← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

سفل؛ ذكرا كان، أو أنثى. منكم، أو من غيركم. أما بنو البنت وإن سفلت؛ فلا حظّ لهم في الميراث؛ لأنّهم من الأرحام. ﴿فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ ممّا ذكر؛ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ﴾ فالولد منها يحجب الزّوج من النّصف إلى الرّبع، سواء أكان منه، أو من غيره. ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ من الزوجة، أو من غيرها، فالولد يحجبها من الرّبع إلى الثّمن، فقد فرض الله للرّجل بسبب الزواج ضعف ما للمرأة، كما في النسب. وهكذا قياس كل رجل، وامرأة اشتركا في الجهة، والقرب، ولا يستثنى منه إلا أولاد الأم، كما ستعرفه، فإنّهم شركاء في القسمة سواء. وينبغي أن تعلم أنّ الزوجة الواحدة، والاثنتين، والثّلاث، والأربع شركاء في الرّبع، أو في الثّمن. وينبغي أن تعلم: أنّ الثّلث، والسّدس، والرّبع، والثّمن تقرأ بضم أولها، وأوساطها، كما تقرأ بضم أولها وسكون أوساطها. والأولى هي اللّغة الجيدة، والإسكان لغة. قال عيسى بن عمر-رحمه الله تعالى-كلّ اسم من ثلاثة أحرف أوّله مضموم، يجوز ضمّ ثانيه، وسكونه، وذلك مثل: عسر، ويسر... إلخ. ﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً..﴾. إلخ: الكلالة: هو الذي ليس له ولد، ولا والد، رجلا كان، أو امرأة، فإن مات أحدهما على هذه الصّفة، وله أخ، أو أخت من الأم، فلأحدهما عند انفراده السّدس من ورثة الميت، فإن كانوا اثنين، فأكثر يأخذون الثلث، ويقتسمونه بالسّويّة بدون تفضيل الذّكر على الأنثى، فقد سوّى الله بينهما؛ لأنّ الإدلاء بمحض الأنوثة. وتفسير الكلالة بهذا هو المعتمد. وقيل: الكلالة: الورثة. وقيل: المال الموروث. وقيل: الإرث. وقيل: القرابة. هذا؛ واشتقاقها من الكلال، وهو ذهاب القوّة من الإعياء، فكأنّ الميراث يصير للوارث بعد إعياء، وذلك لعدم أصول، وفروع للميت، وانظر الآية الأخيرة من هذه السّورة، وخذ هنا قول الأعشى من قصيدته؛ الّتي مدح بها النبيّ ﷺ : [الطويل] فآليت لا أرثي لها من كلالة... ولا من وجى حتّى تلاقي محمّدا ومنه قوله أيضا: [الطويل] إليك أبيت اللّعن كان كلالها... إلى الماجد القرم الجواد المحمّد ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: غير مضارّ لورثته بالزيادة على الثلث، أو قصد المضارّة بالوصية دون القرابة، والإقرار بدين لا يلزمه لأجنبيّ، فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ : قال: «إنّ الرّجل ليعمل، أو المرأة بطاعة الله ستّين سنة، ثمّ يحضرهما الموت، فيضارّان في الوصيّة، فتجب لهما النّار». ثمّ قرأ أبو هريرة-﵁: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حتّى بلغ: ﴿وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. رواه أبو داود، والترمذي. هذا؛ وقيل: إنّ الإضرار في الوصية من الكبائر؛ لأنّ مخالفة أمر الله- -كبيرة، وقد نهى الله

стр. 1087

عن الإضرار في الوصية، فدلّ على: أنّ ذلك من الكبائر، فويل للذين يحرمون بعض الأولاد، ويعطون البعض الآخر، وقال الرسول ﷺ : «إنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى؛ حاف في وصيّته، فيختم له بشرّ عمله، فيدخل النّار. وإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الشّرّ سبعين سنة، فيعدل في وصيّته، فيختم له بخير عمله، فيدخل النّار». رواه ابن ماجة عن أبي هريرة-﵁. هذا؛ وذكرت لك في الآية السابقة سبب تقديم الوصية على الدّين. ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللهِ﴾ أي: فريضة من الله. وقيل: عهدا من الله إليكم فيما يجب لكم من ميراث من مات منكم. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بمن جار، أو عدل في وصيته. ﴿حَلِيمٌ:﴾ لا يعاجل المعتدين بالعقوبة. وهذا وعيد، وتهديد لهم. وانظر الآية رقم [٢٢٥]: من سورة (البقرة). وإنّما كررت الوصية في هذه الآية لاختلاف الموصين، كما هو واضح. هذا؛ ويقال: رجل كلالة، وامرأة كلالة، لا يثنّى، ولا يجمع؛ لأنّه مصدر كالوكالة، والدّلالة، والسّماحة، والشّجاعة. وأعاد ضمير مفرد في قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ ولم يقل لهما على عادة العرب إذا ذكرت اسمين، ثمّ أخبرت عنهما، وكانا في الحكم سواء، ربما أضفت إلى أحدهما، وربما إليهما جميعا. هذا؛ وأصل «أخ» أخو بدليل تثنية أخوين، وأخوان، فحذف منه، وغيّر على غير قياس و «ابن» أصله بني، فحذف منه الياء، وعوض منها الهمزة في أوله، قال الفرّاء-رحمه الله تعالى-: ضمّ أول الأخت؛ لأن المحذوف منها واو. وكسر أول بنت لأن المحذوف منها الياء، وهذا الحذف والتعليل على غير قياس أيضا. تنبيه: كانت الوراثة في الجاهلية بالرّجولة، والقوّة، فقد كانوا يورّثون الرجال دون النساء، فأبطل الله ذلك، كما رأيت فيما تقدّم رقم [٧]: وكانت الوراثة أيضا في الجاهلية، وبدء الإسلام بالمحالفة، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ انظر الآية رقم [٣٣]: الآتية، ثمّ صارت بعد المحالفة بالهجرة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ الآية رقم [٧٢] من سورة (الأنفال)، وهذا معنى التوارث بأخوّة الإسلام، ثم ثبت التّوارث بآيات (النّساء) الّتي الكلام فيها. والحمد لله. فائدة: المسألة الحماريّة: زوج، وأم، وإخوة لأم، وإخوة لأب، وأم. فقال قوم: للزوج النصف، وللأم السّدس وللأخوة لأم الثلث، وسقط الأشقّاء. وبه قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى. روي: أنّ الأخوة الأشقاء قالوا لعمر-﵁: هب أنّ أبانا كان حمارا! وفي رواية: هب أن أبانا كان حجرا ملقى في اليم، فأشركنا بقرابة أمّنا! فأشركهم مع الإخوة لأم في الثّلث. وبه قال مالك، والشّافعي-﵁، وأبو حنيفة وافق أحمد بن حنبل-﵁. وتسمّى هذه المسألة: المشتركة، والحمارية، واليميّة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 1088

الإعراب: ﴿وَلَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَكُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿نِصْفُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿ما﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: نصف الّذي، أو: شيء تركه أزواجكم، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السّابقة، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية السابقة. و (إن) ومدخولها كلام مفرّع عما قبله، مستأنف لا محلّ له، والجملة قبلها معطوفة على الكلام السّابق كما ترى. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: (﴿الرُّبُعُ﴾) إن كانت «ال» للتعريف، أو في محلّ رفع صفة له إن كانت «ال» للجنس، وقل مثل ذلك فيما تقدّم، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿تَرَكْنَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء تركنه. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ انظر تعليق مثلها في الآية السّابقة، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿وَصِيَّةٍ﴾ مضاف إليه، ﴿يُوصِينَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿دَيْنٍ﴾ معطوف على: ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ..﴾. إلخ: انظر إعراب مثل هذا الكلام فيما تقدّم مع التعليق وجواب الشرط المحذوف. ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام فيما تقدّم أيضا. ﴿تُوصُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية مع المتعلّق صفة: ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿أَوْ دَيْنٍ:﴾ معطوف على ما قبله. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض تام مبني على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط. ﴿رَجُلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿يُورَثُ:﴾ فعل مضارع، وقرئ بالبناء للمعلوم بتشديد الراء، وتخفيفها، وعليهما ف: ﴿كَلالَةً﴾ مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٌ﴾ والجملة الفعلية في محلّ رفع صفة ﴿رَجُلٌ﴾. هذا؛ وعلى قراءة الفعل بالبناء للمجهول، ف ﴿كَلالَةً﴾ صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يورث وراثة كلالة، وأجيز اعتبار: ﴿كَلالَةً﴾ اسما للورثة كما قدمت، فتكون: ﴿كَلالَةً﴾ خبرا ل: ﴿كانَ﴾ وهي ناقصة، التقدير: وإن كان رجل يورث ذا كلالة، كما يجوز أيضا أن تكون: ﴿كانَ﴾ تامة بمعنى: وقع، وحصل، وجملة: ﴿يُورَثُ:﴾ نعت ل: ﴿رَجُلٌ﴾ و ﴿كَلالَةً﴾ نصب على التمييز، أو الحال على أن الكلالة هو الميت، التقدير: وإن كان رجل يورث متكلل النّسب إلى الميت. ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ معطوف على: ﴿رَجُلٌ﴾ وحذفت الصفة و «كلالة» اكتفاء بما ذكر بعد: ﴿رَجُلٌ﴾.

стр. 1089

﴿وَلَهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿لَهُ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَخٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿رَجُلٌ﴾ والرابط: الواو والضمير، وصحّ مجيء الحال منه لوصفه بما بعده، إذ الوصف يخصص، وحذف مثل هذه الجملة بعد: ﴿اِمْرَأَةٌ﴾. ﴿فَلِكُلِّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (لكل): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، و (كلّ) مضاف، و ﴿واحِدٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمَا:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة: ﴿واحِدٍ﴾ والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿السُّدُسُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والجملة الشرطية: ﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها أيضا. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَكْثَرَ:﴾ خبر: (كان) والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بأكثر، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هم): مبتدأ. ﴿شُرَكاءُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محلّ جزم جواب الشرط... إلخ. ﴿فِي الثُّلُثِ:﴾ متعلّقان ب ﴿شُرَكاءُ﴾ أو بمحذوف صفة له، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه الأنصباء للورثة من بعد. وذكرت لك في الآية السّابقة: أنّ أبا البقاء جوّز تعليقهما بمحذوف حال من الثّلث، كما جوّز تعليقهما بمحذوف فعل، التقدير: يستقرّ لهم ذلك من بعد. و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿وَصِيَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿يُوصى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نائب فاعله، ويقرأ بالبناء للمعلوم، فيكون الفاعل عائدا على الموصي، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ معطوف على: ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من فاعل ﴿يُوصى﴾ أو من نائب فاعله، و ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و ﴿مُضَارٍّ﴾ مضاف إليه. هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فأين ذو الحال فيمن قرأ: ﴿يُوصى بِها﴾ على ما لم يسمّ فاعله؟ قلت: يضمر ب ﴿يُوصى﴾ فينتصب عن فاعله؛ لأنّه لمّا قيل: يوصى بها، علم: أن ثمّ موصيّا، كما قال تعالى في سورة (النّور) رقم [٣٦]: (﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾) على ما لم يسمّ فاعله، فعلم: أن ثمّ مسبّحا، فأضمر في: (﴿يُسَبِّحُ﴾) فكما كان ﴿رِجالٌ﴾ فاعل ما يدلّ عليه (﴿يُسَبِّحُ﴾) كان ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حالا ممّا يدل عليه: ﴿يُوصى بِها﴾ انتهى بتصرف. أقول: ومثل الآيتين قول نهشل بن حري-وهو الشّاهد رقم [١٩٣]: من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [١٠٤٨]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]

стр. 1090

ليبك يزيد ضارع لخصومة... ومختبط ممّا تطيح الطّوائح ﴿وَصِيَّةٍ:﴾ مفعول مطلق مؤكّد لما جاء في هذه الآية من الوصية الباهرة على حدّ: قعدت جلوسا. وقيل: هو مفعول مطلق، عامله من لفظه محذوف، التقدير: وصّى الله ذلك وصية. وقيل: حال مؤكدة، والعامل فعل الوصية، وهو ضعيف. وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: والعامل ﴿يُوصِيكُمُ﴾ ويصح أن يعمل فيها: ﴿مُضَارٍّ﴾ وهما ضعيفان. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿وَصِيَّةٍ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ حَلِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام، الغرض منها التّهديد، والوعيد. تأمل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ الشرح: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ يعني: الأحكام التي تقدّم ذكرها في هذه السّورة من مال اليتامى، والوصايا، والأنكحة، والمواريث. وإنّما سماها حدودا؛ لأنّ الشّرائع كالحدود المضروبة للمكلّفين، فلا يجوز لهم أن يتجاوزوها. والحدود جمع: حد، وهو في اللغة الحاجز بين شيئين متجاورين، والمراد هنا: الحد الفاصل بين الحلال، والحرام، فلذا يعاقب من تجاوزه بالحدّ. وهو: العقوبة المقرّرة لذلك، وقال ابن عباس-﵄: يريد ما حدّ الله من فرائضه. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ يعني: في شأن المواريث، ورضي بما قسم الله له، وحكم عليه. ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ..﴾. إلخ: وحّد الفاعل في هذه الآية، وفي الآية التالية؛ لأنّ إدخال الجنّة للمطيع، وإدخال النّار للعاصي إنّما هو بيد الله، والرّسول ﷺ لا فعل له في ذلك. ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ جمعه، وهو عائد على (من) باعتبار معناها، وأفرده في الآية التالية باعتبار لفظها. ﴿وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ:﴾ النجاح الكبير في الآخرة يوم لا ينفع مال، ولا بنون؛ إلا من أتى الله بقلب سليم. الإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿حُدُودُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، و ﴿حُدُودُ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ:﴾ انظر الآية التالية. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، ويقال فيه ما يقال في مفعول: ﴿(تدخلوا الجنة﴾ في الآية رقم [١٤٢]: من سورة (آل عمران). ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل.

стр. 1091

﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان به، و (ها) في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضمير المنصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان خالدين، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وهو أقوى من العطف على ما قبلها. ﴿وَذلِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ذلِكَ﴾): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف الخطاب. ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿الْعَظِيمُ:﴾ صفته، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ:﴾ يخالف أوامرهما فيما أمرا به، ولم يرض بقسمة الله في المواريث. ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ:﴾ يتجاوز ما أمر الله به. ﴿يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ:﴾ قال الخازن-﵀-فإن قلت: كيف قطع الله للعاصي بالخلود في النار في هذه الآية؟ وهل فيها دليل للمعتزلة على قولهم: إنّ العصاة، والفسّاق من المسلمين يخلدون في النّار؟ قلت: قال الضّحاك: المعصية هنا: الشرك. وروى عكرمة عن ابن عباس-﵄-في معنى الآية: من لم يرض بقسمة الله، ويتعدّ ما قال الله؛ يدخله نارا. وقال الكلبي: يكفر بقسمة المواريث، ويتعدّ حدود الله استحلالا، إذا ثبت ذلك، فمن ردّ حكم الله، ولم يرض بقسمته؛ كفر بذلك، ومن كفر؛ كان حكمه حكم الكفار في الخلود في النار؛ إذا لم يتب قبل موته، وإذا مات وهو مصرّ على ذلك كان مخلّدا في النار بكفره، فلا دليل في الآية للمعتزلة. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْصِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. (﴿يَتَعَدَّ﴾): فعل مضارع معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها ويجوز في مثله النصب على القاعدة التي تراها قريبا، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا. ﴿حُدُودَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يُدْخِلْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا، وقرئ: («ندخله»): على الالتفات، فيكون الفاعل مستتر وجوبا تقديره: نحن، والهاء مفعوله الأول. ﴿ناراً:﴾ مثل: ﴿جَنّاتٍ﴾ في الآية السابقة. ﴿خالِداً:﴾ حال من الفاعل المستتر

стр. 1092

العائد إلى (﴿مَنْ﴾) وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥)﴾ الشرح: ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ﴾ المراد بها هنا: الزنى، والفاحشة: الفعلة القبيحة، فهي مصدر كالعاقبة، والعافية، سمّيت بذلك لفحشها، وقبحها، ومعنى ﴿يَأْتِينَ:﴾ يفعلنها. يقال: أتى الفاحشة، وجاءها، وغشيها، ورهقها: إذا فعلها. ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، فجعل الله الشهادة على الزنى خاصة أربعة تغليظا على المدّعي، وسترا على العباد. وتعديد الشهود بالأربعة في الزنى حكم ثابت في التوراة، والإنجيل، والقرآن، قال تعالى في سورة النّور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ وقال هنا: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ولا بدّ أن يكون الشهود ذكورا، وعدولا. والخطاب للأزواج. وقيل: هو للحكّام، قال عمر-﵁: إنّما جعل الله الشّهود أربعة سترا ليستركم به دون فواحشكم. ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ أي: فاحبسوهنّ في البيوت، والحكمة في حبسهن: أن المرأة إنّما تقع في الزنى عند الخروج، والبروز للرّجال، فإذا حبست في البيت؛ لم تقدر على الزنى. ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ يعني: تتوفاهنّ ملائكة الموت عند انقضاء آجالهن. ففيه مجاز عقلي؛ حيث أسند الوفاة إلى الموت. ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً:﴾ وهذا الحكم كان في أوّل الإسلام، قبل نزول الحدود، كانت المرأة إذا زنت؛ حبست في البيت حتّى تموت، ثم نسخ ذلك بالحدود، وجعل الله لهن سبيلا، وخذ ما يلي: عن عبادة بن الصامت-﵁-قال: كان النبي ﷺ إذا أنزل عليه؛ كرب لذلك، وتربّد له وجهه، فأنزل عليه ذات يوم، فلقي كذلك، فلمّا سرّي عنه؛ قال: «خذوا عنّي، خذوا عنّي، قد جعل الله لهنّ سبيلا، الثّيب بالثّيب، والبكر بالبكر، الثّيّب جلد مائة، ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة، ثم نفي سنة». أخرجه مسلم، وغيره، فقال الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: يجمع على الثيب الجلد، والرّجم بنصّ الحديث. والجمهور على أنه يكتفي بالرّجم. ويفهم من هذا: أنّ الآية منسوخ حكمها بآية (النّور) قوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما..﴾. إلخ، وبآية الرّجم المنسوخة تلاوة، والباقية حكما إلى يوم القيامة، وهي قوله تعالى:

стр. 1093

(الشيخ والشيخة، إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا من الله، والله عزيز حكيم)، وهذه الآية كانت من سورة (الأحزاب) وأيّد ذلك قول الرسول ﷺ وفعله، فقد ثبت: أنّه ﷺ رجم ماعزا، والغامدية في حديث صحيح. انظر ما ذكرته في سورة (النور) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَاللاّتِي:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللاّتِي﴾): اسم موصول مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَأْتِينَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿الْفاحِشَةَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ نِسائِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نون النسوة، والكاف في محل جر بالإضافة، وفي خبر المبتدأ وجهان: أحدهما الجملة الفعلية: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ..﴾. إلخ، وجاز دخول الفاء زائدة على الخبر على رأي الجمهور؛ لأنّ المبتدأ أشبه الشرط في كونه موصولا عامّا صلته فعل مستقبل. الوجه الثاني: أنّ الخبر محذوف، التقدير: فيما يتلى عليكم حكم اللاّتي... إلخ، فحذف الخبر، والمضاف إلى المبتدأ للدلالة عليهما، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا نظير ما فعله سيبويه-رحمه الله تعالى- في نحو قوله تعالى في سورة (النّور): ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا..﴾. إلخ، وقوله تعالى في سورة (المائدة): ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ أي: فيما يتلى عليكم حكم الزانية... إلخ، ويكون الفعل المذكور في هذه الآيات دالاّ على ذلك المحذوف؛ لأنّه بيان له. انتهى. جمل نقلا عن السّمين. (استشهدوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿أَرْبَعَةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَرْبَعَةً﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ على الوجه الأول في الإعراب، ولا محل لها على الوجه الثاني لأنها جواب الشرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛ فاستشهدوا. وتكون الفاء: فصيحة. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم، ﴿شَهِدُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أمسكوهن): فعل أمر وفاعله ومفعوله، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور... إلخ. ﴿فِي الْبُيُوتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَتَوَفّاهُنَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿الْمَوْتُ:﴾ فاعله. «وأن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَوْ:﴾ حرف

стр. 1094

عطف. ﴿يَجْعَلَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لَهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلاً﴾ كان صفة له، فلمّا قدّم عليه؛ صار حالا. ﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به. ﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوّاباً رَحِيماً (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذانِ:﴾ تثنية «الذي» وكان القياس أن يقال: اللذيان، كرحيان، ومصطفيان... إلخ، قال سيبويه-رحمه الله تعالى-: حذفت الياء؛ ليفرق بين الأسماء المتمكنة، والأسماء المبهمة. وقال علي الفارسي: حذفت الياء تخفيفا؛ إذ قد أمن اللبس في «اللذان» لأن النّون لا تنحذف، ونون التثنية في الأسماء المتمكنة قد تنحذف مع الإضافة في: رحياك، ومصطفيا القوم، فلو حذفت الياء؛ لاشتبه المفرد بالاثنين. ﴿يَأْتِيانِها﴾ أي: الفاحشة. ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: المسلمين. ﴿فَآذُوهُما﴾ أي: عيروهما بالقول، واللسان، وهو أن يقال له: أما خفت الله؟! أما استحيت من الله حين زنيت؟! وقال ابن عباس-﵄: سبّوهما، واشتموهما. ﴿فَإِنْ تابا:﴾ من الفاحشة، وحسنت توبتهما. ﴿وَأَصْلَحا﴾ أي: عملهما فيما يأتي. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُما﴾ أي: اتركوهما، ولا تؤذوهما. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ أي: يعود على عبده بفضله، ومغفرته، ورحمته، إذا تاب إليه، وأناب إلى رحمته، وعفوه. هذا؛ وقد وصف الله نفسه بأنّه توّاب، وتكرّر هذا اللفظ في القرآن منكّرا، ومعرّفا، واسما، وفعلا، وقد يطلق على العبد أيضا توّاب، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ قال ابن العربي: ولعلمائنا في وصف الرب بأنه توّاب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجوز في حق الرّبّ ، فيدعى به كما في الكتاب، والسنة، ولا يتأول. وقال آخرون: هو وصف حقيقي لله تعالى، وتوبة الله على العبد: رجوعه من حال المعصية إلى حال الطاعة. وقال آخرون: توبة الله على العبد قبول توبته، وذلك يحتمل أن يرجع إلى قوله : قبلت توبتك، وأن يرجع إلى خلقه الإنابة، والرجوع في قلب المسيء من إجراء الطّاعات على جوارحه، وإنّما قيل لله تعالى: تواب لمبالغة الفعل، وكثرة قبوله توبة عباده، ولكثرة من يتوب عليه. تنبيه: كان حدّ الزاني في ابتداء الإسلام الأذى بالتوبيخ، والتعيير باللّسان، ثم صار بالحبس، كما رأيت في الآية السابقة، فلما نزلت الحدود، وثبتت الأحكام؛ نسخ ذلك بآية (النور) قوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي..﴾. إلخ، فثبت الجلد على البكر بنصّ الكتاب، وثبت الرّجم على الثيب المحصن بآية (الأحزاب) المنسوخة تلاوة، والباقية حكما، وثبت: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

стр. 1095

رجم-كما ذكرت لك-ماعزا، والغامدية، ورجم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، ﵃ أجمعين-. الإعراب: ﴿وَالَّذانِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذانِ﴾): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وبعضهم يعتبره مبنيّا على الألف في محل رفع، والنّون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿يَأْتِيانِها:﴾ فعل مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، الألف فاعله، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ألف التثنية، وخبر المبتدأ يقال فيه ما قيل في الآية السابقة. ﴿فَآذُوهُما:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية يقال فيها ما يقال في الآية السابقة. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تابا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وألف الاثنين فاعله، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿وَأَصْلَحا:﴾ معطوف على ما قبله، والألف فاعله. ﴿فَأَعْرِضُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. ﴿فَأَعْرِضُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ تَوّاباً رَحِيماً:﴾ انظر مثلها في الآية رقم [١١]. ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧)﴾ الشرح: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ﴾ أي: إن قبول التوبة كالمحتوم على الله فضلا، وكرما بمقتضى وعده الذي قطعه على نفسه بأنّ من يتوب يقبل الله توبته. قال تعالى في سورة (الشورى): ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وقال جلّ ذكر في سورة (التوبة): ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ وقال في سورة (طه): ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ..﴾. إلخ. هذا؛ وقيل: ﴿عَلَى﴾ بمعنى: عند، فيكون المعنى: التوبة التي عند الله. وقيل: هي بمعنى من، أي: من الله، وقال أهل المعاني: إن الله تعالى وعد قبول التوبة من المؤمنين في قوله جل ذكره في سورة (الأنعام) رقم [٥٤]: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وإذا وعد شيئا؛ أنجز ميعاده، وصدق فيه. فمعنى قوله: ﴿عَلَى اللهِ:﴾ أوجب على نفسه من غير إيجاب أحد عليه؛ لأنه تعالى يفعل ما يريد.

стр. 1096

﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ:﴾ يعني: يعملون الذنوب، والمعاصي. سميت سوءا؛ لسوء عاقبتها؛ إذا لم يتب منها، وهو مصدر: ساء، يسوء، سوءا، أو مساءة: إذا أحزنه. والسّوء: الشر، والفساد، والجمع: أسواء، وهو بضم السين من ساءه، وبفتحها المصدر، تقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرّجل السّوء. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ سورة (الأنبياء). ﴿بِجَهالَةٍ﴾ قال قتادة-رحمه الله تعالى-: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أنّ كل شيء عصي الله به؛ فهو بجهالة، عمدا كان، أو غيره. وكلّ من عصى الله؛ فهو جاهل، وقال ابن عباس-﵄: من عمل السوء؛ فهو جاهل، ومن جهالته عمل السوء، فكل من عصى الله؛ سمّي جاهلا، وسمي فعله جهالة، وإنما سمّي من عصى الله جاهلا؛ لأنه لم يستعمل ما معه من العلم بالثّواب، والعقاب، وإذا لم يستعمل ذلك؛ سمّي جاهلا بهذا الاعتبار. وقيل: معنى الجهالة هو اختيار اللّذة الفانية على اللّذة الباقية. ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ يعني: يتوبون من الذنب بعد الإقلاع منه بزمن قريب؛ لئلا يعدّ في زمرة المصرّين. وقيل: القريب: أن يتوب في صحّته قبل مرض موته. وقيل: قبل معاينة ملك الموت، ومعاينته أهوال الموت. وإنما سميت هذه المدّة قريبة؛ لأنّ كلّ ما هو آت قريب، وفيه تنبيه على أنّ عمر الإنسان-وإن طال-قريب، وهو قليل، وإن الإنسان يتوقع كل ساعة، ولحظة نزل الموت به، وعن ابن عمر-﵄: أنّ النبي ﷺ قال: «إنّ الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». أخرجه الترمذي، الغرغرة: أن يجعل المشروب في فم المريض، فيردده في الحلق، ولا يصل إليه، ولا يقدر على بلعه، وذلك عند بلوغ الرّوح الحلقوم. وروى البغوي بسنده عن أبي سعيد الخدري-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الشّيطان قال: وعزّتك يا ربّ لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم! فقال الرّبّ ﵎: وعزّتي وجلالي، وارتفاعي في مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني!». بعد هذا: فالتوبة المقبولة هي التوبة النّصوح، ولها شروط: الندم بالجنان. والاستغفار باللسان، ورد الحقوق لأصحابها بحسب الإمكان، ولقد أحسن محمود الورّاق؛ حيث قال -رحمه الله تعالى-: [الكامل] قدّم لنفسك توبة مرجوّة... قبل الممات وقبل حبس الألسن بادر بها غلق النّفوس فإنّها... ذخر وغنم للمنيب المحسن الإعراب: ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿التَّوْبَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة التوبة على اعتبار (ال) للجنس، أو في محل نصب حال منها على اعتبار (ال) للتعريف، وهذا على قول من يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ويجوز اعتبار: ﴿عَلَى اللهِ﴾ متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، ويكون: ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلقين بمحذوف حال

стр. 1097

من الضمير المستتر في الجار والمجرور: ﴿عَلَى اللهِ﴾. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿السُّوءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بِجَهالَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من السوء. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. وجملة: ﴿يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ:﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿يَتُوبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة السابقة لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً:﴾ مستأنفة، أو هي معطوفة على ما قبلها. لا محلّ لها مثلها. ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨)﴾ الشرح: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾ أي: المقبولة عند الله. ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ:﴾ جمع: سيئة، وهي عمل السّوء، وجمعها يدلّ على كثرتها بخلاف السّوء في الآية السّابقة، فإنه يدلّ على قلّة السيئات؛ لأنّ «ال» فيه للجنس. هذا؛ وأصل «سيئة» سيوئة، قلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء. ﴿حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ يعني: وقع في النزع، وعاين ملائكة الموت، وهو حالة السّوق، حيث تساق الرّوح للخروج من جسده. ﴿قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ قال المحققون: قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة، بل المانع من قبولها مشاهدة الأحوال، التي لا يمكن الرّجوع إلى الدنيا بحال، ولذلك لم تقبل توبة فرعون، ولا إيمانه، كما قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٩٠]: ﴿حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ..﴾. إلخ. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى في سورة (غافر) رقم [٨٥]: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾. ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ﴾ أي: لا تقبل توبة الكافرين؛ إذا ماتوا على كفرهم. انظر في الآية رقم [٩١] من سورة (آل عمران) فإنه جيد، والحمد لله! ﴿أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ:﴾ هيأنا، والإعتاد: التهيئة، من العتاد، وهو العدّة. وقيل: أصله: أعددنا، فأبدلت الدال الأولى تاء. قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: الآية الأولى في المؤمنين، والوسطى في المنافقين. ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى..﴾. إلخ، والأخرى في الكافرين: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ..﴾. إلخ. هذا؛ وانظر شرح ﴿الْآنَ﴾ في الآية رقم [٧١] من سورة (البقرة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

стр. 1098

الإعراب: ﴿وَلَيْسَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَيْسَتِ﴾): فعل ماض ناقص. والتاء حرف لا محلّ له. ﴿التَّوْبَةُ:﴾ اسم. (ليس). ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (ليس) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿السَّيِّئاتِ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، الجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٦]: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿أَحَدَهُمُ:﴾ ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿تُبْتُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله. ﴿الْآنَ﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي. ﴿الَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، ورجحه ابن هشام في المغني، وجوز أبو البقاء اعتباره مبتدأ، خبره الجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ. ﴿يَمُوتُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كُفّارٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿أَعْتَدْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿أُولئِكَ﴾ والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محلّ لها، أو هي في محل رفع خبر: (﴿الَّذِينَ﴾) على رأي أبي البقاء. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به. ﴿أَلِيماً:﴾ صفة له. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩)﴾ الشرح: نزلت الآية الكريمة في أهل المدينة، وذلك: أنهم كانوا في الجاهلية، وفي أوّل الإسلام إذا مات الرّجل، وخلّف امرأة؛ جاء ابنه من غيرها، أو قريبه من ذوي عصبته، فألقى ثوبه على تلك المرأة، أو على خبائها، فصار أحقّ بها من نفسها، ومن غيره، فإن شاء؛ تزوجها بغير صداق إلا الصّداق الأول الذي أصدقها الميّت، وإن شاء؛ زوّجها من غيره، وأخذ صداقها وإن شاء؛ عضلها، ومنعها من الأزواج، يضارّها بذلك؛ لتفتدي منه بما ورثت من الميّت، أو تموت هي، فيرثها، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها وليّ زوجها ثوبه؛ كانت أحقّ

стр. 1099

بنفسها. وكانوا على ذلك حتّى توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري-﵁-وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها، يقال له: حصن-وقيل: اسمه: قيس بن أبي قيس-فطرح ثوبه عليها، فورث نكاحها، ثمّ تركها، فلم ينفق عليها، يضارّها لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إن أبا قيس توفي، وورث نكاحي ابنه، فلا هو ينفق عليّ، ولا هو يدخل بي، ولا هو يخلّي سبيلي. فقال رسول الله ﷺ : «اقعدي في بيتك؛ حتّى يأتي أمر الله فيك». فأنزل الله الآية الكريمة. ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ..﴾. إلخ. أي: لا تمنعوهنّ من الأزواج. والعضل: التّضييق، والمنع، وهو راجع إلى معنى الحبس، ومن قول معاوية: معضلة ولا أبا حسن لها! يريد عليّا-﵁ الذي كان يحل المعضلات من الأمور. والمعنى: مسألة صعبة ضيّقة. وقال طاوس-رحمه الله تعالى-: لقد وردت عضل أقضية ما قام بها إلا ابن عباس-﵄. وكلّ مشكل عند العرب معضل، ومنه قول الشّافعي-﵁: [المتقارب] إذا المعضلات لك فاصطنعني... كشفت حقائقها بالنّظر هذا؛ والعضل: الحبس. قال الشاعر: [الوافر] وإنّ قصائدي لك فاصطنعني... عقائل قد عضلن عن النّكاح وقال آخر: [الكامل] فلأعضلنّ قصائدي من بعده... حتّى أزوّجها من الأكفاء ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أي: لتضجر، فتفقدي ببعض مالها. قيل: هو خطاب للأزواج. قال ابن عباس-﵄: هذا في الرّجل تكون له امرأة، وهو كاره لها، ولصحبتها، ولها عليه مهر، فيضارّها؛ لتفتدي منه، وتردّ إليه ما ساق إليها من المهر، فنهى الله عن ذلك. وقيل: هو خطاب لأولياء الميت، فنهاهم الله عن عضل المرأة. وهو ما الكلام فيه. ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ:﴾ اختلف في الفاحشة، فقيل: هي الزنى. وقيل: هي النشوز، وسوء الخلق، وإيذاء الزّوج، وأهله، والبذاء في الكلام، والفجور، فكلّ ذلك يحلّ للزّوج أن يأخذ منها فداء، وهو فحوى قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٩]: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وهذا ما يسمّى بالخلع، والمخالعة. ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قيل: هو راجع للكلام الذي قبله، والمعنى: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فصدر الآية ينهى عن فعل الجاهلية، وتقاليدها، وآخرها ينهى عن سوء معاملة الزّوج في جميع الأحيان والأمكنة، والمعاشرة بالمعروف: توفية حقّها من المهر، والنفقة، وألا يعبس في وجهها لغير ذنب، وأن يكون لينا هينا في القول، لا فظّا، ولا غليظا، ولا مظهرا ميلا إلى غيرها. والدّستور في ذلك قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٩]:

стр. 1100

﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [٢٣١]: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ..﴾. إلخ. والرّسول ﷺ أوصى بذلك، فخذ من قوله ما يلي: عن عمرو بن الأحوص الجشميّ-﵁: أنّه سمع رسول الله ﷺ في حجّة الوداع يقول: بعد أن حمد الله، وأثنى عليه، وذكّر، ووعظ، ثمّ قال: «ألا واستوصوا بالنّساء خيرا، فإنّما هنّ عوان عندكم، ليس تملكون منهنّ شيئا غير ذلك؛ إلاّ أن يأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلن؛ فاهجروهنّ في المضاجع، واضربوهنّ ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا. ألا إنّ لكم على نسائكم حقّا، ولنسائكم عليكم حقّا، فحقّكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقّهنّ عليكم أن تحسنوا إليهنّ في كسوتهنّ، وطعامهنّ». رواه ابن ماجة، والترمذي. ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ أي: لدمامة، أو لسوء خلق من غير ارتكاب فاحشة، أو نشوز؛ فهذا يندب فيه الاحتمال، والصبر، وقسر النّفس على الرّضا، والقناعة بهنّ، فعسى أن يؤول الأمر إلى الخير منهنّ بأن يرزق الله منهنّ أولادا صالحين، فتنقلب تلك الكراهية محبة، والنفرة رغبة. وفي الآية ندب إلى إمساك المرأة مع الكراهية لها؛ لأنّه إذا صحبها، وتحمل ذلك المكروه طلبا للثواب، وأنفق عليها، وأحسن صحبتها؛ استحقّ الثّناء الجميل في الدّنيا، والثواب الجزيل في العقبى، والرسول ﷺ أوصى بذلك، فخذ ما يلي من قوله: عن أبي هريرة-﵁-قال رسول الله ﷺ : «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا؛ رضي منها آخر». رواه مسلم، وغيره. وبشار بن برد في المعاشرة يقول: [الطويل] إذا كنت في كلّ الأمور معاتبا... صديقك لم تلق الّذي لا تعاتبه فعش واحدا أوصل أخاك فإنّه... مقارف ذنب مرّة ومجانبه إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى... ظمئت وأيّ النّاس تصفو مشاربه؟ ومن ذا الّذي ترضى سجاياه كلّها؟ ... كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَحِلُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَرِثُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَرِثُوا:﴾ في محل رفع فاعل: ﴿يَحِلُّ﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿النِّساءَ:﴾ مفعول به. ﴿كَرْهاً:﴾ حال بمعنى: مكرهات. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية، أو ناهية. ﴿تَعْضُلُوهُنَّ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو منصوب، أو مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة النصب، أو الجزم حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، وعلى النصب فهو داخل

стр. 1101

في جملة التأويل بالمصدر، وعلى الجزم فالجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِتَذْهَبُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل: وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محلّ جرّ باللام، والجار والمجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿بِبَعْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما و (بعض) مضاف، و ﴿ما﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم حرف دال على جماعة الذكور، وحرّكت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به أول، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: آتيتموهن إيّاه. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿يَأْتِينَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون في محل نصب ب ﴿أَنْ﴾ ونون النسوة فاعله، و ﴿أَنْ﴾ والفعل: ﴿يَأْتِينَ:﴾ في تأويل مصدر في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، أو في محل نصب على الاستثناء، وهو أقوى. ﴿بِفاحِشَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُبَيِّنَةٍ:﴾ صفة: (فاحشة). و (﴿عاشِرُوهُنَّ﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والنون حرف دال لجماعة الإناث. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان به، أو بمحذوف حال من واو الجماعة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كَرِهْتُمُوهُنَّ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه، والفعل في محل جزم فعل الشرط، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها شرط جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَعَسى:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عسى): فعل ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذّر وهو تام، و ﴿أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً﴾ في تأويل مصدر في محل رفع فاعل: (عسى) والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وأجيز اعتبار الجواب محذوفا، التقدير: فاصبروا عليهنّ. وعليه فجملة: (عسى) مفيدة للتعليل لا محلّ لها. ﴿وَيَجْعَلَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة له. ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠)﴾ الشرح: لمّا ذكر الله تعالى في الآية حكم الفراق؛ الّذي سببه المرأة بنشوزها، وأنّ للزّوج أخذ المال منها عقّب ذلك بذكر الفراق؛ الّذي سببه الزوج، وبيّن: أنّه إذا أراد الطّلاق من غير نشوز، وسوء عشرة؛ فليس له أن يطلب منها مالا.

стр. 1102

واختلف العلماء فيما إذا كان الزّوجان يريدان الفراق، وكان منهما نشوز، وسوء عشرة، فقال مالك-﵁: للزّوج أن يأخذ منها؛ إذا تسببت في الفراق، ولا يراعى تسببه هو. وقالت جماعة من العلماء: لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنّشوز، وتطلبه في ذلك. هذا؛ وفي الآية الكريمة دليل على جواز المغالاة في المهور؛ لأنّ الله تعالى لا يمثل إلا بمباح. وخطب عمر-﵁، فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النّساء، فإنّها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله؛ لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ ، ما أصدق قطّ امرأة من نسائه، ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقيّة. فقامت إليه امرأة، فقالت: يا عمر! يعطينا الله، وتحرمنا! أليس الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً؟!﴾ قال-﵁: أصابت امرأة، وأخطأ عمر. وفي رواية: كلّ الناس أفقه منك يا عمر! والجملة فيها تفخيم الأمر، وتأكيده، والمبالغة فيه. ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ أي: ظلما، وباطلا ظاهرا. والبهتان: هو الافتراء، وهو: أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به، وهو بريء منه؛ لأنه يبهت عند ذلك، ويتحيّر. والاستفهام للتوبيخ، والتقريع. هذا؛ و ﴿زَوْجٍ﴾ يطلق على الرّجل، والمرأة، والقرينة تبيّن الذّكر، والأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح إلا في الفرائض، فإنّها بالتاء أفصح لتوضيح الوارث، قال الأصمعي: ولا تكاد العرب تقول: زوجة. وحكى الفرّاء: أنه يقال: زوجة، وأنشد للفرزدق: [الطويل] وإنّ الّذي يسعى ليفسد زوجتي... كساع إلى أسد الشّرى يستبيلها وقال عمّار بن يسار-﵁-في شأن عائشة-﵂: «والله إنّها لزوجة نبيّكم ﷺ في الدّنيا والآخرة، ولكنّ الله-﵎-ابتلاكم ليعلم: إيّاه تطيعون، أم هي؟» ذكره البخاريّ. وعن أنس ﵁: أنّ النبي ﷺ كان مع إحدى نسائه، فمرّ به رجل، فدعاه، فقال: «يا فلان هذه زوجتي». فقال: يا رسول الله! من كنت أظنّ به، فلم أكن أظنّ بك! فقال ﷺ : «إنّ الشّيطان يجري من الإنسان مجرى الدّم في العروق». أخرجه مسلم. والمحفوظ: أنّ ذلك كان ليلا، وأنّ الرّجل كان الزّبير بن العوّام، ﵁. هذا؛ والزوج: القرين، قال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي: قرناءهم، الآية رقم [٢٢] من سورة (الصافات)، والزّوج: ضد الفرد، وكلّ واحد منهما يسمى: زوجا أيضا، ويقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيّان، وهما سواء. قال تعالى لنوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كلّ زوج

стр. 1103

ذكرا، وأنثى. رقم [٤٠] من سورة (هود). وقال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ.﴾. إلخ، والمعنى: ثمانية أفراد، والزّوج: الصّنف، والنوع، قال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٠]: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ومثله في سورة الحجّ رقم [٥]. وانظر (القنطار) في سورة (آل عمران) الآية رقم [١٤]. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿أَرَدْتُمُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿اِسْتِبْدالَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿زَوْجٍ:﴾ مضاف إليه. من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿مَكانَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالمصدر، أو مفعول ثان له، والمعنى لا يأباه. (﴿آتَيْتُمْ﴾): فعل، وفاعل. ﴿إِحْداهُنَّ:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الذكور. ﴿قِنْطاراً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (لا): ناهية. ﴿تَأْخُذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْئاً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على (إن) السابقة ومدخولها، لا محلّ لها مثله. ﴿أَتَأْخُذُونَهُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. (﴿تَأْخُذُونَهُ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بُهْتاناً:﴾ حال بمعنى: باهتين، أو هو مفعول لأجله. ﴿وَإِثْماً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مُبِيناً:﴾ صفة له. ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١)﴾ الشرح: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ:﴾ كلمة تعجب، أو استفهام، وإنكار. والمعنى: كيف يليق بالعاقل أن يستردّ ما بذله لزوجته عن طيب نفس؟! ﴿وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ أصل الإفضاء في اللغة: الوصول، يقال: أفضى إليه؛ أي: وصل إليه. ثمّ للمفسرين في معنى الإفضاء في هذه

стр. 1104

الآية قولان: أحدهما: أنّه كناية عن الجماع، وهو قول ابن عباس-﵄، فإنّه قال: الإفضاء في هذه الآية: الجماع، ولكنّ الله كريم يكني. وهو قول مجاهد، والسّدي، واختيار الزجّاج، وابن قتيبة. وهو مذهب الشّافعي؛ لأنّ عنده أنّ الزّوج إذا طلق قبل المسيس فله أن يرجع بنصف المهر؛ وإن خلا بها. والقول الثاني في معنى الإفضاء هو: أن يخلو بها؛ وإن لم يجامعها. قال الفراء: الإفضاء: أن يخلو الرّجل، والمرأة؛ وإن لم يجامعها. وبه قال أبو حنيفة- رحمه الله تعالى-وأصحابه، قالوا: إذا خلا بها خلوة صحيحة، يجب كمال المهر، والعدّة، دخل بها، أو لم يدخل بها؛ لما رواه الدّارقطني عن ثوبان-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من كشف خمار امرأة، ونظر إليها؛ وجب الصّداق». وقال عمر-﵁: إذا أغلق بابا، وأرخى سترا، ورأى عورة؛ فقد وجب الصّداق، وعليها العدّة، ولها الميراث. وانظر الآية رقم [٢٣٧] من سورة (البقرة) فإنّه جيد، والحمد لله!. ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ المراد بذلك: عقد النكاح: زوّجت، وأنكحت. وقال سفيان الثوري-﵀: هو قوله تعالى: ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾. وفي صحيح مسلم عن جابر-﵁-في خطبة الوداع: أنّ النبيّ ﷺ قال فيها: «واستوصوا بالنّساء خيرا، فإنّكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله». وفي الآية الكريمة استعارة لفظ الميثاق للعقد الشّرعيّ. الإعراب: ﴿وَكَيْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. كيف: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من واو الجماعة. ﴿تَأْخُذُونَهُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَفْضى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (﴿أَخَذْنَ﴾): فعل، وفاعل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿مِيثاقاً﴾. ﴿مِيثاقاً:﴾ مفعول به. ﴿غَلِيظاً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢)﴾ الشرح: سبب نزول هذه الآية والتي قبلها ذكرته في الآية رقم [١٩]. ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ أي: لا تتزوّجوا ما تزوّج آباؤكم من النّساء. وهذا نهي لما كان الجاهليّون يفعلونه

стр. 1105

من التزوّج بامرأة الأب، سواء المدخول بها، والمعقود عليها من غير دخول بها، وانظر تفسير النكاح، وشرحه في الآية رقم [٦]. ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ أي: مضى من تزوّج بعضكم حليلة أبيه، قبل نزول الأحكام، وتبيين الحلال، والحرام. هذا؛ ووقعت: ﴿ما﴾ على النّساء، كما وقعت في الآية رقم [٣]. ﴿إِنَّهُ:﴾ أي: النكاح، والزواج المفهوم من الفعل السّابق. ﴿كانَ فاحِشَةً:﴾ سمّاه الله فاحشة؛ لأنّ زوجة الأب بمنزلة الأم، ونكاح الأمهات حرام، فلمّا كان كذلك؛ سمّاه الله فاحشة؛ لأنّه من أقبح المعاصي. ﴿وَمَقْتاً﴾ يعني: أنّه يورث المقت من الله، وهو أشدّ الغضب، وغاية الخزي، والنّدامة. ﴿وَساءَ سَبِيلاً﴾ أي: وبئس ذلك طريقا؛ لأنّه يؤدّي إلى مقت الله، والعرب تسمّي الرّجل من امرأة أبيه مقيتا، وكان منهم الأشعث بن قيس، وأبو معيط بن أبي عمرو بن أميّة. وذكر القرطبيّ كثيرين غيرهما. قال أبو العباس: سألت ابن الأعرابيّ عن نكاح المقت، فقال: هو أن يتزوّج الرّجل امرأة أبيه؛ إذا طلقها، أو مات عنها، ويقال لهذا الرجل: الضّيزن. وقال ابن عرفة: كانت العرب إذا تزوّج الرجل امرأة أبيه، فأولدها، قيل للولد: المقتيّ. وأصل المقت: البغض، من: مقته، يمقته، مقتا، فهو ممقوت، ومقيت، فكانت العرب، تقول للرّجل من امرأة أبيه: مقيت، فسمّى الله تعالى هذا النكاح مقتا؛ إذ هو ذا مقت، يلحق فاعله، وخذ ما يلي: فقد روى البغويّ بسنده عن البراء بن عازب-﵁-قال: مرّ بي خالي، ومعه لواء، فقلت: أين تذهب؟ قال: بعثني النبيّ ﷺ إلى رجل تزوّج امرأة أبيه أن آتيه برأسه. وينبغي أن تعلم: أنّ ما ذكر في هذه الآية مشروع في بيان من يحرم نكاحها، ومن لا يحرم، وإنّما خصّ هذا النكاح بالنّهي، وأفرده بالذّكر في هذه الآية مبالغة في الزّجر عنه، حيث كانوا مصرّين على تعاطيه. والله أعلم بمراده. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَنْكِحُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، فلا محلّ لها على الاعتبارين، ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأوّلين مبنية على السّكون في محل نصب مفعول به. ﴿نَكَحَ:﴾ فعل ماض. ﴿آباؤُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ولا تنكحوا الذي، أو شيئا نكحه آباؤكم. ﴿مِنَ النِّساءِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ وعلى اعتبارها مصدرية، وتؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر، والمصدر يؤول باسم مفعول، ويكون التقدير: ولا تنكحوا منكوحة آبائكم. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾

стр. 1106

تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السّكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع، أو المتصل. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَلَفَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها يعود إلى الزواج، أو النّكاح المفهوم من الفعل السابق. ﴿فاحِشَةً:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿وَمَقْتاً:﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ) والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محلّ لها. (﴿ساءَ﴾): فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فسّره التمييز، وهو: ﴿سَبِيلاً،﴾ والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: ذلك النكاح، وجملة: ﴿وَساءَ سَبِيلاً﴾ مستأنفة لا محل لها. وقيل: هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف معطوف على خبر: ﴿كانَ﴾ التقدير: ومقولا فيه ساء سبيلا. وهو تكلّف لا داعي له. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣)﴾ الشرح: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ أي: حرّم عليكم نكاحهنّ، وهو عامّ في كلّ حال، لا يتخصّص بوجه من الوجوه. هذا؛ و ﴿أُمَّهاتُكُمْ﴾ جمع: أم، والقياس أن يكون جمعها أمّات، قال الزّمخشري في الكشاف عند قوله تعالى في سورة (النّحل): ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾. والهاء مزيدة في أمّات، كما زيدت في: أراق، فقيل: أهراق، وشذّت زيادتها في الواحدة كما في قول قصي بن كلاب، وهو الجدّ الرابع للنبي ﷺ : [الرجز] أمّهتي خندف والياس أبي... عند تناديهم بهال وهب وقال ابن عصفور في الممتع: أما أمّهة، فمنهم من يجعل الهاء فيه زائدة، ومنهم من يجعلها أصلية، فالذي يجعلها زائدة يستدلّ على ذلك بأنها في معنى الأم، وأورد بيت قصي؛ إلا أنّ الفرق بين أمّ، وأمّهة: أنّ أمهة تقع في الغالب على من يعقل، وقد تستعمل فيما لا يعقل، وذلك قليل جدّا، نحو قول السّفاح بن بكير: [السريع]

стр. 1107

قوّال معروف وفعّاله... عقّار مثنى أمّهات الرّباع و «أمّ» يقع في الغالب على من لا يعقل، وقد يقع على من يعقل، نحو قول جرير: [الوافر] لقد ولد الأخيطل أمّ سوء... على باب استها صلب وشام وممّا يدل أيضا على زيادة الهاء في أمهة قولهم: أمّ بينة الأمومة-بغير هاء-ولو كانت أصلية لثبتت في المصدر، والذي يجعلها أصلية يستدلّ على ذلك بما حكاه صاحب العين من قولهم: تأمّهت أمّا، فتأمّهت تفعّلت بمنزلة: تنبّهت مع أن زيادة الهاء قليلة جدّا، فمهما أمكن جعلها أصلية؛ كان ذلك أولى فيها. والصّحيح: أنها زائدة؛ لأنّ الأمومة حكاها أئمّة اللغة، وأما تأمّهت، فانفرد بها صاحب العين، وكثيرا ما يأتي في كتاب العين ما لا ينبغي أن يؤخذ به لكثرة اضطرابه، وخلله. هذا؛ والأمّ تعمّ من ولدتك، أو ولدت من ولدك، وإن علت. ﴿وَبَناتُكُمْ:﴾ جمع بنت أو ابنة، انظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] وتتناول من ولدتها، أو ولدت من ولدها، وإن سفلت. ﴿وَأَخَواتُكُمْ:﴾ من جهة الأب، أو الأم، أو منهما. ﴿وَعَمّاتُكُمْ:﴾ جمع: عمّة، وهي كل أنثى ولدها من ولد ذكرا ولدك. ﴿وَخالاتُكُمْ:﴾ جمع: خالة، وهي كلّ أنثى ولدها من ولد أنثى ولدتك قريبا، أو بعيدا. ﴿وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ﴾ تتناول القربى، والبعدى، فهذه الأصناف السّبعة محرّمة بسبب النّسب بنصّ القرآن، وجملته: أنه يحرم على الرّجل أصوله، وفصوله، وفصول أوّل فصل من كلّ أصل بعده أصله، وقل مثله في المرأة، قال العلماء: كلّ امرأة حرّم الله نكاحها بالنسب، والرّحم؛ فحرمتها مؤبّدة، لا تحلّ بوجه من الوجوه. الصنف الثاني من المحرمات المحرمات بالسّبب، وهنّ سبع أيضا: الأول، والثاني المحرمات بالرّضاع، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ فكلّ أنثى انتسبت باللّبن إليها فهي أمّك، وبنتها أختك. وإنّما نصّ الله على ذكر الأم، والأخت ليدلّ بذلك على جميع الأصول، والفروع، فنبّه بذلك: أنّه تعالى أجرى الرّضاع مجرى النّسب. ويدلّ على ذلك ما روي عن عائشة-﵂: أنّ رسول الله ﷺ قال: «يحرم من الرّضاع ما يحرم من الولادة». أخرجه البخاريّ، ومسلم، فزوج المرضعة أبو الرّاضع، وأولادها أخوته، وأخواتها خالاته، وإخوتها أخواله... إلخ. وإنما سمّى الله المرضعات: أمّهات لأجل الحرمة، فيحرم عليه نكاحها، ويحلّ له النّظر إليها، والخلوة بها، والسّفر معها، وتقديرها، واحترامها، كما فعل الرسول ﷺ في غزوة حنين مع حليمة، السّعدية مرضعته على القول بحياتها بعد انتهاء تلك الغزوة، وإكرام أخته الشّيماء بنت حليمة-﵂. ولا يترتّب على الرضاع جميع أحكام الأمومة من كلّ وجه، فلا يتوارثان، ولا تجب على كلّ واحد نفقة الآخر، وغير ذلك من الأحكام، وصلة الرّحم مشروعة بينهما بلا شكّ.

стр. 1108

وإنما يثبت الرضاع بشرطين: أحدهما أن يكون إرضاع الصّبيّ، والصّبيّة في حال الصّغر، وذلك إلى انتهاء سنتين من ولادته، لقوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ وقوله تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾. الشرط الثاني: أن يكون الرّضاع خمس رضعات متفرّقات. روي ذلك عن عائشة، وبه قال ابن الزّبير-﵁، وإليه ذهب الشّافعي، ويدلّ على ذلك ما روي عن عائشة-﵂: أنّ النبي ﷺ قال: «لا تحرّم المصّة، ولا المصّتان». أخرجه مسلم. وعن عائشة؛ قالت: كان فيما أنزل من القرآن: (عشر رضعات معلومات يحرمن) ثمّ نسخت ب (خمس معلومات) فتوفي رسول الله ﷺ ، وهنّ فيما يقرأ من القرآن. قولها: فتوفي رسول الله ﷺ يحتمل: أنّه لم يبلغها نسخ ذلك، وأجمعوا على أنّ هذا لا يتلى، فهو ما نسخ تلاوته وبقي حكمه كآية الرّجم؛ التي ذكرتها مرارا. وذهب جمهور العلماء إلى أنّ قليل الإرضاع، وكثيره يحرّم، وهو قول ابن عبّاس، وابن عمر-﵃، وبه قال سعيد بن المسيّب، وإليه ذهب الثوري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وأبو حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والرواية الثانية كمذهب الشافعي، واحتجّ الجمهور بمطلق الآية؛ لأنه عمل بعموم القرآن، وظاهره، ولم يذكر عددا، وأجاب الشافعي، ومن وافقه في هذه المسألة بأنّ السّنّة مبينة للقرآن، ومفسرة له. ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ يعني: إذا تزوّج الرّجل بامرأة حرمت عليه أمّها الأصلية، وجميع جدّاتها من قبل الأب، والأم كما في النسب، والرّضاع أيضا، ومذهب أكثر الصحابة وجميع التّابعين، وكلّ العلماء: أنّ من تزوّج امرأة حرمت عليه أمّها بنفس العقد، سواء دخل بها، أو لم يدخل بها، وذهب جمع من الصحابة إلى أنّ أم المرأة إنّما تحرم بالدخول بابنتها، وهو قول عليّ، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن الزّبير، وجابر، وأظهر الروايات عن ابن عباس-﵃ أجمعين-، والعمل اليوم على القول الأوّل، وهو مذهب الجمهور، ويدلّ على ذلك ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدّه: أن رسول الله ﷺ قال: «أيّما رجل نكح امرأة؛ فلا يحلّ له نكاح ابنتها، وإن لم يكن دخل بها؛ فلينكح ابنتها، وأيّما رجل نكح امرأة؛ فلا يحلّ له أن ينكح أمّها؛ دخل بها، أو لم يدخل». أخرجه الترمذيّ. وروي: أنّ النبي ﷺ قال في رجل تزوّج امرأة، فطلقها قبل أن يدخل بها: «إنّه لا بأس أن يتزوّج ابنتها، ولا يحلّ له أن يتزوّج أمّها». وهذا ما يقرّر قاعدة شرعيّة: (العقد على البنات يحرّم الأمّهات، والدّخول على الأمّهات يحرّم البنات). ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ:﴾ ربائبكم: جمع ربيبة، والرّبيب: ولد المرأة من زوج آخر، سمّي بذلك؛ لأنّه يربّه، أي: يتولّى شئونه، ويقوم عليه،

стр. 1109

كما يربّ ولده في غالب الأمر. ﴿فِي حُجُورِكُمْ:﴾ خرّج مخرج الغالب، وهو قيد غير لازم؛ لأنّ الرّبيب، والرّبيبة يحرمان، وإن لم يكونا في حجر أحد الزوجين. هذا؛ و ﴿حُجُورِكُمْ﴾ جمع: حجر بفتح الحاء، وكسرها: مقدّم الثوب، والمراد لازم الكون في الحجور، وهو الكون في تربيتهم، وتحت عنايتهم. هذا؛ والحجر يطلق على أمور: حضن الإنسان، وهو ما بين يديه من ثوبه، يقال: نشا فلان في حجر فلان، أي في رعايته، وحفظه. هذا؛ والحجر بفتح الحاء: المنع من التصرّفات الماليّة لسفه، وفلس، وغير ذلك، وأمّا الحجر بكسر الحاء، فيطلق على الفرس، وعلى العقل، وعلى حجر إسماعيل، وعلى حجر ثمود، وعلى الكذب، وعلى الحرام، كما في قوله تعالى في سورة (الفرقان): ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً﴾ وقد نظمها بعضهم في قوله: [البسيط] ركبت حجرا وطفت البيت خلف الحجر... وحزت حجرا عظيما في دخول الحجر لله حجر منعني من دخول الحجر... ما قلت حجرا ولو أعطيت ملء الحجر هذا؛ ويقرأ («اللائي») بالهمزة، كقوله تعالى في سورة الطّلاق: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ وقال الشاعر: [الطويل] من اللاء لم يحجبن يبغين حسبة... ولكن ليقتلن البرئ المغفّلا هذا؛ و (﴿اللاّتِي﴾) و (﴿اللاّئِي﴾) جمعان ل «الّتي» كما تجمع على: «اللواتي» ولم يوجد هذا الجمع في القرآن، كما تجمع على: «ذوات» قال ابن مالك-﵀-في ألفيته: [الرجز] باللاّت واللاّء الّتي قد جمعا... واللاّء كالّذين نزرا وقعا ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ يعني: أزواج أبنائكم. ﴿وَحَلائِلُ﴾ جمع: حليلة، أو حليل، والمراد هنا الأوّل. وقيل في اشتقاقهما: إنّهما من الحلول، فسمّيا بذلك؛ لأنهما يحلان منزلا واحدا، وفراشا، فحليل على هذا القول: فعيل بمعنى: مفاعل، مثل شريب، وأكيل، ونديم، بمعنى مشارب، ومؤاكل، ومنادم. وقيل: بل هما مشتقّان من الحلّ؛ لأنّ كلاّ منهما يحلّ لصاحبه، فعلى هذا القول «فعيل» بمعنى: مفعل مثل: حكيم بمعنى محكم. وقيل: بل هما مشتقّان من الحل، وهو على هذا القول «فعيل» بمعنى: فاعل، وسمّيا بذلك لأنّ كلاّ منهما يحل إزار صاحبه. وقيل: سمّيا بذلك؛ لأنّ كلاّ منهما يحل من الآخر محلاّ، لا يحلّه سواه، وهو قريب من الأوّل. وقوله: ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ خرج الولد المتبنّى، فإنه يجوز له أن يتزوّج امرأة من تبنّاه؛ لأنه كان في الجاهلية، وصدر الإسلام الولد المتبنّى بمنزلة الابن. وقصّة زيد بن حارثة في سورة (الأحزاب) أكبر شاهد على ذلك، ومثل زوجة الابن من الصّلب في التحريم زوجة الابن من الرّضاع.

стр. 1110

مسألة البنت المخلوفة من الزّنى: وشرحها: لو زنى بامرأة، ولم يتزوجها بعقد صحيح، وحملت منه ببنت، فيجوز له أن يتزوّج هذه البنت عند الشافعي؛ لأنّه لا حرمة لماء الزنى، ولا يجوز له أن يتزوّجها عند مالك، والثّوري، وأبي حنيفة، والأوزاعيّ، والليث. ولأحمد روايتان، وبالغوا في ذلك بأنّه لو مسّها بشهوة؛ حرمت عليه أمّها، وابنتها، وحرمت على الأب، والابن. وإنّي أجرؤ على الفتوى: أنه على رأيهم في هذا الزّمن لا يوجد شيء حلال؛ لما نسمعه، ونسأل عنه من مباضعة الحموات، أي: أمهات الزّوجات، وغيرهنّ، فضلا عن المداعبة، واللّمس، والنّظر بشهوة، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وحجّة الشّافعي-﵁-فيما ذهب إليه مبدأ: (الحرام لا يحرّم الحلال) وهذا مبدأ مستقيم، والله المستعان، وبه التّوفيق، وعليه الاتّكال. ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ:﴾ بنسب، أو رضاع، بل، وبملك يمين؛ أي: لا يجوز للرّجل أن يجمع بين أختين في عصمته في حياتهما، وأجمع العلماء على أنّه لو طلق المرأة طلاقا رجعيّا؛ لا يجوز له أن يتزوج أختها، أو أربعا سواها حتى تنقضي عدّتها. واختلفوا لو طلقها طلاقا بائنا، ولم تنقض عدّتها؛ فالمعتمد: أنه يجوز له زواج أختها، أو أربع. ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ يعني: لكن ما قد مضى؛ فإنّه معفو عنه بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾. وقيل: إنّ فائدة هذا الاستثناء: أنّ أنكحة الكفار صحيحة، فلو أسلم عن أختين؛ قيل: له أختر أيتهما شئت، ويدلّ على ذلك ما روي عن الضّحّاك بن فيروز عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! أسلمت، وتحتي أختان. قال: «طلق أيتهما شئت». أخرجه أبو داود، ومثله ما إذا أسلم، وعنده أكثر من أربع نسوة، فإنّه يختار أربعا، ويطلق سائرهنّ. وقال بعض العلماء في حدّ ما يحرم الجمع بينهما، أقول: قرابة بنسب أو لبن، لو فرض أحدهما ذكرا؛ لا يجوز له زواج الآخر، لا يجوز الجمع بينهما. أقول: ويستثنى من ذلك زوجة أبي المرأة فيجوز الجمع بينها وبين ربيبتها، وعليه لا يجوز الجمع بين المرأة، وعمّتها، ولا بين المرأة، وخالتها، ودليله ما يلي: عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «لا يجمع بين المرأة وعمّتها، ولا بين المرأة وخالتها». رواه البخاريّ، ومسلم. والشيعة يجوزون الجمع بين من ذكر؛ لأنهم لا يأخذون بالأحاديث النبوية إلا إذا كانت مروية عن طريق أهل البيت. أعرف شيعيّا جمع بين المرأة، وبنت أختها في حياتهما. والحكمة في منع ذلك ظاهرة، وهو ما يحدث بين الضرائر من التنازع، والتشاجر، وفيه قطع للرّحم بين المرأة وبين بنت أخيها، أو بنت أختها. هذا؛ وقال ابن شهاب: فنرى خالة أبيها، وعمّة أبيها بهذه المنزلة. وإنّما صار إلى ذلك لأنه حمل الخالة، والعمّة على العموم، وتمّ له ذلك.

стр. 1111

الإعراب: ﴿حُرِّمَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أُمَّهاتُكُمْ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، والكاف في محل جر بالإضافة، والأسماء التالية معطوفة عليه، و (﴿بَناتُ﴾) مضاف، ﴿الْأَخِ﴾ مضاف إليه، و (﴿بَناتُ﴾) مضاف، و ﴿الْأُخْتِ﴾ مضاف إليه. ﴿اللاّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة (﴿أُمَّهاتُكُمْ﴾). ﴿أَرْضَعْنَكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والنون فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَأَخَواتُكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مِنَ الرَّضاعَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال ممّا قبلهما. ﴿وَأُمَّهاتُ:﴾ معطوف أيضا، وهو مضاف، و ﴿نِسائِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَرَبائِبُكُمُ:﴾ معطوف أيضا. ﴿اللاّتِي:﴾ صفة له. ﴿فِي حُجُورِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنْ نِسائِكُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: (﴿رَبائِبُكُمُ﴾). ﴿اللاّتِي:﴾ صفة له. ﴿دَخَلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة صلة: ﴿اللاّتِي﴾. ﴿بِهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿دَخَلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية خبر: ﴿تَكُونُوا﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بِهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿جُناحَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد. و (إن) ومدخولها كلام معترض بين الأسماء المتعاطفة. ﴿وَحَلائِلُ:﴾ معطوف على الأسماء السابقة، وهو مضاف، و ﴿أَبْنائِكُمُ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جرّ صفة: ﴿أَبْنائِكُمُ﴾. ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة: ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿وَأَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنْ﴾): حرف مصدري، ونصب. ﴿تَجْمَعُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (﴿أَنْ﴾) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و (﴿أَنْ﴾) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع معطوف على ﴿أُمَّهاتُكُمْ:﴾ التقدير: وحرم عليكم الجمع... إلخ. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله،

стр. 1112

و ﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و ﴿الْأُخْتَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنّى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ:﴾ انظر الآية السّابقة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿غَفُوراً رَحِيماً:﴾ خبران ل ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿أَنْ﴾. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤)﴾ الشرح: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ:﴾ عطف على المحرّمات المذكورات قبل. والتحصين: التمنّع، ومنه الحصن؛ لأنّه يمتنع فيه، ومنه قوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾. ومنه: الحصان للفرس؛ لأنّه يمنع صاحبه من الهلاك، والحصان: المرأة العفيفة، والحرّة، والمرأة المسلمة الشّريفة. قال حسّان-﵁-في الصدّيقة بنت الصدّيق-﵂: [الطويل] حصان رزان ما تزنّ بريبة... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل والمعنى: حرّمت النساء ذوات الأزواج من النساء، فلا يحلّ لأحد نكاحهنّ قبل مفارقة أزواجهنّ، أو موتهم، وهذه هي السّابعة من النساء، اللاّتي حرمن بالسّبب. قال أبو سعيد الخدري-﵁: نزلت هذه الآية في نساء كنّ هاجرن إلى رسول الله ﷺ ، ولهنّ أزواج في مكّة، فتزوجن ببعض المسلمين، ثم قدم أزواجهنّ مهاجرين، فنهى الله عن نكاحهنّ. والمراد تحريم نكاح المذكورات فهو على حذف مضاف. ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ يعني: السّبايا، اللاتي سبين ولهنّ أزواج في دار الحرب، فيحلّ لمالكهنّ وطؤهنّ. فعن أبي سعيد الخدري-﵁: بعث رسول الله ﷺ يوم حنين جيشا إلى أوطاس، فأصابوا سبايا لهنّ أزواج من المشركين، فكرهوا غشيانهنّ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. أخرجه مسلم. قال الفرزدق في هذا المعنى: [الطويل] وذات حليل أنكحتها رماحنا... حلال لمن يبني بها لم تطلّق ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ:﴾ المعنى: حرمت عليكم أمهاتكم... وكتب عليكم هذا كتابا، بمعنى: فرضه، وقضى به. وقيل: المعنى: الزموا كتاب الله، واعملوا به، ولا تخرجوا عن حدوده.

стр. 1113

﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ أي: وأحلّ لكم ما سوى ذلكم الذي ذكر من المحرّمات، وظاهر هذه الآية يقتضي حلّ ما سوى المذكورين من الأصناف المحرّمات، لكن قد دلّ الدّليل من السّنّة بتحريم أصناف أخر سوى ما ذكر. فمن ذلك: أنّه يحرم الجمع بين المرأة، وعمّتها، وبين المرأة، وخالتها، كما رأيته في الآية السّابقة، ومن ذلك: المطلقة ثلاثا، لا تحلّ لزوجها الأوّل حتى تنكح زوجا غيره. ومن ذلك المعتدّة، فلا تحلّ للأزواج حتى تنقضي عدّتها. ومن ذلك: أنّ من كان عنده أربع نسوة حرم عليه أن يتزوج بخامسة. ومن ذلك الملاعنة، فإنّها محرّمة على الملاعن بالتأبيد، لقوله ﷺ : «المتلاعنان لا يجتمعان». فهذه أصناف من المحرمات سوى ما ذكر في الآيتين. فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ ورد بلفظ العموم، لكن العموم دخله التّخصيص، فيكون عامّا مخصوصا. ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ﴾ أي: وأحلّ لكم أن تطلبوا بأموالكم، أي: تنكحوا بصداق، أو تشتروا بثمن. وفي الآية دليل على أنّ الصداق لا يتقدّر بشيء، فيجوز على القليل، والكثير، وهو مذهب الشّافعي-﵁، لقوله ﷺ في حديث الموهوبة: «التمس ولو خاتما من حديد». وقال أبو سعيد الخدري-﵁: سألنا رسول الله ﷺ عن صداق النّساء، فقال: «هو ما اصطلح عليه أهلوهم». وروى جابر-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لو أنّ رجلا أعطى امرأة ملء يديه طعاما؛ كانت به حلالا». أخرجهما الدّارقطنيّ في سننه. قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: لا يكون الصّداق أقل من ربع دينار، أو ثلاثة دراهم كيلا، وعند أبي حنيفة، وأحمد رحمهما الله تعالى: أقلّه عشرة دراهم، واحتجّا بما رواه جابر: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا صداق دون عشرة دراهم». أخرجه الدارقطنيّ. قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: وفي سنده مبشر بن عبيد متروك الحديث. ﴿مُحْصِنِينَ:﴾ متعفّفين بالزّواج عن الزنى. ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ:﴾ غير زانين. والسّفاح: الفجور، والزنى، وأصله من السّفح، وهو الصبّ، والسّيلان، قال تعالى: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً،﴾ وإنّما سمّي الزنى سفاحا؛ لأنّ الزاني لا غرض له إلا صب النّطفة، ومنه قول النبي ﷺ حين سمع الدفاف في عرس: «هذا النّكاح، لا السّفاح، ولا نكاح السّرّ». ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ:﴾ الاستمتاع: التلذّذ. والأجور: المهور، وسمّي المهر أجرا؛ لأنّه أجر الاستمتاع. وهذا نصّ في أنّ المهر يسمى أجرا، ودليل على أنّه في مقابلة البضع؛ لأنّ ما يقابل المنفعة يسمّى أجرا. واختلف في معنى الآية، فقال الحسن، ومجاهد، وغيرهما: المعنى: فما أنفقتم، وتلذّذتم بالجماع من النّساء بالنكاح الصّحيح. ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن، فالمهر بدل المنافع ليس بدل الأعيان، كما سمّي بدل الدّار، والدّابة أجرا.

стр. 1114

وقال قوم: المراد من الآية نكاح المتعة، وهو أن ينكح امرأة إلى مدّة معلومة بشيء معلوم، فإذا انقضت تلك المدّة؛ بانت منه بغير طلاق، ويستبرئ رحمها، وليس بينهما ميراث، وكان هذا في ابتداء الإسلام، ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن المتعة، فحرّمها. ففي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني عن أبيه: أنّه غزا مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، فقال ﷺ : «يا أيّها النّاس إنّي كنت أذنت لكم في الاستمتاع بالنّساء، وإنّ الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنّ شيء؛ فليخلّ سبيله، ولا تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئا». وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الصّحابة، فمن بعدهم. وعن عليّ-﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. وفي رواية: الأهلية. أخرجه البخاريّ، ومسلم. واختلفت الرّوايات عن ابن عباس-﵄-في المتعة، فروي عنه: أنّ الآية محكمة. وكان يرخّص في المتعة، قال عمارة: سألت ابن عباس عن المتعة، أسفاح هي أم نكاح؟ فقال: لا سفاح، ولا نكاح، قلت: فما هي؟ قال: متعة؛ قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾. قلت: هل لها عدّة؟ قال: نعم حيضة، قلت: هل يتوارثان؟ قال: لا. وروي: أنّ النّاس لما ذكروا، وتذاكروا فتيا ابن عباس بالمتعة؛ حتّى قال أحد الشّعراء: [البسيط] أقول للرّكب إذ طال الثّواء بنا... يا صاح هل لك في فتيا ابن عبّاس؟ في بضّة رخصة الأطراف ناعمة... تكون مثواك حتّى مرجع النّاس قال: قاتلهم الله! أنا ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق، لكن قلت: إنّما تحلّ للمضطر كما تحلّ الميتة له. وروي: أنّه رجع، وقال بتحريمها. روى عطاء الخراساني عن ابن عباس: أنّها صارت منسوخة، بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. وروى سالم بن عبد الله بن عمر: أنّ عمر بن الخطاب-﵁-صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: ما بال أقوام ينكحون هذه المتعة، وقد نهى رسول الله ﷺ عنها؟ لا أجد رجلا نكحها إلا رجمته بالحجارة. وقال: هدم المتعة النكاح، والطلاق، والعدّة، والميراث. وهذا ما اتفق المسلمون عليه جيلا بعد جيل، وقبيلا بعد قبيل، وآخر من تكلّم بحلّها من المسلمين المأمون الخليفة العباسي، وهو ما يلي: فقد روي: أنّه أباحها للمجاهدين، وهم بعيدون عن أهليهم، فدخل عليه العالم الجليل يحيى بن أكثم-رحمه الله تعالى-وهو يرتعد غضبا، فقال المأمون: ما للإمام يشتاط غضبا؟ فقال الإمام العظيم: كيف لا وقد انتهكت حرمات الله، وأحلّ ما حرّم الله، ورسوله؟! قال المأمون: ومن فعل ذلك؟ فقال: أمير المؤمنين فعل ذلك. قال: وكيف كان ذلك؟! قال: ألم تحل المتعة؛ وقد حرّمها الله، ورسوله إلى يوم القيامة؟ قال: أليست تحلّ بعقد شرعيّ، ومهر، ورضا،

стр. 1115

واختيار، مع رشد، وعقل؟! قال: يا أمير المؤمنين! فالله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أهي زوجة ترث، وتورث؟ قال: لا. قال: أيلحق الولد بالمتمتع إذا كان بعيدا عن البلد المتمتّع بها؟ قال: لا، قال: فإذا محرّمة إذا كانت ليست زوجة بالمعنى الصحيح، ولا أمة بملك اليمين. فرجع المأمون عن تحليلها، واستغفر الله. بعد هذا أقول: تأباها المروءة، والشّرف، فأيّ رجل فيه شيء من ذلك، ثمّ هو يرضى بأن يعطي أخته، أو بنته لشخص أياما معدودة، ثم هو يردّها له، وقد تكون حملت منه بولد؟! ثمّ ما مصير هذا الولد؟ هل هو لقيط، أو ابن زنى، أو هو ولد شرعي، فيجب أن يرث من والده، وينتسب إليه؟! وهل يتأتّى هذا في نكاح المتعة؟. ﴿فَرِيضَةً:﴾ لازمة، وواجبة. ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ:﴾ اختلفوا فيهنّ، فمن حمل ما قلته على نكاح المتعة قال: أراد أنّهما إذا عقدا عقدا إلى أجل على مال، فلمّا تمّ الأجل، فإن شاءت المرأة؛ زادت في الأجل، وزاد الرّجل في الأجر، وإن لم يتراضيا؛ فارقها، وقد تقدّم: أنّ ذلك كان جائزا، ثمّ نسخ، وحرم. ومن حمل الآية على الاستمتاع بالنّكاح الصحيح؛ قال: المراد بقوله: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ﴾ يعني: من الإبراء من المهر، والافتداء، والاعتياض. وقال الزجّاج: معناه: لا جناح عليكم أن تهب المرأة للزّوج مهرها، وأن يهب الرّجل المرأة التي لم يدخل بها نصف المهر؛ الذي لا يجب عليه. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً:﴾ بما يصلحكم أيها الناس في مناكحكم، وغيرها من سائر أموركم. ﴿حَكِيماً﴾ فيما دبّر لكم من التدبير، وفيما أمركم به، ونهاكم عنه، ولا يدخل حكمه خلل، ولا زلل، والحمد لله!. الإعراب: ﴿وَالْمُحْصَناتُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الْمُحْصَناتُ﴾): معطوف على: ﴿أُمَّهاتُكُمْ﴾ في الآية السابقة عطف مفرد على مفرد، أو هو نائب فاعل لفعل محذوف، التقدير: وحرمت عليكم المحصنات، فيكون العطف عطف جملة فعلية على مثلها. ﴿مِنَ النِّساءِ:﴾ متعلقان ب (﴿الْمُحْصَناتُ﴾) لأنّه صيغة مفعول. وقيل: متعلقان بمحذوف حال منه. ﴿إِلاّ﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿مَلَكَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْمانُكُمْ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إلا الذي. أو إلا شيئا ملكته أيمانكم، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر، والمصدر يؤوّل بصيغة المفعول في محلّ نصب على الاستثناء؛ إذ التقدير: إلا مملوكة أيمانكم. ﴿كِتابَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، دلّ عليه: ﴿حُرِّمَتْ﴾ في الآية السابقة، أو المقدّر قبل (﴿الْمُحْصَناتُ﴾). و ﴿كِتابَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله.

стр. 1116

﴿عَلَيْكُمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل المقدر، والجملة الفعلية على هذا مستأنفة، لا محلّ لها. هذا؛ وقال الزجّاج، والكوفيّون: ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ اسم فعل أمر، فهو إغراء، و ﴿كِتابَ:﴾ مفعول به مقدّم له. وهو غير مسلّم، فإنّ الإغراء لا يجوز فيه تقديم معموله عليه، فلا يقال: زيدا عليك، وزيدا دونك، بل يقال: عليك زيدا، ودونك عمرا. وهناك من يقول: هو منصوب بفعل محذوف، التقدير: الزموا كتاب الله. هذا؛ وقرأ أبو حيوة، وابن السميقع: («كتب الله عليكم») على الفعل الماضي المسند إلى اسم الله تعالى، والمعنى: كتب الله عليكم ما قصّه من التحريم. ﴿وَأُحِلَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أُحِلَّ﴾): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل: (﴿أُحِلَّ﴾) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، وعليه ف ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ معترض بين الجمل المتعاطفة، لا محلّ له. ﴿وَراءَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿وَراءَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جرّ بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿أَنْ تَبْتَغُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل منهما في محل جرّ بحرف جرّ محذوف، التقدير: لأن، أو بأن تبتغوا، وجوز اعتبار المصدر بدلا من: ﴿ما﴾. وأرى صحة اعتبار المصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو ابتغاؤكم، وهذه الجمل يجوز اعتبارها حالا من: ﴿ما﴾ أو مستأنفة لا محلّ لها. ﴿بِأَمْوالِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مُحْصِنِينَ:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿غَيْرَ:﴾ حال ثانية، وهو مضاف، و ﴿مُسافِحِينَ:﴾ مضاف إليه، وعلامة النصب في الأول، وعلامة الجر في الثاني الياء؛ لأنّهما جمعا مذكر سالمان، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فَمَا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِسْتَمْتَعْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف حال من الهاء العائدة إلى (ما) و (من) بيان لما أبهم فيما، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿فَآتُوهُنَّ:﴾ الفاء واقعة في جواب الشرط. (فآتوهن): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله الأول، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿أُجُورَهُنَّ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، وخبر المبتدأ الذي هو (ما) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٤]، والجملة الفعلية: (آتوهن...) إلخ في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها. هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) موصولة بمعنى اللاتي، وعليه فجملة ﴿اِسْتَمْتَعْتُمْ﴾ صلته، وجملة: ﴿فَآتُوهُنَّ..﴾. إلخ خبره، ودخلت الفاء

стр. 1117

على الخبر، وهي زائدة؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَرِيضَةً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: أجورهنّ التي فرضتم لهنّ، وهذه الجملة المقدّرة صلة الموصول المقدّر. وقيل: إنّه حال من: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ فتكون بمعنى: مفروضة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿جُناحَ﴾ اسمها مبني على الفتح في محلّ نصب. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر: (﴿لا﴾). ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالخبر المحذوف. ﴿تَراضَيْتُمْ:﴾ فعل وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) على اعتبارها موصولة، أو صفتها على اعتبارها موصوفة، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور بالباء. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلاّ بالباء، والعامل: ﴿تَراضَيْتُمْ:﴾ أو بمحذوف حال من (ما) وتكون ﴿مِنَ﴾ بيانا لما أبهم فيها، والعامل هو الاستقرار المحذوف، و ﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و ﴿الْفَرِيضَةِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَلا جُناحَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ..﴾. إلخ: انظر الآية السابقة. ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً:﴾ أي: لم يجد غنى، وسعة، ومالا يتزوّج به النساء الحرائر المؤمنات. وسمّي الغنى، والمال: طولا؛ لأنّه ينال به من المراد ما لا ينال مع الفقر، والضيق في العيش. والطّول المراد به هنا: مؤن الزّواج، والنفقات المتعلّقة به. ﴿فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ أي: فلينكح الإماء عند العجز عن تكاليف نكاح الحرّة. والمراد: جارية أخيه المسلم، فإنّ الإنسان لا يجوز أن يتزوّج جارية نفسه بعقد، بل يطؤها بملك اليمين من غير عقد عليها. والخطاب لمن أراد الزواج بالأمة هو مثل قول الرّسول ﷺ في حجّة الوداع: «إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم». ﴿مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ أي: من المسلمات، لا من فتيات غيركم، والفتيات الجواري: المملوكات، جمع: فتاة، يقال للأمة صغيرة وكبيرة: فتاة، وللعبد صغيرا

стр. 1118

وكبيرا: فتى، وأمّا الأحرار؛ فلا يقال للذّكر فتى، وللأنثى فتاة إلا إذا كانا شابّين، وفي الحديث الصّحيح عن النبي ﷺ قال: «لا يقولنّ أحدكم عبدي، وأمتي، ولكن ليقل: فتاي، وفتاتي». وإنّما كان نكاح الأمة منحطّا عن نكاح الحرّة لما فيه من إتباع الولد لأمّه في الرقّ، ولثبوت حقّ السيّد فيها، وفي استخدامها، ولأنّها ممتهنة مبتذلة، خارجة، ولّاجة، وذلك كله نقصان راجع إلى النّاكح، ومهانته، والعزّة والكرامة من صفات المؤمنين. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ﴾ المعنى: إنّ الله أعلم بتفاصيل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان، ورجحانه، ونقصانه فيهم، وفيكم، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرّة، والمرأة أفضل في الإيمان من الرّجل، وحقّ المؤمنين ألا يعتبروا إلا فضل الإيمان، لا فضل الأحساب، والأنساب، وهذا تأنيس بنكاح الإماء، وترك الاستنكاف منه. ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: إنّكم كلّكم من نفس واحدة، فلا تستنكفوا من نكاح الإماء عند الضرورة. وإنّما قيل لهم ذلك؛ لأنّ العرب كانت تفتخر بالأنساب، والأحساب، ويسمّون ابن الأمة: الهجين، إذا كانت الأمة ملكا للواطئ، وإذا لم تكن ملكا له؛ فولدها رقيق مثلها، فأعلم الله: أنّ ذلك أمر لا يلتفت إليه، فلا يتداخلنّكم شموخ، وأنفة من التزويج بالإماء، فإنّكم متساوون في النّسب إلى آدم. قال ابن عباس-﵄: يريد الله: أنّ المؤمنين بعضهم أكفاء بعض. ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي: اخطبوا الإماء إلى ساداتهنّ: فدلّ على أنّ السيّد هو ولي أمته، لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك العبد لا يزوّج نفسه. فعن نافع: أنّ ابن عمر-﵄ أخذ عبدا له نكح بغير إذنه، فضربه الحدّ، وفرّق بينهما، وأبطل صداقها؛ لأنّه كان يرى نكاح العبد بغير إذن وليه زنى. وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عبد الله بن محمّد بن عقيل، قال: سمعت جابر بن عبد الله-﵄-يقول: قال رسول الله ﷺ : «أيّما عبد نكح بغير إذن سيّده فهو عاهر». فإن كان مالك الأمة امرأة زوّجها من يزوّج المرأة بإذنها، قال رسول الله ﷺ : «لا تزوّج المرأة المرأة، ولا المرأة نفسها، فإنّ الزّانية هي الّتي تزوّج نفسها». هذا؛ وذكرت لك في الآية رقم [٢٢١] من سورة (البقرة) قول الرّسول ﷺ : «لا نكاح إلاّ بوليّ، وشاهدي عدل». انظرها هنالك؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ويحتجّ أبو حنيفة في الآية، فيقول: إنّ لهنّ أن يباشرن العقد بأنفسهن؛ لأنّه اعتبر إذن الولي في نكاحهنّ لا عقدهنّ، وهو مخالف لرأي الجمهور، كما رأيت فيما تقدم. ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ:﴾ أي: وأدّوا إليهن مهورهن بغير مطل، وضرار، وإحواج إلى الاقتضاء واللزوم، وإنّما أضاف الأجور، أي المهور إلى الإماء، والواجب أداؤها إلى أسيادهن، لا إليهن؛ لأنّهن وما في أيديهن مال أسيادهن، فكان أداؤها إليهن أداء إلى السيد، أو هو على حذف مضاف، أصله: فآتوا مواليهن.

стр. 1119

﴿مُحْصَناتٍ:﴾ عفائف شريفات. ﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ:﴾ غير زانيات، وبين الكلمتين طباق وهو من المحسّنات البديعية. ﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ:﴾ زانيات سرّا، والأخدان جمع: خدن، وهو الصّديق في السّرّ. ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ:﴾ زوجن. وقيل: أسلمن، والأول أولى. ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ أي: بزنى. وسمي الزنى فاحشة لفحشة؛ لأنّه لم تبحه ديانة من الدّيانات. وذكرت ما فيه الكفاية بشأن الزنى في سورة (الإسراء) وغيرها. ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ﴾ أي: من الحدّ الذي على الحرائر. والجمهور على أنّ الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء أكانت مسلمة، أو كافرة، مزوّجة، أو بكرا، مع أنّ مفهوم الآية يقتضي: أنّه لا حدّ على غير المحصنة من الإماء، وقد قال الجمهور: المنطوق مقدّم على المفهوم، فمن المنطوق ما رواه مسلم في صحيحه عن عليّ-﵁: أنّه خطب، فقال: يا أيّها النّاس أقيموا الحدّ على إمائكم؛ من أحصن منهنّ، ومن لم يحصن، فإنّ أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «أحسنت! اتركها حتّى تتماثل». وفي رواية: «فإذا تعافت من نفاسها، فاجلدها خمسين». وعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا زنت أمة أحدكم، فتبيّن زناها؛ فليجلدها الحدّ، ولا يثرّب عليها (١)، ثمّ إن زنت؛ فليجلدها الحدّ، ولا يثرّب عليها، ثم إن زنت الثالثة، فتبيّن زناها؛ فليبعها ولو بحبل من شعر». أخرجاه في الصّحيحين. ﴿ذلِكَ:﴾ أي: التّرخيص في نكاح الإماء عند فقد الحرّة، أو عند فقد مئونتها. ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ العنت: المشقة، والتضييق، قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ:﴾ وقال تعالى في سورة (آل عمران) محذّرا المؤمنين من الكافرين، والمنافقين: ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ والمراد به هنا: الزّنى. والعنت في الأصل: انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكلّ مشقّة، وضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة الإثم بأفحش القبائح، وهو الزنى؛ لما يجرّ من الحدّ في الدّنيا، والعقاب الشديد في الآخرة. هذا؛ و ﴿خَشِيَ﴾ مضارعه: يخشى، والمصدر: خشية، والرّجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذاك، أي: أشد خوفا، وقد يأتي «خشي» بمعنى علم القلبية، قال الشاعر المسلم: [الطويل] ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد قالوا: معناه: علمت، وقوله تعالى في سورة (الكهف) حكاية عن قول الخضر-﵇: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا. هذا؛ والخشية أصلها: طمأنينة في القلب، تبعث على التوقّي. والخوف: فزع القلب تخفّ له الأعضاء، ولخفّة الأعضاء سمّي: خوفا.

стр. 1120

هذا؛ ويفهم من الآية الكريمة: أنّ نكاح الأمة مشروط بشرطين: العجز عن نكاح الحرّة، وخوف الزنى. والحمد لله رب العالمين حيث ألغي الرقّ. ولم يبق للإماء وجود، ولكن لا بدّ من القول: إنّه قد حلّ محل الإماء الآنسات، وبنات العوائل كما يسمّونه في هذا العصر، فهن القينات، والمغنّيات، والرّاقصات، والخالعات، والهالعات المبتذلات. ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ أي: وصبركم عن نكاح الإماء متعفّفين خير لكم. قال النبيّ ﷺ : «الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاكه». رواه أبو هريرة-﵁، ورواه أبو إسحاق الثّعلبي. وهذا يعني: أنّ الصبر على العزوبة خير من نكاح الأمة؛ لأنّه يفضي إلى إرقاق الولد، والغضّ من النّفس، والصّبر على مكارم الأخلاق أولى من البذالة. هذا؛ والصبر: حبس النفس عن الجزع عند المصيبة، وحبس اللّسان عن الشّكوى، وحبس الجوارح عن التّشويش، وهو مرّ المذاق، يكاد لا يطاق، إلا أنّه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال القائل: [البسيط] الصّبر مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل وبالجملة فنفع الصبر مشهور، والحضّ عليه في الكتاب، والسّنة مقرّر مسطور، وهو على ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء، ولا تنس: أنّ من أسماء الله: الصّبور، وفسّر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الرّعد) رقم [٢٢]: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلبا لمرضاته، وهذا هو الصبر المحمود، وهو أن يكون الإنسان صابرا لوجه الله تعالى، راضيا بما نزل به من الله. طالبا بذلك الصبر ثواب الله تعالى، محتسبا أجره على الله. فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان الله. وأمّا إذا صبر العبد؛ ليقال: ما أعظم صبره! وما أشدّ قوّته على تحمّل النوائب! أو يصبر لئلا يعاب على الجزع، أو يصبر لئلا تشمت به الأعداء، فهذا كلّه مذموم، ولا ينيل صاحبه الدّرجات العلى، والمقام الرّفيع عند الله، وقد يعرّضه لشديد غضب الله، ونقمته. هذا؛ والصّبر على أنواع: الصّبر عن المعصية، وله ثلاثمائة درجة، والصّبر على الطاعة، وله ستمائة درجة، والصّبر على البلاء، وله تسعمائة درجة في الجنّة، لكن ذلك لا يكون إلا بالصّبر عند الصّدمة الأولى، كما روى البخاريّ-رحمه الله تعالى-عن أنس-﵁، عن النبي ﷺ : أنّه قال: «إنّما الصّبر عند الصّدمة الأولى». وأخرجه مسلم بأتمّ منه، وقال الأستاذ أبو علي: الصّبر حدّه: ألا تعترض على التّقدير، فأمّا إظهار البلوى على غير وجه الشّكوى؛ فلا ينافي الصّبر. قال تعالى في سورة قصّة أيوب-على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ بعد أن أخبر عنه: أنّه قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾.

стр. 1121

ثمّ اعلم: أنّ الصبر ذكر في القرآن الكريم في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها الآية رقم [١٥٥] من سورة (البقرة) وما بعدها: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ..﴾. إلخ: ومن آنقها قوله تعالى في سورة (ص) في حقّ أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ حيث قرن هاء الصّبر بنون العظمة. ومن أبهجها قوله تعالى في سورة (الرعد): ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾. ومن أعظمها بشارة قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [١٠]: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾. فائدة: قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً:﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ،﴾ وقال تعالى شأنه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ قالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذية معه. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسْتَطِعْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وهو في محلّ جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (﴿مَنْ﴾) بيان لما أبهم في (﴿مَنْ﴾). ﴿طَوْلاً:﴾ مفعول به. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَنْكِحَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾)، والمصدر المؤول منهما في محلّ نصب مفعول به ل ﴿طَوْلاً﴾ أو هو بدل من: ﴿طَوْلاً﴾ بدل كلّ من كلّ، أو في محل جر بحرف جر بمحذوف، يقدر ب «إلى» أو بلام التعليل، وعلى الاعتبارين فالجار والمجرور متعلّقان بمحذوف صفة: ﴿طَوْلاً﴾. هذا؛ وقيل: إنّ ﴿طَوْلاً﴾ مفعول لأجله، كما قيل: مفعول مطلق لفعل محذوف، والمعتمد الأوّل. ﴿الْمُحْصَناتِ:﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: أن ينكح النّساء المحصنات. ﴿الْمُؤْمِناتِ:﴾ صفة ثانية، فهما منصوبان، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّهما جمعا مؤنث سالمان. ﴿فَمِنْ ما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من ما): متعلّقان بفعل محذوف، التقدير: فلينكح من ما... إلخ. وقيل: هما متعلّقان بمحذوف صفة لموصول محذوف، التقدير: فلينكح امرأة كائنة ممّا. وقيل: متعلّقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالمنكوحة ممّا... إلخ. والكلام على جميع الاعتبارات في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ له؛ لأنّه لم يحلّ محلّ المفرد. ﴿مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية السابقة، ومحلّها، وما ذكرته فيها. ﴿مِنْ فَتَياتِكُمُ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من مفعول: ﴿مَلَكَتْ﴾. ﴿الْمُؤْمِناتِ:﴾ صفة لما قبله. وقيل: هو صفة لموصوف محذوف واقع مفعولا به للفعل المقدّر، التقدير: من فتياتكم الفتيات المؤمنات، وفيه تكلّف لا يخفى، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت: (﴿مَنْ﴾) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ،

стр. 1122

والجملة بعده صلته، والجملة المقدّرة على جميع الاعتبارات خبره، وتكون الفاء زائدة في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والكلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرّابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بِإِيمانِكُمْ:﴾ متعلّقان ب ﴿أَعْلَمُ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْضٍ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الضمير، أو هي مستأنفة؛ لا محلّ لها. ﴿فَانْكِحُوهُنَّ:﴾ الفاء حرف عطف. على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسّببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. (انكحوهن): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والهاء في محل نصب مفعول به، والنون فيه وما في بعده حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية لا محلّ لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، و (إذن) مضاف، و ﴿أَهْلِهِنَّ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿وَآتُوهُنَّ:﴾ فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿أُجُورَهُنَّ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾. ﴿مُحْصَناتٍ:﴾ حال من الضمير المنصوب، وعلامة نصبه الكسرة... إلخ. ﴿غَيْرَ:﴾ حال أخرى من الضمير، و ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و ﴿مُسافِحاتٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿مُتَّخِذاتِ:﴾ معطوف على: ﴿مُسافِحاتٍ،﴾ وهو مضاف، و ﴿أَخْدانٍ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبنيّ على السكون في محل نصب. ﴿أُحْصِنَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، ونون النسوة نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَتَيْنَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بِفاحِشَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَعَلَيْهِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (عليهن): جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نِصْفُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿ما﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الْمُحْصَناتِ:﴾ متعلّقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنَ الْعَذابِ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور

стр. 1123

قبلهما، و ﴿مَنْ:﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما،﴾ والجملة الاسمية: (عليهن ﴿نِصْفُ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور... إلخ، و (إن) ومدخولها كلام لا محلّ له؛ لأنّه جواب (إذا)، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿خَشِيَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) وهو العائد. ﴿الْعَنَتَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من الفاعل المستتر، و ﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما،﴾ والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَأَنْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْ﴾): حرف مصدري، ونصب. ﴿تَصْبِرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل منهما في محلّ رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف المجرورة ب (﴿مَنْ﴾)، والرّابط: الواو، والضمير. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم. ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: يريد الله إنزال هذه الآيات من أجل أن يبيّن لكم دينكم، ويوضّح لكم شرعكم، ومصالح أموركم. وقيل: يبيّن لكم ما يقرّبكم منه، وما يحل لكم، وما يحرم عليكم، وذلك يدلّ على امتناع خلوّ واقعة عن حكم الله تعالى، كما قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: يرشدكم إلى شرائع من قبلكم في تحريم الأمّهات، والبنات، والأخوات، فإنّها كانت محرّمة على من قبلكم. وقيل: يرشدكم إلى ما لكم فيه مصلحة، كما بينه لمن كان قبلكم. وقيل: يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء، والصّالحين، والطّرق التي سلكوها في دينهم؛ لتقتدوا بهم. ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ:﴾ ويوفقكم للتّوبة عمّا كنتم عليه من مخالفة أوامر الله. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ:﴾ بمصالح عباده فيما يهمّهم في أمر دينهم، ودنياهم. ﴿حَكِيمٌ:﴾ فيما شرع لهم. هذا؛ والإرادة: نزوع النّفس، وميلها إلى الفعل، بحيث يحملها عليه، ويقال للقوّة التي هي مبدأ النّزوع، والأوّل مع الفعل، والثّاني قبله، وكلا المعنيين غير متصوّر اتصاف الباري تعالى

стр. 1124

به، ولذا اختلف في معنى إرادته تعالى، فقيل: إرادته لأفعاله: أنّه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها. فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته. وقيل: علمه باشتمال الأمر على النّظام الأكمل، والوجه الأصلح، وانظر الآية رقم [٢٨]. هذا؛ و ﴿سُنَنَ﴾ جمع: سنّة، وهي الشريعة، والطريقة، قال خالد بن زهير الهذلي، وهو الشاهد رقم [٩٢٣]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها... فأوّل راض سنّة من يسيرها والسّنّة: الإمام المتّبع المؤتم به، قال لبيد-﵁-في معلّقته: [الكامل] من معشر سنّت لهم آباؤهم... ولكلّ قوم سنّة وإمامها والسنّة: الأمة، والسّنن: الأمم. قال المفضّل، وأنشد: [البسيط] ما عاين النّاس من فضل كفضلهم... ولا رأوا مثلهم في سالف السّنن هذا؛ والسّنّة بمعنى الشّريعة، والطريقة، تكون حسنة إن كانت في الخير، وتكون سيئة إن كانت في الشر، وخذ ما يلي: عن النبي ﷺ قال: «من سنّ خيرا فاستنّ به؛ كان له أجره، ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا، ومن سنّ شرّا، فاستنّ به؛ كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا». رواه الإمام أحمد، والحاكم عن حذيفة-﵁. ورواه مسلم، وابن ماجة، والترمذي عن جرير بن عبد الله البجلي بأطول من هذا. الإعراب: ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لِيُبَيِّنَ:﴾ في اللام أوجه: أحدها: أنّها مزيدة في مفعول فعل الإرادة. قاله الزمخشري في غير هذا الموضع، وكأنّ هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيدا له، لما فيها من معنى الإرادة. وقال ابن عطيّة-رحمه الله تعالى-: اللام مؤكدة، دخلت على المفعول به؛ لأنّ التقدير: يريد الله بما أنزل التّبيين. وقيل: اللام لام التعليل، والفعل منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، وعليه فالمفعول محذوف، والتقدير: يريد الله بما أنزل التبيين. الثالث: أنّها بمعنى «أن» الناصبة، وأنّها نصبت الفعل بنفسها. قال الفرّاء: العرب تجعل لام «كي» في موضع «أن» في: أراد، وأمر، وإليه ذهب الكسائي، وخطّأ الزجّاج هذا القول، وقال: لو كانت اللام بمعنى «أن» لدخلت عليها لام أخرى، كما تقول: جئت كي تكرمني، ثمّ تقول: جئت لكي تكرمني، وأنشد قول قيس بن عبادة: [الطويل] أردت لكيما يعلم النّاس أنّها... سراويل قيس والوفود شهود

стр. 1125

قال: والتقدير: أراد الله به ليبيّن لكم، ومثل هذه الآية الآية رقم [٣٢] من سورة (التّوبة)، والآية رقم [٣٣] من سورة (الأحزاب)، والآية رقم [٧١] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٨] من سورة (الصف) ومثل ذلك قول كثيّر عزّة-وهو الشّاهد رقم [٢٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] أريد لأنسى ذكرها فكأنّما... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور، متعلّقان بما قبلهما. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿سُنَنَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف. و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلّقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَيَتُوبَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب أيضا، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ أيضا. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، وتقدير الكلام بعد تأويل الأفعال بمصادر: يريد الله لكم التبيين، وهدايتكم إلى طرق من قبلكم، والتوبة عليكم. وجملة: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ:﴾ مستأنفة أيضا. ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧)﴾ الشرح: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ:﴾ كرّره للتوكيد، وقال ابن عبّاس-﵄: يريد أن يخرجكم من كل ما يكره إلى ما يحبّ، ويرضى. وقيل: معناه: يدلّكم على ما يكون سببا لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم. ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ:﴾ المراد بهم اليهود، والنصارى، والمجوس، فقد كانوا ينكحون الأخوات من الأب، وبنت الأخ، وبنت الأخت، فلمّا حرّمهن الله تعالى؛ قالوا: إنكم تحلّون بنت الخالة، وبنت العمّة، والخالة، والعمّة عليكم حرام، فانكحوا بنت الأخ، وبنت الأخت، فنزلت الآية. وقيل: هم الزّناة يريدون أن تكونوا مثلهم. هذا؛ و ﴿الشَّهَواتِ﴾ جمع: شهوة، وهي حلال إن كانت ممّا أباحه الشّرع الشريف، وحرام إن كانت ممّا حرّمه الدّين الحنيف. ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ أي: بموافقتهم على اتباع الشّهوات، واستحلال المحرّمات، فتكونوا مثلهم. هذا؛ والفعل «مال، يميل» من الأفعال التي يتغيّر معناها بتغيّر الجارّ، فتقول: ملت عنه: إذا كرهته، وأعرضت عنه، وملت إليه: إذا أحببته، وأقبلت عليه. وانظر الآية رقم [١٢٧]: الآتية، ورقم [١٣٥]. الإعراب: (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿أَنْ يَتُوبَ﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ:﴾ والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والمصدر المؤوّل منهما في محلّ نصب
следующие страницы →