← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30200

النكت على كتاب البرهان

التقي المقترح

Полный текст (282 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الرسول ثبت بالمعجزة، والمعجزة متلقاة من جهة الله تعالى، مأخوذة من دليل العقل، ودلالتها على الصدق مأخوذة من قضايا العرف وانخراق العادة» (١). [١٢٧] «فَصْلٌ قال الأصوليون: الأدلة العقلية هي التي [يقتضي] (٢) النظر فيها العلم بالمدلولات» (٣) إلى آخره. قال الشيخ: لفظ «الاقتضاء» يشعر بالملازمة كاقتضاء العلة معلولها، والعلة المقتضية تجامع معلولها، والنظر يضاد العلم، فلا يتصور وجوده معه، ولا مجامعته له، ولا يتصور فيه الاقتضاء. [١٢٨] قوله: « وهي تدل لأنفسها وما هي عليه من صفاتها » (٤). قال الشيخ: ليس هذا كلاما سديدا، فإن الدليل قد يكون وجودا وقد يكون عدما، والعدم ليس له صفة نفس، فلا يصح ما قاله. [١٢٩] قوله: «ثم تمام الغرض في ذلك أن المعقولات تنقسم إلى البدائه» (٥) إلى قوله: «إن لم تطرأ عليه آفة ضد (٦)» (٧).

стр. 142

قال الشيخ: هذا ليس محمولا على مطلق الأضداد، وإنما هو محمول على أضداد عامة، وهي كلها لا يلزم من ذكرها حضور المدلول بالبال. فهذا ينتفي بنفسه، فلا يحتاج إلى احتراز عنه. [١٣٠] قوله: «ثم ليس في العقليات على الحقيقة انقسام إلى خفي وجلي، فإن قصاراها كلها العلم الضروري» (١). قال الشيخ: لا حاجة إلى ذكر الضروري، فإن العلم إذا كان [كسبيًّا] (٢) ليس فيه تفاوت. وقال أيضا في الخفاء والجلاء: هذا إنما يرجع إلى طرق العلم الموصلة إليه، وإنما العلوم لا يتطرق إليها الخفاء ولا غيره. [١٣١] قوله: «ثم البرهان ينقسم إلى البرهان المستد وإلى الخلف» (٣). قال الشيخ: هذا الذي ذكره اصطلاح الأصوليين. [١٣٢] قوله: « والأحكام الإلهية كلها تستند إلى برهان الخلف » (٤). قال الشيخ: هذا ليس بسديد، فإن من الأحكام الإلهية ما يوجد من المستد، فإن دلالات الصفات بعضها على بعض، ودلالة التخصيص على الإرادة، وكذلك الإرادة على العلم، فهذه دلالة [مستدة] (٥)، وليست من برهان الخلف.

стр. 143

[١٣٣] قوله: « واستكمال ذلك يستدعي طرفًا من الكلام صالحًا في البيان » (١). قال الشيخ: لأنه لما ذكر مسالك العقل بكماله، أراد أن يذكر أدلة السمع بكمالها. ومن جملة كمالها البيان، فاحتاج إلى ذكره.

стр. 144

« القول في البيان (١). . .» إلى آخره. [١٣٤] قوله: « وقال بعض من ينسب إلى الأصوليين: إن البيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح » (٢). ثم اعترض عليه بما ذكره إلى آخره. قال الشيخ: اختلف الناس في ألفاظ الاستعارة والمجاز، هل تستعمل في الحدود أم لا؟ فقال قائلون: لا تستعمل أصلًا، لما فيها من اللبس على السامع. وقال آخرون: تستعمل في الحدود، لأن فيها دلالة على الجملة. وفصّل آخرون بين المستعمل المشهور وبين ما ليس كذلك؛ فإن كان مشهورًا استعمل، وهو رأي الإمام في «الشامل» (٣). ولا شك أن لفظ الحيز والتجلي ههنا مشهوران، لأنه لا يفهم من إطلاق لفظ الحيز ههنا تحيز الجوهر، بل يفهم منه التجلي والوضوح، فلا يرد اعتراض الإمام على ما ذكره.

стр. 145

[١٣٥] قوله: « والمرتضى عندنا ما ذكره القاضي حيث قال: البيان: هو الدليل » (١). قال الشيخ: لا يخلو أمره إما أن يريد بالدليل ما يكون مرشدًا على الجملة، أو يريد به الدليل المصطلح عليه، وهو المركب من المقدمات والنتائج، فإن أراد به الأول، فهو قريب، وكلامه صحيح. وإن أراد الثاني كان الحدُّ ليس بجامع، فإن المعاني المفردة لا تقتنص بالبراهين، وإنما تؤخذ من الحدود، فيكون هذا القسم من لفظه، فبطل حدُّه. [١٣٦] قوله في: «المرتبة الثانية: كلام بيّن واضح، واستشهد بآية الوضوء» (٢) إلى قوله: «ولكن في أثنائها حروف لا يحيط بها إلا بصير في العربية» (٣). قال الشيخ: أراد بالحروف حرف «الواو» في كونه عطف المغسول على الممسوح، لأن فيه [خيالًا] (٤) من جهة أن المعطوف والمعطوف عليه هل يجب اشتراكهما في الحكم جملة وتفصيلا، أو جملة دون تفصيل؟ وهذا لا يحيط به إلا بصير في العربية. [١٣٧] قوله: « المرتبة الثالثة - ما جرى ذكره في الكتاب ، وبيان تفصيله محالٌ على المصطفى ﷺ » إلى قوله: «﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾» (٥) (٦).

стр. 146

قال الشيخ: فإن قيل: هذا مجمل، فكيف عدَّه من مراتب البيان؟ قلنا: فيه بيان من حيث الجملة، وهو أصل الحكم على الجملة، ولا بأس بأن يبيِّن الشيء في مقصوده، ويجمل في غير مقصوده. [١٣٨] قوله في قول الشافعي ﵁ في صفة المفتي: « من عرف كتاب الله نصًا واستنباطا » (١) إلى آخره. قال الشيخ: أراد بالنص: الكتاب والسنة، من جهة أن مدلول السنة هو مدلول الكتاب. وأراد بالاستنباط: القياس. [١٣٩] قوله: «وقال الأصفهاني ابن داود (٢): أغفل الشافعي الإجماع، وهو من أدلة الشرع» (٣). قال الشيخ: عنه جوابان: أحدهما - ما قاله بعض أصحاب الشافعي: لأن الإجماع دليل النص، وقد ذكر النص. فإن قيل: فينبغي أن لا يذكر أيضًا القياس، لأنه مستند إلى النص. قلنا: هذا لا يرد، لأن الإجماع دل على عين ما دل عليه النص، فاستغنى بذكر أحدهما عن الآخر، بخلاف القياس، فإنه إنما دل على وجوب العمل به، وليس دالًا على مدلوله، فلذلك أفرده بالذكر.

стр. 147

الثاني - هو أن من المحتمل أن يكون الشافعي تعرض لمراتب البيان الموجودة في كل عصر، والإجماع لم يوجد في عصر النبي ﷺ ، فلهذا أغفله. [١٤٠] قوله: « والظاهر ليس بيانًا » (١). قال الشيخ: إنما بناه على أصله، فإن البيان عنده هو الدليل، وهو لا يسمي الظاهر دليلا، وإنما يسميه أمارة، وهو اصطلاح. [وأيضا] (٢): فمن صورة البيان عنده أن يفيد العلم، والظاهر لا يقبل (٣) العلم. [١٤١] قوله: « والمرتبة الخامسة في المفهوم ، وهو ينقسم إلى مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة» (٤) إلى آخره. قال الشيخ: مفهوم الموافقة: هو أن يفهم في المسكوت عنه وفق ما يفهم في المنطوق به. ومفهوم المخالفة: هو أن يفهم في المسكوت عنه عكس ما يفهم في المنطوق به. [١٤٢] قوله: « والسادسة: القياس. وهو ينقسم إلى ما في لفظ الشارع له إشارة » (٥) إلى آخره. قال الشيخ: اختلف الأصوليون في أن النص على التعليل هل هو نص

стр. 148

على التعميم أم لا؟ من قال إنه نص على التعميم: فليس الحكم عنده [مأخوذًا] (١) من القياس، بل هو مأخوذ من النص في جميع الصور. ومن قال بأنه ليس نصًا على التعميم: كان الحكم عنده مأخوذًا من القياس. قال الشيخ: سؤال الأصفهاني الوارد على الشافعي في ترتيب البيان يرد على هذه المراتب التي ذكرها الأصحاب، لأن كلا منهم لم يذكر الإجماع، وقد تقدم الجواب عنه في كلام الشافعي. [١٤٣] قوله: «[والمدلولات] (٢) المتلقاة من الإجماع - ومنها خبر الواحد والقياس - يقع ثالثًا» (٣)، فقد عدَّه من المرتبة الثالثة. قال الشيخ: هذا على أصله ليس من مراتب البيان، فإن البيان عنده هو الدليل، وهو لا [يفيد إلا] (٤) الظن. [١٤٤] « فَصْلٌ الفن الثالث: في مسألة تأخير البيان اعلم أن البيان لا يسوغ تأخيره عن وقت الحاجة» (٥) إلى آخره. قال الشيخ: يقال: لا يمتنع ما منعتموه وقوعًا وتصورًا. أما التصور فقيامه

стр. 149

في حق الواحد منا أن يأمر عبده بأمر على هذه الصورة، فدلَّ ذلك على أنه من الجائزات، وليس من المستحيلات لذاته. فإن قيل: لا نسلم ذلك، بناء منهم على قاعدة الصلاح والأصلح؛ فقد أبطلناها فيما تقدم. [١٤٥] قوله: « المسلك الثاني - يتعلق بمناقضتهم مذهبهم » إلى قوله: «وليس لهم عن هذا جواب» (١). قال الشيخ: ليس كما ذكر، بل يمكنهم الجواب بأن يقولوا: الصيغة في صورة النسخ لا إجمال فيها، فإن المأمور مبيَّن جملة وتفصيلا. [غايته] (٢) أن الإبهام في شيء لم يذكر، ولا حرج في ذلك على المكلف، بخلاف ما نحن فيه، فإن الإجمال في نفس الصيغة الدالة على المطلوب. [١٤٦] قوله في «المسلك الثالث - فنقول: قد ورد الأمر بالحج، ولم يتعلق به تفصيله دفعة واحدة» (٣). قال الشيخ: فإن قيل: وقت البيان عندنا بيان الحكم السابق، وإنما هو عندنا نسخ، لأنه نسخ ذلك الحكم، وهذا عندنا خطاب جديد. قلنا: هذا لا يصح على أصل الخصم، لأنه لا يصح عنده نسخ الحكم إلا بعد الفعل، ولم يسبق هذا فعل، فلا يصح النسخ.

стр. 150

[١٤٧] قوله: « فإن قالوا: مخاطبة المكلف بما لا يفهم لا فائدة فيه » (١). قال الشيخ: عنه جوابان: الأول - لا نسلم أنه لا فائدة فيه، بل يجوز أن يكون فيه فائدة، ولم نطلع نحن عليها. الثاني - وإن سلمنا جدلًا أنه لا فائدة فيه، فَلِمَ قلتم إنه يجب على الله تعالى رعاية الفائدة؟ بل يجوز أن يحكم الله تعالى لا لفائدة.

стр. 151

[١٤٨] « القول في اللغات ومآخذها وألفاظ جرى رسم الأصوليين بالكلام عليها » (١) إلى آخره. [١٤٩] قوله: « اعلم أن معظم الكلام في أصول الفقه يتعلق بالألفاظ والمعاني » (٢). قال الشيخ: هو يشير إلى أن من الكلام على أصول الفقه ما لا يتعلق بالألفاظ، ولا بمعاني. . . (٣)، وهو الجواز والاستحالة، مثل تكليف ما لا يطاق وأمثاله. [١٥٠] « مسألة: اختلف أرباب الأصول في مأخذ اللغات » إلى قوله: «وصار صائرون إلى أنها تثبت اصطلاحا وتواطؤًا» (٤). قال الشيخ: من جملة القائلين بهذا القول المعتزلة، وتمسكوا بوجهين: * أحدهما - أن قالوا: لو كانت اللغات تؤخذ توقيفا لاستدعت خطابًا، والتوقيف يستدعي مخاطبة، والخطاب إما أن يكون بالكلام النفسي أو بالألفاظ، والمعتزلة نفوا الكلام النفسي، والألفاظ التي تخاطب (٥) يستدعي

стр. 152

أن تكون موقفة بألفاظ أخر، وكذلك في الثالث، فيفضي إلى التسلسل، وهو محال. [١٥١] قوله: « وذهب الأستاذ أبو إسحاق في طوائف من الأصحاب إلى [أن] (١) القدر الذي يفهم منه التواطؤ لا بد أن يفرض فيه التوقيف» (٢). قال الشيخ: يعني الأستاذ أن الاصطلاح يستدعي لفظا معروفا بين المتخاطبين، وذلك اللفظ لا بد أن يكون توقيفا، لأنه لو كان اصطلاحا استدعى لفظا آخر معلوما بين المصطلحين عليه، وذلك يفضي إلى التسلسل. وهو محال. فلا بد من فرض التوقيف. [١٥٢] « مسألة: ذهب بعض من ينتمي إلى أصحابنا في طوائف من الفرق إلى أن اللغة لا يمتنع إثباتها قياسًا ، وإنما قالوا ذلك في الأسماء المشتقة» (٣) إلى آخره. قال الشيخ: ذكروا ذلك في الأسماء المشتقة دون الأسماء الجوامد وأسماء الأنواع والأجناس، وهذا غير سديد على إطلاقه، فإن الأسماء المشتقة قد نقل أيضا عن العرب فيها ثلاثة أقسام: قسم [يطردون] (٤) فيه الاشتقاق، وقسم منعوا فيه اطراد الاشتقاق مطلقا، وقسم [شككنا] (٥) فيه؛ ولم نعلم طردوا فيه الاشتقاق أو منعوا. ومسألة النزاع مفروضة في هذا.

стр. 153

أما [القسمان الأولان] (١)، فلا يتصور النزاع فيهما، لأنا إذا علمنا الاشتقاق، فيكون هذا [مأخوذا] (٢) من اللفظ، وليس من طريق القياس. وإذا علمنا أنهم منعوا من طرد الاشتقاق، فيمتنع القياس، [لئلا] (٣) يلحق بلغتهم ما ليس منها، فتعين أن يكون محل النزاع القسم الثالث. ووجه إبطال القياس فيه: هو أنا إذا شككنا في أنهم [يجوزون] الاطراد و [يمنعون] (٤)؛ فتعيين أحد القسمين لا سبيل إليه إلا بسمع، ولم ينقل لنا عن العرب شيء في ذلك، فيمتنع القياس (٥). [١٥٣] «مسألة: في ألفاظ استعملتها العرب وجرت في الشرع على أنحاء لم تعهد في اللغة المحضة» (٦) إلى آخره. [١٥٤] قوله: «أما القاضي فقد استمر على لجاج ظاهر، فقال: الصلاة هي الدعاء فحسب» (٧) إلى آخره. قال الشيخ: خلاصة مذهب القاضي أنه يقول: إن الصلاة الدعاء، والركوع والسجود مشروط فيها. [١٥٥] « والمختار عندنا في ذلك » إلى آخره.

стр. 154

قال الشيخ: خلاصة ما قال: إن الركوع والسجود يسمى عنده دعاء تجوزا. وقال الشيخ: مذهبه في الحقيقة راجع إلى مذهب القاضي، وليس بينهما فرق إلا من وجه واحد، وهو أن القاضي يعترف بأن الركوع والسجود داخلان في مسمى الصلاة من جهة الشريعة، والإمام يقول إنما تجوز بذلك الشارع نفسه، وإلا فكل ما قاله الإمام من الوجهين اللذين بنى عليهما مذهبه؛ القاضي يقول بهما. والله أعلم. تمت المقدمة. وأما الكلام على العربية، فقد ذكرناه في غير هذا المجموع، فليطلبه طالب هذا الشأن.

стр. 155

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [١٥٦] « كِتَابُ الأوامر الأمر من أقسام الكلام » (١). قال الشيخ: الأمر لفظ مشترك. يطلق تارة على الأمر القائم بالنفس، ويطلق تارة على الأمر والشأن. فجمعه على الأمر والشأن أمور، وجمعه في الاقتضاء [أوامر] (٢). [١٥٧] قوله: « واختلف جواب أبي الحسن في تسمية العبارات كلاما » إلى قوله: «إنه كلام على الحقيقة» وإلى قول الإمام «إن الكلام جنس ذو حقيقة» (٣). قال الشيخ: ليس الإمام مخالفًا لقول أبي الحسن، فإن أبا الحسن أراد بالحقيقة الحقيقة اللغوية، وأراد الإمام بالحقيقة الحقيقة العقلية، فلا خلاف بينهما، لأنهما لم يتواردا على محل واحد. [١٥٨] قوله: « إن الآمر يجد من نفسه الاقتضاء وجدانًا ضروريًا » (٤).

стр. 156

قال الشيخ: مدار النظر في المسألة إنما هو الميز بين الكلام وما عداه من الصفات التي من شرطها الحياة، وليس كلها، بل ما تلبس به فقط، مثل الإرادة والعلم. والغرض من ذلك يحصل بثلاثة أشياء: أحدها - بالنظر إلى الخاصية. والثاني - بالنظر إلى الأحكام العرضية. والثالث - بالنظر إلى وجود أحدها دون الآخر. * بيان الأولى - هو الميز بالخاصية من وجهين: الأول - هو أن من خاصية الإرادة أن تتعلق بفعل المريد، ومن خاصية الأمر أن يتعلق بفعل المأمور؛ دلَّ على أنهما غيران. الثاني - هو أن الإرادة لا تتعلق بالمعجوز عنه، والأمر يتعلق بالمعجوز عنه، فإن الزَّمن العاجز عن القيام يصح أن يأمر غيره، ولا يصح أن يريد القيام وهو عاجز عنه (١). * بيان الثاني - وهو الميز من جهة الأحكام العرضية، وذلك أن الإرادة والعلم من الأمور النظرية، ولهذا أشكل محلهما على الأوائل. كما أشار إليه الإمام. ومحل الفكر النفسي يدرك بعلوم ضرورية، فإنه يحس إحساس الآلام واللذات، دلَّ على أنهما غيران، إذ لا يتصور أن يكون الشيء الواحد [ضروريًا نظريًا] (٢).

стр. 157

بيان الثالث - وهو الميز من جهة النظر إلى وجود أحدهما دون الآخر، هو أن المأمور به يدرك تفرقة بين حالته وهو آمر، وبين حالته وهو مأمور؛ مع كونه مريدًا لإيقاع الفعل في الحالين، فكذلك الآمر إذا أمر غيره بفعل هو مريد لإيقاعه، والمأمور مريد أيضًا لإيقاعه، فقد اشتركا في الإرادة، مع أن الفرق بين [الآمر] (١) والمأمور معلوم، فقد وجدت الإرادة فيهما بدون الاقتضاء في حق المأمور. والفرق إنما يحصل بشيء يختص أحدهما به. وهذا على مذهب المعتزلة ألزم، من جهة أن مذهبهم أن الاشتراك في الأخص من الصفات يلزم منه الاشتراك في الأعم، وقد اشتركا في أخص الصفات، وهو التعلق بمتعلق. وهذا الفرق بعينه يطرد في الميز بين الأمر وبين العلم، فإن الحاكي لصيغة الأمر يعلم نظم الصيغة، وكذلك الآمر حقيقة يعلم نظم الصيغة، مع أن أحدهما قام به الاقتضاء حقيقة، والآخر لم يقم به شيء، وهو الحاكي. هذا من جهة بيان وجود الإرادة بدون الأمر. وما ذكره الإمام من الصورة المفروضة من الكتاب، فهو بيان الأمر بدون الإرادة. والفرق بين القدرة والأمر: أن القدرة على الشيء توجد من الذاهل - من تحريك اليد وغيره - بخلاف الأمر، فإنه لا يوجد إلا من العالم. [١٥٩] وقوله: «فإن قيل: ما يصدر منه في الصورة المفروضة لا يكون أمرًا» ثم قال في الجواب: «قد فهم العبد ضرورة» إلى قوله: «كيف

стр. 158

ينتهض ذلك عذرًا لو لم يكن ما جاء به أمرًا» (١). قال الشيخ: هذا الكلام ليس بسديد، فإن العبد قد تكون الحالة ملتبسة عليه، فيعلم الملك جهة الالتباس (٢)، فلا يحصل الجواب. وإنما الجواب السديد ما ذكره أولا، وهو قوله: «قد يأمر الآمر غيره، ويفهم المأمور منه الاقتضاء فهمًا ضروريًا مستندًا إلى قرائن الأحوال» (٣). فيتمهد العذر بهذا القدر، ولا يتوقف على حصول العلم ولابد. [١٦٠] قوله: « فإن قيل: ذلك الذي يجده الآمر من الاقتضاء هو العلم بكيفية نظم الصيغة» (٤) إلى آخره. قال الشيخ: هذا لا يصح، لأن لفظة «افعل» مترددة، تطلق تارة ويراد بها الندب، وتطلق تارة ويراد بها الأمر الحقيقي، وتطلق تارة ويراد بها الحكاية. وإذا ترددت بين هذه المحامل لا يصح أن يقال: هي العلم بكيفية نظم الصيغة. [١٦١] قوله: « وقد أثبت المعتزلة النظر طلبًا زائدًا على الإرادة ، وأنكروا الفكر النفسي والهواجس» (٥) إلى آخره.

стр. 159

قال الشيخ: لم أثبتم النظر زائدًا على الإرادة، وامتنعتم من إثبات الأمر طلبًا زائدًا على الإرادة؟ وما الفرق بينهما؟ فإن قالوا: الفرق بينهما: أن طلب وجه الدليل غير مقدور، فلا تتعلق به الإرادة، بخلاف الأمر، فإن الفعل المأمور به مقدور. قلنا: لا نسلم ذلك، فإن الفعل المأمور به ليس مقدورًا للآمر إذا تعلقت به قدرة المأمور، فقد استويا. فما هو جواب لكم عن هذا السؤال الوارد على وجه الدليل؛ يكون جوابًا لنا عن السؤال الوارد من جهتكم. [١٦٢] « مسألة: في حقيقة الأمر . الأمر: هو القول المقتضي بنفسه طاعة المأمور بفعل المأمور به» (١). قال الشيخ: يقال له: لا معنى للطاعة إلا وقوع الفعل على موافقة الأمر، فإذا وقعت الطاعة كذلك تنسب إلى الأمر، فتكون مضافة، والمضاف والمضاف إليه لا بد أن تكون حقيقتهما معقولة أوَّلًا، ثم بعد ذلك يضاف أحدهما إلى الآخر، فعلى هذا التقدير لا يصح أن تكون الطاعة من أجزاء الأمر. [١٦٣] قوله في قول المعتزلة: « هو قول القائل لمن دونه: افعل » (٢). قال الشيخ: إن أراد بقوله مجرد هذا البناء، فهو منقوض بسائر الصيغ، وإن أراد بها وجود كل صيغة تدل على استدعاء وطلب، وإنما عين ذكر هذه البنية على أمثالها؛ فهو كلام صحيح. [١٦٤] قوله: «وهو قسم لا حقيقة لأصله» (٣).

стр. 160

قال الشيخ: يقال لهم: من قال إنه لا حقيقة له؟ بل كل موجود لا بد له من حقيقة. [١٦٥] قوله: « وأما الكعبي (١) فإنه اشترط إرادتين » (٢). قال الشيخ: هذا مذهب متهافت، فإنه نفى الإرادة عن القديم تعالى، ويلزم على هذا أيضًا أن لا يكون الباري تعالى آمرًا، وفيه رفض الشرائع عن آخرها. كيف ولما قيل له: إن الكتاب والسنة طافح بتصريح الإرادة لله تعالى، فكيف جوابك عن هذا؟ قال في الجواب: إن أريد بأنه مريد لأفعاله، كان معناه: أنه خالقها ومنشئها، وإن أريد أنه مريد لأفعال عباده، كان معناه: أنه أمر بها. قال الشيخ: وهذا الكلام ظاهر التناقض من جهة أنه يشترط في حقيقة الأمر الإرادة، ثم يجعل إطلاق الإرادة في حق الباري تعالى بمعنى الأمر، ولا يخفى ما فيه من التناقض (٣). [١٦٦] قوله: «وأما ما ذكروه من صفات النفس، فهو مستند إلى

стр. 161

مصيرهم إلى إثباتِ الأشياء على حقائقِها» إلى قوله: «فإنَّا على اضطرارٍ نعلم أن الثبوتُ هو الوجودِ» (١). قال الشيخ: المعتزلة يقولون: إن العدم شيءٌ ثابتٌ في الأزلِ، فلأجل هذا قالوا: صفة النفسِ: هي التي تلزم النفس وجودًا وعدمًا. والدليل على أن مذهب المعتزلة يلزم منه قدم العالمِ، أن الحدوثَ لا يخلو: إما أن يكون نفسُ الذاتِ، أو زائدًا عليها، فإن كان نفسُ الذاتِ، فيلزم أن تكون الذاتَ قديمةٌ، ضرورة ثبوتِها في الأزلِ. وإن كان زائدًا، فذلك الزائدُ إنما يقابله نفيٍ؛ لا نفيِ الذاتِ، فيلزم على هذا أن لا يكون للذاتِ حالة نفيٍ أصلًا، وهو تصريح أيضا بقدمِها. [١٦٧] قوله: « ومن ظن منهمُ أنهُ يتمكنَ من فصل بينَ مذهبِهم وبينَ معتقد أصحابِ الهيولى (٢)، فقد ظن محالًا» (٣). قال الشيخ: القائلون بالهيولى فرقتانِ: فرقة منهم يقولون: بأنَّ المادةَ - وهي الهيولى - لا تخلو عنِ الصورِ. وفرقة قالوا: إن المادةَ مجردةٌ عنِ الصورِ، ثم طرأت عليها الصورُ بعد ذلك. وهذا المذهبُ الثاني هو الذي يلزم المعتزلةِ، فإنهم يقولون بأنَّ الذواتِ ثابتةٌ أزلًا، ويطرأ عليها زيادةٌ، وهي حدوثُ الصورِ، فلا فرق إذًا بين المذهبينِ.

стр. 162

[١٦٨] قوله: «وأما الصفات التابعة للحدوث فقولهم مختبط فيها، فإنهم يزعمون أن التحيز واجب» (١). قال الشيخ: لا يصح أن يكون التحيز واجبا لنفسه، لأنه لو كان واجبا لنفسه، لما عقل له على حالة نفي، وقد كان منفيا، فيلزم أن يكون جائزًا في حالة الحدوث، فهو إذًا طارئٌ، والطارئُ يفتقر إلى مقتضٍ، وغايته أن يكون ملازمًا للحدوث، والمتلازمان لا يصح ثبوت أحدهما دون الآخر. [١٦٩] قوله: « إن الحدوث من أثر القدرة مع مصيرهم إلى أن الذوات ثابتة أزلًا» (٢). قال الشيخ: إذا كانت ثابتة، لا معنى للحدوث فيها، لأن الموجود لا يوجد ثانيًا. [١٧٠] قوله: «وإن اعترف معترف بذلك كالشحام (٣)، فقد جاهر بِقِدَم العالم» (٤). قال الشيخ: من جهة أن وجودها في الأزل على جميع صفاتها، فيشعر

стр. 163

بأنها قديمة. قال الشيخ: والدليل على حدث العالم يبطل مذهب الشحام، وهو أن يقال: لو قيل بالتحيز أزلًا لم يخلُ: إما أن تكون مختصة بحيزها، أو منتقلة عنه، فإن اختصت به، وصفت بكونها ساكنة، وإن انتقلت عنه، قيل إنها متحركة، وما لا يخلو عن الحركة والسكون، لم يخلُ عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث، فهو حادث. [١٧١] قوله: « وأما ما قدَّروه واقعًا بالعلم، وهو الإحكام ، فلا حاصل له، ولا معنى للإحكام عندي. . .» (١) إلى آخره. قال الشيخ: لا معنى للإحكام إلا وقوع جوهر بجنب جوهر، وأما تخصيص جوهر بحيز دون حيز؛ [فهذا] (٢) من آثار القدرة والإرادة بشرط كونه عالما، وأيضا ليس العلم من الصفات المؤثرة، وإنما هو صفة كاشفة تتعلق بالشيء على ما هو عليه، لأنه لو كان من الصفات المؤثرة، لما تعلق بالقديم تعالى. [١٧٢] قوله: «وقولهم بقِدَم الذات يصدهم عن إثبات ثبوت الحدوث» (٣) إلى آخره. قال الشيخ: هذا كلام صحيح من جهة أن الثابت أزلًا لا يثبت ثانيا، إذ

стр. 164

وجود الموجود محال، ولو جاز ذلك لجاز أن يوجد له بعد وجوده ثبوتًا آخر، وبعده ثبوتًا آخر، ويفضي الحال إلى التسلسل. وهو محال. [١٧٣] قوله: «فنقول: قد أثبتم معاشر البصريين لقول القائل: «افعل» صفة. وزعمتم أن اللفظ» (١) إلى آخره. قال الشيخ: هذا محال، لأن الإرادة لا تكسب اللفظ صفة، لأنه عبارة عن الحروف المتقطعة، وصورته في الأمر كصورته في النهي. [١٧٤] قوله: «ثم التطم البغداديون والبصريون، فنسب البصريون الكعبي إلى التحكم بإثبات صفات» (٢) إلى آخره. قال الشيخ: مذهب الكعبي أن الصفة عنده تابعة للحدوث، والبصريون يقولون: إن الصفة من أثر الإرادة، فقد اشتركا في إثبات أصل الصفة، وكلاهما باطل. ودليله ما تقدم. [١٧٥] « مسألة: في صيغة الأمر . الصيغة: هي العبارة الموضوعة على المعنى القائم بالنفس» (٣). قال الشيخ: اختلف الناس في هذه المسألة في أن الأمر هل وضعت العرب له صيغة مفردة (٤) أم لا؟ مذهب الإمام: أن المعنى القائم بالنفس لا بد له من صيغة دالة عليه. ومذهب نفاة كلام النفس ومن تابعهم:

стр. 165

أن العرب لم تضع له صيغة، لأن الأمر عندهم هو الصيغة، فتوضع صيغة للصيغة. فإن قيل: فإذا أضيفت إلى الصيغة. قالوا: هذا من باب تسمية الشيء بنفسه [و] (١) ذاته، فتكون الإضافة ليست إضافة حقيقية، فيقال (٢) لهم: ليس كذلك، بل هي إضافة حقيقية. وبيانه: هو أن الصيغة تارة تكون ندبا، وتارة تكون نهيا، وتارة تكون أمرا، فلا تكون الصيغة عندهم [أمرًا] (٣) إلا بصفة إرادة أو بصفة تابعة للحدوث، فتكون الإضافة إما إضافة جنس إلى نوع، أو إضافة عام إلى خاص، [لا] (٤) كما يقال: باب ساج، فهذه إضافة غير حقيقية. [١٧٦] قوله: « فالمنقول عن أبي الحسن وغيره من الواقفية أن العرب ما صاغت للأمر الحق القائم بالنفس عبارة. وقول القائل: «افعل» متردد بين الإيجاب والندب والأمر والنهي» إلى قوله: «وقد اختلف أصحابه في تنزيل مذهبه، فقال قوم: إنه حقيقة في الكل، ونفوا الاشتراك، إلا أنا شككنا في مراد المتكلم ما هو؟» (٥). فإن قيل: ما المانع أن يكون في أحدهما حقيقة والآخر مجازا؟

стр. 166

قلنا: قالوا: الفرق بين المشترك والمجاز؛ فإن المجاز لا بد له من ضرب من الاتصال، والمشترك ليس كذلك؛ فافترقا. والندب والواجب ليس بينهما ضرب من الاتصال. وقال آخرون: لا ندري لماذا وضع اللفظ؟ ثم انقسموا قسمين: منهم من قال: لا ندري؛ وضع للكل حقيقة، أو لأحدهما حقيقة. ومنهم من قال: هو موضوع لأحدهما حقيقة، وللآخر مجازًا، إلا أنا لا ندري ما هو الحقيقة من المجاز؟ [١٧٧] قوله: « ثم نقل بعض مصنفي المقالات عن أبي الحسن أنه كان يستمر على الوقف مع فرض القرائن، وهذا زلل عظيم في النقل. . .» (١) إلى آخره. قال الشيخ: يقال: القرائن تنقسم إلى قرائن الحال، وإلى قرائن المقال. أما قرائن الحال، فلا يتصور من أحد أن ينكرها، وقرائن المقال راجعة إلى خلاف بين أصحابه في تنزيل مذهبه. من قال إن اللفظ حقيقة في الكل: كان الأمر محل (٢) الفائدة، والقرينة تفسره، ومن شك في وضع اللفظ قال: ما حصلت الفائدة إلا من القرينة. فعلى هذا الوجه يحتمل أن يتردد ويقف. [١٧٨] قوله: « وذهب ذاهبون من المعتزلة إلى أن مقتضى الصيغة عند الإطلاق الندب، وهو أقرب إلى حقيقة مذهب القوم» (٣).

стр. 167

قال الشيخ: إنما كان أقربَ من حيث إن الندب مراد، بخلاف التخييرِ، فإنه ليس فيه إرادة، لأن الصيغة عندهم لا تكون أمرًا إلا بصفة الإرادة. [١٧٩] قوله: « وإن زعم طارد الطريقة أنه لا يدري ، يقال له: اللفظ الذي فيه الكلام كثير التدوار في الجواز، وكيف يجوز في مطرد العادة. . .» (١) إلى آخره. قال الشيخ: إنما يكون كذلك أن لو كان من الأمور العظيمة المهمة بحيث تتوفر الدواعي على نقلها، وتتوقف مقاصد العقلاء عليها. وكون اللفظ مجازًا في أحد المحملين، حقيقة في الآخر؛ ليس كذلك، ولا يتوقف مقصود العقلاء على معرفته، فإنه قد يظهر في أحد محامله بكثرة الاستعمال، أو بقرينة تصحب اللفظ، فيحصل المقصود المراد منه. [١٨٠] قوله: «وإن عبّر عن الواقفية معبّر عن محاولة روم الوقف، فقال: إذا قال السيد لعبده: افعل، حسُنَ منه الاستفهام. . .» (٢) إلى آخره. قال الشيخ: وقد يحسن منه الاستفسار مع غلبة الظن، والظهور في أحد الجانبين؛ [طلبًا] (٣) لليقين وحصول العلم، فلا يلزم منه إذ ذاك الوقف. [١٨١] قوله في كلام الفقهاء: « وهذا المسلك لا يصفو عن شوائب النزاع ، ويتطرق إليه أنهم كانوا ما يفعلون ذلك إلا فيما اقترن باقتضاء الإيجاب به قرينة» (٤).

стр. 168

قال الشيخ: يقال للإمام: يلزم من هذا إبطال كل قاطع، فإن الإجماع قد قام على خبر الواحد، فلعلهم ما أجمعوا إلا بقرينة، وكذلك جميع القواطع. [١٨٢] قوله: «فأقول: ثبت في وضع الشرع أن التمحض في الطلب متوعَّدٌ على تركه، وكل ما كان كذلك لا يكون إلا واجبًا» (١). قال الشيخ: يرد عليه ههنا ما أورده هو على الفقهاء، وهو أنه يحتمل [أنه ما] (٢) كان [متوعدًا] (٣) على تركه إلا في مكان وجدت فيه القرينة. [١٨٣] « مسألة: صيغة الأمر إذا وردت مطلقة ، ففي اقتضائها - على رأي من لا يتوقف - تكرير الامتثال خلاف بين الأصوليين. . .» إلى قوله: «ونحن نذكر ما لكل فريق» (٤). قال الشيخ: منشأ الخلاف في ذلك أن الصيغة التي الكلام فيها وجدوها تارة تطلق ويفهم منها التكرار، وتارة تطلق ويفهم منها الاقتضاء مرة واحدة. فنظر بعض العلماء إلى الجهة التي فهم منها الاقتضاء مرة واعتمدوا عليها، وأعرض عن الجهة الأخرى. فإذا وردت عليه، قال مجيبا: لعل ذلك بقرينة. وأما الواقفية فإنهم لما نظروا إلى الصيغة، فوجدوها تطلق تارة وتشعر بالاقتضاء (٥)، وتطلق تارة وتشعر بالتكرار، ولم يتبين لهم كون إحدى

стр. 169

الجهتين أولى من الأخرى، فاقتضى ذلك الوقف. [١٨٤] « قولهم: إن المحل لا يخلو عن الأضداد كلها [لا] (١) سيما الأكوان » (٢). قال الشيخ: أشار بذلك إلى أن «المحل لا يخلو من الأكوان» معلوم ضرورة، وما عداه يعلم نظرًا. [١٨٥] قوله: « وهي معظم أفعال المكلفين » (٣). قال الشيخ: أشار به إلى أن ثَمَّ [أفعالًا] (٤) أخر من أعمال القلب، مثل الاعتقادات والعلوم والنظر وغير ذلك، وهي من أفعال المكلفين، إلا أن الأكوان أكثر. [١٨٦] قوله: « أما الاعتبار بالنهي مطلقًا بمسلك القياس فمردود ، فإن قضايا الألفاظ لا تثبت بالأقيسة» (٥). قال الشيخ: ولو تنزلنا أيضًا - على جريان القياس في الألفاظ - فلا يجري ههنا، لأن من قال به في الأسماء المشتقة، وليس ما نحن فيه كذلك. [١٨٧] قوله: «وإن طمع من لا يحيط بالحقائق أن يسلم له دوام وجوب

стр. 170

الامتثال في الصيغة المطلقة على معنى أن الامتثال يدوم وجوبه، [والعقد بحسبه]» (١). إلى آخره. قال الشيخ مفسرًا لذلك: هذا اللفظ فيه احتمالان: يحتمل أن يكون قوله دوام العزم على الامتثال، ويحتمل أن يكون عائدًا على العقد. فتمسك هذا القائل بأنه عائد على الامتثال، فلزم من ذلك ذهوله عن محل النزاع، وكان بمحل النزاع مستدلا لا على محله. وهو معنى قول الإمام: «وهذه غباوة وذهول عن محل النزاع» (٢). [١٨٨] قوله في المسلك الثاني لهؤلاء القوم: « قالوا: من امتثل الأمر مرة واحدة يسمى ممتثلًا ، ولو كان فيما أتى به بعض مقتضى اللفظ لم يُعتدَّ ممتثلا» (٣). قال الشيخ: قد يتعلق الطلب بمجموع أجزاء في ذكر الجملة الواحدة، فلا يصح الإتيان ببعضها دون بعض، فما لم يأت بالجميع، لم يعدَّ ممتثلًا، كالصلاة. وقد يرد الطلب بمجموع أشياء كلها في حكم الشيء الواحد، فإذا أتى بالبعض عُدَّ ممتثلًا، كالصلاة في رمضان. [١٨٩] قوله: « وليس بين النفي والإثبات درجة » (٤). قال الشيخ: ليس بينهما درجة في نفس الأمر، أو بالنسبة إلى المتكلم؟

стр. 171

إن كان في نفس الأمر صحيح، وإن كان بالنسبة إلى الشخص، فله ثلاث حالات: تارة ينفي، وتارة يثبت، وتارة يتوقف. [١٩٠] قوله: «وجملة صيغ الأفعال المشتقة؛ عن المصادر، والمصدر لا يقتضي الاستغراق» إلى قوله: «فوجب القطع في المرة الواحدة، والتوقف فيما عداها» (١). قال الشيخ: ينبغي أن لا يتوقف، لأن الوقف إنما هو في مدلول اللفظ، فلا يصح الوقف. قال: وعندي: الوقف إنما هو في مدلول اللفظ، وإنما يتوقف في مدلول اللفظ. [١٩١] « مسألة: الصيغة المطلقة التي فيها الكلام، إن قيل: إنها تقتضي استغراق الأوقات ، فمن ضرورة ذلك الفور والبدار» (٢). قال الشيخ: هذا من ضرورة المسلك الذي تمسكوا به، لا من ضرورة المذهب، فإنه ليس من المستحيل أن يكون الفعل المأمور به مؤخرًا إلى وقت مَا، ثم يكون مكررًا بعد ذلك. [١٩٢] قوله: « وقد ذهب القاضي أبو بكر إلى ما اشتهر عن الشافعي » إلى قوله: «وهذا بعيد من قياس مذهبه، مع استمساكه بالوقف، وتجهيله من لا يراه» (٣). قال الشيخ: هذا ليس [بعيدًا] (٤)، فإن القاضي ينقدح أن يكون له في

стр. 172

ذلك متعلقان: أحدهما - أن يكون ما قاله تفريعًا على مذهب غيره، ممن يقول: بأن الصيغة تقتضي الامتثال، فإنه كثير مما (١) يعتمد على ذلك. ويحتمل أن يكون اعتماده على دليل - قاده - على (٢) أن الصيغة ههنا تقتضي هذا المذهب، ولم يقم له دليل على أصل الصيغة، فوقف ثَمَّ، ولم يقف ههنا. [١٩٣] قوله في تحرير العبارة: « وليس مذهب (٣) أحد » (٤). قال الشيخ: هذا كلام صحيح لا يرد عليه مذهب الغلاة من الواقفية، فإنهم لم يجزموا بعدم الامتثال، وإنما توقفوا. وليس هذا إرادة الإمام، فإن مراده: لم يجزم أحد بانتفاء الامتثال. [١٩٤] قوله: «فإن قيل: إنما جوز له التأخير بشرط سلامة العاقبة، كان ذلك ربطًا للتكليف بلبس وعماية» (٥). قال الشيخ: ليس هذا ربط التكليف بلبس وعماية، وإنما هو متعلق بالجواز، والجواز ليس بتكليف، وإنما هو أمر مباح، ولا يلزم من ترك المباح تكليف ما لا يطاق، بل غايته أنه يلزمه الشك في الإباحة. [١٩٥] قوله: «والذي يوضح هذا المسلك من غير استشهاد بمسألة أن

стр. 173

العقل لا يحيل اقتضاء شيء على الإيجاب مع أن عمر المخاطب ظرفه» (١). قال الشيخ: تحقيق ذلك: أن الفعل يصح أن يطلب من حيث كونه فِعلًا من غير نظر إلى زمان معين يكون غرض الطالب [متعلقًا] (٢) به، فإنه يصح أن يقول السيد لعبده: «أوجبت عليك خياطة هذا الثوب» - ولا غرض له في وقت معين - «وإن تركته جميع النهار عاقبتك». فإذا صح هذا فالحرج في تأخيره عن الزمان الأول. [١٩٦] قوله: «وربما يحرر العبارة فيقول: الواجب: ما يتعين الإقدام عليه. وهذا الفعل في الزمن الأول لم يتعين الإقدام عليه» (٣). قال الشيخ: معنى ذلك: إبطال نقيضه، والمطلوب إنما هو الفعل بما هو فعل، ونقيضه ترك الفعل بما هو فعل، وترك الفعل في الزمن الأول نقيضه في الزمن الأول الأمر به فقط. وإذا تقرر هذا صح أن يوصف في كل زمن بأنه يتعين الإقدام عليه، على معنى أنه لا يترك في جميع الأزمنة. [١٩٧] قوله: « وقد تردد جواب القاضي في هذا المقام لاستشعاره إشكال الكلام » (٤) إلى آخره. قال الشيخ: جهة التردد الذي أراده القاضي أنه ذكر أولًا جوابًا، بأن قال: إن الواجب هو الفعل في الزمن الأول، والعزم بدلًا (٥) عنه.

стр. 174

وقال في الجواب الثاني: إن الواجب أحدهما لا بعينه. فقيل له على الجواب الأول: إن من مذهبك أن الصيغة المطلقة إنما تقتضي نفس الطلب، ولا تعرض لها لزمن مخصوص. وهذا الجواب يلزم أن يكون الفعل واجبًا مقيدًا بالزمن الأول، مع أن الصيغة لا تدل عليه، فكان هذا [متناقضًا] (١). وقيل له على الجواب الثاني: إذا قلت: إن أحدهما واجبًا (٢) لا بعينه، فيكون واجبًا مخيرًا. ومن مذهبه - وأصل كل محقق - في الواجب المخير أن الواجب واحد بما هو واحد، لا واحد هو هذا. وأنت تقول في هذا المكان إنه في أكثر القُرَب متعين إيقاع الفعل، فيكون الفعل مقيدًا بآخر الوقت على هذا الرأي، فيلزم منه أن تكون الصيغة مقتضية للتراخي. وهذا لم يذهب إليه أحد بالتفسير الذي ذكره الإمام. [١٩٨] قوله: « ولو لم يخطر للمخاطب عزمٌ أصلًا وجد منه الامتثال في أثناء العمر » إلى قوله: «فليس في العلماء من يعصّيه لتركه العزم» (٣). قال الشيخ: هذا ليس لازمًا للقاضي، فإن حالة الذهول تخرجه عن كونه مكلفًا بالفعل في تلك الحالة، فلهذا لم يعص. وهذا يطرد في كل واجب إذا ذهل عنه المكلف. [١٩٩] قوله: «وهو معنى قوله: من مات ولم يحج انبسطت المعصية على جميع سنِيّ الإمكان» (٤).

стр. 175

قال الشيخ: هذا كلام ليس بصحيح، فإنه يوهم (١) أن يكون عاصيًا في كل زمن، ولم يقل به أحد، وإنما يعصي بترك الفعل المطلوب. [٢٠٠] قوله: « ثم القول الحق فيه: إن الأمر اقتضاء ناجز، والمقتضى مطلوب » (٢). قال الشيخ: ما الذي يعني به «اقتضاء ناجز»؟ إن عنى به الأمر بمعنى طلب الشيء [فمسلّم] (٣). وإن عنى به طلب الفعل، فهو محل النزاع. [٢٠١] قوله: «فالذي أقطع به أن الطالب مهما أتى بالفعل، فإنه - بحكم الصيغة المطلقة» إلى قوله: «وهل يتعرض للإثم بالتأخير؟ فيه الوقف» (٤). قال الشيخ: يقال له: البدار لا يخلو إما أن يكون صفة للفعل وقيدا، وإما أن يكون مطلوبًا مستقلًا، فإن كان صفة للفعل، فينبغي إذا أخر: يقطع بعصيانه. وإن كان مطلوبًا مستقلًا [واجبًا] (٥)، فلا معنى للوقف، بل ينبغي أن نقطع بأنه يعصي. قال الإمام جوابا عن هذا: «ليس قيدًا ولا صفة، وإنما هو أمر مستقل

стр. 176

بنفسه». والدليل عليه: أنه يصح أن يوجب الفعل بما (١) هو فعل، ويندب إليه في أول زمان، فلما انفرد على حياله دلَّ على أنه مطلوب على حياله. يقال: هذا المطلوب على حياله إما أن يكون مطلوبًا بهذه الصيغة، أو بأمر آخر. إن كان مطلوبًا بهذه الصيغة، فلا دلالة لها على الفور والبدار. وإن كان بأمر آخر، فلا يصح، لأنا لم نجد أَمرًا آخر. [٢٠٢] « مسألة: ذهب القاضي في جماعة من الأصوليين إلى أن المندوب مأمور به » إلى قوله «وهذه المسألة ليس فيها فائدة وجدوى من طريق المعنى» (٢) إلى آخرها. قال الشيخ: بل فيها فوائد جمة من طريق المعنى، وذلك أن الأمر إذا كان مترددًا بين الوجوب والندب، فقد يقول القائل عند سماعه أَمرًا مّا: أنا متوقف، ولا أحكم بشيء. كما قال القاضي في المسائل المتقدمة. ولو قدرنا أن الأمر يختص بالوجوب لا غير، لفهم المكلف عند سماع الصيغة ذلك، ولم يتوقف على شيء، وثبت بالحكم. وهذه فائدة عظيمة. [٢٠٣] وقوله: «لا فائدة فيها من طريق المعنى» (٣)، غير صحيح. [٢٠٤] « مسألة: ذهب [بعض] (٤) أئمتنا إلى أن الأمر بالشيء نهي عن أضداد المأمور به » (٥) إلى آخره.

стр. 177

قال الشيخ: اختلف الأصوليون في هذه المسألة. فللقاضي فيها مذهبان: أحدهما - أن الأمر بالشيء عين النهي عن أضداد المأمور به. ودليله عليه أن قال (١): لو قدرنا أن النهي عن الأضداد غير الأمر، لم يخل ذلك: إما أن يكون مثلًا، فإن المثلين يشتركان في جميع صفات النفس، وقد اختلف الأمر والنهي في صفة من صفات النفس، فإن كل واحد منهما تعلق بمتعلق خاص، وتعلقه بمتعلقه الخاص من صفات نفسه؛ تعيّن أن يكون خلافًا. ذلك الخلاف إما أن يكون ضدًا أو لا، لا جائز أن يكون ضدًا، فإن الضدين لا يجوز اجتماعهما في محل واحد، وقد اجتمعا. [أو] (٢) يكونا خلافين ليسا بضدين، وهو أيضًا باطل من جهة أنه يجوز فقدان أحد الخلافين ووجود الآخر، وإذا كان ذلك جاز أن يخلف المفقود ضده (٣)، وذلك يفضي إلى المحال من جهة أنه يلزم أن يكون الشيء الواحد مأمورًا به مأمورًا بضده (٤)، فيفضي إلى التناقض، وهو محال، فيلزم من ذلك أن يكون الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده (٥).

стр. 178

قال الشيخ: يقال له: يختلف كونهما خلافين ليسا بضدين. قوله (١): «يجوز فقدان أحدهما مع وجود الآخر» مسلَّم. وقوله: «إنه يخلفه ضده، ويلزم منه التناقض». قلنا: يجوز أن يخلفه ضد لا يلزم منه محذور، و [الذي لا يجوز] (٢) هو الضد الذي يلزم منه محذور، ويجوز أن يخلفه ضد آخر، وهو الذهول، ولا يلزم منه محذور. [٢٠٥] قوله: «فأما المعتزلة، فالأمر عندهم: هو العبارة، وقول القائل: «افعل» أصوات متقطعة» إلى قولهم: «الأمر بالشيء نهي عن أضداده» (٣). فائدة: قال الشيخ: هذا الكلام ليس بصحيح من جهة أن الصادر من الأمر إنما هو صيغة «افعل» فحسب، وليس فيها دلالة على صيغة أخرى، وهو قول القائل: لا تفعل، وهو النهي عندهم، لأنهم لا يعترفون بالمعنى القائم بالنفس. [٢٠٦] قوله: «وهذا باطل قطعا، من جهة أن الذي يأمر بالشيء، فلا

стр. 179

يخطر له أضداد المأمور به» (١). قال الشيخ: يقال له: هذا لا يستقيم على أصلك، فإن حقيقة الوجوب عندك لا تعقل دون الوعيد على الترك، وهو ذاهل عنه، ويلزمه على ذلك أن الآمر أبدًا لا يكون ذاهلًا عن الأضداد. [٢٠٧] قوله: « فأما إن كان ذاكرًا للأضداد، عالمًا بأن الاتصاف » إلى قوله: «ذريعة إلى إيقاع الامتثال» (٢). قال الشيخ: إن أردت بقولك: ليس مقصودًا، على معنى أنه ليس مقصودًا بنفسه وحقيقته، بل قصدًا ليتوصل به إلى غيره، فهذا تسليم للمسألة، وشروع في باب التعليل. وهذا من شأن الفقيه، لا من شأن الأصولي. [٢٠٨] قوله: « وأما من قال: إن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداد المنهي عنه » إلى قوله: «وباح بالتزام مذهب الكعبي في نفي الإباحة» (٣). قال الشيخ: يقال جوابًا عن الكلام: ليس يلزمني مذهب الكعبي، والإباحة ثابتة، فإن المنهي عنه له أضداد كثيرة، والمكلف مخير فيها، إن شاء أتى بهذا، وإن شاء بغيره، فيكون من جهة التخيير في فعله وتركه [مباحًا]، ومن جهة أنه يترك للنهي [واجبًا] (٤). فإن قال الكعبي: لا نسلم الجهتين، فيلزم صورة يلتجئ فيها إلى

стр. 180

الاعتراف بالجهتين، وذلك أن يقال له: لو قدرنا واجبًا مضيقًا، فتركه المكلف، واشتغل بأمر مباح، فهو بالاشتغال بالمباح تارك للواجب، وتارك لجملة المحظورات، فيكون واجبًا من جهة ترك المحظورات، محرَّمًا من جهة ترك الواجب، فلا يُخلَّص الكعبيَّ إلا الاعتراف بالجهتين. [٢٠٩] « مسألة: إذا وقع المأمور به المقتضى على حسب الاقتضاء أجزأ وكفى » إلى قوله: «إن الإجزاء لا يثبت إلا بقرينة» (١). قال الشيخ: مطلع النظر لهم في ذلك أن قالوا: إذا ورد اللفظ مطلقًا احتمل أن يكون مقيدًا، واحتمل أن يكون مطلقًا، فيتطرق إليه الشك في المقتضى، فعند ذلك نحن مخاطبون بالبحث عن نفي القيد، وبعد البحث التام، تارة نعثر على الدليل المقيد، فنعلم أن اللفظ مقيد، فإذا امتثل حصل الإجزاء من الدليل الدال على التقييد، وتارة لا نعثر على دليل بعد البحث، فنستفيد عدم التقييد من عدم الدليل، إذ لو كان ثمَّ دليل لظهر بعد البحث، ولوجب أن يبين لدى الإطلاق، حذارًا من تأخير البيان عن وقت الحاجة، فيكون أيضًا مأخوذًا من هذا الدليل. يقال لهم: هذا كلام ليس بسديد، لأن حاصله البحث عن مقتضى الصيغة، هل كانت مقيدة، أو بصفة الإطلاق؟ فأي حالة دلَّ عليها الدليل، فهي مقتضى اللفظ. فالدليل إذًا إنما أنتج مقتضى الصيغة، فإذا سئل (٢) بعد ذلك، هل أجزأ وكفى؟ نظر إلى الإتيان بمقتضى الصيغة إلى وجود الدليل
следующие страницы →