← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر إلاّ النّؤي والوتد وعفو المال: ما يفضل عن الحاجة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢١٩]: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ والعافي: طالب المعروف، والإحسان، قال عروة بن الورد العبسي المعروف بعروة الصّعاليك: [الطويل] وإنّي امرؤ عافي إنائي شركة... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد وجمع العافي: عفاة، قال الأعشى في مدح ممدوحه: [المتقارب] تطوف العفاة بأبوابه... كطوف النّصارى ببيت الوثن الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ﴾. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: الذين تولوا كائنين منكم. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿اِلْتَقَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿الْجَمْعانِ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿اِسْتَزَلَّهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (﴿إِنَّ﴾) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها. ﴿بِبَعْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بإضافة: (بعض) إليها. ﴿كَسَبُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ببعض الذي، أو: شيء كسبوه، وعلى اعتبار (﴿ما﴾) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بإضافة: (بعض) إليه، التقدير: ببعض كسبهم. ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بالله. (اللام): واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَفَا اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية جواب القسم لا محلّ لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢٣]. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿غَفُورٌ حَلِيمٌ:﴾ خبران لها، والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليلية، لا محل لها.

стр. 982

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)﴾ الشرح ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية [١٣٠]. ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: المنافقين عبد الله بن أبيّ، وأصحابه. وأطلق الله عليهم لفظ: الكفر؛ لأنهم أخبث من الكفار في كلّ زمان ومكان، وفي الآخرة يكون عذابهم أشدّ من عذاب الكفار. قال تعالى في سورة (النساء): ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾. ﴿وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ﴾ يعني: إخوانهم في النفاق، والكفر. وقيل: لإخوانهم في النسب، وكانوا مسلمين، فيكون المراد بهم الّذين بعثهم الرسول ﷺ إلى بئر معونة، ويطلق عليهم اسم القراء. ﴿إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: سافروا في الأرض لتجارة، وغيرها. ففيه استعارة تشبيها للمسافر في البر بالسّابح الضارب في البحر؛ لأنه يضرب بأطرافه في غمرة الماء شقّا لها، واستعانة على قطعها. ﴿أَوْ كانُوا غُزًّى﴾ أي: خرجوا غازين في سبيل الله. فهو جمع: غاز، أي: خارج للحرب، والقياس: غزاة؛ لأنه جمع: غاز، وهو اسم منقوص، كقاض، وقضاة، لكنّه جاء على: فعّل حملا على الصّحيح، نحو: شاهد، وشهّد، وغائب، وغيّب، ونائم، ونوّم، وصائم، وصوّم... إلخ. ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا﴾ أي: مقيمين في بلدنا معنا. ﴿ما ماتُوا وَما قُتِلُوا﴾ لأن المنافقين يعتقدون أن الموت، والقتل بسبب السفر في الأرض، أو الخروج إلى الحرب، لا بالأجل. ﴿لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ﴾ أي: ظنهم، وقولهم. ﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ غمّا، وتأسّفا في قلوبهم، والحسرة: شدّة الندم، وتألّم القلب على شيء فات، لا يمكن تداركه، قال الشاعر: [الطويل] فوا حسرتي لم أقض منها لبانتي... ولم أتمتّع بالجوار وبالقرب وقيل: ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم يوم القيامة؛ لما هم فيه من الخزي، والنّدامة، ولما فيه المسلمون من النعيم، والكرامة. هذا؛ وجمعها: حسرات انظر الآية رقم [١٦٧]: من سورة (البقرة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وقد تكلّم الزمخشري في فاعل الحسرة في هذه الآية بما يوافق مذهبه الاعتزالي، ولم يتعرّض له ابن المنير كعادته. ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: إنّ الله هو المؤثر في الحياة، والممات، لا الإقامة، ولا السفر، فإن الله قد يبقي المسافر، والغازي حيّا، ويميت المقيم في بيته، والقاعد في أهله. وهذا واقع ومشاهد. وفيه ردّ لما يعتقده المنافقون، وضعفاء الإيمان. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ فيه تهديد

стр. 983

ووعيد للمؤمنين؛ إن قالوا واعتقدوا اعتقاد الكافرين، والمنافقين، فإنّ الآية الكريمة تنهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم في الاعتقاد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. روي: أنّ خالد بن الوليد-﵁-قال عند موته: ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة رمح، وها أنا ذا أموت على فراشي، كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء! الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [١٣٠]. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿كَالَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُونُوا﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما، فهي الخبر، فهي مبنية على الفتح في محل نصب، وتكون مضافة، و (﴿الَّذِينَ﴾) مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿لا تَكُونُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. (﴿قالُوا﴾): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِإِخْوانِهِمْ﴾ متعلقان ب (﴿قالُوا﴾) والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرّد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلّق بالفعل: (﴿قالُوا﴾). ﴿ضَرَبُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿غُزًّى:﴾ خبر: ﴿كانُوا﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، وجملة: ﴿كانُوا غُزًّى﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ مثل سابقه. ﴿عِنْدَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿كانُوا﴾ و (نا) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿ماتُوا:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية جواب: ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿كَفَرُوا﴾ لا محلّ لها مثلها. ﴿لِيَجْعَلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿حَسْرَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ متعلقان ب ﴿حَسْرَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها، و «أن» المضمرة والفعل: (يجعل) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قالوا، وهذا على أنّ اللام لام العاقبة، وهي متعلّقة بمحذوف؛ إن كانت للتعليل، التقدير: أوقع ذلك في قلوبهم ليجعله. وقيل غير ذلك. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يُحْيِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة، مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع

стр. 984

خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مبينة قدرة الله فيما يريد من الإحياء، والإماتة. والحالية ضعيفة. وجملة: ﴿وَيُمِيتُ:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل قوله تعالى في الآية رقم [١٥٣]: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، فيها ما ذكرته في الشرح. تنبيه: حذف مفعول: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ للعلم بهما من المقام، وقد قال ابن هشام رحمه الله تعالى في المغني: إذا تعلق الإعلام بمجرّد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليه، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنويّ كالثابت، ولا يسمّى محذوفا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعوله له، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٨]: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وقوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٩]: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣١]: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ومثله في سورة (البقرة) رقم [١٨٦]: وأيضا قوله تعالى في سورة (الدهر): ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ..﴾. إلخ. إذ المعنى: ربي الذي يفعل الإحياء، والإماتة، وهل يستوي من يتصف بالعلم، ومن ينتفي عنه العلم، وأوقعوا الأكل، والشرب، وذروا الإسراف، وإذا حصلت منك رؤية هنالك. ومنه على الأصح. قوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٢٣]: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ..﴾. إلخ: ألا ترى: أن موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-إنما رحمهما؛ إذ كانتا على ضفة الذّياد، وقومهما على السّقي، لا لكون مذودهما غنما، ومسقيهم إبلا، وكذلك المقصود من قولهما: ﴿نَسْقِي﴾ السقي، لا المسقي، ومن لم يتأمل، قدّر: يسقون إبلهم، وتذودان غنمهما، ولا نسقي غنمنا. تنبيه: تكرار الماضي المتّصل به واو الجماعة في هذه الآية، والإعراب المتعارف عليه هو ما ذكرته، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة. ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾ الشرح: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: في الجهاد لإعلاء كلمة الله. ﴿أَوْ مُتُّمْ:﴾ أي على فراشكم من غير قتل. ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ﴾ لمن آمن، وعمل صالحا، واهتدى بهدي النبي ﷺ . ﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ..﴾. إلخ يعني: من الغنائم. والمعنى: ولئن وقع فيكم ما تخافونه من القتل في سبيل الله، أو الهلاك بالموت؛ فإنّ ما تنالونه من المغفرة، والرحمة من الله أفضل من الدنيا وحطامها الفاني، ومتاعها الزّائل.

стр. 985

هذا؛ والفعل: ﴿مُتُّمْ﴾ يقرأ بضم الميم، وكسرها، فالأول من باب: نصر، ك: «قلت» و «صنت». والثاني من باب: علم، ك «خفت» و «نمت». وقال المفسرون: من: مات، يمات، كخاف، يخاف، ونام ينام، وهو بعد الإعلال يعود على باب: علم. الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، أي دالة عليه. (إن): حرف شرط جازم. ﴿قُتِلْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فِي سَبِيلِ﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿مُتُّمْ:﴾ فعل وفاعل والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿لَمَغْفِرَةٌ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف. (مغفرة): مبتدأ. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب (مغفرة) أو بمحذوف صفة لها. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوف على (مغفرة) وحذف متعلقه لدلالة ما قبله عليه. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، ﴿يَجْمَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء يجمعونه، وعلى اعتبار (ما) أو مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من جمعهم، والجملة الاسمية: ﴿لَمَغْفِرَةٌ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾ الشرح: المعنى: سواء متم على فراشكم، أو قتلتم في ساحة الحرب؛ فإنّ مرجعكم إلى الله. فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقرّبكم إلى الله. ويوجب لكم رضاه من الجهاد في سبيله، والعمل بطاعته. ولله درّ القائل: [الطويل] فإن تكن الأبدان للموت أنشئت... فقتل امرئ بالسّيف في الله أفضل والموت لا بد منه، ورحم الله من قال: [الطويل] ومن لم يمت بالسّيف مات بغيره... تنوّعت الأسباب والموت واحد الإعراب: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ انظر الآية السابقة. ﴿لَإِلَى:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف. (إلى الله): متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول

стр. 986

مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النّون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، وانظر الآية السابقة. ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ الشرح: ﴿فَبِما:﴾ (ما) زائدة وتسمى في القرآن صلة، وهناك من يقول: إنّها غير زائدة، وهي نكرة موصوفة. وحجّة من يقول هذا تنزيه كلام الله تعالى من الزيادة، وعليه ذهب أبو بكر الزبيدي وغيره، وهذا فيه نظر؛ لأنّ القائلين بكون هذا زائدا لا يعنون أنّه يجوز سقوطه، ولا أنه مهمل، ولا معنى له، بل يقولون: إنّه زائد للتّوكيد، فله أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن. انتهى جمل بتصرف. أقول: زيادة (ما) ظاهرة في قوله تعالى في سورة (النّساء) رقم [١٥٥]: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ..﴾. إلخ، وقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٤٠]: ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ وانظر موجز القول في (ما) وشواهدها في كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: فبسبب رحمة الله: أودعها الله في قلبك يا محمد! كنت هينا لينا مع أصحابك؛ مع أنهم خالفوا أمرك، وعصوك. ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ:﴾ الفظّ: الغليظ الجافي، والأنثى فظّة، والجمع: أفظاظ، قال الشاعر في ممدوحه: [الطويل] ليس بفظّ في الأدانيّ والألى... يؤمّون جدواه ولكنّه سهل وفظّ على أعدائه يحذرونه... فسطوته حتف ونائله جزل وغلظ القلب عبارة عن تجهّم الوجه، وقلّة الانفعال في الرّغائب، وقلّة الإشفاق، والرحمة، ومن ذلك قول الشاعر: [البسيط] يبكى علينا ولا نبكي على أحد... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل ﴿لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ:﴾ لتفرّقوا عنك، ونفروا منك، ومن قول أبي النّجم، يصف إبلا: [الرجز] مستعجلات القيض غير جرد... ينفضّ عنهنّ الحصى بالصّمد والمعنى: ولو كنت سيئ الكلام، والأخلاق، قاسي القلب، والطباع؛ لانفضّوا عنك، وتركوك، ولكن الله حسّن أخلاقك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو ﵁: إنّي أرى صفة رسول الله ﷺ في التوراة: «إنّه ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق ولا يجزي السّيّئة بالسّيّئة، ولكن يعفو، ويصفح».

стр. 987

﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ أي: تجاوز عن زلاّتهم، وما فعلوا يوم أحد من الهزيمة. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: واسأل الله المغفرة لهم؛ حتّى يشفّعك فيهم. وقيل: فاعف ما كان منهم يوم أحد ممّا يختصّ بك، واستغفر لهم فيما يختصّ بحقوق الله، وذلك من إتمام الشفقة عليهم، والرأفة بهم. ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: في أمر الحرب ونحوه، مما لم ينزل عليك فيه وحي، تطييبا لنفوسهم، وترويحا لقلوبهم، ورفعا لأقدارهم، أو لتقتدي بك أمّتك فيها، جاء من قول النبي ﷺ : «ما تشاور قوم قطّ إلاّ هدوا لأرشد أمورهم». ومن قوله ﷺ : «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد». وقال الحسن البصريّ، والضحّاك: ما أمر الله نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلّمهم ما في المشاورة من الفضل، ولتقتدي به أمّته من بعده. ولقد روى البغويّ-رحمه الله تعالى-بسنده عن عائشة-﵂-أنّها قالت: ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرّجال من رسول الله ﷺ استشار أصحابه في كثير من أمور الدنيا، مما لم ينزل عليه فيها وحي، فقد شاورهم حين خرج إلى بدر، واستشارهم في النزول في مكان في بدر، فأشار عليه الحباب بن المنذر بغير المكان الذي أراد النزول فيه، واستشارهم في أسرى بدر، وفي غزوة الخندق، وفي الخروج إلى أحد كما رأيت فيما سبق، وغير ذلك كثير. هذا؛ الاستشارة دعامة تقوم عليها أمور الدنيا، والآخرة، قال عليّ بن أبي طالب ﵁: الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبّر قبل العمل يؤمّنك من الندم. وقال بعض الحكماء: ما استنبط الصّواب بمثل المشاورة. ومن فوائدها: أنه قد يعزم الإنسان على أمر، فيشاور فيه، فيتبين له الصواب في قول غيره، فيعلم بذلك عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح. ومنها: أنه إذا لم ينجح أمره؛ علم: أنّ امتناع النجاح محض قدر، فلم يلم نفسه. وقال بعضهم في مدح المشاورة: [الطويل] وشاور إذا شاورت كلّ مهذّب... لبيب أخي حزم لترشد في الأمر ولا تك ممّن يستبدّ برأيه... وشاورهم في الأمر حتما بلا نكر قال العلماء: وصفة المستشار في الأحكام الدينية: أن يكون عالما ديّنا. وفي أمور الدنيا: أن يكون عاقلا مجرّبا وادّا في المستشير، قال الشاعر: [المتقارب] إذا كنت في حاجة مرسلا... فأرسل حكيما ولا توصه وإن باب أمر عليك التوى... فشاور لبيبا ولا تعصه وأكتفي بما تقدّم هنا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٨]: من سورة (الشورى) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَإِذا عَزَمْتَ﴾ أي: على أمر من الأمور؛ فامض وتوكل على الله، وثق به، ولا تعتمد

стр. 988

إلا عليه، فإنه ولي الإعانة، والعصمة، والتسديد. والمراد: ألا يكون للعبد اعتماد على شيء إلا على الله تعالى في كلّ أموره، وإنّ المشاورة لا تنافي التوكّل. والعزم، والعزيمة: ما عقدت عليه نفسك من أمر أن تفعله، وعزم على الشيء: قدر، وصمّم على فعله، قال الشاعر: [الطويل] إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه... ونكّب عن ذكر العواقب جانبا ولم يستشر في رأيه غير نفسه... ولم يرض إلاّ قائم السّيف صاحبا الإعراب: ﴿فَبِما:﴾ الفاء: حرف استئناف. الباء: حرف جر. (ما): حرف صلة. ﴿رَحْمَةٍ:﴾ اسم مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلّقان ب ﴿رَحْمَةٍ﴾ أو بمحذوف صلة لها. ﴿لِنْتَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فَظًّا:﴾ خبر أول. ﴿غَلِيظَ:﴾ خبر ثان ل (كان)، و ﴿غَلِيظَ﴾ مضاف، و ﴿الْقَلْبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، وجملة: ﴿كُنْتَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لانْفَضُّوا:﴾ اللام واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾). (انفضوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب لو، لا محل لها، و (﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الاعتبارين. ﴿مِنْ حَوْلِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَاعْفُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اعف): فعل أمر مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب شرط يقدّر ب «إذا»، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وحاصلا؛ فاعف عنهم. (﴿اِسْتَغْفِرْ﴾): أمر، وفاعله: أنت. ﴿لَهُمْ﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَشاوِرْهُمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿فِي الْأَمْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبنيّ على السكون في محل نصب. ﴿عَزَمْتَ:﴾ فعل، وفاعل، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَتَوَكَّلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (توكل) فعل أمر، وفاعله: أنت. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية جواب: (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع،

стр. 989

والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليلية، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿الْمُتَوَكِّلِينَ:﴾ مفعول به. ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ الشرح: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ﴾ أي: إن يعنكم الله بنصره، ويمنعكم من عدوّكم، كما فعل يوم بدر؛ ﴿فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ أي: لا أحد من الناس يغلبكم، ويقهركم؛ لأنّ الله تعالى هو المتولي نصركم. ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ:﴾ كما فعل يوم أحد، فلم ينصركم، بل وكلكم إلى أنفسكم لمخالفتكم أمره، وأمر رسوله ﷺ . ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ:﴾ من بعد خذلانه، وهو ترك المعونة. والمعنى: لا أحد ينصركم من بعد الله. وينبغي تعميم الخطاب للمؤمنين إلى يوم القيامة، فالهاء تعود على الله جلّ ذكره. وقيل: بل تعود على الخذلان. ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا على غيره؛ لأنّ الأمر كلّه لله، لا رادّ لقضائه، ولا دافع لحكمه، فيجب أن يتوكل العبد في كل الأمور على الله تعالى، لا على غيره. وقيل: التوكل: أن لا تعصي الله من أجل رزقك، ولا تطلب لنفسك ناصرا غيره، ولا لعملك شاهدا سواه، وخذ ما يلي: عن عمران بن حصين-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يدخل الجنّة من أمّتي سبعون ألفا بغير حساب» قالوا: ومن هم يا رسول الله؟! قال: «هم الّذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربّهم يتوكّلون». فقام عكّاشة بن محصن-﵁، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم! فقال: «أنت منهم». فقام آخر، فقال: يا نبي الله! ادع الله أن يجعلني منهم! فقال: «سبقك بها عكّاشة». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢٢]: فإنّه جيد، والحمد لله! هذا؛ والخذلان: ترك العون. والمخذول: المتروك لا يعبأ به، وخذلت الوحشية: أقامت على ولدها في المرعى، وتركت صواحباتها، فهي خذول، قال طرفة في معلقته رقم [٨]: [الطويل] خذول تراعي ربربا بخميلة... تناول أطراف البرير وترتدي انظر شرحه في كتابنا إعراب المعلّقات؛ فإنّه جيد، والحمد لله. وقال طرفة أيضا: [الكامل] نظرت إليك بعين جارية... خذلت صواحبها على طفل ولا تنس أنّ بين: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ﴾ وبين: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ مقابلة، وهي من المحسّنات البديعية. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَنْصُرْكُمُ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنّها جملة

стр. 990

شرط غير ظرفي. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿غالِبَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، والجملة الشرطية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿ذَا﴾. أو هو بدل منها. هذا؛ وجوز أن يكون: (من ذا) اسما مركبا مبنيّا على السكون في محل رفع مبتدأ، والذي خبره. ﴿يَنْصُرْكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: (من ذا...) إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿وَعَلَى اللهِ..﴾. إلخ: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٢٢]. ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾ الشرح: قال ابن عباس-﵄: نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض القوم: لعلّ رسول الله ﷺ أخذها، فنزلت الآية الكريمة. أخرجه أبو داود، والترمذيّ. وروي عن الضّحاك-رحمه الله تعالى-قال: بعث رسول الله ﷺ طلائع، وجاءت غنائم للنّبيّ ﷺ ، فلم يقسم للطّلائع، فأنزل الله الآية الكريمة. وروي ابن جرير الطّبري عن ابن عباس-﵄-قوله: المعنى: ما كان لنبيّ أن يقسم إلى طائفة من المؤمنين، ويترك طائفة، ويجور في القسم، ولكن يقسم بالعدل، ويأخذ فيه بأمر الله تعالى، ويحكم فيه بما أنزل الله، يقول: ما كان الله ليجعل نبيّا يغلّ من أصحابه، فإذا فعل ذلك؛ استنّوا به. وقال مقاتل، والكلبي: نزلت في غنائم أحد حين ترك الرّماة المركز للغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول النبيّ ﷺ : من أخذ شيئا فهو له، أو ألا تقسم الغنائم، كما لم تقسم يوم بدر، فتركوا المركز، ووقعوا في الغنائم، فقال لهم النبي ﷺ : «ألم أعهد إليكم ألا تتركوا المركز، حتّى يأتيكم أمري؟» قالوا: تركنا بعض إخواننا وقوفا، فقال النبيّ ﷺ : بل ظننتم أنا نغلّ، فلا نقسم. فأنزل الله هذه الآية.

стр. 991

وقال محمد بن كعب القرظيّ، ومحمد بن إسحاق: هذا في شأن الوحي، يقول: وما كان لنبي أن يكتم شيئا من الوحي، رغبة، أو رهبة، أو مداهنة، والغلول: هو الخيانة، وأصله: أخذ الشيء في خفية يقال: غل فلان، يغل بفتح الياء، وضم الغين؛ أي: وما كان لنبي أن يخون؛ لأنّ النبوة والخيانة لا يجتمعان؛ لأن منصب النبوة أعظم المناصب، وأشرفها، وأعلاها، فلا تليق به الخيانة؛ لأنّها في نهاية الدناءة، والخسّة، والجمع بين الضدّين محال. فثبت بذلك: أنّ النبي ﷺ لم يخن أمّته في شيء، لا من الغنائم، ولا من الوحي. وقيل: المراد به: الأمة؛ لأنه قد ثبتت براءة ساحة النبيّ من الغلول، والخيانة، فدلّ ذلك على أنّ المراد بالغلول غيره. انتهى خازن بتصرف. وهذا الذي أعتمده إن شاء الله؛ لأنه قد خوطب النبي ﷺ بأشياء كثيرة، والمراد أمّته، مثل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ..﴾. إلخ، وقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ..﴾. إلخ، وغير ذلك. ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: يأتي به حاملا له على ظهره ورقبته، معذبا بحمله، وثقله، ومرعوبا بصوته، وموبّخا بإظهار خيانته على رءوس الناس، هذه الفضيحة التي يوقعها الله تعالى بالغالّ نظير الفضيحة التي يوقعها الله بالغادر في أن ينصب له لواء عند استه بقدر غدرته. ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ:﴾ تعطى جزاء ما كسبت وافيا غير ناقص، وكان المناسب لما قبله أن يقال: ثم يوفى ما كسب، ولكنّه عمّم الحكم؛ ليدخل تحته كلّ كاسب من الغالّ وغيره، فاتّصل به من حيث المعنى، وهو أثبت، وأبلغ. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ فلا ينقص ثواب محسنهم، ومطيعهم، ولا يزاد في عقاب سيّئهم. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم، فذكر الغلول، فعظّمه، وعظّم أمره، ثم قال: «لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني! فأقول، لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس، له حمحمة، فيقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة، لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس، لها صياح، فيقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك». أخرجه الإمام مسلم، وغيره. حمحمة الفرس: صوته دون الصهيل. الرّقاع: الثياب، جمع رقعة وقيل: هي التي فيها الحقوق، وخفوقها: حركتها، والصّامت: الذهب، والفضّة.

стр. 992

فتبيّن: أن الغلول كبيرة من الكبائر، بدليل الآية الكريمة، والحديث الشريف. ومن الغلول هدايا العمال، وحكمه في الفضيحة في الآخرة حكم الغال، فقد روى أبو داود في سننه، ومسلم في صحيحه عن أبي حميد الساعديّ-﵁: أن النبيّ ﷺ ، استعمل رجلا من الأزد، يقال له: ابن اللّتبيّة على الصّدقة، فجاء، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، فقام النبي ﷺ على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «ما بال العامل نبعثه، فيجيء، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي؟ ألا جلس في بيت أمّه وأبيه، فينظر أيهدى له، أم لا؟! لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة، إن كان بعيرا؛ فله رغاء، أو بقرة؛ فلها خوار، أو شاة تيعر» ثمّ رفع يديه حتّى رأينا عفرتي إبطيه، ثمّ قال: «اللهمّ هل بلّغت. اللهمّ هل بلّغت» وابن اللّتبية اسمه عبد الله صحابيّ، واللّتبية أمه، ومنهم من يفتح اللام. وروى أبو داود عن بريدة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من استعملناه على عمل، فرزقناه رزقا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول». فويل ثمّ ويل، ثم ويل لحكام هذا الزّمن، ولموظفي هذا الزّمن الذين لا يعملون إلا إذا أخذوا الرّشوة جهرا، لا خيفة، وينهبون من مؤسّسات الدّولة ما يستطيعون نهبه، كلّ بحسب وظيفته، ومركزه فيها، وجلالته، وعظمته في جهاز الدّولة، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم! الإعراب: (﴿ما﴾): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِنَبِيٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. (﴿يَغُلَّ﴾): فعل مضارع منصوب بأن، والفاعل يعود إلى النبيّ، والمصدر المؤوّل من الفعل وناصبه في محلّ رفع اسم كان مؤخّر، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَغْلُلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) تقديره هو. ﴿يَأْتِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا، والجملة الفعلية، لا محل لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿غَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ومفعوله ومفعول ما قبله محذوف، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، التقدير: يأت بالذي، أو بشيء غلّه. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تُوَفّى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وقد اكتسب التأنيث

стр. 993

من المضاف إليه، فهو مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء كسبته، وعلى اعتبار (﴿ما﴾) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب المفعول الثاني، التقدير: توفّى كلّ نفس كسبها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿كَسَبَتْ﴾ وجمع الضمير على معنى ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والرابط: الواو، والضمير، والجملة الفعلية: ﴿تُوَفّى..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الشرطية قبلها، لا محل لها مثلها. تنبيه: ذكرت لك: أن ﴿كُلُّ﴾ اكتسب التأنيث من إضافته لنفس، واكتساب المضاف من المضاف إليه التذكير أو التأنيث باب من أبواب النّحو معروف، انظره في كتابنا: «فتح القريب المجيب». ومن أمثلته قول المجنون-وهو الشاهد رقم [٩٠٣] منه-: [الوافر] أمرّ على الدّيار ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا وما حبّ الدّيار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الدّيارا ﴿أَفَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)﴾ الشرح: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ﴾ أي: ترك الغلول، وصبر على الجهاد، وامتثل أمر الله فيما أمر، وانتهى عمّا نهى عنه، وزجر، واهتدى بهدي سيد البشر ﷺ . ﴿كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ﴾ أي: رجع بغضب من الله بأن غلّ، أو تولّى من الميدان في ساحة الطّعن، والطّعان، ثمّ ارتكب المحرّمات، وفعل المنهيات. والمعنى لا يستوي الأول، والثاني في الحكم عند الله، فالفرق بعيد بينهما، كما بين المشرق، والمغرب، أو بين السماء، والأرض، ولهذه الآية نظائرها في سورة (الرّعد) رقم [٢١] وسورة (السّجدة) رقم [١٨] وغير ذلك. ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ:﴾ مآله، ومصيره، ومقرّه. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المذموم هو. هذا؛ والهمزة في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ﴾ للإنكار، وهي في نية التّأخير عن الفاء؛ لأنها حرف عطف، وكذا تقدّم على الواو، وثم تنبيها على أصالتها في التّصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ﴾

стр. 994

بِهِ. وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف في ذلك جماعة، أوّلهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدّمة في محلّها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدّرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً،﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ:﴾ أمكثوا، فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم، فنضرب عنكم؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات، أو قتل... إلخ، ويضعف ما في قولهم من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى مغني بتصرف. وانظر الآية رقم [١٦٥] الآتية. الإعراب: ﴿أَفَمَنِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف. (من): تحتمل الموصولة، والموصوفة-أي: شخص، أو: إنسان-مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِتَّبَعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: هو. ﴿رِضْوانَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿كَمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و (من) تحتمل الموصولة والموصوفة أيضا. ﴿باءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من). والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع الفاعل إليها أيضا. ﴿بِسَخَطٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب (سخط) لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: يستوي الأمران، أو: الشخصان... إلخ، والمعتمد الأوّل. ﴿وَمَأْواهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿مَأْواهُ﴾): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الألف للتعذّر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وفي المعنى فاعله جهنّم، التي هي خبره في الظّاهر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿باءَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَبِئْسَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿بِئْسَ﴾): فعل ماض جامد لإنشاء الذّم، ﴿الْمَصِيرُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: هي جهنم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، ولا يجوز عطفها على ما قبلها؛ لأنها إنشائية، والإنشاء لا يكون حالا. ﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ الشرح: أي: هم درجات متفاوتة، ومختلفو المنازل عند الله، فلمن اتّبع رضوانه الكرامة، والثواب العظيم، ولمن باء بسخط منه المهانة، والعذاب الأليم، بل هم على درجات، أو في درجات على حسب أعمالهم، فالأعمال الصّالحة ليست بدرجة واحدة، من النّفع، والحسن،

стр. 995

والأعمال السّيّئة ليست بدرجة واحدة من الضرّ، والقبح. هذا والغالب استعمال الدّرجات في العرف لأهل الثواب، واستعمال الدّركات لأهل النّار، والعقاب. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿هُمْ دَرَجاتٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿عِنْدَ﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة: ﴿دَرَجاتٌ﴾. و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ..﴾. إلخ: انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٥٣]. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ الشرح: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ أحسن إليهم، وتفضل عليهم، والمنّة: النعمة العظيمة، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا من الله؛ لأنه المالك للنّعمة حقيقة، وغيره من المخلوقين لا يملكها حقيقة، وإنّما هي وكالة يقوم بها إن أحسن الوكالة. ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني: من جنسهم عربيّا مثلهم، ولد ببلدهم، ونشأ بينهم، يعرفون نسبه، وليس حيّ من أحياء العرب، إلا له فيهم نسب، إلا بني تغلب، فإنهم كانوا نصارى، وقد ثبتوا على النصرانية، فطهّر الله رسوله ﷺ من أن يكون له فيهم نسب، وقرئ شاذّا: («من أنفسهم») بفتح الفاء. يعني: من أشرفهم؛ لأنه من بني هاشم، وبنو هاشم أفضل من قريش، وقريش أفضل من سائر العرب، والعرب أفضل من غيرهم. وقيل: أراد بالمؤمنين: جميع المؤمنين، ومعنى: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ:﴾ أنه واحد منهم، وبشر مثلهم، وإنما امتاز عنهم بالوحي، والرّسالة. وهو معنى قوله تعالى في آخر سورة (التوبة): ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ..﴾. إلخ وقوله تعالى في سورة (الجمعة): ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ..﴾. إلخ. وخص المؤمنين بالمنّة، والذكر؛ لأنهم المنتفعون به، والمهتدون بهديه، فالمنة عليهم أعظم. ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ:﴾ يقرأ عليهم كتابه الذي أنزل عليه بعد أن كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي السّماوي. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ:﴾ ويطهّرهم من دنس الكفر، ونجاسة المحرمات، والخبائث، وسوء الأخلاق، والطّباع. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ﴾ أي: القرآن، وهو آيات الله المذكورة، فعلى هذا؛ فهو بالنسبة لما قبله من اختلاف اللفظ، واتحاد المعنى. ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ انظر الآية رقم [٤٨]. ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل بعثة محمد ﷺ . ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ لفي جهالة، وحيرة عن الهدى عميا صمّا، لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، فهداهم الله بنبيه ﷺ . هذا؛ و «ضلّ» أكثر ما يستعمل بمعنى: كفر، وأشرك، وهو ضدّ: اهتدى، واستقام. ومصدره: الضّلال كما في هذه الآية، ويأتي ضل بمعنى: غاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ﴾

стр. 996

عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ويأتي بمعنى: خفي يخفى، قال تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول موسى لفرعون: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾. وضلّ الشيء: ضاع، وهلك، ومنه قوله تعالى في سورة (الرّعد): ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ،﴾ وضلّ: أخطأ في رأيه، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم له في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ،﴾ وضلّ: تحيّر، وهو أقرب ما يفسّر به قوله تعالى مخاطبا حبيبه ﷺ في سورة (الضّحى): ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾. وأضلّ، يضل غيره من الرّباعي، ومصدره: الإضلال، فهو متعدّ، والثلاثي لازم، ومصدره: الضّلال، وهو الخروج عن جادّة الحقّ، والانحراف عن الصّراط المستقيم. وينبغي أن تعلم أنّ طريق الهدى واحدة، لا اعوجاج فيها، ولا التواء، قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وأما الضّلال؛ فطرقه كثيرة ومتشعّبة، قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام: ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾. وقال الشاعر الحكيم: [البسيط] الطّرق شتّى وطرق الحقّ واحدة... والسّالكون طريق الحقّ أفراد لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم... فهم على مهل يمشون قصّاد والنّاس في غفلة عمّا يراد بهم... فجلّهم عن سبيل الحقّ رقّاد الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. وقيل: هي لام الابتداء، (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَنَّ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، أو هي ابتدائية لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿إِذْ﴾ حرف تعليل، أو هي ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿مَنَّ﴾. ﴿بَعَثَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها على اعتبار ﴿إِذْ﴾ حرف تعليل، وهي في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها على اعتبارها ظرفية. ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَسُولاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَسُولاً﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل يعود إلى: ﴿رَسُولاً﴾. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿رَسُولاً﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل،

стр. 997

والفاعل يعود إلى: ﴿رَسُولاً﴾ أيضا، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وكذا جملة: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنْ﴾): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان ب ﴿كانُوا﴾ وقد بني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي الفارقة بين «إنّ» العاملة، والمهملة، وهي لازمة عند الإهمال. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] وخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللاّم إذا ما تهمل (في ﴿ضَلالٍ﴾): متعلقان بمحذوف خبر: (كان) وهذا الإعراب على مذهب البصريين، وأما الكوفيون فيقولون: (﴿إِنْ﴾) نافية بمعنى «ما» واللام بمعنى: «إلا» والمعنى: ما كانوا من قبل إلا في ضلال مبين، ويستدلون على ذلك بقول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٤٢٠]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» [البسيط] أمسى أبان ذليلا بعد عزّته... وما أبان لمن أعلاج سودان والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو والضمير. ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ:﴾ أو حين: انظر تقدّم الهمزة على الواو في الآية [١٦٢]: وقدمت عليها، كما تقدّمت على الفاء في قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ وغيرها كثير، وكما دخلت على (ثم) في قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾. هذا قول سيبويه، وقال الأخفش: زائدة، ومذهب الكسائي: أنها «أو» تحركت الواو منها تسهيلا، وتقرأ («أو») ساكنة الواو، فتجيء بمعنى «بل». وقال ابن عطية: وهذا تكلّف، والصحيح قول سيبويه. ﴿أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يعني: ما أصابهم يوم أحد. ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها:﴾ يوم بدر بأن قتلتم منهم سبعين، وأسرتم سبعين، والأسير في حكم المقتول؛ لأنّ الآسر يستطيع قتل أسيره؛ إن أراد. أو المعنى: فهزمتموهم يوم بدر، ويوم أحد أيضا في الابتداء، وقتلتم فيه منهم قريبا من عشرين، فنلتم منهم في يومين، ونالوا منكم في يوم واحد. ﴿قُلْتُمْ أَنّى هذا﴾ أي: من أين أصابنا هذا الانهزام، والقتل؛ ونحن نقاتل في سبيل الله، ونحن مسلمون، وفينا رسول الله ﷺ والوحي؟! ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: إنما وقعتم فيما

стр. 998

وقعتم فيه بشؤم ذنوبكم، وهو مخالفتكم أمر الرسول ﷺ في أمرين: أولهما: أنه ﷺ اختار الإقامة في المدينة على الخروج إلى العدوّ في أحد، واختاروا هم الخروج. والأمر الثاني: مخالفة الرّماة أمر الرسول ﷺ الذين أقامهم على الجبل، وخذ ما يلي: روى عبيدة السلماني-رحمه الله تعالى-عن عليّ-﵁-قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ ، فقال: إنّ الله كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى يوم بدر، وقد أمرك أن تخيّرهم بين أن يضربوا أعناق الأسارى، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدّتهم. فذكر ذلك رسول الله ﷺ للنّاس، فقالوا: يا رسول الله! عشائرنا، وإخواننا. بل نأخذ منهم فداء، فنقوى به على قتال عدوّنا، ويستشهد منّا عدّتهم، فقتل منهم يوم أحد سبعون عدد أسارى بدر. لم يسنده البغوي، وأسنده ابن جرير الطّبري. انتهى خازن، وقرطبي. وفي النّفس من هذه الرواية شيء. الإعراب: ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير، وتوبيخ. الواو: حرف عطف، أو استئناف. (﴿لَمّا﴾): انظر الآية رقم [٣٦]. ﴿أَصابَتْكُمْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به. ﴿مُصِيبَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية ابتدائية، لا محلّ لها على القول بحرفية (﴿لَمّا﴾)، وهي في محل جر بإضافة: (﴿لَمّا﴾) إليها على القول بظرفيتها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَصَبْتُمْ:﴾ فعل وفاعل. ﴿مِثْلَيْها:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و (ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿مُصِيبَةٌ﴾ أو في محل نصب حال من الكاف الواقعة مفعولا به، والرابط: الضمير فقط. ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع خبر مقدّم، وهذا إذا كان الاستفهام عن الحال، وأما إذا كان بمعنى: «من أين» فيكون مبنيّا على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدّم. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخّر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْتُمْ..﴾. إلخ جواب ل: (ما) لا محل لها و (﴿لَمّا﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. أبو السعود. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿أَنْفُسِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جرّ بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و (﴿كُلِّ﴾) مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي مفيدة للتعليل، لا محلّ لها على الاعتبارين، وهي من مقول القول على اعتبارها للتعليل.

стр. 999

﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦)﴾ الشرح: ﴿وَما أَصابَكُمْ:﴾ الخطاب للمؤمنين، والذي أصابهم: هو القتل، والجراح، والهزيمة. ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ:﴾ جمع المؤمنين، وجمع المشركين، وذلك ب «أحد» يوم أحد. ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: فبعلمه، وقضائه، وقدره، وحكمه، وحكمته. وفيه تسلية للمؤمنين بما حصل لهم يوم أحد من القتل، والهزيمة، ولا تقع التسلية إلا إذا علموا: أن ذلك كان واقعا بقضاء الله وقدره، فحينئذ يرضون بما قضى الله لهم، وعليهم. وانظر شرح (أصاب) في الآية رقم [١٥٦]: من سورة (البقرة). الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصابَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿ما﴾) وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿اِلْتَقَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر. ﴿الْجَمْعانِ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنّه مثنّى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿فَبِإِذْنِ:﴾ الفاء: صلة لتحسين اللفظ، وساغ ذلك لشبه الموصول بالشرط في العموم، (بإذن): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، و (إذن): مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. هذا؛ واعتبار (﴿ما﴾) شرطية غير مستبعد، وعليه فالفعل أصاب فعل شرطها، وهي مبتدأ، والجملة الاسمية: «فهو بإذن الله» في محل جزم جوابها، وخبرها مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا، والجملة على الاعتبارين اسمية، وهي معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿وَلِيَعْلَمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور معطوفان على معنى: (بإذن الله). عطف سبب على سبب. وقيل: متعلقان بمحذوف، التقدير: وفعل ما أصابكم ليعلم... إلخ. والأول أولى. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنّون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ اِدْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾ الشرح: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ المعنى: ليظهر إيمان المؤمنين بثباتهم على ما نالهم، ويظهر نفاق المنافقين بقلّة صبرهم على ما نزل بهم. فالمراد من العلم: المعلوم، والمراد: ليتبيّن

стр. 1000

المؤمن من المنافق، وليتميّز أحدهما من الآخر، كقوله جلّ ذكره: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ رقم [١٤١]. هذا؛ والنفاق: إظهار الإيمان، وإخفاء الكفر، وسمّي المنافق منافقا، أخذا من: نافقاء اليربوع، وهو جحره الذي يقيم فيه، فإنّه يجعل له بابين، ويدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكافرين بقوله: أنا كافر. وكان المنافقون في عهد الرسول ﷺ ثلاثمائة من الرجال، ومائة من النساء، هذا وقال تعالى في سورة (التوبة): ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ..﴾. إلخ. هذا؛ وقد يتصف مؤمن بصفات المنافقين، فيكذب في القول، ويخلف في الوعد، ويخون في الأمانات، ويفجر في الخصومة، فهذا يقال له: نفاق العمل، وأمّا الأول؛ فيقال له: نفاق العقيدة، وهو أخبث من الكفر، وعقابه أشدّ منه، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤٥]: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾. وقد حذّر الرسول ﷺ من نفاق العمل، والاتصاف به، فإنّه يجرّ إلى نفاق العقيدة. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». رواه البخاريّ، ومسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁: أن النبي ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه؛ كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ، كانت فيه خصلة من النّفاق؛ حتّى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». رواه البخاريّ، ومسلم. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا:﴾ المقول له عبد الله بن أبيّ ابن سلول المنافق، وأصحابه، وذلك: أنّ رسول الله ﷺ لمّا خرج إلى أحد بألف رجل؛ حتى إذا كان بالشّوط بين أحد، والمدينة؛ انخذل عبد الله المنافق بثلث النّاس، وقال: ما ندري علام نقتل أنفسنا؟! فرجع بمن معه من المنافقين، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر-﵁، وهو يقول: يا قوم! أذكّركم الله أن تخذلوا نبيّكم عند حضور عدوّه! تعالوا قاتلوا في سبيل الله-أي: لأجل دين الله وطاعته-أو ادفعوا عن أموالكم، وأهليكم! وقيل: معناه: تعالوا كثّروا سواد المسلمين؛ إن لم تقاتلوا، ليكون ذلك دفعا، وقمعا للعدو، فإنّ السّواد إذا كثر؛ حصل دفع العدو. قال أنس ﵁: رأيت يوم القادسية عبد الله ابن أمّ مكتوم الأعمى، وعليه درع يجرّ أطرافها. وبيده راية سوداء، فقيل له: أليس قد أنزل الله عذرك؟ فقال: بلى، ولكنّي أكثّر سواد المسلمين بنفسي. ومعنى قوله-﵁: إن لم تقاتلوا في سبيل الله، فقاتلوا دفعا عن أنفسكم، وحريمكم. ألا ترى أنّ قزمان بن الحارث العبسي المنافق، قال: والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، وقال فيه رسول الله ﷺ : «إنّ الله ليؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر».

стр. 1001

﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: المنافقون في يوم أحد. ﴿أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ﴾ أي: بينوا حالهم، وهتكوا أستارهم، وكشفوا عن كفرهم، ونفاقهم لمن كان يظنّ: أنهم مؤمنون، فصاروا أقرب إلى الكفر في ظاهر الحال، وإن كانوا كافرين على التّحقيق. ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: يظهرون الإيمان بألسنتهم، ويضمرون الكفر في قلوبهم، وهذه صفة المنافقين، لا صفة المؤمنين. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ أي: يخفون، ويضمرون من الكفر، والنفاق. وانظر شرح: ﴿يَكْتُمُونَ﴾ في الآية رقم [٧١] هذا؛ و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف زمان مضاف لظرف آخر، والتنوين فيه ينوب عن جملة محذوفة، دلت عليها الغاية، فإنّ الأصل: يوم إذ جاءت قريش ورأوها. و (إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوّض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت في: «صه، ومه» عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: «حينئذ، وساعتئذ» ونحو ذلك. ﴿وَلِيَعْلَمَ:﴾ إعرابه مثل إعراب ما قبله، والجار والمجرور الناتجان منه معطوفان على مثلهما، والفاعل مستتر، تقديره: هو يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ أيضا. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿نافَقُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. (﴿قِيلَ﴾): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. وقيل: هما في محل رفع نائب فاعله. وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: هو، يعود إلى مصدر الفعل. ﴿تَعالَوْا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وقيل: في محل رفع نائب فاعل: (﴿قِيلَ﴾)، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ومفعولا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه». وهذا لا غبار عليه. قال ابن هشام-﵀ في المغني-: فليس هذا من باب الإسناد إلى الجملة؛ لما بيّنا؛ أي: من أنّ الجملة إذا قصد لفظها، يحكم لها بحكم المفردات، فيجوز حينئذ وقوعها مبتدأ، وفاعلا، أو نائبا عنه، ومثّل لذلك في شذور بقول النبي ﷺ : «أفضل ما قلت أنا والنّبيّون من قبلي: لا إله إلاّ الله» انظر الشاهد رقم [٧٩٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿قاتِلُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مثل سابقتها في المحل، وإنما لم يكن بحرف العطف؛ لأنّه أراد أن يكون كلّ من الجملتين مقصودة بنفسها. وقيل: الثانية في محل نصب حال، ولا وجه له؛ لأنّها إنشائية. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَوِ:﴾ حرف عطف. ﴿اِدْفَعُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: (﴿وَقِيلَ..﴾.) إلخ تحتمل العطف على جملة: ﴿نافَقُوا﴾ فتكون داخلة في حيز الموصول، وتحتمل الاستئناف.

стр. 1002

﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضمّ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿نَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن. ﴿قِتالاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لاتَّبَعْناكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب: ﴿لَوْ﴾. (اتبعناكم): فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لِلْكُفْرِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَقْرَبُ﴾ بعدهما، وكذلك ﴿لِلْإِيمانِ﴾ متعلقان به، وإن كان بمعنى واحد، وجاز أن يعمل: ﴿أَقْرَبُ﴾ فيهما؛ لأنهما يشبهان الظرف، وكما عمل «أطيب» في قولهم: «هذا بسرا أطيب منه رطبا» في الظرفين المقدّرين؛ لأن أفعل يدل على معنيين: على أصل الفعل، وزيادة، فيعمل في كلّ واحد منهما بمعنى غير الآخر، فتقديره: يزيد قربهم إلى الكفر على قربهم إلى الإيمان. انتهى أبو البقاء. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿أَقْرَبُ﴾ أيضا، و (إذا): ظرف لما مضى من الزّمان مبني على السكون في محل جرّ بالإضافة، وحرّك بالكسر لالتقاء الساكنين، وانظر ما ذكرته في الشرح. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿أَقْرَبُ﴾ أيضا، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة ب ﴿قالُوا﴾ فلست مفندا، والرابط: الضمير فقط. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِأَفْواهِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وساغ ذلك؛ لأنها بمعنى: كلام كثير. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ وجملة: ﴿لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ تحتمل الاستئناف، وأن تكون في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ (من)، والرابط: الضمير فقط، وهي حال متداخلة من وجه واحد. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره. ﴿بِما﴾ جار ومجرور متعلقان ب (﴿أَعْلَمُ﴾) لأنه بمعنى: عالم، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أعلم بالذي، أو بشيء يكتمونه في قلوبهم، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: أعلم بكتمانهم النفاق. والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. والاستئناف ممكن بالإعراض عمّا قبل الجملة الاسمية. تأمّل، وتدبر، وربّك أعلم.

стр. 1003

﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨)﴾ الشرح: نزلت الآية الكريمة في عبد الله بن أبيّ المنافق، وأصحابه. وفي المراد ب (إخوانهم) قولان: أحدهما: أنّ المراد ب (إخوانهم): الذين استشهدوا بأحد، فيكون (إخوانهم) في النسب لا في الدين. والقول الثاني: أن المراد ب (إخوانهم): المنافقون. فعلى القول الأول يكون معنى الآية: الذين قالوا في إخوانهم، أو عن إخوانهم الذين قتلوا بأحد: لو أطاعونا ما قتلوا. وعلى القول الثاني يكون معنى الآية: الذين قالوا: وهم ابن أبيّ، وأصحابه لإخوانهم في النفاق. ﴿وَقَعَدُوا﴾ أي: قالوا هذا القول، وقعدوا بأنفسهم عن القتال. ﴿قُلْ:﴾ خطاب للرسول ﷺ . ﴿فَادْرَؤُا:﴾ فادفعوا، والدرء: الدفع. قال الرسول ﷺ : «ادفعوا الحدود بالشّبهات». ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾ إن كنتم صادقين بقولكم: ﴿لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا؛﴾ فادفعوا الموت عن أنفسكم، يعني: أن الحذر لا ينفع من القدر. وفي الآية دليل على أنّ المقتول يموت بأجله، خلافا لمن يزعم من المعتزلة، وغيرهم: أن القتل يقطع على المقتول أجله، روي: أنّه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقا. قال أبو الليث السّمرقندي: سمعت بعض المفسّرين بسمرقند يقول: لمّا نزلت الآية؛ مات سبعون نفسا من المنافقين. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، ويجوز أن يكون في محل رفع بدلا من الواو في: ﴿يَكْتُمُونَ،﴾ وأن يكون في محل رفع مبتدأ خبره: ﴿قُلْ فَادْرَؤُا﴾ وهذا ضعيف جدّا، ويجوز أن يكون في محل نصب على الذم بفعل محذوف، ويجوز أن يكون في محل جرّ بدلا من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة في قوله: ﴿بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ومثله قول الفرزدق: [الطويل] على حالة لو أنّ في القوم حاتما... على جوده لضنّ بالماء حاتم ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لِإِخْوانِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَقَعَدُوا:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَعَدُوا﴾): ماض وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها. وقيل: معطوفة على جملة الصلة. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَطاعُونا:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿قُتِلُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والجملة الفعلية جواب: ﴿لَوْ﴾ لا محلّ لها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْمَوْتَ﴾ مفعول به.

стр. 1004

﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب... إلخ، والجملة الفعلية لا محلّ لها إلخ، وجواب الشرط محذوف. انظر تقديره في الشّرح. و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام معترض في الآخر، لا محل له، المراد منه تحدّيهم، وإظهار كذبهم. ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ الشرح: لا تزال الآيات الكريمة تتابع أحداث غزوة أحد، وتكشف عن أسرار المنافقين، ومواقفهم المخزية لهم في الدّنيا، والآخرة، وبينت ما أعدّ الله من الكرامة للشهداء شهداء أحد وغيرهم إلى يوم القيامة، فهي عامّة في جميع الشهداء، فقد روى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «لمّا أصيب إخوانكم بأحد؛ جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر، ترد أنهار الجنّة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلّقة في ظلّ العرش، فلمّا وجدوا طيب مأكلهم، ومشربهم، ومقيلهم؛ قالوا: من يبلّغ إخواننا عنّا: أنّا أحياء في الجنّة، نرزق؛ لئلاّ يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب؟! فقال الله سبحانه: أنا أبلّغهم عنكم، قال: فأنزل الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ إلى آخر الآيات. وعن جابر-﵁-قال: لقيني رسول الله ﷺ ، فقال: «يا جابر! ما لي أراك منكّسا مهتما؟!». قلت: يا رسول الله استشهد أبي، وترك عيالا، وعليه دين، فقال: «ألا أبشّرك بما لقي الله- -به أباك؟» قلت: بلى يا رسول الله! قال: «إنّ الله أحيا أباك، وكلّمه كفاحا (مواجهة) وما كلّم أحدا قطّ إلاّ من وراء حجاب، فقال له: يا عبدي! تمنّ؛ أعطك، قال: يا ربّ، فردّني إلى الدّنيا، فأقتل فيك ثانية، فقال الربّ-﵎: إنّه سبق منّي: أنّهم إليها لا يرجعون، قال: يا ربّ فأبلغ من ورائي، فأنزل الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا..﴾. إلخ». رواه ابن ماجة، والترمذي، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥٤]: من سورة (البقرة). وخذ هنا ما يلي: فعن أبي موسى-﵁: أنّ أعرابيّا أتى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله! الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل؛ ليذكر، والرجل يقاتل؛ ليرى مكانه؛ فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله». أخرجه الشيخان، وغيرهما. وينبغي أن تعلم: أنّ الشهيد ثلاثة أنواع: شهيد في الدنيا، والآخرة، وشهيد في الدنيا، وشهيد في الآخرة فقط، فالأول: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، والثاني: من قاتل للمغنم، أو ليذكر، أو لغرض من أغراض نفسه الدنيوية، والثالث: خذه ممّا يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما تعدّون الشّهيد فيكم؟» قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله؛ فهو شهيد. قال: «إنّ شهداء أمّتي إذا لقليل» قالوا: فمن هم

стр. 1005

يا رسول الله؟! قال: «من قتل في سبيل الله؛ فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله؛ فهو شهيد، ومن مات في الطّاعون؛ فهو شهيد، ومن مات في البطن؛ فهو شهيد». أخرجه مسلم. وفي رواية لمالك، والبخاريّ، والترمذي: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله». وفي رواية لأبي داود، والنسائي: «وما تعدّون الشّهادة؟» قالوا: القتل في سبيل الله. فقال النبي ﷺ : «الشّهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمطعون شهيد، والّذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد». وعن سعيد بن زيد-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله؛ فهو شهيد، ومن قتل دون دمه؛ فهو شهيد، ومن قتل دون دينه؛ فهو شهيد، ومن قتل دون أهله؛ فهو شهيد». رواه أبو داود، وغيره. والأحاديث في ذلك كثيرة. ولا تنس الطّباق بين: ﴿أَحْياءٌ﴾ و ﴿أَمْواتاً﴾ فهو من المحسنات البديعية. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَحْسَبَنَّ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم ب (﴿لا﴾) الناهية، والنون حرف لا محلّ له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، ويقرأ الفعل بياء المضارعة، وعليه ف ﴿الَّذِينَ﴾ فاعله، ويكون المفعول الثاني محذوفا. ﴿قُتِلُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَمْواتاً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿قُتِلُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (﴿لا تَحْسَبَنَّ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب مبتدأ بعده. ﴿أَحْياءٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: «بل هم أحياء»: الجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿عِنْدَ:﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أن يكون خبرا ثانيا للمبتدإ. الثاني: أن يكون ظرفا ل ﴿أَحْياءٌ﴾. الثالث: أن يكون ظرفا ل ﴿يُرْزَقُونَ﴾ بعده. الرابع: أن يكون نعتا ل ﴿أَحْياءٌ﴾. الخامس: أن يكون حالا من الضمير المستكن في: ﴿أَحْياءٌ﴾. والمراد في كل ذلك متعلّق الظرف، لا الظرف نفسه، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يُرْزَقُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والثاني محذوف. والجملة الفعلية فيها أربعة أوجه: أحدها: أنها خبر ثالث للمبتدإ، أو ثان؛ إذا لم نجعل الظرف خبرا. الثاني: أنها صفة ل ﴿أَحْياءٌ﴾. والثالث: أنها حال من الضمير في ﴿أَحْياءٌ﴾. الرابع: أنها حال من الضمير المستكن في الظرف. والمراد في كل ذلك: أنّها في محل... إلخ.

стр. 1006

﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ الشرح: ﴿فَرِحِينَ..﴾. إلخ أي: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم، وهم فرحون بما هم فيه من النّعمة، ومستبشرون بإخوانهم الّذين يقتلون بعدهم في سبيل الله: أنّهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون ممّا أمامهم، ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم. وقال محمد بن إسحاق-رحمه الله تعالى-: أي: ويسرّون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم. وقال السّدّي-رحمه الله تعالى-: يؤتى الشهيد بكتاب، فيه: يقدم عليك فلان يوم كذا، وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا، وكذا، فيسرّ بذلك، كما يسرّ أهل الدّنيا بغائبهم إذا قدم عليهم. هذا؛ والاستبشار: هو الفرح، والسرور الذي يحصل للإنسان عند البشارة. وأصله: من البشرة؛ لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في وجهه. وانظر الفرح في الآية رقم [١٨٨] الآتية. الإعراب: ﴿فَرِحِينَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه حال من واو الجماعة في: ﴿يُرْزَقُونَ﴾. والثاني: أنه حال من الضمير في: ﴿أَحْياءٌ﴾. والثالث: أنه حال من الضمير المستكن في الظرف. والرابع: أنه منصوب على المدح بفعل محذوف. وأقواها أولها. فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. هذا وقرأ ابن أبي عبلة شاذّا: («فرحون») على أنّه نعت ل ﴿أَحْياءٌ﴾ أو خبر متعدد للمبتدإ المقدّر قبله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿فَرِحِينَ﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿آتاهُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي أو بشيء آتاهم الله إيّاه. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير الواقع مفعولا ثانيا، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما)، ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على محل: ﴿فَرِحِينَ﴾ فهي في محل نصب حال مثله، أو هي في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وهم يستبشرون، وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿فَرِحِينَ﴾ فهي حال متداخلة. ﴿بِالَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَلْحَقُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بِهِمْ:﴾ جار، ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ:﴾ متعلقان

стр. 1007

بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: لم يلحقوا بهم حال كونهم متخلّفين عنهم، أي: متأخّرين في الحياة، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. (لا): نافية مهملة. ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أو هما متعلقان ب ﴿خَوْفٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف، التقدير: لا خوف عليهم موجود، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر (أن) المخففة من الثّقيلة، و (أن) واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بدل من (الذين). أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن لا... إلخ، والجار والمجرور على هذا بدل من قوله: (الذين)، التقدير: بعدم الخوف عليهم. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿يَحْزَنُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾ الشرح: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ..﴾. إلخ: واو الجماعة عائدة على: ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وكرر الفعل للتأكيد. ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ بأجر، وثواب، وهو الجنّة، وما أعدّه الله فيها للمجاهدين، وغيرهم من المؤمنين. ﴿وَفَضْلٍ:﴾ زيادة على الأجر والثّواب، وهو النظر لوجهه الكريم، كما قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ وقوله تعالى في سورة (ق): ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾. ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ لا يبطل ثوابهم، ولا يمحق بركته، وهو يشعر بأنّ من لا إيمان له يحبط أجره من جميع الأعمال الصالحة التي يعملها. تنبيه: بيّن الله في الآية السابقة: أن الشهداء يستبشرون بالّذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وبيّن في هذه الآية: أنهم يستبشرون أيضا لأنفسهم بما رزقوا من النعيم والفضل، فالاستبشار الأوّل كان لغيرهم، والثّاني كان لأنفسهم خاصّة. وخذ ما يلي: عن المقداد بن معد يكرب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «للشّهيد عند الله ستّ خصال: يغفر له في أوّل دفعة، ويرى مقعده من الجنّة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدّنيا وما فيها، ويزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفّع في سبعين من أقاربه». أخرجه التّرمذيّ، وابن ماجة. وعنه ﷺ : أنه قال: «أكرم الله الشهداء بخمس كرامات، لم يكرم بها أحدا من الأنبياء، ولا أنا: أحدها: أنّ جميع الأنبياء قبض أرواحهم ملك الموت، وهو الذي سيقبض روحي، وأمّا

стр. 1008

الشهداء فالله هو الّذي يقبض أرواحهم بقدرته، كيف يشاء، ولا يسلّط على أرواحهم ملك الموت. والثّاني: أنّ جميع الأنبياء قد غسّلوا بعد الموت، وأنا أغسّل بعد الموت، والشّهداء لا يغسّلون، ولا حاجة لهم إلى ماء الدّنيا. والثّالث: أنّ جميع الأنبياء قد كفّنوا وأنا أكفّن، والشّهداء لا يكفّنون، بل يدفنون في ثيابهم. والرابع: أنّ الأنبياء لمّا ماتوا سمّوا: أمواتا، وإذا متّ قالوا: مات، والشّهداء لا يسمّون أمواتا. والخامس: أنّ الأنبياء تعطى لهم الشّفاعة يوم القيامة، وشفاعتي أيضا يوم القيامة، وأمّا الشّهداء فإنّهم يشفعون كلّ يوم فيمن يشفعون». انتهى قرطبي. الإعراب: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية فيها أوجه: أحدها: أنّها مستأنفة، والثاني: أنّها توكيد للأولى، وإليه ذهب الزمخشري، والبيضاوي. والثالث: أنّ الفعل بدل من الأول. ﴿بِنِعْمَةٍ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب (نعمة) أو بمحذوف صفة له. ﴿وَفَضْلٍ:﴾ معطوف على سابقه، (﴿أَنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُضِيعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿أَجْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (﴿أَنَّ﴾). و (﴿أَنَّ﴾) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جرّ معطوف على نعمة، هذا ويقرأ بكسر همزة (﴿أَنَّ﴾) على أن الجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو: وإعادة الاسم الكريم بلفظه. وقيل: مستأنفة لا محلّ لها. ﴿الَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ:﴾ لبّوا نداء الرسول ﷺ حين دعاهم للخروج بعد غزوة احد. هذا؛ و ﴿اِسْتَجابُوا﴾ بمعنى: أجابوا، فليست السين، والتاء للطلب، مثل قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً﴾ فإنه بمعنى: أوقد، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي من قصيدة يرثي فيها أخاه شبيبا، ومن أبياتها الشاهد رقم [٧٢٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] وداع دعا من ذا يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي: يجبه عند ذاك مجيب. ﴿مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ انظر الآية رقم [١٤٠]. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ أي: العمل، وعملوا بما يرضي الله. هذا وروي: أن أبا سفيان، وأصحابه لمّا قفلوا راجعين بعد غزوة أحد، ونالوا من المسلمين ما نالوا، فبلغوا الرّوحاء؛ ندموا، وهمّوا بالرجوع إلى المدينة؛ ليستأصلوا المسلمين قبل أن يستعيدوا قواهم، فبلغ رسول الله ﷺ ذلك، فندب

стр. 1009

أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، وقال: لا يخرجنّ معنا إلا من حضر يومنا بالأمس. فخرج معه جماعة من أصحابه؛ حتّى بلغوا حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، وكان بأصحابه القرح الذي أصابهم يوم أحد، فتحاملوا على أنفسهم؛ حتّى لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرّعب في قلوب المشركين، فذهبوا إلى مكّة المكرمة، ونزلت تلك الآية، وما بعدها. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ل: ﴿الْمُؤْمِنِينَ،﴾ أو بدل منه، أو هو في محل نصب على المدح بفعل محذوف، أو هو في محل رفع مبتدأ، خبره الجملة الاسمية الآتية. ﴿اِسْتَجابُوا﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالرَّسُولِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما أيضا. ﴿ما:﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد إصابة القرح إياهم. هذا؛ وقال مكي: ﴿مِنْ بَعْدِ..﴾. إلخ: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿الَّذِينَ﴾ وهذا على اعتباره مبتدأ. ﴿أَصابَهُمُ الْقَرْحُ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَحْسَنُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، والمفعول محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح. ﴿وَاتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، والمفعول محذوف، التقدير: اتقوا الله. (﴿أَجْرٌ﴾): مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية: ﴿لِلَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها على الوجهين الأوّلين في (الدّين) الأول. وعلى قول مكي المتقدّم، أو هي في محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ. ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ:﴾ المراد بهم: أصحاب النبي ﷺ . ﴿قالَ لَهُمُ النّاسُ:﴾ المراد به: نعيم بن مسعود الأشجعي قبل أن يسلم، وأطلق عليه لفظ الناس؛ لأنه من جنسهم، كما يقال: فلان يركب الخيل، وماله إلا فرس واحد، أو لأنه انضم إليه ناس من المدينة، أي: من المنافقين، وأذاعوا كلامه. وانظر الآية رقم [٥٤] من سورة (النساء). ﴿إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ:﴾ المراد به: أبو سفيان، وقومه، ومن انضمّ إليهم من حلفائهم. ﴿فَاخْشَوْهُمْ:﴾ خافوهم. والماضي: خشي، والمصدر: خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذاك، أي: أشد خوفا، وقد يأتي «خشي» بمعنى: «علم» القلبية، قال الشاعر المسلم: [الكامل] ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد

стр. 1010

قالوا: معناه: علمت، وقوله تعالى في سورة (الكهف) حكاية عن قول الخضر-﵇: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا. هذا؛ والخشية: أصلها طمأنينة في القلب تبعث على التوقّي. والخوف: فزع في القلب تخفّ له الأعضاء، ولخفة الأعضاء سمّي خوفا. ﴿فَزادَهُمْ إِيماناً:﴾ تصديقا بالله، وثقة بوعده. هذا؛ وزاد، يزيد ضد: نقص، ينقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية التي بين أيدينا، وقولك: زاد الله خالدا خيرا، بمعنى: جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبرّ مدّا؛ فدرهما، ومدّا تمييز، ومثله قل في: نقص، فمن المتعدي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ ومن اللازم قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. تنبيه: أفادت الآية الكريمة: أن الإيمان يزيد، وينقص، ومثلها قوله تعالى في سورة (الأنفال): ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ وكذلك الكفر، والنفاق يزيد، وينقص، قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً،﴾ قال تعالى في سورة (التوبة): ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ..﴾. إلخ. انظر شرح الآيتين في محلهما. ويعضد ذلك قول ابن عمر-﵄: قلنا: يا رسول الله! الإيمان يزيد، وينقص؟ قال: «نعم، يزيد؛ حتّى يدخل صاحبه الجنّة، وينقص؛ حتّى يدخل صاحبه النّار». وقال ﷺ : «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمّة؛ لرجح به». وهذا هو المعتمد إن شاء، وهو مذهب الأشاعرة. تنبيه-روي: أنا أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد: يا محمد! موعدنا موسم بدر القابل؛ إن شئت. فقال عليه الصلاة، والسّلام: إن شاء الله، فلمّا كان العام القابل خرج في أهل مكة؛ حتّى نزل بمرّ الظهران، فأنزل الله الرّعب في قلبه، كما وعد الله بقوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ..﴾. إلخ، وبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد قدم مكة معتمرا، فسأله أن يذهب إلى المدينة، ويثبّط همم المسلمين، ويخوفهم، وقد التزم له عشرا من الإبل، فخرج نعيم إلى المدينة، فوجد المسلمين يتجهزون للخروج، فقال لهم: أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم إلا الشديد. يريد ما حصل في غزوة أحد من انكسار المسلمين، أفترون أن تخرجوا؛ وقد جمعوا لكم؟! ففتروا، فقال النبي ﷺ : «والّذي نفسي بيده لأخرجنّ، ولو لم يخرج معي أحد!» فخرج المسلمون معه؛ وهم يقولون: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ولم يلتفتوا إلى ما قاله نعيم، حتى بلغوا بدرا الصّغرى، وكانت موضع سوق للعرب، يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام، فأقام المسلمون تلك المدة في بدر، وصادفوا الموسم، وباعوا ما كان معهم من التجارات، فربحوا الدرهم درهمين، ولم يأتهم أحد من أهل مكّة. وهذا ما تفيده الآية التالية. وقال القرطبي-﵀-في قوله تعالى: ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي: كافينا الله. وروى البخاري عن ابن عباس-﵄-قال في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ﴾

стр. 1011

النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ... إلخ قالها إبراهيم الخليل- ﵊-حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين ﴿قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ وورود «حسب» بمعنى: كاف كثير في القرآن مع إضافته لجميع الضمائر. قال الشاعر -وهو الشاهد رقم [٩٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا... فحسبك والضّحّاك (١) سيف مهنّد الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل من سابقه على جميع الوجوه فيه. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿النّاسُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿النّاسُ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿جَمَعُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿فَاخْشَوْهُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اخشوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وصحيحا؛ فاخشوهم. والكلام كلّه في محل نصب مقول القول. ﴿فَزادَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (زادهم): فعل ماض، والفاعل محذوف يدل عليه المقام، أي: فزادهم قول الناس، مثل قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ وقوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾. انظرهما في محلّهما، والهاء مفعول به أول. ﴿إِيماناً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. (﴿قالُوا﴾): ماض وفاعله. ﴿حَسْبُنَا:﴾ مبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله ضمير مدلول عليه بلفظ الجلالة. ﴿اللهُ:﴾ خبر لمبتدإ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَنِعْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿نِعْمَ﴾): فعل ماض جامد لإنشاء المدح. ﴿الْوَكِيلُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: ونعم الوكيل الممدوح الله. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاِتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾ الشرح: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ..﴾. إلخ؛ أي: رجع المسلمون من بدر الصغرى بربح عظيم، وسلامة، وسرور كما رأيت في الآية السابقة. ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ:﴾ لم يصبهم أذى من جرح، أو

стр. 1012

قتل، أو كيد عدوّ. ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ:﴾ عملوا بما يسبب رضوان الله. ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ:﴾ الله صاحب كرم، وجود، وإحسان على عباده المؤمنين الممتثلين أوامره المجتنبين نواهيه، وقد تفضّل عليهم بالتثبيت، وزيادة الإيمان، والتوفيق إلى المبادرة إلى الجهاد، والتصلّب في الدّين، وإظهار الجرأة على العدو، وبالحفظ من كل ما يسوءهم، وإصابة النفع مع ضمان الأجر، والرّضا، والرّضوان، والعفو، والغفران. والحمد لله ربّ العالمين. الإعراب: ﴿فَانْقَلَبُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: خرجوا مع النبي ﷺ ، فانقلبوا، والكلام مستأنف لا محل له. ﴿بِنِعْمَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (نعمة)، أو هما متعلقان به. ﴿وَفَضْلٍ:﴾ معطوف على (نعمة)، وحذف متعلقة اكتفاء بما قبله. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَمْسَسْهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ والهاء مفعول به. ﴿سُوءٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال. من واو الجماعة، التقدير: غير ممسوسين بسوء. ﴿وَاتَّبَعُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿رِضْوانَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله ضمير فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾ لا محل لها مثلها، أو هي معطوفة على ما قبلها، فتكون في محل نصب حال مثلها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال، أو واو الاعتراض. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿ذُو:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو:﴾ مضاف، و ﴿فَضْلٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة: ﴿فَضْلٍ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الواو وإعادة الاسم الكريم بلفظه. وقيل: معترضة في آخر الكلام، الغرض منها بيان فضل الله، وجوده على عباده المؤمنين. ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ الشرح: ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ﴾ المراد به: أبو سفيان، أو نعيم بن مسعود؛ الذي تقدّم ذكره. قال أبو حيان: وإنما نسب إلى الشّيطان؛ لأنه ناشئ عن وسوسته، وإغوائه، وإلقائه. فيكون في الكلام استعارة. وانظر شرح ﴿الشَّيْطانُ﴾ في الآية رقم [٢٦٨]: من سورة (البقرة). ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ:﴾ أتباعه، وأنصاره القاعدين عن الخروج مع الرّسول ﷺ ، وهم المنافقون. أو المعنى: يخوفكم بأوليائه، فحذف حرف الجر، والضمير، ووصل الفعل إلى الاسم، فنصبه. ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ أي: لا تخافوا أولياء الشيطان، ولا تقعدوا عن قتالهم. والمراد: الكافرون المذكورون فيما سبق. ﴿وَخافُونِ﴾ أي: خافوني في ترك أمري، وجاهدوا في سبيلي مع رسولي، فإنّي وليّكم، وناصركم على أعدائي، وأعدائكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ مصدّقين بوعدي أنى متكفّل لكم بالنّصر، والظفر؛ لأنّ الإيمان يقتضي أن يؤثر العبد خوف الله على خوف غيره.

стр. 1013

هذا؛ والخوف: الذّعر، والرعب. وأما التّخوّف؛ فهو التنقّص، كما في قوله تعالى في الآية رقم [٤٧] من سورة (النحل): ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾. يروى: أنّ عمر الفاروق-﵁. قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا التخوّف: التنقّص، قال: فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [البسيط] تخوّف الرّحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السّفن فقال عمر-﵁: أيها الناس عليكم بديوانكم، لا تضلّوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. وأصل الخوف في الباطن يحصل من توقع مكروه، يقع في المستقبل، وقد أمرنا الله في هذه الآية بأن نخافه، ونخشاه، كما أمر سلفنا الصالح بذلك، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ وقال في سورة (المائدة): ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ وقال مخاطبا نبيه وحبيبه ﷺ في سورة (الأحزاب): ﴿وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ وخذ ما يلي من قول نبينا، وحبيبنا ﷺ في الخوف: فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربّه جلّ، وعلا: أنّه قال: «وعزّتي لا أجمع على عبدي خوفين، وأمنين، إذا خافني في الدّنيا أمّنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدّنيا؛ أخفته يوم القيامة». رواه ابن حيّان في صحيحه. وعن أبي ذرّ-﵁-قال: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حتّى ختمها، ثمّ قال: «إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السّماء، وحقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع قدم إلاّ ملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنّساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله! والله لوددت أنّي شجرة تعضد!». رواه البخاريّ باختصار، والترمذيّ، إلا أنه قال: «ما فيها موضع أربع أصابع». ورغب النبي ﷺ في البكاء. فخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «كلّ عين باكية يوم القيامة إلاّ عين غضّت عن محارم الله، وعين سهرت في سبيل الله، وعين خرج منها مثل رأس الذّباب من خشية الله ». رواه الأصبهاني، وانظر التّرغيب والترهيب؛ إن أردت الزيادة. لذلك كان الخوف من الله شعار المغربين، وقرين المهتدين، وكان بشير النجاة، والأمان الأكبر عند الله، وكان طريقا لهداية القلوب النافرة، وسبيلا لسلوك النفوس الحائرة، من استضاء بنوره؛ وصل، ومن تمسك بحبله؛ رشد، ومن أخذ نفسه به؛ فقد هدي إلى صراط مستقيم. من خاف؛ سلم، ومن أطاع مولاه؛ غنم، ومن خاف ربّه، وخشي ذنبه؛ استقام، واهتدى؛ لأنه

стр. 1014

علم: أنّ العمل اليوم، وأنّ الحساب غدا، لذلك كان الخوف من الله طريق الأنبياء، وحلية الأصفياء من الأتقياء، وخوف الرّسول ﷺ وخوف صحابته: أبي بكر، وعمر، وعلي، وعبد الله بن رواحة-رضوان الله عليهم-محفوظ، ومعروف في بطون الكتب. الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿ذلِكُمُ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. الشّيطان: خبره. ﴿يُخَوِّفُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾ والمفعول الأول محذوف، انظر الشرح. ﴿أَوْلِياءَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الشَّيْطانُ﴾ والعامل في الحال اسم إشارة، مثل قوله تعالى حكاية عن قول سارة: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿الشَّيْطانُ﴾ بدلا من اسم الإشارة، فتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر الأول، كما أجيز اعتبار الجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّما ذلِكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَخافُوهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وحاصلا؛ فلا تخافوهم، وهذا الكلام مستأنف لا محل له. (﴿خافُونِ﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ تقدم إعرابها كثيرا. ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)﴾ الشرح: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ..﴾. إلخ: نزلت الآية في قوم أسلموا، ثمّ ارتدوا عن الإسلام خوفا من المشركين، فاغتمّ الرسول ﷺ لذلك. وقيل: هو عامّ في جميع الكفّار. ومسارعتهم في الكفر: المظاهرة على حرب الرّسول ﷺ . قال القشيري-رحمه الله تعالى-: الحزن على كفر الكافر طاعة، ولكنّ النبيّ ﷺ كان يفرط في الحزن على كفر قومه، فنهي عن ذلك، كما قال تعالى له: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ وقال جلّ ذكره، وتعالى شأنه: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾. هذا؛ والحزن: ضدّ السرور، ولا يكون إلا على ماض، وحزن الرّجل، وأحزنه غيره، أيضا، مثل: سلكه، وأسلكه. قال اليزيدي: «حزنه» لغة قريش، و «أحزنه» لغة تميم، وقرئ بهما، إلا في سورة (الأنبياء)، فإنّه في الأولى فقط. قوله تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾. وهي أفصح اللغتين.

стр. 1015

﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً﴾ أي: لا ينقصون من ملك الله، وسلطانه شيئا بسبب كفرهم، كما روي في حديث أبي ذرّ الطويل: «يا عبادي لو أنّ أوّلكم، وآخركم، وإنسكم، وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا». أخرجه مسلم في صحيحه، والترمذيّ، وغيرهما. ﴿يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ يعني: لا يجعل لهم نصيبا في ثواب الآخرة ونعيمهما الدائم، فلذلك خذ لهم؛ حتّى سارعوا في الكفر. وفي الآية دليل على أنّ الخير، والشر بإرادة الله تعالى، وفيه ردّ على القدرية، والمعتزلة؛ الذي يقولون: إن الإنسان يخلق أفعال نفسه. هذا؛ والحظّ: النّصيب والجدّ، وهو البخت، والدولة، يقال: فلان ذو حظّ، وحظيظ، ومحظوظ، وما الدنيا إلا أحاظ، وجدود، ورحم الله المعرّي؛ إذ يقول: [الكامل] لا تطلبنّ بغير حظّ رتبة... قلم الأديب بغير حظّ مغزل سكن السّماكان السّماء كلاهما... هذا له رمح وهذا أعزل السّماكان: كوكبان، يقال لأحدهما: الأعزل، وهو منازل القمر، وهو الّذي له النوء، وسمّي أعزل؛ لأنّه لا شيء من الكواكب بين يديه، ويقال للآخر: الرّامح، وسمّي رامحا بكوكب يتقدّمه. ومعنى البيتين: أنهما مع استوائهما في وجود كلّ منهما في السّماء، امتاز أحدهما عن الآخر، فلهذا حظّ، ولا حظّ لذاك، فالمدار على القضاء الأزليّ، والسّعد الأولي. اللهم اجعلنا من السّعداء، ولا تجعلنا من الأشقياء! وما أحسن قول من قال في بيان حظوظ الرّجال: [الرمل] خلق الحظّ جمانا وحصى... خالق الإنسان من ماء وطين فوليد تسجد الدّنيا له... ووليد في زوايا المهملين وقال المتنبي، وقد أجاد، وأحسن: [الطويل] هو الحظّ حتّى تفضل العين أختها... وحتّى يصير اليوم لليوم سيّدا هذا؛ والحظّ: النصيب. قال تعالى في سورة (النساء) في آية المواريث: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٤]: في ذمّ اليهود اللّؤماء: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿يَحْزُنْكَ:﴾ مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، والكاف مفعول به، ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿يُسارِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿فِي الْكُفْرِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿يَضُرُّوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿لَنْ﴾)

стр. 1016

وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، الواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محلّ لها. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به ثان، أو هو نائب مفعول مطلق. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهَ:﴾ فاعله. (أن) حرف ناصب. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يَجْعَلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿حَظًّا:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿حَظًّا﴾ أو بمحذوف صفة له، والمصدر المؤول من: ﴿أَلاّ يَجْعَلَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وهو أولى من اعتبارها حالا. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر. عظيم: صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ﴾ الشراء هنا: مستعار، والمعنى: استحبّوا الكفر على الإيمان، كما قال تعالى في سورة (فصلت): ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ فعبّر عنه بالشّراء؛ لأنّ الشراء إنّما يكون فيما يحبّه مشتريه، فأمّا أن يكون في معنى شراء المعاوضة؛ فلا؛ لأن الكافرين، والمنافقين لم يكونوا مؤمنين، فيبيعون إيمانهم. وقال ابن عباس ﵄: أخذوا الكفر، وتركوا الإيمان. ومعناه: استبدلوا، واختاروا الكفر على الإيمان، وإنّما أخرجه بمعنى الشّراء توسّعا؛ لأن الشراء، والتجارة راجعان إلى الاستبدال، والعرب تستعمل ذلك في كلّ من استبدال شيئا بشيء. قال أبو ذؤيب الهذلي-وهو الشاهد رقم [٧٧١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] فإن تزعميني كنت أجهل فيكم... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل هذا؛ والباء بمعنى «بدل» وقد دخلت على المتروك. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم: (﴿إِنَّ﴾). ﴿اِشْتَرَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْكُفْرَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْإِيْمانِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكُفْرَ﴾ التقدير: مستبدلا بالإيمان. ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً:﴾ إعراب هذه الجملة مثل ما قبله، وكررت للتّوكيد، وهي في محل رفع خبر: (﴿إِنَّ﴾). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا

стр. 1017

محل لها. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. وانظر إعرابها في الآية السابقة. ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ الشرح: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ﴾ أي: الكفار. وقرئ: («ولا تحسبنّ») بتاء المضارعة. والمعنى: لا تحسبنّ يا محمد. وهو يعمّ كل مخاطب. ﴿أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ:﴾ الإملاء: الإمهال، وطول العمر مع رغد العيش. وقيل: المراد تخليتهم وشأنهم، من: أملى لفرسه: إذا أرخى لها الطول؛ لترعى كيف شاءت. ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾ أي: إنّ الله يعطيهم ما يحبّون، ويمهلهم؛ ليزدادوا طغيانا، فهو كقوله تعالى في سورة (مريم): ﴿مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾. وقوله تعالى في سورة (القلم): ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ وانظر رقم [١٩٧]. وروي عن ابن مسعود، وابن عباس-﵄-قولهما: ما من أحد برّ، ولا فاجر إلاّ والموت خير له؛ لأنّه إنّ كان برّا؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ وإن كان فاجرا؛ فقد قال تعالى: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾ وهذا يعارض ما ورد من قول النبي ﷺ : «لا يتمنّى أحدكم الموت، إمّا محسنا؛ فلعلّه يزداد، وإمّا مسيئا؛ فلعلّه يستعتب». أخرجه الشيخان عن أبي هريرة ﵁. وعن أبي بكرة ﵁: أنّ رجلا قال: يا رسول الله أيّ الناس خير؟ قال: «من طال عمره، وحسن عمله». قال: فأيّ الناس شرّ؟ قال: «من طال عمره، وساء عمله». رواه الترمذيّ، والطبرانيّ. والآية نص في بطلان رأي المعتزلة، والقدريّة؛ لأنّ الله تعالى أخبر: أنه يطيل أعمارهم؛ ليزدادوا الكفر بعمل المعاصي، وتوالي أمثاله على القلب. وقد تحمّل الزمخشري في هذه الآية تأويلات فاسدة، فصفعه ابن المنبر-رحمه الله تعالى-صفعة ناعمة. هذا؛ و «عذاب» اسم مصدر لا مصدر؛ لأنّ المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب. ومثله: سلام، وعطاء، وكلام... إلخ، و «مهين» أصله: مهين، فإعلاله قل فيه: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، فنقلت حركة الياء إلى الهاء بعد سلب سكونها، فصار: مهين، ومثله قل في إعلال مبين، ونحوه. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿يَحْسَبَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح في محل جزم ب (﴿لا﴾) الناهية، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه

стр. 1018

محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنَّما:﴾ (أنّ): حرف مشبه بالفعل. (ما): مصدرية. ﴿نُمْلِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب اسم: (أنّ) التقدير: أنّ إملاءنا. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر: (أنّ) ﴿لِأَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، ويجوز اعتبار (ما) اسما موصولا في محل نصب اسم: (إنّ) والجملة بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: أنّ الذي نمليه لهم، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي الفعل قبله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ..﴾. إلخ، لا محل لها، وهي مستأنفة. وما تقدّم إنّما هو على قراءة الفعل بالياء، وأما على قراءته بالتاء، فالفاعل مستتر، تقديره: أنت، و ﴿الَّذِينَ﴾ هو مفعول واحد؛ لأنّ التعويل على البدل، وهو ينوب عن المفعولين لو حلّ محلّ المفعولين كما هو معروف. ﴿أَنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿نُمْلِي:﴾ فعل مضارع... إلخ. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿لِيَزْدادُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة بعد لام التعليل، والفعل في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل نملي أيضا. ﴿إِثْماً:﴾ تمييز، والجملة الفعلية: ﴿أَنَّما نُمْلِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ:﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير. هذا؛ وهناك قراءة شاذّة، وأوجه إعراب ضعيفة ضربت عنها صفحا روما للاختصار. ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ الشرح: اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية، فقال الكلبيّ-رحمه الله تعالى-: قالت قريش: يا محمد! تزعم: أنّ من خالفك فهو في النّار، والله عليه غضبان، وأنّ من أطاعك، وتبعك على دينك، فهو في الجنة، والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك، وبمن لا يؤمن بك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال السّدّيّ-رحمه الله تعالى-قال رسول الله ﷺ : «عرضت عليّ أمّتي في صورها في الطّين، كما عرضت على آدم، وأعلمت من يؤمن بي، ومن يكفر بي». فبلغ ذلك المنافقين، فقالوا استهزاء: زعم محمد: أنّه يعلم من يؤمن به، ومن يكفر، ممّن لم يخلق بعد، ونحن معه، وما يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقام على المنبر، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام طعنوا في علمي؟! لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين

стр. 1019

السّاعة، إلاّ نبّأتكم به». فقام عبد الله بن حذافة السّهمي، فقال: من أبي يا رسول الله؟! فقال: «حذافة» فقام عمر-﵁-فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبك نبيّا؛ فاعف عنّا، عفا الله عنك! فقال النبي ﷺ : «فهل أنتم منتهون، فهل أنتم منتهون؟!». ثم نزل عن المنبر، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنّ المؤمنين سألوا أن يعطوا آية يفرّقون بها بين المؤمن، والمنافق، والكافر، فنزلت هذه الآية. والمعنى: لا يترككم الله أيّها النّاس مختلطين، لا يعرف مؤمنكم من منافقكم؛ حتى يميز المؤمن المخلص من المنافق، وذلك بالوحي إلى نبيّكم عن أحوالكم، أو بالتكاليف الشاقّة؛ التي لا يصبر عليها إلا المخلصون منكم، كبذل الأموال، والأنفس في سبيل الله ليختبر به بواطنكم، ويكشف به عن عقائدكم. هذا؛ و «يذر» لا يأتي منه ماض ك: «يدع» استغناء عنه بتصرف مرادفه، وهو: «يترك»، وحذفت الواو من «يذر» من غير موجب تصريفي، وإنّما حمل على «يدع» لأنه بمعناه و «يدع» حذف الواو منه لموجب تصريفي، وهو وقوع الواو بين عدوتيها، وهما: الياء، وكسرة مقدرة، وأما الواو في «يذر» فوقعت بين ياء، وفتحة أصلية. انتهى جمل نقلا من السّمين، أقول: وقوله كسرة مقدّرة؛ إذ الأصل: يودع مثل: يوعد، وإنّما فتحت الدّال من «يدع» لأنّ لامه حرف حلقيّ. فيفتح ما قبله، ومثله: يقع، ويطأ، ويسع، وانظر «دع» و «ذر» في سورة (البقرة) رقم [٢٧٨] فإنّه جيّد، والحمد لله! ﴿حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ:﴾ ﴿يَمِيزَ:﴾ مضارع، وماضيه «ماز» ومثله: ميّز، وأماز بمعنى: فرز الشيء عن غيره، وبمعنى: فضّله على غيره. وقرئ: («حتّى يميّز») بالتشديد من: ميّز، وكذا قوله تعالى في (الأنفال): ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ و ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ:﴾ تنقطع، وبهذا فسّر قوله تعالى في سورة (الملك): ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (يس): ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ بمعنى: اعتزلوا من المؤمنين الصّالحين، وانظر ما ذكرته فيها هناك، فإنّه جيد. هذا؛ والمراد ب ﴿الْخَبِيثَ:﴾ الكفر، والنفاق، أو الكافرون، والمنافقون، والمراد ب ﴿الطَّيِّبِ:﴾ الإيمان، أو المؤمنون، كما يطلقان على العمل الصّالح، والسيئ. وانظر قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٢٦]: ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ..﴾. إلخ ففي الكلام استعارة، وطباق، وهو من المحسّنات البديعيّة. ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ:﴾ وما كان الله ليبيّن لكم المؤمن من الكافر، فيقول: فلان مؤمن، وفلان كافر، وفلان منافق؛ لأنّه لا أحد يعلم الغيب إلا الله، وإنّ سنّة الله جارية ألا يطّلع على غيبه أحد من الناس، فلا سبيل إلى معرفة المؤمن من الكافر، أو المنافق إلا بالامتحان بالآفات، والمصائب؛ ليتميز المؤمن المخلص بثباته على إيمانه، ويتزلزل المنافق عند المحن، والبلايا.

стр. 1020

﴿وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: ولكنّ الله يصطفي، ويختار من رسله من يشاء، فيطلعه على ما يشاء من غيبه. ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ:﴾ يقال: إنّ الكفّار لمّا سألوا رسول الله ﷺ أن يبيّن لهم من يؤمن منهم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ يعني: لا تشتغلوا بما لا يعنيكم، واشتغلوا بما يعنيكم، وهو الإيمان، والعمل الصالح، ولا تتشوّفوا إلى اطلاع علم الغيب، فهو ليس لكم، وإنّما قال: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ على الجمع، لقوله جلّ ذكره: ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء، ولأنّ من أقر بجميع الرّسل؛ كان مقرّا؛ ومعترفا بأحدهم بداهة، وهذه صفة المؤمنين؛ لأنّهم آمنوا بجميع الرّسل. ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي: وإن تصدّقوا من اجتبيته برسالتي، وأطلعته على ما أشاء من غيبي، وأعلمته بالمنافق منكم، والمؤمن المخلص، وتتّقوا ربّكم فيما أمركم به، ونهاكم عنه. ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: بإيمانكم، وطاعتكم لربّكم. يروى: أنّ رجلا منجّما كان عند الحجّاج، فأخذ الحجاج حصيات عرف عدّتها، فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب المنجّم، فأصاب، فأغفله الحجّاج، وأخذ حصيات لم يعدّهنّ، فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب، فأخطأ، ثمّ حسب، فأخطأ، فقال: أيّها الأمير أظنّك لا تعرف عدد ما في يدك؟ قال: لا، قال: فما الفرق بينهما؟ فقال: إنّ ذاك أحصيته، فخرج عن حدّ الغيب، فحسبت، فأصبت، وإن هذا لم تعرف عددها، فصار غيبا، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى. الإعراب: ﴿ما كانَ:﴾ ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿لِيَذَرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ إذ المعنى: ما كان الله مريدا ترك المؤمنين. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ. ﴿عَلى ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (يذر) و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور ب ﴿عَلى﴾. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يَمِيزَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ و «أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ والفعل: ﴿يَمِيزَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (يذر). ﴿الْخَبِيثَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الطَّيِّبِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَمِيزَ﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿الْخَبِيثَ﴾. ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ:﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب سابقه بلا فارق.
следующие страницы →