← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

صفة ثانية ل: ﴿عَمَلَ﴾ كما يجوز أن يكونا متعلّقين بمحذوف حال من الضمير المستتر في: ﴿مِنْكُمْ﴾ التقدير: استقرّ منكم كائنا من ذكر. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أُنْثى:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جرّه كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر، وأنّ، واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محلّ جرّ بحرف جرّ محذوف، التقدير: بأنّي، أي: بكوني. والجار والمجرور متعلقان بالفعل استجاب، هذا وقرئ بكسر الهمزة على تضمين استجاب معنى القول، فتكون الجملة الاسمية، في محلّ نصب مفعول به. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْضٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية معترضة. وقيل: هي مستأنفة جيء بها لتبيين شركة النساء مع الرّجال في الثواب الذي وعد الله به عباده العاملين، وجوّز أبو البقاء اعتبارها حالا، أو صفة. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿هاجَرُوا﴾ صلته، والجمل بعدها كلّها معطوفة عليها، وأفعالها مبنيّة على الضمّ مع ملاحظة المبني للمعلوم، والمبني للمجهول منها، والواو فاعل، أو نائب فاعل. ﴿فِي سَبِيلِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: وعزتي، وجلالي! (أكفرن) فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنا، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب للقسم المحذوف. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِهِمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، ووقوع الجملة القسمية خبرا للمبتدإ قاله ابن مالك، ومنعه ثعلب، ومثله قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٧٢]: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ومثل ذلك قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٧٥٦]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل] جشأت فقلت اللّذ خشيت ليأتين... وإذا أتاك فلات حين مناص وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] من سورة (العنكبوت) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان، ويقال فيه أيضا ما رأيته في مفعول قوله تعالى: ﴿تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ في الآية رقم [١٤٢]، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة، وجملة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ في محل جرّ صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿ثَواباً:﴾ مفعول مطلق مؤكّد لقوله: (﴿لَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾) لأنّ المعنى: لأثيبنهم ثوابا. وهذا عند البصريين. وقال الكسائي: انتصب على القطع، أي: عامله محذوف من لفظه. وقال الفراء:

стр. 1052

على التفسير؛ أي: هو تمييز. ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿ثَواباً﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حُسْنُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول. هذا وإن اعتبرت الظرف متعلقا بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿حُسْنُ﴾ فاعلا بمتعلقه فهو جيد لا غبار عليه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة اللفظ الكريم، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ لا محل لها. و ﴿حُسْنُ﴾ مضاف، و ﴿الثَّوابِ﴾ مضاف إليه من إضافة الصّفة للموصوف؛ إذ الأصل: الثواب الحسن. ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦)﴾ الشرح: روي: أنّ بعض المسلمين كانوا يرون المشركين في رخاء، ولين عيش، فيقولون: أعداء الله فيما نرى من الخير، والنّعمة، والرّفاهية؛ ونحن نهلك من الجوع، والجهد! فنزلت الآية الكريمة، ومثلها قوله تعالى في سورة (غافر): ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ وقال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٧٠) والخطاب في الآية الكريمة لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ والمراد أمته، كيف لا؟ وقد قال له في سورة (الحجر) وسورة (طه): ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ..﴾. إلخ، والمعنى: لا يغرنّك أيّها السامع، ولا تنظر إلى ما عليه الكفرة من السّعة، ولا تغترر بظاهر ما ترى من تبسّطهم في مكاسبهم، ومتاجرهم، ومزارعهم... إلخ. الإعراب: ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿يَغُرَّنَّكَ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له في محل جزم ب ﴿لا﴾ الناهية، والكاف مفعول به. ﴿تَقَلُّبُ﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿فِي الْبِلادِ:﴾ متعلقان بالمصدر: ﴿تَقَلُّبُ﴾. ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧)﴾ الشرح: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٨٥] وسمّاه الله: قليلا؛ لأنّه فان، وكلّ فان قليل؛ وإن كان كثيرا لقصر مدته، أو في جنب ما أعدّ الله للمؤمنين في الآخرة. وفي صحيح الترمذي عن المستورد الفهري-﵁-قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «ما الدّنيا في الآخرة، إلاّ

стр. 1053

كما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع؟». ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. هذا وبيّن الله تعالى في كثير من الآيات: أنّ إعطاء الله الدّنيا للكافرين، إنّما هو إمهال لا إهمال، واستدراج لا إكرام، قال تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧٨]. وعن عمر-﵁-قال: جئت رسول الله ﷺ فإذا هو في مشربة، وإنّه لعلى حصير، ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، وعند رجليه قرظ مصبور، وعند رأسه أهب معلّقة، فرأيت الحصير قد أثر في جنبه، فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ قلت: يا رسول الله! إنّ كسرى، وقيصر فيما هما فيه؛ وأنت يا رسول الله! تنام على حصير قد أثّر في جنبك؟! قال: «أما ترضى أن تكون لهما الدّنيا، ولنا الآخرة». رواه البخاريّ، ومسلم. وفي رواية عن ابن مسعود أطول من هذا؛ وفيه: «ما أنا في الدّنيا إلاّ كراكب استظلّ تحت شجرة، ثمّ راح، وتركها». المشربة: الغرفة. الإعراب: ﴿مَتاعٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف؛ أي: تقلّبهم متاع. ﴿قَلِيلٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، أو هي في محل نصب حال من: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ﴾ والرابط: المبتدأ المقدّر. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿مَأْواهُمْ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله في المعنى ما هو خبر عنه وهو: ﴿جَهَنَّمُ﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ:﴾ تقدم إعرابها كثيرا، والمخصوص بالذمّ محذوف، التقدير: هي جهنم. ﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨)﴾ الشرح: ﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ:﴾ فيما أمرهم به من العمل بطاعته، واتّباع مرضاته، واجتناب ما نهاهم عنه من معاصيه. هذا؛ ويقرأ بتشديد نون (﴿لكِنِ﴾). ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها:﴾ تقدّم شرح هذه الكلمات كثيرا. ﴿نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ النّزل: ما يعدّ للنازل، أي: للضيف من طعام، وشراب، وإكرام. قال أبو الشعراء الضبّي، وهو على سبيل الاستعارة التهكميّة: [الطويل] وكنّا إذا الجبّار بالجيش ضافنا... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا هذا؛ وذكر أبو البقاء رحمه الله تعالى: أنه يجوز أن يكون جمع: نازل، كما قال الأعشى في معلقته: [البسيط] إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا... أو تنزلون فإنّا معشر نزل

стр. 1054

هذا؛ ويقرأ («نزل») بضم الزاي وسكونها، مثل: عسر، وحلم... إلخ قال عيسى بن عمر -رحمه الله تعالى-: كل اسم على ثلاثة أحرف يجوز ضمّ ثانيه، وسكونه. الإعراب: ﴿لكِنِ:﴾ حرف استدراك مهمل لا عمل له على تخفيفه، وحرف مشبّه بالفعل على تشديده. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، أو هو في محل نصب اسم: (لكنّ) على تشديده. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف لتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جَنّاتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر: ﴿الَّذِينَ﴾ و ﴿جَنّاتٌ﴾ فاعل بمتعلقه؛ فالتقدير: يوجد لهم جنات، وجملة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:﴾ في محل رفع صفة: ﴿جَنّاتٌ،﴾ وأجاز مكي اعتبارها في محل نصب حال من متعلّق: ﴿لَهُمْ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة وقال مكي: حال من الضمير المخفوض في: ﴿لَهُمْ﴾ وهي حال مقدّرة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر تقديره: هم. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿نُزُلاً:﴾ مفعول مطلق مؤكد، فعله محذوف، التقدير: يقال لهم: انزلوها نزلا. وقيل: حال. وقيل: تمييز. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان ب: ﴿نُزُلاً﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿عِنْدِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿لكِنِ الَّذِينَ﴾ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عِنْدِ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿عِنْدِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم للتفخيم، والتعظيم. ﴿لِلْأَبْرارِ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩)﴾ الشرح: قال ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك-﵃: نزلت في النّجاشي ملك الحبشة، واسمه: أصحمة، ومعناه في العربية: عطية، وذلك: أنّه لمّا مات؛ نعاه جبريل-﵇-لرسول الله ﷺ في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «اخرجوا، فصلّوا على أخ لكم، مات بغير أرضكم النّجاشيّ». فخرج إلى البقيع، وكشف له إلى

стр. 1055

أرض الحبشة، فأبصر سرير النجاشي، فصلى عليه، وكبّر أربع تكبيرات، واستغفر له، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلّي على علج حبشيّ نصرانيّ، لم يره قط، وليس على دينه، فأنزل الله تعالى الآية الكريمة. وبهذا استدلّ الشّافعي-﵁-على صلاة الغائب. وقيل: نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الرّوم كانوا على دين عيسى، ﵇، فآمنوا بالنبيّ ﷺ ، وصدّقوه. وقيل: نزلت في عبد الله بن سلام، وأصحابه. وقيل: نزلت في جميع مؤمني أهل الكتاب. وهذا القول أولى؛ لأنه لمّا ذكر أحوال الكفار، وأحوال أهل الكتاب، وأنّ مصيرهم إلى النار؛ ذكر حال من آمن من أهل الكتاب، وأنّ مصيرهم إلى الجنّة. ﴿خاشِعِينَ لِلّهِ﴾ يعني: خاضعين لله، متواضعين له غير مستكبرين. وانظر الخشوع في الصّلاة في أول سورة (المؤمنون) فإنّه جيد، والحمد لله! ﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ يعني: لا يغيّرون كتبهم، ولا يحرّفونها، ولا يكتمون صفة محمد ﷺ لأجل الرئاسة، والمآكل، والرّشا، كما يفعله غيرهم من علماء اليهود، وسمّاه الله: قليلا؛ لأنه لا بقاء له، ولا قيمة له بجانب نعيم الآخرة الدّائم. ﴿أُولئِكَ:﴾ إشارة إلى من هذه صفته من أهل الكتاب. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ:﴾ لهم ثواب أعمالهم؛ التي عملوها لله في الدنيا، مدخر لهم عند الله، يوفّيهم إيّاه يوم القيامة. والعنديّة عنديّة تكريم، وتشريف، لا عندية مكان. إن الله سريع الحساب: انظر الآية رقم [١٩] وخذ ما يلي: فعن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيّه، وآمن بمحمد ﷺ ، والعبد المملوك إذا أدّى حقّ الله، وحقّ مواليه، ورجل كانت عنده أمة يطؤها، فأدّبها، فأحسن تأديبها، وعلّمها، فأحسن تعليمها، ثمّ أعتقها، وتزوّجها، فله أجران». متفق عليه. الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿مِنْ أَهْلِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (﴿إِنَّ﴾) تقدّم على اسمها. و ﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَمَنْ:﴾ اللام: لام الابتداء. (﴿مِنْ﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (﴿إِنَّ﴾) مؤخر، وانظر الآية رقم [١١٠]: وقس هذه عليها. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: هو. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة: (﴿مِنْ﴾) لا محل لها، والجملة الاسمية: (﴿إِنَّ مِنْ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محل لها. (﴿ما﴾): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر معطوفة على لفظ الجلالة. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿خاشِعِينَ:﴾ حال من فاعل: ﴿يُؤْمِنُ﴾ المستتر، وجمعه باعتبار المعنى، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان

стр. 1056

ب ﴿خاشِعِينَ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان به، (آيات): مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، ﴿ثَمَناً:﴾ مفعول به. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل نصب حال أيضا من فاعل: ﴿يُؤْمِنُ﴾ المستتر، فتعدّدت الحال وهي مختلفة إفرادا، وجملة. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿أَجْرُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة، والجملة الاسمية في محلّ رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلّقين بمحذوف خبر: ﴿أُولئِكَ﴾ ف: ﴿أَجْرُهُمْ﴾ يكون فاعلا بمتعلق الجار والمجرور، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿أَجْرُهُمْ﴾ لأنه مصدر. و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جرّ بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و ﴿الْحِسابِ﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام، لا محلّ لها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١٠٠] ﴿اِصْبِرُوا:﴾ انظر «الصّبر» في الآية رقم [٤٥] من سورة (البقرة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَصابِرُوا:﴾ غالبوا أعداءكم بالصبر على شدائد الحرب، ومنه: مغالبة الشّيطان فيما يأمر به، ومغالبة النفس الأمارة بالسّوء فيما تأمر به. وتخصيصه بالذكر بعد الأمر بالصبر مطلقا لشدّته. والمصابرة: مكافحة الأعداء، والثبات في الميدان، ومنه قول عنترة: [الطويل] فلم أر حيّا صابروا مثل صبرنا... ولا كافحوا مثل الّذين نكافح ﴿وَرابِطُوا:﴾ المرابطة هي: الحراسة، والوقوف في الثغور مترصدين للعدو، ولصدّ هجمات الأعداء والمعتدين، فعن سهل بن سعد-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدّنيا، وما عليها. وموضع سوط أحدكم من الجنّة خير من الدّنيا، وما عليها. والرّوحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة خير من الدّنيا وما عليها» متّفق عليه. وعن فضالة بن عبيد-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «كلّ ميّت يختم على عمله إلاّ المرابط في سبيل الله، فإنّه ينمي له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر». أخرجه أبو داود، والترمذي. وعن عثمان بن عفان-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 1057

«حرس ليلة في سبيل الله، أفضل من ألف ليلة، يقام ليلها، ويصام نهارها». أخرجه الحاكم. وعن ابن عباس-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عينان لا تمسّهما النّار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله». أخرجه الترمذيّ. هذا؛ وقال ابن عباس-﵄-المرابطة: المداومة في مكان العبادة، وانتظار الصّلاة بعد الصلاة. ويشهد له قول النبي ﷺ : «ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويكفّر به الذنوب؟» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة، فذلكم الرّباط». رواه ابن حبّان عن جابر بن عبد الله، ﵁، وأخرجه مسلم، وغيره من رواية أبي هريرة. الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء. (﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾): انظر الآية رقم [١٣٠]. ﴿اِصْبِرُوا:﴾ فعل أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ:﴾ تقدّم إعراب مثلها كثيرا. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيّدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم. انتهت سورة آل عمران شرحا، وإعرابا. فلله الحمد والمنّة، ونسأله الوفاة على الكتاب والسّنّة.

стр. 1058

سورة النّساء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (النساء) مدنية إلا آية واحدة نزلت في مكّة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها..﴾. إلخ، وهي رقم [٥٨]. وهي مائة وخمس وسبعون آية، وثلاث آلاف وخمس وأربعون كلمة، وستة عشر ألف حرف وثلاثون حرفا انتهى. خازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١)﴾ الشرح: ١ - سمّيت سورة النساء لكثرة ما ورد فيها من الأحكام؛ التي تتعلّق بهنّ بدرجة لم توجد في غيرها من السّور، ولذلك أطلق عليها اسم سورة (النّساء الكبرى) في مقابلة سورة (النساء الصّغرى) التي عرفت في القرآن بسورة (الطلاق). ٢ - قال عبد الله بن مسعود-﵁: إنّ في سورة (النساء) لخمس آيات ما يسرّني أن لي بها الدنيا، وما فيها: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ،﴾ و ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ و ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ..﴾. إلخ، و ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ﴾ و ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾. رواه ابن جرير. ٣ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ نداء يعمّ بني آدم جميعا، كقوله تعالى في سورة (الأعراب): ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾. ﴿اِتَّقُوا رَبَّكُمُ:﴾ خافوا ربّكم، واحذروا غضبه، وانتقامه؛ إن عصيتموه، وخالفتم أوامره، ونواهيه. ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ:﴾ وهو آدم، عليه ألف صلاة، وألف سلام، وإنّما أنّث ﴿واحِدَةٍ:﴾ على لفظ النفس، وإن كان المراد به آدم، وهو ذكر، كما قال بعضهم: [الوافر] أبوك خليفة ولدته أخرى... وأنت خليفة ذاك الكمال ﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ يعني: حواء، وذلك: أنّ الله تعالى لمّا خلق آدم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ألقى عليه النّوم، ثمّ خلق حوّاء من ضلع من أضلاعه اليسرى، وهو قصير، فلمّا استيقظ؛ رآها جالسة عند رأسه، فقال لها: من أنت؟ قالت امرأة، قال: لماذا

стр. 1059

خلقت؟ قالت: لتسكن إليّ، وأسكن إليك. فمال إليها، وألفها؛ لأنّها خلقت منه. هذا هو المشهور، وتؤيّده الأحاديث الشريفة، ولكن هناك من يتبجّح، ويقول: إن الله خلقها بدون واسطة، يعني: أنّ الله خلقها من تراب، كما خلق آدم، ولهذا يقدّرون مضافا محذوفا، فيقولون: الأصل من جنسها، أي: من البشر، وهاك قول الشاعر: [الطويل] هي الضّلع العوجاء لست تقيمها... ألا إنّ تقويم الضّلوع انكسارها أتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى... أليس عجيبا ضعفها واقتدارها وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «استوصوا بالنّساء، فإنّ المرأة خلقت من ضلع، وإنّ أعوج ما في الضّلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه؛ كسرته، وإن تركته؛ لم يزل أعوج. فاستوصوا بالنّساء». رواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما. وروى ابن أبي حاتم عن قتادة، عن ابن عباس-﵄: «خلقت المرأة من الرّجل، فجعلت نهمتها في الرّجل، وخلق الرّجل من الأرض، فجعلت نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم». ﴿وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ أي: نشر، وفرّق من آدم، وحواء خلائق كثيرين ذكورا، وإناثا. وإنّما وصف الله الرّجال بالكثرة دون النساء؛ لأنّ حال الرّجال أتمّ، وأكمل، وهذا كالتنبيه على أنّ اللائق بحال الرّجال الظهور، والاستشهار، وبحال النّساء الاختفاء والخمول، والواقع والمشهور: أن نسبة الإناث أكثر من الذّكور في كلّ زمان، ومكان. هذا؛ والرّجل مشتق من الرجولة، وهي الشّجاعة، والنّجدة، والمرأة مشتقة من المرء، وهو الرّجل الذي خلقت منه، كما رأيت. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ كرّره للتأكيد، ولا تنس الطّباق بين: ﴿رِجالاً﴾ و (﴿نِساءً﴾) ﴿تَسائَلُونَ بِهِ:﴾ يسأل بعضكم بعضا به، فيقول: أسألك بالله، وقد حذفت منه تاء المضارعة، أصله: تتساءلون، وقرئ بتشديد السّين؛ فأدغمت التاء الثانية في السّين. ﴿وَالْأَرْحامَ﴾ أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها. ويقرأ بكسر الميم عطفا على الضمير المجرور بالباء، وقد استقبحها كثير من العلماء. قال أبو العباس المبرّد-رحمه الله تعالى-: لو صليت خلف إمام يقرأ: («ما أنتم بمصرخيّ»)، («واتّقوا الله الّذي تساءلون به والأرحام»)؛ لأخذت نعلي، ومضيت. ومنه قول الشاعر: [البسيط] فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا... فاذهب فما بك والأيّام من عجب ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً:﴾ حافظا، أو عالما، أو مطّلعا. هذا؛ و (الأرحام) جمع رحم، وهو القريب من جهة الأب، أو من جهة الأم، وقد عطف الله الأرحام على اسمه تنبيها على مكانتها عنده، كيف لا وقد أمر الله بصلتها في كثير من الآيات، وحذّر من قطعها، وهو الذي يقول في سورة (محمّد) ﷺ : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ﴾

стр. 1060

لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ. والرسول ﷺ حثّ على صلة الأرحام، وحذّر من قطعها، وخذ ما يلي: فعن أنس بن مالك-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه». أخرجه البخاري، ومسلم. وعن عائشة-﵂-عن النبي ﷺ قال: «الرّحم متعلّقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله». رواه البخاريّ، ومسلم. وعن أبي هريرة-﵁-قال، قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله خلق الخلق حتّى إذا فرغ منهم؛ قامت الرّحم، فقالت: هذا مقام العائد بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى! قال: فذاك لك، ثمّ قال رسول الله ﷺ : اقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ»﴾. رواه البخاريّ، ومسلم. قال المرحوم سليمان الجمل: ومعلوم: أنّ (كان) في القرآن الكريم على أوجه: بمعنى الأزل، والأبد، وبمعنى المضي المنقطع، وهو الأصل في معناها، وبمعنى الحال، وبمعنى الاستقبال، وبمعنى: «صار» وبمعنى: «ينبغي» وبمعنى: «حضر» أو «وجد» أو «حصل» وترد للتأكيد، وهي الزائدة. انتهى نقلا عن كرخي، ولو قلنا: إنّ «كان» من أفعال الاستمرار، ومعنى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ كان، ولم يزل كائنا إلى يوم القيامة، وإلى أبد الآبدين في الدّنيا، والآخرة لكان كافيا وافيا. الإعراب: (﴿يا﴾): حرف نداء ينوب مناب «أدعو» أو أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾) وها: حرف تنبيه لا محلّ لها، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿النّاسُ﴾ بعضهم يعرب هذا، وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد «أيّ» واسم الإشارة إن كان مشتقّا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا؛ فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع، أعني: (أيّ) منصوب محلاّ، وكذا التابع أعني: (﴿النّاسُ﴾) فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللّفظية، وإنّما أتبعت ضمة البناء مع أنّها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمّة بناء؛ لكنّها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده الصبّان؛ لأنه قال: والمتجه وفاقا لبعضهم: أن ضمة التابع إتباع، لا إعراب، ولا بناء. وقيل: إنّ رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرّفع، وأجيب بأنّ العامل يقدّر من لفظ عامل المتبوع مبنيّا للمجهول، نحو: «يدعى» وهو مع ما فيه من التكلّف يؤدّي إلى قطع المتبوع. وقيل: إن رفع التابع المذكور بناء؛ لأنّ المنادى في الحقيقة هو المحلّى بال، ولكن لمّا لم يمكن إدخال حرف النداء عليه؛ توصّلوا إلى

стр. 1061

ندائه ب (أيّ) أي: مع قرنها بحرف التنبيه. وردّه بعضهم بأنّ المراعى في الإعراب اللّفظ، وأنّ الأول منادى، والثاني تابع له. ﴿اِتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها مبتدأة كالجملة الندائية قبلها. ﴿رَبَّكُمُ:﴾ مفعول به، والكاف في محلّ جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿رَبَّكُمُ﴾. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ نَفْسٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿واحِدَةٍ:﴾ صفة: ﴿نَفْسٍ﴾ وجملة: ﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها:﴾ معطوفة على ما قبلها. وقيل: معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أنشأها، وخلق... إلخ. (﴿بَثَّ﴾): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿مِنْهُما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿رِجالاً:﴾ مفعول به. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة له ﴿وَنِساءً:﴾ معطوف على: ﴿رِجالاً﴾ وحذفت صفته لدلالة الأول عليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿تَسائَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿وَالْأَرْحامَ:﴾ بالنصب. فهو على وجهين: أحدهما: أنه معطوف على لفظ الجلالة، والثاني: أنه معطوف على محل: ﴿بِهِ﴾ لأنهما في محل نصب مفعول به، وقرئ بالجر عطفا على محل الهاء، وهو ضعيف كما رأيت في الشرح، كما قرئ بالرّفع على أنه مبتدأ خبره محذوف، التقدير: والأرحام كذلك، وهو ضعيف أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿رَقِيباً:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، أو هي مستأنفة، أو هي معترضة في آخر الكلام، لا محلّ لها على جميع هذه الوجوه. ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢)﴾ الشرح: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ..﴾. إلخ: نزلت الآية الكريمة في رجل من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم، فلمّا بلغ اليتيم؛ طلب المال، فمنعه عمّه، فنزلت، فقال العمّ: نعوذ بالله من الحوب الكبير! وردّ المال، فقال النبي ﷺ : «من يوق شحّ نفسه، ورجع به-هكذا-فإنّه يحلّ داره». يعني: جنته. فلمّا قبض الفتى المال؛ أنفقه في سبيل الله. فقال النبي ﷺ : «ثبت

стр. 1062

الأجر، وبقي الوزر». فقيل: كيف يا رسول الله؟! قال: «ثبت الأجر للغلام، وبقي الوزر على والده». لأنّه كان مشركا. هذا؛ وإيتاء المال لليتامى: تسليمهم مالهم الّذي كان تحت يد الوصي، أو القيّم، أو القاضي، وسمّاهم الله يتامى باعتبار ما كان؛ أي: الذين كانوا يتامى؛ لأنه لا يتم بعد البلوغ، وكان يقال: يتيم أبي طالب للنّبيّ ﷺ استصحابا لما كان. ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: المال الحرام. ﴿بِالطَّيِّبِ:﴾ بالمال الحلال، وهذا الخطاب لأولياء اليتامى في كلّ زمان، ومكان، فكانوا في الجاهلية، وصدر الإسلام يعمد أحدهم إلى الرديء من ماله، فيبدله بالجيّد من مال اليتيم، ويقولون: اسم باسم، ورأس برأس: فنهاهم الله عن ذلك. ولا تنس الطّباق بين: ﴿الْخَبِيثَ﴾ و (الطيب). ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾ أي: لا تضمّوا أموال اليتامى إلى أموالكم؛ فتختلط فيها، ويحصل الجور، والظلم. وقيل: إنّ ﴿إِلى﴾ بمعنى: مع. ﴿إِنَّهُ كانَ حُوباً:﴾ ذنبا عظيما، والهاء عائدة على المصدر، وهو الأكل المفهوم من (﴿لا تَأْكُلُوا﴾). هذا؛ والتحوّب: التحزّن، والصّياح الشّديد، وهو أيضا: التوجّع، قال طفيل: [الطويل] فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب هذا؛ واليتامى جمع: يتيم، وهو من فقد أباه، وأمّه، أو فقدهما معا، وقد يغلب أن يكون المراد: من فقد معيله، وهو الأب من بني آدم، والأمّ من الحيوانات والطّيور. وهناك يتيم العقل، والأدب، والتربية، والخلق، والدين، وهو أسوأ حالا من الأول، وإن كان بلغ من العمر الخمسين، والستّين، ويملك من المال الملايين. ولله درّ القائل: [البسيط] ليس اليتيم الّذي قد مات والده... إنّ اليتيم يتيم العلم والأدب وخذ قول الآخر: [الكامل] ليس اليتيم من انتهى أبواه من... همّ الحياة وخلّفاه ذليلا إنّ اليتيم هو الّذي تلقى له... أمّا تخلّت أو أبا مشغولا الإعراب: ﴿وَآتُوا﴾ الواو: حرف عطف. (﴿آتُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، لا محلّ لها أيضا. ﴿الْيَتامى:﴾ مفعول به أوّل منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿أَمْوالَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَتَبَدَّلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿الْخَبِيثَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالطَّيِّبِ:﴾

стр. 1063

متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْخَبِيثَ﴾ أي: مستبدلا بالطيب، والباء داخلة على المتروك. ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِلى أَمْوالِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَمْوالَهُمْ﴾ التقدير: مضافة إلى أموالكم، والهاء، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها، وهي مفيدة للتعليل. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا (٣)﴾ الشرح: روى الأئمة-واللّفظ لمسلم-: عن عروة بن الزبير، عن عائشة-﵂ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ..﴾. إلخ قالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليّها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها، وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوجها من غير أن يقسط لها في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سنّتهنّ من الصّداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء سواهنّ. انتهى قرطبي. هذا؛ و «تقسطوا» من الرّباعي بمعنى: تعدلوا، قال تعالى في سورة الحجرات: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. وهو من الثلاثي بمعنى: جار، وظلم، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾. ﴿فَانْكِحُوا:﴾ تزوّجوا. ﴿ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ:﴾ ما حلّ لكم من النساء؛ لأنّ منهنّ ما حرم كاللاتي في آية التحريم رقم [٢٢]: الآتية. هذا؛ ووقعت: ﴿ما﴾ على النساء، وهنّ عاقلات، وهي لغير العاقل، كما هو معروف؛ لأنّهن ناقصات العقل، كما وقعت على النساء الإماء أيضا؛ ولأنهن ناقصات العقل أيضا، ولأنّهن يبعن، ويشترين كالبهائم، وتقديم المهر للمرأة الحرّة بمنزلة الثمن للأمة. وأيضا: إنّ «من وما» قد يتعاقبان، وقد يتقارضان، قال تعالى: ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ انظر سورة (الشمس) وقال تعالى في سورة (النّور): ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ..﴾. إلخ. هذا؛ و «خفتم» أصله: خوفتم، فنقلت حركة الواو إلى الخاء قبلها، بعد سلب فتحتها، فسكنت الواو، ثمّ حذفت لالتقاء السّاكنين، فالكسرة على الخاء للدّلالة على حركة المحذوف، ولو كانت دليلا على المحذوف؛ لكانت ضمّة. ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ:﴾ هذه الألفاظ معدولة عن اثنتين اثنتين، وثلاث ثلاث، وأربع أربع. وينبغي أن تعلم: أن الواو بمعنى «أو» للتخيير هنا، وليست لمطلق الجمع، ولو كانت كذلك؛ لكان يحلّ للمسلم الجمع بين تسع نسوة، وهو قول الشّيعة، وقد بينت السنة الشّريفة الحجر على المسلم في الجمع بين أكثر من أربع نسوة. وخذ ما يلي:

стр. 1064

عن الحارث بن قيس-﵁، قال: أسلمت وعندي ثماني نسوة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «اختر منهنّ أربعا» أخرجه الترمذيّ. وعن ابن عمر-﵄: أنّ غيلان بن سلمة، أو ابن أمية الثقفي-﵁-أسلم، وتحته عشرة نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره رسول الله ﷺ أن يختار منهن أربعا، ويترك سائرهن، فإن ذلك ما اختصّ به ﷺ انظر ما ذكرته في سورة (الأحزاب) بشأن خصوصياته ﷺ ؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ ومجيء الواو بمعنى «أو» وارد في لسان العرب بكثرة، منه قول كثيّر عزّة-وهو الشاهد رقم [٦٦٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] وقالوا نأت فاختر لها الصّبر والبكا... فقلت البكا أشفى إذا لغليلي انظره، وانظر ما بعده من شواهد. ومجيء «أو» بمعنى الواو وارد أيضا في لسان العرب بكثرة، من ذلك قول جرير في مدح الخليفة عمر بن عبد العزيز-﵁: [البسيط] جاء الخلافة أو كانت له قدرا... كما أتى ربّه موسى على قدر انظره في كتابنا: «فتح القريب المجيب» وانظر ما بعده برقم [٩٦] وما بعده. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ أي: إن خفتم أن لا تقدروا على العدل بين الزّوجات المتعدّدة؛ فاقتصروا على واحدة، ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ من الإماء، والسراري؛ أي: وإن خفتم من الجور، وعدم العدل؛ فاقتصروا على حرّة واحدة، وما ملكتم من الإماء، والسّراري؛ إذ ليس لهنّ قسم مثل الزّوجات الحرائر. هذا؛ وأسند تعالى الملك إلى اليمين؛ إذ هي صفة مدح، واليمين مخصوص بالمحاسن؛ لتمكّنها، ويعبّر باليمين عن القوّة، مثل قوله تعالى في سورة (الصّافات): ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ وقال تعالى في سورة (الحاقة): ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾. واليمين هي المبايعة، وبها سمّيت الألية يمينا، وهي الملتقية لرايات المجد، والسّؤدد، كما قال الشّمّاخ في عرابة الأوسي-﵁: [الوافر] إذا ما راية رفعت لمجد... تلقّاها عرابة باليمين وقال آخر: [الطويل] ولمّا رأيت الشّمس أشرق نورها... تناولت منها حاجتي بيميني هذا؛ و «الإيمان» بكسر الهمزة هو التّصديق بالجنان، والإقرار باللّسان، والعمل بالأركان. ولمّا سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر: خيره، وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد كما بينته في الآية رقم [٢]: من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة، وفروع عديدة، وهي سبع وسبعون، أعلاها: (لا إله إلاّ الله) وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق.

стр. 1065

﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ أي: ذلك أقرب إلى ألا تميلوا عن الحقّ، وتجوروا. يقال: الرّجل يعول إذا جار، ومال، ومنه قولهم: عال السّهم عن الهدف: مال عنه. قال ابن عمر-﵁: إنّه لعائل الكيل، والوزن، قال الشاعر: [البسيط] قالوا اتّبعنا رسول الله واطّرحوا... قول الرّسول وعالوا في الموازين أي: جاروا. وعال الرّجل، يعيل: إذا افتقر، فصار عالة، ومنه قول تعالى في سورة (التوبة): ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾. ومنه قول أحيحة بن الجلاح: [الوافر] وما يدري الفقير متى غناه... وما يدري الغنيّ متى يعيل وقال الشافعي-﵁: ﴿أَلاّ تَعُولُوا:﴾ ألا تكثر عيالكم. قال الكسائي: العرب تقول: عال، يعول، و: أعال، يعيل: إذا كثر عياله، وقال أبو عمر الدّوري، وكان إماما في اللّغة غير مدافع،: هي لغة حمير، وأنشد قول الشاعر: [الوافر] وإنّ الموت يأخذ كلّ حيّ... بلا شكّ وإن أمشى وعالا أي: وإن كثرت ماشيته، وعياله. وقرأ طلحة بن مصرّف: («ألاّ تعيلوا») من: أعال الرّباعي، وهي حجّة للشافعي-﵁. تنبيه: مسألة تعدّد الزّوجات ضرورة إنسانيّة، اقتضتها ظروف الحياة، وهي ليست تشريعا، فنظمه، وشذّبه، وجعله علاجا، ودواء لبعض الحالات الاضطرارية الّتي يعاني منها المجتمع، مثل: عقم المرأة، وعدم صلاحيتها للوطء في بعض الحالات. وفي الحقيقة: إن تشريع التعدّد مفخرة من مفاخر الإسلام؛ لأنه استطاع أن يحلّ مشكلة اجتماعيّة هي من أعقد المشاكل، التي تعاينها الأمم، والمجتمعات اليوم، فلا تجد لها حلاّ، فهو سلاح يسيء الكثير من المسلمين استعماله بسبب الجور، والظّلم. إنّ المجتمع كالميزان، يجب أن تتعادل كفتاه، فماذا نصنع حين يختل التوازن، ويصبح عدد النساء أضعاف عدد الرّجال؟ وهو في كلّ زمان، ومكان أكثر من الرّجال، أتحرم المرأة من نعمة الزّوجية، ونعمة الأمومة، ونتركها تسلك طريق الفاحشة، والرذيلة، أم نحلّ هذه المشكلة بتعدّد الزّوجات، وهي طرق فاضلة، نصون فيها كرامة المرأة، وطهارة الأسرة، وسلامة المجتمع؟ وأقرب الأمثلة شاهدا على ما نقول ما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث زاد عدد النساء على الرّجال زيادة فاحشة، فأصبح مقابل كلّ شاب ثلاث فتيات، وهي حالة اختلال اجتماعي، فكيف يواجهها المشرّع؟ لقد حلّ الإسلام بتشريعه الرائع بتعدّد الزوجات، بينما وقفت المسيحية حائرة مكتوفة الأيدي، لا تبدي، ولا تعيد. إنّ الرّجل الأوربي لا يبيح له دينه التعدّد، لكنّه يبيح لنفسه مصاحبة المئات من الفتيات بطريق الرّذيلة، يرى الوالد منهم فتاته مع عشيقها، فيسرّ، ويغتبط، بل ويمهّد لهما السبل المؤدية

стр. 1066

لراحتهما؛ حتى أصبح ذلك عرفا ساريا، اضطرت معه الدّول إلى الاعتراف بمشروعية العلاقات الآثمة بين الجنسين، ففتحت باب التدهور الخلقي على مصراعيه، ووافقت على قبول مبدأ (تعدّد الزوجات) ولكن تحت ستار المخادنة، وهو زواج حقيقي، لكنّه غير مسجّل بعقد، ويستطيع الرّجل أن يطردها متى شاء دون أن يتقيد حيالها بأي حقّ من الحقوق، والعلاقة بينهما علاقة جسد، لا علاقة أسرة، وزوجية، فيا عجبا ممّن من منع تعدّد الزوجات بالحلال، وأباحه بالحرام! حتى نزلوا بالمرأة من مرتبة الإنسانية إلى مرتبة الحيوانية، انتهى صفوة التفاسير بتصرف بسيط مني، ثم أنشد قول القائل: [الخفيف] ربّ إنّ الهدى هداك وآيا... تك حقّ تهدي بها من تشاء هذا؛ ويستدلّ بعض جهلة علماء السّوء في هذا الزّمن بهذه الآية، وفي الآية رقم [١٢٩]: الآتية على وجوب الاقتصار على زوجة واحدة، وهو استدلال باطل محض، تردّه الشريعة الغرّاء، والسّنّة النبويّة المطهّرة، فويل لهم ممّا يأفكون! الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَلاّ:﴾ (﴿إِنْ﴾): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿تُقْسِطُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿إِنْ﴾) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و (﴿إِنْ﴾) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به صريح، أو هو في محل جر بحرف جرّ محذوف، التقدير: إن خفتم من عدم العدل، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي الْيَتامى:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَانْكِحُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، هذا في الظاهر، وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-واتّفق كلّ من يعاني العلوم على: أنّ هذا الشرط لا مفهوم له، وأقول-وبالله التوفيق-: إنّ جواب الشرط محذوف، التقدير: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى؛ فلا تتزوجوهنّ، والفاء هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منكم؛ فانكحوا غيرهنّ ما طاب. ﴿وَإِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿فَانْكِحُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، وهو «إذا» المقدّرة، وهذه الجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿طابَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، واعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية ضعيف. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ النِّساءِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل طاب

стр. 1067

المستتر، و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾. ﴿مَثْنى:﴾ حال من فاعل: ﴿طابَ﴾ المستتر. وقيل: حال من: ﴿النِّساءِ﴾. وقيل: بدل من: (﴿ما﴾) وضعفهما الجمل نقلا عن السمين، وما بعدها معطوف عليه، ولم تنوّن؛ لأنها ممنوعة من الصّرف، للصّفة، والعدل. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. (واحدة): مفعول به لفعل محذوف، التقدير: فانكحوا واحدة، وقرئ بالرفع، التقدير: فواحدة كافية، فتكون الجملة اسمية، وعلى الاعتبارين فالجملة في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد، والجملة الشّرطية مستأنفة لا محلّ لها. أو: حرف عطف. ﴿ما:﴾ معطوفة على (واحدة) على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿مَلَكَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْمانُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محلّ جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: ملكته أيمانكم. وقال مكي: ﴿ما﴾ مصدرية، وهو ضعيف جدّا. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَدْنى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿أَلاّ تَعْدِلُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿أَلاّ تُقْسِطُوا﴾ وهو مثله في التقدير، أي: أدنى من عدم العول، أو: أدنى إلى عدم العول، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿أَدْنى﴾. ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤)﴾ الشرح: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ أي: أعطوا النّساء مهورهنّ عطية عن طيب خاطر، وسماحة نفس. وقال ابن عباس، وغيره: الخطاب للأزواج. وقيل: للأولياء، فقد كان الولي في الجاهلية يأخذ مهر المرأة، ولا يعطيها شيئا، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يدفعوا ذلك إليهنّ، ولا تزال آثار الجاهلية فاشية في المجتمع البدويّ، ومن على شاكلتهم من الذين لم يتذوّقوا معنى الإيمان، ولم يعرفوا تعاليم الإسلام. وأقول: إنّ الخطاب يعمّ الأزواج، والأولياء جميعا، وعلى السّواء، وخذ ما يلي: عن ميمون الكردي، عن أبيه-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيّما رجل تزوّج امرأة على ما قلّ من المهر، أو كثر، ليس في نفسه أن يؤدّي إليها حقّها، خدعها، فمات، ولم يؤدّ إليها حقّها؛ لقي الله يوم القيامة وهو زان. وأيّما رجل استدان دينا، لا يريد أن يؤدّي إلى صاحبه حقّه، خدعه؛ حتّى أخذ ماله، فمات؛ ولم يؤدّ إليه دينه؛ لقي الله؛ وهو سارق». رواه الطّبرانيّ في الصّغير، والأوسط، ويلحق بهذا من يغتصبها صداقها بعد زواجه بها. هذا؛ و ﴿نِحْلَةً:﴾ عطيّة، وهبة، ومنحة. فعن أيوب بن موسى، عن أبيه، عن جده-﵃: أن رسول الله ﷺ قال: «ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن». رواه الترمذيّ.

стр. 1068

﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ..﴾. إلخ. أي: سمحن، ووهبن عن طيب نفس للأزواج، أو للأولياء عن شيء من مهورهنّ، فلا بأس به بعد قبضها له. وقالوا: إذا كان بعد سنة من زواجها؛ لأنّها صاحبة الحق، تفعل في مهرها ما تشاء، والضمير في منه يعود إلى الصّداق المفهوم مما تقدّم. ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ أي: لا إثم فيه، ولا حرج، ولا داء فيه أيضا. أو هنيئا في الدنيا بلا مطالبة، مريئا في العقبى بلا تبعة. وهما صفتان من: هنؤ الطّعام، ومرؤ: إذا كان سائغا، لا تنغيص فيه. ومنه قول كثيّر عزّة: [الطويل] هنيئا مريئا غير داء مخامر... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت روي: أن رجلا دخل على علقمة؛ وهو يأكل شيئا وهبته له امرأته من مهرها، فقال له: كل من الهنيء، والمرئ. وروي عن عليّ-﵁، وكرم الله وجهه-: أنه قال: إذا اشتكى أحدكم شيئا، فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها، ثم ليشتر بها عسلا، فليشربه بماء السّماء، فيجمع الله هنيئا، ومريئا، وشفاء، ومباركا. وروي: أن ناسا يأكلون يتأثّمون أن يقبل أحدهم من زوجته شيئا ممّا ساقه إليها من المهر، فنزلت الآية الكريمة. الإعراب: ﴿وَآتُوا النِّساءَ﴾ مثل سابقه في إعرابه، ﴿صَدُقاتِهِنَّ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿نِحْلَةً:﴾ مفعول مطلق على حد: قعدت جلوسا، أو هو حال بمعنى: ناحلين إن كان من واو الجماعة، أو بمعنى: منحولين، إن كانت من النّساء، أو من الصّدقات. وقيل: هو تمييز. (إن): حرف شرط جازم. ﴿طِبْنَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عَنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان به أيضا. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿شَيْءٍ﴾. ﴿نَفْساً:﴾ تمييز محول عن الفاعل. ﴿فَكُلُوهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (كلوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها... إلخ. ﴿هَنِيئاً مَرِيئاً:﴾ حال من الضمير المنصوب. وقيل: هما صفتان لمفعول مطلق محذوف، التقدير: أكلا هنيئا مريئا، والأول أقوى، وهما بمعنى: مهنّأ ممرّأ، و (إن) ومدخولها كلام مفرغ عمّا قبله لا محل له من الإعراب. ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وَاُرْزُقُوهُمْ فِيها وَاُكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥)﴾ الشرح: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ..﴾. إلخ: لمّا أمر الله بدفع أموال اليتامى إليهم فيما تقدّم، وإيصال الصّدقات إلى الزّوجات؛ بيّن أنّ السّفيه، وغير البالغ لا يجوز دفع ماله إليه، فدلّت الآية على ثبوت الوصيّ، والوليّ، والكفيل للأيتام. وفي هذه الآية دليل الحجر على

стр. 1069

السّفهاء. وهم أقسام: فتارة يكون الحجر للصّغر، وتارة يكون للجنون، وتارة يكون لسوء التصرّف لنقص العقل، أو الدين، وهو المراد في الآية الكريمة بالنسبة لليتامى، وأوليائهم، وتارة يكون الحجر للفلس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل، وضاقت أمواله عن وفائها. وقال ابن عباس-﵄: هم بنوك، والنّساء، وقال: لا تعمد إلى مالك، وما خوّلك الله، وجعله الله معيشة، فتعطيه امرأتك، أو بنيك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك، وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم. انتهى. وعليه في الآية نهي لكلّ أحد أن يعمد إلى ما خوّله الله تعالى من المال، فيعطيه امرأته، وأولاده، ثم ينظر إلى ما في أيديهم تحسّرا، وندامة، وكم رأينا، وسمعنا أناسا فعلوا ذلك، ولا سيّما الذين يحرمون الإناث، ويعطون الذكور، ثمّ أهانوهم، بل وطردوهم من بيوتهم، والسّعيد من وعظ بغيره، والشّقيّ من اتّعظ غيره به. هذا؛ وقوله تعالى: ﴿أَمْوالَكُمُ:﴾ إن كان المراد به أموال اليتامى، وأضافه إلى الأولياء، والأوصياء؛ فهو كقوله ﷺ في حجّة الوداع: «إنّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم حرام عليكم...» إلخ وإن كان المراد به أموال المخاطبين أنفسهم؛ فقد رأيته فيما تقدّم، وانظر شرح ﴿سَفِيهاً﴾ في الآية رقم [٢٨٢] من سورة (البقرة). وقال ابن جرير عن أبي موسى-﵁، قال: ثلاثة يدعون الله، فلا يستجيب لهم: رجل له امرأة سيّئة الخلق، فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيها، وقد قال الله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ﴾ ورجل كان له على رجل دين، فلم يشهد عليه. انتهى، أقول: والمراد بسيئة، عهرها، وخروجها عن طاعة ربها. هذا؛ وإنما قال: ﴿الَّتِي﴾ ولم يقل: اللاتي؛ لأنه جمع ما لا يعقل، فجرى على لفظ الواحد، كما قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وقال في سورة (مريم): ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي..﴾. إلخ. ولو كان لما يعقل لقال: اللاتي، كما في الآية [٢٣] الآتية: ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ وفي سورة (النور): ﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي..﴾. إلخ، هذا هو الأكثر في لسان العرب، وقد يجوز فيما لا يعقل: «اللاتي»، وفيما يعقل «التي». ﴿قِياماً:﴾ هو ما يقام به، وإعلاله مثل إعلال «صيام» فيما تقدّم، وأضيف هنا ما ذكره أبو البقاء؛ حيث قال: هو مصدر: قام، والياء بدل من الواو، وأبدلت منها لمّا أعلّت في الفعل، وكانت قبلها كسرة، والتقدير: التي جعل الله لكم سبب قيام أبدانكم، أي: بقائها، ويقرأ: («قيما») بغير ألف، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: انّه مصدر مثل الحول، والعوض، وكان القياس أن تثبت الواو، ولتحصّنها بتوسّطها، كما حصّنت في الحوض، والعوض، ولكن أبدلوها ياء حملا على «قيام» وعلى اعتلالها في الفعل.

стр. 1070

والثاني: أنه جمع: قيمة، كديمة، وديم، والمعنى: أنّ الأموال كالقيم للنفوس إذا كان بقاؤها بها. وقال أبو علي الفارسي: هذا لا يصحّ؛ لأنه قد قرئ في قوله تعالى في سورة (الأنعام): ﴿دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ وفي سورة (المائدة): ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً﴾. ولا يصحّ معنى القيمة فيها. والوجه الثالث: أن يكون الأصل قياما، فحذفت الألف، كما حذفت في: خيم. ويقرأ: قواما بكسر القاف، وبواو، وألف، وفيه وجهان: أحدهما: هو مصدر قاومت، قواما، مثل: لاوذت، لواذا، فصحّت في المصدر لمّا صحت في الفعل. والثاني: هو اسم لما يقوم به الأمر، وليس بمصدر، ويقرأ كذلك إلا أنه بغير ألف، وهو مصدر صحّت عينه، وجاء على الأصل كالعوض. ويقرأ بفتح القاف، وواو، وألف: قواما، وفيه وجهان أيضا: أحدهما: هو اسم للمصدر مثل: السّلام، والكلام، والدوام. والثاني: هو لغة في القوام الذي هو بمعنى القامة، يقال: جارية حسنة القوام، والقوام. والتقدير: الّتي جعلها الله سبب بقاء قاماتكم. ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ﴾ أي: اجعلوا رزقهم، وكسوتهم من تلك الأموال، والضمير المنصوب يعود إلى الزوجة، والأولاد، أو إلى اليتامى، انظره فيما تقدّم من الشرح. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ أراد تليين الخطاب، والوعد الجميل، واختلف في «القول المعروف» فقيل: معناه: ادعوا لهم: بارك الله فيكم، وأنا ناظر لكم، وهذا الاحتياط يرفعه نفعه إليكم. وقيل: معناه: وعدوهم وعدا حسنا، أي: إن رشدتم؛ دفعنا إليكم أموالكم، ويقول الأب لابنه: مالي إليك مصيره، وأنت إن شاء الله صاحبه؛ إذا ملكت رشدك، وعرفت تصرّفك. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تُؤْتُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿السُّفَهاءَ:﴾ مفعول به أوّل. ﴿أَمْوالَكُمُ:﴾ مفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿أَمْوالَكُمُ﴾. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿قِياماً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، التقدير: التي جعلها الله لكم قياما. ﴿وَارْزُقُوهُمْ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها،

стр. 1071

لا محلّ لها أيضا. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿قَوْلاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿مَعْرُوفاً:﴾ صفة له. ﴿وَاِبْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً (٦)﴾ الشرح: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى:﴾ نزلت الآية الكريمة في ثابت بن رفاعة، وفي عمّه، وذلك: أنّ رفاعة مات، وترك ابنه ثابتا، وهو صغير، فجاء عمّه إلى النّبيّ ﷺ ، وقال له: إن ابن أخي يتيم في حجري: فما يحلّ لي من ماله، حتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله الآية الكريمة: والمعنى: اختبروهم في عقولهم، وأديانهم، وفي تنمية أموالهم. هذا؛ وقال ابن كيسان: ويقال: أبلاه، وبلاه في الخير، والشرّ، وأنشد قول زهير في ممدوحيه: هرم بن سنان، والحارث بن عوف المرّيّين: [الطويل] جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم... وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو فجمع بين اللّغتين. وقيل: الأكثر في الخير: أبليته، وفي الشر: بلوته، وفي الاختبار: ابتليته، وبلوته، قال النحاس: والابتلاء يكون في الخير، وفي الشرّ، قال تعالى في حقّ اليهود اللّؤماء: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ﴾. ﴿حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ أي: البلوغ، ويكون بالاحتلام، أو ببلوغه خمسة عشر عاما عندنا، وثمانية عشر عاما عند أبي حنيفة، وبلوغ النكاح كناية عن البلوغ؛ لأنّه يصلح للنكاح عنده، وهو حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الأصح عند الشّافعي-﵁، والعكس عند غيره. ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً:﴾ أبصرتم هداية في التّصرفات، وصلاحا في المعاملات، واستقامة في الدّين، والأخلاق، وأنس: أبصر، قال تعالى في سورة (القصص): ﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً﴾ وقال النابغة في معلقته: [البسيط] كأنّ رحلي، وقد زال النّهار بنا... بذي الجليل على مستأنس وحد هذا؛ وقرئ: («رشدا») بفتحتين، وهما لغتان: ف: ﴿رُشْداً:﴾ مصدر: رشد، ورشدا مصدر: رشد، وكذلك الرّشاد، فادفعوا إليهم أموالهم: أي بدون تأخير عن سن البلوغ. ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أي: مسرفين مبذرين ومبادرين كبرهم؛ أي: بلوغ السنّ التي يستلمون فيها أموالهم، أو لإسرافكم، ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها، وتقولون: ننفق فيما نشتهي

стр. 1072

قبل أن يكبر اليتامى، فينتزعوها من أيدينا. والإسراف في اللغة: الإفراط في كل شيء؛ ومجاوزة الحد فيه، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣١]: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. وقال جرير في مدح بني أميّة: [البسيط] أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية... ما في عطائهم منّ ولا سرف «هنيدة» اسم لكل مائة من الإبل، ومن دعاء الصّالحين المصلحين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا﴾ رقم [١٤٧]: من سورة (آل عمران). وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٠]: ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ فيها أكبر رادع، وزاجر من التعدّي على مال اليتيم. ومن كان غنيّا؛ فليستعفف: أي عن الأكل من مال اليتيم، وإن عمل فيه، وقام بمصالحه، يقال: عف الرّجل عن الشّيء، واستعفّ: إذا أمسك، والاستعفاف عن الشيء: تركه، ومنه قوله تعالى في سورة (النور): ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً،﴾ والعفة: الامتناع عمّا لا يحلّ، ولا يحبّ فعله. ﴿وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ المراد به هنا: بقدر حاجته، وأجر عمله في مال اليتيم، ولفظ: الاستعفاف، والأكل مشعر بأنّ للوليّ حقّا في مال اليتيم، فقد روى أبو داود عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جدّه: أنّ رجلا أتى النبي ﷺ ، فقال: إنّي فقير، وليس لي شيء، ولي يتيم. فقال: «كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا مبذّر، ولا متأثّل»؛ أي: مدّخر، وهذا إذا كان العمل في مال اليتيم يصرفه عن معاشه، وما يحتاج إليه. هذا؛ وبين ﴿غَنِيًّا﴾ و ﴿فَقِيراً﴾ طباق، وهو من المحسّنات البديعية، وبين الجملتين مقابلة لطيفة، فتأمّلها. هذا؛ والفقير أصله في اللغة: الذي انكسر فقار ظهره، ثم أطلق على المعدم الذي لا يجد كفايته من المال؛ لأنه يشبه الّذي أنبتّ ظهره، وعدم الحول، والقوة، وهو أسوأ حالا من المسكين عندنا معاشر الشافعيّة، ويدلّ عليه قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ فسمّاهم الله مساكين مع كونهم يملكون سفينة يتّجرون فيها، وينقلون البضائع من صقع إلى صقع، وكان النبي ﷺ يسأل الله المسكنة، ويتعوّذ به من الفقر، فعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ أحيني مسكينا، وتوفّني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين، وإنّ أشقى الأشياء من اجتمع عليه فقر الدّنيا، وعذاب الآخرة». رواه ابن ماجة، وروى الترمذيّ مثله عن أنس-﵁. ﴿فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي: فإذا سلّمتم إلى اليتامى أموالهم، فأشهدوا عليهم لئلا يجحدوا تسلّمها، فإنه أنفى للتّهمة، وأبعد للخصومة، ووجوب الضمان، والأمر للإرشاد، وليس للوجوب. ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً:﴾ حافظا لأعمال خلقه، ومحاسبهم عليها.

стр. 1073

هذا؛ والفعل: «كفى» بمعنى: اكتف، فالباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومثله مضارعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ وقد يأتي بمعنى: حسب، وهو بهذه الصيغة، ويكون قاصرا لا يتعدّى بنفسه إلى المفعول به، ولا تزاد الباء في فاعله، كما في قول سحيم بن وثيل الرّياحي-وهو الشاهد رقم [١٦١]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] عميرة ودّع إن تجهّزت غازيا... كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا وأما إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى؛ فيكون متعدّيا لواحد، ولا تزاد الباء في فاعله، كما في قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [١٦٢]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر] قليل منك يكفيني ولكن... قليلك لا يقال له قليل وإذا كان بمعنى: وقى؛ فإنّه يكون متعدّيا لمفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ رقم [٢٥]: من سورة (الأحزاب). الإعراب: ﴿وَابْتَلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْيَتامى:﴾ مفعول به منصوب، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، لا عمل لها عند الجمهور هنا، والأخفش يعتبرها في مثل هذا جارة ل ﴿إِذا﴾ ووافقه الزجّاج، وابن درستويه على ذلك. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزّمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبنيّ على السّكون في محل نصب. ﴿بَلَغُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿النِّكاحَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (إن): حرف شرط جازم. ﴿آنَسْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السّكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رُشْداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَادْفَعُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ادفعوا): فعل أمر، وفاعله. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿أَمْوالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها، والجملة الشرطية: (إن ﴿آنَسْتُمْ..﴾.) إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جواب: ﴿إِذا:﴾ و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف بعد: ﴿حَتّى﴾ لا محلّ له، واعتبره الزّمخشري مثل قول جرير، وهو الشاهد رقم [٢٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] فما زالت القتلى تمجّ دماءها... بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَأْكُلُوها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، وها: مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها،

стр. 1074

لا محل لها أيضا. ﴿إِسْرافاً:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال بمعنى: مسرفين. ﴿وَبِداراً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَكْبَرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ..﴾. إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل في محلّ نصب مفعول به لبدارا، والمعنى: مبادرين كبرهم، وبلوغهم. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿غَنِيًّا:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، اللام: لام الأمر، (يستعفف): فعل مضارع مجزوم بلا الأمر، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية ﴿وَمَنْ كانَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محلّ لها، والتي بعدها إعرابها مثلها، وهي معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): مثل سابقتها. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة في محلّ جرّ بإضافة (إذا) إليها. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَمْوالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿فَأَشْهِدُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا) وهذا يرجّح ما ذهبت إليه من أن العامل في: (إذا) فعل شرطها لا جوابها؛ لأنه لا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها. ﴿فَأَشْهِدُوا:﴾ فعل أمر وفاعله، والجملة الفعلية جواب: (إذا) لا محل لها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف. ﴿وَكَفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِاللهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وقيل: الباء أصلية، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما على أنّهما مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: الاكتفاء، والمعتمد الأول. ﴿حَسِيباً:﴾ تمييز. وقيل: حال، والمعتمد الأول، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧)﴾ الشرح: نزلت الآية الكريمة في أوس بن ثابت الأنصاري-﵁-توفي، وترك امرأة، يقال لها: أم كجّة، وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عمّ الميت، ووصيّاه،

стр. 1075

يقال لهما: سويد، وعرفجة، فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأته، وبناته شيئا، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء، ولا الصّغير؛ وإن كان ذكرا، ويقولون: لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل، وطاعن بالرماح، وضارب بالسيوف، وحاز الغنيمة. فذكرت أم كجّة ذلك لرسول الله ﷺ ، فدعاهما، فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل كلاّ، ولا ينكأ عدوا. فقال ﵊: انصرفا؛ حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهنّ، فأنزل الله الآية الكريمة ردّا عليهم، وإبطالا لقولهم، وتصرفهم بجهلهم، فإن الورثة الصغار كان ينبغي أن يكونوا أحقّ بالمال من الكبار لعدم تصرفهم، والنظر في مصالحهم، فعكسوا الحكم، وأبطلوا الحكمة، فضلّوا بأهوائهم، وأخطئوا في آرائهم، وتصرفاتهم. ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ:﴾ مبهم، بيّنته آيات المواريث الآتية. ﴿مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ﴾ ففيه تغليب الأب على الأم، وأيضا في لفظ: الأبوين، وفيه أشعار بتفضيل الأب على الأم، والذكر على الأنثى. هذا؛ والتغليب باب من أبواب النّحو معروف، ومشهور. خذ قول الفرزدق-وهو الشاهد رقم [١١٦٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] أخذنا بآفاق السّماء عليكم... لنا قمراها والنّجوم الطّوالع ﴿مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ أي: سواء أكان الذي تركه المتوفّي مالا قليلا، أو كثيرا، فلكلّ من الرجال، والنساء نصيب بينته الآية الآتية. ﴿نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ أي: معلوما مقطوعا لكلّ وارث. هذا؛ وبين: ﴿قَلَّ﴾ و ﴿كَثُرَ﴾ طباق. الإعراب: ﴿لِلرِّجالِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نَصِيبٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿نَصِيبٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿مِمّا:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جرّ ب (من). ﴿تَرَكَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْوالِدانِ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو: من شيء تركه الوالدان. ﴿وَالْأَقْرَبُونَ:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿لِلرِّجالِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿مِمّا:﴾ بدل مما قبلهما، وجوز أبو البقاء اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من الضمير المحذوف الواقع مفعولا به. ﴿قَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والتي بعدها معطوفة عليها، وحذف متعلقها اكتفاء بما قبله. ﴿نَصِيباً:﴾ مفعول مطلق مؤكد لمعنى الكلام السابق. وقيل: حال. وقيل: منصوب على الاختصاص بفعل محذوف، تقديره: أعني. ﴿مَفْرُوضاً:﴾ صفة له.

стр. 1076

﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ..﴾. إلخ: أي: فارضخوا لهم من المال قبل القسمة؛ إن كانوا غير وارثين. واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وهذا قبل نزول آية المواريث فلمّا نزلت آية المواريث؛ جعلت الأموال لأهلها، ونسخت هذه الآية. وهي رواية مجاهد عن ابن عبّاس، وقول سعيد بن المسيب، وعكرمة، والضّحاك. وقال قوم: هي محكمة غير منسوخة، وهي الرواية الأخرى عن ابن عباس، وهو قول أبي موسى الأشعري، وكثير غيره، ثم اختلف العلماء بعد القول بأنّها محكمة: هل هذا الأمر أمر وجوب، أو ندب؟ على قولين: أحدهما: أنه واجب. فقيل: إن كان الوارث كبيرا؛ وجب عليه أن يرضخ لمن حضر القسمة شيئا من المال بقدر تطيب به نفسه، وإن كان الوارث صغيرا؛ وجب على الولي أن يعتذر إليهم، ويقول: إني لا أملك هذا المال، وهو لهؤلاء الضّعاف، ولو كان لي منه شيء لأعطيتكم، وإن يكبروا فسيعرفوا حقّكم. هذا هو القول المعروف. وقال بعضهم: هذا حق واجب في مال الصّغار، والكبار، فإن كان الورثة كبارا؛ تولّوا إعطاءهم بأنفسهم، وإن كانوا صغارا؛ أعطى وليّهم. انتهى. خازن. أقول: الآية محكمة، ولفظ القسمة يوحي بأنّها نزلت بعد آية المواريث. وقيل آية الموارث لم تكن قسمة؛ لأنّ الكبار كانوا يحرمون النساء، والصغار من الميراث، كما رأيت في الآية السابقة، ويستولون على تركة الميت. وسواء أكان الأمر للوجوب، أو للندب، فهو عمل إنساني نبيل، وقد طبّقه القانون في أكثر البلاد الإسلامية على الأحفاد الّذين مات والدهم قبل جدّهم، ثمّ مات الجدّ، فإنّه يعطي هؤلاء الأحفاد نصيب أبيهم لو كان حيّا بشرط ألا يزيد على الثلث، وقد أطلق عليه اسم الوصية الواجبة، ولا بأس به، فهو عمل إنسانيّ؛ لأنّ النفوس في هذه الأيام قد طبعت على الشحّ، وقست، فلم يبق فيها عطف، ولا شفقة. هذا؛ والضمير في: ﴿مِنْهُ﴾ عائد على معنى القسمة؛ إذ هي بمعنى المقسوم، كقوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ أي: السقاية؛ لأنّ الصواع مذكّر، وهما بمعنى واحد. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٦]. ﴿حَضَرَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْقِسْمَةَ:﴾ مفعول به. ﴿أُولُوا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿أُولُوا:﴾ مضاف، و ﴿الْقُرْبى:﴾ مضاف إليه

стр. 1077

مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَالْيَتامى:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿وَالْمَساكِينُ:﴾ معطوفة أيضا على ما قبله، والجملة الفعلية: ﴿حَضَرَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ارزقوهم): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها. و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الاعتبارين. ﴿وَقُولُوا..﴾. إلخ: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥]: وهي معطوفة على جواب: (إذا). ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩)﴾ الشرح: نزلت الآية الكريمة في الأوصياء. أي: تذكّر أيها الوصيّ ذريّتك الضّعاف من بعدك، وكيف يكون حالهم، وعامل اليتامى الذين في حجرك بمثل ما تريد أن يعامل به أبناؤك من بعدك. وقيل: هذا في الرّجل يحضره الموت، فيقول له من بحضرته عند وصيته: إنّ الله سيرزق ولدك، فانظر لنفسك، وأوص بمالك في سبيل الله، وتصدّق، وأعتق؛ حتّى يأتي على عامّة ماله، أو يستغرقه، فيضرّ ذلك بورثته، فنهوا عن ذلك، فكأنّ الآية تقول لهم: كما تخشون على ذريتكم، وورثتكم الضّياع من بعدكم، فكذلك اخشوا على ورثة غيركم، ولا تحملوا المحتضر على تبذير ماله، قاله ابن عباس-﵄-وغيره، وروى سعد بن جبير عن ابن عباس: أنه قال: إذا حضر الرجل الوصية؛ فلا ينبغي أن يقول للموصي: أوص بمالك؛ فإنّ الله رازق ولدك، ولكن يقول: قدّم لنفسك، واترك لولدك. فذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللهَ﴾. وقال مقسم وحضرميّ: نزلت في عكس هذا، وهو أن يقول للمحتضر من يحضره: أمسك على ورثتك، وأبق لولدك، فليس أحد أحقّ بمالك من أولادك، وينهاه عن الوصية، فيتضرر بذلك ذوو القربى، وكلّ من يستحقّ أن يوصى له، فقيل لهم: كما تخشون على ذريتكم، وتسرون بأن يحسن إليهم، فكذلك سدّدوا القول في جهة المساكين، واليتامى، واتقوا الله في ضررهم أصوب. وهذا القول، والأول أقعد في معنى الآية. والله أعلم بمراده، وأسراره كتابه. هذا؛ والقول السديد: العدل، والصّواب الموافق لما أمر الله، ورسوله به من الإحسان إلى اليتيم، والعدل في الوصيّة: «لا ضرر ولا ضرار». قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما معنى وقوع: ﴿لَوْ تَرَكُوا﴾ وجوابه صلة ل ﴿الَّذِينَ﴾ قلت: معناه، وليخش الذين صفتهم وحالهم: أنهم لو شارفوا أن يتركوا ذريّة ضعافا -وذلك عند احتضارهم-خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم، وكاسبهم، كما قال خالد القناني الخارجي. انظر الشاهد رقم [٩٢٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]

стр. 1078

لقد زاد الحياة إليّ حبّا... بناتي إنّهنّ من الضّعاف أحاذر أن يرين البؤس بعدي... وأن يشربن رنقا بعد صافي الإعراب: ﴿وَلْيَخْشَ:﴾ اللام: لام الأمر. (يخش): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿تَرَكُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، على القاعدة المشهورة. ﴿ذُرِّيَّةً:﴾ مفعول به. ﴿ضِعافاً:﴾ صفة: ﴿ذُرِّيَّةً﴾. ﴿خافُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، التقدير: خافوا عليهم الضياع. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها. و ﴿لَوْ:﴾ ومدخولها صلة الموصول. ﴿فَلْيَتَّقُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ليتقوا): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠)﴾ الشرح: قال مقاتل بن حيّان: نزلت الآية الكريمة في رجل من غطفان، يقال له: مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه، وهو يتيم صغير، فأكله، فأنزل الله فيه هذه الآية. ﴿إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً﴾ يعني: سيأكلون يوم القيامة، فهو مجاز مرسل، وهو باعتبار ما يؤول إليه أمرهم، كقوله تعالى حكاية عن قول الرائي في منامه في سورة (يوسف) -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ أي: عنبا يؤول أمره إلى الخمر. وعكسه باعتبار ما كان قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ﴾ فسمّاهم يتامى باعتبار ما كان؛ لأنّهم لا يعطون المال؛ وهم صغار يتامى. وإنّما خصّ الأكل بالذكر، وإن كان المراد سائر أنواع الإتلافات، وجميع التصرّفات الرديئة المتعلقة؛ لأن الأكل معظم المقصود من المال. وذكر البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها للتأكيد، والمبالغة، فهو كقولك: أبصرت بعيني، وسمعت بأذني، ومثله قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ﴾.

стр. 1079

﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً:﴾ يقال: صلي النار، يصلاها صلى، وصلاء: قاسى حرها. قال تعالى في سورة (الأعلى): ﴿لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى﴾ والصّلاء هو التسخن بقرب النار، أو مباشرتها، ومنه قول الحارث بن عبّاد: [الخفيف] لم أكن من جناتها علم الل... هـ وإنّي لحرّها اليوم صال وصليته في النار: شويته فيها، وأصليته مثله، وصلّيته بتشديد اللام من التصلية لكثرة الفعل مرة بعد أخرى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾. وتصلّيت: استدفأت بالنار، قال الشاعر: [المنسرح] وقد تصلّيت حرّ حربهم... كما تصلّى المقرور من قرس هذا؛ وقال السّدي-رحمه الله تعالى-: يبعث آكل اليتيم ظلما يوم القيامة، ولهب النار يخرج من فيه، ومن سمعه، وعينيه، وأنفه، يعرفه من رآه بآكل مال اليتيم. وفي حديث أبي سعيد الخدري-﵁-قال: حدّثنا النبي عن ليلة أسري به، قال: «نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكّل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثمّ يجعل في أفواههم صخرا من نار، يخرج من أسافلهم. قلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الّذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، إنّما يأكلون في بطونهم نارا». قرطبي، وخازن. وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات» قيل: يا رسول الله! وما هنّ؟ قال: «الشرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل مال اليتيم، وأكل الرّبا، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنّسائي. هذا؛ ولما نزلت الآية الكريمة؛ ثقل ذلك على الناس، واحترزوا من مخالطة اليتامى، وأموالهم بالكلية، فشق ذلك على اليتامى، فنزل قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٠]: ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ﴾. انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وقد أوصى الله، ورسوله باليتيم، وحفظ ماله، فقال تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾. فعن سهل بن سعد-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا وكافل اليتيم في الجنّة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى، وفرّج بينهما». رواه البخاريّ، وأبو داود، والترمذي. ورغّب ﵊ المرأة في القعود على أولادها إذا آمت من زوجها. فعن عوف بن مالك الأشجعي-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «أنا وامرأة سفعاء الخدّين كهاتين يوم القيامة، امرأة آمت من زوجها ذات منصب، وجمال، حبست نفسها على يتاماها؛ حتّى بانوا، أو ماتوا». رواه أبو داود.

стр. 1080

الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، و ﴿أَمْوالَ﴾ مضاف، و ﴿الْيَتامى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿ظُلْماً:﴾ حال بمعنى: ظالمين. وقيل: مفعول لأجله. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يَأْكُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿فِي بُطُونِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿ناراً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وجملة: ﴿إِنَّما يَأْكُلُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها. ﴿ناراً:﴾ مفعول به. ﴿وَسَيَصْلَوْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. السين: حرف استقبال، وهي هنا مؤكدة للتحقيق، والوعيد. (يصلون): مضارع، وفاعله. ﴿سَعِيراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الواقعة خبرا ل ﴿إِنَّ﴾ فهي في محل رفع مثلها. ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١)﴾ الشرح: اختلف في سبب نزول الآية على أقوال: منها ما ذكرته عن أمّ كجّة، ﵂. وعن جابر-﵁-قال: «جاءت امرأة سعد بن الرّبيع-﵁-بابنتيها من سعد إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الرّبيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمّهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا ينكحان إلا ولهما مال. قال: «يقضي الله في ذلك». فنزلت آية المواريث، فبعث رسول الله ﷺ إلى عمّهما، فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثّمن، وما بقي فهو لك». أخرجه الترمذي، وأبو داود، وأحمد، وابن ماجة. وقيل: غير ذلك من الأسباب. هذا؛ ولقد بين الله في هذه الآية ما أجمله فيما سبق، فدلّ هذا على جواز تأخير البيان عن وقت السؤال. وهذه الآية ركن من أركان الدّين، وعمدة من عمد الأحكام، وأمّ من أمهات الآيات، فإن الفرائض عظيمة القدر؛ حتى إنّها ثلث العلم، بل روي: نصف العلم، وهو أول علم ينزع من النّاس، وينسى. هذا؛ ولقد نسخت هذه الآية الوصية للوالدين، والأقربين المذكورة في الآية رقم-١٧٩ - من سورة (البقرة) انظرها هناك.

стр. 1081

فقد روى الدّارقطني عن أبي هريرة-﵁-أنّ النبي ﷺ قال: «تعلّموا الفرائض، وعلّموها النّاس، فإنّه نصف العلم، وهو أوّل شيء ينسى، وأوّل شيء ينزع من أمّتي». وروي أيضا عن ابن مسعود-﵁-قال: قال لي رسول الله ﷺ : «تعلّموا القرآن، وعلّموه النّاس، وتعلّموا الفرائض، وعلّموها النّاس، وتعلّموا العلم، وعلّموه النّاس، فإنّي امرؤ مقبوض، وإنّ العلم سيقبض، وتظهر الفتن؛ حتّى يختلف الاثنان في الفريضة، لا يجدان من يفصل بينهما». ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ:﴾ يعهد إليكم، ويأمركم. ﴿فِي أَوْلادِكُمْ:﴾ في شأن ميراثهم منكم. ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فإنّ أهل الجاهلية كانوا يجعلون للذكر دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوت بين الصّنفين، فجعل للذّكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لاحتياج الرّجل إلى مئونة النكاح، والنفقة، ومعاناة التكسب، وتحمّل المشاق، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى. وقد استنبط من الآية: أنّ الله تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنّه أرحم بهم منهم. ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً﴾ أي: إن كان الأولاد نساء خلصا ليس معهن ذكر يعصبهن. ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ أي: اثنتين فما فوقهما. وقد استدلّ بعضهم بهذه الآية على أنّ أقل الجمع اثنان فما فوق، وقد قال الرسول ﷺ : «الاثنان فما فوقهما جماعة». وحكي عن سيبويه: أنه قال: سألت الخليل عن قوله: «ما أحسن وجوههما» فقال: الاثنان جماعة، وقد صحّ قول الشاعر: [الوافر] يحيّى بالسّلام غنيّ قوم... ويبخل بالسّلام على الفقير أليس الموت بينهما سواء... إذا ماتوا وصاروا في القبور فواو الجماعة عائدة على الغني، والفقير ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ أي: المتوفّى: وهو كناية عن غير مذكور، وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه، كقوله تعالى في سورة (ص): ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ وقوله جل ذكره: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. هذا؛ ويقال: ثنتان، وثنتين، ولكن الأوّل أحسن، وأجود، والتاء في ثنتان كالتاء في بنتان، إلا أنّه لم يستعمل واحد الثنتين بالتاء، كما استعمل بنت، وكذلك التاء في اثنتان كالتاء في ابنتان، إلا أنهم لم يقولوا: اثنة، كما قالوا: ابنة، وخذ قول جعفر بن علبة الحارثي-وهو الشاهد رقم [١٠٣]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] فقالوا لنا ثنتان لا بدّ منهما... صدور رماح أشرعت أو سلاسل ﴿وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً:﴾ أي: المولودة الوارثة منفردة؛ فنصيبها نصف الميراث. ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ..﴾. إلخ. أي: لكل واحد من أبوي الميت سدس ميراثه؛ إن كان له ولد ذكر، أو أنثى، لكن يأخذ الأب مع البنت السدس فرضا، ويأخذ الباقي تعصيبا، إن لم يكن ثمّة وارث آخر من ذوي الفروض.

стр. 1082

﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ..﴾. إلخ. أي: إن مات ذكر، أو أنثى، ولم يكن له وارث غير أبويه، فأمّه تأخذ، وتستحقّ الثلث فرضا، والباقي يأخذه الأب. ومثل ذلك ما إذا كان مع الأبوين أحد الزّوجين. فإن الأم تأخذ ثلث ما يبقى بعد فرض أحد الزّوجين، والباقي للأب، وذلك للمحافظة على أن يأخذ الأب مثلي الأم، وهذا كله إن لم يكن للميت إخوة من أي جهة كانوا، فإنّ للأم حينئذ السدس فرضا؛ لأن الأخوة وإن كانوا محجوبين بالأب، فهم يحجبون الأمّ من الثّلث إلى السّدس حجب نقصان. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ أي: إن تقسيم الورثة على ما تقدّم بيانه إنّما هو بعد تنفيذ الوصية، ووفاء الدّين من المال الذي تركه الميت. هذا؛ وقدّم ربنا ذكر الوصية على الدّين، وهي متأخرة عنه في الحكم؛ لأنها مشبهة بالميراث، شاقة على الورثة، ولأنها صلة بلا عوض، وأداؤها مظنّة للتفريط. عن الحارث عن علي-﵁-أنّ النبي ﷺ قضى بالدّين قبل الوصية، وأنتم تقرءون الوصية قبل الدّين، قال: والعمل على هذا عند عامّة أهل العلم: أنّه يبدأ بالدّين قبل الوصية. وروى الدّارقطنيّ من حديث عاصم بن ضمرة عن عليّ-﵁-قال، قال رسول الله ﷺ : «الدّين قبل الوصيّة، وليس لوارث وصيّة» أي: إلا أن يجيزها باقي الورثة. ولمّا ثبت هذا؛ تعلّق الشافعي-﵁-بذلك في تقديم دين الزّكاة، والحجّ على الميراث، فقال: إنّ الرجل إذا فرّط في زكاته؛ وجب أخذ ذلك من رأس ماله. وهذا ظاهر ببادئ الرأي، ولأنّه حقّ من الحقوق، فيلزم أداؤه عنه بعد الموت، كحقوق الآدميين، لا سيّما والزكاة مصرفها إلى الآدمي. وقال أبو حنيفة، ومالك-رحمهما الله تعالى-: إن أوصى؛ أدّيت من ثلث ماله، وإن سكت؛ لم يخرج عنه شيء. قالوا: لأن ذلك موجب لترك الورثة فقراء، إلا أنّه قد يتعمّد ترك الكل؛ حتّى إذا مات؛ استغرق ذلك جميع ماله، فلا يبقى للورثة حقّ، انتهى قرطبي. ﴿آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ أي: لا تعلمون من أنفع لكم ممّن يرثكم من أصولكم، وفروعكم في عاجلكم، وآجلكم، فاعملوا بما أوصاكم لا تعمدوا إلى تفضيل بعض، وحرمان بعض آخر. روي: أن أحد المتوالدين-أي: من الآباء أو من الأبناء-إذا كان أرفع درجة من الآخر في الجنّة سأل الله أن يرفع إليه ابنه، أو أباه. فيرفع بشفاعته. وإذا كان الأمر كذلك، فلا ينبغي للإنسان أن يحرم بعض أولاده، ويعطي الآخرين من ماله، فيسبب بذلك عقوق أولاده المحرومين في الدّنيا، والآخرة. وإن كثيرا من المسلمين في هذه الأيام يفعلون ذلك، فيخالفون ما أوصى الله به في هذه الآية، وما أوصى به الرسول ﷺ من حسن معاملة الأولاد، والعدل بينهم؛ حتى في الابتسامة، والقبل. ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ أي: هذا الذي ذكر في تفصيل الميراث، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض هو فرض من الله، حكم به، وقضاه. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي: كان عليما بالأشياء

стр. 1083

قبل خلقها، حكيما فيما قدّر من الفرائض في المواريث، وفرض من الأحكام، وفي لفظة: ﴿كانَ﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ الله تعالى كان عليما بالأشياء قبل خلقها، ولم يزل كذلك، الثاني: حكى الزجاج عن سيبويه: أنه قال: إنّ القوم لمّا شاهدوا علما، وحكمة، ومغفرة، وفضلا، قيل لهم: إن الله كان كذلك، ولم يزل على ما شاهدتهم. الثالث: قال الخليل: الخبر عن الله بمثل هذه الأشياء كالخبر بالحال، والاستقبال؛ لأن صفات الله تعالى لا يجوز عليها الزّوال، والتقلّب انتهى خازن. تنبيه: موانع الإرث: اختلاف الدّين، والرّقّ، والقتل وهو يمنع الإرث عمدا كان-أي: القتل-أو خطأ؛ لما روي عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «القاتل لا يرث». أخرجه الترمذيّ. ويتعلق بتركة الميت حقوق أربعة: تجهيزه، ووفاء ديونه، وتنفيذ وصاياه، ثم تقسيم تركته بين ورثته حسب الكتاب، والسنة. الإعراب: ﴿يُوصِيكُمُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لِلذَّكَرِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مِثْلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿حَظِّ﴾ مضاف إليه، و ﴿حَظِّ﴾ مضاف، و ﴿الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مفسّرة لمعنى الوصية، والرابط محذوف، التقدير: للذكر منهم... إلخ. وقيل: الجملة مستأنفة لا محلّ لها. وقيل: في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (يوصي) وعليه أبو البقاء. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كُنَّ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، ونون النسوة اسمه. ﴿نِساءً:﴾ خبره. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف صفة: ﴿نِساءً﴾. وقيل: متعلّق بمحذوف في محل نصب خبر ثان ل (كان) والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلَهُنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لهنّ): جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿ثُلُثا:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنّه مثنّى، وحذفت النون للإضافة. و ﴿ثُلُثا:﴾ مضاف، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿تَرَكَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى المتوفّى، وهو معلوم من المقام كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: فلهن ثلثا ما تركه، والجملة الاسمية هذه في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية: ﴿فَإِنْ كُنَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.

стр. 1084

﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث، واسمه يعود إلى غير مذكور أيضا. ﴿واحِدَةً﴾ خبر: ﴿كانَتْ﴾ وقرئ برفع واحدة على اعتباره فاعلا ب (﴿كانَتْ﴾) التّامّة، وهي بمعنى: وقعت، وحدثت، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ في محل جزم جواب الشرط... إلخ، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها. (﴿لِأَبَوَيْهِ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، وعلامة الجر الياء... إلخ، وحذفت النون للإضافة والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِكُلِّ:﴾ بدل مما قبلها بدل البعض، و (كلّ) مضاف، و ﴿واحِدٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿واحِدٍ﴾ والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿السُّدُسُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها أيضا. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿السُّدُسُ﴾ و (ما) تحتمل ما ذكرته، وجملة: ﴿تَرَكَ﴾ صلة، أو صفة (ما) ... إلخ. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ مقدّم. ﴿وَلَدٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة لا محل لها... إلخ، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص فعل الشرط. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿وَلَدٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية لا محلّ لها... إلخ، وجملة: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَواهُ﴾ معطوفة على جملة شرط (إن) والجملة الاسمية: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ في محلّ جزم جواب الشّرط، والجملة الشّرطية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ إعرابها واضح إن شاء الله تعالى. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه الأنصباء للورثة من بعد، وجوز أبو البقاء تعليقهما بمحذوف حال من (﴿السُّدُسُ﴾) كما جوز تعليقهما بفعل محذوف، التقدير: يستقرّ لهم ذلك من بعد... إلخ، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿وَصِيَّةٍ:﴾ مضاف إليه، ﴿يُوصِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل محذوف كما في السّابقة، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿دَيْنٍ﴾ معطوف على: ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿آباؤُكُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿وَأَبْناؤُكُمْ:﴾ معطوف عليه، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَدْرُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿أَيُّهُمْ:﴾ اسم استفهام مبتدأ، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿أَقْرَبُ:﴾ خبره. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَقْرَبُ﴾. ﴿نَفْعاً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية في محلّ نصب سدّت مسد مفعولي الفعل قبلهما المعلّق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وهو من أفعال القلوب. هذا؛ وجوّز اعتبار: ﴿أَيُّهُمْ﴾ اسما موصولا مفعول به أوّل للفعل قبله. و ﴿أَقْرَبُ﴾ خبرا لمبتدإ محذوف؛ أي: هو أقرب. وهذه الجملة صلة الموصول،

стр. 1085

والمفعول الثاني محذوف، ولكنّ الأوّل أشهر عند المعربين، والجملة الفعلية: ﴿لا تَدْرُونَ..﴾. إلخ في محلّ رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿آباؤُكُمْ..﴾. إلخ معترضة بين الجمل المتعاطفة، لا محلّ لها. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: خبر المبتدأ محذوف، تقديره: هم المقسوم عليهم، وهم المعطون وما قدّمته أولى بالاعتبار. ﴿فَرِيضَةً:﴾ مفعول مطلق مؤكد لما جاء في هذه الآية من الوصية الباهرة، على حدّ: قعدت جلوسا. وقيل: هو مفعول مطلق، عامله من لفظه محذوف، التقدير: فرض الله ذلك فريضة. وقيل: حال مؤكّدة، والعامل: يوصيكم، وهو ضعيف. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿إِنْ﴾. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلِيماً حَكِيماً:﴾ خبران ل: ﴿كانَ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. تنبيه: كثر حذف فاعل الأفعال في الآية الكريمة كما رأيت، ومثل هذا قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٤٤]: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وقوله تعالى في سورة (ص): ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ وفي سورة (الواقعة) قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ وفي سورة (القيامة) قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ ففي كل ذلك الفاعل محذوف يدلّ عليه المقام، ومثل هذه الآيات قول حاتم الطّائي: [الطويل] لعمرك ما يغني الثّراء عن امرئ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر وأيضا قول سوار بن المضرّب السّعدي-وهو الشّاهد رقم [١٩١]: من كتابنا: «فتح رب البريّة» -: [الطويل] إذا كان لا يرضيك حتّى تردّني... إلى قطريّ لا إخالك راضيا ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ الشرح: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ:﴾ الخطاب للرّجال الوارثين من نسائهم. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ أي: وارث ذكرا كان، أو أنثى من بطنها، أو من صلب بنيها الذّكور، وإن

стр. 1086

سفل؛ ذكرا كان، أو أنثى. منكم، أو من غيركم. أما بنو البنت وإن سفلت؛ فلا حظّ لهم في الميراث؛ لأنّهم من الأرحام. ﴿فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ ممّا ذكر؛ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ﴾ فالولد منها يحجب الزّوج من النّصف إلى الرّبع، سواء أكان منه، أو من غيره. ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ من الزوجة، أو من غيرها، فالولد يحجبها من الرّبع إلى الثّمن، فقد فرض الله للرّجل بسبب الزواج ضعف ما للمرأة، كما في النسب. وهكذا قياس كل رجل، وامرأة اشتركا في الجهة، والقرب، ولا يستثنى منه إلا أولاد الأم، كما ستعرفه، فإنّهم شركاء في القسمة سواء. وينبغي أن تعلم أنّ الزوجة الواحدة، والاثنتين، والثّلاث، والأربع شركاء في الرّبع، أو في الثّمن. وينبغي أن تعلم: أنّ الثّلث، والسّدس، والرّبع، والثّمن تقرأ بضم أولها، وأوساطها، كما تقرأ بضم أولها وسكون أوساطها. والأولى هي اللّغة الجيدة، والإسكان لغة. قال عيسى بن عمر-رحمه الله تعالى-كلّ اسم من ثلاثة أحرف أوّله مضموم، يجوز ضمّ ثانيه، وسكونه، وذلك مثل: عسر، ويسر... إلخ. ﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً..﴾. إلخ: الكلالة: هو الذي ليس له ولد، ولا والد، رجلا كان، أو امرأة، فإن مات أحدهما على هذه الصّفة، وله أخ، أو أخت من الأم، فلأحدهما عند انفراده السّدس من ورثة الميت، فإن كانوا اثنين، فأكثر يأخذون الثلث، ويقتسمونه بالسّويّة بدون تفضيل الذّكر على الأنثى، فقد سوّى الله بينهما؛ لأنّ الإدلاء بمحض الأنوثة. وتفسير الكلالة بهذا هو المعتمد. وقيل: الكلالة: الورثة. وقيل: المال الموروث. وقيل: الإرث. وقيل: القرابة. هذا؛ واشتقاقها من الكلال، وهو ذهاب القوّة من الإعياء، فكأنّ الميراث يصير للوارث بعد إعياء، وذلك لعدم أصول، وفروع للميت، وانظر الآية الأخيرة من هذه السّورة، وخذ هنا قول الأعشى من قصيدته؛ الّتي مدح بها النبيّ ﷺ : [الطويل] فآليت لا أرثي لها من كلالة... ولا من وجى حتّى تلاقي محمّدا ومنه قوله أيضا: [الطويل] إليك أبيت اللّعن كان كلالها... إلى الماجد القرم الجواد المحمّد ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: غير مضارّ لورثته بالزيادة على الثلث، أو قصد المضارّة بالوصية دون القرابة، والإقرار بدين لا يلزمه لأجنبيّ، فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ : قال: «إنّ الرّجل ليعمل، أو المرأة بطاعة الله ستّين سنة، ثمّ يحضرهما الموت، فيضارّان في الوصيّة، فتجب لهما النّار». ثمّ قرأ أبو هريرة-﵁: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حتّى بلغ: ﴿وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. رواه أبو داود، والترمذي. هذا؛ وقيل: إنّ الإضرار في الوصية من الكبائر؛ لأنّ مخالفة أمر الله- -كبيرة، وقد نهى الله

стр. 1087

عن الإضرار في الوصية، فدلّ على: أنّ ذلك من الكبائر، فويل للذين يحرمون بعض الأولاد، ويعطون البعض الآخر، وقال الرسول ﷺ : «إنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى؛ حاف في وصيّته، فيختم له بشرّ عمله، فيدخل النّار. وإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الشّرّ سبعين سنة، فيعدل في وصيّته، فيختم له بخير عمله، فيدخل النّار». رواه ابن ماجة عن أبي هريرة-﵁. هذا؛ وذكرت لك في الآية السابقة سبب تقديم الوصية على الدّين. ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللهِ﴾ أي: فريضة من الله. وقيل: عهدا من الله إليكم فيما يجب لكم من ميراث من مات منكم. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بمن جار، أو عدل في وصيته. ﴿حَلِيمٌ:﴾ لا يعاجل المعتدين بالعقوبة. وهذا وعيد، وتهديد لهم. وانظر الآية رقم [٢٢٥]: من سورة (البقرة). وإنّما كررت الوصية في هذه الآية لاختلاف الموصين، كما هو واضح. هذا؛ ويقال: رجل كلالة، وامرأة كلالة، لا يثنّى، ولا يجمع؛ لأنّه مصدر كالوكالة، والدّلالة، والسّماحة، والشّجاعة. وأعاد ضمير مفرد في قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ ولم يقل لهما على عادة العرب إذا ذكرت اسمين، ثمّ أخبرت عنهما، وكانا في الحكم سواء، ربما أضفت إلى أحدهما، وربما إليهما جميعا. هذا؛ وأصل «أخ» أخو بدليل تثنية أخوين، وأخوان، فحذف منه، وغيّر على غير قياس و «ابن» أصله بني، فحذف منه الياء، وعوض منها الهمزة في أوله، قال الفرّاء-رحمه الله تعالى-: ضمّ أول الأخت؛ لأن المحذوف منها واو. وكسر أول بنت لأن المحذوف منها الياء، وهذا الحذف والتعليل على غير قياس أيضا. تنبيه: كانت الوراثة في الجاهلية بالرّجولة، والقوّة، فقد كانوا يورّثون الرجال دون النساء، فأبطل الله ذلك، كما رأيت فيما تقدّم رقم [٧]: وكانت الوراثة أيضا في الجاهلية، وبدء الإسلام بالمحالفة، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ انظر الآية رقم [٣٣]: الآتية، ثمّ صارت بعد المحالفة بالهجرة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ الآية رقم [٧٢] من سورة (الأنفال)، وهذا معنى التوارث بأخوّة الإسلام، ثم ثبت التّوارث بآيات (النّساء) الّتي الكلام فيها. والحمد لله. فائدة: المسألة الحماريّة: زوج، وأم، وإخوة لأم، وإخوة لأب، وأم. فقال قوم: للزوج النصف، وللأم السّدس وللأخوة لأم الثلث، وسقط الأشقّاء. وبه قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى. روي: أنّ الأخوة الأشقاء قالوا لعمر-﵁: هب أنّ أبانا كان حمارا! وفي رواية: هب أن أبانا كان حجرا ملقى في اليم، فأشركنا بقرابة أمّنا! فأشركهم مع الإخوة لأم في الثّلث. وبه قال مالك، والشّافعي-﵁، وأبو حنيفة وافق أحمد بن حنبل-﵁. وتسمّى هذه المسألة: المشتركة، والحمارية، واليميّة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 1088

الإعراب: ﴿وَلَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَكُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿نِصْفُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿ما﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: نصف الّذي، أو: شيء تركه أزواجكم، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السّابقة، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية السابقة. و (إن) ومدخولها كلام مفرّع عما قبله، مستأنف لا محلّ له، والجملة قبلها معطوفة على الكلام السّابق كما ترى. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: (﴿الرُّبُعُ﴾) إن كانت «ال» للتعريف، أو في محلّ رفع صفة له إن كانت «ال» للجنس، وقل مثل ذلك فيما تقدّم، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿تَرَكْنَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء تركنه. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ انظر تعليق مثلها في الآية السّابقة، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿وَصِيَّةٍ﴾ مضاف إليه، ﴿يُوصِينَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿دَيْنٍ﴾ معطوف على: ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ..﴾. إلخ: انظر إعراب مثل هذا الكلام فيما تقدّم مع التعليق وجواب الشرط المحذوف. ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام فيما تقدّم أيضا. ﴿تُوصُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية مع المتعلّق صفة: ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿أَوْ دَيْنٍ:﴾ معطوف على ما قبله. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض تام مبني على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط. ﴿رَجُلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿يُورَثُ:﴾ فعل مضارع، وقرئ بالبناء للمعلوم بتشديد الراء، وتخفيفها، وعليهما ف: ﴿كَلالَةً﴾ مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٌ﴾ والجملة الفعلية في محلّ رفع صفة ﴿رَجُلٌ﴾. هذا؛ وعلى قراءة الفعل بالبناء للمجهول، ف ﴿كَلالَةً﴾ صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يورث وراثة كلالة، وأجيز اعتبار: ﴿كَلالَةً﴾ اسما للورثة كما قدمت، فتكون: ﴿كَلالَةً﴾ خبرا ل: ﴿كانَ﴾ وهي ناقصة، التقدير: وإن كان رجل يورث ذا كلالة، كما يجوز أيضا أن تكون: ﴿كانَ﴾ تامة بمعنى: وقع، وحصل، وجملة: ﴿يُورَثُ:﴾ نعت ل: ﴿رَجُلٌ﴾ و ﴿كَلالَةً﴾ نصب على التمييز، أو الحال على أن الكلالة هو الميت، التقدير: وإن كان رجل يورث متكلل النّسب إلى الميت. ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ معطوف على: ﴿رَجُلٌ﴾ وحذفت الصفة و «كلالة» اكتفاء بما ذكر بعد: ﴿رَجُلٌ﴾.

стр. 1089

﴿وَلَهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿لَهُ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَخٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿رَجُلٌ﴾ والرابط: الواو والضمير، وصحّ مجيء الحال منه لوصفه بما بعده، إذ الوصف يخصص، وحذف مثل هذه الجملة بعد: ﴿اِمْرَأَةٌ﴾. ﴿فَلِكُلِّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (لكل): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، و (كلّ) مضاف، و ﴿واحِدٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمَا:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة: ﴿واحِدٍ﴾ والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿السُّدُسُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والجملة الشرطية: ﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها أيضا. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَكْثَرَ:﴾ خبر: (كان) والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بأكثر، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هم): مبتدأ. ﴿شُرَكاءُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محلّ جزم جواب الشرط... إلخ. ﴿فِي الثُّلُثِ:﴾ متعلّقان ب ﴿شُرَكاءُ﴾ أو بمحذوف صفة له، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه الأنصباء للورثة من بعد. وذكرت لك في الآية السّابقة: أنّ أبا البقاء جوّز تعليقهما بمحذوف حال من الثّلث، كما جوّز تعليقهما بمحذوف فعل، التقدير: يستقرّ لهم ذلك من بعد. و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿وَصِيَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿يُوصى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نائب فاعله، ويقرأ بالبناء للمعلوم، فيكون الفاعل عائدا على الموصي، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ معطوف على: ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من فاعل ﴿يُوصى﴾ أو من نائب فاعله، و ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و ﴿مُضَارٍّ﴾ مضاف إليه. هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فأين ذو الحال فيمن قرأ: ﴿يُوصى بِها﴾ على ما لم يسمّ فاعله؟ قلت: يضمر ب ﴿يُوصى﴾ فينتصب عن فاعله؛ لأنّه لمّا قيل: يوصى بها، علم: أن ثمّ موصيّا، كما قال تعالى في سورة (النّور) رقم [٣٦]: (﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾) على ما لم يسمّ فاعله، فعلم: أن ثمّ مسبّحا، فأضمر في: (﴿يُسَبِّحُ﴾) فكما كان ﴿رِجالٌ﴾ فاعل ما يدلّ عليه (﴿يُسَبِّحُ﴾) كان ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حالا ممّا يدل عليه: ﴿يُوصى بِها﴾ انتهى بتصرف. أقول: ومثل الآيتين قول نهشل بن حري-وهو الشّاهد رقم [١٩٣]: من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [١٠٤٨]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]

стр. 1090

ليبك يزيد ضارع لخصومة... ومختبط ممّا تطيح الطّوائح ﴿وَصِيَّةٍ:﴾ مفعول مطلق مؤكّد لما جاء في هذه الآية من الوصية الباهرة على حدّ: قعدت جلوسا. وقيل: هو مفعول مطلق، عامله من لفظه محذوف، التقدير: وصّى الله ذلك وصية. وقيل: حال مؤكدة، والعامل فعل الوصية، وهو ضعيف. وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: والعامل ﴿يُوصِيكُمُ﴾ ويصح أن يعمل فيها: ﴿مُضَارٍّ﴾ وهما ضعيفان. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿وَصِيَّةٍ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ حَلِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام، الغرض منها التّهديد، والوعيد. تأمل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ الشرح: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ يعني: الأحكام التي تقدّم ذكرها في هذه السّورة من مال اليتامى، والوصايا، والأنكحة، والمواريث. وإنّما سماها حدودا؛ لأنّ الشّرائع كالحدود المضروبة للمكلّفين، فلا يجوز لهم أن يتجاوزوها. والحدود جمع: حد، وهو في اللغة الحاجز بين شيئين متجاورين، والمراد هنا: الحد الفاصل بين الحلال، والحرام، فلذا يعاقب من تجاوزه بالحدّ. وهو: العقوبة المقرّرة لذلك، وقال ابن عباس-﵄: يريد ما حدّ الله من فرائضه. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ يعني: في شأن المواريث، ورضي بما قسم الله له، وحكم عليه. ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ..﴾. إلخ: وحّد الفاعل في هذه الآية، وفي الآية التالية؛ لأنّ إدخال الجنّة للمطيع، وإدخال النّار للعاصي إنّما هو بيد الله، والرّسول ﷺ لا فعل له في ذلك. ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ جمعه، وهو عائد على (من) باعتبار معناها، وأفرده في الآية التالية باعتبار لفظها. ﴿وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ:﴾ النجاح الكبير في الآخرة يوم لا ينفع مال، ولا بنون؛ إلا من أتى الله بقلب سليم. الإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿حُدُودُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، و ﴿حُدُودُ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ:﴾ انظر الآية التالية. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، ويقال فيه ما يقال في مفعول: ﴿(تدخلوا الجنة﴾ في الآية رقم [١٤٢]: من سورة (آل عمران). ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل.
следующие страницы →