← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

عن أذاك، فقلت: وهل يسكن هذا البيت غيري مع أهل بيتي؟ فقال لي: نحن نعتقد أن الجن يسكنون تحت الأرض. فقلت: لا تظن أني أبخل عليك وعلى البنائين والعملة بذبيحة وطعام، ولكني أريد أن أثبت لك أنه لا سلطان للجن على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانهم على الذين يتولونهم بالذبح والخوف والتعوذ بهم من دون الله، ولذلك سأسكن هذا البيت، وأتحدى الجن أن يجهدوا جهدهم في إلحاق الضرر بي وبأهل بيتي إن استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وبعد أن أسكن شهرًا كاملًا ويظهر له ولأمثاله أن الجن لا يستطيعون أن يؤذوا من يوحد الله حينئذ أذبح ذبيحة وأدعوه مع أصحابه للغداء. وكذلك فعلت، فلما مضى الشهر الأول، وتبين له فساد اعتقاده دعوته للغداء. وكذلك وقع لي في مكناس حين أردت أن أشتري هذا البيت الذي أسكن فيه الآن، قالت لي المرأة التي كانت هناك: إنَّ سكان هذا البيت طيبون، لا يضرون أحدًا، فقلت لها: وهل يسكن فيه غيركم؟ فقالت: أقصد الذين تحت الأرض، فضربت الأرض بقدمي، فقلت لها: إن سمحتم لهم بالسكني معكم فأنا لا أسمح لهم أن يدخلوا بيتي لا فوق الأرض ولا تحت الأرض، فهل يدفعون معي شيئًا من الثمن أو يستأجرون جزءًا من البيت؟! فضحكت المرأة وتعجبت من كلامي. وكان في بلد مغربي لا أسميه سترًا على من سأحكي عنه، فقيه قاض من كبار القضاة كانت ابنته مريضة، فدعا لها ساحرًا ليخرج منها الجن ويكتب لها تعويذًا (حجابًا) ليكف عنها أذى الجن فكان يخلو بها في غرفة واحدة ليلًا ونهارًا، وهذا العمل لا يرضى به إلا ديوث جاهل (١)، وكان هذا الفقيه السفيه إذا أراد أن يدخل الحمام يستأجره ساعتين ليلًا ويستخدم شابًا أعمى يناوله الماء ويغسل جسمه ولا يرى عورته. ومن شدة خوفه من الجن كان يتملق لهم عند دخول الحمام، ويقول: يا سادتي نسألكم الضيافة لوجه الله، ونسألكم أن لا تؤذونا جزاكم الله خيرًا، وحاشاكم أن تؤذوا من يستجير بكم، فكان الأعمى يسمع ذلك ويفهمه فإذا جلس الشيخ وشعر بحرارة الحمام واستراح ينصب له الأسطال سطلًا فوق سطل حتى

стр. 947

تصير كالبرج، ثم يأخذ السطل الأسفل فتسقط الأسطال وتحدث دويًا عظيمًا فيصرخ الشيخ. الباب الثاني : قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ١٤ - ٢٢] قال (ك): «وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ» أي: منا المسلم ومنا القاسط، وهو الجائر عن الحق والناكب (١) عنه، بخلاف المقسط، فإنه العادل ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أي: طلبوا لأنفسهم النجاة، ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ أي: وقودًا تسعر بهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين؛ (أرجحهما): وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ أي: كثيرًا، والمراد بذلك سعة الرزق كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم، كما قال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ لنبتليهم، لنعلم (٢) من يستمر على هذه (٢) الهداية ممن يرتد إلى الغواية (٣).

стр. 948

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ أي: عذابًا شديدًا شاقًا (١) موجعًا مؤلمًا» (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾: قال (ك): يقول تعالى أمرًا عباده أن يوحدوه في محال عبادته ولا يدعى معه أحد، ولا يشرك به، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال قتادة (٣): تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه (٤). وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ أي: قال لهم الرسول لما آذوه وخالفوه وكذبوه وتظاهروا عليه ليبطلوا ما جاء به من الحق واجتمعوا على عداوته ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ أي: إنما أعبد ربي وحده لا شريك له وأستجير به وأتوكل عليه ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ أي: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾، وعبد من عباد الله ليس لي (٥) من الأمر شيء في هدايتكم ولا غوايتكم، بل المرجع في ذلك كله إلى الله ، ثم أخبر عن نفسه أيضًا أنه لا يجيره من الله أحد، أي: لو عصيته فإنه لا يقدر أحد على إنقاذي من عذابه، ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾، [أي: ملجأ] (٦). اهـ (٧)». « فصل » قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام خمسة أمور: الأول: إنَّ كل أمة وحدت الله واتبعت رسوله بالاعتقاد والقول والعمل يوسع الله رزقها ويجعل يدها هي العليا، فإذا ارتدت وأشركت بالله وخالفت

стр. 949

رسوله يضيق الله عليها الرزق ويعذبها عذابا أليما في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾. الثاني: إن المسجد الحرام الذي كان موجودا في زمان نزول هذه الآية كان مجتمعا لعبادة الأوثان، وإنما بني ليعبد الله فيه وحده لا شريك له، وبذلك يكون عامرا، وهكذا كل مسجد بني أو يبنى إلى يوم القيامة عمارته التوحيد واتباع السنة، وإن كان من قصب، وخرابه الشرك والبدعة وإن كان من ذهب، فقد جاء في الحديث النهي عن زخرفة المساجد، وجاء فيه أن المسلمين المنحرفين سيزخرفونها كما زخرفتها اليهود والنصارى وفي ذلك خرابها (١) … الثالث: إن أول داع إلى الإسلام تلبد عليه أعداء الإسلام وتآلبوا عليه، وهكذا كل داع يدعو إلى أتباعه في زمان غربة الإسلام. الرابع: إن النبي ﷺ أمره الله تعالى أن لا يدعو إلا الله ولا يشرك به أحدا، وهو أمر لكل من اتبعه إلى قيام الساعة. الخامس: إن الله تعالى أمره أن يعلن أنه - وإن كان أفضل خلق الله - لا يملك للناس ضرا ولا نفعا. اهـ.

стр. 950

سورة المزمل الباب الأول : قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٩ - ١١]. قال (ك): ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ أي: هو المالك المتصرف في المشارق والمغارب الذي (١) لا إله إلا هو، وكما (٢) أفردته بالعبادة فأفرده بالتوكل ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وكقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وآيات (٢) كثيرة في هذا المعنى فيها الأمر بإفراد العبادة، والطاعة الله، وتخصيصه بالتوكل عليه. ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ يقول أمرًا رسوله ﷺ بالصبر على ما يقوله من كذبه من سفهاء قومه أن يهجرهم هجرًا جميلًا، وهو الذي لا عتاب معه. ثم قال له متهددًا (٣) لكفار قومه ومتوعدًا (٤) وهو العظيم الذي لا يقوم لغضبه شيء: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أي: دعني والمكذبين المترفين أصحاب الأموال، فإنهم على الطاعة أقدر (٥) من غيرهم، وهم يطالبون من الحقوق بما

стр. 951

لَيْسَ عِنْدَ غيرهم ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ أي: رويدًا كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] (١). فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: الآية الأولى من هذه الآيات الثلاث جامعة مانعة، جمعت بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية: فقوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ يدل على توحيد الربوبية، فرب المشرق والمغرب هو رب الشمس التي تطلع من المشرق وتغرب في المغرب بالنسبة إلى جميع أهل الأرض، حتى الأراضي القطبية التي يستمر فيها النهار ثلاثة أشهر عجمية والليل مثل ذلك، لها مشرق (٢) ومغرب، هذا في الإجمال، وفي التفصيل لها مشارق ومغارب، كما قال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] في سورة المعارج، فإن الشمس تطلع في كل يوم من مكان ولكنها لا تخرج عن المشرق وتغرب كل يوم في مكان، ولكنها لا تخرج عن المغرب، فباعتبار التزامها لجهة واحدة في طلوعها وغروبها نقول: لها مشرق ومغرب. ولما كانت الشمس هي أعظم الكواكب في عالمنا هذا القريب المنظور، وهي سبب حياة الحيوان والنبات، نبه الله سبحانه أهل العقول والبصائر أن يستدلوا بمشارقها ومغاربها على أنه رب كل شيء ومالك كل شيء، وإليه يرجع الأمر كله، ولذلك يجب على جميع العقلاء أن يعبدوه وحده ويتوكلوا عليه وحده. فائدة ثانية: النُّعمة - بفتح النون -: سعة العيش ورغده، والتمتع بزهرة الحياة الدنيا، والنِّعمة - بكسر النون - أعم من ذلك، فكل واحد من الناس قد أنعم الله عليه بنعم - بكسر النون - منها نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، فهاتان النعمتان لا يخلو منهما أحد من الناس. وأما النِّعمة - بالفتح - فهي خاصة بأهل الجاه والمال، وهؤلاء الرؤساء المتبوعون عليهم من الواجبات ما ليس على غيرهم، فإن استقاموا استقام أتباعهم، وإن انحرفوا انحرف أتباعهم.

стр. 952

أول ما دعوت في صعيد مصر إلى توحيد الله تعالى واتباع سنة رسوله ﷺ ، ونبذ البدع والمحدثات، ألقيت ستة دروس في آخر الدرس السادس منها استجاب لي شيخ البلد، وهو الشيخ يوسف عبد العال ﵀ رحمة واسعة وبارك في ابنه الشيخ محمد، أعني بلد الريرمون في مديرية أسيوط، فتبعه أهل البلد كلهم ولا يزالون كذلك إلى يومنا هذا (١)، وقد مضى عليهم أربع وخمسون سنة، لم تستطع فتنة الاشتراكية أن تنال من عقيدتهم مثقال ذرة، فلما زرتهم قبل ثلاث سنين، وجدت شيخ البلد منهم كما كان الأمر قبل أربع وخمسين سنة، ووجدت وكيل الحزب منهم، وإذا رسخت عقيدة التوحيد في القلوب لا يستطيع أحد أن يزلزلها.

стр. 953

سورة المدثر الباب الأول بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٧] المدثر، معناه المتلفّف بالثياب. قال (ك): «روى (و) بسندهما عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فخشيت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني زملوني فدثروني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى: ﴿فَاهْجُرْ﴾» (١). وقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ أي: شمر عن ساق العزم وأنذر الناس، وبهذا حصل الإرسال كما حصل بأول النبوة، [﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾] (٢) أي: عظم، وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عن ابن عباس أنه أتاه رجل فسأله عن هذه الآية ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على معصية ولا على غَدْرة، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة (٣) الثقفي:

стр. 954

فإني بحمد الله لا ثوب فاجر … لبستُ ولا من غدرة أتَقَنَّعُ (١) وقال الشاعر (٢): إذا المرء لم يَدْنَس من اللوم عرْضُه … فكُلّ رداء يرتديه جميل والمراد: طهر نفسك وقلبك ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ عن ابن عباس (٣): «الرجز»: الأصنام (٤). قال محمد تقي الدين: ويؤيده قوله تعالى في سورة الحج: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١] وقد كان النبي ﷺ طاهر النفس والعرض والخلق، هاجرًا للأصنام، فالأمر هنا للزيادة والاستمرار كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] أي: زد في تقوى الله واستمر عليها، وكما تقول للضيف: كل، وهو يأكل، هكذا قال علماء النحو وهو صحيح. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ عن ابن عباس معناه: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها (٥)، وقال الحسن: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره (٦). واختاره (ع) (٧).

стр. 955

وقوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك . (١) فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: بعدما أنزل على النبي ﷺ أول سورة العلق في غار حراء حيث كان يتعبد (٢) صار نبيًّا ولم يكن رسولًا، إذ لم يأمره الله تعالى بالتبليغ ولا بالإنذار ولا بالصدع بما يؤمر وفتر الوحي، أي: توقف، وبعد فترة الوحي نزل أول سورة المدثر، كما في حديث جابر: «ثم حمي الوحي وتتابع». (٣) اهـ.

стр. 956

سورة الدهر الباب الأول قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٧ - ٩]. قال (ك): وقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ أي: يتعبدون الله فيما أوجبه عليهم من فعل (١) الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر. روى البخاري عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (٢). ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد، وهو اليوم الذي شره مستطير، أي: منتشر عام على الناس إلا من رحم الله، قال الأعشى (٣): فبَانَتْ وقد أَثْرَتْ (٤) في الفؤا … د صَدْعًا على نَأْيِها مُستطيرا يعني: ممتدًا فاشيًا. وقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الضمير عائد على الطعام أي: ويطعمون الطعام، في حال محبتهم وشهوتهم له، كقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ وكقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].

стр. 957

وروى البيهقي بسنده عن نافع قال: «مرض ابن عمر فاشتهى عنبًا أول ما جاء العنب، فأرسلت صفية - يعني: امرأته - فاشترت عنقودًا بدرهم، فاتبع الرسول سائل، فلما دخل به سأل السائل، فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه إياه فأرسلت بدرهم آخر، فاشترت عنقودًا فاتبع الرسول السائل فلما دخل سأل السائل فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه إياه، فأرسلت صفية إلى السائل فقالت: والله إن عدت لا تصيب منه خيرًا أبدًا، ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به» (١). وفي «الصحيح»: «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر» (٢). في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه ولهذا قال [تعالى]: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. أما: المسكين واليتيم فقد تقدم بيانهما وصفتهما، وأما الأسير، فهو الكافر الذي يأسره المسلمون في الحرب ويشهد لذلك أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى (٣) فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء، أي: يطعمون الطعام لهؤلاء وهم يشتهونه ويحبونه قائلين بلسان الحال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ أي: رجاء ثواب الله ورضاه: ﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا﴾ أي: لا نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها، ولا أن تشكرونا عند الناس» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: فائدة النذر هو التزام شيء من عبادة الله لم يكن لازمًا من قبل، إذا حصل المشروط كأن يقول الناذر: الله علي أن أذبح الله شاة وأطعم الفقراء إن شفي مريضي أو رجع غائبي بسلامة أو نجحت في الامتحان أو

стр. 958

وضعت الحبلى حملها بسلامة إلى غير ذلك من الأغراض، أو ينذر صومًا أو حجًا أو عمرة أو صدقة، فإن ذلك عبادة الله يجب الوفاء به. فإن نذر شيئًا مما يعبد الله تعالى به كالذبح والصدقة لغير الله تعالى من الملائكة والأنبياء والصالحين وغير الصالحين فلا يجوز الوفاء به، ويجب على الناذر أن يتوب إلى الله ويعود إلى الإسلام، ولهذا ذكرت هذه الآية. فائدة ثانية: ثناء الله تعالى وترغيب رسوله ﷺ في إكرام الأسير الكافر الذي كان بالأمس يقاتل المسلمين يسفك دماءهم، ولا يزال حريصًا على قتلهم إلا أنه عاجز مغلوب على أمره، من أعظم الأدلة على فضل الإسلام على جميع الشرائع والقوانين الوضعية، فإننا لم نر قانونًا لدولة يحث على إكرام الأسير، بل بالعكس رأينا الحلفاء لما انتصروا في الحرب العالمية الأخيرة يهينون الأسرى ويحاكمونهم محاكمة كاذبة خاطئة ظالمة وحشية، كمحاكمة الهر للفأر، فيزعمون أنهم ارتكبوا جرائم في الحرب، ولا يرون فظاعة هذه الجريمة التي يرتكبونها بقتل الأسرى الذين لا يملكون أي وسيلة يدافعون بها عن أنفسهم، فهم كما قال «الإنجيل»: «يرى أحدكم القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع المعترض في عين نفسه». فهذه القوانين التي تستندون إليها بقتل أساراكم من وضعها؟ فهل اتفقتم على وضعها مع أعدائكم قبل أن تقدموا على الحرب؟ أرأيتم لو انتصر عليكم أعداؤكم أكنتم ترضون بمثل هذه المحاكمة؟ أنتم واضعو القانون، وأنتم الخصوم، وأنتم الحكام، كما قال الشاعر (١): فيك الخِصَامُ وأنت الخَصْمُ والحَكَمُ وقال البوصيري (٢): ولا تَطِعْ مِنهُمَا خَصْمًا ولا حَكَمًا … فأنت تَعْرِفُ كَيدَ الخَصْمِ والحَكَمِ فهؤلاء الحلفاء المتعسفون فداء لصلاح الدين الأيوبي الذي لما سمع أن عدوه (رشارد) الملقب بقلب الأسد قد جرح بعث إليه طبيبه الخاص فعالجه حتى برأ، و (رشارد) هذا هو ملك بريطانية، وقائد جيشها في الحروب الصليبية،

стр. 959

فكانت هذه المعاملة التي تجاوزت الحد في الكرم والحكمة والمروءة والشهامة سببًا لكراهية الملك الإنجليزي الاستمرار في محاربة ولي نعمته، فلله در صلاح الدين الأيوبي، تجاوز إكرام الأسرى إلى إكرام المحاربين عند عجزهم وحاجتهم، وهذه الحكاية قرأتها في «مختصر تاريخ أوروبة»، وهو مقرر لتلامذ المدارس الثانوية الإنجليزية، والكتاب طبع بالإنجليزية. أولئك آبائي فجئني بمثلهم … إذا جَمَعَتْنا يا جريرُ المَجَامِعُ (١)

стр. 960

سورة البينة الباب الأول : قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٥ - ٨] قال (ك): وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ولهذا قال: ﴿حُنَفَاءَ﴾ أي: متحنفين عن الشرك إلى التوحيد، كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقد تقدم تقرير الحنيف في سورة الأنعام بما أغنى عن إعادته ههنا. ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وهي أشرف عبادات البدن، ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾، وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج، ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: أن الملة القائمة العادلة، أو الأمة المستقيمة المعتدلة، وقد استدل كثير من الأئمة كالزهري والشافعي بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان، ولهذا قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ … ﴾ إلخ.

стр. 961

قال (ك): «يخبر تعالى عن (١) مآل الفجار من كفار أهل الكتاب والمشركين المخالفين لكتب الله المنزلة، وأنبياء الله المرسلة أنهم يوم القيامة ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها (٢) لا يحولون عنها (٣) ولا يزولون، ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أي: من شر الخليقة، التي برأها الله وذرأها، ثم أخبر تعالى عن حال الأبرار الذين (٤) آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بأبدانهم بأنهم خير البرية، وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة (٥) لقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾. [ثم] (٦) قال تعالي: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ ﴿﵃﴾ ومقام رضاه عنهم أعلى مما أوتوه (٧) من النعيم المقيم ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فيما منحهم من الفضل العميم (٨). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: هذا الجزاء حاصل لمن اتقى الله (٩) حق تقواه، وعبده كأنه يراه، وعلم أنه إن لم يره فهو يراه، وقال الإمام أحمد

стр. 962

بسنده (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بخير البرية؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه، ألا أخبركم بخير البرية؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «رجل في ثلة من غنم يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ألا أخبركم بشر البرية؟» قالوا: بلى، قال: «الذي يسأل بالله ولا يعطي به»» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: قوله: «وقد استدل كثير من الأئمة … » إلخ. اعلم أن أهل السنة كلهم متفقون على: أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، تزيد الأعمال بزيادته وتنقص بنقصانه، إلا أبا حنيفة ومن تبعه فإنهم يقولون: إن الإيمان نطق باللسان واعتقاد بالقلب، والعمل لازم له، لكنه غير داخل فيه (٣)، والماتريدية منهم يقولون: إن الإيمان هو الاعتقاد وحده، ولا يزيد ولا ينقص (٤)، وعامتهم يقولون أن إيمانهم كإيمان أبي بكر الصديق بل كإيمان الأنبياء والملائكة، وقد رجع أبو حنيفة ﵀ عن القول بعدم دخول العمل في الإيمان، انظر قصته مع حماد بن زيد في «شرح الطحاوية» (٥) لكن مقلديه في

стр. 963

الفروع المتعصبين لمذهبه أبوا أن يرجعوا (١). اهـ. فائدة ثانية: فهم من حديث أبي هريرة أن أفضل الناس من جاهد في سبيل الله، والهيعة: الفزع الذي يحصل بغزو العدو بلاد الإسلام، فإن لم يكن هناك سبيل إلى الجهاد ووقعت الفتنة بين المسلمين وصار بأسهم بينهم يقتل بعضهم بعضًا، فأفضل المسلمين هو الذي يهرب من الفتن، ولو لم يجد إلا أن يسكن وحده ومعه غنيمة يعيش بلبنها ويفر بدينه من الفتن، وأصل هذا الحديث في «الصحيحين»، ولفظه: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنيمة يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن (٢)». اهـ.

стр. 964

سُورَةُ قُرَيْشٍ الباب الأول : قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤] قال (ك): أي: فليوحدوه بالعبادة كما جعل لهم حرمًا آمنًا وبيتًا محرمًا كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِنْ جُوعٍ﴾ أي: هو رب البيت وهو الذي أطعمهم من جوع، ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ أي: تفضَّل عليهم بالأمن والرخص؛ فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنمًا ولا ندًا ولا وثنًا، ولهذا من استجاب لهذا الأمر جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٢ - ١١٣] (١). فصل قال محمد تقي الدين: فائدة: معنى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾، فليفردوه بالعبادة ولا يعبدوا معه أحدًا لا ملكًا ولا نبيًا ولا صالحًا ولا تمثالًا ولا قبة تنسب لأحد منهم، لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له خاليًا من الشرك، وسيزداد ذلك وضوحًا في سورة (الكافرون) إن شاء الله.

стр. 965

سورة الكافرون الباب الأول بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ١ - ٦] ما جاء في فضلها: ١ - في صحيح مسلم عن جابر: «إن رسول الله ﷺ قرأ بهذه السورة و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في ركعتي الطواف» (١). ٢ - وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «إن رسول الله ﷺ قرأ بهما في ركعتي الفجر» (٢). ٣ - قال (أ) بسنده عن عبد الله بن عمر قال: «رمقت النبي ﷺ أربعًا وعشرين أو خمسًا وعشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣). وقد تقدم في الحديث: «إنها تعدل ربع القرآن» (٤). ٤ - وقال الإمام أحمد بسنده عن الحارث بن جَبَلَة قال: قلت: يا رسول الله علمني شيئًا أقوله عند منامي قال: إذا أخذت مضجعك من الليل فأقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، فإنها براءة من الشرك» (٥).

стр. 966

قال (ك): «هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه، فقوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ شمل (١) كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهين (٢) بهذا الخطاب هم كفار قريش، وقيل: إنهم من جهلهم دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة ويعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة (٣) وأمر رسوله ﷺ فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية، فقال: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، يعني: من الأنداد والأصنام (٤) ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وهو الله وحده لا شريك له، فما ههنا بمعنى «من». ثم (٥) قال: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: ولا أعبد عبادتكم، أي: لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه، ولهذا قال: ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: لا تقتدون

стр. 967

بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئًا من تلقاء أنفسكم، كما قال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]. فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده، وعبادة يسلكها إليه، فالرسول ﷺ وأتباعه يعبدون الله بما شرعه، ولهذا كانت (١) كلمة الإسلام: «لا إله إلا الله محمد رسول الله أي: لا معبود إلا الله، ولا طريق إليه إلا بما (٢) جاء به الرسول ﷺ ، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن الله بها (٣)، ولهذا قال لهم الرسول ﷺ : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] وقال: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الشورى: ١٥]» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: فائدة التكرار الواقع في هذه السورة بليغ، والغرض منه التوكيد، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦ - ٧] وكقول النبي ﷺ حين استأذنه عكرمة بن أبي جهل في إنكاح علي بن أبي طالب أخته: «لا آذن ثم لا آذن» (٥). وهذه طريقة معروفة في اللغة العربية وفي سائر اللغات السامية، وهذه السورة يجب على كل مسلم أن يعتقد ما دلت عليه ويعمل به، فيتبرأ من جميع المشركين، ولا يتحقق توحيد إلا بذلك، وقد تقدم هذا المعني في مواضع من هذا الكتاب، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهله. اهـ. وكان الفراغ منه يوم الجمعة سابع عشر صفر سنة ١٣٩٥ بدار السلفي الصالح الحاج محمد الفلالي بمدينة فاس، أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وبمحبتنا واتباعنا لحبيبه وخليله محمد ﷺ أن يعيننا، ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، ويختم لنا بالحسنى. اهـ.

стр. 968

خاتمة رزقنا الله حسنها في تحذير النبي ﷺ أمته الغلو في قبور الأنبياء والصالحين قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب «التوحيد» ما نصه: «في «الصحيح» عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت (١). وقال ابن القيم (٢): «قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم». وعن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٣). أخرجاه. قال رسول الله ﷺ : «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» (٤). ولمسلم (٥) عن ابن مسعود: إن رسول الله ﷺ قال: «هلك المتنطعون»» (٦).

стр. 969

باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده ؟ في «الصحيح» عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» (١)، فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين (٢): فتنة القبور، وفتنة التماثيل. ولهما عنها: لما نُزِّل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبْرِزَ قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا (٣). أخرجاه. ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (٤). فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله، والصلاة عندها من ذلك وإن لم يُبن مسجد وهو معنى قولها: «خشي أن يتخذ مسجدًا»، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وكل موضع قصد (٥) الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يُصلَّى فيه يسمى مسجدًا، كما قال ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (٦). ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود مرفوعًا: «إن من شرار الناس من

стр. 970

تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» (١)، ورواه أبو حاتم في «صحيحه» (٢). باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله «روى مالك في «الموطأ»، أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣). وعن ابن عباس [﵁] قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» (٤)» (٥). باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك «وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩]. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٦)، رواه أبو داود (٧) بإسناد حسن ورواته ثقات. وعن علي بن الحسين [﵁] أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ ؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا،

стр. 971

وصلوا عليَّ فإنَّ تسليمكم يبلغني أين كنتم (١)، رواه في «المختارة» (٢). باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان «وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]. عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» (٣)، أخرجاه. ولمسلم عن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا» (٤)، رواه البرقاني في صحيحه (٥) وزاد: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع

стр. 972

إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎».» (١). تفسير ما تقدم نقله من كتاب «التوحيد » سأنقل هنا شرح ما تقدم نقله من كتاب «التوحيد» أنقل ذلك من «فتح المجيد» للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «قوله ﵊: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم»: الإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه، قاله أبو السعادات (٢)، وقال غيره: أي: لا تمدحوني بالباطل، ولا تجاوزوا الحد في مدحي. قوله: «إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله»، أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى ﵇ فادعوا فيه الألوهية وإنما أنا عبد الله ورسوله (٣)، فصفوني بذلك كما وصفني ربي، فقولوا: عبد الله ورسوله، فأبى المشركون إلا مخالفة أمره وارتكاب نهيه وعظموه (٤) بما نهاهم عنه وحذرهم منه، وناقضوه أعظم مناقضة وضاهوا (٥) النصارى في غلوهم وشركهم ووقعوا في المحذور، وجرى منهم من الغلو والشرك شعرًا ونثرًا ما يطول عده، وصنفوا فيه مصنفات (٦). وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ عن بعض أهل زمانه أنه جوز الاستغاثة بالرسول ﷺ في كل ما يستغاث فيه بالله، وصنف في ذلك مصنفًا رده شيخ الإسلام ورده موجود بحمد الله ويقول: إنه يعلم مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله، وذكر عنهم أشياء من هذا النمط نعوذ بالله من عمى البصيرة، وقد اشتهر في نظم البوصيري (٧) قوله:

стр. 973

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به … سواك عند [حُدُوثِ] (١) الحَادِثِ العَمِمِ وما بعده من الأبيات التي مضمونها إخلاص الدعاء واللياذ والرجاء والاعتماد في أضيق الحالات وأعظم الاضطرار لغير الله، فناقضوا الرسول ﷺ بارتكاب (٢) ما نهى عنه أعظم مناقضة، وشاقوا الله ورسوله أعظم مشاقة، وذلك أن الشيطان أظهر لهم هذا الشرك العظيم في قالب محبة النبي ﷺ وتعظيمه (٣)، وأظهر لهم التوحيد والإخلاص الذي بعثه الله به في قالب تنقيصه (٤). وهؤلاء المشركون هم (٥) المتنقصون الناقصون، أفرطوا في تعظيمه بما نهاهم عنه أشد النهي، وفرطوا في متابعته فلم يعبؤوا بأقواله وأفعاله ولا رضوا بحكمه ولا سلموا له، وإنما يحصل تعظيم الرسول ﷺ بتعظيم أمره ونهيه والاهتداء بهديه واتباع سنته والدعوة إلى دينه الذي دعا إليه ونصرته وموالاة من عمل به ومعاداة من خالفه، فعكس أولئك المشركون ما أراده (٦) الله ورسوله علمًا وعملًا، وارتكبوا ما نهى الله ورسوله عنه (٧)، فالله المستعان (٨). الثاني: قوله: وقال رسول الله ﷺ : «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»: «هذا الحديث ذكره المصنف بدون ذكر راويه (٩)، وقد رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عباس، وهذا لفظ رواية (٩) أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ غداة جَمْع: «هلم القط لي». فلقطت له حصيات هن (١٠) حصى الخذف، فلما وضعهن في يده، قال: «نعم بأمثال هؤلاء [فارموا] (١١)، وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» (١٢).

стр. 974

قال شيخ الإسلام: هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار، وهو داخل فيه، مثل الرمي بالحجارة الكبرى (١) - بناءً - على أنه أبلغ من الصغرى (٢)، ثم علله بما يقتضي مجانبة هدي من كان قبلنا إبعادًا عن الوقوع فيما هلكوا به، فإن (٣) المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك (٤).» (٥) الثالث: قوله: «ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثًا. قال الخطابي (٦): المتنطع: المتعمق في الشيء، المتكلف البحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا (٧) تبلغه عقولهم». ومن التنطع: الامتناع من (٨) المباح مطلقًا، كالذي يمتنع من أكل اللحم والخبز، ومن لبس الكتان والقطن، ولا يلبس إلا الصوف ويمتنع من نكاح النساء، ويظن أن هذا من الزهد المستحب، قال الشيخ تقي الدين: «فهذا جاهل ضال» (٩). اهـ. قوله: «قالها ثلاثًا» أي: قال هذه الكلمة ثلاث مرات، مبالغة في التعليم والإبلاغ، فقد بلغ البلاغ المبين صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين» (١٠). قوله: (باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟) أي: الرجل الصالح، فإن عبادته من الشرك الأكبر، وعبادة الله عنده وسيلة إلى عبادته، ووسائل الشرك محرمة؛ لأنها تؤدي إلى الشرك الأكبر، هو أعظم الذنوب. الرابع: قوله: «في الصحيح»: إن أم سلمة، هي: هند بنت أبي أمية (١١)

стр. 975

المخزومية، تزوجها رسول الله (١) بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاث، وكانت قد هاجرت مع أبي سلمة إلى الحبشة ماتت سنة اثنتين وستين (٢). قوله: «ذكرت لرسول الله ﷺ … وفي الصحيحين»: أنَّ أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا ذلك لرسول الله ﷺ ، (والكنيسة) بفتح الكاف وكسر النون، معبد النصارى، قوله: «أولئك» بكسر الكاف خطابًا للمراة، قوله: «إذا مات فيهم الرجل [أو العبد] (٣) الصالح» هذا - والله أعلم - شك من بعض رواة الحديث، هل قال النبي ﷺ هذا أو هذا؟ ففيه التحري في الرواية (٤). قوله: «صوروا فيه تلك الصورة» الإشارة إلى ما ذكرت أم سلمة وأم حبيبة من التصاوير التي في الكنيسة. قوله: «أولئك شرار الخلق عند الله» وهذا (٥) يقتضي تحريم بناء المساجد على القبور، وقد لعن الله من فعل ذلك كما سيأتي. قوله: «فهؤلاء جمعوا بين فتنتين فتنة القبور، وفتنة التماثيل»، هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذكره المصنف ﵀ تنبيهًا على ما وقع من شدة الفتنة بالقبور والتماثيل، فإن الفتنة بالقبور كالفتنة بالأصنام أو أشد، قال شيخ الإسلام ﵀: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم: إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، ولهذا نجد (٦) أهل الشرك يتضرعون عندها (٧) ويخضعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه (٨) في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها، حتى نهى عن الصلاة في

стр. 976

المقبرة مطلقًا (١) وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد. كما نهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها (٢)، لأنها أوقات يقصد فيها المشركون (٣) الصلاة للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصدوا ما قصده المشركون سدًا للذريعة، وأما إذا قصد الرجال الصلاة عند القبور متبركًا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ولرسوله والمخالفة لدينه، وابتداع (٤) دين لم يأذن به الله. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين الرسول ﷺ أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه الله لعن من اتخذها مساجد (٥)، فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد وبناء المساجد عليها وقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه (٦) وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة، وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة أطلقت الكراهة، والذي ينبغي أن تحمل عليه كراهة التحريم، إحسانًا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله ﷺ لعن فاعله والنهي عنه (٧) (٨). اهـ.

стр. 977

الخامس: «قوله: (ولهما)» أي: البخاري ومسلم وهو يغني عن قوله في آخره: «أخرجاه». قوله: «لما نُزِّلَ» بضم النون وكسر الزاي، أي: نزل به ملك الموت والملائكة الكرام ﵇. قوله: «طفق» بكسر الفاء وفتحها، والكسر أفصح، وبه جاء القرآن، ومعناه: جعل، قوله (خميصة) بالمعجمة والصاد المهملة: كساء له أعلام، قوله: «فإذا أغتم بها كشفها» أي: عن وجهه. قوله: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١)، يبين أن من فعل مثل ذلك حل عليه من اللعنة ما حل على اليهود والنصارى، قوله: «يحذر ما صنعوا» الظاهر أن هذا من كلام عائشة ﵂؛ لأنها فهمت من قول النبي ﷺ ذلك تحذير أمته من هذا الصنيع الذي كانت تفعله اليهود النصارى في قبور أنبيائهم، فإنه من الغلو في الأنبياء ومن أعظم الوسائل إلى الشرك. ومن غربة الإسلام أن هذا الذي لعن رسول الله ﷺ فاعليه تحذيرًا لأمته أن يفعلوه معه ﷺ ومع الصالحين من أمته قد فعله الخلق الكثير من متأخري هذه الأمة، واعتقدوه قربة من القربات، وهو من أعظم السيئات والمنكرات، وما شعروا أن ذلك محادة الله ورسوله. قال القرطبي (٢) في معنى هذا الحديث: «وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام». اهـ. إذ لا فرق بين عبادة القبر ومن فيه وعبادة الصنم. وتأمل قول الله تعالى عن نبيه يوسف بن يعقوب حيث قال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٦] نكرة في سياق النفي تعم كل شرك. قوله: «ولولا ذلك» أي: ما كان يحذر من اتخاذ قبر النبي ﷺ مسجدًا.

стр. 978

لأبرز قبره وجعل مع قبور الصحابة الذين كانت قبورهم في البقيع، قوله: «غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا» روي بفتح الخاء وضمها، فعلى الفتح يكون هو الذي خشي ذلك ﷺ ، وأمرهم أن يدفنوه في المكان الذي قبض فيه، وعلى رواية الضم يحتمل أن يكون الصحابة هم الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الأمة، [فلم يبرزوا قبره خشية أن يقع ذلك من بعض الأمة] (١)، غلوًا وتعظيمًا بما أبدى وأعاد من النهي والتحذير منه ولعن فاعله. قال القرطبي: «ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي ﷺ فأعلوا (٢) حيطان تربته وسدوا المداخل (٣) إليها، وجعلوها محدقة بقبره ﷺ ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة [إذا كان] (٤) مستقبل المصلين، فتتصور (٥) الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال؛ حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره». انتهى (٦).

стр. 979

السادس: قوله: «عن جندب بن عبد الله». أي: ابن سفيان البجلي، وينسب إلى جده، صحابي مشهور مات بعد الستين. قوله: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل» (١) أي: أمتنع عما لا يجوز لي أن أفعله، والخلة فوق المحبة، والخليل: هو المحبوب غاية الحب مشتق من (الخلة) بفتح الخاء، وهي تخلل المودة في القلب، كما قال الشاعر: قد تخللت مسلك الروح مني … وبذا سمي الخليل خليلا (٢). هذا هو الصحيح في معناه، كما ذكره شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير (٣). قوله: «فإن الله اتخذني خليلا» فيه بيان أن الخلة فوق المحبة، قال ابن القيم (٤) ﵀: «وأما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من الخلة وأن إبراهيم خليل الله ومحمدًا حبيب الله، فمن جهله، فإن المحبة عامة، والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة، وقد أخبر النبي ﷺ أن الله قد اتخذه خليلا، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب [ومعاذ بن جبل] (٥) وغيرهم. وأيضًا فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين،

стр. 980

وَيُحِبُّ الصابرين (١) وخلَّته خاصَّةً بالخَلِيلَيْن». قوله: «ولو كنت متَّخِذًا خليلًا لاتَّخَذْتُ أبا بكر خليلًا» فيه بيان أن الصِّدِّيق أفضل الصحابة، وفيه الردُّ على الرافضة وعلى الجهمية، وهما شرُّ أهل البدع، وأَخْرَجَهُم بعض السلف من الثلاث وسبعين فرقة (٢)، وبسبب الرافضة حدث الشِّرْكُ وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد، قاله المصنف ﵀، وهو كما قال بلا ريب. وفيه إشارة إلى خلافة أبي بكر؛ لأن من كانت محبَّتُه لشخص أشد كان أولى به من غيره، وقد استخلفه على (٣) الصلاة بالناس (٤)، وغضب ﷺ لما قيل: يصلي بهم عمر، وذلك في مرضه الذي توفي فيه ﷺ (٥). واسم أبي بكر عبد الله بن عثمان (٦) الصديق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ وأفضل الصحابة بإجماع من يعتدُّ بقوله من أهل العلم، مات في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون سنة. قوله: «ألا» حرف استفتاح «وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد» الحديث. قال الخطابي (٧): وإنكار النبي ﷺ صنيعهم هذا مُخَرَّج (٨) على وجهين:

стр. 981

أحدهما: إنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا (١). الثاني: إنهم يجوّزون الصلاة في مدافن الأنبياء والتوجه إليها حالة الصلاة، نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء. والأول هو الشرك الجلي، والثاني الخفي، فلذلك استحقوا اللعن. قوله: «فقد نهى عنه في آخر حياته» أي: كما في حديث جندب، وهذا من كلام شيخ الإسلام، وكذا ما بعده. قوله: «ثم إنه لعن، وهو في السياق من فعله» كما في حديث عائشة. قلت: فكيف يسوغ بعد (٢) هذا التغليظ من سيد المرسلين أن تُعظم القبور ويبنى عليها ويصلى عندها وإليها؟ هذا أعظم مشاقة ومحادة الله تعالى ولرسوله ﷺ لو كانوا يعقلون. وقوله: «والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد» أي: من اتخاذها مساجد، الملعون فاعله، وهذا يقتضي تحريم الصلاة عند القبور وإليها. السابع: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» (٣). رواه أحمد وأهل السنن وصححه ابن حبان والحاكم، قال ابن القيم (٤) ﵀: وبالجملة؛ فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه وفهم عن رسول الله ﷺ مقاصده، جزم جزمًا لا يحتمل النقض أن هذه المبالغة واللعن والنهي بصيغتيه (٥): صيغة (لا تفعلوا) وصيغة «إني أنهاكم عن ذلك». ليس لأجل

стр. 982

النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة لمن عصاه وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم من لا إله إلا الله، فإن هذا وأمثاله من النبي ﷺ صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له، وغضب لربه أن يعدل به سواه، فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكابًا لنهيه، وغرهم الشيطان بأن هذا تعظيم القبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم لها أشد تعظيمًا وأشد فيهم غلوًّا كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد، ولعمر الله! من هذا الباب دخل الشيطان (١) على عُبَّاد يغوث ويعوق ونسر، ودخل على عبّاد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة، فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم، فهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها من العبودية، وسلب خصائص الإلهية عنهم». قوله: «فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا»، أي: لما علموا من تشديده في ذلك، وتغليظه [النهي عنه] (١) ولعن من فعله. قوله: «وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا»: أي: وإن لم يُبْنَ مسجد، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدًا، يعني: وإن لم يُقصد بذلك، كما إذا عرض لمن أراد أن يصلي فأوقع الصلاة [في ذلك الموضع الذي حانت الصلاة] (٢) عنده من غير أن يقصد ذلك الموضع بخصوصه، فصار بفعل الصلاة فيه مسجدًا. قوله: كما قال: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (٣) أي: فسمى الأرض مسجدًا تجوز الصلاة في كل بقعة منها، إلا ما استثنى من المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها كالمقبرة ونحوها، قال البغوي في «شرح السنة» (٤): «أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، فأباح الله لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا؛ تخفيفًا عليهم وتيسيرًا، ثم خص من جميع المواضع الحمام والمقبرة والمكان النجس» (٥). اهـ. الثامن: قوله: «ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود مرفوعًا: «إن من شرار

стр. 983

الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» (١)». قوله: «إن من شرار الناس بكسر الشين، جمع شرير، قوله: «من تدركهم الساعة وهم أحياء» أي: مقدماتها، كخروج الدابة؛ وطلوع الشمس من مغربها؛ وبعد ذلك ينفخ في الصور نفخة الفزع. قوله: «والذين يتخذون القبور مساجد» معطوف على خبر (إن) في محل نصب على نية تكرار العامل، أي: وإن من أشرار (٢) الناس الذين يتخذون القبور مساجد، أي: بالصلاة عندها وإليها وبناء المساجد عليها. وتقدم في الأحاديث الصحيحة أن هذا من اليهود والنصارى، وأن النبي ﷺ لعنهم على ذلك؛ تحذيرا للأمة أن يفعلوا مع نبيهم وصالحيهم مثل اليهود والنصارى، فما رفع أكثرهم بذلك رأسًا، بل اعتقدوا أن هذا الأمر قربة إلى الله، وهو مما يبعدهم عن رحمته ومغفرته، والعجب أن أكثر من يدعي العلم ممن هو من هذه الأمة لا ينكرون ذلك، بل ربما استحسنوه ورغبوا في فعله، فلقد اشتدت غربة الإسلام وعاد المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير. قال شيخ الإسلام: [﵀] «أَمَّا بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عنه متابعة للأحاديث الصحيحة، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريمه قال: ولا ريب في القطع بتحريمه» ثم ذكر الأحاديث في ذلك إلى أن قال: «وهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين أو الملوك وغيرهم تتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين (٣)». وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: «يجب هدم هذه القباب التي بنيت على القبور؛ لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ (٤)». وقد أفتى جماعة من الشافعية بهدم ما في القرافة من الأبنية، منهم: ابن الْجُمَيْزي والظهير التَّزْرَمِتي (٥).

стр. 984

وغيرهما (١). وقال القاضي ابن كج: «ولا يجوز أن تجصص القبور، ولا أن يبنى عليها قباب [ولا غير قباب] (٢)، والوصية بها باطلة» (٣). وقال الأذرعي: «وأما بطلان الوصية ببناء [القباب وغيرها من] (٢) الأبنية وإنفاق الأموال الكثيرة؛ فلا ريب في تحريمه» (٤). وقال القرطبي في حديث جابر: «نهى أن يجصص القبر أو يبنى عليه» (٥): ويظاهر هذا الحديث قال مالك وكره البناء والجص على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه (٦). وقال ابن رشد: «كره مالك البناء على القبر وجعل البلاطة المكتوبة» (٧).

стр. 985

وهي (١) من بدع أهل الطُّول أحدثوه إرادة الفخر والمباهاة والسُّمعة، وهو مما لا اختلاف فيه. وقال الزيلعي في «شرح الكنز»: «ويكره أن يبنى على القبر» (٢) وذكر قاضي خان: «إنه لا يجصص القبر ولا يبنى عليه؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن التجصيص والبناء فوق القبر (٣)، والمراد بالكراهة عند الحنفية ﵏ كراهة التحريم، وقد ذكر ذلك (٤) ابن نجيم في «شرح الكنز»، وقال الشافعي ﵀: «أكره أن يعظم مخلوق، حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس» (٥)، وكلام الشافعي ﵀ يبين أن مراده بالكراهة كراهة التحريم. قال الشارح ﵀: «وجزم النووي ﵀ في شرح المهذب (٦) بتحريم البناء مطلقًا، وذكر في شرح مسلم (٧) نحوه أيضًا، وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة إمام الحنابلة صاحب المصنفات الكبار، كـ «المغني» و «الكافي» وغيرهما، - رحمه الله تعالى: (٨): ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور، لأن النبي ﷺ ، قال: لعن الله اليهود والنصارى (٩) الحديث، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات واتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عندها». انتهى (١٠). قال شيخ الإسلام [ابن تيمية] (٨) ﵀: «أما المقبرة فلا فرق فيها بين الجديدة والعتيقة انقلبت تربتها أو لم تنقلب ولا فرق بين أن يكون بينه و [بين الأرض] (١١) حائل أو لا، لعموم الاسم وعموم العلة، ولأن النبي ﷺ لعن الذين
следующие страницы →