد خابوا وخسروا في عبادتهم واعتمادهم عليها، والله أعلم (١). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: عباد الأوثان في هذا الزمان كلما رأوا قبة عظموها وتعلقت قلوبهم بصاحبها المنسوبة إليه، فيشدون إليه الرحال ويتقربون لها، فإذا قيل لهم: لماذا ذهبتم إلى صاحب القبة، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ يقولون: نحن نعلم أن الذي يعطي هو الله، وصاحب القبة لا يملك شيئا ولكننا قصدناه لنقرأ عليه شيئا من القرآن، وندعو له بالرحمة، فقلنا لهم: أما الدعاء فإن الله يسمعه وأنتم في بيوتكم، ولماذا خصصتموه بالدعاء من دون سائر الأموات ومنهم والدوكم؟ فذها بكم إلى قبره وتخصيصكم له بالدعاء يدل على أنكم قصدتموه، وخضعتم له لتتملقوا وتقدموا له رشوة ليتوسط لكم في قضاء حاجاتكم عند الله، أو ليقضيها بنفسه، وهذا هو الشرك بالله الذي لا يغفره الله، وأما قراءة القرآن، فلو كانت تنفع غير قارئه لكان والدوكم أولى بها، على أنها لا تنفع إلا قارئها إذا قرأها لوجه الله، وعمل بها وتقبلها الله منه، وبرهان ذلك أن قراءة النبي ﷺ متقبلة قطعا، وكل حرف منها يساوي قراءة العالم بأسره، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، وكان يعتني كثيرا بزيارة القبور والدعاء لأصحاب القبور، ويعلم أصحابه الدعاء الذي يدعون به إذا زاروا القبور (٢) كما يعلمهم السورة من القرآن ولم يقرأ شيئا من القرآن على ميت ولا أمر أصحابه بذلك، أأنتم أعلم أم رسول الله ﷺ ؟ وفي «الصحيحين» عن ابن عباس أن النبي ﷺ ، مر بقبرين يعذبان؛ أي: يعذب صاحباهما، فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»، ثم أمر بجريدة خضراء فأتي بها فشقها نصفين، فغرز أحدهما على أحد القبرين، وغرز الثاني على القبر الثاني (٣)، فقال: «لعله أن يخفف عنهما ما لم

стр. 885

ييبسا» (١) ولم يقرأ عليهما حرفًا من القرآن، ولا أمر أصحابه بالقراءة عليهما، وهذا دليل قاطع على أن قراءة القرآن وإهداء ثوابها للأموات لم يشرعها الله ولا رسوله، بل هي بدعة وضلالة (٢)، ولا يجني صاحبها منها إلا الوبال، وقول النبي ﷺ : «وما يعذبان في كبير»، ليس معناه أن ذينك الذنبين ليسا من الكبائر (٣)، بل معنى (كبير) هنا ثقيل، كما قال تعالى في الصلاة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] أي: ثقيلة وشاقة، فكذلك الاستتار من البول والنميمة، لا يشق على المسلم أن يتركهما، فإذا كان معه أدنى شيء من الإيمان فإن إيمانه يمنعه من ارتكابهما، والله أعلم.

стр. 886

سورة القتال الباب الأول قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩]. قال (ك)، وقوله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ هذا إخبار بأنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ولا يتأتى كونه أمرًا بعلم ذلك ولهذا عطف عليه بقوله : ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وفي «الصحيح» أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي» (١). وفي «الصحيح» أنه كان يقول في آخر الصلاة: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنتُ، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت» (٢). وفي «الصحيح» أنه قال: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (٣). وقوله ﵎: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ أي: يعلم تصرفكم في نهاركم ومستقركم في ليلكم، كقوله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] (٤). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: يجب على كل مسلم أن يعلم معنى

стр. 887

لا إله إلا الله، ويعتقده بقلبه، ويقولها بلسانه، ويعمل بمقتضاها، وإلا فليس من أهلها ولو قالها في كل يوم ألف مرة، فإن أهل الردة الذين قاتلهم أبو بكر الصديق ومعه جميع الصحابة، وسبى ذريتهم، وغنم أموالهم (١)، كانوا يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويصلون ويقرؤون القرآن ويحجون ويصومون، فلم تنفعهم، لأنهم لم يعملوا بمقتضاها، لما امتنعوا من دفع الزكاة إلى أبي بكر الصديق. ومعناها أن يشهد قائلها على نفسه قولًا واعتقادًا وعملًا أنه لا يعبد إلا الله ويتبرأ من عبادة غيره، ويحب في ذلك وببغض فيه، ويوالي ويعادي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل لا إله إلا الله. اهـ.

стр. 888

سورة الفتح الباب الأول : قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٦]. قال (ك): «وقوله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وذلك حين أبوا أن يكتبوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأبوا أن يكتبوا: (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله) ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [وهي قول] (١): لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ كان المسلمون أحق بها وكانوا أهلها ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الخير ممن يستحق الشر» (٢). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين فائدة: قوله: «وذلك حين أبوا أن يكتبوا «بسم الله الرحمن الرحيم» وأبوا أن يكتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله»، بيان ذلك أن النبي ﷺ ، توجه إلى مكة ومعه ألف وأربعمائة من أصحابه قاصدين العمرة بعدما رأى الرسول في المنام أنه دخل مكة ومعه أصحابه آمنين، لم يلقوا حربًا، فلما وصل إلى الحديبية، هي موضع قريب من مكة غضب أهل مكة وخرجوا إليه بالسلاح، فأخبرهم النبي ﷺ ، أنه لم يجئ لقتالهم، وإنما جاء معتمرًا، فمنعوه من دخول مكة، وبعد مفاوضات طويلة، اتفق معهم على الصلح،

стр. 889

وهذا الصلح هو الفتح المبين (١) الذي ذكره الله تعالى قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] فلما أرادوا أن يكتبوا معاهدة الصلح، قال النبي ﷺ لكاتبه: «اكتب بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو»، فقال سهيل: لا نعرف بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولا نعترف أنك رسول الله، ولو اعترفنا لك بذلك ما صددناك عن بيته، اكتب باسمك اللهم، واكتب اسمك واسم أبيك، هذا ما قاضي عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، فحلم عليه النبي ﷺ ، وكتب كما يريد سهيل بن عمرو (٢)، لأن الإسلام يربح بالسلم ما لا يربح بالحرب، لأنه دين العقل والفطرة، إذا لم يبدل ولم يغيّر، فكل من فكر فيه بعقله قبله، ودخل فيه إلا من منعه اتباع الهوى واستكبر وكان من الكافرين.

стр. 890

سورة ق الْبَابُ الأَوَّلُ قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق: ٢٤ - ٢٦]. هذا خطاب من الله تعالى للملكين، السائق وهو الذي يسوق المشرك إلى العرض، والشاهد وهو الذي يشهد عليه بما كان يقترفه في الدنيا. قال (ك): ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: كثير الكفر والتكذيب بالحق، [عنيد، معاند للحق] (١) معارض له بالباطل مع علمه بذلك ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أي: لا يؤدي ما عليه من الحقوق، ولا بر فيه ولا صلة ولا صدقة، ﴿مُعْتَدٍ﴾ أي: فيما ينفقه ويصرفه يتجاوز فيه الحد، وقال قتادة: معتد في منطقه وسيره وأمره (٢)، ﴿مُرِيبٍ﴾ أي: شاك في أمره، مريب لمن نظر في أمره ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: أشرك بالله فعبد معه غيره، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾. وقال الإمام أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: «يخرج عنق من النار يتكلم يقول: وُكّلت اليوم بثلاثة، بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهًا آخر، ومن قتل نفسًا بغير نفس، فتنطوي عليهم، فتقذفهم في غمرات جهنم» (٣).

стр. 891

فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: قوله تعالى: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ توكيد لما تقدم، وكل من عبد غير الله من أهل العالم العلوي والعالم السفلي وإن زعم أنه يتبرك به، فقد اتخذ مع الله إلهًا آخر، انظر (الباب الثامن) من (سورة الأعراف).

стр. 892

سورة الذاريات الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٤٧ - ٥١]. قال (ك): «يقول تعالى منبهًا على خلق العالم العلوي والسفلي: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾ أي: جعلناها سقفًا محفوظًا (١) رفيعًا ﴿بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوة، قاله ابن عباس (٢) وغيره، ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي: قد (٣) وسعنا أرجاءها ورفعناها بغير عمد، حتى استقلت كما هي، ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾ أي: جعلناها فراشًا للمخلوقات، ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ أي: وجعلناها مهادًا لأهلها، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ أي: جميع المخلوقات أزواج، سماء وأرض، وشمس وقمر، وليل ونهار (٤)، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات والنبات، ولهذا قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له، ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: الجؤوا إليه واعتمدوا في أموركم عليه،

стр. 893

﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: ولا تشركوا به شيئًا ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (١). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: من لم يفر إلى الله فقد فر من الله، ومن فر من الله يدركه لا محالة، فإنه لا يفوته هاربه، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِي وَلَا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢] اللهم اجعلنا ممن فر إليك يا رب العالمين، فآويته ونصرته وأسعدته في دنياه وأخراه. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨] قال (ك): «يقول ﷻ : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إنما خلقتهم لأمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم، رو (ع، د، ت، ن) عن ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله ﷺ (إني أنا الرزاق ذو القوة المتين) (٢) ومعنى الآية أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم فهو خالقهم ورازقهم (٣).

стр. 894

فصل قال محمد تقي الدين: جعل الله سعادة البشر وسائر المخلوقين من العقلاء في عبادته وحده لا شريك له، وجعل شقاء من شقي منهم في الشرك به والكفر به وبرسله، وارتكاب معصيته، وجعلهم فريقين فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير، نسأل الله أن يجعلنا ممن وحده واتبع رسوله، والعبادة لا تقبل إلا بالتوحيد، وقد تقدم بيان ذلك، وسيأتي إن شاء الله. اهـ.

стр. 895

سورة الطور الباب الأول قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦]. قال (ك)، «هذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الإلهية (١)، فقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ أي: أوجدوا من غير موجد، أم هم أوجدوا أنفسهم؟ أي: لا هذا ولا هذا، بل الله هو الذي خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا، قال البخاري بسنده (٢) عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: «سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾ كاد قلبي أن يطير». ثم قال تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ أي: أهم خلقوا السموات والأرض؟ وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله، وهم يعلمون أنه الخالق وحده لا شريك له، ولكن عدم إيقانهم هو الذي يحملهم على ذلك» (٣). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: إن الذين يقولون: إن العالم مخلوق من غير خالق، وموجود بغير موجد، وصنعة متقنة بلا صانع، فئة قليلة من البشر، وهم أضل من

стр. 896

البقر، ولا يحاولون إقناع النَّاس بالحجة والبرهان العَقلي، بل يشهرون السَّيف في وُجوه العَوام، ويقهرونهم بالنَّار والحديد، ويحرمون عليهم التَّفكير بعقولهم، حتى يجعلُوهم بباغاوات، يمدحون ما لا يعلمون، ويذمُّون ما لا يعلمون، وكُل عاقل لا يُريد أن يخادع نفسه، ولا أن يخادع النَّاس لا يستطيع أن يتصور فضلًا عن أن يصدق أن هذا العالم موجود بلا صانع، وأن صانعه الطبيعة الصَّماء البَكماء العَمياء؛ التي ليس لها علم ولا إرادة ولا اختيار. ولمَّا رجعت إلى المغرب بقصد الاستقرار فيه بعد الثَّورة الأولى في العراق، وما ارتكبه الشيوعيون هناك من الغشم وإراقة الدِّماء بدون تمييز، دعتني إدارة مجلة «دعوة الحقِّ» إلى نشر مقالات فيها لإنقاذ الشَّباب، وبعض الكُهول ممَّا وقعوا فيه من الخبط في العقائد فعمدت إلى كتاب «الإنسان لا يقوم بنفسه» MAN does not - stand alone تأليف رئيس المجمع العلمي في الوِلاية المتحدة سابقًا، الأستاذ الدكتور كريسي موريسن، وترجمته بالعربية، وشرحته وعلَّقت عليه، ونشرته في أربع وعشرين مقالة في «دعوة الحقِّ» (١) وسأذكر هنا منه دليلًا واحدًا بدأ به المصنف مُقدِّمة كتابه، وأحيل القارئ على مُطالعة هذا الكتاب، أصله الإنكليزي، أو ترجمتي له، وقد طُبع في بيروت باسم «الطريق إلى الله» (٢) ودونك المثال: قال المُؤلِّف: المذكور في أول الكتاب، افترض أنك أخذت عشرة أفلس، وكتبت على كل واحد رقمًا مُبتدئًا من واحد إلى عشرة، ثم وضعت الأفلس العشرة في كيس، ثم هززت الكيس هزًّا عنيفًا حتى اختلطت الأفلس بعضُها ببعض، ثم أردت أن تخرج تلك الأفلس على أن تصادف يدك عند إدخالها الكيس في المرة الأولى؛ الفلس المرقوم بواحد، وفي المرة الثانية الفلس المرقوم برقم اثنين، وفي الثالثة الفلس المرقوم برقم ثلاثة .. وهكذا إلى آخرها على الترتيب، فكم يكون حظك من النجاح في المرة الأولى أن تصادف الفلس المرقم برقم واحد؟ يكون

стр. 897

عشرة في المائة، وفي المرة الثانية الفلس المرقم برقم اثنين. على التوالي يكون واحدًا في المائة، فإن أردت أن تدخل يدك في الكيس ثلاث مرات متوالية، وتصادف المرة الأولى الفلس المرقوم برقم واحد، وفي المرة الثانية الفلس المرقوم برقم اثنين وفي المرة الثالثة الفلس المرقوم برقم ثلاثة، فإن حظك من النجاح يكون واحدًا في ألف، وإن أردت أن تصادف الأول والثاني والثالث والرابع على التوالي، فإن حظك من النجاح يكون واحدًا من عشرة آلاف، وقس على ذلك إلى العاشر، فإن حظك من النجاح أن تصادف يدك الفلس المرقوم برقم واحد، إلى الفلس المرقوم برقم عشرة، على التوالي يبلغ رقمًا لا يتصوره العقل، وهو واحد من عشر ملايين. والغرض من ضرب هذا المثل السهل الإدراك أن نبين مقدار استحالة قول من يزعم أن هذا العالم تم خلقه وتدبيره بالمصادفة، فإن هناك شروطًا لازمة لوجود الحياة على أرضنا هذه، وهذه الشروط لا يمكن أبدًا من الوجهة الحسابية أن توجد كلها بالنسب المطلوبة بالمصادفة المجردة على أي أرض، في أي أرض في أي زمان، لذلك يتحتم أن يكون وراء الطبيعة كائن عالم مدبر، إذا علمت ذلك، وهو حق، تعلم يقينًا أن خلق هذا العالم مقصود ومقرر قبل وجوده تقديرًا دقيقًا. البَابُ الثَّانِي قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] قال (ك): ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأوثان والأصنام (١) مع الله، ثم نزه نفسه الكريمة عما يقولون ويفترون ويشركون فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢). فصل قال محمد تقي الدين: تقدم في مواضع أخرى أن معنى إله معبود، ولذلك كان مفتاح الإسلام «لا إله إلا الله» فقائلها بالصدق يشهد على نفسه ويعاهد ربه

стр. 898

أنه لا يعبد إلا الله، ولكن أكثر من يقولها في هذا الزمان لا يعرفون معناها ولا يفكرون فيه، ولا يبحثون عنه، فتكون أقوالهم وعقائدهم وأفعالهم مضادة لـ (لا إله إلا الله) ويكونون أعداءها وهم لا يشعرون، فالمغربي حين يقول: «يا فكاك الوحائل، يا مناع الرحايل، يا غياث أصحابه في الضيقات، يا مولاي عبد القادر الجيلاني» معناه: يا من ينقذ من استغاث به في الشدائد، ويغيث من التجأ إليه عند الضيق، يا مولاي يا عبد القادر الجيلاني، فهذا يهدم لا إله إلا الله ويقضي عليها قضاء تامًا، لأن تلك الصفات التي جعلها أولئك الجهال لعبد من عباد الله هي خاصة بالله تعالى، فمن جعلها لغيره فقد كفر به. انظر (الباب الثالث) من (سورة النمل).

стр. 899

سورة النجم الباب الأول قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (١٩) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النجم: ١٩ - ٢٥]. قال (ك): «يقول تعالى مقرعًا للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان، واتخاذهم لها البيوت مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن ﵇: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾ وكانت (اللات) صخرة بيضاء منقوشة، وعليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم: ثقيف ومن تابعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب؛ بعد قريش، وقال البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ (كان اللات رجلًا يلت السويق للحاج) (١) قال (ج): وكذا العُزَّى من العزيز، وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين مكة (٢) والطائف، كانت قريش يعظمونها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: «لنا العزى ولا عزى لكم» فقال رسول الله ﷺ : «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم» (٣). وروى (غ) بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف فقال في حلفه واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله. ومن قال لصاحبه:

стр. 900

تعال أقامرك فليتصدق (١) فهذا (٢) محمول على من سبق لسانه في ذلك، كما كانت ألسنتهم قد اعتادته من (٣) زمن الجاهلية، وروى (ن) بسنده عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: حلفت باللات والعزى فقال أصحابي: بئس ما قلت قلت هجرًا! فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: «قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وانفث عن شمالك ثلاثًا، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم لا تعد» (٤). وأما (مناة) فكانت بالمُشلَّل عند قُديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها، ويهلون منها للحج إلى الكعبة، روى البخاري عن عائشة نحوه (٥)، وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أُخر تعظمها العرب كتعظيم الكعبة غير هذه الثلاثة التي نص عليها في كتابه العزيز، وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها، قال ابن إسحاق في «السيرة»: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت (٦) تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، ويهدى (٧) لها كما يهدى للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم ﵇، ومسجده؛ فكانت لقريش ولبني كنانة العزى بنخلة، وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم، حلفاء بني هاشم (قلت): «بعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فهدمها، وجعل يقول: يا عُزَّى كُفْرانَكِ لا سُبْحَانَكِ … إِنِّي رأيتُ اللَّهَ قَدْ أهانَكِ» (٨)

стр. 901

ثم قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى﴾ أي: أتجعلون له ولدًا وتجعلون ولده أنثى وتختارون لأنفسكم الذكور؟ فلو اقتسمتم أنتم ومخلوق مثلكم هذه القسمة لكانت قسمة ضيزى، أي: جورًا باطلة، فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جورًا وسفهًا، ثم قال تعالى منكرًا عليهم فيما ابتدعوه وأحدثوه من الكذب والافتراء والكفر من عبادة الأصنام وتسميتها آلهة ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ أي: من تلقاء أنفسكم، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: من حجة، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾ أي: ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم في رياستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين، ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ أي: ولقد أرسل الله إليهم الرسل بالحق المنير والحجة القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاؤوهم به ولا انقادوا له، ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ أي: ليس كل من تمنى خيرًا حصل له، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣]، ما كل من زعم أنه مهتد يكون كما قال، ولا كل من ود شيئًا يحصل له، وقوله: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ أي: إنما الأمر كله لله، ملك الدنيا والآخرة، والمتصرف في الدنيا والآخرة، فهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن» (١). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: الحلف بغير الله من الشرك، قال النبي ﷺ : «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٢)، رواه (أ) (ت) عن ابن عمر وإسناده حسن. وقال النبي ﷺ : «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (٣). ومتى فشا ظلام الشرك في قوم وغاب عنهم نور التوحيد كثر فيهم الحلف بغير الله، فإذا تاب الواحد منهم من الشرك تبقى فيه عادة الحلف بغير الله، ويجري على لسانه دون أن يقصده (٤)، فمن وقع له مثل ذلك فكفارته أن يقول:

стр. 902

لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ويجتهد أن لا يعود إلى ذلك، فإن كان صادقًا لا تمر عليه إلا مدة قليلة حتى تزول عنه تلك العادة، ويتعود الحلف بالله وحده، كما وقع لأصحاب رسول الله ﷺ (١)، وكذلك الذي اعتاد أن يهتف باسم شيخ عند قيامه وقعوده، وعند ما يصيبه فزع إذا تاب من الشرك، يعود نفسه ترك ذلك، وإذا جرى لسانه بذلك بدون قصد يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وكذلك الذي اعتاد أن يقول: لولا الله وفلان لوقع كذا وكذا، إذا تاب من الشرك يعود نفسه أن يقول: لولا الله ثم فلان. اهـ. وقول النبي ﷺ : «من قال لصاحبه: تعال أقامرك» (٢) دون أن يقصد القمار يتصدق بما يسر الله له فتكون تلك الصدقة كفارة لذلك القول وزجرًا عن العود لمثله». وقولهم: قلت هجرًا، الهجر: الكلام القبيح. قال محمد تقي الدين: فائدة ثانية: من سوء حظنا في هذا الزمان أننا نرى أوثانًا لها بيوت وأفنية يذبح لها ويطاف بها، وتُقبَّل ويتمسح بها بقصد التبرك أكثر مما كان عند العرب، ونحن عاجزون عن هدمها، لأن عبادها لا يزال عددهم كثيرًا، ولكننا نستطيع القضاء عليها إذا وفقنا الله تعالى بدعوة الناس إلى هجرها والكفر بها، فيطول عليها الزمان فتتهدم من تلقاء نفسها، ويستريح الناس من شرها (٣).

стр. 903

سورة المجادلة الباب الأول قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. قال (ك): يقول تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ أي: لا يوادون المحادين ولو كانوا من الأقربين، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ الآية، وقد قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنزلت هذه الآية ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ … ﴾ إلى آخرها في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر (١)، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ حين جعل الأمر شورى بعده في أولئك الستة: «لو كان

стр. 904

أبو عبيدة حيًّا، لاستخلفته (١)». وقيل في قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾: نزلت في أبي عبيدة حين قتل أباه يوم بدر ﴿أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ في الصديق هم يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن (٢) ﴿أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير (٣)، ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ في عمر قتل قريبًا له يومئذ أيضًا، وفي حمزة وعلي، وعبيد بن الحارث، قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ (٤)، والله أعلم، قلت: ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله ﷺ المسلمين في أسارى بدر فأشار الصديق بأن يفادوا فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين وهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله تعالى أن يهديهم، وقال عمر: لا أرى ما رأى، يا رسول، هل تمكنني من فلان قريب لعمر فأقتله، وتمكن عليًّا من عقيل، وتمكن فلانًا من فلان، ليعلم الله (٥) أنه ليس في قلوبنا هوادة (٦) بكمالها (٧). للمشركين … (٨) القصة بكمالها. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي: من اتصف بأنه لا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أباه أو أخاه، فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان، أي: كتب له السعادة وقررها في قلبه وزين الإيمان في بصيرته قال السدي: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾، أي (٩): جعل في قلوبهم الإيمان (١٠)، وقال ابن عباس: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، أي: قواهم. وقوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١١)، وفي قوله

стр. 905

تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ سر بديع، وهو: أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى عوضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: هؤلاء حزب الله أي: عباد الله وأهل كرامته، وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تنويه بفلاحتهم وسعادتهم ونصرتهم (١) في الدنيا والآخرة؛ في مقابلة ما ذكر (٢) عن أولئك بأنهم حزب الشيطان، ثم قال: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] وعن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدًا ولا نعمة فإني وجدت فيما أوحيته: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣)؛ قال سفيان: إنها أنزلت في من يخالط السلطان» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: إن تحقيق التوحيد الذي دلت عليه لا إله إلا الله عزيز الوجود كالكبريت الأحمر، وله شروط: أولها: أن يوحد العبد ربه في ربوبيته وألوهيته، وهي: العبادة، فلا يجعل من عبادته لغير الله مثقال ذرة أو أقل من ذلك. ثانيهما: أن يكفر بعبادة غير الله ولو كانت للأنبياء والملائكة. الثالث: أن يتبرأ من المشركين بصريح العبارة، فإن لم يقدر فبقلبه مع اجتهاده في الهجرة إلى بلد يمكنه فيه التصريح بذلك. الرابع: أن يعادي المشركين في الدين. الخامس: أن يحب الموحدين ويواليهم، ويتعاون معهم في إعلاء كلمة

стр. 906

الحق، وهذه الشروط الخمسة لا تقبل منه إلا إذا ضم إليها شهادة أن محمدًا رسول الله ولها شروط: أولها: أن يقول بلسانه: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ثانيها: أن يعرف معنى الشهادتين. ثالثها: أن يعرف الضروري مما جاء به الرسول ﷺ ، وهو كل ما فرض الله عليه في الإسلام. خامسها (١): أن لا يرد شيئًا مما جاء به النبي ﷺ . سادسها: أن يرد كل نزاع مع غيره إلى كتاب الله وسنة رسوله. سابعها: أن يرضى بحكم الكتاب والسنة، ولو كان فيه قتله وقتل أعز الناس عنده. ثامنها: أن لا يجد في ذلك حرجًا أو كراهية في نفسه، والله الموفق.

стр. 907

سورة الحشر الباب الأول قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. قال (ك): «يقول» (١) تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ أخبر تعالى أنه الذي لا إله إلا هو فلا رب غيره ولا إله للوجود سواه، وكل ما يعبد من دونه فباطل، وأنه عالم الغيب والشهادة، أي: يعلم جميع الكائنات المشاهدات لنا والغائبات عنا، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، من جليل وحقير، وصغير وكبير، حتى الذر في الظلمات. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، ثم قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾ أي: المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة، وقوله تعالى: ﴿الْقُدُّوسُ﴾، معناه: «الطاهر» (٢). وقوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ أي: الذي آمن من شاء من عباده من الخوف، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] وقوله

стр. 908

تعالى: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ أي: الشاهد على خلقه بأعمالهم، بمعنى: هو رقيب عليهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ﴾: أي: الذي قد عز كل شيء فقهره وغلب الأشياء، فلا ينال جنابه لعزته وعظمته، وجبروته، وكبريائه، ولهذا قال تعالى: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ أي: الذي لا يليق الجبروت (١) إلا له، ولا التكبّر (٢) إلا لعظمته، كما تقدم، وفي «الصحيح»: «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته» (٣). ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ الخلق: التقدير، والبراء (٤) هو: الفري وهو التنفيذ، وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئًا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله . قال الشاعر يمدح آخر (٥): ولأنت تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ … ـضُ القوم يَخلُقُ ثم لا يفري (٦) أي: أنت تنفذ ما خلقت، أي: قدرت بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع [أن ينفذ] (٧) ما يريد. وقوله تعالى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ أي: إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، على الصفة التي يريد والصورة التي يختار، كقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ ولهذا قال: ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ أي: الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها، وقوله تعالى: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، في «الصحيحين» عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر» (٨)، وذكر الترمذي (٩) الأسماء التسعة والتسعين.

стр. 909

فصل قال محمد تقي الدين: وقد نظمها العلامة أحمد بن عبد العزيز الهلالي (١) في قصيدة يقول في أولها: إذا نابني خَطْبٌ وَضَاقَ بِه صَدْرِي … تلافاه لطف الله من حيث لا أدري ولا سيما إن جئتَه مُتوسّلًا … بأسمائه الحسنى المعظمة القدر فيا الله يا رحمان إني لذو فقر … وأنتَ رحيم مالك الخلق والأمر بقدسك قدوس سلام ومؤمن … مهيمن قدسني لدى السِّرِّ والجَهْرِ عزيز وجبار ويا متكبر … ويا خالق الخلق الفني أزمة الدهر ويا بارئ ما لي سواك مصوِّرٌ … وغَفَّارُ يا قهار جبرًا لذي كسر وهي مشهورة موجودة في المغرب، وقد ذكرتها بتمامها في آخر (القسم الثالث) من هذا الكتاب (٢)، وكذلك (القصيدة الضمياطية) (٣) تشتمل على أسماء الله الحسنى والتوسل بها إلى الله تعالى، ولكل صفة خاصة بها، فالقصيدة الهلالية أقل دعاء وأفصح لفظًا وكل بيت منها يشتمل على أربعة أسماء أو أكثر (٤)، وأما (الضمياطية) فألفاظها ركيكة ونظمها غير جيد، إلا أن كل بيت منها لا يزيد على اسمين (٥) والباقي كله دعاء، أولها بعد المقدمة: مِنَ اللهِ أرجُو أَمْنَ قلبِ تَوَجَّلًا … فبالأمن يا رحمان لا تبق موجلا وكُنْ يا رحيم راحمًا ضَعْفَ قُوَّتِي … ويا مالك كُنْ لي ملاذًا ومويلا ومن العجيب عند المغاربة - وما أكثر عجائبهم - أنهم يعتقدون أن من قرأها وأكثر قراءتها يصاب بالجنون؛ لأن لكل بيت منها خاصية، وخدامًا من الجن يقضون حاجة من دعا به، ولكنْ قَلَّ مَنْ يتغلب عليهم فيستجيبون له ويخدمونه، وأكثر من يحاول التغلب عليهم يهزم ويصاب بالجنون، حتى إن سكان الجزائر إذا رأوا شخصًا من حفاظ القرآن لم تعجبهم حاله يقولون: (هذا مُضَميط)، يعنون أنه فقد عقله بكثرة قراءة الضمياطية، والمغاربة ليسوا كاذبين فيما زعموا، فإن من قرأها للسحر

стр. 910

واستخدام الجن يصاب بالجنون والوسوسة وتجيئه خيالات تفتنه وتفسد عقله. أما من قرأها الله وتوسل إليه سبحانه بالأسماء الحسنى التي تضمنتها فإنه يرى خيرًا كثيرًا، والتوسل الصحيح المطابق لأدعية الكتاب والسنة الصحيحة إنما يكون بأسماء الله وصفاته، كما تقدم وكقول النبي ﷺ ، «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك» إلى آخره، وهو دعاء مشهور دعا به النبي ﷺ ، عند رجوعه من الطائف، وأوله: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي» (١). وبالأعمال الصالحة كما في حديث أصحاب الغار الذين توسل كل واحد منهم إلى الله تعالى بأفضل أعماله، وهو في «البخاري» (٢). وأما التوسل بالأشخاص والإقسام بهم على الله تعالى فهو بدعة، انظر كتاب «التوسل والوسيلة» (٣) لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، وأما حديث الأعمى (٤) الذي يتشبث به المخالف فلا حجة فيه؛ لأن النبي ﷺ دعا له وشفع له عند الله، يضاف إلى ذلك أن الحديث ضعيف، انظر كتاب «صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان» (٥) للشيخ بشير السهسواني الهندي رحمة الله. وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فلا يرام جنابه في شرعه وقدره.

стр. 911

سورة الممتحنة الباب الأول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة: ١ - ٦] قال (ك): «سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة، قصة حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن حاطبًا هذا كان رجلًا من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضًا، وكان له بمكة مال وأولاد (١)، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفًا لعثمان، فلما عزم رسول الله ﷺ على فتح مكة لما نقض أهلها العهد، فأمر

стр. 912

النبي ﷺ المسلمين بالتجهيز لغزوهم (١)، وقال: «اللهم عمّ عليهم خبرنا» (٢). فعمد حاطب هذا فكتب كتابًا وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم عليه رسول الله ﷺ [من غزوهم] (٣) ليتخذ بذلك عندهم يدًا، فأطلع الله تعالى على ذلك رسوله (٤) استجابة لدعائه، فبعث في أثر المرأة فأخذ الكتاب منها. وهذا بين في هذا الحديث المتفق على صحته، رواه الجماعة إلا ابن ماجه بسندهم عن علي قال: «بعثني رسول الله ﷺ ، أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها»، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب. قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «يا حاطب! ما هذا؟» قال: لا تعجل عليّ إني كنت امرأ ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «إنه صدقكم»، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله ﷺ له: «قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٥). فقوله (٦) تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾؛ يعني:

стр. 913

المشركين والكفار الذين هم محاربون الله ولرسوله وللمؤمنين (١) الذين شرع الله عداوتهم، ومصارمتهم، ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤] وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ولهذا قبل رسول الله ﷺ عذر حاطب لما (٢) ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد. وقال الإمام أحمد بسنده (٣) عن حذيفة قال: ضرب لنا رسول الله ﷺ مثلًا قال: «إن قومًا كانوا أهل ضعف ومسكنة، قاتلهم أهل تجبر وعداء، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا (٤) إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه». وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم، لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة الله وحده [لا شريك له] (٥)، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أي: لم يكن لكم عندهم [من] ذنب، إلا إيمانكم بالله رب العالمين، كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ

стр. 914

الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠]. وقوله (١) تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ أي: إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم، فلا توالوا أعدائي وأعداءكم، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم حنقًا عليكم وسخطًا لدينكم. وقوله تعالى: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أي: تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ﴾ أي: لو قدروا عليكم لما اتقوا فيكم من أذى ينالونكم (٢) بالمقال والفعال، ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: ويحرصون (٣) أن لا تنالوا خيرًا فهم عداوتهم لكم كامنة ظاهرة، فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا (٤) تهييج على عداوتهم أيضًا. وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنفَعَكُمْ﴾ (٥) عند الله إذا أراد الله بكم سوءًا، ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخسر عمله وضل (٦)، ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد، ولو كان قريبًا من نبي من الأنبياء، قال الإمام أحمد بسنده عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: «في النار» فلما قفى دعاه فقال: «إن أبي وأباك في النار» (٧). وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ … ﴾ إلى آخره، قال (ك): يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكفار (٨).

стр. 915

وعداوتهم ومجانبتهم والتبرؤ منهم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: وأتباعه الذين آمنوا معه ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾: تبرأنا منكم ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي: بدينكم وطريقتكم (١)، ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾؛ يعني: وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم ما دمتم على كفركم، فنحن أبدًا نتبرأ منكم ونبغضكم ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ أي: إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد (٢). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ أي: لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة تتأسون بها إلا في استغفار إبراهيم لأبيه، فإنه إنما كان ﴿عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ وذلك أن بعض المؤمنين كانوا يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك ويستغفرون لهم، ويقولون: إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه فأنزل الله (٣) تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣، ١١٤]. وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ليس لكم في ذلك أسوة، أي: في (٤) الاستغفار للمشركين.
следующие страницы →