← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

سورة الممتحنة الباب الأول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة: ١ - ٦] قال (ك): «سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة، قصة حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن حاطبًا هذا كان رجلًا من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضًا، وكان له بمكة مال وأولاد (١)، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفًا لعثمان، فلما عزم رسول الله ﷺ على فتح مكة لما نقض أهلها العهد، فأمر

стр. 912

النبي ﷺ المسلمين بالتجهيز لغزوهم (١)، وقال: «اللهم عمّ عليهم خبرنا» (٢). فعمد حاطب هذا فكتب كتابًا وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم عليه رسول الله ﷺ [من غزوهم] (٣) ليتخذ بذلك عندهم يدًا، فأطلع الله تعالى على ذلك رسوله (٤) استجابة لدعائه، فبعث في أثر المرأة فأخذ الكتاب منها. وهذا بين في هذا الحديث المتفق على صحته، رواه الجماعة إلا ابن ماجه بسندهم عن علي قال: «بعثني رسول الله ﷺ ، أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها»، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب. قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «يا حاطب! ما هذا؟» قال: لا تعجل عليّ إني كنت امرأ ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «إنه صدقكم»، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله ﷺ له: «قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٥). فقوله (٦) تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾؛ يعني:

стр. 913

المشركين والكفار الذين هم محاربون الله ولرسوله وللمؤمنين (١) الذين شرع الله عداوتهم، ومصارمتهم، ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤] وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ولهذا قبل رسول الله ﷺ عذر حاطب لما (٢) ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد. وقال الإمام أحمد بسنده (٣) عن حذيفة قال: ضرب لنا رسول الله ﷺ مثلًا قال: «إن قومًا كانوا أهل ضعف ومسكنة، قاتلهم أهل تجبر وعداء، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا (٤) إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه». وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم، لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة الله وحده [لا شريك له] (٥)، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أي: لم يكن لكم عندهم [من] ذنب، إلا إيمانكم بالله رب العالمين، كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ

стр. 914

الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠]. وقوله (١) تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ أي: إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم، فلا توالوا أعدائي وأعداءكم، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم حنقًا عليكم وسخطًا لدينكم. وقوله تعالى: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أي: تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ﴾ أي: لو قدروا عليكم لما اتقوا فيكم من أذى ينالونكم (٢) بالمقال والفعال، ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: ويحرصون (٣) أن لا تنالوا خيرًا فهم عداوتهم لكم كامنة ظاهرة، فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا (٤) تهييج على عداوتهم أيضًا. وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنفَعَكُمْ﴾ (٥) عند الله إذا أراد الله بكم سوءًا، ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخسر عمله وضل (٦)، ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد، ولو كان قريبًا من نبي من الأنبياء، قال الإمام أحمد بسنده عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: «في النار» فلما قفى دعاه فقال: «إن أبي وأباك في النار» (٧). وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ … ﴾ إلى آخره، قال (ك): يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكفار (٨).

стр. 915

وعداوتهم ومجانبتهم والتبرؤ منهم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: وأتباعه الذين آمنوا معه ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾: تبرأنا منكم ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي: بدينكم وطريقتكم (١)، ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾؛ يعني: وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم ما دمتم على كفركم، فنحن أبدًا نتبرأ منكم ونبغضكم ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ أي: إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد (٢). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ أي: لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة تتأسون بها إلا في استغفار إبراهيم لأبيه، فإنه إنما كان ﴿عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ وذلك أن بعض المؤمنين كانوا يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك ويستغفرون لهم، ويقولون: إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه فأنزل الله (٣) تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣، ١١٤]. وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ليس لكم في ذلك أسوة، أي: في (٤) الاستغفار للمشركين.

стр. 916

ثم قال تعالى مخبرًا عن قول إبراهيم والذين معه حين فارقوا قومهم وتبرؤوا منهم، فلجؤوا إلى الله وتضرعوا إليه، فقالوا: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: توكلنا عليك في جميع الأمور، وسلمنا أمورنا إليك، وفوضناها إليك، ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المعاد في الدار الآخرة ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) معناه: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا. وقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: واستر ذنوبنا عن غيرك، واعف عنها فيما بيننا وبينك، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ أي: الذي لا يضام من لاذ بجانبك، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقوالك وأفعالك، وشرعك وقدرك، ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ وهذا تأكيد لما تقدم، ومستثنى منه ما تقدم أيضًا، لأن هذه الأسوة المثبتة ههنا هي الأولى بعينها. وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ تهييج إلى ذلك لكل مؤمن بالله والمعاد، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: عما أمر الله به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٢) والغني هو الذي قد كمل في غناه، وهو الله، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء وليس كمثله شيء، سبحان (٣) الله الواحد القهار، والحميد المحمود في جميع أقواله وأفعاله، لا إله غيره ولا رب سواه (٤). فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: قصة حاطب بن أبي بلتعة تدل على بعد نظر النبي ﷺ وسعة حلمه وكرمه، فإنه غفر لهذا الرجل هذه الخطيئة مع شدة خطرها، لأنها سيئة واحدة تقابلها حسنات كثيرة، وأعظمها كونه من أهل بدر، قال الشاعر وأجاد: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد … جاءت محاسنه بألف شفيع (٥)

стр. 917

على أنَّ الله سبحانه كفى نبيه والمؤمنين شر هذه الخطيئة، فإنه أطلع نبيه عليها فأرسل الفرسان الثلاثة، وجاؤوا بالكتاب، فبقي أهل مكة في غفلة حتى أخذوا على غرة، والنبي ﷺ أحلم الناس وأحزمهم، والجمع بين الحلم والحزم هو الكمال. قال محمد تقي الدين: فائدة ثانية من والى العدو فهو عدو، قال الشاعر (١): تُحِبُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّني … صَديقُكَ إِنَّ الحُبَّ عَنْكَ لَعَازِبُ ولا يتم توحيد أحد ولا يكون مخلصًا دينه الله حتى يحب في الله ويبغض في الله، ويوالي الله ويعادي الله، ولا يداهن أحدًا من المشركين، بل يعلن لهم عداوته لدينهم وتبرؤه منه، وقد وضح الله ذلك بقوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾ أي: اقتداء في إبراهيم والذين معه ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فمن أقرَّ أهل الشرك على شركهم فهو مشرك، وإن كان يعتقد بطلان الشرك وصحة التوحيد. ألا ترى أن الله سبحانه سمى علماء اليهود مؤمنين بالطاغوت، لما استحسنوا ما عليه المشركون حين ذهبوا إلى مكة ليحرضوا أهلها على قتال النبي ﷺ ، فسألهم أهل مكة: أينا أهدى سبيلًا نحن أم محمد؟ فقال علماء اليهود أنتم أهدى سبيلًا، فأنزل الله تعالى فيهم من سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١، ٥٢] (٢) ولم يكن اليهود يؤمنون بطاغوت أهل مكة، ولكن لما أقروهم على ذلك سماهم الله مؤمنين به، هذا في الموالاة في الدين. وأما المعاملة في أمور الدنيا كالبيع والشراء ونحوه فجائزة، ومعاملة المعاهدين بالعدل والبر جائزة، لقوله تعالى في هذه السورة: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ

стр. 918

الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وقال تعالى في المائدة: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٢، ١٣] قال (ك): «قال البخاري (١) بسنده عن عائشة: إن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله ﷺ : «قد بايعتك» كلامًا ولا [مصافحة] (٢) والله ما مست يده يد امرأة في المبايعة قط، ما يبايعهن إلا بقوله: «قد بايعتك على ذلك». وروى (ت) و (ع) و (ن) (٣) عن أميمة بنت رقيقة (٤) قالت: أتيت النبي ﷺ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئًا … الآية، وقال: «فيما استطعتن وأطقتن»، قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله ألا تصافحنا؟ قال: «إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة

стр. 919

كقولي لمائة امرأة» (١). قال محمد تقي الدين: وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ أخذ العهد على النساء زيادة على ما في القرآن أن لا يخن ولا يغششن أزواجهن ولا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى (٢)، وفسر النبي ﷺ غش المرأة زوجها أن تأخذ من مال زوجها وتحابي به غيرها. وعن هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان أنها قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل علي جناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول الله ﷺ : «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك» (٣) (م). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ وهذا يشمل قتله بعد وجوده كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق، ويعم قتله وهو جنين، كما يفعله بعض الجاهلات من النساء تمنع نفسها بدواء أو غيره، لئلا تحبل إما لغرض فاسد أو ما أشبهه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ أي: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم، ويشهد لهذا الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول حين نزلت آية الملاعنة: «أَيُّمَا امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين» (٤).

стр. 920

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾. قال (ك): «ينهى ﵎ عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة كما نهى عنها في أولها، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني: اليهود والنصارى وسائر الكفار؛ ممن غضب الله عليه ولعنه واستحق من الله الطرد والإبعاد، فكيف توالونهم وتتخذونهم أصدقاء وأخلاء؟ وقد يئسوا من الآخرة، أي: من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله . وقوله تعالى: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ أي: كما يئس الكفار الأحياء من قرابتهم (١) الذين في القبور، أن يجتمعوا بهم بعد ذلك، لأنهم لا يعتقدون بعثًا ولا نشورًا، فقد انقطع رجاؤهم منهم فيما يعتقدونه (٢). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين فائدة: جعل الحافظ (ك) قتل الولد بعد الولادة كقتله وهو جنين في بطن أمه، وبقي لنا أن نعرف ما حكم قتله وهو نطفة، والجواب - والله أعلم - إن إفساد النطفة إن كان للمحافظة على صحة الوالدة أو حفظ حياتها أو على صحة الأولاد كأن تكون مغايلة تلد في كل سنة ولدًا وليس لها من يعينها على تربيتهم فيجوز لها أن تشرب دواء منع الحمل (٣) حتى ترضع ولدها سنتين، وبعد ذلك يحرم عليها أن تشربه. أما من يفعل ذلك لضيق المعيشة فهو فاسق آثم، لا يؤمن بأن الله لا يخلق مخلوقًا إلا وقد أعد له رزقه، وقد ألفت في ذلك جزءًا سميته: «الكواكب الدرية في حكم تحديد الذرية والسلامة من الأمراض المعدية» (٤) وأبطلت كل حجة

стр. 921

يحتج بها المخالفون، وحسبهم دليلًا على بطلان مذهبهم ما رواه مسلم والخمسة عن جذامة بنت أخت عكاشة قالت: حضرت رسول الله ﷺ في ناس وهو يقول: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرتُ في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم ولا يضر أولادهم ذلك شيئًا» ثم سألوه عن العزل؟ فقال رسول الله ﷺ : «ذلك الوأد الخفي، وهو المؤودة الصغرى» (١). اهـ. قال محمد تقي الدين: والوأد الجلي هو دفن البنت وهي حية، وكانت العرب تفعل ذلك خشية أن تكبر وتزني، فيلحقهم عارها. وتأمل تقديم عدم الشرك بالله على السرقة والزنا وقتل النفس والبهتان تزدد يقينًا أن التوحيد هو كل شيء، وبدونه لا يقبل شيء، وإن الشرك هو الذنب الأكبر الذي لا يغفر. فائدة ثانية: تأمل نهي الله تعالى عن موالاة الكفار في الآيات الأولى من هذه السورة، ثم ختمه السورة بذلك، تعلم أن من لم يتبرأ من الشرك وأهله لا يكون موحدًا.

стр. 922

سورة الصف الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٧ - ٩]. قال (ك): يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب على الله ويجعل له أندادًا وشركاء وهو يدعى إلى التوحيد والإخلاص، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، أي: يحاولون أن يردوا الحق بالباطل، ومثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس بفيه، وكما أن هذا مستحيل كذلك (١) ذلك مستحيل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. اهـ. وقد تقدم الكلام على هاتين الآيتين في سورة براءة بما فيه كفاية، والله الحمد والمنة» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: الذين يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم في هذا الزمان أصناف:

стр. 923

أولهم: المرتدون الذين كفروا بالله تقليدًا لدعاية كاذبة خاطئة، وهذه الدعاية شائعة في البلدان التي كان أهلها متمسكين بالإسلام في الأزمنة الغابرة في آسية وإفريقية، وحاصلها: إن الإسلام إن كان صالحًا في الزمن الماضي لترقية الشعوب، وأخذ نصيبها من القوة المادية، وتحصيل المعيشة السعيدة والسيادة الكاملة، فإنه في هذا الزمان لا يتفق مع الأخذ بأسباب الحضارة والرقي، فكل أمة تمسكت به تبقى متأخرة تسير إلى الوراء، ولا تكاد تدرك شيئًا من الحضارة العصرية، فإذا قيل لهم: وما دليلكم على هذا؟ يزعمون أن الأوروبيين تركوا دينهم وتقدموا، فلا يمكن أن نتقدم إلا إذا سلكنا سبيلهم. فنقول لهم: أولًا نحن لا نسلّم أبدًا أن الأوروبيين تركوا دينهم، فإنهم لا يزالون متمسكين به، ولا نكلفكم أن تذهبوا إلى بلادهم لتعلموا أنكم كاذبون، بل نرشدكم إلى أدلة في بلادكم، فعدوا الإرساليات والكنائس التي في بلادكم للطوائف المختلفة من النصارى تجدوها كثيرة، فيها رجال ونساء قد تغربوا عن أوطانهم وتحملوا الشدائد والأخطار في سبيل نشر دينهم، وقد سمعتم عدد من قتل منهم في كونكو، ولا حاجة بكم إلى أن تبحثوا عن جهودهم في البلاد الأخرى، فحسبكم ما يصنعون في بلادكم، وما أسسوه من الوسائل الطبية والتعليمية، ولكنكم تكذبون وتغالطون وتقلدون، ثم انظروا إلى الحرب القائمة في إيرلندا بين الكاثولكيين والبروتستانتيين منذ سنين ولا سبب لها إلا الاختلاف في الدين. على أن دينهم وإن كان لا يصلح للحضارة، فإن ديننا ليس كدينهم، والعالم كله يشهد بعظمة الحضارة التي أسسها المسلمون في العصور التي كان الإسلام فيها قويًا عزيزًا، وحسبكم أن الإسلام في أواخر زمانه تصارع مع الصليب في الحروب الصليبية مدة مائة وتسعين سنة، فانهزم الصليبيون أمامه مع كثرة عددهم وعددهم. وسيقول المقلدون لأعداء الإسلام: هذا بكاء على الأطلال، أرونا ما صنع الإسلام في هذا الزمان، أقول لهم كما قلت من قبل: أوجدوا لي إسلامًا، أعطكم كل ما تريدون من قوة وعظمة وتقدم في جميع الميادين، فهل تريدون من المسلمين أن يقوموا من قبورهم ليدافعوا عنكم ويبنوا لكم حضارة جديدة؟ وقد جربتم الكفر التقليدي مئات السنين، فجربوا الإسلام سنة واحدة إن كنتم صادقين.

стр. 924

وثانيهم: المدَّعون للإسلام بألسنتهم مع عدم تطبيقه لا عقيدة ولا عبادة ولا حكمًا، فهؤلاء يدعون الإسلام بأقوال مجردة. والدَّعاوى ما لم يقيموا عليها … بيناتٌ أبناؤها أدعياء وثالثهم: الأعداء الخارجيون، وهم المتعصبون من النصارى في أوربة وأمريكة، والمتعصبون من الوثنيين في الهند وغيرها من الأمم الوثنية، ونحن نسمع المذابح التي تجري على المسلمين في أنحاء الهند وفي فليبين وفي أريتريا. رابعهم: علماء السوء، الذين باعوا دينهم بدين غيرهم، وكتموا الحق وغشوا شعوبهم جريًا وراء الحطام، فضيعوا الدين ولم يدركوا الدنيا، وهذه الأصناف تبذل جهودها لإطفاء ما بقي من نور الإسلام، وليس الإسلام بملوم، لأنه قد أسعد من تمسك به وخلّف كنوزًا عظيمة من الآثار والعلم والمعرفة التي لا يجحدها إلا من يجحد الشمس المشرقة في يوم الصحو ومضى حميدًا. تلك آثارنا تدلُّ عَلينا … فانْظُروا بعدنا إلى الآثار

стр. 925

سورة التغابن الباب الأول قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣] قال (ك): «يخبر تعالى (١) أنه الأحد الصمد الذي لا إله غيره، وقال (٢) تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فالأول خبر عن التوحيد ومعناه معنى الطلب، أي: وحدوا الإلهية له وأخلصوها له (٣) وتوكلوا عليه كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تدل على التوحيد بأنواعه، ومن أعظم ثمرة التوحيد: التوكل على الله في جلب الخير ودفع الشر، ومن توكل على مخلوق وكله الله إليه، فتأمل قول النبي ﷺ : «من تعلق شيئًا وكل إليه» (٥)، أتفهم هذا المعنى؟ فإن من تعلق تميمة أو حلقة من صفر يريد بذلك الشفاء من مرض واقع والتحصن به دفعًا لوقوعه، فقد أشرك. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب الله في كتاب «التوحيد» ما نصه: («باب ما جاء في الرقى والتمائم») في «الصحيح» عن أبي بشير الأنصاري [﵁] أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولًا أن لا يَبْقَيَنَّ في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت (٦). وعن ابن مسعود [﵁] قال: سمعت

стр. 926

رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» (١)، رواه (أ) و (د) وعن

стр. 927

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 928

عبد الله بن عكيم (١) مرفوعًا: «من تعلق شيئًا وكل إليه» (٢)، رواه (أ) و (ت)» (٣). عن سعيد بن جبير قال: «من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة» (٤). رواه وكيع، وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن» (٥). وعن عمران بن حصين أن النبي ﷺ رأى رجلًا في يده حلقة من صفر

стр. 929

فقال: «ما هذه؟». قال: من الواهنة، فقال: «انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا» (١). رواه (أ). و (الواهنة)؛ قال أبو السعادات (٢): «الواهنة عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها فيرقى منها، وقيل: هو مرض يأخذ في العَضُد (٣)، وهي تأخذ الرجال دون النساء، وإنما (٤) نهى عنها، لأنه إنما اتخذها على أنها تعصِمُه من الألم. وفيه اعتبار للمقاصد» (٥).

стр. 930

سورة الطلاق الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] قال (ك): «ومن يتق الله فيما أمره به وترك ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي: من جهة لا تخطر بباله، وروى الإمام أحمد بسنده عن أبي ذر قال: جعل رسول الله ﷺ يتلو علي الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ حتى فرغ من الآية ثم قال: «يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم، قال: فجعل يتلوها ويرددها علي حتى نعست، ثم قال: يا أبا ذر كيف تصنع إذا أخرجت من مكة؟» قال: قلت: إلى السعة والدعة إلى الشام والأرض المقدسة، قال: وكيف تصنع إذا أخرجت من الشام؟ قلت: إذًا والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي، قال: «أو خير من ذلك؟» قلت: أو خير من ذلك، قال: «تسمع وتطيع وإن كان عبدًا حبشيًا» (١). وفي المسند (٢) عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب».

стр. 931

فصل قال محمد تقي الدين: التقوى: امتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه، وأعظم ما أمر الله به توحيده، وأعظم ما نهى الله عنه الشرك به، فلو امتثل الإنسان جميع الأوامر إلا التوحيد، واجتنب جميع النواهي إلا الشرك، لكان من الخاسرين، وقد تقدمت الأدلة على ذلك.

стр. 932

سورة القلم الباب الأول قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤١ - ٤٣]. قال (ك): ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ أي: من الأصنام والأنداد، ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾. «لما ذكر تعالى أن للمتقين عند ربهم (١) جنات النعيم، بين متى ذلك كائن وواقع، فقال (٢) تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ يعني: يوم القيامة، وما يكون فيه من الأهوال والزلازل والبلاء (٣) والامتحان والأمور العظام، وقد روى البخاري ومسلم بسندهما عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا» (٤). وقوله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: في الدار الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدنيا، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه لما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم، كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة، إذا تجلى الرب فيسجد (٥) له المؤمنون، ولا يستطيع أحد من الكفار (٦).

стр. 933

وَالمُنَافِقِينَ أَنْ يَسجُد، بَلْ يَعودُ ظَهر أَحَدِهِمْ طَبَقًا وَاحِدًا، كُلَّمَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَسجُد خَرَّ عَلَى قَفَاهُ (١) عَكسَ السُّجُود، كَمَا كَانُوا فِي الدُّنيَا بِخِلَاف مَا عَلَيهِ المُؤمِنُون» (٢). فصل قَالَ مُحَمَّد تَقِي الدِّين: يُلبِسُ إِبلِيس عَلَى المُشرِكِينَ فِي الدُّنيَا وَيَلعَبُ بِهِم، فَيَزعُمُونَ أَنَّ شُرَكَاءَهُم وَأَولِيَاءَهُم يَقضُونَ حَاجَاتِهِم حِينَ يَستَغِيثُونَ بِهِم، وَلَكِنَّ الله تَعَالَى يَفضَحُهُم يَومَ القِيَامَة؛ وَيُظهِرُ كِذبَهُم، فَيَقُولُ لَهُمْ: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزعُمُونَ﴾، فَلَا يَجِدُونَ شَيئًا، وَيُجَلِّلُهُمُ الخِزيُ وَالعَار، وَيَتَبَرَّأُ مِنهُم إِبلِيس، فَيَندَمُونَ، وَلَاتَ سَاعَةَ مَندَم. وَحَدِيث: «يَكشِفُ الله عَنْ سَاقه» (٣). تَلَقَّاهُ الصَّحَابَة وَالتَّابِعُونَ بِالقَبُولِ وَالتَّسلِيم مَعَ تَنزِيهِ الله عَنْ مُشَابَهَة المَخلُوقِين وَرَدَّهُ الجَهْمِيَّةُ المُعَطَّلُون، فَيَخشَى عَلَيهِم أَنْ يَدعُوا إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَستَطِيعُونَ.

стр. 934

سورة نوح الباب الأول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠) قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح: ١ - ٢٥] قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عن نوح ﵇ أنه أرسله إلى قومه أمرًا له أن

стр. 935

يُنذرهم بأس الله قبل حلوله بهم، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بين النذارة ظاهر الأمر واضحه، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي: اتركوا محارمه واجتنبوا مآئمه، وأطيعوني فيما أمركم به وأنهاكم عنه ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ (١) ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: إذا فعلتم ما أمركم (٢) به وصدقتم ما أرسلت به إليكم غفر الله لكم ذنوبكم». قال (ك): «﴿من﴾ ههنا بمعنى: عن تقديره يصفح لكم عن ذنوبكم، ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: يمد في أعماركم، ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تجتنبوا ما (٣) نهاكم عنه أوقعه بكم، وقد يستدل بهذه الآية من يقول: إن الطاعة والبر وصلة الرحم يزاد بها في العمر حقيقة كما ورد به الحديث: «صلة الرحم تزيد في العمر» (٤).

стр. 936

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة، فإنه إذا أمر تعالى يكون (١) ذلك لا يرد ولا يمانع، فإنه العظيم الذي قد قهر كل شيء، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات (٢). وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ إلى قوله تعالى ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾. قال (ك): «يخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح (٣) ﵇ أنه اشتكى إلى ربه ما لاقى (٤) من قومه وما صبر عليهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عاما وما بين لقومه ووضح لهم ودعاهم إلى الرشد والسبيل (٥) الأقوم، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ أي: لم أترك دعاءهم في ليل ونهار (٦) امتثالا لأمرك وابتغاء لطاعتك. ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ أي: كلما دعوتهم ليتقربوا (٧) من الحق فروا منه، وحادوا عنه، ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ أي: سدوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه كما أخبر تعالى عن كفار قريش: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ أي: غطوا رؤوسهم لئلا يسمعوا ما يقول ﴿وَأَصَرُّوا﴾ أي: استمروا على ما هم فيه من الشرك والكفر العظيم الفظيع، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ أي: واستنكفوا (٨) عن اتباع الحق والانقياد له. ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ أي: جهرت بين الناس ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ أي: كلاما ظاهرا بصوت عال ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ أي: فيما بيني وبينهم، فنوع عليهم الدعوة لتكون أنجع (٩) فيهم ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ أي:

стр. 937

ارجعوا إليه وارجعوا عما أنتم فيه وتوبوا إليه من قريب، فإنه من تاب إليه تاب عليه ولو كانت ذنوبه مهما كانت (١) في الكفر والشرك، ولهذا قال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا﴾ أي: متواصلة الأمطار، وروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه صعد المنبر ليستسقي؛ فلم يزد على الاستغفار وقراءة الآيات في الاستغفار، ومنها هذه الآية ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا﴾ ثم قال: «لقد (٢) طلبت الغيث بمجاديح (٣) السماء الذي يستنزل بها المطر» (٤). وقوله تعالى: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ أي: إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه كثر الرزق عليكم وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وأدر لكم الضرع، وأمدكم بأموال وبنين، أي: أعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار خللها بالأنهار الجارية بينها. هذا مقام الدعوة بالترغيب. ثم عدل بهم إلى دعوتهم بالترهيب فقال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ أي: لا تعظمون الله حق عظمته أي: لا تخافون من بأسه ونقمته: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ معناه من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ أي: واحدة فوق واحدة وهذا يتلقى من جهة السمع فقط (٥)، وإنما المقصود أن الله : ﴿خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ

стр. 938

فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا أي: فاوت بينهما في الاستنارة، فجعل كلًا منهما نموذجًا (١) على حدة، ليعرف الليل والنهار بمطلع الشمس ومغيبها، وقدر للقمر (٢) منازل وبروجًا (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ هذا اسم مصدر والإتيان به ههنا أحسن ثُمَّ يُعِيدُكُمْ أي: إذا متم ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ أي: يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة، ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ أي: بسطها ومهدها وقررها وثبتها بالجبال الراسيات الشم الشامخات ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ أي: خلقها لكم لتستقروا عليها وتسلكوا فيها أين شئتم من نواحيها وأرجائها وأقطارها. وكل هذا مما ينبههم به نوح ﵇ على قدرة الله وعظمته في خلق السموات والأرض، ونعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأرضية، فهو الخالق الرازق (٤)، فهو الذي يجب أن يعبد ويوحد ولا يشرك به أحد، لأنه لا نظير له ولا عديل له ولا ند ولا كفء، ولا صاحبة ولا ولد، ولا وزير ولا مشير، بل هو العلي الكبير» (٥). وقوله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾، إلى قوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ قال (ك): يقول تعالى مخبرًا عن نوح ﵇ أنه أنهى إليه، وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء، أنه مع البيان المتقدم ذكره والدعوة المتنوعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى أنهم عصوه وخالفوه وكذبوه (٦)، واتبعوا أبناء الدنيا ممن غفل عن أمر الله، ومتّع بمال وأولاد، وهي في نفس الأمر استدراج

стр. 939

وإنظار لا إكرام، ولهذا قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ أي: عظيما باتباعهم في تسويلهم لهم أنهم على الحق، والحق (١) كما يقولون لهم يوم القيامة: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣٣] ولهذا قال ههنا: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. قال البخاري بسنده عن ابن عباس: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد: أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع: فكانت لهذيل، وأما يغوث: فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق: فكانت لهمدان، وأما نسر: فكانت لحمير لآل ذي كلاع، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذ هلك أولئك وتنسخ (٢) العلم عبدت» (٣). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ يعني: الأصنام التي اتخذوها أضلوا بها خلقا كثيرا، فإنه استمرت عبادتها في القرون إلى زمننا هذا في العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم، وقد قال الخليل ﵇ في دعائه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ دعاء منه على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم، كما دعا موسى على فرعون وملئه في قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] وقد استجاب الله لكل من النبيين في قومه، وأغرق أمته بتكذيبهم لما جاءهم به (٤). وقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾:

стр. 940

قال (ك): «يقول تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ وقرئ (١) (خطاياهم) ﴿أُغْرِقُوا﴾ أي: من كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم أي: نقلوا من تيار البحار إلى حرارة النار، ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنصَارًا﴾ أي: لم يكن لهم معين ولا مغيث، ولا مجير ينقذهم من عذاب الله» (٢). فصل قال محمد تقي الدين فائدة: قوله: (وقد يستدل بها على زيادة العمر، كما جاء في الحديث: «صلة الرحم تزيد في العمر») (٣). الذي عليه المحققون وبه نطق كتاب الله أن العمر الذي قدره الله تعالي لكل إنسان لا يزيد ولا ينقص، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١] وفي الحديث الصحيح: «إن الله تعالى يأمر الملك أن يكتب رزق الإنسان وأجله وعمله وشقي أو سعيد» (٤)، وفق ما علمه الله تعالى في الأزل. والبداء مستحيل على الله تعالى، وكل ما جاء بخلاف هذا وجب تأويله ورده إلى هذا الأصل، فمعنى الزيادة في العمر أن الله يبارك في عمر الإنسان الذي يعمل الصالحات حتى يعمل في المدة القصيرة ما لا يعمله غيره في المدة الطويلة (٥)،

стр. 941

ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال محمد تقي الدين: فائدة ثانية: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ كل أمة عم فيها العدل والرحمة فنصرت المظلوم وأكرمت اليتيم وأطعمت المسكين وآمنت الضعيف، وسع الله رزقها ونصرها على أعدائها، كما قال النبي ﷺ : «وإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم» (١)، وهذه قاعدة لا تختلف، وسنة لا تتبدل في كل زمان ومكان، فانظروا إلى أمم زمننا تروا كل أمة يعم فيها العدل والمساواة في الحقوق والواجبات تروها مرزوقة منصورة عزيزة الجانب - سواء أكانت في الشرق أم في الغرب - مع اختلاف عقائدها، فإن الله تعالى إنما يعذب الأمم في الحياة الدنيا وفي الآخرة على قدر ما بلغها من العلم، وأقيم عليها من الحجج، أما السعادة الكبرى التي تكون في العاجل والآجل فهي خاصة بمن آمن بالله ورسله واتبع من أناب. فائدة ثالثة: الغلو في قبور الصالحين ومجالسهم وآثارهم يصيّرها أوثانًا تعبد من دون الله، وهذا الغلو هو أصل عبادة الأوثان والأصنام؛ روى مالك في «الموطأ» عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢). قال محمد تقي الدين: يجب علينا أن ننظر في العلاقة التي بين أول الحديث وآخره ما هي؟! فإن مقتضى ظاهر اللفظ أن يقال: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم عبدوا قبور أنبيائهم واتخذوها أوثانًا، فلما قال النبي ﷺ بدلًا من ذلك: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم

стр. 942

مساجد»، علمنا أن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد أي: تحري الصلاة عندها والدعاء وبناء المساجد حولها أو إلى جانبها يفضي إلى اتخاذها أوثانًا، كما فعل قوم نوح، والآن ينبغي أن ننظر هل استجاب الله دعاء رسوله وحفظ قبره من عبادة المشركين له واتخاذه وثنًا أو لا؟ والجواب: إن الله استجاب دعاءه وصانه بثلاثة جدران: الأول: جدار بيت عائشة. والثاني: الجؤجؤ المثلث الذي بناه التابعون حتى لا يستطيع الجهال أن يستقبلوا قبر النبي ﷺ في صلاتهم، بعدما أدخل الوليد بن عبد الملك الحجرة النبوية في المسجد ظلمًا منه وعدوانًا واتباعًا لهواه. والجدار الثالث: هو البناء المربع الذي بناه بعض الملوك بعد ذلك، وإلى ذلك أشار ابن القيم في «نونيته» (١) بقوله: ولَقَد نهانا أن نُصيّر قبره وثنًا (٢) … حذارَ الشَّركِ بالدَّيَّانِ (٣) ودعا بأن لا يجعل القبر الذي … قد ضمَّه وثَنًا من الأوثان فأجاب ربُّ العالمينَ دُعاءَه … وأحاطه بثلاثة الجدران حَتَّى غَدَتْ (٤) أرجاؤُه بدعائِهِ … في عِزَّةٍ وحماية وصِيَانِ قال النبي ﷺ - من حديث أبي هريرة -: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» (٥) (د). وقال سعيد بن منصور في «سننه» عن الحسن بن الحسن بن علي قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، وصلوا علي فإن

стр. 943

صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم» (١). ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء (٢). انظر: «شرح النونية» (٣) و «فتح المجيد» (٤).

стр. 944

سورة الجن الباب الأول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ، وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ١ - ٦] قال (ك): يقول تعالى أمرًا رسوله ﷺ أن يخبر قومه: إن الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له، فقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ أي: يهدي (١) إلى السداد والنجاح، ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ أي: عظمته (٢) وأمره وقدرته ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ أي: تعالى عن اتخاذ الصاحبة والأولاد، أي: قالت الجن تنزه الرب ﷻ حين أسلموا وآمنوا بالقرآن عن اتخاذ الصاحبة والولد. ثم قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ سفيهنا يعنون إبليس، ﴿شَطَطًا﴾، أي: جورًا، [ولهذا قالوا] (٣): ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (٤) ما حسبنا أن الإنس والجن يتمالؤون على الكذب على الله تعالى في

стр. 945

نسبة الصاحبة والولد إليه، فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به علمنا أنهم كانوا يكذبون على الله في ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. أي: كنا نرى أن لنا فضلًا على الإنس، لأنهم كانوا يعوذون بنا، أي (١): إذا نزلوا واديًا أو مكانًا موحشًا من البراري وغيرها، كما كانت (٢) عادة العرب في جاهليتها يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشيء يسوؤهم، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه (٣) وخفارته. فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، أي: خوفًا وإرهابًا وذعرًا، حتى بقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذًا بهم، وقال السدي: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أضر أنا فيه، أو مالي أو ولدي، أو ماشيتي قال (١): فإذا عاد بهم من دون الله رهقتهم الجن الأذى عند ذلك (٤). فصل قال محمد تقي الدين فائدة: المراد بالجور الذي قاله إبليس أن الله ظلمه حين أمره بالسجود لآدم، مع أن إبليس مخلوق من نار وآدم مخلوق من طين، والنار بزعمه أفضل من الطين. قال محمد تقي الدين: العوذ: طلب الحماية، ولم يزل الجهال في كل زمان ومكان يخافون الجن ويتملقون لهم دفعًا لشرهم، وفي هذا الزمان يعتقد الجهال من المنتمين إلى الإسلام في الشرق والغرب أن الشخص إذا بنى بيتًا جديدًا يجب عليه أن يذبح ذبيحة للجن الذين يسكنون في ذلك المكان، ليكفوا عن أذاه، ويأخذ شيئًا من تلك الذبيحة ويطبخه في ماء بلا ملح ويرش ذلك الماء في جوانب البيت. ولما بنيت بيتًا في بغداد وانتهى رئيس البنائين من بنائه، قال لي: ينبغي أن تسيل عليه الدم قبل أن تسكنه، قلتُ: ولماذا؟ قال لي: ليكف سكان هذه الأرض.

стр. 946

عن أذاك، فقلت: وهل يسكن هذا البيت غيري مع أهل بيتي؟ فقال لي: نحن نعتقد أن الجن يسكنون تحت الأرض. فقلت: لا تظن أني أبخل عليك وعلى البنائين والعملة بذبيحة وطعام، ولكني أريد أن أثبت لك أنه لا سلطان للجن على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانهم على الذين يتولونهم بالذبح والخوف والتعوذ بهم من دون الله، ولذلك سأسكن هذا البيت، وأتحدى الجن أن يجهدوا جهدهم في إلحاق الضرر بي وبأهل بيتي إن استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وبعد أن أسكن شهرًا كاملًا ويظهر له ولأمثاله أن الجن لا يستطيعون أن يؤذوا من يوحد الله حينئذ أذبح ذبيحة وأدعوه مع أصحابه للغداء. وكذلك فعلت، فلما مضى الشهر الأول، وتبين له فساد اعتقاده دعوته للغداء. وكذلك وقع لي في مكناس حين أردت أن أشتري هذا البيت الذي أسكن فيه الآن، قالت لي المرأة التي كانت هناك: إنَّ سكان هذا البيت طيبون، لا يضرون أحدًا، فقلت لها: وهل يسكن فيه غيركم؟ فقالت: أقصد الذين تحت الأرض، فضربت الأرض بقدمي، فقلت لها: إن سمحتم لهم بالسكني معكم فأنا لا أسمح لهم أن يدخلوا بيتي لا فوق الأرض ولا تحت الأرض، فهل يدفعون معي شيئًا من الثمن أو يستأجرون جزءًا من البيت؟! فضحكت المرأة وتعجبت من كلامي. وكان في بلد مغربي لا أسميه سترًا على من سأحكي عنه، فقيه قاض من كبار القضاة كانت ابنته مريضة، فدعا لها ساحرًا ليخرج منها الجن ويكتب لها تعويذًا (حجابًا) ليكف عنها أذى الجن فكان يخلو بها في غرفة واحدة ليلًا ونهارًا، وهذا العمل لا يرضى به إلا ديوث جاهل (١)، وكان هذا الفقيه السفيه إذا أراد أن يدخل الحمام يستأجره ساعتين ليلًا ويستخدم شابًا أعمى يناوله الماء ويغسل جسمه ولا يرى عورته. ومن شدة خوفه من الجن كان يتملق لهم عند دخول الحمام، ويقول: يا سادتي نسألكم الضيافة لوجه الله، ونسألكم أن لا تؤذونا جزاكم الله خيرًا، وحاشاكم أن تؤذوا من يستجير بكم، فكان الأعمى يسمع ذلك ويفهمه فإذا جلس الشيخ وشعر بحرارة الحمام واستراح ينصب له الأسطال سطلًا فوق سطل حتى

стр. 947

تصير كالبرج، ثم يأخذ السطل الأسفل فتسقط الأسطال وتحدث دويًا عظيمًا فيصرخ الشيخ. الباب الثاني : قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ١٤ - ٢٢] قال (ك): «وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ» أي: منا المسلم ومنا القاسط، وهو الجائر عن الحق والناكب (١) عنه، بخلاف المقسط، فإنه العادل ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أي: طلبوا لأنفسهم النجاة، ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ أي: وقودًا تسعر بهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين؛ (أرجحهما): وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ أي: كثيرًا، والمراد بذلك سعة الرزق كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم، كما قال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ لنبتليهم، لنعلم (٢) من يستمر على هذه (٢) الهداية ممن يرتد إلى الغواية (٣).

стр. 948

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ أي: عذابًا شديدًا شاقًا (١) موجعًا مؤلمًا» (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾: قال (ك): يقول تعالى أمرًا عباده أن يوحدوه في محال عبادته ولا يدعى معه أحد، ولا يشرك به، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال قتادة (٣): تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه (٤). وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ أي: قال لهم الرسول لما آذوه وخالفوه وكذبوه وتظاهروا عليه ليبطلوا ما جاء به من الحق واجتمعوا على عداوته ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ أي: إنما أعبد ربي وحده لا شريك له وأستجير به وأتوكل عليه ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ أي: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾، وعبد من عباد الله ليس لي (٥) من الأمر شيء في هدايتكم ولا غوايتكم، بل المرجع في ذلك كله إلى الله ، ثم أخبر عن نفسه أيضًا أنه لا يجيره من الله أحد، أي: لو عصيته فإنه لا يقدر أحد على إنقاذي من عذابه، ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾، [أي: ملجأ] (٦). اهـ (٧)». « فصل » قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام خمسة أمور: الأول: إنَّ كل أمة وحدت الله واتبعت رسوله بالاعتقاد والقول والعمل يوسع الله رزقها ويجعل يدها هي العليا، فإذا ارتدت وأشركت بالله وخالفت

стр. 949

رسوله يضيق الله عليها الرزق ويعذبها عذابا أليما في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾. الثاني: إن المسجد الحرام الذي كان موجودا في زمان نزول هذه الآية كان مجتمعا لعبادة الأوثان، وإنما بني ليعبد الله فيه وحده لا شريك له، وبذلك يكون عامرا، وهكذا كل مسجد بني أو يبنى إلى يوم القيامة عمارته التوحيد واتباع السنة، وإن كان من قصب، وخرابه الشرك والبدعة وإن كان من ذهب، فقد جاء في الحديث النهي عن زخرفة المساجد، وجاء فيه أن المسلمين المنحرفين سيزخرفونها كما زخرفتها اليهود والنصارى وفي ذلك خرابها (١) … الثالث: إن أول داع إلى الإسلام تلبد عليه أعداء الإسلام وتآلبوا عليه، وهكذا كل داع يدعو إلى أتباعه في زمان غربة الإسلام. الرابع: إن النبي ﷺ أمره الله تعالى أن لا يدعو إلا الله ولا يشرك به أحدا، وهو أمر لكل من اتبعه إلى قيام الساعة. الخامس: إن الله تعالى أمره أن يعلن أنه - وإن كان أفضل خلق الله - لا يملك للناس ضرا ولا نفعا. اهـ.

стр. 950

سورة المزمل الباب الأول : قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٩ - ١١]. قال (ك): ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ أي: هو المالك المتصرف في المشارق والمغارب الذي (١) لا إله إلا هو، وكما (٢) أفردته بالعبادة فأفرده بالتوكل ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وكقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وآيات (٢) كثيرة في هذا المعنى فيها الأمر بإفراد العبادة، والطاعة الله، وتخصيصه بالتوكل عليه. ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ يقول أمرًا رسوله ﷺ بالصبر على ما يقوله من كذبه من سفهاء قومه أن يهجرهم هجرًا جميلًا، وهو الذي لا عتاب معه. ثم قال له متهددًا (٣) لكفار قومه ومتوعدًا (٤) وهو العظيم الذي لا يقوم لغضبه شيء: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أي: دعني والمكذبين المترفين أصحاب الأموال، فإنهم على الطاعة أقدر (٥) من غيرهم، وهم يطالبون من الحقوق بما
следующие страницы →