← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30200

النكت على كتاب البرهان

التقي المقترح

Полный текст (282 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

* عزوت الآيات القرآنية إلى أماكن وجودها في المصحف الشريف. * عزوت الأحاديث إلى أماكن وجودها في كتب السنة. * علَّقت على النصوص بالقدر الضروري الذي يزيل اللبس أو الخطأ أو يوضح المعنى - وخاصة: إذا اجتهدت في تحرير نص الكتاب حتى أبين وجه ما انتهيت إليه - مع الإحالة على المصادر في الهامش. * ألحقت نماذج من صور النسخة المخطوطة المعتمدة في التحقيق. * وضعت فهارس عامة للكتاب وتشتمل على: - فهرس الآيات القرآنية. - فهرس الأحاديث النبوية. - فهرس الأعلام - فهرس الفرق والطوائف الواقعة في «النكت». - فهرس الكتب الواقعة في «النكت». - فهرس الحدود والمصطلحات الواقعة في «النكت». - فهرس المراجع. - فهرس الموضوعات. والله تعالى أسأل أن يلهمني رشدي وينفعني بما علمت وينفع بي، إنه جواد كريم وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

стр. 72

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد الحمد لله حق حمده، وصلواته على سيدنا محمد خير خلقه وعلى آله وصحبه. [١] قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين: « حق على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلم أن يحيط بالمقصود منه » إلى آخره (١). قال الشيخ الإمام تقي الدين وفقه الله: قوله «حق»: واجب، فالواجب ينقسم إلى الواجب العقلي وإلى الواجب الشرعي، وإلى الواجب العرفي، فماذا تريد؟ إن أردت الواجب العقلي: ما لو قدر عدمه لزم منه محال، وما نحن فيه لو قدر عدمه لا يلزم منه محال. وإن أردت الواجب الشرعي: ما يلام تاركه شرعا، وما نحن فيه ليس كذلك، فإن من العلوم ما لو تركت، فلا يلام تاركه شرعا. والواجب العرفي: ما يتوقف قصد القاصد عليه، وهو مراد الإمام. [٢] قوله: «أن يحيط [بالمقصود] (٢) منه» (٣). قال الشيخ: هو الثمرة، ومقصود كل شيء: هو ثمرته الباعثة عليه.

стр. 73

[٣] قوله: «وبالمواد التي يستمد منها ذلك الفن» (١). قال الشيخ: المادة تنقسم قسمين: مادة استنادية، ومادة مقومة. فالمقومة داخلة في أجزاء الشيء وحقيقته، والاستنادية ما استندت إلى الدليل. [٤] قوله: «وبحدِّه وحقيقته إن أمكنت عبارة سديدة» (٢). قال الشيخ: اختلف الأصوليون في ذلك. منهم من قال: الحد والحقيقة شيء واحد، ومنهم من قال: الحد شيء، والحقيقة شيء. واختلافهم راجع إلى اصطلاح لفظي، فإن اختلافهم إما أن يرجع إلى مدلول اللفظ، أو إلى نفس اللفظ. إن رجع إلى مدلول اللفظ، فالحد والحقيقة شيء واحد، وإن رجع إلى نفس اللفظ، فالحد شيء، والحقيقة شيء، وهو مرتضى الإمام، بدليل قوله: «إن أمكنت عبارة سديدة» (٣). قال الشيخ: وقد يرجع الخلاف إلى المعنى من وجه، وهو أن الحد لا بد له من وصف يشعر بالخاصية، أو أمر زائد. من نفى الأحوال (٤) قال: هو

стр. 74

نفس الخاصية، ومن قال بها قال: هو أمر زائد. [٥] قوله: « وإن عسرت حاول الدرك بمسلك التقاسيم » (١). قال الشيخ: التقسيم لا ينبئ عن حقيقة شيء، وإنما يفيد - لمن عرف حقائق متعددة -[تعيين] (٢) أحد الحقائق. وقد أشار إليه الإمام في حدِّ العلم، فعلى هذا لا يكون التقسيم مميزا لأحد الحقائق، إذ التمييز يكون بعوارض الحد ولوازمه، وتارة يكون بعبارة لفظية تميزه، فتنفي أحدهما ويبقى الآخر. [٦] قوله: « والغرض من ذلك أن يكون الإقدام على تعلمه مع حظٍّ من العلم الجملي» (٣). قال الشيخ: بمعنى أنه يعرفه من حيث الجملة، ثم بعد ذلك يشرع في تفصيله (٤). [٧] قوله: « فأصول الفقه مستمدة من الكلام والعربية والفقه ، [فالكلام] (٥) نعني به معرفة العالم وأقسامه» (٦). (أ/ ٣)

стр. 75

قال الشيخ: هذه المادة مادة استنادية، لأنه [يعلم] (١) أصول الفقه وإن لم يعلم علم الكلام، وإنما علم الكلام دليل المعجزة، وهو (٢) دليل الأصول، فاستند إلى الدليل. [٨] قوله: «وما يجب له من الصفات، وما يستحيل عليه» (٣). قال الشيخ: هذان القسمان راجعان إلى ذات الله . [٩] قوله: « وما يجوز في حكمه » (٤). قال الشيخ: هذا راجع إلى أفعاله. [١٠] قوله: « ولا يندرج المطلوب من الكلام تحت حدّ » (٥). لأنه حقائق متعددة، والحقائق المتعددة لا يحويها حدّ واحد. قال الشيخ: لا يخلو إما أن يريد مطلق الكلام أو القدر الذي يحتاج في أصول الفقه. إن أراد مطلق الكلام، فلا يندرج تحت حدّ، لأنه حقائق متعددة، جواهر وأعراض وغير ذلك. وإن أريد به قدر الحاجة، فهو يندرج تحت الحد. وحاصله أن كل ما توقفت المعجزة عليه، فهو محتاج إليه. [١١] قوله: «وهو يستمد من الإحاطة بالميز بين العلم وما عداه

стр. 76

من الاعتقادات» (١). قال الشيخ: هذه مادة مقومة. [١٢] قوله: « والعلم بالفرق بين البراهين والشبهات » (٢). قال الشيخ: هذا لا يختص بأصول الفقه وحده، بل كل علم يبتغى فيه القطع لا بد أن ينظر في [مقدماته] (٣) وتدفع شبهاته. [١٣] قوله: « ومن مواد أصول الفقه: العربية ، فإنه يتعلق طرف صالح منه بالكلام على مقتضى الألفاظ» (٤). قال الشيخ: لأنه لا يعرف العام من الخاص، والمطلق من المقيد والاستثناء إلا من العربية، فما لم يعرفها؛ لم يعرف مقتضى الألفاظ. وقال الشيخ أيضًا: هذه المادة مادة استنادية، لأنه لو عدمت اللغات ودرست العبارات لجاز أن يعلم أصول الفقه والذهول عن العربية. [١٤] وقوله: « ومن مواد أصول الفقه (٥): الفقه، فإنه مدلول الأصول ، ولا يتصور درك الدليل دون درك المدلول» (٦). قال الشيخ: هذه مادة حقيقية مقومة. ويرد عليه أن يقال: جعلت [الفقه] (٧)

стр. 77

مادة لأصول الفقه، وهو فرع الأصل (١)، ومادة كل شيء أصله، فهذا يؤدي إلى أن يكون الفرع [أصلًا] (٢)، والأصل [فرعًا] (٣). قلنا: لا بد أن يذكر الفقه في الأصل (٤) من حيث الجملة، فيذكر الواجب بما هو واجب، والمندوب بما هو مندوب، لأن هذا القدر من (٥) حقيقة أصول الفقه، وإنما المحذور أن تذكر جزئيات المسائل، فإن ذكرها يؤدي إلى الدور. [١٥] قوله: « فإن قيل: فما الفقه؟ قلنا: هو في اصطلاح علماء الشريعة : العلم بأحكام التكليف» (٦). قال الشيخ: احترز بعلماء الشريعة عن أئمة اللغة وغيرهم، فإن عندهم من علم شيئا فقهه، كالنجار وغيره. وهذا العلم إنما يكون في النظري لا الضروري، فإن علم الإنسان بآلامه ولذاته لا يطلق عليه فقها في اللغة، وإنما يطلق على العلم الاكتسابي. قال الشيخ: هذا الحد مدخول من وجهين: * الأول - هو أن التكليف: عبارة عما فيه كلفة، والمندوب والمباح

стр. 78

والمكروه ليس فيه كلفة، وهو من الشرع. يقال: هذه مسامحة من الإمام في اللفظ. * الثاني - هو أن معظم مسائل الشريعة ظنون. فأجاب عنه بما ذكره: أن الظنون ليست فقها إلى آخره (١). قال الشيخ: المختار في حد الفقه: هو العلم بأحكام أفعال العباد الشرعية لا العقلية. فائدة: اختلف الأصوليون في القياس وخبر الواحد، منهم من قال: لا يوجبان علما ولا عملا، ومنهم من قال: يوجبان العمل، ولا يوجبان العلم. [١٦] قوله: «فإن قيل: ما أصول [الفقه] (٢)؟ قلنا: هي أدلته» (٣). قال الشيخ: اكتفى بذكر أدلته، ولم يقل على الجملة، لأنه ذكر أولا حدّ [الفقه] (٤) حدًا كليًا، أما من يرى خبر الواحد والقياس دليلا، فلا بد أن يقول: من حيث الجملة. [١٧] قوله: « وأدلته هي القواطع السمعية » (٥). قال الشيخ: احترز عن ذكر الأدلة العقلية، لأنها من أصول الدين.

стр. 79

قال الشيخ: الحد المرضي أن يقال: هي أدلته وقوعا وجوازا. قال الشيخ: هذا يبطل بالخبر المتواتر الدال على واقعة (٤/ ب) معينة بقاطع من القواطع السمعية، وليس هو من الأصول، فيحتاج أن يزيد في هذا قيدا، ويقول: من حيث الجملة. [١٨] « فَصْلٌ قد ذكرنا أن الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية . ونحن نذكر الآن معنى الأحكام ذكرا كليا» (١). قال الشيخ: ذِكْرُ الفقه مركب من العلم والحكم. والعلم سيأتي ذكره في موضعه. والحكم ذكره ذكرًا كليا. [١٩] قوله: «فليس الحكم المضاف إلى متعلقه صفة فيه ثابتة» (٢). قال الشيخ: الصفة تنقسم قسمين: مؤثرة وغير مؤثرة، فالمؤثرة مثل تعلق القدرة بالمقدور على وجه الاختراع، وغير المؤثرة مثل تعلق العلم بالمعلوم، والخبر بالمخبر. فإن قيل: ما الدليل على أن العلم لايؤثر؟ قلنا: لو كان مؤثرًا لأثر في القديم، وتأثيره فيه محال. فإن قيل: قد يؤثر القديم في الحادث. قلنا: تأثيره إما أن يكون لنفسه أو لزائد، فإن كان لنفسه، لزم منه أن يؤثر مهما وجد،

стр. 80

وتأثيره مهما وجد محال. وإن كان لزائد، فلا يكون إلا لمعنى، وقيام المعنى بالمعنى محال. [٢٠] قوله: « ثم من أحكام الشرع التحسين والتقبيح ، وهما راجعان إلى الأمر والنهي» (١). قال الشيخ: اختلف الأصوليون في هذه المسألة، فذهبت الأشعرية إلى أنه لا يحسن شيء ولا يقبح عقلًا. ولا حسن إلا ما حسَّنه الشرع، ولا قبيح إلا ما قبَّحه الشرع، وذهبت المعتزلة إلى أن من الأفعال ما يحسن عقلًا من غير توقف على شرع. ثم اختلفوا في أن الحسن والقبيح (٢) من صفات النفس أو من الصفات التابعة للحدوث؟ قال القدماء منهم: إنها من صفات النفس. قيل لهم: صفة النفس ما يتبع النفس، في الوجود والعدم، ويلزم منه إثبات الحسن والقبح في العدم، ثم يلزم منه استحقاق الذم على المعدوم، وذلك محال. وقال المتأخرون: إنها من الصفة التابعة للحدوث. ثم قسموا الأفعال قسمين، وقالوا: منها ما يدرك بالعقل، ومنها ما لا يدرك العقل فيه حسنا ولا قبحا، وإنما يعرف من جهة الشرع، وذلك لخفاء وصفه عن [العقول] (٣)، وليس هو ثابت بالخطاب، وإنما الشرع كاشف عن حقيقته لما قصر العقل عنه.

стр. 81

فائدة (١): ثُمَّ من الأفعال ما ينهى عنه لقبح فيه، ومنها ما ينهى عنه، لأنه يؤدي إلى فعل فيه قبح، وكذلك أيضا من الأفعال ما يؤمر به لحسن فيه، ومنها ما يؤمر [به] (٢)، لأنه يؤدي إلى فعل فيه حسن. [٢١] قوله: « إنما يرسم الشارع منها ما يرسم لمصالح المكلفين » (٣) إلى آخره. قال الشيخ: «يرسم»، يعني التقديرات، مثل عدد الجلد والصلاة والصيام والكفارات وغيرها، حتى إنه لو زاد على العدد أو نقص لم تحصل الفائدة في العدد، لا من زيادة ولا نقصان إلا من العدد. [٢٢] قوله: «وقد اضطربت النقلة عنهم في قولهم: يقبح الشيء [لعينه] (٤)». قال الشيخ: اختار الإمام أنه لا يدرك عقلا، ولم [يتقص] (٥) عن مذهبهم، وقد تقدم تفصيل مذهبهم، فليراجع. والدليل على إبطالها أن نقول: الحسن والقبح إما أن يكونا نفيين أو إثباتين، أو أحدهما نفي، والآخر إثبات. لا جائز أن يكونا نفيين، لأن النفيين لا [يتناقضان] (٦)، وقد تناقضا. وإن كانا إثباتين، فإما أن يكونا واجبا أو

стр. 82

جائزا، فالواجب يلزم فيه اشتراك [المثلين] (١)، إذ المثلان يشتركان فيما يجب ويجوز ويستحيل، ولم يشتركا، وإن كانا جائزًا افتقر إلى مقتض، والمقتضي إما أن يكون في محل أو لا. إن لم يكونا في محل [فنسبتهما] (٢) إلى الأفعال نسبة واحدة متساوية، وإن كانا في محل، فإما أن يكون هذا أو غيره، [فإن كان غيره] (٣): لزم منه أن يقوم المعنى ويوجب حكمه لغيره، وهو محال، وإن كان هذا لزم منه قيام المعنى بالمعنى، [وهو] (٤) محال (٥). [٢٣] قوله: « وقد سلك القاضي (٦) في الرد عليهم مسلكين : أحدهما - أن قال: ما ادعيتم فيه الضرورة فأنتم منازعون فيه، لأن من شرط الضروري أن لا يختلف العقلاء فيه، وقد [اختلفنا] (٧)» إلى آخره.

стр. 83

قال الشيخ: ما ذكره القاضي سدّ باب الاستدلال على الخصوم، ولا يلزم من بطلان الدليل بطلان المذهب. [٢٤] قوله: « ما ادعيتم الضرورة فيه ». قال الشيخ: الضرورة تنقسم قسمين: أحدهما - يتوقف على سبب. والآخر - ما لا يتوقف على سبب، فلا يختلف العقلاء فيه. وما توقف على سبب، [فيختلفون] (١) فيه لاختلافهم في السبب. [٢٥] قوله: « وإنما يتأتى ذلك في النظريات » (٢). قال الشيخ: النظر ينقسم قسمين: خفي وجلي، فالخفي ما كانت مقدماته خفية تحتاج إلى نظر وفكر، فلا يدركها كل أحد، والجلي ما كانت مقدماته معلومة مشهورة، فيدركها كل من نظر فيها بأدنى نظر. [٢٦] قوله: «فإن قيل: أنتم تقبّحون ما [نقبّحه] وتحسّنون ما [نحسّنه] (٣)» إلى آخره (٤). قال الشيخ: جواب الإمام إنما هو جواب عن صورة واحدة، وليس هو جوابا شاملا لجميع الصور. وإنما الجواب الشامل أن يقال: لم نوافقكم في

стр. 84

صورة مَّا أصلا، وذلك أن الحسن والقبح عندنا متعلق الخطاب، وعندكم صفة ثابتة للمحل، فلم يكن بيننا وبينكم وفاق أصلا، ولم نتوارد على محل واحد. [٢٧] قوله: «المسلك الثاني للقاضي - قال: نرى كذبة تنجي أممًا» (١) إلى قوله: «فما الوجه في قبحها»؟ إلى آخره. قال الشيخ: هذا المسلك حاصله إلزام على الخصوم وتناقض. ومن مذهبهم: كل ما أدى إلى الحَسَن حَسَنٌ، وكل ما أدى إلى القبيح قبيح. [٢٨] قوله: « والمسلك الحق عندي في ذلك الجامع لمحاسن المذاهب والناقض لمساوئها» (٢). قال الشيخ: لكل مذهب سيئة وحسنة، فمذهب الأشعرية أنهم نفوا الحسن في حق الله تعالى وفي حقوقنا، فحسنتهم كونهم نفوه في حق الله تعالى، وسيئتهم كونهم نفوه في حقوقنا. ومذهب المعتزلة أنهم أثبتوا الحسن في حق الله تعالى وفي حقوقنا، فسيئتهم كونهم أثبتوه في حق الباري تعالى، وحسنتهم كونهم أثبتوه في حقوقنا. فاختار الإمام مذهبا من مذهبين، وهو الجامع لمحاسن المذاهب: إثبات الحسن والقبح في حقوقنا، والناقض لمساوئها: نفي الحسن والقبح في حق الباري تعالى.

стр. 85

[٢٩] قوله: « والعقول تتقاضى (١) من أربابها اجتناب المهالك وابتدار المنافع الممكنة على تفاصيل فيها» (٢). قال الشيخ: تتقاضى بمعنى تحث على الشيء، ويقال للإمام: العقول إما أن تكون غريزة، أو علوم (٣) ضرورية. إن كانت العقول غريزة، فهي شرط في العلوم، وما كان شرطًا في العلوم لا يتأتَّى به اجتناب المهالك. وإن كانت علومًا ضرورية، فالعلوم كاشفة لا تؤثّر في متعلقها، وإنما تتعلق بالشيء على حسب ما هو عليه، فلا تحث على نفع ولا ضرر. [٣٠] قوله: « والكلام في مسألتنا مدار على ما يقبح ويحسن في حق الله تعالى» (٤). إلى آخره. قال الشيخ: الدليل على أنه لا يحسن ولا يقبح شيء في حق الله تعالى أن يقال: كل من تساوت الأفعال بالنسبة إليه، فلا يحسن شيء ولا يقبح في حكمه. بيان المقدمة الأولى: هو أن الحسن والقبح [يقتضيان] (٥) ترجيحا، والترجيح يناقض التساوي.

стр. 86

وبيان المقدمة الثانية: هو أن الرب تعالى لا ينتفع ولا يتضرر، فاستوت الأفعال بالنسبة إليه، لأن النفع والضر في حقه محال. [٣١] قوله: «وتتمة القول في هذا الباب (١) أنه لو فرض ورود الأمر» (٢). إلى آخره. قال الشيخ: لو لم يذكر أنه ليس بواجب لناقض أصله، لأن القبح يلازمه الضرر، وهو العقاب، وترك الواجب قبيح. فلو ورد الأمر من غير وعيد على تركه لكان قبيحا ولا ضرر فيه، فيكون مناقضًا لأصله. [٣٢] أما «شُبَه الخصوم (٣)»: قال الشيخ: الأولى - وهي «قال أبو هاشم. . .» (٤): اعتراض على مسالك الإمام، وهو قوله: «كل من تساوت الأفعال بالنسبة إليه». والثانية - اعتراض على أصل المسألة. [٣٣] « مسألة: ترسم بشكر المنعم .

стр. 87

اعلم أنهُ لا يُدركُ وجوبُ شكرِ المُنعمِ بالعقلِ» (١)، إلى آخره. قوله: «ترسم»، بمعنى تسمى به تسمية لقب، ولا تختص به، إنما تختص بوجوب النظر العقلي، لأنَّ المعتزلةَ قسموا الأفعال إلى ثلاثة أقسام: منها ما يدرك ضرورة بالعقل، وقد مثل بمسألة التحسين والتقبيح. ومنها ما يدرك بالنظر العقلي، وقد مثله بهذه المسألة. ومنها ما يدرك بالسمع، وقد مثل بمسألة «لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع». اختلف الأصوليون في هذه المسألة: فمذهب المعتزلةُ: أنَّ العقلَ يُوجبُ شكرَ المُنعمِ، والنظر المؤدي إلى معرفة الصانع وغير ذلك مما يستقل العقل بدركهِ. ومذهب الأشعريةِ: أنه لا يدرك وجوب الشكرِ بالعقلِ. ومدار النظر فيها على ما سبق في التحسين والتقبيح. دليلنا هو أنا نقولُ: لو كان العقل يُوجبُ الشكرَ، فلا يخلو: إما أن يوجبهُ لفائدةٍ أم لا. إن لم يوجبهُ لفائدةٍ فهو محال، لأنهُ يؤدي إلى العبث في حق الباري، لأنَّ الفعل بلا فائدةٍ عبثٌ عندهم. وإن كان لفائدةٍ، فلا يخلو: إما أن يتعلق بالشاكر أو المشكور. إن تعلق بالمشكور فلا يصح، لأنه لا ينتفع ولا يتضرر. وإن تعلق بالشاكر، فلا يخلو: إما أن يكون عاجلا أو آجلا، فإن كان عاجلا، فلا يصح، لأنَّ الشكر قد وقع شاهدًا (٢)، ولا ثواب عاجل، وإن كان آجلا، فهو جائز الوقوع، والعقول لا تهتدي إلى درك وقوع الجائزات، وإنما

стр. 88

يدرك ذلك بالسمع. [٣٤] قوله: « ومن أين يعرف ذلك بالعقل؟ والمشكور يقول: لا يجب عليَّ نفعك ابتداء ومهما شكرتني (١)؛ فأعوضك» (٢). قال الشيخ: النفع لا يخلو: إما أن يقع ابتداء أو ثوابا، إن وقع ابتداء، فقد اتفقنا على أنه لا يجب، وإن وقع ثوابا، فالمشكور لا ينتفع ولا يتضرر، فكيف يكون ثوابا؟ [٣٥] قوله: « ومما ذكر أبو إسحاق (٣) في مفاوضة جرت له أن الشاكر متعب نفسه» (٤) إلى آخره. قال الشيخ: السرُّ في ذلك [أنه] (٥) كلما أبدوا جائزًا، قابلناهم بنقيضه، وهو جائز آخر.

стр. 89

[٣٦] قوله: «وللخصوم مسلكان: أحدهما - التعلق بتعاقل العقلاء شاهدًا» (١) إلى آخره. قال الشيخ: لا نسلم جواز القياس في المعقولات، لأن القياس يستدعي جامعًا، والجوامع أربعة: حقيقة، وعلة، وشرط، ودليل. فلو جاز القياس عريا عنها لأفضى إلى التجسيم والتشبيه، وقد ذكرهم الإمام في مواضعهم. ويقال عليه: لا نسلم وجوب الشكر شاهدًا، ثم لا نسلم قياس الغائب على الشاهد. وأيضا: الفرق بين الغائب والشاهد، وذلك لأن الشاهد ينتفع ويتضرر، والغائب لا ينتفع ولا يتضرر؛ فافترقا. [٣٧] قوله: «فإن قالوا: لو لم نقض بوجوب النظر عقلًا لانحسمت دعوة الأنبياء» إلى قوله: «لا ننظر حتى يجب النظر، ولا يجب النظر حتى يرد الشرع، ولا يرد الشرع حتى ننظر، فيتوقف كل واحد منهما على الآخر، فأفضى إلى الدور» (٢). قال الشيخ: والجواب عن هذا الدور من أوجه: * الأول - هو أن مِنْ شرط الدَّوْر أن يتوقف كل ركن من أركانه على الآخر [توقفًا عقليًا] (٣)، وهذا ليس كذلك. * الآخر - لا نسلم أنه لا ينظر حتى يجب النظر، بل من الجائز أن ينظر

стр. 90

وإن لم يوجب النظر. الآخر - ما أشار إليه الإمام من أنه مشترك الإلزام، فإن ما ألزموناه في الشرع المنقول ألزمناهم في أدلة العقول، وقلنا: لا يجب النظر حتى ننظر، ولا ننظر حتى يجب النظر. فيتوقف كل واحد منهما على الآخر. قالوا جوابًا عن الدور: إن الله تعالى يبعث إلى كل مدعوّ مَلَكًا ينفث في روعه فينظر. قال الشيخ: هذا لا يصح لوجهين: * أحدهما - هو أن المَلَك إما أن يكلمه كلامًا نفسيًا، أو بحرف وصوت، والكلام النفسي - على أصلكم - لا يصح، وإن كلمه بحرف وصوت، فلم ندرك نحن كلام الملك. * الثاني - هو أن المَلَك إما أن يحثه أو يلجئه، إن ألجأه إلى ذلك، فهو مكره، والمكره - عندكم - لا يصح تكليفه، وإن حثه عليه، فيجوز مخالفته كما خالف النبي. [٣٨] قوله: «وأي حاجة إلى ذلك وفي دعوة (١) النبي مقنع عما هذوا به» (٢). قال الشيخ: نحن ألزمناهم رسولًا واحدًا، وهم التزموا لكل واحد منهم رسول.

стр. 91

[٣٩] قوله: « والسِّرُّ في ذلك أن النظر الأول لا يتصور وقوعه (١) إلا كذلك » (٢). قال الشيخ: لأن النظر لا يعلم وجوبه قبل وقوعه، لأنه لو علم، فلا يخلو: إما أن يعلم ضرورة أو نظرًا، لا يصح أن يعلم ضرورة، لأنا قد اختلفنا فيها، ولا يصح أن يعلم نظرًا، لأنه لو كان معلومًا نظرًا، فقد تقدمه نظر، فلا يكون أولًا. [٤٠] قوله: «[وقيل] (٣): قربة لا يصح التقرب بها إلى الله تعالى» (٤) إلى آخره. قال الشيخ: قوله: «قربة»، مسامحة وتجوز، لأنه عنى ما وقع موقع القرب، لأن التقرب لا يصح حتى يعلم المتقرَّب له، وتقرب بلا متقرب له محال. [٤١] « مسألة: لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع » (٥). إلى آخره. اختلف الأصوليون في هذه المسألة، فذهب الأشعرية إلى أن الأحكام هي الشرائع، ولا حكم قبل ورود الشرع. ومذهب المعتزلة أن الأحكام صفات للأفعال. وقد قسموا الأفعال إلى ثلاثة أقسام، كما تقدم. وهذه المسألة مما يدرك بالشرع.

стр. 92

[٤٢] قوله: «ما لا يعيّن العقل حسنًا ولا قبحًا» (١). قال الشيخ: اختلف المعتزلة في ذلك، منهم من جعله على الحظر قبل ورود الشرع، ومنهم من جعله على الإباحة، ومنهم من جعله على الوقف. والوقف أقرب إلى مذهبهم، لأن كل واحد من القبح والحسن محتمل، وليس أحد الاحتمالين بأولى من الآخر. فيقال لأصحاب الوقف: ما تعنون بالوقف؟ فإن قالوا: ما ثبت عندنا حكم فوقفنا. فنقول: نحن أيضًا كذلك، إلا أن الفرق بيننا وبينهم أنهم يقفون وقف شك، ونحن نقف وقف جزم بقطع باتّ: لا حكم قبل ورود الشرع، وهم مترددون بين الحظر والإباحة. ومن قال بالحظر يناقض كلامهم من جهة أن المسألة مما عجزت العقول فيها عن الحسن والقبح، وكأنهم قالوا: ما ليس بقبيح قبيح، أي ما ليس بمحظور محظور. وإن قالوا: إنما حظرناه مخافة أن يكون فيه محظور. قلنا: فيلزمكم مثل ذلك في الحسن والقبح (٢)، فينبغي أن توجبوه لاحتمال أن يكون فيه حسن. قال الشيخ: من قال بالحظر يرد عليه سائر الأضداد التي لا يتصور الانفكاك عنها، مثل الحركة والسكون والقيام والقعود، فلا يخلو إما أن يحظروها كلها، أو يحظروا بعضها دون بعض.

стр. 93

إن حظروا الكل كان ذلك تكليف ما لا يطاق، وإن [حظروا] (١) البعض دون البعض، فليس أحدهما بأولى من الآخر. وإن خصوا بالحظر ما يعتقدون جواز الخلو عنه أصلًا - يعني أن من الأضداد ما يجوز أن يخلو المحل عنها - واستدلوا عليه بأن قالوا: التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح (٢)؛ يقال لهم: هذا يرد في حق الشاهد، لأنه ينتفع ويتضرر، والرب تعالى لا يتضرر ولا ينتفع. [٤٣] قوله: «فإن قالوا: حق على المالك أن يبيح» (٣). قال الشيخ: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما - هو أن هذا تناقض منهم، لأن «حق» بمعنى واجب، والواجب إنما يكون بعد ورود الشرع، والكلام مفروض قبل ورود الشرع. الآخر - هو أن المالك لا ينتفع ولا يتضرر، والوجوب على من لا ينتفع ولا يتضرر محال. [٤٤] «فَصْلٌ يجمع التكليف ومعناه ومن يكلف»، إلى آخره. «قال القاضي: التكليف: عبارة عما فيه كلفة» (٤)، إلى قوله: «فإن جمعتهما قلت: الدعاء إلى ما فيه كلفة» (٥).

стр. 94

قال الشيخ: قد ندب المكلف إلى تعجيل الفطر وتأخير السحور مع أن النفوس تتشوف إلى ذلك، وتميل بالطبع، فلم يوجد فيه كلفة. وأيضا قوله ﷺ : «أرحنا بالصلاة يا بلال» (١)، وغير ذلك. فما وجه الكلفة؟ قال الشيخ: إنما تكون المشقة نظرًا إلى اعتبار الجنس، لا نظرًا إلى الآحاد، فالقاضي نظر إلى الكلفة في غالب الجنس. [٤٥] وقال: « الأوجه أن يقال: إلزام ما فيه كلفة » (٢). قال الشيخ: هذا قول القاضي في «التقريب والإرشاد» (٣). [٤٦] قوله: «نعم الندب والكراهة يقترنان بتخيير المخاطب» (٤). قال الشيخ: الندب والكراهة عند القاضي من التكليف، والإمام يقول إنهما من التخيير، وهذا غير سديد، لأن التخيير عبارة عما خُيِّر بين فعله وتركه، والندب مطلوب الفعل مثاب عليه، فلم يحصل التساوي. قال الشيخ: والعبارة السديدة فيه: أن [يقترنا] (٥) بترك اللائمة. [٤٧] قوله: «نعم الشرع يجمع» (٦).

стр. 95

قال الشيخ: يريد بمعنى المشروعية. [٤٨] قوله: «وأما الإباحة فقد قال الأستاذ: إنها من التكليف، ثم فسر قوله بأنه يجب اعتقاد الإباحة» (١). وقد نسبه الإمام إلى أنها «هفوة ظاهرة» (٢). قال الشيخ معتذرًا عن أبي إسحاق: ليست بهفوة، وإنما لما لازمت الإباحة الوجوب، بمعنى أنه لازمها وجوب اعتقاد أن [الفعل] (٣) مباح، والوجوب من التكليف، فقد لازمت ما فيه كلفة، فأطلق عليها أنها من التكليف لأجل الملازمة. [٤٩] قوله: «وقد نقل النقلة عن أبي الحسن أنه كان يجوز تكليف ما لا يطاق» (٤) إلى آخره. قال الشيخ: تكليف ما لا يطاق ينقسم إلى أربعة أقسام: * القسم الأول: المستحيلات، مثل الجمع بين الضدين ونحوه. * الثاني - ما هو مقدور عليه في نفسه، إلا أنه ليس مقدورًا لبشر، مثل خلق الأجسام وغيرها. * الثالث - ما هو من جنس المقدور إلا أنه لم تجر العادة بخلق القدرة عليه، مثل الطيران في الهواء، والمشي على الماء.

стр. 96

الرابع - ما جرت العادة بخلق القدرة (١) إلا أنها لم تخلق مقارنة له، وهو جنس التكاليف كلها. [٥٠] قوله: «وهو سوء خبرة (٢) بمذهبه». بما قرره من الوجهين (٣). قال الشيخ: رده على النقلة ليس بصحيح، فإن الثلاثة أقسام الأُوَل من تكليف ما لا يطاق لم يقع شيء منها، فيحتمل النقلة أن يكونوا نقلوا الخلاف فيها. [٥١] قوله: « ولا يدفع هذا قول القائل: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده ، فإنا سنوضح أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده» (٤). قال الشيخ: هذا ليس بجواب، وإنما الجواب أن ينقل عن أبي الحسن أن الأمر بالشيء نهي عن ضده. [٥٢] وأما جوابه الثاني عن السؤال، وهو قوله « إن القدرة وإن قارنت الضد لم تقارن الفعل، وهو مأمور به » (٥)، غير (٦) سديد، فإن فيه اعتذارًا بأن من الأفعال ما هو مقدور عليه، أي مستطاع، وأنت تريد تقرّر أن الأفعال

стр. 97

كلها على خلاف الاستطاعة. قال الشيخ أيضًا: وإنما الجواب السديد أن نقول: سلمنا أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، إلا أن المطلوب وقوع الفعل وترك ضده، والأمر متوجه قبل القدرة على الفعل، وقبل القدرة على ضده، وهو المطلوب. [٥٣] قوله: «ولا ينجي من ذلك تمويه المموه بذكر لفظ الكسب» (١). قال الشيخ: هذا الجواب لا يصح، لأن مذهب أبي الحسن أن الكسب عنده حقيقة ثابتة، فيتجه بذلك ورود السؤال. [٥٤] قوله: « على أنا سنوضح ما [نعتقده] (٢) في خلق الأعمال » (٣). فائدة: اختلف الأصوليون في هذه المسألة على فِرَق. قال الشيخ: خلق الأعمال لا يخلو إما أن يكون بقدرة حادثة أو لا. إن لم يكن مقدورًا بقدرة حادثة أصلا، فهو مذهب الجبرية (٤)، وإن كان مقدورًا، فلا يخلو، إما أن يكون على وجه التأثير، فلا يخلو، إما أن يكون حالا أو وجودًا. من قال إنها تؤثر في الحال، فهو مذهب القاضي. وإن كان تؤثر في

стр. 98

الوجود، فهو مذهب الإمام والمعتزلة، إلا أن الإمام يقول: تؤثر فيما قدره الله تعالى وخصصه، والمعتزلة يقولون: تؤثر مطلقا، فافترقا. [٥٥] قوله: « فإن قيل: فما الصحيح في تكليف ما لا يطاق » (١) إلى قوله «إما أن يريد به طلب فعل أو طلب الصيغة» (٢). قال الشيخ: يرد على ما قاله سؤالان: الأول - أن يقال: هذه دعوى عارية عن الدليل. الآخر - إن هذا فرض في بعض الصور. وهو قسم من المستحيلات. وقد استدل القاضي على هذه المسألة بمسلكين: * الأول - أنْ قال: لو صح طلب المستحيل لصح إيجابه، ولو صح إيجابه لصح اللوم على إمكانه، لأن اللوم عليه يتضمن خبرا عن إمكانه، وخبر الباري تعالى صدق، والإمكان مستحيل، فخبره مستحيل. * الثاني - هو أن الأمر: عبارة عن طلب إيقاع الفعل، والمستحيل ليس بفعل، فيستحيل أن يكون مطلوبا. وبرهانه: كل طلب يتعلق بفعل، ولا فعل واحد مستحيل. فلا طلب واحد يتعلق بمستحيل.

стр. 99

[٥٦] قوله في جواب [الأول] (١): « لأن خلاف المعلوم مقدور في نفسه » (٢) إلى آخره. قال الشيخ: المتمكن (٣) لفظ متردد، يطلق ويراد به متمكن على الجملة، ويطلق ويراد به متمكن حال ورود الأمر، فهو محل النزاع، ورأى الإمام أنه متمكن، لأنه يرى بتقديم القدرة على الفعل، وغيره يشترط مقارنة القدرة للفعل، وهو أبو الحسن. [٥٧] قوله «ولا نظر إلى الاستصلاح ونقيضه» (٤). قال الشيخ: هذا إشارة إلى مذهب المعتزلة، فإنهم يقولون: يجب على الله تعالى الأصلح لعبيده، ولا يريده (٥). [٥٨] « مسألة: السكران يمتنع تكليفه ، وصار طوائف من الفقهاء إلى خلاف ذلك» (٦).

стр. 100

قال الشيخ: هذه المسألة تندرج تحت تكليف ما لا يطاق، والقول فيها كالقول فيما مضى. دليله (١) أن السكران غير فاهم للخطاب، فإن الفهم شرط في الخطاب، وما فقد شرطه لا يصح إيجابه. [٥٩] قوله « وقد (٢) تمسك الفقهاء [بما] يصح من أقواله [وبما] (٣) ينزَّل من أحواله منزلة الصاحي» (٤) إلى آخره. قال الشيخ: هذا ليس من باب التكاليف، وإنما هو من خطاب الأسباب والشروط، وهو مختص بالمجتهدين. فإن قيل: إذا تمسك متمسك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٥). قلنا: لا يصح التمسك بها، لأنها مؤولة من وجهين: الأول - هو أنه يحتمل أن يكون الخطاب في حق الثَّمِل النشوان الذي يفهم ما يقال، فلا يصح التمسك بها. الثاني - هو أنه يحتمل أن يقال هذا قبل السكر، فنقول: لا تشربوا فتسكروا فتصلوا وأنتم سكارى، ولا تعلموا ما تقولون. فإن قيل: هذه الآية تدل على مسألة جزئية، وهي الصلاة، فلا بد من

стр. 101

عضد التأويل بدليل. قلنا: لا يحتاج إلى عضده بدليل، لأنه يتكلم في قاعدة كلية، وهو الجواز والاستحالة، وهما أمران قطعيان، فيكفي مجرد الاحتمال. [٦٠] «مسألة: المكره لا يمتنع تكليفه، لأنه قادر على الفهم والامتثال» (١). ودليله: هو أنه وجد شرط صحة التكليف، فوجب أن يصح. وتقريره ما ذكرناه. [٦١] « وذهبت المعتزلة إلى أن المكره على العبادة [غير] (٢) مكلف بها ، وبنوا ذلك على أصلهم» إلى قوله: «إن المكره على الشيء لا يثاب عليه» (٣). قال الشيخ: يرد عليه أسولة: * الأول - لا نسلم وجوب الثواب. * الآخر - لا نسلم أن المحمول على الشيء لا يثاب عليه. الآخر - لم قلتم إن المحمول على الشيء لا يثاب عليه؟ فإن قالوا: لعدم الإخلاص. قلنا: فما المانع من إكراهه على الشيء، وهو معلوم (٤)، وينوي العبادة؟

стр. 102

[٦٢] قوله: « وقد ألزمهم القاضي المكره على القتل » إلى قوله «وهذه هفوة عظيمة» (١). قال الشيخ: لا تكون هفوة لوجهين: الأول - إن المعتزلة قسمان: منهم من يقول بعدم الاضطرار، ومنهم من يقول بالاضطرار. من قال بالاضطرار؛ استدل (٢) عليهم بجواز نهيه، ومن جاز قبول نهيه جاز قبول أمره، فبطل دعوى الاضطرار. ومن قال منهم ليس بمضطر، وإذا كان ليس بمضطر؛ فما ذكره القاضي ليس بإلزام، وإنما هو دليل على أنه أهل لأن يؤمر، فلا يكون من القاضي هفوة. الثاني - هو أن من قاعدتهم: أن القدرة الصالحة لأحد الضدين صالحة للآخر، وإذا كانت صالحة لقبول النهي فلتكن صالحة لقبول الأمر. [٦٣] « مسألة: ذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة . وظاهر مذهب الشافعي خلاف ذلك» (٣) إلى آخره. قال الشيخ: اختلف الأصوليون في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب. أما من فصَّل فقال: إن المنهيات لا يشترط في تركها التقرب، فلهذا جاز التكليف بها بخلاف المأمورات، فإنها يشترط فيها قصد التقرب، وقصد التقرب مع الجهل بالمتقرب إليه محال. فلهذا لا يصح التكليف بها. قال الشيخ: عليه سؤالان:

стр. 103

* الأول - أن يقال: يلزمهم أن يفصلوا في المأمورات، فإن منها ما يشترط فيه قصد التقرب، ومنها ما لا يشترط فيه (١) قصد التقرب، كردّ الغصوب والودائع وغيره؛ لا يشترط فيه قصد التقرب. * الثاني - هو أن ما ذكرتموه في الأمر، يلزمكم مثله في النهي، فإنه أيضا يفتقر إلى معرفة الناهي. فالقول بجواز أحدهما دون الآخر تحكم. [٦٤] حجة المانعين: أن قالوا: «المخاطبة بإيقاع الفروع مخاطبة بتصحيحها، وذلك مستحيل مع الإصرار على الكفر» (٢). قال الشيخ: المخاطبة بالصحة لا تصح، لأن الصحة والفساد حكمان شرعيان، فلا يدخلان تحت خيرة المكلف فضلا عن التكليف بهما، وإنما المراد بذلك فعل يحكم بصحته على تقدير وقوعه. [٦٥] قوله: « وتجويز مخاطبتهم بإقامة الشرائع مع استمرارهم على الكفر تجويز تكليف ما لا يطاق» (٣). قال الشيخ: المراد بذلك أنه يستحيل وقوع الفرع في حال كونه كافرا. فائدة: هذه المسألة مرتبطة بتكليف ما لا يطاق، فنقول: تكليف ما لا يطاق ينقسم إلى أربعة أقسام: المستحيلات، وما هو مقدور عليه في نفسه، وما هو من جنس المقدور، وما جرت العادة بخلق القدرة عليه. لا جائز أن

стр. 104

يكون من القسم الأول، لأنّ المستحيل لا يمكن إيقاعه، وهذا ممكن الوقوع، ولا يصح أن يكون من القسم الثاني، لأنّ هذا مقدور عليه بالقدرة الحادثة، ولا يصح أن يكون من القسم الثالث، لأنّ هذا قد جرت العادة بأنّه مقدور عليه، فيتعين أن يكون من القسم الرابع. قال الشيخ: حرف المسألة: إما أن يكون المشروط الإمكان على الجملة، أو يكون الإمكان ناجزًا، فمن اشترط الإمكان ناجزًا منع صحّة التكليف في هذه المسألة، وهم أصحاب أبي حنيفة. ومن اشترط التمكن على الجملة فقد قال به، وهو مذهب أبي الحسن والقاضي. [٦٦] قوله: «وهذا منقوض باعتقاد النبوات واعتقاد صدق الأنبياء» (١) إلى آخره. قال الشيخ: أما النقض بقواعد العقائد وصلاة المحدث وغيره، فهو لازم للمانعين، ثم يلزمهم أن لا يرد خطاب مشتمل على أفعال متعددة كالصلاة مثلًا؛ وقع كل ركن منها بعد الآخر، ومع ذلك قد وقع التكليف بالصلاة جملة مع تعذر تنجّز الإمكان. وأما الإمام فإنه طرد أصله في الجميع، فلم يلزمه النقض. [٦٧] ثم قال: « التحقيق عندي أنّهم مأمورون بالتوصل » (٢). قال الشيخ: يرد عليه أن يقال: المتوصّل إليه إما أن يكون واجبا أو لا،

стр. 105

إن كان واجبا، فقد سلم له ذلك، وإن لم يكن واجبا، فالقول بوجوب الوسيلة محال، لأن الإمام قد فرق بين شرط الوجوب وشرط الصحة، فإن شرط الصحة عنده واجب، كالوضوء شرط في الصلاة، وهذا ينبغي على أن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب. وشرط الوجوب لا يجب، فإن سكان البوادي لا يتعين عليهم البناء لتجب عليهم الجمعة، وكذلك الشخص لا يجب عليه الاكتساب لتجب عليه الزكاة إلى غير ذلك مما يكثر تتبعه. [٦٨] قوله: « وإذا مضى من الزمان [ما] (١) يسع الشرط » (٢) إلى قوله: «يعاقبه معاقبة من خالف أمرا توجه عليه ناجزا» (٣). قال الشيخ: ما يريد بقوله: يعاقبه معاقبة؟ إن أراد به مثل معاقبة من توجه عليه الأمر بالمشروط [فقريب] (٤)، وإن أراد أنها معاقبة على ترك الشرط الذي ينجز الأمر به، فقد [سلم] (٥) أنه مخاطب بالشرط قبل وقوع مشروطه، وهو كلام أبي هاشم. قال الشيخ: وإن اتفق الإمام وأبو هاشم إلا أنهما يختلفان في شيء، وذلك أنه إذا مضى من الزمان قدر ما يسع الشرط والمشروط، فإنه يعاقب على ترك التوصل عند الإمام، وعند الجبائي يعاقب على ترك الشرط.

стр. 106

[٦٩] قوله: « فإن قيل: إن ثبت لكم الجواز على تأويل التوصل ، وفرض العقاب» إلى آخره. «فقد أجاب القاضي: إن ذلك من مجال الفقهاء». ثم خالفه الإمام أنه «يترقى عن مراتب الظنون» (١). قال الشيخ: من شرط المختلفين: أن يتواردا على محل واحد، وليس الأمر ههنا كذلك، فإن الإمام يقول إن وجوب التوصل يترقى عن مراتب الظنون صحيح، والقاضي كلامه في وقوع الجائز، فما تواردا على محل واحد (٢). [٧٠] قوله: « فإن قيل: أتقطعون أنهم معاقبون في الدار الآخرة على ترك فروع الشَّرْعِ » (٣)؟ إلى قوله: «وتارك الواجب معاقب» (٤). قال الشيخ: هذا ليس بكلام سديد، فإن المسؤول عنه المعاقبة على ترك

стр. 107

الفروع. وما ذكره الإمام معاقبة على ترك التوصل، فَغَالطَ ولم يجب عن السؤال. وفيه أيضا مناقضة أصله، وهو أنه قال متقدما: «إذا مضى من الزمان ما يسع الشرط والمشروط، فلا يمتنع أن يعاقب» (١). فلم يجزم بالمعاقبة، وجزم ههنا بالمعاقبة، فقد ناقض أصله.

стр. 108

القول في العلوم ومداركها وأدلتها (١) [٧١] قوله: « مدارك العلوم ». قال الشيخ: إنما ذكر المدرك، لأنه أعم من الدليل، لأن المدرك يشتمل على علم الحواس وغيرها. [٧٢] قوله: «قال القاضي ﵁: العقل من العلوم» (٢) إلى آخره. قال الشيخ: لفظ العقل مشترك؛ يطلق ويراد القود، ويراد به التؤدة، ويطلق ويراد به بعض العلوم، ومذهب القاضي أن العقل علوم ضرورية بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ووجوب الواجبات. ودليله: أن نقول: لأنا لو قدرنا خروجه عن العلوم، فلا يخلو: إما أن يكون في محل أو لا. إن لم يكن في محل، فهو باطل من وجهين: أحدهما - هو أنه يلزم منه أن تكون نسبته إلى كل محل نسبة متساوية. الثاني - هو أن الجواهر متماثلة، فإذا أوجب حكمًا لجوهر، يلزم أن يوجب لسائر الجواهر مثل ذلك الحكم. وإن كان في محل، فإما أن يكون مثلًا للعلوم أو ضدًا أو خلافًا. إن كان مثلًا، فإما أن يكون مثلًا لجميعها أو للبعض، لا جائز أن يكون مثلا للجميع،

стр. 109

لأن العلوم مختلفة في نفسها، والشيء الواحد لا يماثل المختلفات. ولا جائز أن يكون مثلًا للبعض منها، فإنه يلزم أن يكون علما، لأن مثل العلم علم، ونحن فرضنا أنه خلاف. ولا جائز أن يكون ضدًا للعلوم، لأنه يلزم منه عدم الاجتماع، والعلم والعقل مجتمعان. وإن قدرنا أنه خلاف فيلزم أن يكون أحدهما شرطا في الآخر. فلا يخلو: إما أن يكون العلم شرطًا في العقل، أو العقل شرطا في العلم. إن قدرنا أن العقل شرط في العلم يلزم منه أن يوجد العقل مع انتفاء العلم، وجاز أن يعقبه أضداده، ومن جملة أضداده الشك، فيلزم أن يكون عاقلا شاكًا في وجود عقله، وهو محال. وإن كان العلم شرطًا في العقل لزم منه وجود العلم بدون العقل، وهو محال، تعين أن يكون من العلوم. ولا يخلو: إما أن يكون كلها أو بعضها، لا جائز أن يكون كلها، فإن العلم النظري أبدًا يكون مسبوقًا بالعقل، فانحصر في العلوم الضرورية، وليس أيضا كلها، فإن من عدم حواسه عادم للعلم الضروري، وهو على كمال من عقله، تعين أن يكون علمًا ضروريًا بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ووجوب الواجبات، فلا يخلو إما أن يكون العقل كل هذه الأقسام أو [واحدًا] منها [معينًا] (١) أو واحدًا لا بعينه، لا جائز أن يكون كلها، لأنه يلزم منه:

стр. 110

[إذا] (١) ذهل الشخص عن النظر في الجواز ونظر في الاستحالة ألا يكون عاقلا، وهو محال. وإن كان واحدا معينا يلزم منه على تقدير الذهول ذلك أيضا. وإن كان واحدا لا بعينه لزم منه أن يحس الناظر خلافا في أحوال نفسه، بناء على اختلاف نفسه، وإنه محال. فإن قيل: العقل خلاف العلوم. قلنا: فيكون شرطا فيها. فإن قيل: هو شرط فيها. قلنا: فيلزم منه انتفاء العلوم مع وجوده. فإن قال: نعم يجوز ذلك. قلنا: يلزم أن يعقبه أضداده، ومن جملة أضداده الشك، فيكون عاقلا شاكا في وجود نفسه، وهو محال. فإن قيل: ما المانع أن تعقبه أضداده كلها إلا الشك [. . .] (٢). [٧٣] قوله: « وما حوَّم عليه أحد من علمائنا إلا الحارث بن أسد المحاسبي (٣)، فإنه قال: العقل: غريزة يتأتَّى بها درك العلوم، وليست منها» (٤). وحدَّه الإمام بأنه: «صفة يتأتى بها درك العلوم». قال الشيخ: لفظ الغريزة يشعر بالصلاحية فقط، ولفظ الصفة أنها تقوم بالمحل، فالصفة أعم من الغريزة، فأتى بلفظ الغريزة لأنهما مشتركان في المعنى.
следующие страницы →