بنفسه». والدليل عليه: أنه يصح أن يوجب الفعل بما (١) هو فعل، ويندب إليه في أول زمان، فلما انفرد على حياله دلَّ على أنه مطلوب على حياله. يقال: هذا المطلوب على حياله إما أن يكون مطلوبًا بهذه الصيغة، أو بأمر آخر. إن كان مطلوبًا بهذه الصيغة، فلا دلالة لها على الفور والبدار. وإن كان بأمر آخر، فلا يصح، لأنا لم نجد أَمرًا آخر.
[٢٠٢] « مسألة: ذهب القاضي في جماعة من الأصوليين إلى أن المندوب مأمور به » إلى قوله «وهذه المسألة ليس فيها فائدة وجدوى من طريق المعنى» (٢) إلى آخرها.
قال الشيخ: بل فيها فوائد جمة من طريق المعنى، وذلك أن الأمر إذا كان مترددًا بين الوجوب والندب، فقد يقول القائل عند سماعه أَمرًا مّا: أنا متوقف، ولا أحكم بشيء. كما قال القاضي في المسائل المتقدمة. ولو قدرنا أن الأمر يختص بالوجوب لا غير، لفهم المكلف عند سماع الصيغة ذلك، ولم يتوقف على شيء، وثبت بالحكم. وهذه فائدة عظيمة.
[٢٠٣] وقوله: «لا فائدة فيها من طريق المعنى» (٣)، غير صحيح.
[٢٠٤] « مسألة: ذهب [بعض] (٤) أئمتنا إلى أن الأمر بالشيء نهي عن أضداد المأمور به » (٥) إلى آخره.
стр. 177
قال الشيخ: اختلف الأصوليون في هذه المسألة. فللقاضي فيها مذهبان: أحدهما - أن الأمر بالشيء عين النهي عن أضداد المأمور به.
ودليله عليه أن قال (١): لو قدرنا أن النهي عن الأضداد غير الأمر، لم يخل ذلك: إما أن يكون مثلًا، فإن المثلين يشتركان في جميع صفات النفس، وقد اختلف الأمر والنهي في صفة من صفات النفس، فإن كل واحد منهما تعلق بمتعلق خاص، وتعلقه بمتعلقه الخاص من صفات نفسه؛ تعيّن أن يكون خلافًا. ذلك الخلاف إما أن يكون ضدًا أو لا، لا جائز أن يكون ضدًا، فإن الضدين لا يجوز اجتماعهما في محل واحد، وقد اجتمعا. [أو] (٢) يكونا خلافين ليسا بضدين، وهو أيضًا باطل من جهة أنه يجوز فقدان أحد الخلافين ووجود الآخر، وإذا كان ذلك جاز أن يخلف المفقود ضده (٣)، وذلك يفضي إلى المحال من جهة أنه يلزم أن يكون الشيء الواحد مأمورًا به مأمورًا بضده (٤)، فيفضي إلى التناقض، وهو محال، فيلزم من ذلك أن يكون الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده (٥).
стр. 178
قال الشيخ: يقال له: يختلف كونهما خلافين ليسا بضدين.
قوله (١): «يجوز فقدان أحدهما مع وجود الآخر» مسلَّم.
وقوله: «إنه يخلفه ضده، ويلزم منه التناقض». قلنا: يجوز أن يخلفه ضد لا يلزم منه محذور، و [الذي لا يجوز] (٢) هو الضد الذي يلزم منه محذور، ويجوز أن يخلفه ضد آخر، وهو الذهول، ولا يلزم منه محذور.
[٢٠٥] قوله: «فأما المعتزلة، فالأمر عندهم: هو العبارة، وقول القائل: «افعل» أصوات متقطعة» إلى قولهم: «الأمر بالشيء نهي عن أضداده» (٣).
فائدة: قال الشيخ: هذا الكلام ليس بصحيح من جهة أن الصادر من الأمر إنما هو صيغة «افعل» فحسب، وليس فيها دلالة على صيغة أخرى، وهو قول القائل: لا تفعل، وهو النهي عندهم، لأنهم لا يعترفون بالمعنى القائم بالنفس.
[٢٠٦] قوله: «وهذا باطل قطعا، من جهة أن الذي يأمر بالشيء، فلا
стр. 179
يخطر له أضداد المأمور به» (١).
قال الشيخ: يقال له: هذا لا يستقيم على أصلك، فإن حقيقة الوجوب عندك لا تعقل دون الوعيد على الترك، وهو ذاهل عنه، ويلزمه على ذلك أن الآمر أبدًا لا يكون ذاهلًا عن الأضداد.
[٢٠٧] قوله: « فأما إن كان ذاكرًا للأضداد، عالمًا بأن الاتصاف » إلى قوله: «ذريعة إلى إيقاع الامتثال» (٢).
قال الشيخ: إن أردت بقولك: ليس مقصودًا، على معنى أنه ليس مقصودًا بنفسه وحقيقته، بل قصدًا ليتوصل به إلى غيره، فهذا تسليم للمسألة، وشروع في باب التعليل. وهذا من شأن الفقيه، لا من شأن الأصولي.
[٢٠٨] قوله: « وأما من قال: إن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداد المنهي عنه » إلى قوله: «وباح بالتزام مذهب الكعبي في نفي الإباحة» (٣).
قال الشيخ: يقال جوابًا عن الكلام: ليس يلزمني مذهب الكعبي، والإباحة ثابتة، فإن المنهي عنه له أضداد كثيرة، والمكلف مخير فيها، إن شاء أتى بهذا، وإن شاء بغيره، فيكون من جهة التخيير في فعله وتركه [مباحًا]، ومن جهة أنه يترك للنهي [واجبًا] (٤).
فإن قال الكعبي: لا نسلم الجهتين، فيلزم صورة يلتجئ فيها إلى
стр. 180
الاعتراف بالجهتين، وذلك أن يقال له: لو قدرنا واجبًا مضيقًا، فتركه المكلف، واشتغل بأمر مباح، فهو بالاشتغال بالمباح تارك للواجب، وتارك لجملة المحظورات، فيكون واجبًا من جهة ترك المحظورات، محرَّمًا من جهة ترك الواجب، فلا يُخلَّص الكعبيَّ إلا الاعتراف بالجهتين.
[٢٠٩] « مسألة: إذا وقع المأمور به المقتضى على حسب الاقتضاء أجزأ وكفى » إلى قوله: «إن الإجزاء لا يثبت إلا بقرينة» (١).
قال الشيخ: مطلع النظر لهم في ذلك أن قالوا: إذا ورد اللفظ مطلقًا احتمل أن يكون مقيدًا، واحتمل أن يكون مطلقًا، فيتطرق إليه الشك في المقتضى، فعند ذلك نحن مخاطبون بالبحث عن نفي القيد، وبعد البحث التام، تارة نعثر على الدليل المقيد، فنعلم أن اللفظ مقيد، فإذا امتثل حصل الإجزاء من الدليل الدال على التقييد، وتارة لا نعثر على دليل بعد البحث، فنستفيد عدم التقييد من عدم الدليل، إذ لو كان ثمَّ دليل لظهر بعد البحث، ولوجب أن يبين لدى الإطلاق، حذارًا من تأخير البيان عن وقت الحاجة، فيكون أيضًا مأخوذًا من هذا الدليل.
يقال لهم: هذا كلام ليس بسديد، لأن حاصله البحث عن مقتضى الصيغة، هل كانت مقيدة، أو بصفة الإطلاق؟ فأي حالة دلَّ عليها الدليل، فهي مقتضى اللفظ. فالدليل إذًا إنما أنتج مقتضى الصيغة، فإذا سئل (٢) بعد ذلك، هل أجزأ وكفى؟ نظر إلى الإتيان بمقتضى الصيغة إلى وجود الدليل
стр. 181
الدال على مقتضى الصيغة (١).
[٢١٠] قوله: «فنقول لمن [يشبّب] (٢) بالخلاف: أتقول: إن الصيغة تقتضي التكرار أو المرة الواحدة؟» إلى قوله: «فلا معنى للإجزاء إلا قيام المخاطب بموجب الأمر» (٣).
قال الشيخ: يقال للإمام: يلزمك على أصلك في مسألة التكرار أن لا تجزم بالإجزاء، بل تقف فيه، فإن من أصلك فيها الوقف فيما زاد على المرة الواحدة، لاحتمال أن يكون مرادًا أم لا.
فقال في الجواب: أنا ما وقفت في مسألة التكرار في مقتضى الصيغة أصلًا، بل مقتضى الصيغة قد حصل بالمرة الواحدة، وإنما مستندي الوقف، ثم صلاحية مدلول اللفظ بأن يوصف بالتكرار، وهذا خارج عن مقتضى الصيغة.
[٢١١] «مسألة: الأمر بالشيء يتضمن اقتضاء ما يفتقر المأمور به إليه في حال وقوعه» (٤).
стр. 182
قال الشيخ: هذه الترجمة ليست على إطلاقها، فإن الشرائط تنقسم إلى مقدورة وإلى غير مقدورة، [فالتي] (١) هي غير مقدورة لا يلزم أن يكون مأمورًا به، والمقدور ينقسم ثلاثة أقسام، كما قال الإمام.
* القسم الأول - ما يكون جزءًا من المأمور به، كآحاد الركعات بالنسبة إلى الصلاة.
* والقسم الثاني - ما يثبت كونه شرطًا شرعيًا، ثم يؤمر بعد ذلك بالمشروط، فهذا يتضمن الأمر، وذلك كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة.
[٢١٢] قوله في هذا القسم: « إنه مأمور به من جهة أن إيقاع الصلاة بدونه غير ممكن ، والإمكان لا بد منه في قاعدة التكليف، فيكون واجبًا لأجل ذلك» (٢).
قال الشيخ: يقال له: هذا الاستدلال ليس بسديد، فإن الإمكان يحصل بدون وجوبه، بحيث يكون مأذونا فيه فقط. [وبما جاز؛ إنه] (٣) بذلك يكون متمكنا من إيقاعه، فقد حصل الإمكان بدون الوجوب.
стр. 183
وقال الشيخ أيضا: إن عندي مثل هذه الشرائط راجعة إلى أجزاء الحقيقة، فإنه لو أوقع الصلاة مثلًا بدون الوضوء لا يعد ممتثلا، فلما توقف الامتثال عليه دل على أنه جزء من الحقيقة، إذ لو لم يكن جزءًا لحصل الامتثال بدونه.
[٢١٣] «القسم الثالث - الشرائط الجبلية، قال الإمام: « وهي غير مأمور بها، بل تقع وسيلة وذريعة إلى إيقاع المأمور به ، وهذا فيه التفات» (١) إلى قوله: «ولكن لا بد منه في إيقاع المأمور به» (٢) كذلك ههنا.
[٢١٤] قوله في الجواب عن الدخلين (٣) الذين وردا عليه - وهما: [غسل] (٤) الوجه لا يمكن بدون جزء من الرأس، والصيام لا يمكن بدون جزء من الليل -: «إن كان لا يمكن استيعاب محل الفرض إلا به، فلا بد منه» (٥). يقال له: ما تعني بقولك: لا بد منه؟ إن أردت لا بد منه في الوقوع، فليس بجواب، وبه يتوجه النقض. وإن أردت لا بد منه في الوجوب، فأقصى تشبيهك بأضداد المأمور به؛ كان من ضرورة الوجوب أن يكون مأمورًا به قصدًا، وأضداد المأمور به ليس مقصودة عندك، وإنما تقع وسيلة إلى غيرها، ويلزم أيضا من ذلك أن تكون راجعة إلى القسم المتقدم، وهو الشرائط الشرعية.
[٢١٥] قوله في الجواب عن النقض بسكان البوادي: «هذا الآن من الخرق، فإن المتبدّين غير مأمورين بالجمعة» (٦). أشار بهذا إلى أنه من شرط
стр. 184
الوجوب، وليس مما نحن فيه بسبيل.
قال الشيخ: هذا لا يستقيم على أصله في مسألة الكفار، هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ فإنه قال ثَمَّ: «لا يتنجز الأمر عليهم بإيقاع المشروط قبل وقوع الشرط» (١). فتكون على ذلك كلها شرائط الوجوب.
قال الشيخ: يعتذر عن الإمام فيقال: عنى بقوله: «لا يتنجز الأمر» أنه لا يتنجز الإيقاع، وإنما الأمر بها سابق على الترتيب، بمعنى أنه مأمور بالشرط في الزمن الأول، والمشروط في الزمن الثاني. ولهذا إنه إذا أخلى الزمنين عنهما حكمت بعصيانه على تركهما.
[٢١٦] قوله: «فإن أدلة العقول إذا تمت في الفكر ولم يعقبها مضاد ضروري» إلى قوله: «فلا بد من وقوع العلم به مع ذكر [المدلول] (٢)» (٣).
قال الشيخ: لا يحتاج إلى قوله: «مضاد ضروري»، فإن الأضداد تنقسم إلى عام وخاص، فهي إذا تمت على سدادها أفادت العلم، ما لم يعقبها ضد عام، بخلاف الأضداد الخاصة لا يعقبها إلا بعد كمال النظر وإفادة العلم (٤).
[٢١٧] « مسألة: ما ثبت فيه الحظر، ثم وردت فيه صيغة الأمر ، هل يكون الحظر السابق قرينة تصرف الصيغة عن الإيجاب أم لا؟ اختلف
стр. 185
الأصوليون في ذلك» (١).
[٢١٨] قوله عن القاضي: « إني لو كنت من القائلين بالصيغة لقلت: إن الصيغة محمولة على الوجوب » (٢)، ولا يكون الحظر السابق قرينة تصرفها عنه أصلًا. ودليله أن قال: القرينة مأخوذة من الاقتران، والحظر السابق ليس مقارنا لصيغة الأمر، فلم يكن قرينة حالية ولا مقالية.
قال الشيخ: يقال: هذا الكلام ليس بسديد، فإنه وإن لم يكن الحظر مقارنا، فالعلم به مقارنًا (٣)، فيكون مؤثرًا، وهو في الحال كالكلام السابق بين المتخاطبين، فإنه إذا تردد اللفظ بين الاستغراق للجنس، والمعهود السابق؛ دل على المعهود السابق وإن كان متقدما، لكون العلم به مقارنا. وكذلك ما نحن فيه.
ويقال للقاضي أيضا: أنت موافق للجماعة على أن الحظر السابق له أثر، فإنك جعلت له أثرا في باب التأويل في تخفيف مؤنة الدليل، ولم يضر عندك التقدم.
[٢١٩] قوله: «إن هذه الصيغة مع تقدم الحظر مشكلة، فتقتضي الوقف» (٤).
قال الشيخ: يقال له: ما جهة الإشكال؟ مع أن الصيغة ظاهرة في
стр. 186
الوجوب، وقد كثر استعمالها فيه، فينبغي أن لا تقف لأجل [ذلك] (١). قال الإمام في الجواب: هي وإن كانت مستعملة في جهة الوجوب إلا أنها أيضا بعد ورود الحظر كثر استعمالها في جهة الإباحة، فاقتضى ذلك وقفا.
[٢٢٠] قوله: « عن الأستاذ: إن صيغة الحظر بعد تقدم الوجوب مقتضية حظرًا ، فلا تكون قرينة الوجوب قرينة صارفة، فلتكن مسألتنا كذلك» (٢). ثم أجاب الإمام بمنع الوفاق عليها من الأصحاب، وحكم عليها بالوقف، كما أشار (٣).
قال الشيخ: يمكن أن يفرق الإمام بينهما بعد تسليم الوفاق في المسألة؛ بأن يقول: صيغة الوجوب بعد الحظر كثر استعمالها في جهة الإباحة، وليس كذلك في المسألة المستشهد بها؛ فافترقا (٤).
[٢٢١] « مسألة: الصيغة إذا تضمنت فعلًا مؤقتًا، فإذا انقضى الوقت فقد فات الامتثال » (٥).
اختلف الأصوليون في ذلك؛ منهم من قال: يجب القضاء بخطاب جديد. ومنهم من قال: بالخطاب الأول. ومنهم من قال: لا يجب بالأول، ولا بأمر جديد، بل يجب بالقياس المطرد في الشريعة في قضاء كل ما فات وقته. . . إلى آخره.
стр. 187
[٢٢٢] قوله في الاعتراض على الأستاذ: «إنه قياس الأسماء» إلى آخره، إلى قوله: «ثم اعتبار مسألة أصلية بمسألة فرعية» (١).
قال الشيخ: هذا لا يلزم الأستاذ، لأنه لم يذكره قياسا على مسألة الإجارة، وإنما ضرب ذلك مثلا للناس، كما مثل الإمام.
[٢٢٣] « مسألة: الأمر بشيء من أشياء إذا كان محمولًا على الوجوب يقتضي وجوب شيء واحد [منها] (٢) لا بعينه» (٣) إلى آخره.
قال الشيخ: إنما خص الكلام بجهة الوجوب، لأن الخصم قال في شبهته: الوجوب مع التخيير متناقضان.
وهذه الشبهة لا ترد على المندوب أصلًا [لسوغان] (٤) الترك فيه.
[٢٢٤] قوله: « وهذه المسألة أراها عرية عن التحصيل » (٥). إلى آخره.
قال الشيخ: مطلع النظر في هذه المسألة أن الوجوب والتخيير، هل تواردا على محل واحد أو لا؟ فالخصم يقول: إنهما تواردا، فلأجل ذلك يسلم بأن الكل واجب. ونحن نقول: إن مورد الوجوب غير مورد التخيير، فإن
стр. 188
الواجب واحد من الأشياء بما هو واحد، وهذا لا تخيير فيه، وإنما التخيير في الواحد المعين، وليس هي جهة الوجوب، فإذا لم تتوارد على محل واحد، كان الواجب مبهمًا واحدًا لا بعينه، ولم يلزم منه محظور التناقض.
[٢٢٥] قوله: «وليس كلام الخصم في المسألة [آيلًا] (١) إلى خلاف معنوي، وقصاره نسبة الخصم إلى الحيف في العبارة» (٢) إلى آخره.
قال الشيخ: صحيح أن خلافه راجع إلى عبارة، لأنه قرر كلامه بأن قال: وذلك إن كان لو أتى بواحد من الخصال وترك البقية لا يكون بتركه مكروها، وإن ترك الكل كان مكروها، فدل ذلك دلالة واضحة على أن الكل ليس واجبا، لأنه لو كان واجبا لكان مأمورا به، والمأمور به - على رأيه - لا بد أن يكون مرادًا وتركه مكروه، فلما ساغ عنه الإتيان بالبعض وترك البعض مع عدم الكراهة؛ دل ذلك على أنه لا يكون واجبا.
[٢٢٦] قوله: « إنما المستحيل إثبات واجب لا يتوصل المكلف إلى تعيينه » إلى قوله: «أما إيجاب شيء من الأشياء مع تخيير المكلف إلى تعيين ما شاء، فلا عسر فيه» (٣).
قال الشيخ: هذا الكلام من الإمام يشعر بأن فيه لبسا مَا، إلا أنه لا يضر، وأنا أقول: ليس فيه لبس أصلًا، فإن واحدًا بما هو [واحدها، هو] (٤)
стр. 189
المكلف به، وهذا لا لبس فيه، وإنما اللبس - إن كان - فيكون بالنسبة إلى طريق التحصيل، وهذا ليس راجعًا إلى الفعل المكلف به.
[٢٢٧] « مسألة: اشتهر من مذهب شيخنا أبي الحسن مصيره إلى أن المعدوم الذي وقع في العلم وجوده واستجماعه شرائط التكليف مأمور على تقدير الوجود » (١).
قال الشيخ: التقدير ههنا ليس عائدًا إلى الباري تعالى، فإن التقدير حادث، ويستحيل قيام الحوادث بذات الباري تعالى، وإنما التقدير عائد إلى المكلف، بمعنى أن المكلف يقدر في نفسه احتمال وجود هذا المعدوم، واحتمال أن لا يوجد، فعلى تقدير احتمال الوجود يكون مأمورًا (٢).
[٢٢٨] قوله: « فإنه يسلم للشيخ أبي الحسن أن الكلام القديم هو القائم بالنفس » إلى قوله: «فكون الكلام أمرًا من حقيقته النفسية وصفته الذاتية» (٣).
قال الشيخ: إن منع أن الأمر صفة ذاتية للكلام يستدل عليه بأن يقال:
стр. 190
لا يخلو إما أن يكون الأمر واجبا للكلام، أو جائزا. فإن كان واجبا حصل الغرض، فإن الواجب يستحيل مفارقته. وإن كان جائزًا؛ افتقر إلى مقتضي، ذلك المقتضي إما أن يكون اقتضاؤه بإيثار واختيار أو لا، إن كان مؤثرًا مختارًا؛ فيلزم منه قيام الحوادث بذات الباري تعالى، وإن كان اقتضاؤه لا بإيثار واختيار؛ فيلزم أن يكون المقتضي معنى، ويلزم منه قيام المعنى بالمعنى، وهو محال.
[٢٢٩] قوله: « فإن قيل: فما الذي ترونه ؟ قلنا: نذكر طريقة الشيخ» إلى قوله: «فإن المزمع على أمر غائب قد يجد في نفسه الأمر على الحقيقة وجدان العلم والإرادة» (١).
قال الشيخ: يقال: هذه الصورة التي صورها الإمام عن الشيخ ليست مرضية، والمسموع عن الشيخ خلافه، فإن الشيخ أبا الحسن قال: يصح أن يأمر الآمر غيره وهو غائب عنه، ويجد في نفسه الاقتضاء وجدانا ضروريا، وإذا بلغ المخاطب الأمر وجب عليه الامتثال على أنه لو تركه توجه عليه العقاب من قِبَل الآمر.
والذي يحقق ذلك أنه لو اتفق حالة بلوغ الأمر إلى المخاطب أن يكون المخاطب ذاهلًا أو نائمًا، لوجب على المخاطب الامتثال، ولو كان ليس بأمر لما وجب على هذا الامتثال حالة بلوغ الأمر إليه، لأن الآمر في هذه الحالة ليس أهلًا للأمر بسبب الغفلة أو النوم؛ دلَّ على أن الذي قام به أمر حقيقي. هذا كلام الشيخ. والذي صوره الإمام إنما هو عزم على الأمر وليس
стр. 191
بأمر، فلا يلزمه ذلك.
[٢٣٠] قوله: « ثم قال الشيخ: إن المعدوم مأمور به على شرط الوجود ، وربما قال: على تقدير الوجود» إلى قوله: «وهذا تلبيس، فإنه إذا وجد ليس معدوما» (١).
قال الشيخ: يقال: لم يرد الشيخ بتقدير الوجود أن الوجود شرط في توجه الأمر حتى يلزمه كلامه، وإنما أراد به أن المعدوم له تقديران بالنسبة إلى المخاطب: تقدير أن يوجد، وتقدير أن لا يوجد. فعلى تقدير الوجود يكون مأمورًا به، وعلى تقدير الآخر لا يكون مأمورا به. هذا تفسير كلام الشيخ، فلا يلزم ما قاله الإمام.
[٢٣١] قوله: «وإذا لاح ذلك بقي النظر في أمر بلا مأمور، وهذا معضل الأرب، فإن الأمر من الصفات المتعلقة، وفرض متعلق بلا متعلق له محال» (٢).
قال الشيخ: يقال له: نسلم أن الأمر من الصفات المتعلقة، وأن [متعلقًا] (٣) بلا متعلق له محال، ولكن لا نسلم أن هذا لا متعلق له، فإن متعلقه الآن الفعل في زمن وجوده، وهذا لا خفاء به. ومما يوضح ذلك أن العلم من الصفات المتعلقة، وقد صح تعلقه في الأزل بوجود العالم فيما لا يزال، كذلك ما نحن فيه.
стр. 192
[٢٣٢] قوله: « والذي ذكره من قيام الأمر بنا في غيبة المأمور به، فهو تمويه » إلى قوله: «فإنما هو تقدير فرض الأمر لو كان كيف يكون؟» (١).
قال الشيخ: أما على هذه الصورة التي فرضها الإمام، فيلزم هذا، لأن غايتها عرية عن الأمر، وليس معتمد الشيخ، وإنما معتمده ما ذكرناه وبينا أنه أمر محقق، فلا يلزمه هذا الكلام.
[٢٣٣] « مسألة: ذهب الأصوليون من أصحاب أبي الحسن إلى أن الفعل في حال الحدوث مأمور به » (٢) إلى آخره.
قال الشيخ: يقال له: الأمر به لا يخلو: إما أن يكون حال تعلق القدرة مأمورًا به، أو متقدما على ذلك؛ لا يصح وروده قبل أن تتعلق به، فإنه يلزم منه تكليف ما لا يطاق؛ من جهة أن الإمكان في التكليف متمكنًا (٣).
[٢٣٤] قوله: « إن أبا الحسن ينزل القدرة مع المقدور منزلة العلة مع المعلول » (٤) إلى آخره.
قال الشيخ: يقال له: الشيخ لم يقل بذلك، ولو قدر جدلًا أنه يقول به؛ فلا يلزم أن تكون القدرة القديمة مثل القدرة الحادثة إلا على تقدير أن يكون
стр. 193
أخذ ذلك من جهة كونها قدرة، وهو إنما أخذه من جهة كونها قدرة حادثة.
[٢٣٥] قوله: « ومن أنصف من نفسه علم أن معنى القدرة: التمكن من الفعل » إلى قوله: «وهذا غير متخيل في (١) [واقع حادث في حالة الحدوث]» (٢).
[ … ... … ... … ... … ... … ... … ]
стр. 194
[٢٣٦] «. . . عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة. ولكنا أقمنا رسمها ، لتجري المسألة منتظمة في أحكام العموم والخصوص» (١).
قال الشيخ: أما كون هذه المسألة من فروع القول في تأخير البيان فظاهر، وقد بينه الإمام بقوله: «إن التخصيص ليس جزءًا من الكلام بخلاف الاستثناء، وإنما هو بيان المراد باللفظ» (٢).
[٢٣٧] قوله: « وليس تأخير البيان مستحيل الوقوع عقلًا ، وإن رد الخصم استحالته إلى الاستصلاح» (٣) إلى آخره.
قال الشيخ: رعاية الصلاح التي تمسك بها هؤلاء، وهم المعتزلة، فهي باطلة بوجهين:
الأول - أن يقال: لا نسلم رعاية الصلاح.
الثاني - أن نقول: بم تنكرون على من يزعم أن رعاية الصلاح في التأخير بأن يعلم الله تعالى أن الصلاح لعبيده فيه؟ من جهة أنه لو بين لهم قبل الحاجة أفضى ذلك إلى تكاسلهم وفتور هممهم قبل دخول الوقت، فيأتي الوقت وهممهم منصرفة. وإذا أخره وبين لهم عند دخول الوقت كانت نفوسهم متطلعة ودواعيهم مقبلة، فيكون أفضى إلى القبول وأسرع إلى الانقياد، فيكون الصلاح فيه دون نقيضه.
стр. 195
[٢٣٨] قوله: «والذي نزيده الآن: أن الخطاب الذي يخصصه مقتضى العقل يجوز فرض وروده، وإن كان يستأخر عن مورد الخطاب، ولا ينجي من ذلك قولهم: إن العقل عتيد، والنظر ممكن» (١).
قال الشيخ: إلزامهم بهذه الصورة حسن، واعتذارهم بأن النظر ممكن، والعقل عتيد؛ هذيان، فإن العقل لا يخصص بضرورته، ولا بد من نظر وفكر، ويفتقر إلى أزمنة، فقد تأخر ضرورة، وإمكان النظر أيضا لا يقبل، فإن الإمكان متطرق في المخصصات أجمع، سواء كانت نقلا أو عقلا. وهذه كلها إلزامات، وإلا [فما العمدة] (٢) عليه، والمعول عليه؛ ما أشار إليه الإمام من أن عمومات الكتاب والسنة إنما وردت مطلقة، وتولى النبي ﷺ تفصيلها. ومنكر هذا منكر لأمر معلوم لا يلتفت إليه.
[٢٣٩] « مسألة: إذا وردت الصيغة الظاهرة في العموم، ولم يدخل وقت العمل بموجبها ، فقد قال أبو بكر الصيرفي (٣) من أئمة الأصول: يجب على المتعبدين اعتقاد العمل فيها جزمًا، ثم إن كان الأمر على ما اعتقدوه فذاك، وإن تبين الخصوص تغير العقد. وهذا عندنا غير معدود من مباحث العقلاء ومضطرب العلماء، وإنما هو قول صدر عن غباوة» (٤) إلى آخره.
стр. 196
قال الشيخ: قول الصيرفي: يجب اعتقاد العموم جزمًا يحتمل معنيين:
أحدهما - أنه يجب اعتقاد إرادة العموم.
والثاني - يجب اعتقاد أنه مكلف بالجري على مقتضى إشعار اللفظ. فإن أراد الأول، فإنه لا شك كما. . . (١)(٢).
[ … ... … ... … ... … ... ] (٣)
стр. 197
من اللفظ لما بيناه.
[٢٤٠] قوله: « والقسم الثالث - إلحاقك الشيء بالمنصوص عليه لكونه في معناه ، وإن لم يستنبط علة لمورد النص، وهو كإلحاقك الأمة بالعبد في قوله ﷺ : «من أعتق شركًا له في عبد قوّم عليه» (١).
قال الشيخ: هذا هو نفي الفارق المقطوع به، وهو أيضا مختلف فيه. فمن قال إنه ليس بقياس، يقول: إن الأمّة عبدٌ في اللسان، وإن صح هذا النقل؛ فيظهر كلام هذا القائل، والظاهر أن هذا لم ينقل، وأن الحكم في الأمة مأخوذ بطريق القياس، غايته قياس مقطوع به؛ يدرك بغير فكر.
فإن قال قائل: ما فائدة الخلاف في هذه الأقسام مع الاتفاق على الحكم؟ قلنا: فائدته تظهر في الفروع الملحقة، وذلك أنا لو قدرنا في فرع من الفروع وجود نص يشعر بنقيض الحكم؛ فهل يتعارضان، أو يترجح أحدهما على الآخر؟ فمن قال: إنه مأخوذ من اللفظ، قال يتعارضان. فهذه فائدة هذا الخلاف.
[٢٤١] قوله: « والقسم الخامس - قياس الشبه . ونحن على قرب عهد بذكره. وألحق ملحقون قياس الدلالة، ولا معنى لعدّه قسمًا على حياله» إلى قوله: «وهو في [طوريه] (٢) لا يخرج عن قياس المعنى والشبه» (٣).
стр. 198
قال الشيخ: هذا الكلام ليس بسديد، فإنا نستدل بانتفاء الأثر على انتفاء المؤثر، وهو ليس بمعنى ولا شبه.
[٢٤٢] قوله: « والذي عندي أن نجري الترتيب على خلاف ذلك، فنقول: مطلوب الناظر ينقسم إلى معلوم ومظنون ، فأما المعلوم، فلا معنى لذكر الترتيب فيه، فإن العلوم لا تفاوت فيها» إلى قوله: «والأقسام الثلاثة المتقدمة من المعلومات، ومن أنكرها كان جاحدًا، وقد استجرأ على جحد بعضها أقوام يعرفون بأهل الظاهر» إلى قوله: «وهذا عند ذوي التحقيق كجحد الضروريات» (١).
قال الشيخ: ليس الأمر كذلك، فإن من أنكر القياس لا يعدُّ منكرًا لأمر ضروري، غايته أمر نظري. وأما المساواة التي هي أمر حقيقي؛ فلم ينكرها القوم، إنما أنكروا الإلحاق، لأنهم ينكرون أصل القياس، فلا يكونون إذًا بمثابة من عاند المعقولات وإن كانوا مخطئين.
[٢٤٣] قوله: « وأما قياس المعنى: فهو الذي يناسب ، كما سبق وصفه. ثم هذا القسم في نفسه يترتب رتبًا لا تقبل الضبط، فمنها الجلي، ومنها الخفي» إلى قوله: «والسرُّ في ذلك يتبين بفرض تعارض معنيين، لو قدر انفراد كل واحد منهما بالإضافة مستقلا لاقتضى الحكم» (٢) إلى آخره.
قال الشيخ: لما ذكر الإمام أن قياس المعنى ينقسم إلى الجلي والخفي، وذكر [أن] (٣) الجلي والخفي إنما يتبين عند تعارض المعاني وتزاحمها، فأيُّها
стр. 199
كان أقوى عرف أنه أجلى من الآخر. وأنا أقول: وقد يعرف ذلك أيضا بطريق جملي؛ بأن يكون أحدهما [واقعا] (١) في باب الضرورات، والآخر في باب التكميلات، وأن يكون أحدهما تتعلق به مصلحة عامة، والآخر مصلحة خاصة، فلا تتوقف إذًا معرفة الجلي والخفي على وجود التعارض ولا بد، نعم هي طريق تعرف، أما الاقتصار عليها فكلًّا.
[٢٤٤] [وأما] (٢) قوله: « ويضبطها في غرضنا شيئان: أحدهما - أن يكون أصل المعنى في وضعه أوضح وأبين . والآخر - أبعد» إلى قوله: «والإنسان يعلم ثم يتجاوز العلم قليلًا، فيظن ظنا غالبا، ثم [يزداد بُعْدًا] (٣)، فيزداد الظن ضعفا. فهذا وجه التفاوت في المظنونات» (٤).
قال الشيخ: كلام الإمام إشارة بترقي (٥) من ظن إلى ظن إلى أن ينتهي إلى العلم. وهذا غير سديد، فإن الطريق المفضية إلى العلم لا تنتج ظنا، وكذلك العكس، فهما إذًا طريقان متغايران.
وبيان ذلك: أن العلم لا يحصل إلا من طريق تكون فيها المقدمات يقينية، حتى أنه لو قدر أن تكون مقدمة منها ظنية، فلا تنتج إلا ظنا، فتبين لك بهذا أنه لا يتصور الترقي في الظنون إلى العلم.
[٢٤٥] قوله: «والترجيحات يحصرها القُرْب من العلوم والاعتضاد
стр. 200
بالمؤيدات، ثم لا يتأتى في ذلك ترتيب وحصر حتى يضبط بعدّ أو حدّ، وإن كانت في الحقيقة مضبوطة معدودة. فهذا قولنا في مراتب المظنونات المعنوية» (١).
قال الشيخ: قوله: «وإن كانت في الحقيقة مضبوطة»، يحتمل معنيين:
أحدهما - أن يكون المراد أنواعها. وآحادها لا تنضبط.
والمعنى الثاني - يحتمل أن تكون الآحاد أيضا مضبوطة في نفس الأمر، إلا أن الاطلاع عليها متعذر، فتكون هي في نفسها مضبوطة ولا يقدر الناظر على ضبطها بعدّ ولا بحدّ.
[٢٤٦] قوله: «وقدَّم الأصوليون أشباه الأحكام على الأشباه الحسية، وليس الأمر على هذا الإطلاق، فإن الأمر يختلف باختلاف المطلوب، فإن كان المطلوب أمرًا محسوسًا، فالشبه الحسي أخص به» (٢) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: هذا الكلام ليس بسديد، فإن المطلوب إذا كان محسوسًا استحال أن يجتمع فيه الحكمي والحسي، [فضلًا] (٣) عن ترجيح أحدهما على الآخر، لأن الأمور المحسوسة لا ينتصب عليها معرفات حكمية على ما لا يخفى، اللهم إلا أن يريد الإمام بذلك فيما إذا كان للأمر المحسوس ثمرات
стр. 201
حكمية، فيستدل حينئذ بوجود الثمرة على وجود المثمر، فلا شك أن الأمر الحسي ههنا يكون أولى من جهة أن الثمرة المذكورة قد يتخلف بوجود مانع، بخلاف الحسي، فإنه لا يمتنع [بمانع] (١) على ما لا يخفى.
[٢٤٧] قوله: « وإذا بان المعنى والشبه، فقياس الدلالة مقدَّم على الشبه المحض ، من جهة إشعاره بالمعنى» (٢).
قال الشيخ: قياس الدلالة يستند إلى المعنى في جهة تقديره، وتارة يقدر بمعنى، وتارة يقدر بشبه. وهذا معنى قول الإمام: تارة يستند إلى المعنى، وتارة إلى الشبه، وإلا فهو في نفسه لا إشعار له بالمعنى. وبهذا التقرير يتبين كونه قسمًا على حياله، ويبطل قول الإمام: «لا معنى لعدِّه قسمًا على حياله».
[٢٤٨] قوله: « وما ثبت بالطرد والعكس مقدَّم على الشبه المحض » إلى قوله: «فإن الطرد والعكس يجريان في مجال الظنون مجرى ظهور لفظ من الشارع ليس نصًا، والشبه يبعد عن ذلك» (٣).
قال الشيخ: هذا الكلام يناقض كلامه الأول، وهو قوله: «فلتتخذ العلوم السمعية، فما قَرُب منها كان مقدَّمًا على ما بَعُد» (٤). وذلك أن المطرد والمنعكس غايته أن يشبه بلفظ ظاهر من ألفاظ الشارع على ما ذكر. ومن الشبه المحض: نفي الفارق المظنون، فهو على منهاج نفي الفارق المعلوم،
стр. 202
فينبغي أن لا يتقدم المطرد المنعكس عليه، لأن هذا مستند إلى أمر مظنون، ونفي الفارق مستند إلى أمر معلوم، ولا يخفى أن هذا تناقض.
[٢٤٩] قوله: «ولو قيس المخيل السديد بالمطرد المنعكس، فهو مقدّمٌ على المطرد المنعكس، لتحققنا كون مثله معتمد الصحابة، ولتكلفنا إلحاق المطرد المنعكس به» (١).
قال الشيخ: هذا التكلف الذي أشار إليه عبارة محضة، فإن للقائل أن يقول: لا تكلف أصلا، ولم [نعتبره] (٢) بالقياس على المناسب، وإنما أثبتناه لقيام القاطع عليه، كما قام على المناسب.
[٢٥٠] « مسألة: قال القاضي أبو بكر: ليس في الأقيسة المظنونة تقديم ولا تأخير ، وإنما الظنون على حسب الاتفاق» (٣) إلى آخره.
قال الشيخ: رأي القاضي أن الأدلة لها ارتباط بالمدلول، والأمارات ليس بينها وبين الظن ارتباط، وإنما الظنون تقع عنده اتفاقا، وليس بينها وبينها ارتباط أصلا؛ لا عقلي ولا عادي. ومذهب الإمام بالعكس منه، فبناء القاضي إذًا على أنه لا تفاوت في الظنون، فلا تتقدم بعض الأقيسة على بعض.
[٢٥١] قوله: « وليت شعري من أين يظن المجتهد؟ فإن الظنون لها أسباب ، فمن أقدم إقدام من لا يعتقد متشوفا ومتطلبا، كيف يظن؟» (٤).
стр. 203
قال الشيخ: ما خلا عن مطلب (١)، فإنه يطلب حصول الظن، فلا يلزم القاضي ما قاله الإمام. وأما إلزامه للقاضي الترجيح فلا يلزمه، فإن القاضي يعترف بالترجيح، ولا يضر ذلك، ولا يلزم منه التفاوت في الظنون.
وتفسير الترجيح: بمعنى ثبوت الظن في إحدى الأمارتين وانتفاؤه عن الأخرى. وذلك أنه يقول: إذا وجدت أمارتان متناقضتان، فعلى تقدير إفراد كل واحدة بالنظر يحصل الظن عقيبها، فإن أخطرَهما الناظر بباله انتفى الظن منهما، لأن حقيقة الظن: ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر، ويستحيل أن يكون احتمال الثبوت في إحدى الأمارتين راجحا، واحتمال النفي في الأخرى راجحا، على ما لا يخفى. فلا بد من إنفاء الناظر الظن منهما لأجل ذلك، فينظر الناظر في إحدى الأمارتين نظرا ثانيا، فيعثر على مزية لم يكن اطلع عليها أولًا، فيعود الظن مستندا إليه وإلى أصل الأمارة، ويبقى الظن [منتفيًا] (٢) في الأمارة الأخرى. هذا هو معنى الترجيح، ولا يلزم منه تفاوت أصلا، فتشنيع الإمام إذًا لا وجه له. والله أعلم.
[٢٥٢] « فَصْلٌ فيما يعلل وفيما لا يعلل » (٣).
قوله: «من أحاط بما قدمناه من الطرق التي تتضمن إثبات العلل، هان عليه مدرك هذا الفصل» إلى قوله: «ومن لطيف الكلام: أنه يتوصل إلى الكلي
стр. 204
والجزئي بهذا النوع من النظر» (١).
قال الشيخ: إذا نظر الناظر في محل، واطلع على معنى معين علم أن الحكم معلل، وهذا هو المعني بالكلي، وعلم أيضًا أنه معلل بهذا المعنى الخاص دون غيره، وهذا هو المعني بالجزئي.
[٢٥٣] قوله: « فإن نظر الناظر، ولم يلح له معنى مناسب للحكم » إلى قوله: «ويرد (٢) نظره إلى قياس الشبه، وهو أوسع الأبواب، فإنه يجري عند إمكان المعنى، ويستمر أيضًا عند عدمه» (٣).
قال الشيخ: يريد أن الشبه له حالتان:
حالة يمكن عقلية المعنى فيه، وحالة لا يمكن. وهو في الحالتين معمول به، ومسلك شرعي، بخلاف قياس المعنى، فإنه لا يتصور إلا حيث يطلع على المعنى (٤) فيه، فكان الشبه أوسع بهذا الاعتبار.
[٢٥٤] قوله: «وقد ينحسم الشبه [وما] (٥) يقال إنه في معنى الأصل بقضية لفظية، أو أمر متعلق بحكاية حال. وبيان ذلك بالمثال: أن سهل بن أبي حثمة (٦) روى القصة المشهورة في حديث … ... … ... … ... … ... ..
стр. 205
حويصة (١) ومحيصة (٢) وعبد الله بن سهل (٣): وأن عبد الله قتل بخيبر. . . القصة (٤). وقد عرض رسول الله ﷺ اليمين ابتداء على المدعين، ثم اتخذ الشافعي مذهبه» (٥) إلى آخر هذا الكلام.
قال الشيخ: لما عرض رسول الله ﷺ اليمين على المدَّعين لم يكن في لفظه دلالة على اللوث، ولا في لفظ الذين رفعوا القصة إليه، والشافعي قد اشترط اللوث، أخذ ذلك من أمور اشتملت القصة عليها:
стр. 206
منها - أن القتيل وجد في أرض اليهود.
ومنها - أن الإحن والذحول (١) كانت عتيدة بين المسلمين واليهود. وأخذ من هذه الأشياء اشتراط اللوث، وقطع به الشبه الجاري بين القتل العري عن اللوث والقتل المشتمل عليه. هذا هو مقصود الإمام بهذا المثال. والله أعلم.
[٢٥٥] « مسألة: نقل أصحاب المقالات عن أصحاب أبي حنيفة أنهم لا يرون إجراء القياس في الكفارات والحدود والتقديرات » إلى قوله: «وقد تتبع الشافعي كلامهم، وأبان أنهم لم يفوا بشيء منها» (٢) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: عمدتهم في رد الأقيسة في هذه الأصول أن قالوا: فيها جهة معقولة، وجهة ليست معقولة، فلو شرعنا القياس فيها أفضى الحال إلى أنَّا نقيس مع عدم عقلية المعنى، وهذا محال.
ولا يمكننا أن نقيس من الجهة التي عقل معناها فقط، فإنه لا بد أن [يعدَّى] (٣) الجملة، وهذا باطل؛ فإنه وإن قدر انحسام مسلك المعنى، فلا ينحسم مسلك الشبه. فإنا نعلم من حيث الجملة أن الحد المخصوص المقدر إنما شرعه الشارع لكونه وافيا بمقصود الحكم، وهذه جهة في الشبه، فلم لا يجري القياس؟ فإن سلم الخصوم العمل بقياس الشبه لزمهم قرط أذن أن يجروه ههنا، فإنه موجود. وإن منعوا العمل به ارتد الكلام معهم إلى المسألة المتقدمة في إثبات العمل بالشبه.
стр. 207
[٢٥٦] «قول الشافعي: أما الحدود فقد كثرت أقيستكم فيها حتى تعديتموها إلى الاستحسان» (١) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: الاستحسان الذي أطلقه أبو حنيفة فسره أصحابه عنه بمعنيين: أحدهما - أن قالوا: أراد به الاستدلال المرسل. وقال قوم - لم يرد ذلك، فإنه لا يقول بالاستدلال المرسل، وإنما أراد به أنه قياس خفي.
[٢٥٧] قوله: « وأما الكفارات، فقد قاسوا الإفطار فيها بالأكل على الإفطار بالوقاع » (٢).
قال الشيخ: غايتهم أن يعتذروا عن هذا الإلزام بأن يقولوا: لم نأخذه من القياس، وإنما أخذناه تنقيحا. وقد يقول بعضهم: أخذناه من اللفظ من باب تسمية الشيء باسم ما يلازمه، فكنَّى بالوقاع عن الإفساد، لأنه يلازمه. وهذا باطل؛ أما التنقيح: فشرطه أن يبقى من الملفوظ به شيء، وههنا لم يبق شيء، فلا يكون تنقيحا. والكناية عن الملازم: فلم يصح عن أهل اللسان أنهم طردوا ذلك مطلقا، بل المنقول أن الأمر منقسم، فلا يلزم أن يكون هذا من قسم ما تجوَّز به.
[٢٥٨] قوله: «وقاسوا قتل الصيد خطأ على قتله عمدًا، مع تقييد النص بالعمدية» (٣).
قال الشيخ: فإن اعتذروا عن هذا الإلزام بأن يقولوا: بأنه مأخوذ من
стр. 208
اللفظ، وذكر العمدية إخراجًا لها مخرج الغالب؛ كان [كلامهم] (١) خلفا، فإن اللفظ إذا خرج مخرج الغالب إنما يفيد عدم انتفاء الحكم في المسكوت عنه، فلا يدل اللفظ عليه، لأن لفظ العمدية لا يدل على الخطأ. وهذا واضح.
[٢٥٩] قوله: «وأما الرخص، فقد قاسوا فيها، وتناهوا في البُعد» (٢).
قال الشيخ: عمدة القوم في القياس ألا يجري في الرخص أن قالوا: الرخص إنما شرعت للحاجة، فإذا وقعت منها صورة فقد خصت الحاجة إليها، فإلحاق صورة أخرى بها لا تكون مماثلة لها في الحاجة، بل تكون الحاجة فيها أدنى، فيمتنع القياس لعدم المماثلة في الجامع.
[٢٦٠] قوله: «ثم قال الشافعي: من شنيع ما ذكروه في الرخص: إثباتهم لها على خلاف وضع الشرع، فإنها مثبتة تخفيفا وإعانة على ما يقاسيه المرء في سفره، فأثبتوها في سفر المعصية، مع القطع بأن الشرع لم يرد بإعانة العاصي على المعصية» (٣).
قال الشيخ: هذا لا يلزمهم، فإن الحكم ههنا ليس مأخوذًا من القياس، وإنما أخذوه من اللفظ، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٤).
стр. 209
[٢٦١] قوله: « وأما المعدول به عن القياس، فقد ضرب الشافعي الاستنجاء فيه مثلًا » (١).
قال الشيخ: الكلام في المعدول به عن القياس كالرخص، لأن الرخص معدول بها عن القياس. وقد يقال: التحقيق أن المعدول به زيادة، فإنه أعم من الرخصة، فإن الرخصة: عبارة عن إباحة المحظور مع قيام السبب المحرم. وهذا لا يوجد في كل معدول، فإنه قد يكون أمر مباح على وفق القياس؛ فيرد الشرع بحظره، ولا شك أن هذا معدول به عن القياس. ولا يقال إنه رخصة على ما لا يخفى، فثبت بهذا أن المعدول به أعم من الرخصة.
[٢٦٢] قوله: « ونحن نرد الكلام إلى الحجاج، فنقول لهم: لم منعتم إجراء الأقيسة في هذه الأصول ؟ فإن قالوا: الحدود تدرأ بالشبهات» إلى قوله: «والظان معترف ببقاء إمكان وراء ظنه، فيحصل بذلك الإمكان الدرء» (٢).
قال الشيخ: إن صح النقل عنهم على هذا الوجه، فلا شك أنه هذيان وظاهر البطلان بما أشار إليه الإمام، والظاهر أن القوم لا يعتمدون على هذا، إنما عمدتهم ما قدمناه. وقد مضى الكلام عليها.
[٢٦٣] قوله: « وأما المقدرات فقد قالوا فيها: إنها لا تهتدي العقول إلى معانٍ تقتضيها . قلنا: إن كان ينحسم فيها المعاني المخيلة، فلم ينسد مسلك الشبه» (٣).
стр. 210
قالَ الشيخُ: تخصيصُ الإمامِ هذا بالمقدراتِ لا وجهَ له، فإنه يجري في الأصول التي ذكرها على ما بيناه متقدما.
[٢٦٤] قوله: « فإن قيل: فما الذي ترون؟ قلنا: قد وضح بما قدمناه ما يعلل وما لا يعلل ، ونحن نتخذ تلك الأصول معتبرنا في النفي والإثبات» (١) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: لا شك أن هذا الجواب الذي أشار إليه الإمام هو حظ الأصول، فإنه كلام جملي. أما الكلام على قياس مخصوص أو صورة مخصوصة، هل وجد فيها قياس أم لا؟ فهذا هو حظ الفقيه، وحظ الأصولي ما ذكره الإمام.
[٢٦٥] « مسألة: ما صار إليه جماهير العلماء مع التزام القياس والقول به: أن طهارة الحدث ليست معقولة المعنى ، وذهب أبو حنيفة ومتبعوه إلى أن إزالة النجاسة معقولة المعنى» (٢) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: إن قال قائل: ما حظ هذه المسألة من الأصول؟ قيل له: ليس هي من مسائل الأصول في شيء، وليس المراد بها سوى التمثيل. وقد ذكر الإمام ما يخص هذه المسألة من بيان عمدة كل فريق والاعتراضات والأجوبة.
[٢٦٦] قوله في الجواب عن السؤال الثالث، وهو قولهم: « ما بال الوضوء يختص وجوبه بوقوع الحدث. وأجمع أرباب الشريعة على أن الأحداث موجبة للوضوء ، وليست ملطخة» إلى قوله: «غاية هذا السؤال خروج وقت الوضوء عن كونه معقول المعنى، وهذا لا ينافي كون أصله
стр. 211
معقول المعنى» (١). قلت أنا: وتأقيته أيضا معقول المعنى، فإنه إذا ربط بالأحداث وهي متكررة في كل وقت وأوان؛ حصلت النظافة بصفة الكمال، من جهة أن الوضوء يتكرر بتكرر الأحداث، ويلزم النظافة لا محالة على ما لا يخفى. قول القائل: إن تأقيته ليس معقول المعنى، ليس بسديد.
[٢٦٧] قوله: « وأما ما ذكره أصحاب أبي حنيفة من [أن] (٢) إزالة النجاسة معقولة المعنى، فيتوجه عليهم سؤال في هذا الشق لا ينقدح لهم عنه جواب» إلى قوله: «فإن تكلفوا في تعليل وجوب الإزالة كلاما، فغايتهم أن يقولوا: إن المصلي مأمور بأن يأخذ للصلاة أنقى زيٍّ، وأحسن هيئة» إلى قوله: «وهذا على الحقيقة إعادة المذهب، والسؤال باقٍ بحاله» (٣).
قال الشيخ: لا شك أنه إعادة المذهب، فإن القول بأنهم مأمورون أن يأخذوا أحسن زي هو بعينه عبارة عن الأمر بالتطهير، وليس بينهما فرق إلا تغيير العبارة.
[٢٦٨] « مسألة: قال الخائضون في هذا الفن: رب أصل يتطرق إليه التعليل من وجه ، ويتقاعد عنه من وجه، وضربوا لذلك أمثلة، ونحن نذكر منها مثالًا أو مثالين. من أمثلة ذلك: اختصاص القطع بالنفيس، هذا على الجملة معلل بأمر ظاهر» (٤) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: الجهة التي عقل معناها كونه [مالًا نفيسًا] (٥) يناسب القطع
стр. 212
من الوجوه التي قررها الإمام. وكونه مقدرًا بربع دينار غير معقول، لأن النفيس لا يهتدي إليه الرأي، ويقتصر فيه على ما ورد الشرع به.
وكذلك المثال الثاني بالنُّصُب في الزكاة، فإن المال المحتمل للإرفاق يناسب أن يرفق منه. أما القدر المرفق، فلا يهتدي إليه الرأي أصلا، وهذا واضح.
[٢٦٩] قوله بعد ذلك: « وهذا الذي ذكروه أصول الشريعة. ونحن نقسمها خمسة أقسام : أحدها - ما يعقل معناه، [ويؤول] (١) المعنى المعقول منه إلى أمر ضروري لا بد منه» إلى قوله: «وهذا بمنزلة قضاء الشارع بوجوب القصاص في أوانه، فهو معلل بتحقيق العصمة في الدماء المحقونة» إلى قوله: «ويلتحق به تصحيح البيع، فإن الناس لو لم يتبادلوا لجرَّ ذلك إلى ضرورة ظاهرة» (٢).
قال الشيخ: أما شرعية القصاص، فإنها يظهر منها ما قاله الإمام، وأما البيع، فليس يظهر منه ذلك، ولا يجر عدم تعاطيه إلى ضرورة، وكم من الناس عاش ولم يخطر له البيع ولا الشراء.
[٢٧٠] قوله: « والضرب الثاني - ما يتعلق بالحاجة العامة، ولا ينتهي إلى حدّ الضرورة ، وهذا يمثل بالإجارة، فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها» إلى قوله: «ولكن حاجة الجنس قد بلغ مبلغ ضرورة الشخص الواحد من حيث إن الكافة لو منعوا عما تظهر الحاجة
стр. 213
فيه للجنس، لنال آحاد الجنس ضرر يبلغ مبلغ الضرورة في حق الشخص الواحد، وقد يزيد ذلك في الضرر الراجع إلى الجنس على ما ينال الآحاد بالنسبة إلى الجنس» (١).
قال الشيخ: يريد بأن الضرر اللاحق بالآحاد قد يزيد على الضرر في حق الشخص الواحد من جهة تعلقه بأعداد أشخاص، وتعلق هذا بشخص واحد.
[٢٧١] قوله: « والضرب الثالث - ما لا يتعلق بضرورة خاصة، ولا حاجة عامة ، ولكنه قد يلوح فيه غرض في جلب مكرمة، أو في نفي نقيض لها، ويجوز أن يلتحق بهذا الجنس طهارة الحدث» (٢) إلى آخر الضرب.
قال الشيخ: هذا الضرب راجع إلى أمر تكميلي وليس بحاجي ولا ضروري، وقد بينه بطهارة الحدث. ومعنى ذلك أن طهارة الحدث لما ثبت الندب بها تصريحًا، ثم ثبت الوجوب بعد ذلك، علمنا كون الطهارة لا تناسب الوجوب، ولكن يغلب على الظن تعلقه بها، ففهمنا ذلك تلويحا. وهذا من أنواع الشبه. ولهذا المعنى أمثلة أوضح من هذا المثال.
منها - أن القصاص لما ثبت مرتبا على الجناية، علمنا أن كونها جناية [يناسب] (٣) العقوبة على الجملة. أما كون هذه الجناية المخصوصة تناسب هذه العقوبة المعينة فلا، ولكن يغلب على الظن أنه لما رتب الشارع الحدَّ عليها، علمنا أنها وافية به. وهذا المثال أوضح من مثال الطهارة على ما لا يخفى.
стр. 214
[٢٧٢] قوله: « والضرب الرابع - ما لا يستند إلى حاجة ولا ضرورة ، وتحصيل المقصود منه مندوب إليه تصريحًا ابتداء، وفي المسلك [الثالث] (١) في تحصيله خروج عن قياس كلي. وبهذه المرتبة يتميز هذا الضرب من الضرب الثالث» (٢) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: هذا هو من جنس الضرب الذي قبله، فإن العتق مندوب إليه، وكون الكتابة مقصودة لذلك إنما أخذ بطريق التلويح، ولكن بين الضربين فرق: من جهة أن هذا الضرب مناقض لقياس كلي، والذي قبله ليس كذلك.
[٢٧٣] قوله: « والضرب الخامس - ما لا يلوح للمستنبط فيه معنى أصلًا، لا مقتضى من ضرورة أو حاجة ولا استحثاث على مكرمة . وهذا يندر تصوره (٣) جدًا» إلى قوله: «ومثال هذا القسم: العبادات البدنية المحضة، فإنها لا تتعلق بها أغراض دفعية ولا نفعية» (٤) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: يريد هؤلاء بأن هذا الضرب لا يحصل منه جلب مصلحة ولا دفع مفسدة عاجلا، بل يحصل منه أمر آجل. وهذا بعيد التصور كما قال الإمام، فإنه إن امتنع أن يعقل منه أمر جزئي لا يمتنع أن يعقل منه أمر كلي.
والتمثيل بالعبادات البدنية قد بين الإمام أن منها ما عقل معناه، وهو تمرين العباد على حكم الانقياد دائما، ولا شك أن تجديد العهد بالباري - تعالى - ينهى عن الفحشاء والمنكر، وهذا أمر كلي قد عقل. أما تقدير
стр. 215
العبادات بمقادير مخصوصة، نعم هذا لا يعقل فيه معنى.
[٢٧٤] قوله: « فأما الضرب الأول - وهو ما يستند إلى الضرورة ، فنظر القائس فيه ينقسم إلى اعتبار أجزاء الأصل بعضها ببعض، وإلى اعتبار غير ذلك الأصل بذلك الأصل، إذا اتسق له جامع» إلى قوله: «ومن خصائص هذا الضرب: أن القياس الجزئي فيه - وإن كان جليا - إذا صادم القواعد الكلية، ترك القياس الجزئي للقاعدة الكلية» (١).
قال الشيخ: هذا الضرب يجوز قياس جزئه على جزئه، ويجوز قياس أصل آخر عليه، ويكون الجامع بينهما الضرورة الكلية، وإنما كان من خصائصه: أن القياس الجزئي إذا عارض القاعدة ترك لأجلها، من جهة أنه باب ضرورة، وللشرع اعتناء بدفع الضرورات بخلاف الحاجات والتحسينات.
[٢٧٥] قوله: «وأما الضرب الثاني - وهو ما بني على الحاجة كالإجارات، فلا خلاف في جريان قياس الجزء منه على الجزء، وأما اعتبار غير ذلك الأصل بذلك الأصل مع جامع الحاجة، فقد امتنع منه معظم القائسين» (٢).
قال الشيخ: هذه الطائفة إنما امتنعوا من القياس ههنا، لأنه قياس في الأسباب، ولا يجوز. وغيرهم يخالفهم في ذلك. وهذا الخلاف انبنى على الخلاف في أنه هل يشترط تحقيق المناط في الفرع قطعًا، أو يكتفى فيه بالظن؟ فهؤلاء [يشترطون] القطع، ولا [يكتفون] (٣) بغلبة الظن (٤). فحصل من هذا: