← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30200

النكت على كتاب البرهان

التقي المقترح

Полный текст (282 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

[٦٩] قوله: « فإن قيل: إن ثبت لكم الجواز على تأويل التوصل ، وفرض العقاب» إلى آخره. «فقد أجاب القاضي: إن ذلك من مجال الفقهاء». ثم خالفه الإمام أنه «يترقى عن مراتب الظنون» (١). قال الشيخ: من شرط المختلفين: أن يتواردا على محل واحد، وليس الأمر ههنا كذلك، فإن الإمام يقول إن وجوب التوصل يترقى عن مراتب الظنون صحيح، والقاضي كلامه في وقوع الجائز، فما تواردا على محل واحد (٢). [٧٠] قوله: « فإن قيل: أتقطعون أنهم معاقبون في الدار الآخرة على ترك فروع الشَّرْعِ » (٣)؟ إلى قوله: «وتارك الواجب معاقب» (٤). قال الشيخ: هذا ليس بكلام سديد، فإن المسؤول عنه المعاقبة على ترك

стр. 107

الفروع. وما ذكره الإمام معاقبة على ترك التوصل، فَغَالطَ ولم يجب عن السؤال. وفيه أيضا مناقضة أصله، وهو أنه قال متقدما: «إذا مضى من الزمان ما يسع الشرط والمشروط، فلا يمتنع أن يعاقب» (١). فلم يجزم بالمعاقبة، وجزم ههنا بالمعاقبة، فقد ناقض أصله.

стр. 108

القول في العلوم ومداركها وأدلتها (١) [٧١] قوله: « مدارك العلوم ». قال الشيخ: إنما ذكر المدرك، لأنه أعم من الدليل، لأن المدرك يشتمل على علم الحواس وغيرها. [٧٢] قوله: «قال القاضي ﵁: العقل من العلوم» (٢) إلى آخره. قال الشيخ: لفظ العقل مشترك؛ يطلق ويراد القود، ويراد به التؤدة، ويطلق ويراد به بعض العلوم، ومذهب القاضي أن العقل علوم ضرورية بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ووجوب الواجبات. ودليله: أن نقول: لأنا لو قدرنا خروجه عن العلوم، فلا يخلو: إما أن يكون في محل أو لا. إن لم يكن في محل، فهو باطل من وجهين: أحدهما - هو أنه يلزم منه أن تكون نسبته إلى كل محل نسبة متساوية. الثاني - هو أن الجواهر متماثلة، فإذا أوجب حكمًا لجوهر، يلزم أن يوجب لسائر الجواهر مثل ذلك الحكم. وإن كان في محل، فإما أن يكون مثلًا للعلوم أو ضدًا أو خلافًا. إن كان مثلًا، فإما أن يكون مثلًا لجميعها أو للبعض، لا جائز أن يكون مثلا للجميع،

стр. 109

لأن العلوم مختلفة في نفسها، والشيء الواحد لا يماثل المختلفات. ولا جائز أن يكون مثلًا للبعض منها، فإنه يلزم أن يكون علما، لأن مثل العلم علم، ونحن فرضنا أنه خلاف. ولا جائز أن يكون ضدًا للعلوم، لأنه يلزم منه عدم الاجتماع، والعلم والعقل مجتمعان. وإن قدرنا أنه خلاف فيلزم أن يكون أحدهما شرطا في الآخر. فلا يخلو: إما أن يكون العلم شرطًا في العقل، أو العقل شرطا في العلم. إن قدرنا أن العقل شرط في العلم يلزم منه أن يوجد العقل مع انتفاء العلم، وجاز أن يعقبه أضداده، ومن جملة أضداده الشك، فيلزم أن يكون عاقلا شاكًا في وجود عقله، وهو محال. وإن كان العلم شرطًا في العقل لزم منه وجود العلم بدون العقل، وهو محال، تعين أن يكون من العلوم. ولا يخلو: إما أن يكون كلها أو بعضها، لا جائز أن يكون كلها، فإن العلم النظري أبدًا يكون مسبوقًا بالعقل، فانحصر في العلوم الضرورية، وليس أيضا كلها، فإن من عدم حواسه عادم للعلم الضروري، وهو على كمال من عقله، تعين أن يكون علمًا ضروريًا بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ووجوب الواجبات، فلا يخلو إما أن يكون العقل كل هذه الأقسام أو [واحدًا] منها [معينًا] (١) أو واحدًا لا بعينه، لا جائز أن يكون كلها، لأنه يلزم منه:

стр. 110

[إذا] (١) ذهل الشخص عن النظر في الجواز ونظر في الاستحالة ألا يكون عاقلا، وهو محال. وإن كان واحدا معينا يلزم منه على تقدير الذهول ذلك أيضا. وإن كان واحدا لا بعينه لزم منه أن يحس الناظر خلافا في أحوال نفسه، بناء على اختلاف نفسه، وإنه محال. فإن قيل: العقل خلاف العلوم. قلنا: فيكون شرطا فيها. فإن قيل: هو شرط فيها. قلنا: فيلزم منه انتفاء العلوم مع وجوده. فإن قال: نعم يجوز ذلك. قلنا: يلزم أن يعقبه أضداده، ومن جملة أضداده الشك، فيكون عاقلا شاكا في وجود نفسه، وهو محال. فإن قيل: ما المانع أن تعقبه أضداده كلها إلا الشك [. . .] (٢). [٧٣] قوله: « وما حوَّم عليه أحد من علمائنا إلا الحارث بن أسد المحاسبي (٣)، فإنه قال: العقل: غريزة يتأتَّى بها درك العلوم، وليست منها» (٤). وحدَّه الإمام بأنه: «صفة يتأتى بها درك العلوم». قال الشيخ: لفظ الغريزة يشعر بالصلاحية فقط، ولفظ الصفة أنها تقوم بالمحل، فالصفة أعم من الغريزة، فأتى بلفظ الغريزة لأنهما مشتركان في المعنى.

стр. 111

[٧٤] فَصْلٌ قوله: «لم ينكر من يبالى به من العقلاء أصل العلوم، ونقلوا عن السوفسطائية (١) إنكار العلوم، وهم أربع فرق: الأولى وهم غلاتهم - يعني المتغالين في العناد - قالوا: نعلم ألا علم» (٢). قال الشيخ: هؤلاء في كلامهم تناقض، لأنهم قالوا: نعلم أن لا علم، فيلزم [. . .] (٣). والفرقة الثانية في كلامهم أيضا تناقض، لأنهم شكوا في العلوم، وجوّزوا أنهم عالمون. والفرقة الثالثة أنكروا العلوم النظرية، وعللوا ذلك بأن الذين يحاولونها سيالون. قال الشيخ: للسيلان على رأيهم معنيان: * أحدهما - أن الجواهر لا تبقى زمانين، فالجوهر الموجود في أول زمان غير الجوهر الموجود في ثاني زمان، فينقطع النظر لأجل ذلك عليهم، فتصور فيه:

стр. 112

* المعنى الثاني - قالوا: الجواهر تبقى، ولكن الأعراض لا تبقى. فأول جزء النظر ينقضي ويذهب، ويزول العلم به عند الشروع في الجزء الثاني. ومن شرط حصول العلم: ارتباط الجزءين، وكونهما معلومين في الذهن. فلأجل ذلك لا يحصل العلم بالمنظور. قال الشيخ: هذا الذي [ذكروه] (١) عنه جوابان: * أحدهما - لا نسلم أن في انقضاء الجزء الأول أنه يزول العلم به، بل الجزء الأول مستمر النظر. * الثاني - نسلم أنه ينقضي وينقضي العلم به، إلا أنه يتذكر عند فراغه من الجزء الثاني، فتحصل النتيجة بالتذكر. ولا فرق بين تذكر النظر وابتداء النظر. الفرقة الرابعة: تغالوا في جهة الثبوت، وجعلوا العقود التي ليست علوما علما، وهم بالضد من الفرقة الأولى». [٧٥] فَصْلٌ في حقيقة العلم وحَدِّه قال الشيخ: اختلف الناس أولًا في العلم، هل يحدُّ أم لا؟ من الناس من قال: إنه لا يحد، ولهم في المنع وجهان: أحدهما - هو أن المنطيقيين [يشترطون] (٢) في الحد الجنس الأقرب، ولم يوجد ذلك في العلم، و [يشترطون] (٣) ذكر

стр. 113

جميع الذاتيات، كما يقال: عرض لون سواد، فاللون جنس أقرب. وفي العلم يقال: عرض علم، فلهذا لا يحد (١). وأما الأصوليون فقالوا: لم توجد له عبارة دالة على حقيقته وماهيته، فلا يحد. ومن الناس من حده. [٧٦] واختلفت عبارتهم فيه، فقال قوم: «العلم تبيُّن المعلوم على ما هو به» (٢). قال الشيخ: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما - هو أنه ليس بجامع، فإن العلم القديم يخرج منه، لأنه علم وليس بتبين. الثاني - هو أنه يخرج منه بعض العلوم الحادثة، وهو العلم البديهي، فإنه علم وليس بتبين. [٧٧] قوله: « وقال أبو الحسن: العلم: ما أوجب لمن قام به كونه عالما » (٣). وقال صاحب الكتاب: «إنه مدخول» (٤)، لأنه يجري في أمثاله كما أشار (٥).

стр. 114

قال الشيخ: هذا الحد لا يصح لوجوه: أحدها - هو أن الحقائق المختلفة يجب أن تكون لها حدود مختلفة ليتيمز بعضها عن بعض، وهذا الحد ليس كذلك، وإذا شملها حد واحد فلا يصح التمييز. الثاني - هو أن من شرط الحد: أن تُعْرَف حقيقته؛ ليُفْصَح (١) عنها، وهذا ليس كذلك. الثالث - هو أن من عرف لفظا ولم يعرف حقيقة مدلوله أمكنه أن يشتق منه اسم فاعل، ولا يفيده معرفة الحقيقة، فمن باب أولى أن [لا] (٢) يفيد بالنسبة إلى القابل (٣)، بل يكون باطلا. الرابع - قوله «ما أوجب»، إما أن يكون العلم أوجب أو زائدا عليه؛ إن كان العلم أوجب: فباطل، لأن العلم لا يوجب نفسه. وإن كان زائدا عليه: فأنت لا تقول بالأحوال، فقولك: ما أوجب لمحله لا يصح. [٧٨] وقال الأستاذ ابن فورك (٤): «حد العلم ما يصح من المتصف به

стр. 115

إحكام الفعل وإتقانه» (١). قال الشيخ: هذا لا يصح من وجوه: * الأول - هو أن الحد من شرطه: أن يكون مطردا منعكسا، وهذا ليس كذلك. فإن العلم بالمستحيلات ووجوب الواجبات علوم، ولا يمكن من المتصف بها الإتقان. * الآخر - هو أن الحد فيه تركيب، والتركيب في الحد يبطله. فائدة: عند المنطقيين لابد في الحد من التركيب. قال الشيخ: ليس بينهما خلاف، فإن التركيب الذي أراده المنطقيون غير ما أراده الأصوليون. مراد المنطقيين بالتركيب: هو المركب من الجنس والفصل، وهو صحيح في الحد. والتركيب الذي أراده الأصوليون: هو تداخل الحقائق، وهو يبطل الحدود. وهو موجود ههنا، لأنه أدخل القدرة والإرادة في العلم، وهي حقائق متباينة (٢). * الثالث - أن يقال له: القدرة من جملة الحد أو خارجة عنه؟ إن كانت داخلة، فيلزم التركيب المفسد للحدود. وإن كانت خارجة، فالعلم بانفراده لا يصح به الإحكام، لأن العالم العاجز لا يتصور فيه ذلك.

стр. 116

[٧٩] «وقالت المعتزلةُ في حدِّ العلمِ: « اعتقادُ الشيءِ على ما هو به » (١). فأبطل عليهم «باعتقاد المقلد»، كما أشار، وهو «الحشويُّ من الحنابلةِ». قال الشيخُ: إنما نقض عليهم بذلك، لأنَّهُ ينكر النظر ويقول: لا دليل إلا في الكتاب والسنة، فزادوا في الحدِّ زيادة خرج بها اعتقاد المقلد، وهو قولهم: ضرورة أو نظرًا. قال الشيخُ: وهذا باطل من وجوهٍ: * الأولُ - قولُهُ: اعتقاد، هو مأخوذ من الانعقاد والافتعال، والعلم مشعر بالانشراح والثلج، فهو نقيضه. * الثاني - قولُهُ: الشيءُ، والشيءُ عندهم الموجود أو المعدوم الذي يصحُّ وجوده، وعندنا نحن إنما هو الموجود، والعلم بالمستحيلاتِ ليست موجودة، ولا يصحُّ وجودها (٢). * الثالثُ - قولُهم: مع طمأنينة النفسِ (٣). هذا يشعر بالمعية، والمعية تشعر بالتغاير، ولا تغاير في الحدِّ. * الرابعُ - قولُهُ: إذا وقع ضرورة أو نظرًا، هذا تقسيم في الحدِّ، والتقسيم في الحدِّ يبطلُهُ، لأنَّهُ يشعر بالتشكيكِ، والمطلوب بيان الحقيقةِ.

стр. 117

[٨٠] « وقال القاضي: العلم معرفة المعلوم على ما هو به » (١). قال الشيخ: لو اقتصر على قوله «معرفة» لكان [كافيًا] (٢) في الحد. فائدة: قال الشيخ: ذكره معرفة المعلوم يشعر أنها من الصفات المتعلقة، وفيه أيضا إشارة إلى نفي من يقول بوجود علم ولا معلوم له، وهم بعض المعتزلة. وقوله: «على ما هو به»، فيه ضرب من التأكيد لا غير. [٨١] قوله: « ولست أرى ما قاله القاضي سديدا » (٣) إلى آخره. قال الشيخ: ليس بينهما خلاف، لأن الإمام يشير إلى الحد الحقيقي، والقاضي يشير إلى الحد اللفظي، لأن عنده الحد ليس هو المحدود، وإنما هو دالٌّ على المحدود. [٨٢] قوله: «فإن قيل: قد تتبعتم كلام المحققين بالنقض» (٤) إلى قوله: «بمباحثة نبغي بها تمييز مقصودنا عما عداه» (٥). قال الشيخ: وجَّه الإمام على نفسه [سؤالين] (٦): * الأول - المطالبة بحقيقة الحد. * والآخر - هل هو من جنس الحد أم لا. أجاب عن الثاني: بأنه لا

стр. 118

يُحد، ثم تعرض إلى درك حقيقته بالتقاسيم، وهو قوله: بمباحثة. [٨٣] قوله: «الجهل (١) يتعلق بالمعتقد على خلاف ما هو عليه، [والعلم] (٢) يخالفه في ذلك» (٣). إلى آخره. فإن قيل: ما ذكره من الفرق بين العلم والجهل، لم يفرق به بين الاعتقاد الصحيح والجهل. قال الشيخ مجيبًا عنه: الفرق بينهما إنما أراد الإمام ملازمة وجوب تعلق العلم للعلم، وعدم تغيره، بخلاف الاعتقاد، فإنه يجوز أن يتغير معتقده، مع بقاء الاعتقاد على صورته. فهذا مراده فافترقا، وإن لم يدل ظاهر لفظه عليه (٤). [٨٤] قوله: «فنقول: عقد المقلد إذا لم يكن له مستند عقلي فهو على القطع من جنس الجهل» (٥). فإن قيل: هذا الاحتراز ما فائدته؟ مع أن العقود كلها ليس لها مستندات، وإنما هي قبول قول بلا دليل. قال الشيخ مجيبا: يحتمل كلام الإمام معنيين: الأول - أن نقول: قد ثبت لكم أن عقد المقلد لا مستند له، أي لا متعلق له.

стр. 119

الآخر - أن نقول: عقد المقلد إذا لم يكن له مستند عقلي، يريد الأحكام العقلية كالجواز والاستحالة. [٨٥] قوله في المثال: « من سبق إلى عقده أن زيدًا في الدار، ولم يكن فيها ، واستمر العقد حتى دخلها زيد، فحال المعتقد لم يختلف» (١) إلى آخره. فإن قيل: ما ذكرته غير كافٍ في بيان المماثلة بين الاعتقاد والجهل، فإن [المثلين] (٢) هما المشتركان في جميع صفات النفس. ومن جملة الصفات التعلق بمتعلق خاص، فإن اتحد متعلقهما حصل التماثل، وإن تعدد فلا يحصل. قال الشيخ: المتعلق في هذه الصورة متحد، وهو كون زيد في الدار، وإخلاف حال المتعلق لا يضر. [٨٦] قوله: « وقد نقل النقلة عن أبي هاشم: إن العلم بالشيء والجهل به مثلان » (٣) إلى آخره. قال الشيخ: تخطئته النقلة في ذلك بالاستنباط لا يقبل، فإنهم أولى منه بالنقل، فإنهم كانوا في زمانه ومطلعين على أحواله، اللهم إلا أن ينقل عن أبي هاشم، ولم ينقل، بل ذكر عناية عنه (٤). [٨٧] قوله: «فإذا ظهر ذلك قدمنا أمرًا آخر، وقلنا: الشاك يرتبط عقده

стр. 120

بأن زيدًا في الدار أم لا» (١). قال الشيخ: عقد الشاك لا يصح، لأن الشاك لا عقد له، وإنما هو معنى آخر متردد بين أمرين، وباب الاسترابة غير باب التصميم. [٨٨] قوله: « وقد يطرأ على العالم [المحقق] (٢) سؤال صادر عن عقد له تقليدي » (٣) كما أشار. قال الشيخ: مثاله: وهو أن يكون يعلم بالدليل أن الله تعالى ليس بجسم، ويعتقد أن الله تعالى متكلم بحرف وصوت، فيرد سؤال على عقده التقليدي، يلزم منه نقيض ما علمه بالدليل، وهو أن الله تعالى جسم، فلو كان عقده علمًا، بطل عليه لا محالة، إلا أنه يذهل عن علمه، ويضرب عنه، محافظة على عقده التقليدي، «والعلم يحاذيه» (٤) كما ذكر إلى آخره. [٨٩] «فَصْلٌ يحتوي على أقاويل من مدارك العلوم نقل أصحاب المقالات عن بعض الأوائل حصر مدارك العلوم في المحسوسات» (٥) إلى آخره.

стр. 121

قال الشيخ: لا يصح ما قالوه لوجهين: * الأول - هو أن علم الإنسان بآلامه ولذاته وحزنه وفرحه، والعلم بالمستحيلات واجتماع المتضادات كلها علوم، وليس من الحواس. * الآخر - أن نقول لهم: الذي حصرتم به مدارك العلوم في الحواس إما أن يكون منها أو غيرها، محال أن يكون منها، لأنه لم يدرك بالحواس، وإن كان من غيرها، فقد اعترفتم بما يبطل دعواكم الحصر. [٩٠] قوله: « قال الأوائل: إن العلوم تتشكَّل في الحواس ، وما يدرك بالنظر العقلي لا يتشكل، فهو معقول» (١). قال الشيخ: مذهبهم أن في مقدم الدماغ قوة تسمى الحس المشترك يرتسم فيها مثال المعلومات، وسائر الحواس موصلة إليها، فكل ما ارتسم في هذه القوة عندهم يسمى معلوما، وما لم يرتسم فيها من المعلومات ويدرك بنظر العقل يسمونه معقولا. وهذه جهة الغلط من النقلة على ما فسره الإمام. [٩١] قوله: « مدارك العلوم: الإلهام » (٢). قال الشيخ: أرادوا به أن العلوم كلها تعلم ضرورة. وهذا ينقسم عندهم قسمين: فما كان مختصا يسمى إلهاما، وما كان عاما ولم يختص يسمى ضروريا.

стр. 122

[٩٢] قوله: « وقال المشبهة: لا مدرك للعلوم إلا الكتاب والسنة والإجماع » (١). قال الشيخ: هؤلاء ينكرون النظر، وهم مختلفون في ذلك، فمنهم من يقول: إن النظر لا يوصل إلى شيء، ومنهم من يعترف بأنه يوصل إلى العلم، إلا أن الإقدام عليه حرام. [٩٣] قوله: « وقال المحققون: مدارك العلم الضروريات » (٢) إلى آخره. قال الشيخ: أشار إلى خلاف بين الأصحاب في النظريات، حيث قال «في رأي بعض (٣) الأصحاب: إنها مقدورة بالقدرة الحادثة». [٩٤] قوله: « والمرتضى المقطوع به عندنا أن العلوم كلها ضرورية » (٤)، ثم استدل عليها إلى آخره. قال الشيخ: الضروري لفظ مشترك، يطلق على أقسام: يطلق ويراد به ما لم يتقدمه نظر، وفي مقابلته ما تقدمه نظر. وهذا القسم لا خلاف فيه. ويطلق أيضا ويراد به ما لم يتقدمه دليل، وفي مقابلته ما تقدمه دليل، بمعنى أنه مستدل عليه. وهذا القسم محل الخلاف. ومن المخالفين فيه الإمام.

стр. 123

ويطلق ويراد به: ما [يَمَسُّ] (١) ضرورة، ويطلق ويراد به: ما ليس بمقدور، وفي مقابلته ما هو مقدور. وهو أيضا مختلف فيه، وهو الذي أراده الإمام. [٩٥] قوله: «إذا استد نظره ولم تعقبه آفة، فالعلم يحصل من غير فرض خيرته» (٢). قال الشيخ: هذا إنما يصح على رأي من يقول: إن القدرة الصالحة للشيء صالحة لضده، والإمام ممن يرى ذلك. فإن قيل: لا نسلم أن القدرة صالحة للشيء وضده، وما المانع أن يكون قادرًا على الفعل، ولا يكون قادرا على الترك؟ ولا يلزم من عجزه عن الترك أن يكون غير مقدور له. [٩٦] قوله: « وأما المعتزلة فإنهم فهموا أن العلوم غير مباشرة بالقدرة الحادثة » (٣) إلى قوله: «إن النظر يولدها توليد الأسباب مسبباتها» (٤). قال الشيخ: هذا محل خلاف بين المعتزلة والإمام، مع كون العلم عنده ليس مباشرا بالقدرة الحادثة كما يقولون، وهو لا يقول بالتولد أصلا، بل يقول: إن الله تعالى يخلق العلم ضرورة عند تمام النظر في مطرد العادة، ولهذا

стр. 124

إن المكلف به عند الإمام إنما هو النظر. [٩٧] قوله: « ثم رتَّب أئمتنا أدلة العقول ترتيبا » (١). فذكره إلى قوله: «بناء الغائب على الشاهد» (٢). قال الشيخ: يعني بالشاهد: ما علم أولا، وبالغائب: ما كان مرتبا عليه. [٩٨] قوله: « ثم حصروا الجوامع في أربعة أصناف » (٣). إلى آخره. قال الشيخ: الدليل على الحصر أن نقول: الجامع إما أن يكون متحدا أو لا، فإن كان متحدا، فهو الجامع بالحقيقة، وإن كان زائدا، فإما أن يتلازما أو لا، فإن لم يتلازما، فلا يدل أحدهما على الآخر، وإن تلازما، فإما أن يتلازما من الطرف الواحد، أو من الطرفين. إن تلازما من الطرفين، فهو الجامع بالعلة، وإن تلازما من الطرف الواحد، فإما أن يكون في طرف الوجود، أو طرف العدم. فإن كان في طرف الوجود، فهو الجمع بالدليل، وإن كان في طرف العدم، فهو الجمع بالشرط. [٩٩] قوله: « وقد تكون المقدمة ضرورية والنتيجة نظرية » (٤). قال الشيخ: ينبغي أن تعرف الاصطلاح في المقدمة والنتيجة، وفيه اصطلاحات: اصطلاح للإمام يسمي المقدمة الثانية نتيجة توسعا. واصطلاح

стр. 125

غيره من المتكلمين يسمي المقدمة الثانية مرتبة. [١٠٠] قوله في المثال الثاني: « قد تكون المقدمة نظرية، والنتيجة ضرورية » (١). قال الشيخ: هذا لا يصح، لأن الضروري لا يسبقه نظر. وهذا إذًا مسبوق بالنظر، فلا يكون ضروريًا. وأيضًا: فإن (الضروريُّ النظريُّ) (٢) مستند إلى الضروري، فهو أصل له، فكيف يستنتج الأصل من الفرع؟ نعم، ظاهر كلام الإمام أن ترتب النتيجة على مقدمة واحدة، وهو غير جائز على رأي المنطقيين، ولا ينتج الدليل عندهم إلا من مقدمتين. لكن العذر عن الإمام ما ذكرناه أنه توسع واصطلاح محض. [١٠١] قوله: « والقول الجامع في ذلك: إن قام دليل على المطلوب في الغائب، فهو المطلوب، ولا أثر لذكره في الشاهد» (٣). قال الشيخ: يكون لذكر الشاهد فائدة، وهو أن يكون دليل الدليل [مختصا] (٤) بالشاهد، ولا يوجد في الغائب، ولا يلزم من عدمه في الغائب

стр. 126

انتفاء الجامع، لأن عكس [الجامع] (١) غير لازم. [١٠٢] قوله: « فأما السبر والتقسيم الدائر بين النفي والإثبات ، فقد ينتهض ركنًا في النظر الصحيح» (٢). قال الشيخ: إنما يصح ذلك في برهان الخلف، لا برهان المستند، وهو المشار إليه بقوله: [١٠٣] « فَصْلٌ» يجمع قول الأصحاب في مراتب العلوم (٣) إلى آخره. [١٠٤] قوله في المرتبة الرابعة: « إنما تأخرت بعد المحسوسات لتطرق إمكان التواطؤ » (٤). قال الشيخ: إنما تأخرت لدفع الإيالة (٥). [١٠٥] قوله: « وقد اختلفوا في هذه الأقسام » (٦).

стр. 127

قال الشيخ: هذا ليس هو اختلافا في العلوم، وإنما هو اختلاف في الطرق، لأنه لو كان اختلافا في العلوم، لكان أحدهما خفيا، والخفي يناقض العلم. [١٠٦] «ومما اختلف فيه الخائضون تقديم ما يدرك بالحواس على ما يدرك بالعقل» (١)، إلى قوله: «وهي عرضة الآفات» (٢). قال الشيخ: مذهب القلانسي (٣) ليس بمرضي، لأن الضروري يتقدم على النظري لا محالة، فإن الحواس وإن كانت عرضة للآفات - كما ذكر، فالخطأ يقع في النظريات أكثر؛ من جهة إيقاع الناظرين في الشُّبَه. [١٠٧] قوله: «ومن أحاط بحقيقة العلم واعتقد أن العلوم كلها ضرورية، فلا يتخيل فيها تقديما وتأخيرا» (٤). قال الشيخ: لا حاجة إلى ذكر الضروريات، فإن العلوم لا تفاوت فيها، سواء كانت ضرورية أو نظرية، والدليل أمران: أحدهما - أنا لو قدرنا علمًا أبين من علم، وهو محال، لأن الخفاء

стр. 128

يناقض العلم (١). الثاني - هو أن العلمين إما أن يتحد متعلقهما، أو يتعدد، فإن اتحد متعلقهما، كانا مثلين، [والمثلان] (٢) يجب اشتراكهما في جميع صفات النفس، ومن صفة النفس كونه كاشفا للمعلوم على ما هو به، وقد اشتركا. فلا تفاوت فيه. وإن تعدد متعلقهما، فلا تفاوت أيضا، لأن التفاوت إنما يكون بعد الاشتراك في الأصل، ولم يشتركا في أصل التعلق بمتعلق خاص، فكيف يتخيل فيهما تفاوتًا؟ فإن قيل: «إذا رأى الرائي شخصا في الغلس، ثم رآه بعد الغلس، فإنه يحس من نفسه تفاوتًا بين العلمين. دل ذلك على التفاوت». وهذا للغزالي. قال الشيخ مجيبا: هذا التفاوت المحسوس إنما هو راجع إلى زيادة معلومات، وهو زيادة علم آخر، لا أنه راجع إلى زيادة في العلم نفسه. فإن قيل: لو قدرنا عدم تفاوت العلم للزم أن يكون علمنا [مماثلًا] (٣) لعلم النبي ﷺ وقد دلت ظواهر الأخبار أن علمه مفاوت لعلمنا. قال الشيخ: عنه جوابان: الأول - هو أن الرسول ﷺ اطلع على صفة للباري تعالى لم نطلع

стр. 129

عليها، فيكون ذلك [راجعًا] إلى زيادة علم بمعلوم آخر، وليس هذا [تفاوتًا] (١) في العلم. * الثاني: أن نقول: يجوز أن يكون النبي ﷺ عَلِمَ ربه بوجوه أدلة لم نطلع نحن على جميعها، فيكون علمه بسبب ذلك أدوم من علمنا، فيرجع التفاوت إلى أعداد العلوم لا إلى نفس العلم. وأيضًا: فإن الغفلة والذهول بعيدة عن النبي ﷺ بخلاف من عداه، فيرجع التفاوت أيضًا إلى أعداد العلوم لا إلى نفس العلم. [١٠٨] « فَصْلٌ فيما يدرك بالعقل، وفيما يدرك بالسمع لا غير » (٢) إلى آخره. قال الشيخ: حصر جواز الجائزات ووجوب الواجبات في العقلية ليس بحاصر من جهة أن المستحيلات والجائزات تدرك بغير العقل [كالرؤية] (٣).

стр. 130

[١٠٩] وقوله: «العقلية لا التكليفية» (١). قال الشيخ: لما كان اللفظ [شاملا] (٢) للعقلي والشرعي، احترز بذكر العقلي عن الشرعي. [١١٠] وقوله: «فيما يدرك بالسمع لا غير - في وقوع الجائزات وانتفائها -» (٣): قال الشيخ: هذا أيضا غير حاصر، فإن من الجائزات ما يدرك وقوعه بغير شرع، فإن الإنسان قد يكون في بيت مغلق عليه ويعلم طلوع الشمس من غير إخبار مخبر بها، وكذلك يعلم بنا [حية] (٤) أو موضع من غير أن يخبر بذلك شرع. [١١١] قوله: «وما يدرك بالعقل والسمع جميعا» (٥) إلى آخر الفصل. وقد ذكر الضابط فيه. قال الشيخ: ومعناه كل ما كان مقدمة في إثبات صدق الرسول، فلا يكون صدق الرسول مقدمة في إثباته. [١١٢] قوله في المثال: «في جواز الرؤية وخلق الأعمال وأحكام القدر» (٦).

стр. 131

قال الشيخ: هذه الفنون إما أن تكون موقفا للعقل أم لا، فإن كانت من مواقف العقل، فلا تدرك إلا بالسمع، وإن لم تكن من مواقف العقول، فهي تدرك بالعقل. [١١٣] «فَصْلٌ يشتمل على مقدار من مدارك [العقول] (١) تمس الحاجة إليه في مسائل الأصول» (٢) إلى آخره. قال الشيخ: خلاصة كلام الإمام في هذا الفصل، أن قال: [ليس] (٣) ثم وسيلة تسمى دليلا، بل العلوم كلها ضرورية غير متلقاة من دليل أصلا. وقال غير الإمام من الأصحاب: نحن ندرك التفرقة بين ما إذا ربطنا موجودًا بموجود ليس بينهما نسبة، وبين ما إذا ربطنا موجودا بموجود بينهما نسبة، مثل أن نقول: «حادث؛ فدل على أنه لا بد له من مُحْدِثٍ»، فهذا يعقل بينهما ارتباط عقلي، بخلاف ما إذا قلنا مثلا: «جوهر؛ فيدل على أن له [مُحْدِثًا] (٤)»، فلا يعقل بينهما ارتباط، ولا فرق بينهما، إلا أن أحدهما

стр. 132

مشعر، والآخر غير مشعر، ولا معنى للدليل إلا الإشعار بالمدلول. قال (١): ونقل الأصحاب وجهًا آخر: وهو أنهم قالوا: لو فرضنا برهانًا على الملازمة بين شيئين، فذلك الوسط هو المشعر بالملازمة، كما نقول مثلًا في شيء ملازم لشيء، وذلك الشيء له ملازم آخر، فنقول في الوسط: الملازم للملازم ملازم. فهذا الوسط أشعر بالملازمة بينهما، وهو معنى الدلالة. [١١٤] قوله: «وتلك الأنحاء يؤول حاصل القول فيها إلى تقاسيم منضبطة بين النفي والإثبات» (٢). قال الشيخ: هذا ليس عامًا في جميع البراهين، فإن من البراهين ما يكون برهانًا مستدًا في ثوابت، وليس منحصرًا بين نفي وإثبات، فقال معتذرًا عن الإمام: ليس ثم برهان ولا يمكن إدارته بين النفي والإثبات. [١١٥] قوله: «والدليل القاطع على رأي الإسلاميين أن ما يتصف به حادث، فهو موسوم بحكم النهاية يستحيل أن يدرك حقيقة ما لا يتناهى» (٣). قال الشيخ: ظاهر هذا الكلام دعوى مجردة، وهو مراد الإمام، وذلك أن صفات الباري تعالى تتعلق بما لا يتناهى: على التفصيل، وتعلقها على هذا الوجه من خواصها. فلو قلنا: إن العلم الحادث يتعلق بها على التفصيل، للزم أن يتعلق بخاصيتها، وهو تعلقها بما لا يتناهى. ولا يتصور هذا إلا بعد العلم بالمتعلقات،

стр. 133

وذلك مستحيل مع عدم النهاية، لأنه لو تعلق بها لحصرها، والحصر يشعر بالتناهي، وقد فرضنا أنها غير متناهية. والدليل على أن العلم الحادث لا يتعلق بما لا يتناهى: لأنه لو عدم، لخلفه ضده، وهو الجهل بما لا يتناهى؛ ضرورة أن المحل لا يخلو عن الشيء أو ضده. ولو خلفه ضده، جاز أن يقوم به علم متناهي، ويلزم منه اجتماع الضدين، أو خلو المحل عن النقيضين، وهو محال. [١١٦] قوله: «وعبَّر الأوائل عن ذلك بأن قالوا: تصرف الإنسان» إلى قوله: «ما يحتمله من العقل عليه» (١). قال الشيخ: يحتمل أن يراد به العقل الفياض، فيكون معناه: أفاض على الإنسان علوما متناهية. ويحتمل أن يراد به العقل الفعَّال، [فيكون] (٢) - محمولًا على عقل الإنسان - معناه: أن العقل الفعَّال أفاض على الإنسان عقلا بقدر ما يحتمله تركيبه. وهذا الثاني مراد الإمام، وهو المطابق لقول الإسلاميين على ما أشار إليه الإمام. [١١٧] قوله في المثال: «إن العقل يقضي بجواز تحرك جسم ساكن، وهذا الجواز حكم مبتوت في العقل، وهو نقيض الاستحالة» (٣). قال الشيخ: وبعد وقوع الحركة؛ العقل أيضًا يقضي بالجواز. قيل له: بعد وقوع الحركة، كيف يحكم عليها بالجواز؛ وإذا وقع الشيء فقد وجب؟

стр. 134

قال الشيخ في الجواب: هذا باطل، لأنه يفضي إلى رفع حكم الجواز من العقل، لأن الشيء لا يخلو إما أن يكون معدومًا أو موجودًا، فيلزم أن يحكم عليه - على هذا الرأي - بأنه واجب العدم في حال عدمه، ويحكم عليه بأنه واجب الوجود في حال وجوده، وفي ذلك رفع الجواز من العقل، وهو محال. [١١٨] قوله: «وأما الجواز بمعنى التردد والشك فكثير، ونحن نكتفي فيه بمثال» (١) إلى آخره. والمذهب الثالث هو الذي يتحقق فيه المثال، لأنه تردد وشك. قال الشيخ: مرتضى الإمام أن الأجناس منحصرة. واستدل عليه: بأنها لو لم تكن منحصرة، لتعلق العلم بآحادٍ لا تتناهى، وهو مستحيل. والدليل على ذلك: أنا لو طرقنا إليها الزيادة أو أنقصنا من المعلومات شيئًا، للزم النقصان أو الزيادة، وهو فيما لا يتناهى مستحيل. وهذا هو الدليل الذي ذكره على استحالة حوادث لا تتناهى (٢). قال الشيخ: يرد عليه سؤال بأن يقال: وهو أن الحوادث تتحقق فيها الزيادة والنقصان، بحيث يقطع منها تارة، ويزاد عليها أخرى، بخلاف المعلومات؛ فإن العلم يتعلق بها على ما هي عليه، فلا يتصور النقصان فيها والعلم متعلق بها. قال الشيخ: ولما ألزم الإمام على هذا الدليل أن علم الله تعالى يتعلق بآحادٍ

стр. 135

لا تتناهى على التفصيل، قال في الجواب: معنى علم الله بها: استرساله عليها. وبيانه على رأيه: أن المعلومات عنده ثلاثة: أحدها - ما تحقق وجوده، فهذا معلوم تفصيلًا، فإنه منحصر بالوجود. والثاني - ما لا يصح وجوده، فهذا الذي يعلم استرسالًا، لأنه لا يقع، فلا يشترط فيه التخصيص ولا القدرة. والثالث - ما يصح أن يوجد. فعذره عنه أن قال بعد أن ثبت له انحصار الأجناس: إن الأدوار معلومة تفصيلا، ومعناه: أنه يعلم من كل جنس آحادًا مخصوصة، خمسة أو عشرة مثلًا، ويعلم تخصيصها بزمان ومكان. فيوقع الدور إلى آخره، ثم يعود إلى الدور. [١١٩] قوله في الأدوار: «تحصر آحادًا من كل جنس» (١). قال الشيخ: يقال له: هذه الآحاد المحصورة تجوز الزيادة عليها أم لا؟ إن قال: لا تجوز، كان محالًا، من جهة أن الجائز يمتنع أن يقضى عليه بالاستحالة، فلابد أن يقال: يجوز، فيقال له: ذلك الجائز، علمه الباري أو لم يعلمه؟ فإن قال: يعلمه، فقد انتقض ما قاله، من أنه لا يدخل في العلم آحادٌ لا تتناهى. وإن قال: لا يعلمه، فيستحيل وقوعه منه، مع جواز وقوع مثله، وهو محال، من جهة أن المثلين هما المشتركان فيما يجب ويجوز ويستحيل. فإذا صح إيقاع أحد المثلين، صح إيقاع المثل الآخر. وإن استحال إيقاعه، استحال إيقاع الآخر.

стр. 136

قال الشيخ: الاسترسال يطلق بمعنيين: أحدهما - أن يكون العلم صالحا لأن يتعلق بالآحاد. والثاني - اندراج الآحاد تحت الأجناس، وكلاهما باطلان. أما الصلاحية في العلم فمحال، من جهة أنه يلزم من ذلك أن يوجد علم ولا معلوم له، وهذا معلوم البطلان. وأما الثاني، وهو اندراج الآحاد تحت الأجناس، فلا يستقيم على أصل الإمام، لأنه ينبني على القول بالأحوال، وهو لا يقول به. قال الشيخ: يقال للإمام: إذا كانت الأجناس هي العلوم، والآحاد مندرجة تحتها، فلم لا نقول: أحد الأجناس هي العلوم، وبقيتها مندرج تحتها؟ قال الإمام مجيبًا (١): هذه الأجناس مختلفة بالخواص، فلا يلزم من العلم بخاصية جنس واحد؛ العلم بخاصية جنس آخر مغاير لها، بخلاف آحاد كل جنس فارقه (٢).

стр. 137

[١٢٠] «فَصْلٌ مدارك العلوم في الدين ثلاثة في التقسيم الكلي» (١) قال الشيخ: الفرق بين هذا الفصل وبين ما يدرك بالسمع لا غير، [وما] (٢) يدرك بالعقل لا غير: وذلك أن الكلام في الفصل المتقدم في المدركات، وهذا الفصل في المدارك؛ فافترقا. وقال أيضًا: فرق آخر: وهو أن الكلام ههنا في مدارك الدين، وفيما تقدم فيها وفيما عداها، فيكون أعم. [١٢١] قوله: «والقدر الذي يتفطن له العاقل أن العالم لا يخلو عن نطق نفسي» (٣) إلى آخره. قال الشيخ: ادعاء الأستاذ (٤) أن ذلك الخبر مدرك ضرورة. قال الإمام: لا يكون إلا على وفق العلم، فيكون خبر صدق. فإن قال قائل: إن الخبر يكون على خلاف العلم، كان ذلك باطلا لوجهين: أحدهما - هو أنه لا يخلو إما أن يجتمع هو والخبر الصدق القائم بذات الباري تعالى، أم لا؛ فإن اجتمعا، لزم اجتماع الضدين وهو محال،

стр. 138

وإن لم يجتمعا بذات الباري تعالى؛ لزم منه عدم القديم، وقيام الحادث بذات الباري تعالى، وهما محالان. الثاني - أنَّه لو صح أن يقوم به خبر كذب، لكان ذلك واجبًا له، لأنَّ ما صح عليه وجب، ويلزم منه انتفاء الصدق عنه مطلقا، ولا يخفى بطلان ذلك. [١٢٢] قوله: «ولكن غرضنا في ذلك أنَّ المعجزة [تكون] (١) فعلًا لله خارقًا للعادة» (٢). قال الشيخ: هذا الحد ليس بجامع، فإنَّه لو تحدى متحدٍّ بعدم الجبال أو البحار أو بأن لا يقوم أحد من منامه في يوم مخصوص، فإنَّها تكون معجزة وليس بفعل. يقال جوابا عن الحد: هذه الأشياء راجعة إلى فعل، وليست [عدمًا] (٣). ومن الناس من قال جوابا آخر، وهو أن زاد في الحد بأن قال: «فعل أو ما يقوم مقام الفعل. . .». [١٢٣] قوله: «فلاد يستريب ذو لب أن ذلك جرى قصدًا تصديقًا له» (٤). قال الشيخ: قوله: «قصدًا»، فيه مسامحة من جهة أنَّ التصديق كلام الله تعالى، وذلك قديم، والقديم لا يصح أن يقصد، وإنَّما يقصد الحادث المتطرق إليه وجوه الجواز. [١٢٤] قوله: «فإن قيل: أيتصف الرب تعالى بالاقتدار على أن يظهرها

стр. 139

على يد كذاب» إلى قوله: «معتقدي وجوب وصف الباري تعالى بالاقتدار على هذا لا محالة» (١). قال الشيخ: اختلف الأصوليون في دلالة المعجزة، هل هي عادية أو دلالة عقلية؟ * من قال إن دلالتها دلالة عقلية: فعلى هذا لا يجوز ظهورها على يد كذاب، لأن الدليل العقلي يجب طرده، ولو ظهرت على يد كذاب لأدى إلى نقض الدليل. والدليل على أن دلالة المعجزة دلالة عقلية: هو أن اختصاصها بالنبي دون غيره يدل على أن ثَمَّ [مخصصًا] (٢) خصصها به دون غيره، وصار ذلك كوجوب فعل في زمن دون زمن؛ يدل عقلا أن له مخصصًا خصصه بذلك الزمن دون غيره. فإن قيل: فما المانع من إظهاره على يد كذاب لقصد الإضلال، ومن أصلكم: أن الله تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء؟ قلنا جوابا: من أصلنا أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، لكن لا بنصب دليل. والدليل على ذلك أمران: * أحدهما - هو أنه لو نصب دليلا على يد كذاب، لأدى إلى أن يكون الدليل الواحد يدل على الشيء ونقيضه، وذلك محال.

стр. 140

* الآخر - هو أنه لو كان كذلك، لأدى إلى انقلاب الدليل شبهة، والعلم [جهلًا] (١). * ومن قال إن دلالتها عادية: فعلى هذا يجوز أن تظهر على يد كذاب. ومن جملة القائلين بذلك الإمام، لأنه قال في الجواب: «معتقدي وجوب وصف الباري» (٢) إلى آخره. فإن قيل للإمام: إنما يستقيم ذلك على تقدير أن لا يكون ثَمَّ دليل سوى المعجزة، فما دليل الحصر في المعجزة؟ قال مجيبًا: لا يخلو إما أن يكون الفعل معتادًا أم لا. فإن كان معتادًا، فنسبته إليه وإلى غيره نسبة متساوية، وإن لم يكن معتادًا، فلا يخلو إما أن يسبقه تحدٍّ أم لا. فإن لم يسبقه تحدٍّ، فنسبته إليه وإلى غيره على حدّ سواء، وإن سبقه تحدٍّ فهو المعجزة. [١٢٥] «فَصْلٌ فأما الإجماع فقد أسنده معظم العلماء إلى نص الكتاب، وذكروا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ (٣) الآية» (٤). قال الشيخ: الآية لا يصح الاستدلال بها، لأنها عامة، ويحتمل أن يكون المراد بها الكفار، والمحتملات لا يستدل بها على القطعيات. [١٢٦] قوله: «وصدق الرسول لا يؤخذ من السمعيات، بل صدق

стр. 141

الرسول ثبت بالمعجزة، والمعجزة متلقاة من جهة الله تعالى، مأخوذة من دليل العقل، ودلالتها على الصدق مأخوذة من قضايا العرف وانخراق العادة» (١). [١٢٧] «فَصْلٌ قال الأصوليون: الأدلة العقلية هي التي [يقتضي] (٢) النظر فيها العلم بالمدلولات» (٣) إلى آخره. قال الشيخ: لفظ «الاقتضاء» يشعر بالملازمة كاقتضاء العلة معلولها، والعلة المقتضية تجامع معلولها، والنظر يضاد العلم، فلا يتصور وجوده معه، ولا مجامعته له، ولا يتصور فيه الاقتضاء. [١٢٨] قوله: « وهي تدل لأنفسها وما هي عليه من صفاتها » (٤). قال الشيخ: ليس هذا كلاما سديدا، فإن الدليل قد يكون وجودا وقد يكون عدما، والعدم ليس له صفة نفس، فلا يصح ما قاله. [١٢٩] قوله: «ثم تمام الغرض في ذلك أن المعقولات تنقسم إلى البدائه» (٥) إلى قوله: «إن لم تطرأ عليه آفة ضد (٦)» (٧).

стр. 142

قال الشيخ: هذا ليس محمولا على مطلق الأضداد، وإنما هو محمول على أضداد عامة، وهي كلها لا يلزم من ذكرها حضور المدلول بالبال. فهذا ينتفي بنفسه، فلا يحتاج إلى احتراز عنه. [١٣٠] قوله: «ثم ليس في العقليات على الحقيقة انقسام إلى خفي وجلي، فإن قصاراها كلها العلم الضروري» (١). قال الشيخ: لا حاجة إلى ذكر الضروري، فإن العلم إذا كان [كسبيًّا] (٢) ليس فيه تفاوت. وقال أيضا في الخفاء والجلاء: هذا إنما يرجع إلى طرق العلم الموصلة إليه، وإنما العلوم لا يتطرق إليها الخفاء ولا غيره. [١٣١] قوله: «ثم البرهان ينقسم إلى البرهان المستد وإلى الخلف» (٣). قال الشيخ: هذا الذي ذكره اصطلاح الأصوليين. [١٣٢] قوله: « والأحكام الإلهية كلها تستند إلى برهان الخلف » (٤). قال الشيخ: هذا ليس بسديد، فإن من الأحكام الإلهية ما يوجد من المستد، فإن دلالات الصفات بعضها على بعض، ودلالة التخصيص على الإرادة، وكذلك الإرادة على العلم، فهذه دلالة [مستدة] (٥)، وليست من برهان الخلف.

стр. 143

[١٣٣] قوله: « واستكمال ذلك يستدعي طرفًا من الكلام صالحًا في البيان » (١). قال الشيخ: لأنه لما ذكر مسالك العقل بكماله، أراد أن يذكر أدلة السمع بكمالها. ومن جملة كمالها البيان، فاحتاج إلى ذكره.

стр. 144

« القول في البيان (١). . .» إلى آخره. [١٣٤] قوله: « وقال بعض من ينسب إلى الأصوليين: إن البيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح » (٢). ثم اعترض عليه بما ذكره إلى آخره. قال الشيخ: اختلف الناس في ألفاظ الاستعارة والمجاز، هل تستعمل في الحدود أم لا؟ فقال قائلون: لا تستعمل أصلًا، لما فيها من اللبس على السامع. وقال آخرون: تستعمل في الحدود، لأن فيها دلالة على الجملة. وفصّل آخرون بين المستعمل المشهور وبين ما ليس كذلك؛ فإن كان مشهورًا استعمل، وهو رأي الإمام في «الشامل» (٣). ولا شك أن لفظ الحيز والتجلي ههنا مشهوران، لأنه لا يفهم من إطلاق لفظ الحيز ههنا تحيز الجوهر، بل يفهم منه التجلي والوضوح، فلا يرد اعتراض الإمام على ما ذكره.

стр. 145

[١٣٥] قوله: « والمرتضى عندنا ما ذكره القاضي حيث قال: البيان: هو الدليل » (١). قال الشيخ: لا يخلو أمره إما أن يريد بالدليل ما يكون مرشدًا على الجملة، أو يريد به الدليل المصطلح عليه، وهو المركب من المقدمات والنتائج، فإن أراد به الأول، فهو قريب، وكلامه صحيح. وإن أراد الثاني كان الحدُّ ليس بجامع، فإن المعاني المفردة لا تقتنص بالبراهين، وإنما تؤخذ من الحدود، فيكون هذا القسم من لفظه، فبطل حدُّه. [١٣٦] قوله في: «المرتبة الثانية: كلام بيّن واضح، واستشهد بآية الوضوء» (٢) إلى قوله: «ولكن في أثنائها حروف لا يحيط بها إلا بصير في العربية» (٣). قال الشيخ: أراد بالحروف حرف «الواو» في كونه عطف المغسول على الممسوح، لأن فيه [خيالًا] (٤) من جهة أن المعطوف والمعطوف عليه هل يجب اشتراكهما في الحكم جملة وتفصيلا، أو جملة دون تفصيل؟ وهذا لا يحيط به إلا بصير في العربية. [١٣٧] قوله: « المرتبة الثالثة - ما جرى ذكره في الكتاب ، وبيان تفصيله محالٌ على المصطفى ﷺ » إلى قوله: «﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾» (٥) (٦).
следующие страницы →