← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، الواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محلّ لها. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به ثان، أو هو نائب مفعول مطلق. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهَ:﴾ فاعله. (أن) حرف ناصب. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يَجْعَلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿حَظًّا:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿حَظًّا﴾ أو بمحذوف صفة له، والمصدر المؤول من: ﴿أَلاّ يَجْعَلَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وهو أولى من اعتبارها حالا. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر. عظيم: صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ﴾ الشراء هنا: مستعار، والمعنى: استحبّوا الكفر على الإيمان، كما قال تعالى في سورة (فصلت): ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ فعبّر عنه بالشّراء؛ لأنّ الشراء إنّما يكون فيما يحبّه مشتريه، فأمّا أن يكون في معنى شراء المعاوضة؛ فلا؛ لأن الكافرين، والمنافقين لم يكونوا مؤمنين، فيبيعون إيمانهم. وقال ابن عباس ﵄: أخذوا الكفر، وتركوا الإيمان. ومعناه: استبدلوا، واختاروا الكفر على الإيمان، وإنّما أخرجه بمعنى الشّراء توسّعا؛ لأن الشراء، والتجارة راجعان إلى الاستبدال، والعرب تستعمل ذلك في كلّ من استبدال شيئا بشيء. قال أبو ذؤيب الهذلي-وهو الشاهد رقم [٧٧١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] فإن تزعميني كنت أجهل فيكم... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل هذا؛ والباء بمعنى «بدل» وقد دخلت على المتروك. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم: (﴿إِنَّ﴾). ﴿اِشْتَرَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْكُفْرَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْإِيْمانِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكُفْرَ﴾ التقدير: مستبدلا بالإيمان. ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً:﴾ إعراب هذه الجملة مثل ما قبله، وكررت للتّوكيد، وهي في محل رفع خبر: (﴿إِنَّ﴾). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا

стр. 1017

محل لها. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. وانظر إعرابها في الآية السابقة. ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ الشرح: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ﴾ أي: الكفار. وقرئ: («ولا تحسبنّ») بتاء المضارعة. والمعنى: لا تحسبنّ يا محمد. وهو يعمّ كل مخاطب. ﴿أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ:﴾ الإملاء: الإمهال، وطول العمر مع رغد العيش. وقيل: المراد تخليتهم وشأنهم، من: أملى لفرسه: إذا أرخى لها الطول؛ لترعى كيف شاءت. ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾ أي: إنّ الله يعطيهم ما يحبّون، ويمهلهم؛ ليزدادوا طغيانا، فهو كقوله تعالى في سورة (مريم): ﴿مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾. وقوله تعالى في سورة (القلم): ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ وانظر رقم [١٩٧]. وروي عن ابن مسعود، وابن عباس-﵄-قولهما: ما من أحد برّ، ولا فاجر إلاّ والموت خير له؛ لأنّه إنّ كان برّا؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ وإن كان فاجرا؛ فقد قال تعالى: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾ وهذا يعارض ما ورد من قول النبي ﷺ : «لا يتمنّى أحدكم الموت، إمّا محسنا؛ فلعلّه يزداد، وإمّا مسيئا؛ فلعلّه يستعتب». أخرجه الشيخان عن أبي هريرة ﵁. وعن أبي بكرة ﵁: أنّ رجلا قال: يا رسول الله أيّ الناس خير؟ قال: «من طال عمره، وحسن عمله». قال: فأيّ الناس شرّ؟ قال: «من طال عمره، وساء عمله». رواه الترمذيّ، والطبرانيّ. والآية نص في بطلان رأي المعتزلة، والقدريّة؛ لأنّ الله تعالى أخبر: أنه يطيل أعمارهم؛ ليزدادوا الكفر بعمل المعاصي، وتوالي أمثاله على القلب. وقد تحمّل الزمخشري في هذه الآية تأويلات فاسدة، فصفعه ابن المنبر-رحمه الله تعالى-صفعة ناعمة. هذا؛ و «عذاب» اسم مصدر لا مصدر؛ لأنّ المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب. ومثله: سلام، وعطاء، وكلام... إلخ، و «مهين» أصله: مهين، فإعلاله قل فيه: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، فنقلت حركة الياء إلى الهاء بعد سلب سكونها، فصار: مهين، ومثله قل في إعلال مبين، ونحوه. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿يَحْسَبَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح في محل جزم ب (﴿لا﴾) الناهية، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه

стр. 1018

محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنَّما:﴾ (أنّ): حرف مشبه بالفعل. (ما): مصدرية. ﴿نُمْلِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب اسم: (أنّ) التقدير: أنّ إملاءنا. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر: (أنّ) ﴿لِأَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، ويجوز اعتبار (ما) اسما موصولا في محل نصب اسم: (إنّ) والجملة بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: أنّ الذي نمليه لهم، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي الفعل قبله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ..﴾. إلخ، لا محل لها، وهي مستأنفة. وما تقدّم إنّما هو على قراءة الفعل بالياء، وأما على قراءته بالتاء، فالفاعل مستتر، تقديره: أنت، و ﴿الَّذِينَ﴾ هو مفعول واحد؛ لأنّ التعويل على البدل، وهو ينوب عن المفعولين لو حلّ محلّ المفعولين كما هو معروف. ﴿أَنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿نُمْلِي:﴾ فعل مضارع... إلخ. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿لِيَزْدادُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة بعد لام التعليل، والفعل في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل نملي أيضا. ﴿إِثْماً:﴾ تمييز، والجملة الفعلية: ﴿أَنَّما نُمْلِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ:﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير. هذا؛ وهناك قراءة شاذّة، وأوجه إعراب ضعيفة ضربت عنها صفحا روما للاختصار. ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ الشرح: اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية، فقال الكلبيّ-رحمه الله تعالى-: قالت قريش: يا محمد! تزعم: أنّ من خالفك فهو في النّار، والله عليه غضبان، وأنّ من أطاعك، وتبعك على دينك، فهو في الجنة، والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك، وبمن لا يؤمن بك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال السّدّيّ-رحمه الله تعالى-قال رسول الله ﷺ : «عرضت عليّ أمّتي في صورها في الطّين، كما عرضت على آدم، وأعلمت من يؤمن بي، ومن يكفر بي». فبلغ ذلك المنافقين، فقالوا استهزاء: زعم محمد: أنّه يعلم من يؤمن به، ومن يكفر، ممّن لم يخلق بعد، ونحن معه، وما يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقام على المنبر، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام طعنوا في علمي؟! لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين

стр. 1019

السّاعة، إلاّ نبّأتكم به». فقام عبد الله بن حذافة السّهمي، فقال: من أبي يا رسول الله؟! فقال: «حذافة» فقام عمر-﵁-فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبك نبيّا؛ فاعف عنّا، عفا الله عنك! فقال النبي ﷺ : «فهل أنتم منتهون، فهل أنتم منتهون؟!». ثم نزل عن المنبر، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنّ المؤمنين سألوا أن يعطوا آية يفرّقون بها بين المؤمن، والمنافق، والكافر، فنزلت هذه الآية. والمعنى: لا يترككم الله أيّها النّاس مختلطين، لا يعرف مؤمنكم من منافقكم؛ حتى يميز المؤمن المخلص من المنافق، وذلك بالوحي إلى نبيّكم عن أحوالكم، أو بالتكاليف الشاقّة؛ التي لا يصبر عليها إلا المخلصون منكم، كبذل الأموال، والأنفس في سبيل الله ليختبر به بواطنكم، ويكشف به عن عقائدكم. هذا؛ و «يذر» لا يأتي منه ماض ك: «يدع» استغناء عنه بتصرف مرادفه، وهو: «يترك»، وحذفت الواو من «يذر» من غير موجب تصريفي، وإنّما حمل على «يدع» لأنه بمعناه و «يدع» حذف الواو منه لموجب تصريفي، وهو وقوع الواو بين عدوتيها، وهما: الياء، وكسرة مقدرة، وأما الواو في «يذر» فوقعت بين ياء، وفتحة أصلية. انتهى جمل نقلا من السّمين، أقول: وقوله كسرة مقدّرة؛ إذ الأصل: يودع مثل: يوعد، وإنّما فتحت الدّال من «يدع» لأنّ لامه حرف حلقيّ. فيفتح ما قبله، ومثله: يقع، ويطأ، ويسع، وانظر «دع» و «ذر» في سورة (البقرة) رقم [٢٧٨] فإنّه جيّد، والحمد لله! ﴿حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ:﴾ ﴿يَمِيزَ:﴾ مضارع، وماضيه «ماز» ومثله: ميّز، وأماز بمعنى: فرز الشيء عن غيره، وبمعنى: فضّله على غيره. وقرئ: («حتّى يميّز») بالتشديد من: ميّز، وكذا قوله تعالى في (الأنفال): ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ و ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ:﴾ تنقطع، وبهذا فسّر قوله تعالى في سورة (الملك): ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (يس): ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ بمعنى: اعتزلوا من المؤمنين الصّالحين، وانظر ما ذكرته فيها هناك، فإنّه جيد. هذا؛ والمراد ب ﴿الْخَبِيثَ:﴾ الكفر، والنفاق، أو الكافرون، والمنافقون، والمراد ب ﴿الطَّيِّبِ:﴾ الإيمان، أو المؤمنون، كما يطلقان على العمل الصّالح، والسيئ. وانظر قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٢٦]: ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ..﴾. إلخ ففي الكلام استعارة، وطباق، وهو من المحسّنات البديعيّة. ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ:﴾ وما كان الله ليبيّن لكم المؤمن من الكافر، فيقول: فلان مؤمن، وفلان كافر، وفلان منافق؛ لأنّه لا أحد يعلم الغيب إلا الله، وإنّ سنّة الله جارية ألا يطّلع على غيبه أحد من الناس، فلا سبيل إلى معرفة المؤمن من الكافر، أو المنافق إلا بالامتحان بالآفات، والمصائب؛ ليتميز المؤمن المخلص بثباته على إيمانه، ويتزلزل المنافق عند المحن، والبلايا.

стр. 1020

﴿وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: ولكنّ الله يصطفي، ويختار من رسله من يشاء، فيطلعه على ما يشاء من غيبه. ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ:﴾ يقال: إنّ الكفّار لمّا سألوا رسول الله ﷺ أن يبيّن لهم من يؤمن منهم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ يعني: لا تشتغلوا بما لا يعنيكم، واشتغلوا بما يعنيكم، وهو الإيمان، والعمل الصالح، ولا تتشوّفوا إلى اطلاع علم الغيب، فهو ليس لكم، وإنّما قال: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ على الجمع، لقوله جلّ ذكره: ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء، ولأنّ من أقر بجميع الرّسل؛ كان مقرّا؛ ومعترفا بأحدهم بداهة، وهذه صفة المؤمنين؛ لأنّهم آمنوا بجميع الرّسل. ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي: وإن تصدّقوا من اجتبيته برسالتي، وأطلعته على ما أشاء من غيبي، وأعلمته بالمنافق منكم، والمؤمن المخلص، وتتّقوا ربّكم فيما أمركم به، ونهاكم عنه. ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: بإيمانكم، وطاعتكم لربّكم. يروى: أنّ رجلا منجّما كان عند الحجّاج، فأخذ الحجاج حصيات عرف عدّتها، فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب المنجّم، فأصاب، فأغفله الحجّاج، وأخذ حصيات لم يعدّهنّ، فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب، فأخطأ، ثمّ حسب، فأخطأ، فقال: أيّها الأمير أظنّك لا تعرف عدد ما في يدك؟ قال: لا، قال: فما الفرق بينهما؟ فقال: إنّ ذاك أحصيته، فخرج عن حدّ الغيب، فحسبت، فأصبت، وإن هذا لم تعرف عددها، فصار غيبا، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى. الإعراب: ﴿ما كانَ:﴾ ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿لِيَذَرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ إذ المعنى: ما كان الله مريدا ترك المؤمنين. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ. ﴿عَلى ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (يذر) و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور ب ﴿عَلى﴾. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يَمِيزَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ و «أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ والفعل: ﴿يَمِيزَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (يذر). ﴿الْخَبِيثَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الطَّيِّبِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَمِيزَ﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿الْخَبِيثَ﴾. ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ:﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب سابقه بلا فارق.

стр. 1021

﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿يَجْتَبِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (﴿لكِنَّ﴾) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿مِنْ رُسُلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السّكون في محلّ نصب مفعول به، ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: الّذي، أو: شخصا يشاؤه. ﴿فَآمِنُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، (آمنوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به. ﴿وَرُسُلِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا وحاصلا؛ فآمنوا... إلخ، والكلام كلّه معطوف على ما قبله. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير جازم. ﴿وَتَتَّقُوا:﴾ معطوف على ما قبله مجزوم مثله، أو هو منصوب ب «أن» مضمرة بعد واو المعية، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون، والواو فاعله، وعلى النصب ف «أن» المضمرة تؤول مع الفعل بمصدر في محل رفع معطوف على مصدر متصيّد من الفعل السابق، التقدير: وليكن منكم إيمان، وتقوى. ﴿فَلَكُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فَلَكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾ الشرح: اختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآية، فقال عبد الله بن مسعود، وأبو هريرة، وابن عباس في رواية أبي صالح عنه، والشّعبي، ومجاهد-﵃ أجمعين-: نزلت هذه الآية في الذين يبخلون أن يؤدّوا زكاة أموالهم. ووجه هذا القول: أنّ أكثر العلماء ذهبوا إلى أنّ البخل عبارة عن منع الواجب، وأنّ من منع التطوّع، لا يكون بخيلا، ويدلّ عليه الوعيد الشديد في سياق الآية.

стр. 1022

وقال ابن عباس في رواية عطية عنه، وابن جريج عن مجاهد: أنّها نزلت في أحبار اليهود؛ الذين كتموا صفة النبي ﷺ ، ونبوّته. وهذا القول هو اختيار الزجّاج، ووجه هذا القول: أن البخل عبارة عن منع الخير، والنفع، ويدخل فيه منع العلم، كما يقال: بخل فلان بعلمه. والمعتمد الأوّل، وإن كان الثاني يدخل فيه. انتهى خازن. وخذ ما يلي: أولا: عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من آتاه الله مالا، فلم يؤدّ زكاته؛ مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان، يطوّقه يوم القيامة، ثمّ يأخذ بلهزمتيه-يعني: شدقيه- ثمّ يقول: أنا مالك، أنا كنزك». ثم تلا هذه الآية. أخرجه الشيخان، وغيرهما. ثانيا: عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من سئل عن علم، فكتمه؛ ألجم يوم القيامة بلجام من نار». رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، وعن عبد الله بن عمرو-﵁-أنّ رسول الله ﷺ قال: «من كتم علما؛ ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار». ابن حبّان. المعنى: ولا يظننّ الذين يمنعون زكاة أموالهم، ويبخلون في إنفاقه في وجوه الخير خيرا لهم في الدنيا، والآخرة، بل هو شرّ، ووبال عليهم، وهلاك لهم. ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ:﴾ أي: سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق في العنق. انظر الحديث الشريف المتقدّم. ﴿وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أخبر ببقائه، ودوام ملكه، وأنه في الأبد كهو في الأزل غنيّ عن العالمين، فيرث الأرض، ومن عليها بعد فناء خلقه، وزوال ملكهم، فتبقى الأملاك، والأموال، لا يدّعى فيها، فجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق، وليس هذا بميراث في الحقيقة؛ لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن ملكه من قبل، والله مالك السموات والأرض، وما بينهما، وما فيهما، وكانت السموات وما فيها، والأرض وما فيها له، وأنّ الأموال كانت عارية عند أربابها، فإذا ماتوا؛ ردّت العارية إلى صاحبها، الذي كانت له في الأصل، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها﴾ ومثل هذه الآية الآتية رقم [١٠] من سورة (الحديد). ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ:﴾ فيه تهديد، ووعيد للبخلاء، والمقصرين بحقوق الله. ويقرأ الفعل بالياء، والتاء، -على الالتفات-في بعض القراءات فيه، وفي سابقه. وخذ ما يلي في البخلاء، والأسخياء: فعن عبد الله بن عمر-﵄، قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: «إيّاكم والظّلم! فإنّ الظّلم ظلمات يوم القيامة، وإيّاكم والفحش، والتّفحّش! وإيّاكم والشّحّ، فإنّما هلك من كان قبلكم بالشّحّ، أمرهم بالقطيعة، فقطعوا، وأمرهم بالبخل، فبخلوا، وأمرهم بالفجور، ففجروا...» إلخ. رواه أبو داود مختصرا. وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «خلق الله جنّة عدن بيده، ودلّى فيها ثمارها، وشقّ فيها أنهارها، ثمّ نظر إليها، فقال لها: تكلّمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، فقال: وعزّتي، وجلالي لا يجاورني فيك بخيل!» رواه الطّبرانيّ في الكبير، والأوسط.

стр. 1023

وعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «السّخيّ قريب من الله، قريب من الجنّة، قريب من النّاس، بعيد من النّار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنّة، بعيد من النّاس، قريب من النّار، ولجاهل سخيّ أحبّ إلى الله من عابد بخيل». رواه الترمذيّ. وعنه-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم؛ فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم؛ فبطن الأرض خير لكم من ظهرها». رواه الترمذي. وعن عمر-﵁-قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﵎ بعث حبيبي جبريل-﵇-إلى إبراهيم، ﵇، فقال له: يا إبراهيم! إنّي لا أتّخذك خليلا على أنّك أعبد عباد لي، ولكن اطّلعت على قلوب المؤمنين، فلم أجد قلبا أسخى من قلبك». أخرجه الطّبراني، وغيره وانظر الآية رقم [٣٧]: من سورة (النساء) تجد ما يسرك. الإعراب: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [١٧٨]: ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنيّة على السكون في محل جرّ بالباء. ﴿آتاهُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أوّل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط، وهو المفعول الثاني محذوف، التقدير: يبخلون بالذي، أو: بشيء آتاهم الله إيّاه. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، والمفعول الأول ل: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ محذوف، التقدير: ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم... والهاء في محل جر بالإضافة، ودلّ على المحذوف: ﴿يَبْخَلُونَ﴾. وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى: وفي المفعول الأوّل وجهان: أحدهما: ﴿هُوَ﴾ ضمير البخل الذي دل عليه: ﴿يَبْخَلُونَ﴾. الثاني: محذوف، تقديره: البخل، و ﴿هُوَ﴾ على هذا فصل، والمفعول الثاني ﴿خَيْراً﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْراً﴾ هذا، وعلى قراءة الفعل: («تحسبن») بالتاء، فالفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، المراد به النبي ﷺ ، أو كلّ مخاطب، والمفعول الأول محذوف قام مقامه: ﴿الَّذِينَ﴾ بعد حذفه، التقدير: ولا تحسبن بخل الذين يبخلون، أي: فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. قال الزجّاج: هو مثل: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ و ﴿خَيْراً﴾ هو المفعول الثاني. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، وانتقال، تبتدأ بعده الجمل، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿سَيُطَوَّقُونَ:﴾ السين: مفيدة للتوكيد، وإن كانت في الأصل للاستقبال، (يطوقون): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب

стр. 1024

فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، مبنيّة على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿بَخِلُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بما قبله، و ﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿سَيُطَوَّقُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لِلّهِ﴾): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿مِيراثُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٥٣]. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ الشرح: مناسبة الآيات لما قبلها ظاهرة، وذلك بعد أن انتهى الاستعراض القرآني لمعركة أحد، وما فيها من عبر، وعظات، وتناولت الآيات ضمن ما تناولت مكائد المنافقين، ودسائسهم، وما انطوت عليه نفوسهم من الكيد للإسلام، والغدر بالمسلمين، وتثبيط عزائمهم عن الجهاد في سبيل الله؛ أعقبه الله بذكر دسائس اليهود الخبيثة، وأساليبهم الشنيعة في محاربة الدّعوة الإسلاميّة عن طريق التشكيك، والبلبلة، والكيد، والدسّ؛ ليحذّر المؤمنين من خطرهم، كما حذّرهم من المنافقين. والآيات الكريمة تتحدّث عن اليهود، وموقفهم المخزي من الذّات الإلهية، وأنّها تهم لله -بأشنع الاتهامات بالبخل، والفقر، ثم نقضهم للعهود، وقتلهم للأنبياء، وخيانتهم للأمانة؛ التي حمّلهم الله إيّاها، إلى آخر ما هنالك من جرائم، وشنائع اتّصف بها هذا الجنس الملعون. صفوة التفاسير. سبب النزول روي: أنّ النبي ﷺ أرسل مع أبي بكر-﵁-كتابا إلى يهود بني قينقاع، يدعوهم فيه إلى الإسلام، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وأن يقرضوا الله قرضا حسنا، فقال «فنحاص» اللّعين-وكان من علمائهم، ومعه حبر آخر يقال له: أشيع-: إنّ الله فقير حتى سأل القرض؟ فلطمه أبو بكر-﵁-على وجهه، وقال: لولا ما بيننا من العهد؛ لضربت عنقك! فشكاه إلى رسول الله ﷺ ، وجحد ما قاله، فنزلت الآية الكريمة، في تصديق الصّدّيق-﵁-وتكذيب «فنحاص». ومثل هذه الآية من قولهم الشنيع الآية رقم [٦٧]: من سورة (المائدة): ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ..﴾. إلخ.

стр. 1025

﴿لَقَدْ سَمِعَ..﴾. إلخ: المعنى: لم يخف عليه ما قالوه، وأنّه سبحانه أعدّ لهم العقاب الشديد، والعذاب الأليم. هذا؛ و: سمع، يسمع من الأفعال الصّوتية، إن تعلّق بالأصوات؛ تعدّى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذّوات؛ تعدّى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعليّة مصدّرة بمضارع من الأفعال الصّوتية. مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار الفارسيّ. واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، مثل قولك: سمعت زيدا يقول كذا، وصفة إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا. ﴿قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ:﴾ انظر الآية رقم [٦] من سورة (النساء) لشرح (الفقير). ﴿وَنَحْنُ أَغْنِياءُ:﴾ قالوا ذلك تمويها على ضعفائهم، لا أنّهم يعتقدون هذا، وغرضهم تشكيك الضعفاء من المؤمنين، وتكذيب النبيّ ﷺ أي: إنه فقير على قول محمّد؛ لأنه اقترض منّا. ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ:﴾ سنجازيهم عليه. وقيل: معناه: سنكتبه في صحائف أعمالهم، وهو كقوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ والكاتبون للأعمال هم الملائكة الموكّلون بذلك، والله هو الآمر بالكتابة، فأسند إليه الفعل مجازا، والموجودون في زمن الرسول ﷺ لم يقتلوا الأنبياء، وإنّما نسب لهم القتل لرضاهم له، ولما بينهم وبين أصولهم من الخبث، والمكر، والخداع، وسوء الطّباع، فلذا صحّت الإضافة إليهم؛ لأنّ الرضا بالمعصية معصية، فقد روي: أن رجلا حسّن عند الشّعبيّ قتل عثمان-﵁، فقال له الشّعبيّ: شركت في دمه. فجعل الرّضا بالقتل قتلا. وقد روى أبو داود عن العرس بن عميرة الكندي-﵁ عن النبي ﷺ : «إذا عملت الخطيئة في الأرض؛ كان من شهدها، فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها، فرضيها؛ كان كمن شهدها». ﴿وَنَقُولُ:﴾ لهؤلاء الّذين قالوا هذه المقالة: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: فننتقم منهم، ونقول لهم. وانظر ﴿ذُوقُوا﴾ في الآية رقم [١٠٦]. هذا؛ والقول يطلق على خمسة معان، أحدها: اللفظ الدال على معنى. الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾. الثالث: الحركة، والإمالة، يقال: قالت النّخلة؛ أي: مالت. الرابع: يشهد به الحال، كما في قوله تعالى في سورة (فصلت): ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ..﴾. الخامس: الاعتقاد، كما تقول: هذا قول الأشاعرة، وهذه مقالة المعتزلة، أي: ما يعتقدونه. هذا، وأمّا الكلام بالنسبة إلى البشر؛ فيدلّ على أحد ثلاثة أمور: أولها: الحدث الذي يدلّ على لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا، وتريد: تكليمك إيّاه، وقال الشاعر: [البسيط] قالوا كلامك هندا وهي مصغية... يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا

стр. 1026

وثانيها: ما يدور في النفس من هواجس، وخواطر، وكلّ ما يعبّر عنه باللفظ لإفادة السّامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيّلته: كلاما في اللغة العربية، تأمل في قول الأخطل التّغلبي: [الكامل] لا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللّسان على الفؤاد دليلا ثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال، انظر إلى قول العرب: «القلم أحد اللسانين» وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف: «كلام الله»، ثم انظر إلى قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (التوبة): ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ وإلى كلمته جلّت حكمته في هذه السورة: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾. ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي؛ الذي نفى عن محبوبته الكلام اللفظي، وأثبت لعينها القول، والكلام: [الطويل] أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم فأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم والدليل عليه فيما نطق به الحال قول نصيب: [الطويل] فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب وقال تعالى في سورة (فصلت) حكاية عن قول السّماء، والأرض: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ فقال قوم من العلماء: إنّهما تكلّمتا حقيقة، وقال آخرون: إنّهما لمّا انقادتا لأمر الله ؛ نزّل ذلك منزلة القول والكلام. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَمِعَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿قَوْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جرّ بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع مقولها صلة الموصول لا محلّ لها، وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ مبتدأة، أو جواب لقسم محذوف، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿فَقِيرٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَنَحْنُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿نَحْنُ﴾): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَغْنِياءُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وفيها معنى التأكيد للجملة قبلها.

стр. 1027

﴿سَنَكْتُبُ:﴾ السين: مفيدة للتوكيد، والتّحقيق. (نكتب): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: سنكتب الذي، أو: شيئا قالوه. وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: سنكتب قولهم، والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَقَتْلَهُمُ:﴾ معطوف على ﴿ما﴾ أو على المصدر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْأَنْبِياءَ:﴾ مفعول به للمصدر. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالمصدر، و (غير): مضاف، و ﴿حَقٍّ﴾ مضاف إليه. ﴿وَنَقُولُ:﴾ الواو: حرف عطف. (نقول): فعل مضارع، والفاعل تقديره: نحن. ﴿ذُوقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به، و ﴿الْحَرِيقِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف للصفة؛ إذ الأصل: العذاب المحرق. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَنَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿سَنَكْتُبُ..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى العذاب المذكور في الآية السابقة. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ:﴾ من قتل الأنبياء، وقولهم المذكور في الآية السابقة، وسائر الأعمال القبيحة؛ الّتي صدرت عنهم في الدنيا، وإنّما ذكر الله- -الأيدي على سبيل المجاز؛ لأنّ الفاعل هو الإنسان، لا اليد، إلا أنّ اليد لمّا كانت آلة الفعل؛ حسن إسناد الفعل إليها، ولأنّ أكثر الأعمال يكون باليد، فجعل كلّ عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التّغليب. هذا؛ واليد تطلق في الأصل على اليد الجارحة، وقد تطلق على النفس، والذات، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وقد تطلق على القدرة، والقوّة، وهو كثير، مثل قوله تعالى في سورة (ص): ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ وخذ قول عروة بن حزام العذري-وهو الشاهد رقم [١١٦]: من كتابنا: «فتح رب البريّة» -: [الطويل] وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... ومالي بزفرات العشيّ يدان كما تطلق اليد على النّعمة، والمعروف، يقال: لفلان عندي يد؛ أي: نعمة، ومعروف، وإحسان. وتطلق على الحيلة، والتدبير، يقال: لا يد لي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير. ﴿لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ:﴾ ليس المراد بظلام المبالغة؛ حتّى تنتفي المبالغة، ويبقى أصل الظلم، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، وإنّما المراد نفي نسبة الظلم إليه تعالى؛ إذ المعنى: ليس بذي ظلم، والآية مذكورة بحروفها بسورة (الأنفال) برقم [٥١] ومن ذلك قول

стр. 1028

الرّسول ﷺ فيما رواه الترمذيّ عن ابن مسعود-﵁: «لا يكون المؤمن لعّانا» فالمراد نفي للّعن أبدا، لا نفي المبالغة. وخذ قول امرئ القيس-وهو الشّاهد رقم [١٧٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] وليس بذي رمح فيطعنني به... وليس بذي سيف وليس بنبّال فهذه الصيغ ليست للمبالغة، وإنّما هي للنّسب، مثل: عطّار، ونجّار، وتمّار. قال ابن مالك ﵀: [الرجز] ومع فاعل وفعّال فعل... في نسب أغنى عن اليا فقبل الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر المبتدأ، (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْدِيكُمْ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء قدّمته أيديكم. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ تقديره: «هو»، ﴿بِظَلاّمٍ﴾ الباء: حرف جر صلة. (ظلام) خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿لِلْعَبِيدِ:﴾ متعلقان ب (ظلام). وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (﴿أَنَّ﴾) و (﴿أَنَّ﴾) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على (ما) فهو في محل جر مثلها، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول لقول محذوف، التقدير: ويقال لهم إذا لقوا في جهنم: ذلك... إلخ. أو: ونقول لهم إذا ألقوا... إلخ تقريعا، وتوبيخا، وتحقيرا، وتصغيرا. ﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا:﴾ قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف، ومالك بن صيفي، ووهب بن يهوذا، وزيد بن تابوت، وفنحاص بن عازوراء، وحيي بن أخطب من اليهود، أتوا النبيّ ﷺ ، فقالوا: يا محمد! تزعم: أنّ الله بعثك إلينا رسولا، وأنزل عليك كتابا، وإنّ الله عهد إلينا في التوراة ألا نؤمن لرسول يزعم: أنه جاء من عند الله، حتّى يأتينا بقربان تأكله

стр. 1029

النّار، إن جئتنا به؛ صدقناك! فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ يعني: قد سمع الله قول الذين قالوا: إنّ الله عهد إلينا، يعني: أمرنا، وأوصانا في كتبه: أن لا نؤمن لرسول... إلخ. هذا؛ وذكر الواحدي عن السّدّيّ: أنه قال: إنّ الله أمر بني إسرائيل في التّوراة: من جاءكم يزعم: أنه رسول الله؛ فلا تصدقوه؛ حتّى يأتيكم بقربان تأكله النار؛ حتّى يأتيكم المسيح، ومحمّد، فإذا أتياكم؛ فآمنوا بهما، فإنّهما يأتيان بغير قربان. زاد غير الواحدي: أنّه قال: وكانت هذه العادة باقية فيهم إلى مبعث المسيح، عليه الصّلاة، والسّلام، ثم ارتفعت، وزالت. هذا؛ وإسناد الأكل إلى النّار استعارة؛ إذ حقيقة الأكل إنّما تكون في الإنسان، والحيوان. هذا؛ والقربان كل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من أعمال البر، من نسك، وصدقة، وذبح، وصوم. وكانت القرابين والغنائم لا تحل لبني إسرائيل، وكانوا إذا قربوا قربانا، أو غنموا غنيمة؛ جمعوا ذلك، وجاءت نار بيضاء من السماء، لا دخان لها، ولها دوي، وحفيف، فتأكل ذلك القربان، أو الغنيمة، وتحرقه، فيكون ذلك دليلا على القبول، وإذا لم يقبل؛ بقي على حاله، ولم تنزل نار. ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب لحبيب الحق، وسيّد الخلق ﷺ . ﴿قَدْ جاءَكُمْ﴾ يا معشر اليهود. ﴿رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي﴾ يعني: مثل: زكريا، ويحيى، ويوشع، وغيرهم. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ بالمعجزات الواضحات، والحجج الدّامغات. ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أي: ما ذكرتم من القربان. ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ يعني: فلم قتلتم الأنبياء؛ الذين أتوا بما طلبتم منهم من القرابين، والمراد بذلك: أسلافهم، كما ذكرته لك مرارا، والتقريع، والتوبيخ للموجودين في عهد نبينا محمد ﷺ . ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾ أنكم تتبعون الحقّ، وتنقادون للرّسل. وذكرت لك مرارا: أن ﴿رُسُلٌ﴾ وما أشبهه يجوز تسكين عينه وتحريكها بالضم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل مثله في الآية رقم [١٨١] ويجوز أن يكون في محل نصب بفعل محذوف، التقدير: أذمّ الذين، كما يجوز أن يكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة مع مقولها صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَهِدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ:﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. (﴿إِنَّ﴾) حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿نُؤْمِنَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿إِنَّ﴾) والفاعل مستتر وجوبا، تقديره: نحن، و (أن) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف خبر محذوف، التقدير: عهد إلينا بعدم الإيمان، والجار والمجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿لِرَسُولٍ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿عَهِدَ﴾. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَأْتِيَنا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن»

стр. 1030

المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفاعل يعود إلى (رسول) ونا: مفعول به، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محلّ جرّ ب (﴿حَتّى﴾) والجار والمجرور متعلقان بالفعل (﴿نُؤْمِنَ﴾). ﴿بِقُرْبانٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿تَأْكُلُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿النّارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة (قربان). ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿رُسُلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل جاء، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رُسُلٌ﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل (جاء). ﴿وَبِالَّذِي:﴾ جار ومجرور معطوفان على البينات. ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، التقدير: بالذي قلتموه. ﴿فَلِمَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدّر. (لم): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وعلامة الجر الألف المحذوفة للفرق بين الخبر، والاستخبار. ﴿قَتَلْتُمُوهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان قد جاءكم رسل... فلماذا قتلتموهم؟!. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾ تقدّم إعراب مثلها كثيرا، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾ الشرح: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ أي: كذّب اليهود، وقومك يا محمد! ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ مثل: نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وغيرهم من الرّسل. هذا؛ وذكّر الفعل هنا، وأنّث في سورة (الأنعام) رقم [٣٤]: وفي سورة فاطر رقم [٤]: مع أنّ الفاعل ﴿رُسُلٌ:﴾ في الآيات الثلاث؛ لأن رسل جمع تكسير ل: «رسول» وجمع التكسير يجوز تذكير فعله، وتأنيثه، كما هو مقرّر في القواعد النّحوية. وفي الآيات الثلاث تسلية للرّسول ﷺ . ﴿جاؤُ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالدّلالات الواضحات، والمعجزات الباهرات. ﴿وَالزُّبُرِ﴾ أي: الكتب. واحدها: زبور، وهو الكتاب المقصور على الحكم، من: زبرت الشيء: إذا حبسته. وقيل: الزبور: المواعظ، والزواجر، من: زبرته: إذا وعظته، وزجرته، وكلّ زبور فهو كتاب، والعكس صحيح، قال امرؤ القيس: [الطويل]

стр. 1031

لمن طلل أبصرته فشجاني... كخطّ زبور في عسيب يماني ﴿وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ:﴾ الواضح. والكتاب: ما يتضمّن الشّرائع، والأحكام، ولذلك جاء الكتاب، والحكمة متعاطفين في كثير من الآيات القرآنية. وقيل: المراد بالزّبور: الصّحف المنزلة على الأنبياء، كصحف إبراهيم، وهي ثلاثون، وصحف موسى قبل التوراة، وهي عشرة، وكصحف شيث، وهي ستّون، وصحف إدريس، وهي عشرة، فجملة الصحف مائة وعشرة، تضمّ لها الكتب الأربعة: التوراة، والإنجيل، والزّبور، والقرآن، فجملة الكتب المنزلة على الأنبياء مائة وأربعة عشر، وسور القرآن مائة وأربع عشرة، لذا فقد حوى جميع ما نزل في الكتب التي نزلت على الأنبياء، ومثل هذه الآية الآية رقم [٢٥]: من سورة (فاطر). الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم، ﴿كَذَّبُوكَ:﴾ فعل ماض مبني على الضمّ في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُذِّبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿رُسُلٌ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محلّ المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا فالجملة الفعلية تكون مفيدة للتعليل، ويكون التقدير: فإن كذبوك؛ فلا تحزن؛ لأنّه قد كذب إلخ. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رُسُلٌ﴾ وهو أقوى من تعليقهما بالفعل: ﴿كُذِّبَ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿جاؤُ:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية لرسل، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، أو بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿الْمُنِيرِ:﴾ صفة (الكتاب). ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ الشرح: يخبر الله جلّت قدرته في هذه الآية، وفي سورة (الأنبياء) رقم [٣٥] إخبارا عامّا يعمّ جميع الخليقة بأنّ كلّ نفس ذائقة الموت، كقوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ فهو وحده الحيّ الذي لا يموت، والجنّ، والإنس يموتون، وكذلك الملائكة، وحملة العرش، وينفرد الواحد القهار بالدّيمومة، والبقاء، فيكون باقيا كما كان أزليّا قديما، وهذه الآية، وآية (الأنبياء) فيهما تعزية لجميع الناس، فإنّه لا يبقى أحد على وجه الأرض؛ حتّى يموت. ورحم الله من قال: [البسيط]

стр. 1032

الموت باب وكلّ النّاس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار الدّار جنّة عدن إن عملت بما... يرضي الإله وإن خالفت فالنّار روى ابن أبي حاتم عن عليّ-﵁-قال: لمّا توفّي النّبيّ ﷺ . وجاءت التّعزية، جاءهم آت يسمعون حسّه، ولا يرون شخصه، فقال: السّلام عليكم أهل البيت، ورحمة الله وبركاته: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ إنّ في الله عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا من كلّ هالك، ودركا من كلّ فائت، فبالله ثقوا، وإيّاه فارجوا، فإنّ المصاب من حرم الثواب، والسّلام عليكم، ورحمة الله، وبركاته. قال جعفر الصّادق-رحمه الله تعالى- فأخبرني أبي: أنّ علي بن أبي طالب-﵁، قال: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر ﵇. ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ:﴾ أبعد، وجنّب النّار. ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ أي: نجا من النّار، وظفر برضا الله، ورضوانه. هذا؛ والفعل «زحزح» يكون لازما ومتعديا، قال الشاعر في اللازم: [الطويل] خليليّ ما بال الدّجى لا يتزحزح... وما بال ضوء الصّبح لا يتوضّح؟ وقال ذو الرّمّة في المتعدي: [البسيط] يا قابض الرّوح عن جسم عصا زمنا... وغافر الذّنب زحزحني عن النّار وروى النّسائيّ عن أبي هريرة-﵁-عن النبيّ ﷺ قال: «من صام يوما في سبيل الله؛ زحزح الله وجهه عن النّار سبعين خريفا». ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ أي: إنّ العيش في هذه الدّار الفانية يغرّ الإنسان بما يمنيه من طول البقاء، وسينقطع عن قريب. قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-هي متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة، فأمّا من اشتغل بطلب الآخرة، فهي له متاع، وبلاغ إلى ما هو خير منها، وهذا بضم الغين، وهو بفتح الغين: الشيطان، كما في قوله تعالى: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ ومن قول العوام-وليس بشيء-: الغرور: ما تحمله المرأة أيام حيضها، أو نفاسها، ثم تلقيه في أماكن معروفة، وخذ ما يلي: عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله : «أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ»﴾. أخرجه البخاريّ، وزاد الترمذي: «وفي الجنّة شجرة يسير الرّاكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها، واقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا، وما فيها، واقرءوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ..﴾. إلخ».

стр. 1033

هذا؛ وقد وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرهما الحياة التي يحياها ابن آدم ب: ﴿الدُّنْيا؛﴾ لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، كما جاء في الحديث الشريف، ورحم الله الحريري؛ إذ يقول: [الكامل] يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى، وقرارة الأكدار دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار ولقد أحسن من قال: [المتقارب] هي الدّار دار الأذى والقذى... ودار الفناء ودار الغير ولو نلتها بحذافيرها... لمتّ ولم تقض منها الوطر أيا من يؤمّل طول الخلود... وطول الخلود عليه ضرر إذا أنت شبت وبان الشبا... ب فلا خير في العيش بعد الكبر هذا؛ والمتاع: كل شيء يتمتّع به الإنسان في دنياه، ويتلذّذ به من طعام، وشراب، ولباس، ومسكن، وولد، وزوجة، ولذا قال الرسول ﷺ : «الدّنيا متاع وخير متاعها المرأة الصّالحة» رواه مسلم، والنّسائيّ عن عبد الله بن عمر-﵄. وربّنا جلّت قدرته قال للكافرين: ﴿تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ وقال جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ وقال تعالى شأنه: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾. هذا والتمتّع بالشّيء: التلذذ به، والانتفاع بفوائده، ومثله الاستمتاع، والاسم: المتعة، فهنيئا لمن تمتّع، واستمتع بالمباح الحلال، وويل، ثمّ لمن تمتّع، واستمتع بالحرام. هذا؛ والمتعة بكسر الميم، وضمها: اسم للتمتّع، والزاد القليل، وما يتمتّع به من الصّيد، والطعام. ومتعة المرأة ما وصلت به بعد الطلاق من نحو قميص، وإزار، وملحفة. قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. هذا؛ والتمتّع بالمرأة إلى أجل معلوم بيّنت فساده في أول سورة (المؤمنون) وفي سورة (المعارج) وبالله التوفيق. قال الزّمخشري-رحمه الله تعالى-: شبّه الدّنيا بالمتاع الذي يدلّس به على المستام، ويغرّ؛ حتّى يشتريه، والشّيطان هو المدلّس، والغرور. انتهى. أي: فهو من باب الاستعارة، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾. الإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه، ﴿ذائِقَةُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْمَوْتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر تقديره: هي، وقرئ بتنوين («ذائقة») ونصب («الموت»). والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَإِنَّما:﴾

стр. 1034

الواو: حرف عطف. (﴿إِنَّما﴾): كافة ومكفوفة. ﴿تُوَفَّوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿أُجُورَكُمْ:﴾ مفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بالفعل قبله، وهو مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿زُحْزِحَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط، ونائب فاعله مستتر تقديره: هو يعود إلى (من). ﴿عَنِ النّارِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿وَأُدْخِلَ﴾ معطوف على ما قبله، ونائب فاعله يعود إلى (من) أيضا. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به ثان، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤٢]. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿فازَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، هذا وإن اعتبرت (من) اسما موصولا في محل رفع مبتدأ، فالجملة بعده صلته، وجملة: (قد فاز) في محل رفع خبره، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَا﴾): نافية مهملة. ﴿الْحَياةُ:﴾ مبتدأ. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة لها مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وقال الجمل: الإضافة على معنى: في، ولا أرى له وجها قويّا. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَتاعُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْغُرُورِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ الشرح: ﴿لَتُبْلَوُنَّ:﴾ لتختبرن، وتقع عليكم المحن، والمصائب؛ ليعلم المؤمن من غيره. والاختبار، والامتحان يمحّص الجيد من الرديء، كما ذكره الله سابقا، فعلى هذا يكون معنى الاختبار في وصف الله تعالى محال؛ لأنّ الله عالم بحقائق الأشياء قبل أن يخلقها. فعلى هذا يكون معنى الاختبار في وصف الله تعالى: أنه يعامل العبد معاملة المختبر. ﴿فِي أَمْوالِكُمْ:﴾ بكثرة المصائب فيها بالآفات التي نتعرّض لها، وبالإنفاق في سبيل الله، وسائر

стр. 1035

تكاليف الشرع. ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ يعني: بالمصائب، والأمراض، والقتل، وفقد الأحباب، كقوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ﴾. خوطب المسلمون بهذه الآية؛ ليوطنوا أنفسهم على احتمال الأذى، وما سيلقون من الشدائد، والمصائب؛ ليصبروا على ذلك، حتى إذا لقوها؛ لقوها؛ وهم مستعدّون بالصبر لها، لا يرهقهم ما يرهق غيرهم ممّن تصيبه الشّدة بغتة، فينكرها، ويشمئزّ منها. ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً:﴾ يقول الله تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر مسليا لهم عمّا ينالهم من الأذى من اليهود، ومن المشركين، بل ومن المنافقين، وآمرا لهم بالصّبر، والعفو؛ حتّى يأتي الله بالنّصر. وقد تحقّق ذلك للمسلمين بعد سنوات عدّة بقتل اليهود قبيلة، قبيلة، وبذلّ المنافقين، وأخيرا بفتح مكة، قال عكرمة: نزلت في أبي بكر، وفنحاص كما رأيت في الآية رقم [١٨١] والأصح: أنّها نزلت قبل وقعة بدر، كما ذكرت آنفا. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق، ولأصحابه. والمعنى: وإن تصبروا على أذاهم، وتتّقوا الله فيما أمركم به، ونهاكم عنه؛ لأنّ الصبر عبارة عن احتمال الأذى، والمكروه، والتقوى عبارة عن الاحتراز عمّا لا ينبغي. هذا؛ والإشارة بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ ذلِكَ﴾ للصّبر، والتّقوى. ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: ممّا عزمه الله، وأمر به، وقطعه قطع إيجاب وإلزام، ومنه قول النبي ﷺ : «لا صيام لمن لم يعزم الصّيام من اللّيل» أي: لم يقطعه، ويجزم به بالنّيّة. هذا؛ ودخلت لام الابتداء في سورة (الشّورى) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ،﴾ وهي للتّوكيد، ولم تدخل في هذه الآية، ولا في سورة (لقمان) رقم [١٧] لأنّ الصبر على مكروه حدث بظلم-كقتل-أشدّ من الصبر على مكروه حدث بلا ظلم، كموت ولد، كما أنّ العزم على الأول آكد منه على الثّاني، وما في سورة (الشورى) من القبيل الأول، فكان أنسب بالتوكيد، وما هنا، وما في سورة (لقمان) من القبيل الثاني، فكان أنسب بعدمه. انتهى جمل نقلا عن كرخي. بعد هذا: فالفعل «تسمع» صحيح الآخر، فلمّا أسند لواو الجماعة صار: تسمعون، فلمّا أكّد بنون التوكيد صار: تسمعوننّ، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فصار تسمعون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على العين؛ لتدلّ عليها، فصار (لتسمعن). وإذا أسند الفعل المعتل الآخر لواو الجماعة، مثل: يدعو، يرمي، يسعى، فتحذف نون الرفع وواو الجماعة، وحرف العلة، مثل: لتدعنّ لترمنّ، إلا مع المعتل بالألف، فتثبت الواو؛ لأنّ قبلها فتحة، مثل لتسعونّ، ومنه: لتبلونّ. الإعراب: ﴿لَتُبْلَوُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: وعزتي، وجلالي! والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (تبلون): فعل مضارع مبني للمجهول

стр. 1036

مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو نائب فاعله، والنون حرف لا محل له. ﴿فِي أَمْوالِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَأَنْفُسِكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَتَسْمَعُنَّ﴾): إعرابه مثل إعراب: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها؛ لأنها جواب القسم المقدّر. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿أَشْرَكُوا:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَذىً:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة له. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَصْبِرُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. (﴿تَتَّقُوا﴾): انظر إعراب مثله في الآية رقم [١٧٩]: ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (﴿إِنْ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿مِنْ عَزْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (﴿إِنْ﴾) و ﴿عَزْمِ﴾ مضاف، و ﴿الْأُمُورِ:﴾ مضاف، والجملة الاسمية: (إن ﴿ذلِكَ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، (﴿إِنْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ أخذ الله. ﴿مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ يعني: اليهود، والنصارى، والمراد منهم العلماء خاصّة، وأخذ الميثاق هو: التوكيد، والإلزام لبيان ما أوتوه من الكتاب، وانظر الآية رقم [٨١]: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ يعني: ليبينن ما في الكتاب، وليظهرن للناس؛ حتى يعلموه، وذلك: أنّ الله أوجب على: علماء التّوراة، والإنجيل أن يشرحوا للناس ما في هذين الكتابين من الدّلائل الدّالة على نبوّة محمد ﷺ : ﴿وَلا تَكْتُمُونَهُ:﴾ ولكنّهم كتموه، وتعوضوا عما وجدوا عليه من الخير في الدنيا، والآخرة بالدّون الطفيف، والحظّ الدّنيوي السّخيف، فبئست الصفقة صفقتهم! وبئست البيعة بيعتهم! وفي هذا تحذير لعلماء المسلمين أن يسلكوا مسلكهم، فيصيبهم ما أصابهم من السّخط، والغضب، والحرمان من رضا الله في الدنيا، والآخرة. والضمير يعود إلى الميثاق، أو إلى الرسول ﷺ .

стр. 1037

﴿فَنَبَذُوهُ:﴾ طرحوه، والنبذ: الطرح. ﴿وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: لم يعملوا به، ولم يبينوه، فيكون الضمير عائدا إلى الكتاب أيضا، ومثله قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠١]: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾. ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً:﴾ هو ما يأخذونه من سفلتهم من المآكل، والرّشا. ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ:﴾ ذمهم الله تعالى على فعلهم ذلك، ويدخل في هذا الذمّ علماء السّوء من المسلمين؛ لأنهم أهل كتاب أيضا، وهو القرآن، وهو أشرف الكتب. قال قتادة: رحمه الله تعالى: هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم شيئا؛ فليعلّمه، وإيّاكم وكتمان العلم؛ فإنّه هلكة، وقال أيضا: مثل علم لا يقال به، كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج، كمثل صنم لا يأكل، ولا يشرب. وقال أيضا: طوبى لعالم ناطق، ومستمع واع، هذا علم علما، فبذله، وهذا سمع خبرا، فقبله، ووعاه. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من سئل علما يعلمه، فكتمه؛ ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة». أخرجه الترمذي. هذا؛ ولا تنس الاستعارة في النبذ، والاشتراء: شبه عدم التمسك، أو العمل به بالشيء الملقى خلف ظهر الإنسان، باشتراء ثمن قليل ما تعوّضوه من الحطام على كتم آيات، وفي الآية الكريمة من المحسّنات البديعية: الطباق بين (﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾) و (﴿لا تَكْتُمُونَهُ﴾). هذا وجاء (﴿وَراءَ﴾) هنا بمعنى: خلف، ويأتي بمعنى: أمام، وقدّام، قال تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ وأيضا قوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ كما يأتي بمعنى «بعد» خذ قوله تعالى في سورة هود: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: من بعد إسحاق يعقوب، وقال النابغة الذبياني: [الطويل] حلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وليس وراء الله للمرء مطلب أي: وليس بعد الله ﷻ ، وكذلك قوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: من بعده. ومن مجيئه بمعنى: أمام، وقدّام قول لبيد-﵁: [الطويل] أليس ورائي إن تراخت منيّتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع؟ وأيضا قول سوار بن المضرّب السّعدي، وكان قد هرب من الحجاج حين فرض البعث مع المهلب ابن أبي صفرة لقتال الخوارج: [الطويل] أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم والفلاة ورائيا وثبت بما تقدّم: أنّه من الأضداد، وهو منصوب على الظرفية المكانية، قال الأخفش: يقال: لقيته من وراء، فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف تجعله اسما، وهو غير متمكن، كقوله تعالى: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ وأنشد قول الشاعر: [الطويل]

стр. 1038

إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن... لقاؤك إلاّ من وراء وراء الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف، (﴿إِذْ﴾): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلّق بفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت، وابن هشام في مغني اللبيب يعتبره مفعولا به لهذا المقدّر. ﴿أَخَذَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِيثاقَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، وهو مفهوم من أخذ الميثاق. (تبيننه): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة، المدلول عليها بالضمة فاعله، ونون التوكيد حرف لا محل له، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، وجملة: ﴿وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها، ولم تؤكد بنون التوكيد؛ لأنّها للحال، وشرط توكيد الفعل بالنون أن يكون مستقبلا مثل ما قبله. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿فَنَبَذُوهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (نبذوه): فعل ماض، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَخَذَ اللهُ..﴾. إلخ فهي في محل جرّ مثلها، ﴿وَراءَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله، وهو مضاف، وظهورهم مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. (﴿اِشْتَرَوْا﴾): فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿ثَمَناً:﴾ مفعول به. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جرّ أيضا. ﴿فَبِئْسَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (بئس): فعل ماض جامد دال على إنشاء الذمّ. ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السّكون في محل نصب على التّمييز، وفاعل (بئس) ضمير مستتر دلّ عليه هذا التمييز. ﴿يَشْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محلّ نصب صفة (ما) والرابط محذوف، وتقدير الكلام: بئس الشيء شيئا مشترى به أنفسهم. وإن أردت الزيادة؛ فانظر الآية رقم [٩٠] من سورة (البقرة). ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾ الشرح: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ:﴾ قرئ بالتاء على الخطاب للنبيّ ﷺ ، أي: لا تحسبن يا محمد الفارحين؛ الذين يفرحون. وقرئ بالياء على الغيبة، يعني: لا يحسبن الذين يفرحون

стр. 1039

فرحهم منجيا لهم من العذاب. نزلت الآية الكريمة في المنافقين. وخذ ما يلي: عن أبي سعيد الخدري-﵁: أن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله ﷺ كان إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو، وتخلّوا عنه؛ فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ ، فإذا قدم رسول الله ﷺ ، اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت الآية الكريمة. متّفق عليه. وانظر سورة (التوبة) رقم [٨١]. وقيل: نزلت في اليهود. وخذ ما يلي: عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف-﵄: أن مروان بن الحكم-وكان أميرا على المدينة-قال: لبوّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل له: لئن كان كلّ منا فرح بما أتى، وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذبا؛ لتعذبنّ أجمعون! قال ابن عباس-﵄: مالكم ولهذه الآية؟، إنّما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس-﵄-الآية، والتي قبلها. وقال ابن عباس: سألهم رسول الله ﷺ عن شيء، فكتموه إيّاه، وأخبروه بغيره. فخرجوا؛ وقد رأوا: أنّهم قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا عليه بذلك، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إيّاه ما سألهم عنه. متفق عليه أيضا. وقال محمّد بن كعب القرظي-﵁: نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كتموا الحق، وأتوا ملوكهم من العلم ما يوافقهم في باطلهم. ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ أي: ويحبّون أن يحمدهم الناس على شيء لم يفعلوه؛ أي: يحبون أن يقول الناس لهم: علماء، وليسوا بأهل العلم على الحقيقة. وقيل: فرحوا بما أتوا من تبديلهم التوراة، وأحبّوا أن يحمدهم الناس على ذلك. ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ﴾ أي: بمنجاة من العذاب، والمفازة: المنجاة، وتطلق على الأرض الفقر الواسعة الشّاسعة، سمّيت بذلك على جهة التفاؤل، أو لأنّ من قطعها؛ فاز. وقرئ الفعل بفتح التاء، والياء، فيكون الفعل تأكيدا للأول وقرئ بفتح التاء، وضمّ الباء، فيكون المراد النبي ﷺ وأصحابه، والمعنى: لا تظنّهم بمنجاة من العذاب؛ الذي أعدّه الله لهم في الدنيا من القتل، والأسر، وضرب الجزية، والذلّة، والصغار، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الآخرة، وهذه الآية وإن كانت نزلت في اليهود، أو المنافقين، فإنّ حكمها عامّ في كلّ من أحبّ أن يحمد بما لم يفعل من الخير، والصلاح، أو ينسب إلى العلم؛ وليس هو كذل.، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ والفرح لذة في القلب في إدراك المحبوب، ولذا أكثر ما يستعمل في اللّذات البدنية الدنيويّة، وقد ذمّ الله الفرح في مواضع من كتابه، كقوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٧٦]: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ رقم [١٠] من سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ولكنّه مطلق، فإذا قيد الفرح؛ لم يكن ذمّا، كقوله تعالى في هذه السورة في حقّ الشهداء: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقال تعالى:

стр. 1040

﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ رقم [٥٨] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام. وقال جلّ ذكره في سورة (الروم) رقم [٤ و ٥]: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾. الإعراب: ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَحْسَبَنَّ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محلّ جزم ب (﴿لا﴾) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». وهذا على فتح الباء، وأمّا على ضمّها؛ فالفاعل واو الجماعة، وهي محذوفة دلّ عليها الضمّة على الباء قبلها، ويكون علامة الجزم حذف النّون؛ لأنه من الأفعال الخمسة. و ﴿الَّذِينَ:﴾ هو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، دلّ عليه ما بعده، تقديره: بمفازة، وأما على قراءة الياء، فالذين هو الفاعل، والمفعولان محذوفان، اكتفاء بمفعولي الفعل الآتي، ومنه قول الكميت بن زيد الأسدي، وهو الشاهد رقم [١] من كتابنا: «فتح رب البريّة»: [الطويل] بأيّ كتاب أم بأيّة سنّة... ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب ﴿يَفْرَحُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿أَتَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء أتوه. (﴿يُحِبُّونَ﴾): مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أن يحمدوا: فعل مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون، وهو مبنيّ للمجهول، والواو نائب فاعله، والمصدر المؤول منهما في محل نصب مفعول به. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ما) مثل سابقتها. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه... إلخ، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء لم يفعلوه، ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. أو هي صلة على اعتبار الفعل بعدها بدلا من السابق. ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿بِمَفازَةٍ:﴾ متعلّقان به، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي بدل منها، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿مِنَ الْعَذابِ:﴾ متعلقان ب (مفازة) أو: بمحذوف صفة لها. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾ الشرح: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ..﴾. إلخ أي: ملكا، وخلقا، وعبيدا، وفي كثير من الآيات: ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ أي: الموجود بين السماء، والأرض، من أفلاك، وكواكب في السماء، وما على

стр. 1041

الأرض من جبال، وأنهار، وبحار... إلخ، فكل ذلك ملك لله تعالى، لا يشركه فيه أحد، وما يملكه الإنسان في هذه الدنيا الفانية، فإنما هو له ملك في الظاهر، قد منحه الله له ليتمتع به على وجه الوكالة والأمانة، فهنيئا لمن أحسن الوكالة، وويل لمن قصر في الوكالة، وخان في الأمانة. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: قادر على كلّ شيء لا يعجزه شيء، فاعبدوه، ولا تخالفوه، واحذروا غضبه، ونقمته، فإنّه العظيم الّذي لا أعظم منه، القدير الّذي لا أقدر منه. الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على سابقه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان بقدير بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلهما لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠)﴾ الشرح: ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ١٦٤] ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهارِ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٥١] والمراد باختلافهما ما يحصل فيهما من الزيادة والنقصان تبعا لفصول السنة كما هو معروف. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلائل واضحة على وجود الصانع، ووحدته، وكمال علمه وقدرته لذوي العقول المجلوة الخالصة عن شوائب الوهم، والحس، كما سبق في الآية رقم [٢/ ١٦٤] ولعل الاقتصار على هذه الثلاثة في هذه الآية؛ لأن مناط الاستدلال هو التغيير، وهذه متعرضة لجميع أنواعه. ﴿لِأُولِي الْأَلْبابِ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ١٧٨]. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي خَلْقِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. و ﴿خَلْقِ:﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وقال الجمل: الخلق: بمعنى المخلوق، إذ الآيات التي تشاهد إنما هي في المخلوق الذي هو السموات والأرض، وحينئذ فالإضافة بيانية. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿وَاخْتِلافِ:﴾ معطوف على: ﴿خَلْقِ:﴾ وهو مضاف، و ﴿اللَّيْلِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ﴿وَالنَّهارِ:﴾ معطوف على الليل. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم (﴿إِنَّ﴾) مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِأُولِي:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (آيات) وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و (أولي): مضاف، و ﴿الْأَلْبابِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.

стр. 1042

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ (١٩١)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ..﴾. إلخ. أي: يذكرون الله دائما على جميع الحالات، قائمين، وقاعدين، ومضطجعين، وماشين، وراكبين. وقيل: معناه يصلّون على الهيئات الثلاث حسب طاقتهم، لقول النّبيّ ﷺ لعمران بن حصين-﵁-لمّا أصيب بالبواسير: «صلّ قائما، فإن لم تستطع؛ فقاعدا، فإن لم تستطع؛ فعلى جنب». أخرجه الشيخان في الصّحيحين، ولا دليل في الآية الكريمة للّذين يذكرون الله قياما، وهم يصفّقون، ويأتون بحركات، ويتكلّمون بكلمات ليست من الدّين في شيء. انظر ما نقلته عن القرطبي في سورة (الأنفال) رقم [٢] و [٣٥] تجد ما يسرّك. هذا؛ وإنّ النّبيّ ﷺ ذكر لنا ألفاظا، ورغّبنا بذكر الله فيها، لا ما ينطق به هؤلاء المبتدعة. من ذلك قوله ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرّحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». أخرجه الخمسة ما عدا أبا داود. وعن أبي هريرة-﵁، وعن سمرة بن جندب-﵁-قال، قال رسول الله ﷺ : «أحبّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر. لا يضرّك بأيّهنّ بدأت». رواه مسلم، وغيره. وعن عبد الله بن عمر-﵁: أنّ رسول الله ﷺ حدّثهم: أنّ عبدا من عباد الله قال: «يا ربّ لك الحمد، كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، فعضّلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى السّماء، فقالا: يا ربنا! إنّ عبدك قد قال مقالة، لا ندري كيف نكتبها؟ قال الله-وهو أعلم بما قال عبده-: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا ربّ! إنّه قال: يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتّى يلقاني، فأنا أجزيه بها». رواه أحمد. وعن أبي أيوب-﵁-قال، قال رجل عند رسول الله ﷺ : «الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه» فقال رسول الله ﷺ : «من صاحب الكلمة؟» فسكت الرّجل، وظن: أنّه قد هجم من رسول الله ﷺ على شيء يكرهه، فقال رسول الله ﷺ : «من هو؟ فإنّه لم يقل إلا صوابا». فقال الرّجل: أنا قلتها يا رسول الله! أرجو بها الخير، فقال: «والّذي نفسي بيده لقد رأيت ثلاثة عشر ملكا يبتدرون كلمتك أيّهم يرفعها إلى الله ﵎». رواه الطّبراني، وانظر الآية رقم [١٥٢] من سورة (البقرة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. عن عائشة-﵂-قالت: كان رسول الله ﷺ يذكر الله في كلّ أحيانه. أخرجه مسلم. وأقول: وفي كلّ حالاته، وحركاته، وسكناته، لكن لا بالتّصفيق، والرقص،

стр. 1043

والتّمايل إلى الأمام، والوراء. وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه؛ كانت عليه من الله ترة. ومن اضطجع مضجعا، لا يذكر الله فيه؛ كانت عليه من الله ترة، وما مشى أحد ممشى لا يذكر الله فيه؛ إلا كانت عليه من الله ترة». أخرجه أبو داود. والتّرة: النقص. وقيل: التّبعة بمعنى المؤاخذة. ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ وإذا تفكّروا؛ اتعظوا، وإذا اتعظوا؛ آمنوا، وإذا آمنوا؛ عبدوا الله. والتفكّر في صنع الله أعظم عبادة يقوم بها العبد، وقد ورد: لتفكّر ساعة في صنع الله خير من عبادة سنة. وفي رواية عن النّبيّ ﷺ : أفضل من عبادة ستين سنة، وورد تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله، فإنّه لا تحيط به الفكرة. ومرّ النبي ﷺ على قوم يتفكرون في الله، فقال: «تفكّروا في الخلق، ولا تفكّروا في الخالق، فإنّكم لا تقدرون قدره». وروي عن رسول الله ﷺ : أنّه قال: «لا عبادة كالتّفكّر» لأنّه المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق. وروي عن أبي هريرة-﵁-عن النبيّ ﷺ قال: «بينما رجل مستلق على فراشه؛ إذ رفع رأسه، فنظر إلى السّماء، والنّجوم، فقال: أشهد أنّ لك ربّا، وخالقا! اللهمّ اغفر لي! فنظر الله إليه، فغفر له». هذا؛ والفكر: تصرف القلب في طلب الأشياء. وقال صاحب المفردات: الفكر: قوّة مطرقة للعلم إلى العلوم. والتفكّر: جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب. انتهى. هذا؛ والفكر يؤدّي إلى الوقوف على المعاني المطلوبة من التآنس، والتجانس بين الأشياء، كالزوجين. وإنّما خصّ السموات، والأرض بالذكر هنا وفي كثير من الآيات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع ﴿السَّماواتِ﴾ دون (﴿الْأَرْضِ﴾) وهي مثلهنّ سبعا بدليل قوله تعالى في سورة الطّلاق: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ؛﴾ لأنّ طبقاتها مختلفة بالذّات، متفاوتة في الصّفات، والآثار، والحركات، وقدّمها لشرفها، وعلوّ مكانها، وتقدّم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض. وأيضا: لأنها كالذّكر، فنزول المطر من السّماء على الأرض كنزول المني من الذّكر في رحم المرأة، ولأنّ الأرض تنبت، وتخضرّ بالمطر. ووحّد الأرض؛ لأنها بجميع طبقاتها جنس واحدة، وهو التراب، والأحجار. وآية السموات: ارتفاعها بغير عمد من تحتها، ولا علائق من فوقها، ثمّ ما فيها من الشّمس، والقمر، والنجوم السّائرة، والكواكب الزّاهرة، شارقة، وغاربة، نيّرة، وممحوة آية ثانية، وآية الأرض: مدّها، وبسطها، وما فيها من الجبال، والبحار، والمعارف، والجواهر، والأنهار، والأشجار، والثمار، وما بثّ فيها من أجناس المخلوقات، فيعلم العباد حينئذ: أنّ لهما خالقا مدبّرا حكيما؛ لأن عظم آثاره، وأفعاله تدلّ على عظم خالقها، كما قيل: [المتقارب]

стр. 1044

وفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنّه واحد ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً﴾ أي: يقولون: ربنا ما خلقت هذا خلقا باطلا بغير حكمة، بل خلقته لحكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلّفين، وأدلّة لهم على معرفتك، وتحثّهم على طاعتك؛ لينالوا الحياة الأبدية، والسّعادة السّرمدية في جوارك. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ تنزيها لك عن جميع المعايب، والنقائص، و (سبحان): اسم مصدر. وقيل: مصدر، مثل: غفران. وليس بشيء؛ لأن الفعل «سبّح» بتشديد الباء، والمصدر تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، مثل: معاذ الله، وقد أجري على التّسبيح، بمعنى التنزيه على الشّذوذ في قول الأعشى: [السريع] قد قلت لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة في قوله تعالى، حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقد نزّه الله ذاته في كثير من الآيات تنزيها يليق بجلاله، وعظمته. وجملة القول فيه: هو اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكّن؛ لأنّه لا يجري بوجوه الإعراب، من رفع، وجرّ، ولا تدخل عليه الألف، واللام، ولم يجئ من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء، ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين: الألف والنون، ومعناه: التنزيه، والبراءة لله- -من كلّ نقص، فهو ذكر لله تعالى، لا يصلح لغيره، والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر له فعل من لفظه، وذلك مثل: قعد القرفصاء، فالتقدير عنده: أنزّه الله تنزيها، فوقع: «سبحان الله» مكان: «تنزيها لله». وانظر الإعراب. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح، وفيه أوجه: الأول: في محل جر بدلا من: (أولي الألباب) أو صفة. الثاني: في محل نصب بفعل محذوف، التقدير: أمدح، أو أعني. الثالث: في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، وعليه؛ فالجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿يَذْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿قِياماً:﴾ حال من واو الجماعة، وهو مصدر بمعنى: قائمين. ﴿وَقُعُوداً:﴾ معطوف عليه، وهو بمعنى: قاعدين. ﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أيضا، معطوف على ما قبله، التقدير: ومضطجعين على جنوبهم. والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ معطوفة على جملة الصّلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿فِي خَلْقِ:﴾ متعلقان به، و ﴿خَلْقِ:﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، وانظر الآية السّابقة.

стр. 1045

﴿رَبَّنا:﴾ منادى، حذف منه أداة النداء، ونا في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿خَلَقْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه، لا محلّ له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿باطِلاً:﴾ حال من اسم الإشارة، وهي حال لازمة لا يستغنى عنها؛ إذ لو حذفت؛ للزم نفي الخلق، وهو لا يصحّ. انظر الحال، وأنواعها في الآية رقم [٨٨]. أو هو مفعول لأجله، أي: للباطل. أو هو منصوب بنزع الخافض. انتهى جمل نقلا عن كرخي. وقيل: هو صفة مصدر محذوف، التقدير: ما خلقت هذا خلقا باطلا. وقيل: هو على المفعول الثاني، ويكون (خلق) بمعنى: «جعل» والكلام في محلّ نصب لقول محذوف، يقع حالا، التقدير: قائلين: ربنا ما خلقت... إلخ، والحال من واو الجماعة. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، كما رأيت في الشرح، والكاف في محل جرّ بالإضافة، من إضافة المصدر أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه، ومن فعله مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَقِنا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. (قنا): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. و: (نا) مفعول به أول، وانظر شرح هذا الفعل في الآية رقم [١٦]. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿فَقِنا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم، التقدير: فإذا نزهناك، وعظمناك؛ فقنا... إلخ. ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢)﴾ الشرح: ﴿رَبَّنا:﴾ انظر الآية رقم [٨]. ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ أي: أذللته، وأهنته. وقال المفضل: أهلكته، وأنشد قول الشّاعر: [الكامل] أخزى الإله مع الصّليب عبيده... اللابسين قلانس الرّهبان والإخزاء هو: الإذلال، قال ذو الإصبع العدواني، وهو الشاهد رقم [٢٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب... عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني ومنه قول حسّان بن ثابت-﵁، يخاطب به من شجّ وجه النبيّ ﷺ في غزوة أحد: [الطويل] فأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك... ولقّاك قبل الموت إحدى الصّواعق

стр. 1046

مددت يمينا للنّبيّ تعمّدا... ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق وهو على هذا من الرّباعي، كما في الآية الّتي بين أيدينا. وهو من الثلاثي: خزي، يخزى، خزاية، بمعنى: استحيا، وخجل. قال نهشل بن حريّ الدّارميّ من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا، وكان قد قتل مع الإمام علي-﵁-بصفّين: [الطويل] أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه وهذا هو الشاهد رقم [٣٢٤]: من كتابنا المذكور، وقال ذو الرمة: [البسيط] خزاية أدركته بعد جولته... من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب ويفهم من الآية الكريمة: أنّ العذاب الرّوحاني أفظع من العذاب الجسماني؛ لأنّ الإخزاء هو الذلّ، كما رأيت، ولا يكون إلا من مؤثّرات الرّوح، لا البدن. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ:﴾ من شفعاء، وأعوان، والظالمون: هم الذين ظلموا أنفسهم بالشّرك، أو بارتكاب الكبائر، وماتوا قبل أن يتوبوا. وقد وضع المظهر موضع المضمر؛ للدّلالة على أنّ ظلمهم تسبب لإدخالهم النار، وانقطاع النّصرة عنهم في الخلاص. والأحاديث الشّريفة تثبت وقوعها لهم. ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل نصب مفعول به مقدّم، وعلى الأوّل؛ فالمفعول الأول لفعل الشرط محذوف، التقدير: تدخله. ﴿تُدْخِلِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿النّارَ:﴾ يقال في هذا ما رأيته في مفعول: ﴿تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ في الآية رقم [١٤٢]. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَخْزَيْتَهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد. هذا؛ وخبر المبتدأ الذي هو: ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، و ﴿مَنْ﴾ ومدخولها على الوجهين المعتبرين فيها في محل رفع خبر: (إنّ) والكلام كلّه في محل نصب مقول القول لقول محذوف واقع حالا، كما رأيت في الآية السابقة، وهو أولى من اعتباره كلاما مستأنفا. ﴿وَما:﴾ حرف استئناف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَنْصارٍ:﴾ مبتدأ مؤخّر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وهناك من يجيز اعتبار أنصار فاعلا بالجار والمجرور قبله، لاعتماده على النّفي، ولم يذكر المتعلّق، فهما متعلقان بفعل

стр. 1047

محذوف، تقديره: وما يوجد للظالمين أنصار. هذا؛ وإن اعتبرت (﴿ما﴾): نافية حجازية تعمل عمل ليس؛ فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبرها مقدّما، و ﴿أَنْصارٍ﴾ اسمها مؤخرا، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية، وهي في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو فقط، أو هي مستأنفة، أو معترضة اعتراضا تذييليّا في آخر الكلام، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣)﴾ الشرح: ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ:﴾ قال ابن عباس-﵄-وأكثر المفسّرين: المنادي هو محمد ﷺ . ويدلّ على صحة هذا القول قوله تعالى في آخر سورة (النّحل): ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ..﴾. إلخ. وقوله جلّ شأنه في سورة (الأحزاب): ﴿وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ..﴾. إلخ، وقال محمّد بن كعب القرظي-﵁: المنادي هو القرآن؛ إذ ليس كلّ أحد لقي النبيّ ﷺ . ووجه هذا القول: أنّ كل واحد يسمع القرآن، ويفهمه، فإذا وفقه الله تعالى للإيمان به؛ فقد فاز به، وذلك؛ لأنّ القرآن مشتمل على الرّشد، والهدى، وأنواع الدلائل الدّالة على الوحدانية، فصار كالدّاعي إليها. ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا:﴾ فصدقنا. ﴿رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا:﴾ كبائر ذنوبنا. ﴿وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ أي: صغائر ذنوبنا. هذا؛ وجمع بين غفران الذنوب، وبين تكفير السّيئات؛ لأنّ غفران الذنوب بمجرّد الفضل، وتكفير السّيئات بمحوها بالحسنات. أو الأوّل في الكبائر، والثّاني في الصغائر، فلا تكرار، فلا يرد السّؤال: كيف ذكر الثاني مع أنّه معلوم من الأول؟ ﴿وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ﴾ أي: اقبض أرواحنا في جملة الأبرار، أي: اجعلنا منهم، أو محشورين معهم، والأبرار واحدهم: برّ وبارّ، وهو من يفعل أفعال البرّ، أي: الخير، والمراد بهم الأنبياء، والصدّيقون، والصّالحون. وفيه تنبيه على أنّهم يحبّون لقاء الله، ومن أحبّ لقاء الله؛ أحبّ الله لقاءه. الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ مثل سابقه. ﴿إِنَّنا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): في محل نصب اسمها. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُنادِياً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). والكلام كله في محل نصب مقول القول لقول محذوف، كما رأيت في الآيتين السابقتين. ﴿يُنادِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿مُنادِياً﴾. ﴿لِلْإِيمانِ:﴾ متعلقا بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿مُنادِياً﴾ أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿مُنادِياً﴾. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فأيّة فائدة في الجمع بين (المنادي) و (ينادي) قلت: ذكر النّداء مطلقا، ثمّ مقيّدا بالإيمان. تفخيما لشأن

стр. 1048

المنادي؛ لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان. ونحوه: قولك: مررت بهاد يهدي للإسلام، وذلك: أنّ المنادي إذا أطلق؛ ذهب الوهم إلى مناد للحرب، وغير ذلك انتهى. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير؛ لأنّها سبقت بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وبعضهم يعتبرها مصدرية. ﴿آمِنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِرَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جرّ بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية مفسّرة لا محل لها، وعلى اعتبار: (﴿أَنْ﴾) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محلّ جرّ بحرف جرّ محذوف، التقدير: بأن آمنوا، أي: بالإيمان، والجارّ، والمجرور متعلّقان بما قبلهما، والأول أقوى معنى، وأتمّ سبكا. ﴿فَآمَنّا:﴾ الفاء: حرف عطف. (آمنا): فعل، وفاعل. والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿سَمِعْنا..﴾. إلخ. ﴿رَبَّنا:﴾ توكيد لما قبلها. ﴿فَاغْفِرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اغفر): فعل دعاء، والفاعل تقديره: أنت. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿ذُنُوبَنا:﴾ مفعول به، و (نا) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الإيمان حاصلا منّا؛ فاغفر... إلخ، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿عَنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِنا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَتَوَفَّنا:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو «الألف» والفاعل مستتر تقديره: أنت، و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من (نا) التقدير: توفنا أبرارا مع الأبرار. و ﴿مَعَ:﴾ مضاف، و ﴿الْأَبْرارِ:﴾ مضاف، ومثل الآية الكريمة قول النابغة في حذف متعلّق الظرف: [الوافر] كأنّك من جمال بني أقيش... يقعقع خلف رجليه بشنّ أي: كأنّك جمل من جمال بني أقيش. انتهى مكي. ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤)﴾ الشرح: ﴿رَبَّنا وَآتِنا:﴾ أعطنا، وامنحنا. ﴿ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ أي: على ألسنة رسلك من الفضل، والرّحمة، والعزّة، والنّصر، والتأييد، والمعونة، ودخول الجنّة للمطيعين. وهذا السؤال ليس من خوف الخلف في حقّه تعالى، بل هو مخافة ألا يعمل الموعودون بما أمر الله به من قصور في الامتثال، أو مخافة من سوء العاقبة، والعياذ بالله!. ﴿وَلا تُخْزِنا﴾ أي: لا تعذبنا،

стр. 1049

ولا تفضحنا، ولا تهنّا، ولا تمقتنا يوم القيامة. ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ أي: بإثابة المؤمن المطيع، وإجابة الدّاعي، وتحقيق النصر، وتوفير العزّة، والكرامة للمؤمنين. وفيه: أنّهم دعوا بهذا الدّعاء على جهة العبادة، والخضوع، والتوكيد لما تقدّم، كقوله تعالى في آخر سورة (الأنبياء): ﴿قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ ومعلوم: أنه سبحان لا يقضي، ولا يحكم إلا بالحقّ. هذا وانظر الوعد في الآية رقم [٥١]: من سورة (البقرة) فإنّه جيد، والحمد لله! الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ تقدم إعرابها. (﴿آتِنا﴾): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت، و (نا) مفعول به أوّل. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنيّة على السّكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿وَعَدْتَنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: آتنا الذي، أو: شيئا وعدتناه. ﴿عَلى رُسُلِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال؛ أي: منزلا، أو محمولا على لسان رسلك، والكاف في محل جرّ بالإضافة، وجملة: ﴿وَآتِنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (اغفر...) إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿وَلا تُخْزِنا:﴾ الواو: حرف عطف. لا ناهية جازمة. تخزنا: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة... إلخ، والفاعل تقديره: أنت، و (نا) مفعول به. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمه، والجملة الفعلية: ﴿لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للدّعاء لا محلّ لها، وجملة الكلام في محل نصب مقول القول. ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥)﴾ الشرح: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ:﴾ أي: فأجاب الله دعاءهم، وأعطاهم سؤلهم. ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: لا أحبط، ولا أبطل عملكم أيها المؤمنون، بل أثيبكم عليه. ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ أي: لا أضيع عمل عامل منكم ذكرا كان، أو أنثى. فعن أمّ سلمة-﵂ قالت: قلت يا رسول الله! ما أسمع الله تعالى ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله تعالى: ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ..﴾. إلخ. أخرجه الترمذيّ، وغيره. ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ يعني: في

стр. 1050

الدّين، والنصرة، والمولاة، والأحكام، والطاعة لله، وفي العقاب أيضا على الإساءة. وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ طباق وهو من المحسّنات البديعية. ﴿فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا..﴾. إلخ: يعني: المهاجرين الذين هجروا أوطانهم، وأهليهم، وآذاهم المشركون بسبب إسلامهم، ومتابعتهم للرّسول ﷺ . ومعنى ﴿فِي سَبِيلِي:﴾ في طاعتي ودينين وابتغاء مرضاتي، وهم المهاجرين؛ الذين أخرجهم المشركون من مكّة، فهاجروا إلى الحبشة، ثمّ إلى المدينة. ﴿وَقُتِلُوا﴾ أي: أعداء الله. ﴿وَقُتِلُوا﴾ أي: استشهدوا في سبيل الله، وجهاد الكفار. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ:﴾ لأمحونّ عنهم ذنوبهم، ولأغفرنّها لهم. ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ يعني: الذي أعطاهم الله إيّاه من تكفير سيئاتهم، وإدخالهم الجنة، ذلك ثواب، وجزاء من فضل الله، وإحسانه إليهم. ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ:﴾ هذا تأكيد لكون الثواب الذي أعطاهم من فضله وكرمه. وأضافه إليه، ونسبه سبحانه إليه؛ ليدلّ على أنّه عظيم؛ لأنّ العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلا كثيرا، كما قال الشاعر: [الخفيف] إن يعذّب يكن غراما وإن يع... ط جزيلا فإنّه لا يبالي فقد روى ابن جرير الطّبري بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أوّل ثلّة تدخل الجنّة فقراء المهاجرين، الّذين يتّقى بهم المكاره، إذا أمروا؛ سمعوا، وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان؛ لم تقض له حتّى يموت، وحاجته في صدره، فإنّ الله يدعو الجنّة يوم القيامة، فتأتي بزخرفها، وزينتها، فيقول: أين عبادي الّذين قاتلوا في سبيلي، وقتلوا، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي، أدخلوا الجنّة! فيدخلونها بغير حساب، ولا عذاب، فتأتي الملائكة، فيسجدون، ويقولون: ربّنا نحن نسبّح لك اللّيل، والنّهار، ونقدّس لك، من هؤلاء الّذين آثرتهم علينا، فيقول الرّبّ : هؤلاء عبادي الّذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي! فتدخل عليهم الملائكة من كلّ باب، يقولون لهم: سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدّار». انتهى خازن. الإعراب: ﴿فَاسْتَجابَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (استجاب): فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. أنّي: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أُضِيعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنا. ﴿عَمَلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿عَمَلَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عَمَلَ﴾. ﴿مِنْ ذَكَرٍ:﴾ بدل من قوله. ﴿مِنْكُمْ﴾ وهو بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف

стр. 1051

صفة ثانية ل: ﴿عَمَلَ﴾ كما يجوز أن يكونا متعلّقين بمحذوف حال من الضمير المستتر في: ﴿مِنْكُمْ﴾ التقدير: استقرّ منكم كائنا من ذكر. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أُنْثى:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جرّه كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر، وأنّ، واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محلّ جرّ بحرف جرّ محذوف، التقدير: بأنّي، أي: بكوني. والجار والمجرور متعلقان بالفعل استجاب، هذا وقرئ بكسر الهمزة على تضمين استجاب معنى القول، فتكون الجملة الاسمية، في محلّ نصب مفعول به. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْضٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية معترضة. وقيل: هي مستأنفة جيء بها لتبيين شركة النساء مع الرّجال في الثواب الذي وعد الله به عباده العاملين، وجوّز أبو البقاء اعتبارها حالا، أو صفة. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿هاجَرُوا﴾ صلته، والجمل بعدها كلّها معطوفة عليها، وأفعالها مبنيّة على الضمّ مع ملاحظة المبني للمعلوم، والمبني للمجهول منها، والواو فاعل، أو نائب فاعل. ﴿فِي سَبِيلِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: وعزتي، وجلالي! (أكفرن) فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنا، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب للقسم المحذوف. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِهِمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، ووقوع الجملة القسمية خبرا للمبتدإ قاله ابن مالك، ومنعه ثعلب، ومثله قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٧٢]: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ومثل ذلك قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٧٥٦]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل] جشأت فقلت اللّذ خشيت ليأتين... وإذا أتاك فلات حين مناص وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] من سورة (العنكبوت) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان، ويقال فيه أيضا ما رأيته في مفعول قوله تعالى: ﴿تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ في الآية رقم [١٤٢]، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة، وجملة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ في محل جرّ صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿ثَواباً:﴾ مفعول مطلق مؤكّد لقوله: (﴿لَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾) لأنّ المعنى: لأثيبنهم ثوابا. وهذا عند البصريين. وقال الكسائي: انتصب على القطع، أي: عامله محذوف من لفظه. وقال الفراء:

стр. 1052

على التفسير؛ أي: هو تمييز. ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿ثَواباً﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حُسْنُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول. هذا وإن اعتبرت الظرف متعلقا بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿حُسْنُ﴾ فاعلا بمتعلقه فهو جيد لا غبار عليه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة اللفظ الكريم، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ لا محل لها. و ﴿حُسْنُ﴾ مضاف، و ﴿الثَّوابِ﴾ مضاف إليه من إضافة الصّفة للموصوف؛ إذ الأصل: الثواب الحسن. ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦)﴾ الشرح: روي: أنّ بعض المسلمين كانوا يرون المشركين في رخاء، ولين عيش، فيقولون: أعداء الله فيما نرى من الخير، والنّعمة، والرّفاهية؛ ونحن نهلك من الجوع، والجهد! فنزلت الآية الكريمة، ومثلها قوله تعالى في سورة (غافر): ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ وقال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٧٠) والخطاب في الآية الكريمة لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ والمراد أمته، كيف لا؟ وقد قال له في سورة (الحجر) وسورة (طه): ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ..﴾. إلخ، والمعنى: لا يغرنّك أيّها السامع، ولا تنظر إلى ما عليه الكفرة من السّعة، ولا تغترر بظاهر ما ترى من تبسّطهم في مكاسبهم، ومتاجرهم، ومزارعهم... إلخ. الإعراب: ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿يَغُرَّنَّكَ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له في محل جزم ب ﴿لا﴾ الناهية، والكاف مفعول به. ﴿تَقَلُّبُ﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿فِي الْبِلادِ:﴾ متعلقان بالمصدر: ﴿تَقَلُّبُ﴾. ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧)﴾ الشرح: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٨٥] وسمّاه الله: قليلا؛ لأنّه فان، وكلّ فان قليل؛ وإن كان كثيرا لقصر مدته، أو في جنب ما أعدّ الله للمؤمنين في الآخرة. وفي صحيح الترمذي عن المستورد الفهري-﵁-قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «ما الدّنيا في الآخرة، إلاّ

стр. 1053

كما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع؟». ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. هذا وبيّن الله تعالى في كثير من الآيات: أنّ إعطاء الله الدّنيا للكافرين، إنّما هو إمهال لا إهمال، واستدراج لا إكرام، قال تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧٨]. وعن عمر-﵁-قال: جئت رسول الله ﷺ فإذا هو في مشربة، وإنّه لعلى حصير، ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، وعند رجليه قرظ مصبور، وعند رأسه أهب معلّقة، فرأيت الحصير قد أثر في جنبه، فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ قلت: يا رسول الله! إنّ كسرى، وقيصر فيما هما فيه؛ وأنت يا رسول الله! تنام على حصير قد أثّر في جنبك؟! قال: «أما ترضى أن تكون لهما الدّنيا، ولنا الآخرة». رواه البخاريّ، ومسلم. وفي رواية عن ابن مسعود أطول من هذا؛ وفيه: «ما أنا في الدّنيا إلاّ كراكب استظلّ تحت شجرة، ثمّ راح، وتركها». المشربة: الغرفة. الإعراب: ﴿مَتاعٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف؛ أي: تقلّبهم متاع. ﴿قَلِيلٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، أو هي في محل نصب حال من: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ﴾ والرابط: المبتدأ المقدّر. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿مَأْواهُمْ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله في المعنى ما هو خبر عنه وهو: ﴿جَهَنَّمُ﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ:﴾ تقدم إعرابها كثيرا، والمخصوص بالذمّ محذوف، التقدير: هي جهنم. ﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨)﴾ الشرح: ﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ:﴾ فيما أمرهم به من العمل بطاعته، واتّباع مرضاته، واجتناب ما نهاهم عنه من معاصيه. هذا؛ ويقرأ بتشديد نون (﴿لكِنِ﴾). ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها:﴾ تقدّم شرح هذه الكلمات كثيرا. ﴿نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ النّزل: ما يعدّ للنازل، أي: للضيف من طعام، وشراب، وإكرام. قال أبو الشعراء الضبّي، وهو على سبيل الاستعارة التهكميّة: [الطويل] وكنّا إذا الجبّار بالجيش ضافنا... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا هذا؛ وذكر أبو البقاء رحمه الله تعالى: أنه يجوز أن يكون جمع: نازل، كما قال الأعشى في معلقته: [البسيط] إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا... أو تنزلون فإنّا معشر نزل

стр. 1054

هذا؛ ويقرأ («نزل») بضم الزاي وسكونها، مثل: عسر، وحلم... إلخ قال عيسى بن عمر -رحمه الله تعالى-: كل اسم على ثلاثة أحرف يجوز ضمّ ثانيه، وسكونه. الإعراب: ﴿لكِنِ:﴾ حرف استدراك مهمل لا عمل له على تخفيفه، وحرف مشبّه بالفعل على تشديده. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، أو هو في محل نصب اسم: (لكنّ) على تشديده. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف لتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جَنّاتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر: ﴿الَّذِينَ﴾ و ﴿جَنّاتٌ﴾ فاعل بمتعلقه؛ فالتقدير: يوجد لهم جنات، وجملة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:﴾ في محل رفع صفة: ﴿جَنّاتٌ،﴾ وأجاز مكي اعتبارها في محل نصب حال من متعلّق: ﴿لَهُمْ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة وقال مكي: حال من الضمير المخفوض في: ﴿لَهُمْ﴾ وهي حال مقدّرة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر تقديره: هم. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿نُزُلاً:﴾ مفعول مطلق مؤكد، فعله محذوف، التقدير: يقال لهم: انزلوها نزلا. وقيل: حال. وقيل: تمييز. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان ب: ﴿نُزُلاً﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿عِنْدِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿لكِنِ الَّذِينَ﴾ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عِنْدِ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿عِنْدِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم للتفخيم، والتعظيم. ﴿لِلْأَبْرارِ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩)﴾ الشرح: قال ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك-﵃: نزلت في النّجاشي ملك الحبشة، واسمه: أصحمة، ومعناه في العربية: عطية، وذلك: أنّه لمّا مات؛ نعاه جبريل-﵇-لرسول الله ﷺ في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «اخرجوا، فصلّوا على أخ لكم، مات بغير أرضكم النّجاشيّ». فخرج إلى البقيع، وكشف له إلى

стр. 1055

أرض الحبشة، فأبصر سرير النجاشي، فصلى عليه، وكبّر أربع تكبيرات، واستغفر له، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلّي على علج حبشيّ نصرانيّ، لم يره قط، وليس على دينه، فأنزل الله تعالى الآية الكريمة. وبهذا استدلّ الشّافعي-﵁-على صلاة الغائب. وقيل: نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الرّوم كانوا على دين عيسى، ﵇، فآمنوا بالنبيّ ﷺ ، وصدّقوه. وقيل: نزلت في عبد الله بن سلام، وأصحابه. وقيل: نزلت في جميع مؤمني أهل الكتاب. وهذا القول أولى؛ لأنه لمّا ذكر أحوال الكفار، وأحوال أهل الكتاب، وأنّ مصيرهم إلى النار؛ ذكر حال من آمن من أهل الكتاب، وأنّ مصيرهم إلى الجنّة. ﴿خاشِعِينَ لِلّهِ﴾ يعني: خاضعين لله، متواضعين له غير مستكبرين. وانظر الخشوع في الصّلاة في أول سورة (المؤمنون) فإنّه جيد، والحمد لله! ﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ يعني: لا يغيّرون كتبهم، ولا يحرّفونها، ولا يكتمون صفة محمد ﷺ لأجل الرئاسة، والمآكل، والرّشا، كما يفعله غيرهم من علماء اليهود، وسمّاه الله: قليلا؛ لأنه لا بقاء له، ولا قيمة له بجانب نعيم الآخرة الدّائم. ﴿أُولئِكَ:﴾ إشارة إلى من هذه صفته من أهل الكتاب. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ:﴾ لهم ثواب أعمالهم؛ التي عملوها لله في الدنيا، مدخر لهم عند الله، يوفّيهم إيّاه يوم القيامة. والعنديّة عنديّة تكريم، وتشريف، لا عندية مكان. إن الله سريع الحساب: انظر الآية رقم [١٩] وخذ ما يلي: فعن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيّه، وآمن بمحمد ﷺ ، والعبد المملوك إذا أدّى حقّ الله، وحقّ مواليه، ورجل كانت عنده أمة يطؤها، فأدّبها، فأحسن تأديبها، وعلّمها، فأحسن تعليمها، ثمّ أعتقها، وتزوّجها، فله أجران». متفق عليه. الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿مِنْ أَهْلِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (﴿إِنَّ﴾) تقدّم على اسمها. و ﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَمَنْ:﴾ اللام: لام الابتداء. (﴿مِنْ﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (﴿إِنَّ﴾) مؤخر، وانظر الآية رقم [١١٠]: وقس هذه عليها. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: هو. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة: (﴿مِنْ﴾) لا محل لها، والجملة الاسمية: (﴿إِنَّ مِنْ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محل لها. (﴿ما﴾): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر معطوفة على لفظ الجلالة. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿خاشِعِينَ:﴾ حال من فاعل: ﴿يُؤْمِنُ﴾ المستتر، وجمعه باعتبار المعنى، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان
следующие страницы →