Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
ثمّ اعلم: أنّ الصبر ذكر في القرآن الكريم في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها الآية رقم [١٥٥] من سورة (البقرة) وما بعدها: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ..﴾. إلخ: ومن آنقها قوله تعالى في سورة (ص) في حقّ أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ حيث قرن هاء الصّبر بنون العظمة. ومن أبهجها قوله تعالى في سورة (الرعد):
﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾. ومن أعظمها بشارة قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [١٠]: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾.
فائدة: قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً:﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ،﴾ وقال تعالى شأنه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ قالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذية معه.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسْتَطِعْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وهو في محلّ جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (﴿مَنْ﴾) بيان لما أبهم في (﴿مَنْ﴾).
﴿طَوْلاً:﴾ مفعول به. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَنْكِحَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾)، والمصدر المؤول منهما في محلّ نصب مفعول به ل ﴿طَوْلاً﴾ أو هو بدل من: ﴿طَوْلاً﴾ بدل كلّ من كلّ، أو في محل جر بحرف جر بمحذوف، يقدر ب «إلى» أو بلام التعليل، وعلى الاعتبارين فالجار والمجرور متعلّقان بمحذوف صفة: ﴿طَوْلاً﴾. هذا؛ وقيل: إنّ ﴿طَوْلاً﴾ مفعول لأجله، كما قيل: مفعول مطلق لفعل محذوف، والمعتمد الأوّل.
﴿الْمُحْصَناتِ:﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: أن ينكح النّساء المحصنات. ﴿الْمُؤْمِناتِ:﴾
صفة ثانية، فهما منصوبان، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّهما جمعا مؤنث سالمان. ﴿فَمِنْ ما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من ما): متعلّقان بفعل محذوف، التقدير: فلينكح من ما... إلخ. وقيل: هما متعلّقان بمحذوف صفة لموصول محذوف، التقدير:
فلينكح امرأة كائنة ممّا. وقيل: متعلّقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالمنكوحة ممّا... إلخ. والكلام على جميع الاعتبارات في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ له؛ لأنّه لم يحلّ محلّ المفرد. ﴿مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية السابقة، ومحلّها، وما ذكرته فيها. ﴿مِنْ فَتَياتِكُمُ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من مفعول: ﴿مَلَكَتْ﴾. ﴿الْمُؤْمِناتِ:﴾ صفة لما قبله. وقيل: هو صفة لموصوف محذوف واقع مفعولا به للفعل المقدّر، التقدير: من فتياتكم الفتيات المؤمنات، وفيه تكلّف لا يخفى، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل:
الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت: (﴿مَنْ﴾) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ،
стр. 1122
والجملة بعده صلته، والجملة المقدّرة على جميع الاعتبارات خبره، وتكون الفاء زائدة في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والكلام مستأنف لا محلّ له.
﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرّابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بِإِيمانِكُمْ:﴾ متعلّقان ب ﴿أَعْلَمُ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿مِنْ بَعْضٍ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الضمير، أو هي مستأنفة؛ لا محلّ لها.
﴿فَانْكِحُوهُنَّ:﴾ الفاء حرف عطف. على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسّببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. (انكحوهن): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والهاء في محل نصب مفعول به، والنون فيه وما في بعده حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية لا محلّ لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، و (إذن) مضاف، و ﴿أَهْلِهِنَّ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿وَآتُوهُنَّ:﴾ فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿أُجُورَهُنَّ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جرّ بالإضافة.
﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾. ﴿مُحْصَناتٍ:﴾ حال من الضمير المنصوب، وعلامة نصبه الكسرة... إلخ. ﴿غَيْرَ:﴾ حال أخرى من الضمير، و ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و ﴿مُسافِحاتٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي.
﴿مُتَّخِذاتِ:﴾ معطوف على: ﴿مُسافِحاتٍ،﴾ وهو مضاف، و ﴿أَخْدانٍ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبنيّ على السكون في محل نصب. ﴿أُحْصِنَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، ونون النسوة نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَتَيْنَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي.
﴿بِفاحِشَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَعَلَيْهِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (عليهن): جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نِصْفُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿ما﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الْمُحْصَناتِ:﴾ متعلّقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنَ الْعَذابِ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور
стр. 1123
قبلهما، و ﴿مَنْ:﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما،﴾ والجملة الاسمية: (عليهن ﴿نِصْفُ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور... إلخ، و (إن) ومدخولها كلام لا محلّ له؛ لأنّه جواب (إذا)، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿خَشِيَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) وهو العائد. ﴿الْعَنَتَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من الفاعل المستتر، و ﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما،﴾ والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿وَأَنْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْ﴾): حرف مصدري، ونصب. ﴿تَصْبِرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل منهما في محلّ رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف المجرورة ب (﴿مَنْ﴾)، والرّابط: الواو، والضمير. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم.
﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: يريد الله إنزال هذه الآيات من أجل أن يبيّن لكم دينكم، ويوضّح لكم شرعكم، ومصالح أموركم. وقيل: يبيّن لكم ما يقرّبكم منه، وما يحل لكم، وما يحرم عليكم، وذلك يدلّ على امتناع خلوّ واقعة عن حكم الله تعالى، كما قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي:
يرشدكم إلى شرائع من قبلكم في تحريم الأمّهات، والبنات، والأخوات، فإنّها كانت محرّمة على من قبلكم. وقيل: يرشدكم إلى ما لكم فيه مصلحة، كما بينه لمن كان قبلكم. وقيل:
يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء، والصّالحين، والطّرق التي سلكوها في دينهم؛ لتقتدوا بهم. ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ:﴾ ويوفقكم للتّوبة عمّا كنتم عليه من مخالفة أوامر الله. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ:﴾
بمصالح عباده فيما يهمّهم في أمر دينهم، ودنياهم. ﴿حَكِيمٌ:﴾ فيما شرع لهم.
هذا؛ والإرادة: نزوع النّفس، وميلها إلى الفعل، بحيث يحملها عليه، ويقال للقوّة التي هي مبدأ النّزوع، والأوّل مع الفعل، والثّاني قبله، وكلا المعنيين غير متصوّر اتصاف الباري تعالى
стр. 1124
به، ولذا اختلف في معنى إرادته تعالى، فقيل: إرادته لأفعاله: أنّه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها. فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته. وقيل: علمه باشتمال الأمر على النّظام الأكمل، والوجه الأصلح، وانظر الآية رقم [٢٨].
هذا؛ و ﴿سُنَنَ﴾ جمع: سنّة، وهي الشريعة، والطريقة، قال خالد بن زهير الهذلي، وهو الشاهد رقم [٩٢٣]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها... فأوّل راض سنّة من يسيرها
والسّنّة: الإمام المتّبع المؤتم به، قال لبيد-﵁-في معلّقته: [الكامل]
من معشر سنّت لهم آباؤهم... ولكلّ قوم سنّة وإمامها
والسنّة: الأمة، والسّنن: الأمم. قال المفضّل، وأنشد: [البسيط]
ما عاين النّاس من فضل كفضلهم... ولا رأوا مثلهم في سالف السّنن
هذا؛ والسّنّة بمعنى الشّريعة، والطريقة، تكون حسنة إن كانت في الخير، وتكون سيئة إن كانت في الشر، وخذ ما يلي: عن النبي ﷺ قال: «من سنّ خيرا فاستنّ به؛ كان له أجره، ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا، ومن سنّ شرّا، فاستنّ به؛ كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا». رواه الإمام أحمد، والحاكم عن حذيفة-﵁. ورواه مسلم، وابن ماجة، والترمذي عن جرير بن عبد الله البجلي بأطول من هذا.
الإعراب: ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لِيُبَيِّنَ:﴾ في اللام أوجه: أحدها:
أنّها مزيدة في مفعول فعل الإرادة. قاله الزمخشري في غير هذا الموضع، وكأنّ هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيدا له، لما فيها من معنى الإرادة. وقال ابن عطيّة-رحمه الله تعالى-: اللام مؤكدة، دخلت على المفعول به؛ لأنّ التقدير: يريد الله بما أنزل التّبيين. وقيل: اللام لام التعليل، والفعل منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، وعليه فالمفعول محذوف، والتقدير: يريد الله بما أنزل التبيين. الثالث: أنّها بمعنى «أن» الناصبة، وأنّها نصبت الفعل بنفسها. قال الفرّاء: العرب تجعل لام «كي» في موضع «أن» في: أراد، وأمر، وإليه ذهب الكسائي، وخطّأ الزجّاج هذا القول، وقال: لو كانت اللام بمعنى «أن» لدخلت عليها لام أخرى، كما تقول: جئت كي تكرمني، ثمّ تقول: جئت لكي تكرمني، وأنشد قول قيس بن عبادة: [الطويل]
أردت لكيما يعلم النّاس أنّها... سراويل قيس والوفود شهود
стр. 1125
قال: والتقدير: أراد الله به ليبيّن لكم، ومثل هذه الآية الآية رقم [٣٢] من سورة (التّوبة)، والآية رقم [٣٣] من سورة (الأحزاب)، والآية رقم [٧١] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٨] من سورة (الصف) ومثل ذلك قول كثيّر عزّة-وهو الشّاهد رقم [٢٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور، متعلّقان بما قبلهما. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿سُنَنَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف. و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾
متعلّقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَيَتُوبَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب أيضا، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ أيضا. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، وتقدير الكلام بعد تأويل الأفعال بمصادر: يريد الله لكم التبيين، وهدايتكم إلى طرق من قبلكم، والتوبة عليكم. وجملة:
﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ:﴾ مستأنفة أيضا.
﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧)﴾
الشرح: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ:﴾ كرّره للتوكيد، وقال ابن عبّاس-﵄: يريد أن يخرجكم من كل ما يكره إلى ما يحبّ، ويرضى. وقيل: معناه: يدلّكم على ما يكون سببا لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم. ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ:﴾
المراد بهم اليهود، والنصارى، والمجوس، فقد كانوا ينكحون الأخوات من الأب، وبنت الأخ، وبنت الأخت، فلمّا حرّمهن الله تعالى؛ قالوا: إنكم تحلّون بنت الخالة، وبنت العمّة، والخالة، والعمّة عليكم حرام، فانكحوا بنت الأخ، وبنت الأخت، فنزلت الآية. وقيل: هم الزّناة يريدون أن تكونوا مثلهم. هذا؛ و ﴿الشَّهَواتِ﴾ جمع: شهوة، وهي حلال إن كانت ممّا أباحه الشّرع الشريف، وحرام إن كانت ممّا حرّمه الدّين الحنيف.
﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ أي: بموافقتهم على اتباع الشّهوات، واستحلال المحرّمات، فتكونوا مثلهم. هذا؛ والفعل «مال، يميل» من الأفعال التي يتغيّر معناها بتغيّر الجارّ، فتقول:
ملت عنه: إذا كرهته، وأعرضت عنه، وملت إليه: إذا أحببته، وأقبلت عليه. وانظر الآية رقم [١٢٧]: الآتية، ورقم [١٣٥].
الإعراب: (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿أَنْ يَتُوبَ﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ:﴾ والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والمصدر المؤوّل منهما في محلّ نصب
стр. 1126
مفعول به، وجملة: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿يَتَّبِعُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله. ﴿الشَّهَواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿أَنْ تَمِيلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والمصدر المؤوّل منهما في محل نصب مفعول به. ﴿مَيْلاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له.
تنبيه: إرادة الله الخير لعباده المؤمنين ثابتة، وإرادة الفجرة، والكفرة الشرّ للمؤمنين متجدّدة في كلّ وقت، وحين. والأول مستفاد من الجملة الاسمية، والثاني مستفاد من الجملة الفعلية.
﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨)﴾
الشرح: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أي: ليسهّل عليكم أحكام الشّرائع، فهو عامّ في كلّ أحكام الشّرع، وجميع ما يسّره الله لنا، وسهّله علينا، إحسانا منه إلينا، وتفضّلا، ولطفا علينا، ولم يثقل التكاليف علينا، كما أثقلها على بني إسرائيل، فهو كقوله تعالى في سورة (البقرة):
﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الحج): ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وكما روي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «بعثت بالحنيفيّة السّمحة».
فلذلك رخّص لكم في المضايق، والأمور الشّاقة، كإحلال نكاح الأمة عند عدم القدرة على نكاح الحرّة، وكالإفطار في رمضان بسبب المرض، والسّفر، وغير ذلك كثير ممّا هو معلوم من الدّين.
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ والمعنى: أنّ هواه يستميله، وشهوته، وغضبه يستخفّانه، وهذا أشدّ الضّعف، فاحتاج إلى التّخفيف. وقال طاوس-رحمه الله تعالى-: ذلك في أمر النّساء خاصّة. وروي عن ابن عباس-﵄: أنّه قال: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ أي: لا يصبر عن النّساء. وقال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-: لقد أتى عليّ ثمانون سنة، وذهبت إحدى عينيّ، وأنا أعشو بالأخرى، وصاحبي أعمى، وأصمّ-يعني: ذكره-وإنّي أخاف من فتنة النّساء. قال عبادة بن الصّامت-﵁: ألا تروني لا أقوم إلا رفدا، أي: إلا أن أعان على القيام، ولا آكل إلا ما لوّق لي، أي: ليّن، وسخّن، وقد مات صاحبي منذ زمان-يعني ذكره-وما يسرّني أنّي خلوت بامرأة لا يحلّ لي-أي: الخلوة بها-وأنّ لي ما تطلع عليه الشمس، مخافة أن يأتيني الشّيطان، فيحركه، على أنّه لا سمع له، ولا بصر. لذا حذّر الرسول ﷺ من الخلوة.
стр. 1127
فعن جابر بن عبد الله-﵄: أنّ النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلّون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإنّ ثالثهما الشّيطان».
وقال ﷺ : «ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرّجال من النّساء».
وقال ﷺ : «لا خير في النّساء، ولا صبر عنهنّ، يغلبن كريما، ويغلبهنّ لئيم، فأحبّ أن أكون كريما مغلوبا، ولا أحبّ أن أكون لئيما غالبا».
هذا؛ وقيل: معنى: ﴿ضَعِيفاً:﴾ أي: خلق الإنسان من شيء ضعيف، من طين، أو من نطفة، ثمّ من علقة، ثم من مضغة. قال تعالى في سورة الرّوم: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾.
هذا؛ و ﴿الْإِنْسانُ﴾ كلمة تطلق على الذّكر، والأنثى من بني آدم خاصّة، ومثلها: شخص، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ومعلوم: أنّ الله لم يقصد الذكور خاصّة، والقرينة الآيات الكثيرة الدالة على أنّ المراد: الذكر، والأنثى، واللام في الإنسان لام الجنس التي تفيد الاستغراق، ولذا صحّ الاستثناء من الإنسان في سورة العصر. هذا؛ وإنسان العين هو المثال؛ الّذي يرى فيها، وهو النقطة السّوداء؛ التي تبدو لامعة وسط السّواد.
تنبيه: روي عن ابن عبّاس-﵄-أنّه قال: ثماني آيات في سورة النساء، هي خير لهذه الأمة ممّا طلعت عليه الشمس، وغربت: هذه الآيات الثلاث المذكورة تباعا، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ..﴾. إلخ، و ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ..﴾.
إلخ، و ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ..﴾. إلخ، و ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ..﴾. إلخ، و ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ..﴾. إلخ.
تنبيه: دلّت الآيات الثلاث على أنّ الله مريد بإرادة قديمة زائدة على الذّات. هذا مذهب أهل السنة، كما أنّه جلّت قدرته عالم بعلم، قادر بقدرة، حيّ بحياة، سميع يسمع، بصير يبصر، متكلّم بكلام. وهذه كلّها معان وجوديّة أزلية، زائدة على الذّات. وذهب المعتزلة، والشّيعة إلى نفيها، والّذي يقطع دابر هؤلاء أن يقال: لو لم يصدق كونه ذا إرادة؛ يصدق أنّه ليس بذي إرادة، ولو صحّ ذلك؛ لكان كل ما ليس بذي إرادة ناقصا بالنسبة إلى من له إرادة، فلم يبق إلا أن يكون الذي لم يتّصف بالإرادة أنقص ممّا هو متّصف بها، ولا يخفى ما فيه من المحال، فإنّه كيف يتصور أن يكون المخلوق أكمل من الخالق، والبديهة تقضي بردّه، وإبطاله. وقد وصف الباري نفسه ﷻ ، وتقدّست أسماؤه بأنّه مريد، فقال تعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ،﴾ وقال جلّ شأنه: ﴿إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وانظر الآية رقم [٢٦].
الإعراب: ﴿يُرِيدُ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، والمصدر المؤوّل من: ﴿أَنْ يُخَفِّفَ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿عَنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿وَخُلِقَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿خُلِقَ﴾): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ نائب
стр. 1128
فاعله. ﴿ضَعِيفاً:﴾ حال من: ﴿الْإِنْسانُ﴾. وقيل: تمييز، والأوّل أقوى، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الضمير فقط، وقبلها «قد» مقدرة؛ لتقرّب الماضي من الحال.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ:﴾ نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدّقتم بالله، ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان الّذي هو زينة الإنسان. وقد خاطب الله عباده المؤمنين بهذا النداء في ثمانية وعشرين موضعا من القرآن، وهذا ثاني نداء في هذه السّورة، وخطاب خوطب به المؤمنون بالنداء الدالّ على الإقبال عليهم، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم: أن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر الله، ونواهيه بحسن الطّاعة، والامتثال. وإنّما خصّهم الله بالنداء؛ لأنّهم هم المستجيبون لأمره، المنتهون عمّا نهى عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي.
﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ:﴾ فقد أضاف الله الأموال إلى المخاطبين، والمراد أموال غيركم. فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وفيه منتهى الزّجر؛ لأنّ الإنسان الكامل يجب عليه أن يحافظ على مال غيره، كما يحافظ على ماله من الضّياع، والهلاك، وهذا من قبيل التعاون الذي حثّ عليه ربّنا، جلّ وعلا، ونبينا ﷺ ذكر مثل ذلك في خطبة الوداع في حجّة الوداع، فقال: «إنّ دماءكم، وأموالكم حرام عليكم... إلخ».
﴿بِالْباطِلِ:﴾ بما لم يبحه الشّرع الشّريف، والدّين الحنيف، وهو يعمّ كلّ مال أخذ بدون وجه شرعيّ، وأبوابه كثيرة متفرّعة، ومتنوعة، أذكر منها على سبيل المثال ما أشاع الفساد، والضّلال: الرّبا بآثامه، وشروره، واستغلال النفوذ بأنواعه، وفجوره، والرّشوة بأنواعها، واحتكار البضائع لبيعها بثمن أعلى، وخزنها، وتصريفها بثمن أغلى، والذين يأخذون معاشاتهم، ولا يؤدّون أعمالهم، ويقبضون أجورهم، ويتهرّبون من واجباتهم، والّذين يسرقون، ويخونون، ويغشّون، ويختلسون. ويدخل في ذلك: القمار، والخداع، والغصب، وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، كما يؤخذ بالحياء؛ إذ ما أخذ بالحياء؛ فهو حرام، أو حرّمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه، مثل حلوان الكهّان، والمنجّمين، والمشعوذين، وأثمان الخمور، والخنازير، وأثمان الملاهي الشّاغلة عن ذكر الله تعالى، وربحها، بل وتجارتها حرام، والغبن الفاحش في البيع والشراء، وأفحش ذلك أكل مال اليتيم بغير حقّ، كما رأيته في الآية رقم [١٠].
стр. 1129
ومن الأكل بالباطل: أن يحكم الحاكم لك؛ وأنت تعلم أنّك مبطل، فالحرام لا يصير حلالا بقضاء الحاكم؛ لأنّه يقضي بالظاهر. فقد روى الأئمّة عن أمّ سلمة-﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنّكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قطعت له من حقّ أخيه شيئا؛ فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعة من نار». وفي رواية أخرى: «فليحملها، أو ليذرها».
هذا؛ والباطل: ضد الحقّ، والباطل بمعنى الفاسد، والبطلان عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ و «بطل» من باب دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل: بضم فسكون: الباطل، والكذب، والزور، والبهتان، والبطالة: التعطّل، والتفرّغ من العمل، ومبطل: اسم فاعل من: أبطل الرّباعي، والباطل في قوله تعالى في سورة (فصلت):
﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ قال قتادة، والسّدي: الباطل: الشّيطان لا يستطيع أن يغيّر في القرآن شيئا، ولا يزيد، ولا ينقص منه، وقوله تعالى في سورة (الشورى): ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ الباطل: الشرك، والبطلة في قول الرّسول ﷺ : «لا تستطيعها البطلة» أي: لا تستطيع قراءة سورة (البقرة) السّحرة. هذا؛ ويجمع «باطل» على: أباطيل شذوذا، كما شذّ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع حديث، وعريض، وفظيع. وفي القرطبي: وجمع الباطل: بواطل، والأباطيل جمع: البطولة، ولم أجده في كتب اللغة.
﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً:﴾ أي: إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، والتّجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة، ومنه: الأجر، والثواب؛ الّذي يعطيه الله تعالى للعبد يوم القيامة عوضا عن الأعمال الصّالحة؛ التي هي بعض من فعله. قال تعالى في سورة (الصف): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾. وقال تعالى في سورة (فاطر): ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.
وقال تعالى في سورة (التوبة): ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ..﴾. إلخ، فسمّى الله ذلك كلّه: بيعا، وشراء على سبيل المجاز. تشبيها بعقود البيع، والشراء؛ التي تحصل بها الأغراض، والمعاوضات. ﴿عَنْ تَراضٍ:﴾ أي: عن طيب نفس كلّ واحد من المتبايعين. وقيل: هو أن يخيّر كلّ واحد منهما صاحبه بعد البيع فيلزم، وإلا فلهما الخيار ما لم يتفرّقا، لما روي عن ابن عمر-﵄: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا تبايع الرّجلان؛ فكلّ واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرّقا، وكانا جميعا، أو يخيّر أحدهما الآخر، فإن خيّر أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك؛ فقد وجب البيع، وإن تفرّقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع؛ فقد وجب البيع». رواه الشّيخان، وغيرهما.
هذا؛ ومن هذه الآية الكريمة احتجّ الشافعي-﵁-على أنّه لا يصحّ البيع إلا بالإيجاب، والقبول؛ لأنّه يدلّ على التّراضي نصّا بخلاف المعاطاة، فإنّها قد لا تدلّ على
стр. 1130
الرّضا. وخالف الجمهور في ذلك: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد-﵃-فرأوا: أنّ الأقوال كما تدلّ على التراضي، فكذلك الأفعال تدلّ في بعض المحالّ قطعا، فصحّحوا ببيع المعاطاة مطلقا. هذا؛ وقد قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾.
والرسول ﷺ رغب التّجار في الصّدق، والأمانة، وحذّرهم من الكذب، والخيانة، فعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «التّاجر الصّدوق الأمين مع النّبيّين، والصّدّيقين والشّهداء يوم القيامة». رواه الترمذيّ.
وعن عبد الرحمن بن شبل-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ التّجّار هم الفجّار». قالوا: يا رسول الله! أليس قد أحلّ الله البيع؟ قال: «بلى: ولكنّهم يحلفون، فيأثمون، ويحدّثون، فيكذبون». رواه الإمام أحمد، والحاكم، وإنّما قال ذلك؛ لأنّهم أهل دين واحد، فهم كنفس واحدة. وصحّ عن النّبي ﷺ : أنه قال في حجّة الوداع: «ألا لا ترجعوا بعدي ضلاّلا يضرب بعضكم رقاب بعض». وقيل: المعنى لا تقتلوا أنفسكم بارتكاب المعاصي، ويحتمل أن يكون المعنى: لا تقتلوا أنفسكم في حال ضجر، أو غضب. وقد احتجّ عمرو بن العاص بهذه الآية حين بعثه النبي ﷺ في غزوة ذات السّلاسل، فقال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت، ثمّ صلّيت بأصحابي صلاة الصّبح، فلمّا قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: «يا عمرو صلّيت بأصحابك؛ وأنت جنب؟» قلت: يا رسول الله إنّي احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك! فذكرت قول الله : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ فتيمّمت، ثمّ صليت.
فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئا. رواه أحمد، وأبو داود، وانظر قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ في سورة (البقرة) رقم [١٩٤] فله صلة بهذه الآية.
هذا وأورد ابن مردويه عند هذه الآية قول الرسول ﷺ : «من تردّى من جبل، فقتل نفسه، فهو في نار جهنّم يتردّى فيها خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن تحسّى سمّا، فقتل نفسه، فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا». أخرجه الشّيخان، وغيرهما عن أبي هريرة، ﵁.
﴿إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ يعني: إنّ الله تعالى من رحمته بكم نهاكم عن كلّ شيء تستوجبون به مشقة، أو محنة. وقيل: إنّه تعالى أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم؛ ليكون ذلك توبة لهم، وكان بكم يا أمّة محمد رحيما؛ حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الشاقّة الصّعبة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: (﴿يا﴾) أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو: أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا). (ها): حرف تنبيه لا محلّ له، وأقحم للتّوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محلّ جرّ بالإضافة؛ لأنّه حينئذ يجب نصب المنادى. وانظر
стр. 1131
الآية رقم [١] إن أردت الزيادة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من (﴿أَيُّهَا﴾)، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لا:﴾
ناهية جازمة. ﴿تَأْكُلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها.
﴿أَمْوالَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْباطِلِ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما أيضا.
﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء منقطع بمعنى: لكن. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَكُونَ:﴾
فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾. ﴿تِجارَةً:﴾ يقرأ بالنصب على اعتبار الفعل ناقصا، فيكون اسمه محذوفا، التقدير: إلا أن تكون المعاملة تجارة. ويقرأ بالرفع على اعتبار الفعل تامّا بمعنى: إلا أن تقع تجارة، أو: إلا أن توجد تجارة، مثل قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨١]: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ،﴾ وقال الشاعر: [الطويل]
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب
و ﴿أَنْ تَكُونَ:﴾ في تأويل مصدر في محل نصب على الاستثناء المنقطع من: ﴿أَمْوالَكُمْ؛﴾ لأنّ التجارة ليست من جنس الأموال المنهي عن أكلها. ﴿عَنْ تَراضٍ:﴾ متعلّقان بمحذوف صفة:
﴿تِجارَةً﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿تَراضٍ﴾. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل ما قبلها، وهي معطوفة عليها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل... إلخ وإعرابها ظاهر.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ أي: ما سبق ذكره من قتل النفس المحرّمة؛ لأنّ الضمير يعود إلى أقرب مذكور. وقيل: إنّه يعود إلى قتل النفس، وأكل المال بالباطل؛ لأنّهما مذكوران في آية واحدة. وقيل: إنّه يعود إلى كلّ ما نهى الله عنه من أول السّورة إلى هنا. ﴿عُدْواناً وَظُلْماً﴾ العدوان: تجاوز الحد، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وقيّد الوعيد بذكر العدوان والظلم؛ ليخرج منه فعل السّهو، والخطأ، وعطف (﴿ظُلْماً﴾) على ما قبله من تقارب معانيهما لاختلاف ألفاظهما، فهو من باب الترادف، كما قال عديّ بن زيد العبادي-وهو الشاهد رقم [٦٦٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]
وقدّمت الأديم لراهشيه... وألفى قولها كذبا ومينا
стр. 1132
﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ:﴾ ندخله، فيحترق بحرّ نار جهنم. فهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، فليحذر منه كلّ عاقل لبيب ممّن ألقى السّمع وهو شهيد. ويقرأ الفعل بفتح النون على أنّه مأخوذ من: صلي نارا، وبضمّها على أنّه مأخوذ من: أصلى، ويقرأ بالياء على أنّ الفاعل يعود إلى الله.
﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً:﴾ سهلا لينا هينا؛ لأنّ الله تعالى قادر على كلّ شيء، لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿يَفْعَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له.
﴿عُدْواناً:﴾ حال من فاعل: ﴿يَفْعَلْ﴾ المستتر، وهو مصدر بمعنى: معتديا. وقيل: هو مفعول لأجله. (﴿ظُلْماً﴾): معطوف عليه. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿نُصْلِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، أو هو حسب القراءات، والهاء مفعول به أول. ﴿ناراً:﴾
مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٢٥]. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿ذلِكَ:﴾
اسمها. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلّقان بما بعدهما. ﴿يَسِيراً:﴾ خبر كان، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، واعتبارها حالا من الضمير الواقع مفعولا به فيه بعد.
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١)﴾
الشرح: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ:﴾ اجتناب الشيء: المباعدة عنه، وتركه جانبا، والكبيرة: ما كبر، وعظم من الذّنوب، وعظمت عقوبته. وقال عليّ-﵁: الكبيرة:
كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وسئل ابن عباس عن الكبائر: أسبع هي؟ قال: هي إلى السّبعمائة أقرب، وفي رواية: إلى السّبعين أقرب، إلا أنّه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. وقال: كلّ شيء عصي الله به فهو كبيرة، فمن عمل شيئا؛ فليستغفر الله، فإنّ الله لا يخلّد في النار من هذه الأمة إلا من كان راجعا عن الإسلام، أو جاحدا فريضة، أو مكذّبا بقدر. وخذ ما يلي:
عن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات» قيل:
يا رسول الله! وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ،
стр. 1133
وأكل مال اليتيم، وأكل الرّبا، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».
رواه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنّسائيّ.
هذا؛ والكبائر لا حدّ لها، فهي كثيرة، مثل: الشرك، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، والزنى، واللّواط، واليمين الغموس، والإضرار في الوصية، والغلول. وفي كلّ واحدة أحاديث تحذّر من اقتحامها، وارتكابها. ويضاف إلى ذلك: أكل أموال الناس بالباطل، والإفطار في رمضان بلا عذر، وقطع الرّحم، والخيانة في الكيل، والوزن، وتأخير الصلاة عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حقّ، والكذب على رسول الله ﷺ عمدا، وسب أصحابه، وكتمان الشّهادة بلا عذر، وأخذ الرّشوة، والقوادة بين الرّجال، والنساء، والسّعاية عند السّلطان، ومنع الزّكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة عليه، ونسيان القرآن بعد تعلّمه، وإحراق الحيوان بالنّار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والوقيعة في أهل العلم، وحملة القرآن.
﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ أي: نسترها عليكم؛ حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل؛ لأنّ أصل التكفير: السّتر، والتغطية، فصغار الذنوب تكفّر بالحسنات، ولا يكفّر كبارها إلا التوبة والإقلاع عنها، كما ورد في الصحيح عن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال:
«الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ؛ إذا اجتنبت الكبائر». أخرجه مسلم. فقد ثبت بما تقدّم من الأدلّة: أنّ الذنوب على قسمين: صغائر، وكبائر، وانظر قوله تعالى في سورة النّجم: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ فإنّه جيّد، والحمد لله!.
هذا؛ والإصرار على الصّغيرة كبيرة، وخذ ما يلي:
فعن عبد الله بن مسعود-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم ومحقّرات الذّنوب، فإنّهنّ يجتمعن على الرّجل حتّى يهلكنه». وإنّ رسول الله ﷺ : «ضرب لهنّ مثلا، كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرّجل ينطلق فيجيء بالعود، والرّجل يجيء بالعود حتّى جمعوا سوادا، وأجّجوا نارا، وأنضجوا ما قذفوا فيها». رواه الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي. وفي رواية: «إنّ الشّيطان قد يئس أن تعبد الأصنام في أرض العرب، ولكنّه سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقّرات، وهي الموبقات يوم القيامة».
وعن عائشة-﵂: أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة! إيّاك ومحقّرات الذّنوب، فإنّ لها من الله طالبا». رواه النّسائيّ، وابن ماجة.
هذا؛ والصغائر مثل: اللمسة، والنظرة، والكلمة المنهي عنهنّ؛ لأنّهنّ يكنّ ذرائع الفساد، والزنى.
стр. 1134
﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ يعني: حسنا شريفا، وهو الجنّة. والمعنى: إذا اجتنبتم الكبائر، وأتيتم بالطاعات؛ نكفّر عنكم الصّغائر، وندخلكم مدخلا تكرمون فيه، وخذ ما يلي:
قال أبو جعفر بن جرير عن صهيب مولى الصّواري: أنّه سمع أبا هريرة ﵁، وأبا سعيد الخدري ﵁ يقولان: خطبنا رسول الله ﷺ يوما، فقال: «والّذي نفسي بيده- ثلاث مرّات-»، ثمّ أكبّ، فأكبّ كلّ رجل يبكي لا ندري ماذا حلف عليه، ثمّ رفع رأسه، وفي وجهه البشرى، فكان أحبّ إلينا من حمر النّعم. فقال: «ما من عبد يصلّي الصّلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزّكاة، ويجتنب الكبائر السّبع، إلاّ فتحت له أبواب الجنّة، ثمّ قيل له:
ادخل بسلام». رواه النّسائيّ، والحاكم، وابن حبان.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَجْتَنِبُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿كَبائِرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف. و ﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل جرّ بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿تُنْهَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور ب (عن). وتقدير الكلام: كبائر الذي، أو كبائر شيء تنهون عنه، وجملة: ﴿تَجْتَنِبُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال:
لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿نُكَفِّرْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل مستتر تقديره:
«نحن»، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿عَنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة من الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿وَنُدْخِلْكُمْ:﴾ معطوف على جواب الشرط، ويجوز في مثله النصب على إضمار «أن» والرّفع على الاستئناف. كما رأيت في الآية رقم [٢٨٤]: من سورة (البقرة)، والفاعل مستتر، تقديره «نحن» والكاف مفعول به. ﴿مُدْخَلاً:﴾ مفعول مطلق على اعتباره مصدرا ميميّا، أو هو ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله على اعتباره اسم مكان. ﴿كَرِيماً:﴾ صفة له.
﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢)﴾
الشرح: عن مجاهد، عن أمّ سلمة-﵂، قالت: قلت: يا رسول الله! يغزو الرّجال، ولا نغزو، وإنّما لنا نصف الميراث. فأنزل الله الآية. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-:
стр. 1135
وأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ..﴾. إلخ الآية من سورة (الأحزاب). أخرجه الترمذي.
وقيل: قال الرجال: نرجو أن يكون أجرنا على الضّعف من أجر النساء كالميراث. وقالت النّساء: نرجو أن يكون وزرنا على النّصف من وزر الرّجال، كالميراث، فنزلت.
هذا؛ وأصل التمنّي: تقدير الشيء في النّفس، وتصديره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين أن يحصل له مال غيره مع زوال النّعمة عن ذلك الغير، فهذا القسم هو الحسد، وهو مذموم؛ لأنّ الله تعالى يفيض نعمه على من يشاء من عباده، وهذا الحاسد يعترض على الله تعالى فيما فعل، وربما اعتقد في نفسه: أنّه أحقّ بالنعمة من ذلك الإنسان أيضا، فهذا اعتراض أيضا، وهو مذموم. القسم الثاني: أن يتمنّى مثل مال غيره، ولا يحبّ أن يزول المال عن الغير، وهذا حسد الغبطة، وهذا ليس بمذموم، ومن الناس من منع منه أيضا، قال: لأنّ تلك النعمة ربّما كانت مفسدة في حقّه في الدّين، أو في الدّنيا.
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: لا تتمنّ مال فلان، ولا مال فلان، فلا تدري لعلّ هلاكك في ذلك المال، فليعلم العبد: أنّ الله تعالى أعلم بمصالح عباده، فليرض بقضائه، ولتكن أمنيته الزيادة من عمل الآخرة، وليقل: اللهم أعطني ما يكون صلاحا لي في ديني، ودنياي، ومعادي. والمعنى: اطلبوا الفضل بالعمل، لا بالحسد، ولا بالأماني الباطلة. قال الرسول ﷺ : «ليس الإيمان بالتّمنّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل».
هذا؛ والتمنّي: طلب الشيء البعيد حصوله، بخلاف الترجّي، فإنّه طلب الشيء الممكن حصوله، وتمنّى الشيء: أحبه، ورغب فيه. ويأتي تمنّى بمعنى قرأ، قيل به في قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥٢]: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: إذا قرأ ألقى الشّيطان في تلاوته، انظر شرحها هناك، فإنّه جيد. والحمد لله! وأنشد الشّاعر في عثمان بن عفّان-﵁: [الطويل]
تمنّى كتاب الله آخر ليلة... تمنّي داود الزّبور على رسل
وقال كعب بن مالك-﵁-فيه أيضا: [الطويل]
تمنّى كتاب الله أول ليلة... وآخره لاقى حمام المقادر
﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄: يعني: ممّا ترك الوالدان والأقربون من الميراث، يقول: للذّكر مثل حظ الأنثيين. وقيل: هو الاكتساب في الأجر، يعني: أنّ الرّجال، والنساء في الأجر في الآخرة سواء؛ لأنّ الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، يستوي في ذلك الرّجال، والنّساء، وإن فضّل الرّجال في الدنيا على النّساء.
وقيل: للرّجال نصيب ممّا اكتسبوا من أمر الجهاد، وللنّساء نصيب مما اكتسبن، يعني: من طاعة
стр. 1136
الأزواج، وحفظ الفروج. هذا؛ وشبّه الله تعالى استحقاقهم للإرث، وتملّكهم له بالاكتساب، واشتقّ في لفظ الاكتساب: ﴿اِكْتَسَبُوا﴾ على طريقة الاستعارة التبعية.
﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: يعني: من رزقه. وقيل: من طاعته، وهو سؤال التوفيق للعبادة. وقيل: لم يأمر الله عباده بالمسألة إلا ليعطيهم، وفيه تنبيه على أنّ العبد لا يعيّن شيئا في الدّعاء، والطّلب، لكن يطلب من فضل الله ما يكون سببا لصلاح دينه، ودنياه، وآخرته. وخذ ما يلي:
عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «سلوا الله من فضله فإنّ الله يحبّ أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج». رواه الترمذيّ.
وخرّج أيضا ابن ماجة: عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يسأل الله؛ يغضب عليه». وهذا يدلّ على أنّ الأمر بالسّؤال لله تعالى واجب، وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى، فنظمه، فقال: [الكامل]
لا تسألنّ نبي آدم حاجة... وسل الّذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله... وبني آدم حين يسأل يغضب
﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً:﴾ يعني: إنّه تعالى عليم بما يكون صلاحا للسّائلين، فليقتصر العبد على المجمل في الطّلب، فإنّ الله تعالى عليم بما يصلحه، فلا يتمنّ غير الذي قدّر له. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه؛ حيث جعل النّاس طبقات، ورفع بعضهم درجات.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تَتَمَنَّوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فَضَّلَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضّمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿بَعْضَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من بعضكم. ﴿لِلرِّجالِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿نَصِيبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة معترضة، لا محلّ لها. ﴿مِمَّا:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿نَصِيبٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، و (﴿ما﴾) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية ضعيفة. ﴿اِكْتَسَبُوا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) أو صفتها، والرابط، أو العائد محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء اكتسبوه. ﴿وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ..﴾. إلخ: إعرابها مثل إعراب سابقتها، وهي معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَسْئَلُوا:﴾ الواو: حرف عطف.
стр. 1137
﴿وَسْئَلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهُ:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: حوائجكم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿لا تَتَمَنَّوْا..﴾.) إلخ، وما بينهما معترض. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من لفظ الجلالة والهاء في محلّ جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى الله. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلّقان ب ﴿عَلِيماً﴾ بعدهما، و (كلّ) مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه.
﴿عَلِيماً:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣)﴾
الشرح: ﴿وَلِكُلٍّ:﴾ أي: لكلّ تركة جعلنا ورّاثا يستحقّونها. أو: لكلّ ميت جعلنا ورّاثا يرثونه. فالتنوين في (كلّ) قائم مقام المضاف إليه، كما ترى، ويسمّى تنوين العوض. فليرض كل واحد بما قسم الله له من الميراث، ولا يتمنّ مال غيره. ﴿جَعَلْنا مَوالِيَ:﴾ ورّاثا، وموالي: جمع مولى، وهو يطلق في الأصل على الإله المعبود بحقّ، ومن أسماء الله الحسنى: المولى، ويطلق على العبد، والسيد، والأمير، وابن العم. قال الفضل بن العباس-﵄: [البسيط]
مهلا بني عمّنا مهلا موالينا... لا يظهرن بيننا ما كان مدفونا
كما يطلق على الحليف، والناصر، والمعين. قال تعالى في سورة (الدّخان) رقم [٤١]:
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى،﴾ ويطلق على مولى العتاقة، والمحالفة، وكلّ منهما لا يكون متصل النّسب في القبيلة، ولكنّه لصيق بها، والموالي في نظر العرب من الخسّة، والضّعة بحيث لا يرونهم في مصافّهم.
﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ المعاقدة: المحالفة، والمعاهدة، وقد كانوا في الجاهلية وفي بدء الإسلام إذا تحالفوا؛ أخذ كلّ واحد بيد صاحبه، وتحالفوا على الوفاء بالعهد، والتمسّك به، فيقول أحدهم للآخر: دمي دمك، وهدمي هدمك، أعقل عنك، وتعقل عنّي، وأرثك، وترثني.
فيقبل الآخر، فيكون لكلّ واحد من تركة الآخر السّدس، هذا قول. والقول الآخر: أنّها في شأن المؤاخاة الواقعة بين المهاجرين، والأنصار، وقد نسخت بالآية الكريمة في آخر سورة (الأنفال): ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾.
وفسّرها أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-بما يلي: لو أسلم رجل، أو امرأة على يد رجل، وتعاقدا على أن يتعاقلا، ويتوارثا، وليس أحدهما بعربيّ، والآخر عربيّ، فيقول الآخر: واليتك
стр. 1138
على أن تعقلني إذا جنيت، وترث منّي إذا متّ. ويقول الآخر: قبلت؛ انعقد ذلك، ويرث الأعلى من الأسفل.
﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ:﴾ من الميراث، والنّصرة، والمعاونة، والنّصيحة، والوصيّة لهم، فنسخ الحكم بالنّسبة للميراث، كما رأيت، وهو باق في البواقي. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ:﴾ ولم يزل كائنا.
﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً:﴾ قال عطاء-رحمه الله تعالى-: يريد: أنّه لم يغب عنه علم ما خلق، وبرأ. فعلى هذا: الشهيد بمعنى: الشاهد، والمراد منه علمه بجميع الأشياء. وقيل: الشّهيد: هو الشّاهد على الخلق يوم القيامة بكلّ ما عملوه، فعلى هذا: الشّاهد بمعنى: الخبر. وفيه وعد للطّائعين، ووعيد للعاصين.
هذا؛ وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنا﴾ يكثر التعبير بمثل هذا في القرآن الكريم. قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح): وقوله تعالى: ﴿كَتَبْنا،﴾ ﴿جَعَلْنا،﴾ ﴿إِنّا،﴾ ﴿نَحْنُ،﴾ ﴿نَقُصُّ،﴾ ﴿نُسْئَلُ﴾ لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء، وعلى الواحد العظيم المطاع؛ الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكن له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كلّ ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة، وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: إنّا، ونحن، وفعلنا، وضربنا... إلخ، ولا يريدون: أنّهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك ربّ العالمين، وربّ كلّ شيء، ومليكه، هو أحقّ أن يقول: ﴿إِنّا نَحْنُ..﴾. إلخ، مع أنّه ليس شريك، ولا مثل، بل له جنود السّماوات والأرض.
انتهى.
أقول: و «نا» هذه تسمّى: نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، فالله تعالى لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلّم بها العبد. فيقول: أخذنا، وأعطينا، وليس معه أحد، وهذا مستعمل، وواقع.
الإعراب: ﴿وَلِكُلٍّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لِكُلٍّ﴾): متعلقان بما بعدهما على أنّهما مفعوله الثاني. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَوالِيَ:﴾ مفعول به أول. هذا وجه للإعراب، وهناك وجه آخر، وهو: أنّ الجار، والمجرور: (﴿لِكُلٍّ﴾) متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، والمبتدأ محذوف، والجملة الفعلية صفة (كل) والمفعول الأول محذوف، وتقدير الكلام: ولكلّ جعلنا لهم موالي حظّ. وفيه تكلّف لا يخفى. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة «حظ» المحذوف على الوجه الثاني من الإعراب، أو هما متعلقان بفعل محذوف، تقديره: يرثون مما، وهذه الجملة تكون صفة موالي، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جرّ ب (من). ﴿تَرَكَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْوالِدانِ:﴾ فاعله مرفوع وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنّه مثنّى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْأَقْرَبُونَ:﴾ معطوف على ما
стр. 1139
قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم... إلخ، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء تركه الوالدان.
﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. وقيل: هو منصوب بفعل محذوف، يفسّره المذكور بعده. وقيل: هو معطوف على (مولى) والمعتمد الأول. ﴿عَقَدَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْمانُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، التقدير: عقدت أيمانكم لهم. ﴿فَآتُوهُمْ:﴾ الفاء: صلة. (آتوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله الأول. ﴿نَصِيبَهُمْ:﴾ مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشّرط في العموم، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ..﴾. إلخ. انظر إعراب الآية السابقة، فإعراب هذه الجملة مثلها بلا فارق.
﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاُهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاِضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤)﴾
الشرح: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ:﴾ أي: متسلّطون على تأديب النّساء، والأخذ على أيديهنّ. قال ابن عباس-﵄: أمّروا عليهنّ، فعلى المرأة أن تطيع زوجها في طاعة الله. والقوّام: هو القائم بالمصالح، والتدبير، والتأديب، فالرّجل يقوم بأمر المرأة، ويجتهد في حفظها. ولمّا أثبت الله القيام للرّجال على النّساء، بيّن السبب، فقال: ﴿بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ يعني: فضّل الله تعالى الرّجال على النّساء بأمور: منها: زيادة العقل، والدّين، والولاية، والشهادة، والجهاد، والجمعة، والجماعات، وبالإمامة، ولأنّ منهم الأنبياء، والخلفاء، والأئمة. ومنها: أنّ الرّجل يتزوج بأربع نسوة، ولا يجوز للمرأة غير زوج واحد، ومنها: زيادة النّصيب في الميراث، والتّعصيب في الميراث، وبيده الطّلاق، والنكاح، والرجعة، وإليه انتساب الأولاد. هذا؛ والتّعبير بالبعضية إيحاء بأنّ المرأة من الرّجل بمنزلة عضو من جسم الإنسان، وكذلك الرّجل، ولا ينبغي أن يتكبّر عضو على عضو، فالكلّ يؤدي دوره بانتظام، ولا غنى لواحد عن الآخر. ﴿قَوّامُونَ﴾ مبالغة قائم، مثله في الآية رقم [١٣٥] الآتية.
стр. 1140
وربما أنفقوا من أموالهم يعني: وبما أعطوا من مهور النّساء، والنّفقة عليهنّ. فعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». أخرجه الترمذيّ. هذا؛ وفهم العلماء من هذه الجملة: أنّ الزّوج متى عجز عن نفقتها؛ لم يكن قوّاما عليها، وإذا لم يكن قواما عليها؛ كان لها فسخ العقد لزوال المقصود؛ الّذي شرع لأجله النكاح، وهو النّفقة عليها، وهو مذهب مالك، والشّافعي. وقال أبو حنيفة: لا يفسخ العقد. لقوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾.
﴿فَالصّالِحاتُ..﴾. إلخ هذا كلّه خبر، ومقصوده الأمر بطاعة الزّوج، والقيام بحقّه في ماله، وفي نفسها في حال غيبته. وفي مسند أبي داود عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «خير النّساء الّتي إذا نظرت إليها؛ سرّتك، وإذا أمرتها؛ أطاعتك، وإذا غبت عنها؛ حفظتك في نفسها، ومالك». قال: وتلا هذه الآية: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾. وقال ﷺ لعمر-﵁: «ألا أخبرك بخير ما يكنزه المرء؟ المرأة الصّالحة، إذا نظر إليها؛ سرّته، وإذا أمرها؛ أطاعته، وإذا غاب عنها؛ حفظته». أخرجه أبو داود أيضا.
ومعنى: ﴿بِما حَفِظَ اللهُ﴾ أي: بما حفظ من الله حين أوصى بهنّ الأزواج، وأمرهم بأداء المهر، والنّفقة إليهنّ. وقيل: المعنى: بما حفظهنّ الله، وعصمهنّ، ووفّقهن لحفظ الغيب.
﴿وَاللاّتِي تَخافُونَ﴾ أي: تعلمون، وتتيقّنون، مثل قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٩]: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾. وقيل: الخوف فيهما بمعنى الظن. ﴿نُشُوزَهُنَّ:﴾ عصيانهنّ، وترفّعهن عن طاعة الأزواج. قال ابن عبّاس-﵄: هو أن تستخفّ بحقوق زوجها، ولا تطيع أمره، وترفع صوتها عليه. والنّشوز مأخوذ من النّشز، وهو ما ارتفع من الأرض، يقال: نشز الرّجل، ينشز، وينشز: إذا كان قاعدا، فنهض قائما، ومنه قوله تعالى في سورة (المجادلة): ﴿وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا،﴾ وقال أبو منصور اللغوي: النّشوز: كراهية كلّ واحد من الزوجين صاحبه، يقال: نشزت، تنشز، فهي ناشز بغير هاء.
﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ أي: بكتاب الله، أي: ذكّروهن ما أوجب الله عليهنّ من حسن الصّحبة، وجميل العشرة للزّوج، والاعتراف بالدّرجة التي له عليها، ويذكر له قول النّبي ﷺ : «أيّما امرأة ماتت؛ وزوجها عنها راض؛ دخلت الجنّة». رواه ابن ماجة، والترمذيّ عن أمّ سلمة-﵂-وقوله ﷺ : «إذا صلّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت بعلها؛ قيل لها: ادخلي من أيّ أبواب الجنّة شئت». رواه الإمام أحمد، والطبرانيّ عن عبد الرحمن بن عوف-﵁. وقال للسّائلة عن حقّ الزوج: «من حقّه أن لو سال منخراه دما، وقيحا، فلحسته بلسانها؛ ما أدّت حقّه، ولو كان ينبغي لبشر أن يسجد لبشر؛ لأمرت المرأة
стр. 1141
أن تسجد لزوجها إذا دخل عليها لما فضّله الله عليها». رواه البزار، والحاكم عن أبي هريرة ﵁. وقال ﷺ : «لا تمنعه نفسها؛ وإن كانت على ظهر قتب». رواه ابن ماجة عن ابن أبي أوفى-﵁.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعا الرّجل امرأته إلى فراشه، فلم تأته، فبات غضبان عليها؛ لعنتها الملائكة؛ حتّى تصبح». رواه الشّيخان، وغيرهما، وانظر الآية رقم [١٨].
﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ:﴾ الهجر في المضجع: هو أن يولّيها ظهره في الفراش، ولا يجامعها. وقيل: هو الابتعاد عن فراشها. وهذا الأولى، فإنّ الزّوج إذا أعرض عن فراشها، فإن كانت محبّة للزّوج؛ فذلك يشقّ عليها، فترجع للصّلاح، وإن كانت مبغضة له، فيظهر النّشوز منها، ويتبيّن: أنّه من قبلها. وهذا الهجر غايته عند العلماء شهر، كما فعل النبي ﷺ حين أسرّ إلى حفصة، فأفشته إلى عائشة، وتظاهرتا عليه، وكما فعل ﷺ حين تآمرن عليه، وطلبن زيادة في النفقة. انظر سورة (الأحزاب) وسورة (التحريم). ولا يبلغ به الأربعة الأشهر التي ضرب الله أجلا عذرا للمولي، كما رأيت في سورة (البقرة) رقم [٢٢٦]، وقد ثبت: أنّ الهجر للمرأة خير علاج لنشوزها، وترفّعها، ولا سيما إذا كان الهجر كناية عن الجماع.
﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ يعني: إن لم يصلح حالهنّ بالهجران بعد الوعظ، فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح، ولا شائن، وهو الذي لا يكسر عظما، ولا يشين وجها، فإنّه إذا أدى إلى الضّرر؛ وجب الضمان مثل ضرب المعلم المؤدّب غلامه للعلم، والأدب. هذا؛ وقال الرسول ﷺ في حجّة الوداع:
«ألا واستوصوا بالنّساء خيرا فإنّما هنّ عوان عندكم، ليس تملكون منهنّ شيئا غير ذلك، إلاّ أن يأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلن؛ فعظوهنّ، واهجروهنّ في المضاجع، واضربوهنّ ضربا غير مبرّح، فإن أطعنكم، فلا تبغوا عليهنّ سبيلا، ألا إنّ لكم على نسائكم حقّا، ولنسائكم عليكم حقّا، فحقّكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقّهنّ عليكم أن تحسنوا إليهنّ في كسوتهنّ، وطعامهنّ». رواه ابن ماجة، والترمذي عن عمرو بن الأحوص الجشمي-﵁.
قال عليّ-﵁: يعظها بلسانه، فإن انتهت؛ فلا سبيل له عليها، فإن أبت؛ هجر مضجعها، فإن أبت؛ ضربها، فإن لم تتّعظ بالضّرب؛ بعث الحكم. وقال آخرون: هذا الترتيب مراعىّ عند خوف النّشوز، أمّا عند تحقّق النشوز؛ فلا بأس بالجمع بين الكلّ.
﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ فيما أمرتموهنّ، وطلبتم منهنّ. ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ أي: فلا تطلبوا عليهنّ طريقة تحتجّون بها عليهنّ إذا قمن بواجب حقّكم. وعن حكيم بن معاوية-﵁ عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت،
стр. 1142
وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح، ولا تهجر إلاّ في البيت». أخرجه أبو داود.
﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً:﴾ فيه تهديد، ووعيد، وتحذير من ظلم المرأة إذا هي انصاعت لأوامر الزّوج بعد نشوزها. والمعنى: اعلموا: أنّ قدرة الله عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم من نساء، وضعفاء، فأنتم أحقّ بالعفو؛ إن حصل منهم هفوات، ومخالفات. وانظر نشوز الرّجل في الآية رقم [١٢٨].
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في سعد بن الرّبيع-﵁-أحد نقباء الأنصار، نشزت عليه زوجته حبيبة بنت زيد بن خارجة بن أبي زهير، فلطمها، فانطلق بها أبوها إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أفرشته كريمتي، فلطمها، فقال ﷺ : «لتقتصّ منه» فانصرفت لتقتصّ منه، فقال ﷺ : «ارجعوا، هذا جبريل أتاني» فأنزل الله هذه الآية، فقال ﷺ : «أردنا أمرا، وأراد الله غيره، وما أراد الله خير» ونقض الحكم الأوّل. وقيل: إنّ في هذا المردود نزل قوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾.
تنبيه: ممّا تقدّم يتبيّن لنا: أنّ الله لم يأمر في شيء من كتابه بالضّرب صراحا إلا هنا، وفي الحدود العظام، فساوى معصيتهنّ لأزواجهنّ بمعصية الكبائر، وولّى الأزواج ذلك دون الأئمّة، وجعله لهم دون القضاة بغير شهود، ولا بيّنات ائتمانا من الله تعالى للأزواج على النّساء. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿الرِّجالُ:﴾ مبتدأ. ﴿قَوّامُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنّون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿عَلَى النِّساءِ:﴾ متعلقان ب ﴿قَوّامُونَ﴾. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿قَوّامُونَ﴾ أيضا، و (ما) تحتمل الموصولة، والمصدرية. ﴿فَضَّلَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾
فاعله. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) والعائد محذوف، والتقدير: بالّذي فضّل الله به... إلخ، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محلّ جرّ بالباء، التقدير: بسبب تفضيل بعضهم على بعض. ﴿وَبِما:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، و (ما) تحتمل ما ذكر.
﴿أَنْفَقُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، والتقدير: بالذي، أو: بشيء أنفقوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محلّ جرّ بالباء، التقدير: بإنفاقهم. ﴿مِنْ أَمْوالِهِمْ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف. و ﴿مِنْ:﴾ بيان لما أبهم في (ما)، والهاء في محل جر بالإضافة.
стр. 1143
﴿فَالصّالِحاتُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (الصالحات): مبتدأ. ﴿قانِتاتٌ:﴾ خبر أول.
﴿حافِظاتٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لِلْغَيْبِ:﴾ متعلقان ب ﴿حافِظاتٌ﴾ لأنّه اسم فاعل، لذا ففيه، وفي سابقه ضمير مستتر هو فاعله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿حافِظاتٌ﴾ أيضا، و (ما) تحتمل الموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين فجملة: ﴿حَفِظَ اللهُ﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء حفظه الله، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: بحفظ الله لهنّ حقوقهنّ، وكرامتهن. ﴿وَاللاّتِي:﴾ الواو: حرف عطف.
(﴿اللاّتِي﴾): اسم موصول مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَخافُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (﴿اللاّتِي﴾) لا محل لها. ﴿نُشُوزَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون فيه، وفيما بعده حرف دال على جماعة الإناث، وفي خبر المبتدأ وجهان: أحدهما: أنّه الجملة الفعلية. ﴿فَعِظُوهُنَّ..﴾. إلخ، وجاز دخول الفاء زائدة على الخبر على رأي الجمهور؛ لأنّ المبتدأ أشبه الشرط في كونه موصولا عامّا، صلته فعل مستقبل. الوجه الثاني: أنّ الخبر محذوف، التقدير: فيما يتلى عليكم حكم اللاتي... إلخ، فحذف الخبر، والمضاف إلى المبتدأ لا لدلالة عليها، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا نظير ما فعله سيبويه-رحمه الله تعالى-في نحو قوله تعالى في سورة (النّور): ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا..﴾. إلخ؛ أي: فيما يتلى عليكم حكم الزانية... إلخ، ويكون الفعل المذكور في هذه الآيات دالاّ على ذلك المحذوف؛ لأنّه بيان له. انتهى. جمل نقلا عن السمين.
﴿فَعِظُوهُنَّ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ على الوجه الأول في الإعراب، وهي لا محلّ لها على الوجه الثاني؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛ فعظوهن، وتكون الفاء فصيحة، والتي بعدها معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها، والجملة الفعلية:
﴿فَعِظُوهُنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.
﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَطَعْنَكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، ونون النسوة فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا:﴾ الفاء واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية. ﴿تَبْغُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنّها لم تحلّ محل المفرد.
стр. 1144
﴿عَلَيْهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به. و (إن) ومدخولها كلام مفرع، ومستأنف، لا محلّ له. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً:﴾ إعرابها واضح إن شاء الله.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ:﴾ أي: وإن علمتم، وتيقّنتم. وقيل: معناه الظنّ؛ أي: إن ظننتم.
وأصل الفعل: خوفتم، فنقلت حركة الواو إلى الخاء قبلها بعد سلب فتحتها، فسكنت الواو، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فالكسرة على الخاء للدّلالة على حركته المحذوفة، ولو كانت دليلا على المحذوف؛ لكانت ضمّة. والجمهور على أنّ المخاطب: الحكام، والأمراء. ﴿شِقاقَ:﴾
للشّقاق ثلاثة معان: أحدها: العداوة، كما في قوله تعالى حكاية عن قول شعيب لقومه: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي..﴾. إلخ. والثاني: الضّلال: كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾. وكما في الآية الكريمة؛ التي نحن بصدد شرحها؛ لأنّ كلّ واحد من المتشاقّين يكون في شقّ غير شقّ صاحبه، أي: في ناحية، وجهة. قال الشاعر: [الوافر]
وإلاّ فاعلموا أنّا وأنتم... بغاة ما بقينا في شقاق
هذا؛ و (بين) ظرف مكان بمعنى: وسط بسكون السّين، لا يقع إلا بين متعدّد لفظا، وحكما. تقول: جلست بين القوم، كما تقول: جلست وسط القوم. هذا؛ والبين: الفراق، والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض، ومن استعماله بمعنى الوصل ما قرئ به سورة (الأنعام) رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ حيث قرئ برفعه، ومن استعماله بمعنى الفراق والبعاد قول كعب بن زهير-﵁-من قصيدته التي مدح بها النبي ﷺ ، وهو الشاهد رقم [٨٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول
﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها:﴾ المخاطب بذلك الحاكم الشّرعي في هذه الأيام؛ لأنّ تنفيذ الأحكام إليه، ويجوز أن يتولّى ذلك جماعة من المسلمين ممّن يسعون في الإصلاح بين النّاس. وقيد الله الحكمين من أهل الزّوجين؛ لأنّهما أعرف بحال الزوجين، ويجب أن يكونا من أهل العدالة، وحسن النظر، والبصر بالفقه، فإن لم يوجد من أهلهما من يصلح لذلك، فيرسل من غيرهم عدلين، عالمين، وذلك إذا أشكل أمرهما، ولم يدر ممّن الإساءة منهما، فأمّا إذا عرف الظّالم منهما؛ فإنّه يؤخذ منه الحقّ لصاحبه، ويجبر على إزالة الضّرر. وهذا بعد أن يختلي الحكم بمن ينوب عنه، ويتعرّف أحواله، ومظالمه، وشكواه، وعلى
стр. 1145
الحكمين أن يسعيا بالإصلاح بين الزّوجين، ويذكّر انهما بالله، وبالنّصيحة، وما أفضى به كلّ منهما، فإن أنابا، ورجعا؛ تركاهما، وضمنا لهما حياة سعيدة رغيدة، وإن كان غير ذلك، ورأيا الفرقة؛ فرّقا بينهما، وتفريقهما جائز على الزّوجين، وسواء وافق حكم قاضي البلد، أو خالفه، وكّلهما الزوجان بذلك، أو لم يوكّلاهما. والفراق في ذلك طلاق بائن.
وقال قوم: ليس لهما الطّلاق ما لم يوكّلهما الزّوج في ذلك، وليعرّفا القاضي بذلك، وهذا بناء على أنّهما رسولان شاهدان، ثمّ القاضي يفرّق إن أراد، ويأمر الحكم بالتّفريق، وهو قول كثيرين. والصّحيح الأول، وأنّ للحكمين التّطليق دون توكيل، وهو قول مالك، والشافعي، وهو مرويّ عن عثمان، وعليّ، وابن عبّاس-﵃، وخالف أبو حنيفة-رحمه الله تعالى- في ذلك، فيرى: أنّ الحكمين لا يطلقان إلا برضا الزوج، واحتجّ بما يلي:
فقد روى الدارقطنيّ من حديث محمّد بن سيرين عن عبيدة في هذه الآية، قال: جاء رجل، وامرأة إلى عليّ-﵁، ومع كلّ واحد منهما جماعة من الناس، فأمرهم، فبعثوا حكما من أهله، وحكما من أهلها، وقال عليّ للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تفرّقا؛ فرقتما. فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه، ولي. وقال الزّوج: أمّا الفرقة؛ فلا، فقال عليّ-﵁: كذبت! والله لا تبرح حتى تقرّ بمثل الذي أقرّت به! هذا؛ وفي الآية دليل على إثبات التحكيم، وليس كما تقول الخوارج: لا تحكيم إلا لله، فهذه كلمة حق يريدون بها الباطل، وقد وافق الإمام أحمد أبا حنيفة فيما ذهب إليه.
﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً..﴾. إلخ أي: إن يرد الزوجان إصلاحا، وصدقا فيما أخبرا به الحكمين؛ يوفّق الله بينهما، وقال ابن عباس ومجاهد-﵃: إن يرد الحكمان إصلاحا؛ يوفّق الله بين الزوجين. وقيل: المراد: الزوجان.
﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً:﴾ يعني: أنّ الله تعالى يعلم كيف يوفّق بين المختلفين، ويجمع بين المتفرّقين. وفيه وعيد شديد للزّوجين، والحكمين؛ إن سلكوا غير طريق الحق. هذا؛ وذكر الله في الآية الكريمة الإصلاح، ولم يذكر ما يقابله وهو التفريق، وفيه إشارة لطيفة إلى أنّه ينبغي للحكمين أن يبذلا جهدهما في الإصلاح؛ لأنّ في التفريق خراب البيوت، وتشتيت الأولاد، وذلك ممّا ينبغي أن يجتنب.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿شِقاقَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿بَيْنِهِما:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لظرفه، مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَابْعَثُوا:﴾ الفاء:
стр. 1146
واقعة في جواب الشرط. (ابعثوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿حَكَماً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ أَهْلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿حَكَماً،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَحَكَماً:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿مِنْ أَهْلِها:﴾ متعلقان بمحذوف صفة له، و (ها) في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يُرِيدا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها... إلخ. ﴿أَصْلَحا:﴾ مفعول به.
﴿يُوَفِّقِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿بَيْنِهِما:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله.. إلخ، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً:﴾ تقدّم إعراب مثلها كثيرا.
﴿وَاُعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦)﴾
الشرح: أجمع العلماء: أنّ هذه الآية من المحكم المتّفق عليه، وليس منها شيء منسوخ، وكذلك في جميع الكتب السماوية، ولو لم يكن كذلك؛ لعرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ينزل به كتاب. انتهى. قرطبي. ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ:﴾ العبادة: غاية التذلّل، ولا يستحقّها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذلك يحرم السّجود لغير الله تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً:﴾
الشرك على أنواع: الأول: الشّرك الظاهر، وهو أن يتّخذ العبد إلها غير الله من حجر، أو شمس، أو قمر، أو شخص من البشر. والثاني: الشرك الخفيّ، وهو أن يعتقد أنّ للشيء تأثيرا في هذا الكون، أو تأثيرا في شيء من الأشياء. ومن الشرك الخفيّ: الرّياء. فعن عبد الله بن عباس-﵄، قال: قال رجل: يا رسول الله! إني أقف الموقف أريد وجه الله، وأريد أن يرى موطني. فلم يردّ عليه رسول الله ﷺ حتّى نزل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾. رواه الحاكم، والبيهقي. قال الماورديّ: قال جميع أهل التأويل: إنّ المراد بالآية النهي عن الرّياء، كيف لا؟ وأحاديث الرّسول ﷺ تصرّح بأنّ الرّياء شرك.
فعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى يوم القيامة بصحف مختّمة، فتنصب بين يدي الله تعالى، فيقول الله : ألقوا هذه، واقبلوا هذه، فتقول
стр. 1147
الملائكة: وعزّتك وجلالك ما رأينا إلاّ خيرا، فيقول الله : إنّ هذا كان لغير وجهي، وإنّي لا أقبل إلاّ ما ابتغي به وجهي». رواه الطبرانيّ، والبيهقيّ، والبزّار.
وعن محمود بن لبيد-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشّرك الأصغر!» قالوا: وما الشّرك الأصغر يا رسول الله؟! قال: «الرّياء، يقول الله إذا جزى النّاس بأعمالهم: اذهبوا إلى الّذين كنتم تراءون في الدّنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟!». رواه الإمام أحمد، والبيهقي. وانظر ما ذكرته في آخر سورة (الكهف) فإنّه جيد، والحمد لله، وانظر «الإخلاص» في سورة (الزّمر) رقم [١١].
﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ أي: وأحسنوا بالوالدين، والإحسان إلى الأبوين يعرفه كلّ واحد من الناس بفطرته، وهو أن يقوم المرء بخدمتهما، ولا يرفع صوته عليهما بقدر سعته. نعم إنّ البر بالوالدين أمر عظيم حثّ عليه الشّرع، واستحسنه الذّوق، والطّبع، ولكنّهما كما تعلم ليسا في الدّرجة سواء، فإنّ الأمّ قد كابدت في سبيلك، وتعبت أكثر من تعب الأب، وجهاده أضعافا مضاعفة، فهي التي تحمّلت المشقّات، فحملتك في بطنها تسعة أشهر، وهي التي كادت تنزل إلى قبرها حينما ولدتك، ثمّ بعد ذلك هي التي وضعت نفسها تحت تصرفك في ليلك ونهارك، تقوم إذا تحرّكت، وتنزعج إذا بكيت، وكم أصابها المرض، وأعياها السهر، وأضناها البكاء من أجلك، كلّ ذلك في سبيل تربيتك، وتأمين راحتك، وأنت لا تعلم من ذلك شيئا، ولذا جاء التنبيه عليها في سورة (لقمان) رقم [١٤]، وفي سورة (الأحقاف) رقم [١٥] وخذ هنا قول القائل بالإضافة لما ذكرته في سورة (الإسراء) رقم [٢٣ و ٢٤]: [الطويل]
لأمّك حقّ لو علمت كبير... كثيرك يا هذا لديه يسير
فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي... لها من جواها أنّة وزفير
وفي الوضع لو تدري عليها مشقّة... فمن غصص منها الفؤاد يطير
فدونك فارغب في عميم دعائها... فأنت لما تدعو إليه فقير
﴿وَبِذِي الْقُرْبى﴾ أي: القرابات من جهة الأب، ومن جهة الأم، وهم الأرحام، فقد أمرنا الله ورسوله بالإحسان إليهم وصلتهم، فعن أنس-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وينسّأ له في أثره؛ فليصل رحمه». رواه البخاريّ، ومسلم.
وعن عبد الرحمن بن عوف-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله : أنا الله، وأنا الرّحمن خلقت الرّحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها؛ وصلته، ومن قطعها؛ قطعته». رواه أبو داود، والترمذيّ.
стр. 1148
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله خلق الخلق، حتّى إذا فرغ منهم، قامت الرّحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك». ثمّ قال رسول الله ﷺ :
«اقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ»﴾. رواه البخاريّ، ومسلم.
﴿وَالْيَتامى:﴾ انظر الآية رقم [٢] ورقم [٣] من هذه السّورة ففيهما الكفاية. ﴿وَالْمَساكِينِ﴾ انظر الآية رقم [٨] من هذه السّورة. ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى:﴾ الجار القريب منك، أي: فهو رحم. ﴿وَالْجارِ الْجُنُبِ﴾ أي: الجار الغريب. وقيل: الأوّل الذي قرب جواره منك، والثاني الّذي بعد جواره منك. والتفسير الأوّل قاله علقمة بن عبدة، يخاطب به الحارث بن جبلة الغسانيّ: [الطويل]
فلا تحرمنّي نائلا عن جناية... فإنّي امرؤ وسط القباب غريب
وقال نوف الشّامي-رحمه الله تعالى-: ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى:﴾ المسلم، و ﴿وَالْجارِ الْجُنُبِ:﴾ الكافر، وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها، مندوب إليها، مسلما كان، أو كافرا، وهو الصحيح، والإحسان يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة، وكف الأذى، والمحاماة دونه، فقد روى البخاريّ عن عائشة-﵂-عن النبي ﷺ قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت: أنّه سيورّثه». وروي عن ابن عمر من وجه آخر.
وعن أبي شريح الكعبي-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن!» قيل: يا رسول الله! لقد خاب وخسر من هذا؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه» قالوا: وما بوائقه؟ قال: «شرّه». رواه البخاريّ.
وروى البزّار عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «الجيران ثلاثة: جار له حقّ واحد، وهو أدنى الجيران حقّا، وجار له حقّان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقّا، فأمّا الجار الّذي له حقّ واحد؛ جار مشرك لا رحم له، له حقّ الجوار، وأمّا الجار الّذي له حقّان؛ فجار مسلم، له حقّ الإسلام وحقّ الجوار، وأمّا الّذي له ثلاثة حقوق؛ فجار مسلم ذو رحم، له حقّ الجوار، وحقّ الإسلام، وحقّ الرّحم». والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة، ومسطورة.
﴿وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ:﴾ عن عليّ، وابن مسعود-﵄، قالا: هي المرأة، وقال ابن عباس، ومجاهد-﵃: هو الرّفيق في السّفر، وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: هو الرّفيق الصّالح. وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في
стр. 1149
السّفر. قال القرطبيّ: وأسند الطبريّ: أنّ رسول الله ﷺ كان معه رجل من أصحابه، وهما على راحلتين، فدخل رسول الله ﷺ غيضة، فقطع قضيبين، أحدهما معوجّ، فخرج، وأعطى لصاحبه القويم، فقال: كنت يا رسول الله أحقّ بهذا! فقال: «كلاّ يا فلان إنّ كلّ صاحب يصحب آخر فإنّه مسئول عن صحابته ولو ساعة من نهار».
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ:﴾ فعن ابن عباس، وجماعة: هو الضعيف. وقال مجاهد: هو الذي يمر عليك مجتازا في السفر. وهذا أظهر، وإن كان مراد القائل بالضّعيف: المارّ في الطريق، فهما سواء، فعن أبي شريح خويلد بن عمرو-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، وضيافته ثلاثة أيّام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحلّ له أن يثوي عنده؛ حتّى يحرجه» رواه مالك، والخمسة ما عدا النّسائي.
﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ أمر الله بالإحسان إلى المماليك. عن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمّن يملك قوتهم». رواه مسلم.
وعن أبي هريرة-﵁، عن النبي ﷺ قال: «للمملوك طعامه، وكسوته، ولا يكلّف من العمل إلاّ ما يطيق». أخرجه مسلم. وعن أبي ذرّ-﵁-عن النبيّ ﷺ قال: «هم إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل، وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم، فأعينوهم». أخرجاه في الصّحيحين.
هذا؛ وذكرت في سورة (النور) رقم [٣٣] كلمة حول ما يطعن به المستشرقون، والملحدون من أبناء المسلمين في الإسلام، وينعتونه بالقسوة، وبأنّه عمل على تكديس الرّق. انظرها تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ:﴾ حب الله للعبد: رحمته، وغفرانه، ورضوانه. وعدم محبّته: غضبه، وسخطه، وانتقامه. ﴿مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً:﴾ المختال: المتكبّر، العظيم في نفسه؛ الذي لا يقوم بحقوق الناس، والفخور على عباد الله بما أعطاه الله من نعمه، ولا يشكره عليها. وإنّما ختم الله هذه الآية بهذين الوصفين المذمومين؛ لأنّ المختال الفخور يأنف من أقاربه الفقراء، ومن جيرانه الضّعفاء، فلا يحسن إليهم، ولا يلوي بنظره عليهم؛ ولأنّ المختال هو المتكبّر، ومن كان متكبرا؛ فلا يقوم بحقوق الناس. وخذ ما يلي:
عن ابن عمر-﵄: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الله تعالى يوم القيامة إلى من جرّ ثوبه خيلاء». متفق عليه. وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تعظّم في نفسه، أو اختال في مشيته؛ لقي الله-تبارك، وتعالى-وهو عليه غضبان». رواه الطبرانيّ في الكبير، والحاكم بنحوه. وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشي
стр. 1150
في حلّة، تعجبه نفسه، ومرجّل جمّته، يختال في مشيته؛ إذ خسف الله به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة». متفق عليه.
وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله-جلّ وعلا-:
الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما؛ ألقيته في النّار». رواه ابن ماجة، وغيره، والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة مسطورة.
الإعراب: ﴿وَاعْبُدُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اُعْبُدُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق بين واو العلة، وواو الضمير. هذا هو الإعراب المتعارف عليه، والمشهور بين الناس، والإعراب الحقيقي أن يقال في مثل ذلك: فعل أمر مبني على سكون مقدّر على آخره، منع من ظهوره إرادة التخلّص من التقاء الساكنين. أو يقال: منع من ظهوره اشتغال المحل بالضمّ الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة. وما أجدرك أن تلاحظ هذا في كلّ فعل أمر مسند إلى واو الجماعة، أو إلى ألف الاثنين، مثل: اعبدا، وحرّك بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين، أو إلى ياء المؤنثة المخاطبة، مثل: اعبدي، وقد حرك بالكسرة لمناسبة ياء المخاطبة. والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تُشْرِكُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما.
﴿شَيْئاً:﴾ صفة لمفعول مطلق محذوف.
﴿وَبِالْوالِدَيْنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿بِالْوالِدَيْنِ﴾): جار ومجرور متعلّقان بفعل محذوف، والتقدير: أحسنوا بالوالدين، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنّى لفظا، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه من الأسماء الخمسة. و (﴿ذِي﴾) مضاف، و ﴿الْقُرْبى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على (﴿ذِي الْقُرْبى﴾). ﴿ذِي الْقُرْبى:﴾ صفة (الجار) مجرور... إلخ. ﴿الْجُنُبِ:﴾ صفة (الجار).
﴿بِالْجَنْبِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (﴿الصّاحِبِ﴾) وهو أولى من التعليق به نفسه. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ:﴾ معطوف أيضا على ما قبله.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): معطوفة على المجرورات السّابقة مبنية على السّكون في محلّ جرّ، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿مَلَكَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْمانُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، والتقدير: والذي، أو: وشيء ملكته أيمانكم، وعلى
стр. 1151
اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر، والمصدر يؤوّل باسم مفعول، التقدير: ومملوك أيمانكم.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها، والمعلّل محذوف؛ إذ التقدير: لا تفتخروا على هؤلاء؛ لأنّ الله... إلخ. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.
﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿مُخْتالاً:﴾
خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿فَخُوراً:﴾ خبر ثان لها، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ﴾ أو صفتها.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧)﴾
الشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية الكريمة في اليهود الذين بخلوا ببيان صفة النبي ﷺ فكتموها، وعلى هذا يكون المراد بالبخل: كتمان العلم. وقال ابن عباس-﵄: نزلت في جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار، ويقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر، ولا تدرون ما يكون. وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالبخل: كتمان العلم، ومنع المال؛ لأنّ البخل في كلام العرب منع السّائل من فضل ما لديه، وإمساك المقتنيات. وفي الشّرع: البخل عبارة عن إمساك الواجب، ومنعه. وإذا كان كذلك؛ أمكن حمله على منع المال، ومنع العلم. ولا بأس به، وبالإضافة لما ذكرته بشأن البخل، والشح في الآية رقم [١٨٠] من سورة (آل عمران) أذكر هنا ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يجتمع غبار في سبيل الله، ودخان جهنّم في جوف عبد أبدا. ولا يجتمع شحّ، وإيمان في قلب عبد أبدا». رواه النّسائيّ، وغيره. وعن الحسن البصري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله بقوم خيرا؛ ولّى أمرهم الحكماء، وجعل المال عند السّمحاء. وإذا أراد الله بقوم شرّا؛ ولّى أمرهم السّفهاء وجعل المال عند البخلاء». رواه أبو داود في مراسيله.
وعن جابر بن عبد الله-﵄، عن رسول الله ﷺ ، عن جبريل-﵇-عن الله تعالى قال: «إنّ هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلح له إلاّ السّخاء، وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه». رواه الطّبراني في الأوسط. وقال عليّ-كرّم الله وجهه-: إذا أقبلت عليك الدنيا؛ فأنفق منها، فإنّها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك؛ فأنفق منها، فإنّها لا تبقى، وأنشد: [البسيط]
стр. 1152
لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة... فليس ينقصها التّبذير والسّرف
وإن تولّت فأحرى أن تجود بها... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف
ورحم الله من قال: [الوافر]
وذي حرص تراه يلمّ وفرا... لوارثه ويدفع عن حماه
ككلب الصّيد يركض وهو طاو... فريسته ليأكلها سواه
﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ:﴾ قيل: هم الأغنياء؛ الذين كتموا الغنى، وأظهروا الفقر، وبخلوا بالمال. وقيل: المراد اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ الموجودة في التوراة، والإنجيل.
عن عطاء بن يسار-رحمه الله تعالى-قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص-﵄-فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: أجل، والله إنّه لموصوف في التّوراة بصفته في القرآن: «يا أيّها النّبيّ إنّا أرسلناك شاهدا، ومبشّرا، ونذيرا، وحرزا للأمّيين، أنت عبدي، ورسولي، سمّيتك المتوكّل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا سخّاب بالأسواق، ولا يدفع السّيّئة بالسّيّئة، ولكن يعفو، ويغفر، ولن يقبضه الله؛ حتّى يقيم به الملّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلاّ الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا». رواه البخاريّ، وأحمد، رحمهما الله تعالى!.
هذا؛ و (كتم) من باب: نصر، وربما عدّي إلى مفعولين، فيقال: كتمت زيدا الحديث، ومنه الآية رقم [٤٢] الآتية، والأكثر أن يتعدّى للثاني بحرف الجر، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٥٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى..﴾. إلخ، وتزاد (من) جوازا في المفعول الأول، فيقال: كتمت من زيد الحديث، وكتّم الشيء: بالغ في كتمانه، أي: في إخفائه، قال الرسول ﷺ : «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان» قال صاحب القاموس: والكتم محركة، والكتمان بالضّمّ: نبت يخلط بالحناء، ويخضّب به الشعر، ويصنع منه مداد الكتابة. انتهى.
ورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط]
فإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم
ولا أعدّت من الفعل الجميل قرى... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم
لو كنت أعلم أنّي ما أوقّره... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم
﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ:﴾ للجاحدين نعمة الله عليهم؛ إذ يراد بالكفر: الجحود. ﴿عَذاباً مُهِيناً:﴾ أي: يهانون به في الآخرة. وإعلاله مثل إعلال: ﴿مُبِيناً﴾ في الآية رقم [٢٠].
стр. 1153
الإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب بدلا من: ﴿مَنْ كانَ﴾ في الآية السابقة، أو في محل نصب على الذم بفعل محذوف، أو هو في محل رفع لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، وتكون الجملة بدلا من جملة: ﴿كانَ مُخْتالاً فَخُوراً﴾ أو مفسرة لها، أو الموصول في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الذين يبخلون بما أعطوا، ومنحوا. وأجيز اعتبار الخبر: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ..﴾. إلخ على بعد فيه. ﴿يَبْخَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها، وكذلك جملة:
﴿وَيَكْتُمُونَ..﴾. إلخ معطوفة عليها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿آتاهُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من المفعول الثاني المقدّر. و ﴿مِنْ:﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:
يكتمون الذي، أو: شيئا آتاهم الله إيّاه من فضله.
﴿وَأَعْتَدْنا:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَعْتَدْنا﴾): فعل، وفاعل. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به. ﴿مُهِيناً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، وإعادة (الكافرين)، وكان حقّه الإضمار، وأعاده بلفظ (الكافرين) للتشنيع على الباخلين، والكاتمين، و «قد» مقدرة قبل الجملة. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محلّ لها.
﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ..﴾. إلخ: يعني: للفخار، والسّمعة، وليقال: ما أسخاهم! وما أجودهم! لا يريدون بما أنفقوا وجه الله تعالى. نزلت الآية في اليهود الذين يبخلون، ويأمرون الناس بالبخل... إلخ. وقيل: نزلت في المنافقين؛ لأنّ الرّياء ضرب من النّفاق. وقيل: نزلت في مشركي مكّة المنفقين أموالهم في عداوة رسول الله ﷺ في غزوة بدر وغيرها. هذا؛ والرياء شرك. وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ : يقول: «قال الله ﵎: أنا أغنى الشّركاء عن الشّرك، من عمل عملا أشرك معي غيري؛ تركته وشركه». أخرجه مسلم.
стр. 1154
وعن شدّاد بن أوس-﵁: أنّه سمع النبي ﷺ يقول: «من صام يرائي؛ فقد أشرك. ومن صلّى يرائي؛ فقد أشرك. ومن تصدّق يرائي؛ فقد أشرك». رواه البيهقيّ.
﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ أي: الإيمان الحقيقي. ﴿وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ هو آخر أيام الدّنيا، فيه الحشر، والنشر، والحساب، والجزاء، ودخول أهل الجنّة الجنّة بالفضل الإلهيّ، ودخول أهل النّار النّار بالعدل الربّانيّ.
﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً..﴾. إلخ. يعني: من يكن الشّيطان صاحبه، وخليله؛ فبئس الصّاحب! وبئس الخليل الشيطان في الدنيا وفي الآخرة! وبيّن الله نتيجة صداقة الشيطان في سورة (ق) وفي سورة (إبراهيم) على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والقرين: المقارن، أي: الصاحب، والصديق. قال طرفة في معلّقته-وينسب لعديّ بن زيد العبادي: وهو مذكور في كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): معطوف على ما قبله على جميع الوجوه المعتبرة فيه. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿أَمْوالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿رِئاءَ:﴾ حال بمعنى مرائين، أو مفعول لأجله، أي: لأجل الرّياء. وقيل: صفة لمفعول مطلق محذوف، والتقدير:
إنفاقا رئاء. وهو ضعيف. و ﴿رِئاءَ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِاللهِ﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): حرف نفي. ﴿بِالْيَوْمِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما.
﴿الْآخِرِ:﴾ صفة: (اليوم).
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكُنِ:﴾ فعل مضارع ناقص فعل الشرط مجزوم. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ اسم: ﴿يَكُنِ﴾. ﴿لَهُ﴾.
جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿قَرِيناً:﴾ خبر: ﴿يَكُنِ﴾. ﴿فَساءَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ساء): فعل جامد لإنشاء الذمّ، وفاعله ضمير مستتر يفسّره التمييز الذي بعده، والمخصوص بالذمّ محذوف، التقدير: فساء قرينا الشّيطان، وذرّيته! وهذه الجملة في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، كما ذكرته مرارا، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَكُنِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.
стр. 1155
﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩)﴾
الشرح: ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ: أي: وأيّة تبعة، ومؤاخذة، ووبال عليهم في الإيمان بالله، واليوم الآخر؟! والجواب: لا تبعة، ولا ضرر عليهم. والمراد: الذمّ، والتّوبيخ للذين أعرضوا عن الإسلام؛ لأنّ الواقع كلّ مصلحة، ومنفعة موجودة في الإيمان بالله واليوم الآخر، وهذا كقولك للعاقّ: ما ضرّك لو كنت بارّا بوالديك؟! وقد علم: أنّه لا مضرّة في البرّ، والإحسان للوالدين، ولكنّه ذمّ، وتوبيخ. ﴿وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً:﴾ تهديد، ووعيد للّذين أعرضوا عن الإيمان بالله، واليوم الآخر... إلخ.
الإعراب: ﴿وَماذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (﴿ذا﴾): اسم موصول بمعنى الّذي مبني على السكون في محل رفع خبره.
﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صلة (﴿ذا﴾). هذا؛ ويجوز اعتبار (﴿ماذا﴾) اسما مركبا مبنيّا على السكون في محل رفع مبتدأ، والجار والمجرور: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلّقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿لَوْ:﴾ مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِاللهِ:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة (﴿الْيَوْمِ﴾). و (﴿لَوْ﴾) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جرّ بحرف جر محذوف. انظر تقديره في الشّرح. وقيل: هي الامتناعية جوابها محذوف، التقدير: لو آمنوا؛ لم يضرّهم الإيمان شيئا. والأول أقوى.
﴿وَأَنْفَقُوا:﴾ معطوف على: ﴿آمَنُوا،﴾ ويقدّر مثله بمصدر، انظر الشرح. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿رَزَقَهُمُ اللهُ:﴾ فعل ماض، ومفعوله الأول، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: وأنفقوا من الذي، أو من شيء رزقهم الله إيّاه. ﴿وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً:﴾ إعرابها واضح إن شاء الله.
والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿عَلِيماً﴾ بعدهما.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: إنّ الله لا يبخس الناس، ولا ينقصهم من ثواب عملهم وزن ذرّة، بل يجازيهم بها، ويثيبهم عليها، فهو كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وفي صحيح مسلم: عن أنس-رضي الله
стр. 1156
عنه-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدّنيا، ويجزى بها في الآخرة. وأمّا الكافر؛ فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدّنيا؛ حتّى إذا أفضى إلى الآخرة؛ لم يكن له حسنة يجزى بها». هذا والذّرّة: النّملة الحمراء الصّغيرة، وتقال لكلّ جزء من أجزاء الهباء المنتشر في الفضاء، وهي لا ترى إلا في ضوء الشّمس الدّاخل إلى مكان مظلم.
﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ أي: يكثر ثوابها، ويبارك فيها، قال قتادة-رحمه الله تعالى-:
لأن تفضل حسناتي على سيئاتي بمثقال ذرّة أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها. وفي الصّحيحين عن أبي سعيد الخدري-﵁-عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة الطّويل، وفيه: «فيقول الله : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبّة خردل من إيمان، فأخرجوه من النّار».
وفي لفظ: «أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجوه من النّار. فيخرجون خلقا كثيرا». ثمّ قال أبو سعيد-﵁: اقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: قال عبد الله بن مسعود-﵁: يؤتى بالعبد، أو بالأمة، فينادي مناد على رءوس الخلائق: هذا فلان بن فلان، من كان له عليه حقّ؛ فليأت إلى حقّه، ثمّ يقول: آت هؤلاء حقوقهم! فيقول: يا ربّ من أين لي، وقد ذهبت الدّنيا عنّي؟! فيقول الله تعالى للملائكة: انظروا إلى أعماله الصّالحة، فأعطوهم منها. فإن بقي منها مثقال ذرّة من حسنة؛ قالت الملائكة: يا رب-وهو أعلم بذلك منهم-قد أعطي لكلّ ذي حقّ حقّه، وبقي مثقال ذرّة من حسنة، فيقول الله تعالى للملائكة: ضعّفوها لعبدي، وأدخلوه بفضل رحمتي الجنّة. ومصداقه:
﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ..﴾. إلخ. وإن كان عبدا شقيّا؛ قالت الملائكة: إلهنا! فنيت حسناته، وبقيت سيّئاته، وبقي طالبون كثير، فيقول الله تعالى: خذوا من سيئاتهم، وأضيفوها إلى سيّئاته، ثمّ صكّوا له صكّا إلى النّار.
فالآية على هذا التفسير في الخصوم، وأنّه تعالى لا يظلم مثقال ذرّة للخصم على الخصم يأخذ له منه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له، بل يثيبه عليها، ويضعفها له، وقد تقدّم في الآية رقم [٢٨] عن ابن عبّاس-﵄: أنّ هذه الآية إحدى الآيات، الّتي هي خير ممّا طلعت عليه الشّمس.
﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ يعني: الجنة. والمعنى: يعطي من عنده أجرا عظيما بعد مضاعفة الحسنة الّتي توفرت له. قال أبو هريرة-﵁: إذا قال الله : ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ فمن يقدر قدره؟! وفيه إبطال قول المعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة مع أنّ له حسنات كثيرة، وأعمالا صالحات.
هذا؛ والضّعف بكسر الضاد، وسكون العين: مثل الشّيء، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه:
أمثاله، هذا هو الأصل في الضّعف، ثمّ استعمل في المثل، وما زاد، وليس للزّيادة حدّ، فيقال:
стр. 1157
هذا ضعف هذا، أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا. ويقال: أضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته، فمعناه: ضممت إليه مثله، فصاعدا. وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعّفت، ولذا قرأ بعضهم في سورة (الأحزاب): ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ وفي (الفرقان): ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ وفي هذه السورة: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾. هذا؛ وللضّعف بتثليث الضّاد معان نظمها بعضهم بقوله: [الرجز]
في الرّأي والعقل يكون الضّعف... والوهن في الجسم فذاك الضّعف
زيادة المثل كذا والضّعف... جمع ضعيف وهو شاكي الضّرّ
هذا؛ و (لدن) بمعنى: عند، وفيها إحدى عشر لغة، أفصحها إثبات النون ساكنة، وهي لغة القرآن الكريم، وهي بجميع لغاتها معناها: أول غاية زمان، أو مكان، وقلّما تفارقها «من» الجارة لها، فإذا أضيفت إلى الجملة؛ تمحّضت للزّمان؛ لأنّ ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة إلا «حيث». ويجوز تصدير الجملة بحرف مصدري لما لم يتمحّض. (لدن) في الأصل للزّمان. وإذا أضيفت للضمير وجب إثبات النون؛ لأنّه لا يقال: لده، ولا لدك. وانظر الآية [٨] من سورة (آل عمران).
﴿تَكُ:﴾ أصله تكون، فلمّا دخل الجازم؛ صار: «إن تكون» فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار «إن تكن» ثم حذفت النون الساكنة للتخفيف ولكثرة الاستعمال. وهذا الحذف جائز، وغير لازم، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته ممّا اختصت به كان: [الرجز]
ومن مضارع لكان منجزم... تحذف نون وهو حذف ما التزم
ولحذف النون شروط: أن يكون مضارعا مجزوما بالسّكون، وأن لا يكون بعده ساكن، ولا ضمير متّصل كما في الآية الكريمة، وغيره كثير، ومثلها كثير في الشّعر العربي، ولا تحذف عند فقد أحد الشروط إلا في ضرورة الشّعر، كما في قول الخنجر بن صخر الأسدي-وهو الشاهد رقم [٢٤٣] من كتابنا: «فتح ربّ البرية» -: [الطويل]
فإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
وأيضا قول الآخر: وهو الشاهد رقم [٢٤٤] من الكتاب المذكور: [الطويل]
إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم
وقرئ شاذّا قوله تعالى: «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب...» إلخ. ولم تحذف في قول أبي الأسود الدؤلي لجريانه على القاعدة: [الطويل]
دع الخمر تشربها الغواة فإنّني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها
стр. 1158
فإلاّ يكنها أو تكنه فإنّه... أخوها غذته أمّه بلبانها
يريد نقيع الزّبيب.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَظْلِمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها، ومفعول ﴿يَظْلِمُ﴾ محذوف، والتقدير: لا يظلم أحدا.
﴿مِثْقالَ:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، والتقدير: ظلما مثقال ذرّة، كما تقول: لا أظلم قليلا، ولا كثيرا. وقيل: ضمن: ﴿يَظْلِمُ﴾ معنى ما يتعدى لمفعولين، فانتصب: ﴿مِثْقالَ﴾ على أنّه مفعول ثان، والأول محذوف، التقدير: لا ينقص، أو لا يغصب أحدا مثقال ذرة من الخير، أو الشر. انتهى. جمل نقلا عن أبي حيان. و ﴿مِثْقالَ:﴾ مضاف، و ﴿ذَرَّةٍ:﴾ مضاف إليه.
﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنَّ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر تقديره: هو، يعود إلى: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ وإنّما أنّث الضمير؛ لكون: ﴿مِثْقالَ﴾ مضافا إلى ﴿ذَرَّةٍ،﴾ وهي مؤنثة: أو الاسم محذوف، التقدير: إن تك فعلته. ﴿حَسَنَةً:﴾ خبر: ﴿تَكُ﴾.
هذا؛ وقرئ بالرفع على اعتبار: ﴿تَكُ﴾ تامة، و («حسنة») فاعلها، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُضاعِفْها:﴾ جواب الشّرط، والفاعل يعود إلى الله، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. وقيل: معطوفة على الجملة الاسمية قبلها.
(﴿يُؤْتِ﴾): فعل مضارع معطوف على جواب الشّرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والمفعول الأول محذوف، التقدير: ويؤت من يريد. هذا؛ ويجوز في مثل هذا الفعل في العربية النصب على إضمار «أن» والرّفع على الاستئناف، كما رأيت في الآية رقم [٢٨٣] من سورة (البقرة).
﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿لَدُنْهُ:﴾ اسم مبني على السكون في محل جر ب ﴿مِنْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من:
﴿أَجْراً﴾ كان صفة له، فلمّا قدّم عليه صار حالا. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول به. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له.
﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١)﴾
الشرح: ﴿فَكَيْفَ إِذا..﴾. إلخ. يعني: فكيف يكون حال هؤلاء المشركين، والمنافقين يوم القيامة. ﴿إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ:﴾ قال ابن عباس-﵄: يريد: بنبيّها، والمعنى: يؤتى بالأنبياء يشهدون على أممهم، ولها. ﴿وَجِئْنا بِكَ:﴾ يا محمد. ﴿عَلى هؤُلاءِ﴾
стр. 1159
﴿شَهِيداً﴾ أي: شاهدا على من آمن بالإيمان، وعلى من كفر بالكفر، وعلى من نافق بالنفاق.
وقيل: المعنى: وجئنا بك يا محمد شاهدا على صدق هؤلاء الأنبياء بأنّهم بيّنوا لأممهم طريق الحقّ، والصّواب لعلمك بشرعهم، وعقائدهم. هذا؛ وفي الآية ما يسمّى: السؤال عن المعلوم لتوبيخ السّامع، وتقريعه.
فعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرأ عليّ القرآن».
فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ فقال: «إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري». قال:
فقرأت عليه سورة (النساء) حتى جئت هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ..﴾. إلخ. قال: «حسبك الآن!» قال:
فالتفتّ إليه، فإذا عيناه تذرفان. متّفق عليه، وزاد مسلم، فقال: «وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم» أو قال: «ما كنت فيهم» شكّ أحد رواته. انتهى خازن.
هذا؛ و «جاء» يستعمل لازما، إن كان بمعنى حضر، وأقبل، ومتعدّيا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، فمن الأول ما هو في هذه الآية، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ﴾. ومثله «أتى» يستعمل لازما، ومتعديا.
(أمّة): تكون واحدا إذا كان يقتدى به، كقوله تعالى في حقّ إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً..﴾. إلخ. وقال الرسول ﷺ في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعث أمّة وحده» لأنّه لم يشرك في دينه غيره، و «الأمّة» الطريقة، والملّة، والدّين، كقوله تعالى، حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾. وكلّ جنس من الحيوان أمّة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت وحين، و «الأمة»: الشجة التي تبلغ الدماغ، يقال: رجل مأموم، وأميم.
و «الأمة» أيضا: القامة، يقال: فلان حسن الأمة، أي: حسن القامة. قال الشاعر: [المتقارب]
وإنّ معاوية الأكرمين... حسان الوجوه طوال الأمم
الإعراب: ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فكيف حالهم، أو في محل نصب حال، عامله محذوف، التقدير: فكيف يصنع هؤلاء الكفرة، والجملة سواء أكانت اسمية، أو فعلية: مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلّق بالفعل المقدّر، أو هو متعلّق بنفس المبتدأ الّذي قدّرناه. ﴿جِئْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. هذا؛ ومثل هذه الآية في إعرابها الآية رقم [٢٥]: من سورة (آل عمران)، ومثل الآيتين قول الفرزدق-وهو الشّاهد رقم [٢٢٥]: من كتابنا: «فتح رب البريّة»، والشاهد رقم [٥٢٨]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]
стр. 1160
فكيف إذا مررت بدار قوم... وجيران لنا كانوا كرام
﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (﴿كُلِّ﴾) مضاف، و ﴿أُمَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِشَهِيدٍ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَجِئْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿بِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿هؤُلاءِ:﴾
الهاء للتنبيه لا محل لها. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلّقان بالفعل: ﴿جِئْنا،﴾ أو هما متعلّقان ب ﴿شَهِيداً﴾ بعدهما. ﴿شَهِيداً:﴾ حال من كاف الخطاب.
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً (٤٢)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ..﴾. إلخ أي: في اليوم العصيب الذي يشهد فيه كلّ نبيّ على أمته، ويشهد الرّسول ﷺ على أمّته يتمنّى الذين كفروا، وعصوا الرسول لو يدفنوا في الأرض، ثمّ تسوى بهم كما تسوّى بالموتى، أو لو تنشق الأرض، فتبتلعهم، ويكونون ترابا، كقوله تعالى في آخر سورة النبأ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾.
﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً:﴾ قال ابن عباس-﵄-في رواية عطاء عنه: لو تسوّى بهم الأرض، وأنّهم لم يكونوا كتموا أمر محمد ﷺ ، ولا كفروا به، ولا نافقوه. فعلى هذا القول يكون الكتمان ما كتموا في الدنيا من صفة محمّد ﷺ ، ونعته، وهو كلام متصل بما قبله.
وقيل: هو كلام مستأنف، قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: سأل رجل ابن عباس ﵄-فقال: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، قال: هات ما يختلف عليك، قال: منها قوله تعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً،﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فقد كتموا، فقال ابن عباس: يغفر الله تعالى لأهل الإسلام ذنوبهم، ويدخلهم الجنة، فيقول المشركون: تعالوا نقول: ما كنا مشركين، فيقولون: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاء أن يغفر لهم، فيختم على أفواههم، وتنطق أيديهم، وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك عرفوا: أنّ الله لا يكتم حديثا، وعنده ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلاّ من عند الله.
وقال الحسن البصري: إنّها مواطن؛ ففي موطن لا يتكلّمون، ولا تسمع إلا همسا، وفي موطن يعترفون على أنفسهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾. وفي موطن لا يتساءلون، وفي موطن يتساءلون، وفي موطن يسألون الرجعة، وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم، وتتكلّم جوارحهم، فهو قوله تعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾.
следующие страницы →