← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿إِبْلِيسَ﴾ والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها، وجملة: (﴿اِسْتَكْبَرَ﴾) معطوفة عليها، وهي في محل نصب مثلها. (﴿كانَ﴾): فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ﴾ أيضا. ﴿مِنَ الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر كان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا. ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ أي: اتخذها مأوى، ومنزلا، وليس معناه الاستقرار، والثبوت؛ لأنه لم يقل: أسكنتك الجنّة؛ لأنه خلق لعمارة الأرض، ولمّا أسكن الله آدم في الجنّة؛ بقي وحده، وليس معه من يستأنس به، ويجالسه، فألقى الله عليه النوم، ثم أخذ ضلعا من أضلاع جنبه الأيسر، وهو الأقصر، فخلق منه زوجته حوّاء، ووضع مكان الضّلع لحما من غير أن يحسّ بذلك، ولم يجد ألما، ولو وجد؛ لما عطف رجل على امرأة قطّ. وسمّيت: حواء؛ لأنها خلقت من حيّ، فلمّا استيقظ من نومه، ورآها جالسة كأحسن ما خلق الله تعالى، فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا زوجتك حوّاء، قال: ولماذا خلقت؟ قالت: لتسكن إليّ، وأسكن إليك. وفي القرطبيّ: أنّ الملائكة قالوا له: أتحبّها يا آدم؟! قال: نعم! فقالوا لحواء: أتحبينه؟ قالت: لا! وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبّه لها. قالوا: فلو صدقت المرأة في حبّها لزوجها؛ لصدقت حوّاء، وقال العلماء: ولهذا كانت المرأة عوجاء مهما تعلّمت، وتثقّفت؛ لأنها خلقت من أعوج وهو الضّلع، وخذ ما يلي: عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «استوصوا بالنّساء، فإنّ المرأة خلقت من ضلع، وإنّ أعوج شيء في الضّلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه؛ كسرته، وإن تركته؛ لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنّساء». رواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما، وفي رواية لمسلم وحده: «إنّ المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمعت بها؛ وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها؛ كسرتها، وكسرها طلاقها». ورحم الله من قال: [الطويل] هي الضّلع العوجاء لست تقيمها... ألا إنّ تقويم الضّلوع انكسارها أتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى... أليس عجيبا ضعفها واقتدارها هذا وهناك من يتبجّح، ويقول: إنّ الله خلق حواء بدون واسطة، وهذا يعني: أنّ الله خلقها من تراب، كما خلق آدم، ولذا فهم يقدّرون مضافا محذوفا، فيقولون: الأصل: منها أي: من البشر، وذلك في قوله تعالى في كثير من الآيات: (﴿خَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾).

стр. 107

﴿وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما:﴾ الرّغد: العيش الدّارّ الهنيّ؛ الّذي لا عناء فيه. قال الشاعر: [الرمل] بينما المرء تراه ناعما... يأمن الأحداث في عيش رغد ورغد العيش: من باب: ظرف، فهو راغد، وهو في رغد من العيش، أي: في رزق واسع، وأرغد القوم: أخصبوا. و (حيث) ظرف مكان اتفاقا، وقد ترد للزّمان، قال الأخفش: وبه قيل في قول طرفة بن العبد: [المديد] للفتى عقل يعيش به... حيث تهدي ساقه قدمه أي: في زمن هدايته، وتحتمل المكان أيضا، وفيها ستّ لغات، بالياء مع الضم والفتح والكسر، وبالواو مع الضم، والفتح، والكسر، وهي: حيث، وحيث، وحيث، وحوث، وحوث، وحوث، وانظر مبحثها وشواهدها في كتابنا فتح القريب المجيب. ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ:﴾ لقد اختلف في تعيين هذه الشجرة اختلافا كبيرا، قال العلامة أبو جعفر بن جرير-رحمه الله تعالى-: والصّواب في ذلك أن يقال: إنّ الله تعالى نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنّة، دون سائر أشجارها، فأكلوا منها، ولا علم عندنا بأيّ شجرة كانت تدل على التّعيين؛ لأنّ الله تعالى لم يضع دليلا على ذلك في القرآن، ولا ورد في السنة الصّحيحة بيان له، وقد قيل: كانت شجرة البرّ. وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التّين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك علم-إذا علم-لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل؛ لم يضره جهله، والله أعلم. مختصر ابن كثير. هذا ولقد نهى الله عن قرب هذه الشجرة؛ لأنه أبلغ في النهي عن الأكل، كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ الآية رقم [١٨٦] الآتية، انظر شرحها هناك؛ فإنه جيد، والحمد لله!. هذا ويقال: إنّ أول من أكل من الشجرة حوّاء بإغواء إبليس إيّاها، وإن أول كلامه كان معها؛ لأنّها وسواس المخدّة، وهي أول فتنة دخلت على الرجال من النساء، فقال: ما منعتما من هذه الشجرة إلا أنها شجرة الخلد، لأنّه علم منهما: أنهما كانا يحبان الخلد، فأتاهما من حيث أحبّا، فلما قالت حواء لآدم؛ أنكر عليها، وذكر العهد، فألحّ على حواء، وألحّت حواء على آدم إلى أن قالت: أنا آكل قبلك حتى إذا أصابني شيء؛ سلمت أنت، فأكلت، فلم يضرّها، فأتت آدم، فقالت: كل فإني أكلت فلم يضرّني، فأكل، فبدت لهما سوآتهما، وحصلا في حكم الذنب لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فجمعهما في النّهي، فلذلك لم تنزل بها العقوبة حتّى وجد المنهي عنه منهما جميعا، هذا وقد قال الرسول ﷺ : «لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم؛ لرجح حلمه». وقد قال الله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ سورة (طه) رقم [١١٥].

стр. 108

الإعراب: (﴿قُلْنا﴾): فعل، وفاعل. (﴿يا﴾): أداة نداء. (﴿آدَمُ﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بأداة النداء. ﴿اُسْكُنْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل في محل رفع توكيد للضمير المستتر ب ﴿اُسْكُنْ،﴾ ﴿وَزَوْجُكَ:﴾ معطوف على الضمير المستتر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به، وانظر إعراب ﴿هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ في الآية رقم [٥٨] الآتية. (كلا): فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وهناك محذوف؛ إذ التقدير: كلا من ثمرها، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿رَغَداً:﴾ صفة مفعول مطلق؛ إذ التقدير: كلوا أكلا رغدا، ويمكن اعتباره نائب مفعول مطلق، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال، تقديره: كلا مستطيبين، متهنئين. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل (﴿كُلا﴾)، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون بدلا من ﴿الْجَنَّةَ﴾ فيكون ﴿حَيْثُ﴾ مفعولا به؛ لأن ﴿الْجَنَّةَ﴾ مفعول به وليس بظرف. ﴿شِئْتُما:﴾ فعل، وفاعل، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَقْرَبا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الشَّجَرَةَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿فَتَكُونا:﴾ الفاء: للسببية، (تكونا): فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد الفاء السببية، وعلامة نصبه حذف النون، وألف الاثنين اسمه. ﴿مِنَ الظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (تكونا)، و «أن» المضمرة بعد الفاء، والفعل (تكونا) في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق؛ إذ التقدير: لا يكن منكما قرب من الشجرة، فظلم لنفسيكما. هذا؛ وجوز أن تكون الفاء عاطفة، وأنّ الفعل مجزوم بسبب العطف على النّهي، والأول أقوى معنى، وأتمّ سبكا. بعد هذا فالآية كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿قُلْنا..﴾.) إلخ: معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة. هذا؛ والآية مذكورة برقم [١٩] من سورة (الأعراف) انظر شرحها هناك، ففيه كبير فائدة. ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ ويقرأ: («أزالهما») وهما بمعنى: أذهبهما، وأبعدهما، وصرفهما عمّا كانا عليه من الطاعة إلى المعصية، يقال منه: أزللته، فزلّ، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٥٥]: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ وقيل: إن معنى أزلهما من: زلّ عن المكان: إذا تنحّى، قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٦٥]: [الطويل]

стр. 109

كميت يزلّ اللّبد عن حال متنه... كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل يزلّ الغلام الخفّ عن صهواته... ويلوي بأثواب العنيف المثقّل ﴿عَنْها﴾ عن الجنّة. ﴿فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ أي: من نعيم الجنة، وسرورها، ولم يقصد إبليس لعنه الله إخراجه من الجنة فقط، وإنما أراد إسقاطه من مرتبته، وإبعاده من رحمة الله تعالى، كما أبعد هو، وطرد، فلم يدرك طرده، بل ازداد سخنة عين، وغيظ نفس، وخيبة ظنّ، قال الله تعالى في سورة (طه) رقم [١٢٢]: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾ فصار ﵇ خليفة الله في أرضه بعد أن كان جارا له في داره، وكم بين الخليفة والجار من فرق! ونسب الإخراج إلى إبليس؛ لأنه كان بسببه وإغوائه. واختلف في كيفية دخول إبليس الجنّة، ووسوسته لآدم وحواء، فقال ابن مسعود، وابن عباس ﵃-وجمهور العلماء: أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢١]: ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ وكان قد رآهما على باب الجنّة؛ لأنّهما كانا يخرجان منها، وكان إبليس بقرب الباب، فوسوس لهما. والمقاسمة: ظاهر المشافهة، وقال بعضهم، وذكر عبد الرزاق عن وهب بن منبه: إنه دخل الجنة في فم الحيّة، وذلك أنّ إبليس لعنه الله تعالى. أراد أن يدخل الجنّة، فمنعه الخزنة، فأتى الحيّة وكانت صديقة لإبليس، وكانت من أحسن الدوابّ، لها أربع قوائم كقوائم البعير، فسألها أن تدخله في فمها، فأدخلته، ومرّت به على الخزنة، وهم لا يعلمون، وكان ذلك لأنه طرد من الجنّة حينما عصى الله، وأبى أن يسجد لآدم، فقال الله له: ﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً﴾ الآية رقم [١٨] من سورة (الأعراف). فلما دخل؛ أخذ يوسوس لهما وذلك: أنّ آدم لمّا دخل الجنة، ورأى ما فيها من النعيم؛ قال: لو أن خلدا!، فاغتنم إبليس ذلك منه، وأتاه من قبل الخلد، وقال لهما: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ رقم [٢٠] من سورة (الأعراف). وقيل: لما دخل الجنّة، وقف على آدم، وحواء، وهما لا يعلمان: أنّه إبليس، فبكى، وناح نياحة أحزنهما، وهو أوّل نائح، فقالا: ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما؛ لأنكما تموتان، فتفارقان ما أنتما فيه من النّعمة، فوقع ذلك في أنفسهما، واغتمّا، ومضى إبليس، ثمّ أتاهما بعد ذلك. وقال: ﴿يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ سورة (طه) رقم [١٢٠]، فأبى أن يقبل منه، ف ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ فاغترّا، وما ظنّا: أنّ أحدا يحلف بالله كذبا، فبادرت حواء إلى الشّجرة، فأكلت منها، ثم ناولت آدم، فأكل منها، قال إبراهيم بن أدهم-رحمه الله تعالى-: «أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا». قال ابن عباس-﵄: «قال الله تعالى: يا آدم! ألم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشّجرة؟ قال: بلى وعزّتك! ولكن ما ظننت أنّ أحدا يحلف بك كذبا، قال: فبعزتي

стр. 110

لأهبطنّك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش فيها إلا نكدا! فأهبط من الجنّة، وعلّم صنعة الحديد، وخلق الله ثورا، وبقرة، وقال له: احرث، فحرث، وزرع، وسقى؛ حتّى إذا بلغ، واشتدّ؛ حصده، ثم درسه، ثم ذرّاه، ثم طحنه، ثمّ عجنه، وخبزه، ثمّ أكله، فلم يصل إلى حلقه حتّى بلغ منه الجهد». وفي رواية أخرى عن ابن عباس-﵄: أنّ الله تعالى قال: يا آدم! ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب زينته لي حواء، قال: فإنّي قد أعقبتها ألا تحمل إلا كرها، ولا تضع إلا كرها، ودميتها في الشهر مرّتين، فرنت حواء عند ذلك، فقيل: عليك الرنّة، وعلى بناتك. والرنّة: الصّوت، فلما أكلا من الشجرة؛ تساقطت عنهما ثيابهما، وبدت لهما سوآتهما، وهو صريح قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٢]، وفي سورة (طه) [١٢١]: ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا:﴾ الهبوط: النزول من أعلى إلى أسفل، والخطاب لآدم، وحواء، والحيّة، وإبليس، وفي سورة (الأعراف) رقم [٢٤] مثله، وفيها رقم [١٣]: ﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾ على أنه خطاب لإبليس وحده، وفي سورة (طه) رقم [١٢٣]: ﴿اِهْبِطا مِنْها جَمِيعاً﴾ على أنه خطاب لآدم وحواء، أو لآدم وإبليس، فأهبط آدم بسرنديب من الهند بجبل يقال له: بوذ، ومعه ريح الجنّة، فعلق بشجرها، وأوديتها، فامتلأ ما هنالك طيبا، فمن ثم يؤتى بالطّيب من هناك، وهو من ريح آدم ﵇، وفي البخاريّ عن أبي هريرة-﵁، عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا». وأهبطت حواء بجدّة، وإبليس بالأبلّة، والحيّة سجستان وهي أكثر بلاد الله حيّات، ولولا العربد الذي يأكلها ويفني كثيرا منها، لأخليت سجستان من أجل الحيّات، ذكره أبو الحسن المسعودي. انتهى قرطبي. قال الجوهري: والعربدّ: حية تنفخ، ولا تؤذي، وزاد صاحب القاموس: أو حية حمراء خبيثة. ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ:﴾ ﴿عَدُوٌّ﴾ ضدّ صديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل: صبور، وشكور، وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنّى، والجمع؛ إلا لفظا واحدا جاء نادرا، قالوا: هذه عدوة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ الآية رقم [٦] من سورة (فاطر)، فقد عبّر عنه به عن مفرد، وقال تعالى حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ الآية رقم [٧٧] من سورة (الشعراء)، فقد عبّر به عن جمع، ومثل ذلك: صديق، أي في إتيانه بلفظ واحد للمفرد، والمثنّى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وجمع عدو: أعداء، وأعاد، وعداة، وعدى، وقيل: جمع أعداء، فيكون جمع الجمع، وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم، والكسر: اسم الجمع. هذا وسمي العدو: عدوّا؛ لعدوه عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع

стр. 111

بك، والقضاء عليك كما يسمّى الصديق صديقا؛ لصدقه فيما يدعيه لك من الألفة، والمودة، والمحبّة. هذا؛ والحكمة من إهباط آدم ﵇ إلى الأرض ما كان قدّره في الأزل، وهي نشر نسله فيها؛ ليكلفهم، ويمتحنهم، ويرتّب على ذلك ثوابهم، وعقابهم الأخرويّ؛ إذ الجنّة ليست بدار تكليف، وكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنّة، ولله أن يفعل ما يشاء، وقد قال الله للملائكة حين توجهت إرادته لخلق آدم: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وهذه منقبة عظيمة، وفضيلة كريمة شريفة. هذا فقد روي: أنّ روح موسى التقت مع روح آدم ﵉، فقال موسى: يا آدم! أكلت من الشجرة حتّى سبّبت لذريتك العناء، والشقاء! فقال آدم: يا موسى! أنت رسول الله، وكليمه، تلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بآلاف السّنين؟ فحجّ آدم موسى؛ أي: غلبه بالحجّة. هذا ويسأل: آدم معصوم، فكيف يخالف النّهي؟! وأجيب بوجوه، منها: أنه اعتقد أن النّهي للتنزيه، لا للتّحريم، ومنها: أنّه نسي النّهي، وهو صريح قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١١٥]: ﴿فَنَسِيَ﴾ ومنها: أنه ظنّ نسخه بسبب مقاسمة إبليس له: أنه من النّاصحين، وهو صريح قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢١]: ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ فاعتقد: أنه لا يحلف أحد بالله كذبا. وقد اختلف: هل كان ذلك من آدم قبل النبوة، أو بعدها؟ والظاهر: أنه أعطي النبوة في الأرض. وإلى الذين يكدسون الذنوب والمعاصي، ويؤملون الآمال العراض في دخول جنّة عرضها الأرض والسموات، اذكر قول القائل: [الكامل] تضع الذّنوب على الذّنوب وترتجي... درج الجنان وطيب عيش العابد ونسيت أنّ الله أخرج آدما... منها إلى الدّنيا بذنب واحد هذا؛ وقال ابن المنير-رحمه الله تعالى-: مقتضاه تأويل الآي. ومشعر ظاهرها بعدم وقوع الصّغائر من الأنبياء، تنزيها لهم عنها. وعلى أن تجويز الصغائر عليهم قد قال به طوائف من أهل السنة، وفي طيّ وقوعها ألطاف، وزيادة في الالتجاء إلى الله تعالى، والتواضع له، والإشفاق إلى الخطّائين، والدعاء لهم بالتوبة والمغفرة، كما نقل عن داود-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام: أنه كان بعد ابتلاء الله له يدعو للخطّاءين كثيرا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٦] من سورة (النساء)، وفي الآية رقم [٤٣] من سورة (التوبة)، والآية رقم [٦٨] من سورة (الأنفال). ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ:﴾ موضع استقرار، وقال السدي: مستقر يعني: القبور، وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً﴾ يحتمل المعنيين، والله أعلم، ومنه سمّيت متعة النكاح؛

стр. 112

لأنها تمتّع به، انظر الآية رقم [٢٣٥] الآتية، وأنشد سليمان بن عبد الملك حين وقف على قبر ابنه أيوب إثر دفنه: [الطويل] وقفت على قبر غريب بقفرة... متاع قليل من حبيب مفارق هذا واختلف في الحين، فقال قوم: إلى الموت، هذا قول من يقول: المستقر: هو المقام في الدنيا. وقيل: إلى قيام السّاعة، وهذا قول من يقول: المستقر هو في القبور. وقال الربيع: (﴿إِلى حِينٍ﴾): إلى أجل، والحين: الوقت البعيد، وربما أدخلوا عليه التاء، قال أبو وجرة: [الكامل] العاطفون تحين ما من عاطف... والمطعمون زمان أين المطعم؟ والحين: المدّة، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ والحين: الساعة. قال تعالى في سورة (الزمر) رقم [٥٨]: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ،﴾ وقال ابن عرفة: الحين: القطعة من الدّهر، كالساعة، فما فوقها، وقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٥٤]: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ أي: حتى تفنى آجالهم. وقوله تعالى في سورة (إبراهيم) -على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-رقم [٢٥]: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها؛﴾ أي: كل سنة، وقيل: بل كل ستة أشهر، وقيل: بل غدوة وعشيّا، وقال الأزهريّ: الحين: اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها، طالت، أو قصرت، والمعنى: أنه ينتفع بها في كلّ وقت، ولا ينقطع نفعها البتة. قال: والحين: يوم القيامة، والحين: الغدوة، والعشية، قال الله تعالى في سورة (الروم) رقم [١٧]: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ويقال: عاملته محاينة من الحين، وأحينت بالمكان. إذا أقمت فيه حينا، وحان حين كذا؛ أي: قرب، قالت بثينة: [الطويل] وإنّ سلويّ عن جميل لساعة... من الدّهر ما حانت ولا حان حينها وقال ابن العربي، والفراء: الحين حينان: مجهول، ومعلوم، فالحين المجهول لا يتعلق به حكم، والحين المعلوم هو الذي تتعلق به الأحكام، ويرتبط به التكليف، وأكثر المعلوم سنة. انتهى قرطبي بتصرف. هذا وجمع الحين: أحيان، وجمع الجمع: أحايين، والحين بفتح الحاء: الهلاك، والموت. وأخيرا أفاد قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وقوع العداوة بين آدم وذريته، وبين إبليس والحية، أما عداوة إبليس فقد ذكرها الله تعالى في كثير من الآيات القرآنية؛ ولم يذكر عداوة الحية لذريّة آدم، والثابت: أنها لعنت كما لعن إبليس، وردّت قوائمها في جوفها، وجعلت العداوة بينها وبين آدم وذريته إلى يوم القيامة، وقد بيّن الرسول ﷺ عداوتها في أحاديثه الشريفة الصحيحة؛ لذا أمر بقتلها. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁: أن النبي ﷺ قال: «ما سالمناهنّ منذ حاربناهنّ-يعني: الحيّات-ومن ترك قتل شيء منهن خيفة؛ فليس منا»، رواه

стр. 113

أبو داود، وابن حبّان. وعن ابن عبّاس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من ترك الحيات مخافة ظلمهن؛ فليس منا، ما سالمناهنّ منذ حاربناهنّ». رواه أبو داود. وعن أبي ليلى ﵁: أنّ رسول الله ﷺ سئل عن جنان البيوت، فقال: «إذا رأيتم منهنّ شيئا في مساكنكم، فقولوا: أنشدكم العهد الذي أخذ عليكم نوح، أنشدكم العهد الذي أخذ عليكم سليمان أن لا تؤذونا، فإن عدن؛ فاقتلوهنّ» رواه أبو داود، والترمذي، والنّسائيّ. وعن أبي لبابة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ قد نهى عن قتل الجنّان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين، فإنهما اللّذان يخطفان البصر، ويتبعان ما في بطون النساء. رواه أبو داود. الأبتر: جنس من الحيات كأنه مقطوع الذنب، وقيل: هو صنف من الحيّات أزرق مقطوع الذنب، إذا نظرت إليه الحامل؛ ألقت حملها، قاله النضر بن شميل، والطفيتان هما: الخطّان الأسودان في ظهر الحيّة، وقد يكون الخطّان أبيضين. وقال الربيع بن بدر رحمه الله تعالى: الجانّ من الحيات التي نهى الرسول ﷺ عن قتلها. هي التي تمشي مستقيمة ولا تلتوي. وعن علقمة بن قيس نحوه. بعد هذا خذ الإعراب، والله الموفق للحقّ والصّواب. الإعراب: ﴿فَأَزَلَّهُمَا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أزلّهما): فعل ماض. والهاء: مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله. ﴿عَنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿قُلْنَا..﴾.) إلخ في الآية السابقة، فهي في محل جر مثلها، وإن اعتبرتها مستأنفة فلا محل لها. ﴿فَأَخْرَجَهُما:﴾ الفاء: حرف عطف، (أخرجهما): فعل ماض، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والفاعل يعود إلى الشيطان، تقديره هو، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة؛ إذ التقدير: فأكلا منها، فأخرجهما، فتكون الفاء في الجملة المحذوفة مفيدة للسبب. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جرّ ب (من). ﴿كانا:﴾ فعل ماض ناقص، وألف الاثنين اسمه. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب (في). (قلنا): فعل وفاعل. ﴿اِهْبِطُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿قُلْنَا..﴾.) إلخ معطوفة على جملة: (أزلهما). ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿لِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط. (﴿لَكُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان

стр. 114

ب ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ بعدهما الذي هو مبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وقيل: مستأنفة، والعطف أقوى. ﴿وَمَتاعٌ:﴾ معطوف على ما قبله عطف مفرد على مفرد ﴿إِلى حِينٍ:﴾ متعلقان ب (﴿مَتاعٌ﴾)، أو صفة له، التقدير: ممتدّ إلى حين. ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿فَتَلَقّى..﴾. إلخ، استقبلها بالأخذ، والقبول، والعمل بها، وكان الرسول ﷺ يتلقّى الوحي؛ أي: يستقبله، ويأخذه، ويعمل به. هذا؛ وقرئ بنصب («آدم») ورفع («كلمات») والمعنى لا يتغير؛ لأنّ ما تلقيته فقد تلقّاك، وما تلقّاك فقد تلقّيته، ومثل هذه الآية بالقراءتين قوله تعالى في الآية رقم [١٢٤] الآتية: ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ حيث يقرأ بالواو أيضا، والمعنى واحد؛ لأنّ ما نلته فقد نالك، وما نالك فقد نلته. واختلف في الكلمات التي تلقاها آدم، فقال ابن عباس، والحسن البصريّ، وسعيد بن جبير، والضّحاك، ومجاهد-﵃: هي قوله تعالى: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ الآية رقم [٢٣] من سورة (الأعراف)، وقيل غير ذلك. ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ أي: قبل توبته، ووفّقه للتوبة، وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم الجمعة، فعن أبي لبابة بن عبد المنذر-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إن يوم الجمعة سيّد الأيام، وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى، ويوم الفطر، وفيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئا إلا أعطاه؛ ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، وما من ملك مقرّب، ولا سماء، ولا أرض، ولا رياح، ولا جبال، ولا بحر، إلا وهنّ يشفقن من يوم الجمعة»، رواه الإمام أحمد، وغيره. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: إن قيل: لم قال: ﴿عَلَيْهِ﴾ ولم يقل: عليهما، وحواء مشاركة في الذنب بإجماع، وقد قال: ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ و ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا؟﴾ فالجواب: أن آدم ﵇ لمّا خوطب في أول القصّة بقوله تعالى: ﴿اُسْكُنْ﴾ خصّه بالذكر في التلقّي، فلذلك كملت القصّة بذكره وحده، وأيضا: فلأن المرأة حرمة مستورة، فأراد الله الستر لها، ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١٢١]: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ وأيضا: لما كانت المرأة تابعة للرّجل في غالب الأمر لم تذكر، ولذا طوى ذكر النّساء في كثير من الآيات القرآنية، وأحاديث الرسول ﷺ ، بينما ذكر مشاركة حواء لآدم في الدعاء والتوبة في سورة (الأعراف)، وغيرها. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ وصف الله نفسه بأنه التّواب، وتكرّر هذا اللفظ في القرآن معرّفا، ومنكرا، واسما، وفعلا، وقد يطلق على العبد أيضا: تواب، قال تعالى في الآية الآتية رقم

стр. 115

[٢٢٢]: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وقال ابن عربي: ولعلمائنا في وصف الربّ بأنه توّاب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجوز في حق الربّ ، فيدعى به كما في الكتاب، والسنة، ولا يتأول. وقال آخرون: هو وصف حقيقي لله . وتوبة الله على العبد: رجوعه من حال المعصية إلى حال الطاعة، وقال آخرون: توبة الله على العبد: قبوله توبته، وذلك يحتمل أن يرجع قوله : قبلت توبتك، وأن يرجع إلى خلقه الإنابة، والرجوع في قلب المسيء وإجراء الطاعات على جوارحه الظاهرة. وإنما قيل لله : تواب لمبالغة الفعل وكثرة قبوله توبة عباده لكثرة من يتوب إليه، هذا ويقرأ بكسر همزة «إنه» وفتحها. تنبيه: اعلم: أنه ليس لأحد قدرة على خلق التوبة؛ لأن الله تعالى هو المنفرد بخلق الأعمال، خلافا للمعتزلة، ومن قال بقولهم، وكذلك ليس لأحد أن يقبل توبة من أسرف على نفسه، ولا أن يعفو عنه، قال العلماء: وقد كفرت اليهود والنّصارى بهذا الأصل العظيم في الدين، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، وجعلوا لمن أذنب أن يأتي الحبر، أو الراهب، فيعطيه شيئا، ويحط عنه ذنوبه: ﴿اِفْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ سورة (الأنعام) رقم [١٤٠]. وقال سعيد بن جبير-﵁: لما أهبط الله آدم إلى الأرض لم يكن فيها شيء غير النسر في البرّ، والحوت في البحر، فكان النسر يأوي إلى الحوت، فيبيت عنده، فلما رأى النسر آدم، قال: يا حوت أهبط إلى الأرض اليوم شيء يمشي على رجليه، ويبطش بيديه، فقال الحوت: لئن كنت صادقا ما لي منه في البحر منجى، ولا لك في البر منه مخلص. انتهى كلّه من القرطبي بتصرف مني. هذا و ﴿كَلِماتٍ﴾ جمع: كلمة، وفيها ثلاث لغات: الأولى: كلمة على وزن: نبقة، وهي الفصحى، ولغة أهل الحجاز، وبها نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم كنبق، والثانية: كلمة على وزن سدرة، والثالثة: كلمة على وزن: تمرة، وهما لغتا تميم، وجمع الأولى: كلم، كسدر، والثانية: كلم، كتمر، وكذلك كل ما كان على وزن فعل، وفعل، ك: كبد، وكتف، فإنه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق، جاز فيه لغة رابعة وهي: إتباع الأول للثاني في الكسر، نحو: فخذ، وشهد، وهي في الأصل: قول مفرد، مثل: محمد، وقام، وقعد، وفي، ولن، وقد تطلق على الجمل المفيدة، كما في قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ إشارة إلى قوله: ﴿اِرْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ﴾ وقال النبي ﷺ : «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد»: [الطويل] ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل... وكلّ نعيم لا محالة زائل المراد بكلمة لبيد: الشّطر الأول بكامله، وتقول: قال فلان كلمة، والمراد بها كلام كثير، وهو شائع، ومستعمل عربيّة في القديم، والحديث، وفي القرآن، وأحاديث الرّسول ﷺ .

стр. 116

الإعراب: (تلقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿آدَمُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعلقهما بمحذوف حال من ﴿كَلِماتٍ؛﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَلِماتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: (تلقى) مستأنفة لا محل لها. (تاب): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّهِ،﴾ ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل والهاء اسمها، ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد لاسم (إنّ)، ﴿التَّوّابُ:﴾ خبر أول ل (إنّ). ﴿الرَّحِيمُ:﴾ خبر ثان، هذا وإن اعتبرت الضمير مبتدأ؛ ف ﴿التَّوّابُ﴾ و ﴿الرَّحِيمُ﴾ يكونان خبرين له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، مستأنفة لا محل لها. هذا؛ ويقرأ بفتح همزة («إنّ») وعليه فهي تؤول مع اسمها، وخبرها بمصدر في محل جر بلام محذوفة، التقدير: لأنه... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (تاب). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا..﴾. إلخ: كرر الأمر على جهة التغليظ، وتأكيده. وقيل: كرر الأمر لما علّق بكل أمر منهما حكما غير حكم الآخر، فعلق بالأول العداوة، وبالثاني إتيان الهدى. وقيل: الهبوط الأول من الجنّة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض، وعلى هذا يكون فيه دليل على أنّ الجنة في السماء السابعة. ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ:﴾ الخطاب لآدم، وحواء، وذريتهما. ﴿مِنِّي هُدىً:﴾ المراد به هنا: الرسول ﷺ ، أو القرآن الكريم، أو المراد جميع الرسل، والكتب التي تنزل عليهم، وهو أليق بالمقام، وفي قوله تعالى: ﴿مِنِّي﴾ إشارة إلى أنّ أفعال العباد خلق لله تعالى خلافا للقدرية، والمعتزلة، وغيرهم. ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ:﴾ قرئ: («هديّ») وهي لغة هذيل، يقولون: هديّ، وعصيّ، ومحييّ، وأنشد النّحويون لأبي ذؤيب يرثي بنيه: [الكامل] سبقوا هويّ وأعنقوا لهوا همو... فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع قال النّحاس: وعلّة هذه اللغة عند الخليل وسيبويه: أنّ سبيل ياء الإضافة أن يكسر ما قبلها، فلما لم يجز أن تتحرك الألف، أبدلت ياء وأدغمت، ومعنى: تبع الهدى: آمن بي، وعمل بطاعتي. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا، وليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين، لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة، إلا أنه يخفّف عن

стр. 117

المطيعين، وإذا صاروا إلى رحمته؛ فكأنهم لم يخافوا، قال بعض العارفين بالله: سابق العناية لا يؤثر فيه حدوث الجناية، ولا يحطّ عن رتبة الولاية، فمخالفة آدم التي أوجبت له الإخراج من دار الكرامة لم تخرجه عن دار حظيرة القدس، ولم تسلبه رتبة الخلافة، بل أجزل الله له في العطية، فقال تعالى في سورة (طه): ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾ رقم [١٢٢] وقال الشاعر: [الكامل] وإذا الحبيب أتى بذنب واحد... جاءت محاسنه بألف شفيع وقد قيل: إنّ آدم لما نزل على الأرض؛ مكث ثلاثمائة سنة، لا يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله تعالى، وقيل: لو أنّ دموع أهل الأرض جمعت؛ لكانت دموع داود أكثر، ولو أنّ دموع داود ودموع أهل الأرض جمعت؛ لكانت دموع آدم أكثر. انتهى خازن. هذا وأما ثيابه التي نزعت عنه، فإنها تجمعت على رءوس أصابع يديه ورجليه، فلذا كان إذا نظر إلى أظافره؛ بكى؛ لأنها من آثار الجنّة، وصارت طبيعة في بني آدم، كلّ واحد إذا استغرق في الضحك؛ فلينظر إلى أظافره؛ فيذهب ضحكه. هذا؛ والحزن: ضد السرور، ولا يكون إلا على ماض. وحزن الرجل، وأحزنه غيره، وحزّنه أيضا، مثل سلّكه، وأسلكه، قال اليزيديّ: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم، وقد قرئ بها. الإعراب: ﴿قُلْنَا:﴾ فعل ماض، وفاعله. ﴿اِهْبِطُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من واو الجماعة، وهي حال مؤكدة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قُلْنَا:﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَإِمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. (إما): أصلها: (إن ما) إن: حرف شرط جازم، وما: صلة للتأكيد؛ لأنّ معنى (إن) في الأصل الشك، فزال هذا المعنى بسبب (ما) ولذا أكد الفعل بعدها بنون التوكيد. ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، والنون حرف لا محل له، والكاف مفعول به. ﴿مِنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز أن يكونا متعلّقين بمحذوف حال من ﴿هُدىً﴾ كان صفة له ﴿هُدىً:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثانية دليل عليها، وليست عينها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَبِعَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره هو. ﴿هُدايَ:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية مهملة، ولا يجوز إعمالها

стр. 118

إعمال «ليس» لأنها تكررت. ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل خبر المبتدأ. ويجوز تعليقهما ب (﴿خَوْفٌ﴾) لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف، تقديره: حاصل، أو موجود. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية مهملة، أو هي صلة لتأكيد النفي. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَحْزَنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على سابقتها؛ التي هي في محل جزم جواب الشرط، وقد اختلف في خبر (من) الواقعة مبتدأ، فابن هشام يرجّح: أن الخبر جملة الشرط. وبعضهم يقول: هو جملة الجواب. ويرجح المعاصرون: أن الخبر إنما هو جملتا الشرط، والجواب. والجملة الاسمية: (من تبع) في محل جزم جواب (إن) الشرطية، وهو قول سيبويه، وقال الكسائي: جملة: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ جواب الشرطين جميعا. هذا وقرأ جماعة: («فلا خوف») بفتح الفاء على اعتبار (لا) عاملة عمل «إنّ» لنفي الجنس، والاختيار عند النحويين الرفع والتنوين على الابتداء؛ لأنّ الثاني معرفة لا يكون فيه إلا الرفع؛ لأن (لا) لا تعمل في معرفة، فاختاروا في الأول الرفع أيضا؛ ليكون الكلام من وجه واحد، ويجوز أن تكون (لا) في قولك: ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ بمعنى ليس. انتهى قرطبي. أقول: وذكرت لك: أنها إذا تكررت؛ أهملت، أي: لا تعمل عمل ليس، و (إمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. تنبيه: أفرد الفاعل في الفعل ﴿تَبِعَ﴾ وجمع الضمير في قوله: ﴿عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ مع كونهما عائدين على (من) التي هي اسم شرط جازم، ومبتدأ، لأن الفاعل عائد على لفظه، والضمير عائد على معناه، أو تقول: إن (من) تدل على العموم، أي: أيّ شخص تبع الهدى؛ فلا خوف عليهم. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ أي: بقلوبهم. ﴿وَكَذَّبُوا:﴾ أي: بألسنتهم، والمراد: الكافرون، ويشمل المنافقين. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ:﴾ جعل الكفار أصحاب النار بمعنى مالكيها بملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في أصحاب الجنة. ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ:﴾ مقيمون ماكثون لا محيد لهم عنها، ولا محيص، قال رسول الله ﷺ : «أما أهل النار الذين هم أهلها؛ فإنّهم يموتون فيها، ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بخطاياهم، فأماتتهم إماتة؛ حتى إذا صاروا فحما؛ أذن بالشّفاعة». رواه مسلم في كتاب الإيمان من حديث شعبة عن أبي مسلمة-﵁، والمذكورون في آخر الحديث عصاة المسلمين، يدخلون النار، ويعذّبون على حسب

стр. 119

جرائمهم، ثم يخرجون منها حمما، ثم يدخلون الجنّة، ويكتب بين عيونهم: هؤلاء عتقاء الله من النار، بعد أن يغتسلوا بعين على باب الجنة تدعى عين الحياة وتعود إليهم أبشارهم، وجمالهم. هذا و ﴿أَصْحابُ﴾ جمع: صاحب، ويكون بمعنى: المالك، كما هنا، ويكون بمعنى: الصديق، ويجمع أيضا على: صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب أيضا، ثم يخفّف، فيقال: أصاحب. هذا؛ والصّحابي: هو من جالس النبي ﷺ في حياته، ولو ساعة بشرط أن يكون مسلما موحّدا، فإن اجتمع بالنبي ﷺ ، وجالسه في حياته وهو غير مسلم، ثمّ أسلم بعد وفاته مثل: «كعب الأحبار» فيقال عنه: تابعي، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا:﴾ فعلا ماض مبنيان على الضم، والواو فاعلهما، والألف للتفريق، ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بأحد الفعلين السابقين على التنازع فيهما، والجملة الأولى صلة الموصول والثانية معطوفة عليها لا محل لها مثلها. و (نا) في محل جر بالإضافة. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف. و ﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (﴿الَّذِينَ..﴾.) إلخ: معطوفة على جملة: (من اتبع الهدى) في الآية السابقة، فهي في محل جزم مثلها؛ لأنها قسيمة لها، أي: مقابلة لها في المعنى، ودخلت الفاء في الخبر الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد، والمسامحة في الوعيد، وهذا يؤكّد اعتبار (من) اسما موصولا. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿أَصْحابُ النّارِ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة؛ لما فيه من معنى التشبيه، والرابط الضمير فقط، وفيها معنى التأكيد للكلام السابق، وجوز اعتبارها خبرا ثانيا ل ﴿أُولئِكَ﴾ والأول أقوى؛ لأن لها نظائر مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾. ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿يا بَنِي:﴾ أصله: بنين، حذفت النون للإضافة، وهو جمع: ابن، مأخوذ من البناء؛ لأن الابن مبني أبيه، لذلك ينسب المصنوع إلى الصانع. ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ هو نبيّ الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة وألف سلام، ومعناه في اللغة العربية: صفوة الله، أو عبد الله، ف «إسرا» هو العبد، أو الصفوة، و «إيل» هو الله، وفيه سبع

стр. 120

لغات قرئ بها كلها. وتميم يقولون: «إسرائين». قال الشاعر، انظر الشاهد رقم [٣٣٢] من كتابنا: «فتح ربّ البرية» وما يتعلّق به: [الوافر] قالت وكنت رجلا فطينا... هذا-لعمر الله-إسرائينا فعلى ما تقدم يكون ليعقوب اسمان، وممّن له اسمان: يونس، ويسمّى: ذا النون، وإلياس، ويسمى: ذا الكفل في بعض الأقوال، وعيسى ﵇، يقال له: المسيح، وقد سمّاه الله: روحا، وكلمة، وكانوا يسمّونه: أبيل الأبيلين، ذكره الجوهري في صحاحه، ونبينا ﷺ له أسماء كثيرة تزيد عن المائتين، وهي مذكورة بجدران مسجده الشّريف، وبنو إسرائيل هم المنتسبون لأولاد يعقوب الاثني عشر، ويطلق عليهم الأسباط، كما في الآية [١٣٦] الآتية. ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ:﴾ المراد جميع النعم التي أنعم الله بها على آبائهم، ممّا عدد عليهم في هذه السورة الكريمة: من الإنجاء من فرعون وعذابه، ومن الغرق في البحر، ومن العفو عن اتخاذ العجل، والتوبة عليهم، وتظليل الغمام في التيه، وإنزال المن والسلوى لهم فيه أيضا، وهذا من تذكير الأبناء بما أنعم الله به على الآباء، ويضاف إلى ذلك ما أنعم الله به عليهم من إدراك زمن محمد ﷺ المبشّر به في التوراة والإنجيل، وقد هاجر آباؤهم من بلاد الشّام إلى الحجاز ليسبقوا الناس إلى الإيمان به، كما ستعرفه فيما يأتي إن شاء الله تعالى. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧]، والوفاء بعهده: القيام بطاعته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ولا يتم هذا إلا بالإيمان بمحمد ﷺ ، وبالقرآن المنزل عليه، والعمل بما فيه، لذا قال الله لهم: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ رقم [٦٣] الآتية، وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٢]: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ وقال تعالى في الآية رقم [١٨٧] من سورة (آل عمران): ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾. وقيل: هو عام في جميع أوامر الله، ونواهيه، ووصاياه، فيدخل في ذلك ذكر محمد ﷺ الذي في التوراة، وغيره، وهذا قول الجمهور من العلماء وهو الصحيح، وعهده الذي عهده لهم هو أن يدخلهم الجنة، ويرحمهم برحمته الواسعة. وانظر الآية رقم [٥١] الآتية. تنبيه: وما طلب من هؤلاء من الوفاء بالعهد مطلوب منّا، قال تعالى في سورة (المائدة): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ،﴾ وقال تعالى في سورة (النحل) رقم [٩١]: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾. ﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: خافوني دون غيري، والرّهب، والرّهبة: الخوف. قال تعالى في سورة (القصص) رقم [٣٢] لموسى-﵇: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ..﴾. إلخ. هذا وقد خرج الأمر في الآية إلى معنى التّهديد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 121

تنبيه: قال ابن جزي الكلبي في تفسيره: لمّا قدم الله تعالى دعوة الناس عموما، وذكر مبدأهم؛ دعا بني إسرائيل خصوصا، وهم اليهود، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ الآية رقم [١٤٢] الآتية، فتارة دعاهم بالملاطفة، وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتّخويف، وتارة بإقامة الحجّة عليهم، وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر عقوبتهم، التي عاقبهم بها، فذكر من النّعم عشرة أشياء: وهي: ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ،﴾ ﴿بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ،﴾ ﴿عَفَوْنا عَنْكُمْ،﴾ ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ ﴿آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً،﴾ ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ،﴾ ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾. وذكر من سوء أعمالهم عشرة، وهي قوله: ﴿سَمِعْنا وَعَصَيْنا،﴾ و ﴿اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ،﴾ وقولهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً،﴾ و ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا،﴾ و ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ و ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ،﴾ و ﴿تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ،﴾ و ﴿قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ و ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. وذكر من عقوبتهم عشرة أشياء، وهي: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ،﴾ و ﴿يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ،﴾ و ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ،﴾ و ﴿كُونُوا قِرَدَةً،﴾ و ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ،﴾ و ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ و ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً﴾ و ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾. وهذا كله جرى لآبائهم المتقدّمين، وخوطب به المعاصرون لمحمد ﷺ ؛ لأنهم متّبعون لهم، راضون بأحوالهم، وقد وبّخ الله المعاصرين لمحمد ﷺ به توبيخات، وهي عشرة أيضا: كتمانهم أمر محمد ﷺ مع معرفتهم به، و ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ،﴾ و ﴿يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ،﴾ و ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ،﴾ و ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ﴾ و (حرصهم على الحياة)، وعداوتهم لجبريل ﵇، واتباعهم السّحر، وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ وقولهم: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾. انتهى بتصرّف من حاشية الجمل. الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، (﴿بَنِي﴾): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة. و (﴿بَنِي﴾) مضاف و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، ويقال: للعلمية، والتركيب المزجي. ﴿اُذْكُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، كالجملة الندائية قبلها. ﴿نِعْمَتِيَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء

стр. 122

ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿نِعْمَتِيَ﴾. ﴿أَنْعَمْتُ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. والعائد محذوف، التقدير: التي أنعمتها. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (﴿أَوْفُوا﴾): فعل أمر، مثل: ﴿اُذْكُرُوا﴾ في إعرابه. ﴿بِعَهْدِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ. ﴿أُوفِ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء. والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: أنا، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر عند الجمهور، التقدير: إن توفوا بعهدي أوف بعهدكم. ﴿بِعَهْدِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِيّايَ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿إِيّايَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم لفعل محذوف، التقدير: وإياي ارهبوا. والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَارْهَبُونِ:﴾ الفاء: قيل: إنها عاطفة على محذوف، التقدير: تنبهوا، فارهبوا. وقيل: هي زائدة. وأفاد البيضاوي: أنّها الفصيحة دالة على شرط مقدر، كأنه قيل: إن كنتم راهبين شيئا؛ فارهبون، وإعراب (ارهبون) مثل إعراب: اذكروا، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة في محل نصب مفعول به. والجملة الفعلية هذه مؤكدة للجملة المقدرة قبلها. وقال القرطبي: ويجوز في الكلام: «وأنا فارهبون» على الابتداء، والخبر، ويكون ﴿فَارْهَبُونِ﴾ الخبر على تقدير الحذف، المعنى: وأنا ربكم فارهبون. انتهى. وبقوله قال مكي. ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ الشرح: ﴿وَآمِنُوا:﴾ أمر لبني إسرائيل الممثلين باليهود في كل مكان، وزمان. ﴿بِما أَنْزَلْتُ:﴾ على محمد ﷺ . والمراد: القرآن الكريم. ﴿مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ﴾ أي: من التوراة، والإنجيل، والقرآن مصدّق؛ أي: موافق التوراة في التوحيد، وفي كثير من الأحكام، ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ:﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ هو عائد على محمد ﷺ . قاله أبو العالية، وقال ابن جريج: هو عائد على القرآن؛ إذ تضمّنه قوله: ﴿بِما أَنْزَلْتُ،﴾ وقيل: هو عائد على التوراة؛ إذ تضمّنها قوله: ﴿لِما مَعَكُمْ﴾. ﴿وَلا تَكُونُوا..﴾. إلخ. والمراد أول فريق كافر، وقال: ﴿أَوَّلَ﴾ وقد كفر قبلهم كفار قريش الذين أنزل في بلدهم، وسمعوه قبل غيرهم، فإنما معناه: من أهل الكتاب؛ إذ هم منظور إليهم في مثل هذا؛ لأنهم حجّة مظنون بهم علم، وكذلك يراد بالأولوية في حقّهم بالنسبة لمن بعدهم من ذرّيتهم وغيرهم، فيحملون وزرهم، ووزر أتباعهم.

стр. 123

﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ نهاهم الله عن أن يكونوا أول من كفر، وألا يأخذوا على آيات الله ثمنا؛ أي على تغيير صفة محمد ﷺ الموجودة في التوراة شيء، وكان الأحبار يفعلون ذلك، فنهوا عنه. وقيل: المعنى: ولا تشتروا بتغيير أوامري، ونواهي، وآياتي ثمنا قليلا، والمراد: الدنيا، والعيش الّذي هو منها، فإنه نزر لا خطر له، ولا شأن بجانب الجنة، ونعيمها الدائم؛ الذي أعدّه الله للعاملين بما يعلمون. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وهذه الآية وإن كانت نزلت ببني إسرائيل، فهي تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رشوة على تغيير حقّ، أو إبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه، أو أداء ما علمه-وقد تعيّن عليه-حتى يأخذ عليه أجرا؛ فقد دخل في مقتضى هذه الآية. وقد روى أبو داود-﵀-عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلم علما ممّا يبتغى به وجه الله، لا يتعلّمه إلا ليصيب به عرضا من الدّنيا؛ لم يجد عرف الجنّة يوم القيامة». عرف الجنّة: ريحها. وهو بفتح العين. هذا واختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن، والعلم لهذه الآية، وما كان في معناها، فمنع ذلك الزّهري، وأصحاب الرأي، وقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم؛ لأنّ تعليمه واجب من الواجبات؛ التي يحتاج فيها إلى نية التقرّب، والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة، كالصّلاة، والصيام، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾. وروى أبو هريرة-﵁-قال: قلت: يا رسول الله! ما تقول في المعلمين؟ قال: «درهمهم حرام، وثوبهم سحت، وكلامهم رياء». وروى عبادة بن الصّامت-﵁-قال: علّمت ناسا من أهل الصّفّة القرآن، والكتابة، فأهدى إليّ رجل منهم قوسا، فقلت: ليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله! فسألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «إن سرّك أن تطوّق بها طوقا من نار؛ فاقبلها». وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن: مالك، والشّافعيّ، وأحمد، وأبو ثور، وأكثر العلماء؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عباس-﵄-في حديث الرّقية: «إنّ أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله». أخرجه البخاريّ، وهو نصّ يرفع الخلاف، فينبغي أن يعوّل عليه. قال ابن المنذر: وأبو حنيفة يكره تعليم القرآن بأجرة، ويجوّز أن يستأجر الرّجل يكتب له لوحا، أو شعرا، أو غناء معلوما بأجر معلوم، فيجوّز الإجارة فيما هو معصية، ويبطلها فيما هو طاعة. ولا بد من القول: إنّ المعلم إذا لم يكن له دخل يكفيه لمعيشته، ومعيشة من يعول: فكيف يستطيع التّعليم، بل والتفرّغ للقيام بالشّعائر الدّينيّة، وهو بحاجة إلى لقمة العيش؟! وروي عن النّبيّ ﷺ : أنه قال: «خير الناس، وخير من يمشي على جديد الأرض المعلّمون، كلّما خلق الدّين جدّدوه. أعطوهم، ولا تستأجروهم، فتحرجوهم، فإنّ المعلّم إذا قال للصبي: قل: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال الصّبيّ: بسم الله الرحمن الرحيم، كتب الله براءة للصّبيّ، وبراءة للمعلم، وبراءة لأبويه من النّار».

стр. 124

هذا و ﴿أَوَّلَ﴾ فيه مسائل: الأولى: الصّحيح: أنّ أصله «أوأل» بوزن: أفعل، قلبت الهمزة الثانية، واوا، ثم أدغمت بما قبلها فصار أوّل، بدليل قولهم في الجمع أوائل، وقيل: أصله: ووّل بوزن فوعل، قلبت الأولى همزة، وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع. الثانية: الصحيح: أن أوّل لا يستلزم ثانيا، وإنّما معناه: ابتداء الشيء، ثمّ قد يكون له ثان، وقد لا يكون، تقول: هذا أول مال اكتسبته، وقد تكتسب بعده شيئا، وقد لا تكتسب. وقيل: إنّه يستلزم ثانيا كما أنّ الآخر يقتضي أولا، فلو قال: إن كان أوّل ولد تلدينه ذكرا؛ فأنت طالق، فولدت ذكرا ولم تلد غيره، وقع الطلاق على الأول دون الثاني. الثالثة: ل: (أول) استعمالان: أحدهما: أن يكون صفة؛ أي: أفعل تفضيل بمعنى: الأسبق، فيعطى هذا حكم أفعل التفضيل، من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، ودخول من عليه، نحو: هذا أوّل هذين، ولقيته عاما أوّل. والثاني: أن يكون اسما مصروفا نحو لقيته عاما أولا، ومنه قولهم: ما له أوّل ولا آخر، قال أبو حيان رحمه الله تعالى في محفوظي: إن هذا يؤنّث بالتاء، ويصرف أيضا، فيقال: أوّلة، وآخرة بالتنوين. انتهى جمع الجوامع شرح همع الهوامع للسّيوطي، رحمه الله تعالى. الإعراب: (﴿آمِنُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿أَنْزَلْتُ:﴾ فعل وفاعل. والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء أنزلته. ﴿مُصَدِّقاً﴾ حال من (ما) أو من الضمير العائد عليها، وأجيز اعتبار (ما) مصدرية، وهو ضعيف معنى. ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقاً﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة أيضا. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف صفتها، التقدير: للذي يوجد معكم، أو لشيء كائن معكم. والكاف في محل جر بالإضافة. هذا؛ وابن هشام رحمه الله تعالى يعتبر اللام في مغنيه زائدة، وسمّاها لام التقوية، فإذا (ما) مجرورة لفظا، منصوبة محلاّ مثل قوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ وقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ،﴾ ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى،﴾ ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ وأورد قول حاتم الطائي، وقيل: هو من قول قيس بن عاصم المنقري-﵁ وهذا هو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل] إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي وجملة: (﴿آمِنُوا..﴾.) إلخ: معطوفة على جملة: ﴿اُذْكُرُوا..﴾. إلخ لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه

стр. 125

حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وهو ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَوَّلَ:﴾ خبر: ﴿تَكُونُوا﴾ وهو مضاف و ﴿كافِرٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: (﴿لا تَشْتَرُوا﴾) معطوفة أيضا، وإعرابها مثلها. ﴿بِآياتِي:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة. ﴿وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ:﴾ إعراب هذا التركيب مثل إعراب: ﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ في الآية السابقة بلا فارق. ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ:﴾ اللبس: الخلط، يقال: لبست عليه الأمر ألبسه: إذا مزجت بيّنه بمشكله، وحقّه بباطله، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩]: ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ ومن هذا المعنى قول عليّ-﵁-للحارث بن حوط: يا حار إنّه ملبوس عليك، إنّ الحق لا يعرف بالرّجال، اعرف الحق تعرف أهله. وقالت الخنساء-﵂: [البسيط] ترى الجليس يقول الحقّ تحسبه... رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا صدّق مقالته واحذر عداوته... والبس عليه أمورا مثل ما لبسا وروى سعيد بن جبير عن قتادة، يقول: لا تلبسوا اليهودية والنّصرانية بالإسلام، وقد علمتم: أنّ دين الله؛ الذي لا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به الإسلام، وأنّ اليهودية والنّصرانية بدعة، وليست من الله. وعن ابن عباس-﵄، وغيره: لا تخلطوا ما عندكم من الحق في الكتاب بالباطل، وهو التغيير، والتبديل. وقال أبو العالية: قالت اليهود: محمد مبعوث، ولكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثه حقّ، وجحدهم أنه بعث إليهم باطل. ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ:﴾ قال ابن عباس: يعني: كتمانهم أمر النبي ﷺ ، وهم يعرفونه. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ أنّ محمدا ﷺ حقّ، فكفرهم به كان كفر عناد، ولم يشهد لهم الله بعلم، وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا، ودلّ هذا على تغليظ الذنب على من واقعه على علم؛ وأنّه أعصى من الجاهل. انتهى. قرطبي. والآية المذكورة بحروفها ومعناها في الآية رقم [٧١] من (آل عمران). هذا؛ وانظر شرح الحق في الآية رقم [٢٦]، والكتمان في الآية رقم [٣٣]. هذا؛ و (الباطل) ضد الحق، و (الباطل) بمعنى الفاسد، والبطلان: عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا و «بطل» من باب دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل بضم فسكون: الباطل، والكذب، والزور، والبهتان. والبطالة: التعطّل، والتفرّغ من العمل، ويجمع باطل على أباطيل شذوذا، كما شذ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع: حديث، وعريض، وفظيع.

стр. 126

هذا؛ و «مبطل» اسم فاعل من أبطل الرباعي. هذا؛ و (الباطل) في قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [٤٢]: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ،﴾ قال السدي، وقتادة: الباطل: الشيطان، لا يستطيع أن يغير في القرآن شيئا، ولا يزيد، ولا ينقص منه. وقوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٢٤]: ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ الباطل: الشرك، والبطلة في قول الرسول ﷺ : «لا تستطيعها البطلة» أي: لا تستطيع قراءة سورة البقرة السّحرة. وانظر الآية رقم [١٨٧]. هذا والفعل ﴿تَعْلَمُونَ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] لعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه بخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ وخبر. وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النسب، بخلاف العلم فإن متعلقه المعاني، والنسب. وتفصيل ذلك بأنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى؛ لم يتجاوز مفعولا؛ لأنّ العلم والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا عالما، أو قائما، لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنّما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَلْبِسُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالْباطِلِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقَّ﴾ أي: ملتبسا بالحق. ﴿وَتَكْتُمُوا:﴾ معطوف على سابقه، فهو مجزوم مثله، ويحتمل أن يكون منصوبا ب «أن» مضمرة بعد واو المعية، وعلامة الجزم أو النصب حذف النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به، وعلى نصبه؛ ف: «أن» المضمرة والفعل في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق. التقدير: لا يكن منكم لبس للحق بالباطل، وكتمان الحق. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٢]، ومفعول ﴿تَعْلَمُونَ﴾ محذوف، التقدير: تعلمون أنه الحق. والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِرْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿وَأَقِيمُوا﴾ أمر معناه الوجوب، وأصله: «أقوموا»، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار: (أقوموا) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، ومعنى: (﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾): أدوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وأتمّوا لها ركوعها،

стр. 127

وخشوعها، ومن لم يؤدّها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلى، ولا يقال: أقام الصلاة. هذا؛ والصّلاة في اللّغة: الدعاء، والتّضرّع، وهي في الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتّسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومكروهات، ومندوبات مذكورة في الفقه الإسلامي. والصّلاة من العبد معناها: التّضرّع، والدّعاء، ومن الملائكة على العبد معناها: الاستغفار، وطلب الرّحمة له، ومن الله على عباده معناها: الرحمة، وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ الآية رقم [٥٦] من سورة (الأحزاب)، وانظر الآية رقم [١٥٣] الآتية. ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ:﴾ أمر يقتضي الوجوب أيضا، والإيتاء: الإعطاء. يقال: آتيته: أعطيته، قال الله تعالى حكاية عن قول المنافق في سورة (التوبة) رقم [٧٥]: ﴿لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وأتيته بالقصر من غير مدّ: جئته، فإذا كان المجيء بمعنى الاستقبال مدّ، ومنه الحديث: ولآتين رسول الله ﷺ فلأخبرنه هذا. وأصل (آتوا): «آتيوا» فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، فصار: (آتوا) ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو. هذا والزكاة في اللغة: التّطهير، والإصلاح، والنّماء، والمدح. يقال: زكا الزرع، والمال، يزكو: إذا كثر، وزاد، وسمّي الإخراج من المال: زكاة، وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة، قال تعالى في سورة (سبأ): ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ رقم [٣٩]، كما يقال: زكا فلان؛ أي: طهر من دنس الجرحة، والإغفال، فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى: أنّ النبي ﷺ سمى ما يخرج من الزكاة: أوساخ الناس، وقد قال الله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٠٣]: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾. والزكاة في الشرع: اسم لما يخرج عن مال، أو بدن على وجه مخصوص، وهي أحد أركان الإسلام الخمسة؛ التي بني عليها الإسلام، ومن ثم يكفر جاحدها على الإطلاق، وفي القدر المجمع عليه، ويقاتل الممتنع من أدائها، وتؤخذ منه قهرا، كما فعل الصدّيق، ﵁. وتدفع الزكاة لأشخاص معلومين، مذكورين في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة). وزكاة الفطر لا نصّ صريحا في القرآن عليها إلا ما تأوله بعض المفسرين في قوله تعالى في سورة الأعلى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ وسأتحدث عنها إن شاء الله عند الكلام على الصيام، لأن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر في رمضان. هذا وخصّ الله ﵎ الصّلاة والزّكاة بالذّكر؛ لأنّ الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، وشرعت للعطف على الفقراء، والمساكين، ومجموعهما التعظيم لأمر الله تعالى، والشّفقة على خلق الله. هذا؛ وأضيف: أنّ الزكاة قرينة

стр. 128

الصّلاة، فقد روي: أن أعرابيّا جاء إلى ابن عباس-﵄-فقال له: يا بن عباس أنت حبر الأمة، وترجمان القرآن، قد علّمك الله أسرار الكتاب، وفقّهك في الدين، فقل لي بربّك: لماذا قرن الله الصلاة إلى الزكاة في القرآن في أكثر من ثلاثين آية؟ فقال ابن عباس-﵄: ذلك لتعلم: أن الصلاة، والزكاة توأمان، لا يقبل الله إحداهما بدون الأخرى، تلك حقّ الله، وهذه حقّ الناس. رضي الله عن الصدّيق الّذي سوّى بين المرتدين، ومانعي الزكاة في القتال، والمحاربة، كما هو معلوم، ومشهور. وخذ قول أحمد شوقي رحمه الله تعالى: [الوافر] ولم أر مثل جمع المال داء... ولا مثل البخيل به مصابا عجبت لمعشر صلّوا وصاموا... ظواهر خشية وتقى كذابا وتلفيهم حيال المال صمّا... إذا داعي الزّكاة بهم أهابا لقد كتموا نصيب الله منه... كأنّ الله لم يحص النّصابا ومن يعدل بحبّ الله شيئا... كحبّ المال ضلّ هوى وخابا وخذ قول أبي العتاهية الصّوفي رحمه الله تعالى: [الكامل] أقم الصّلاة لوقتها بشروطها... فمن الضّلال تفاوت الميقات وإذا اتّسعت برزق ربّك فاجعلن... منه الأجلّ لأوجه الصّدقات في الأقربين وفي الأباعد تارة... إنّ الزّكاة قرينة الصّلوات هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-في غير هذا الموضع: وفي حديث: أنّ النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث؛ فرق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرسول، والله يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. ومن قال: أقيم الصلاة ولا أوتي الزكاة، والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾. ومن فرّق بين شكر الله، وشكر والديه، والله يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾. أمّا (الركوع) فهو في اللغة الانحناء في الشخص، وكلّ منحن راكع، قال لبيد-﵁: [الطويل] أخبّر أخبار القرون الّتي مضت... أدبّ كأنّي كلّما قمت راكع وقيل: الانحناء يعمّ الركوع والسجود، ويستعار أيضا للانحطاط في المنزلة، كما في قول الأضبط بن قريع السعدي، وهو الشاهد رقم [٧٠] من كتابنا: «فتح ربّ البرية». والشاهد [١٠٩٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الخفيف]

стр. 129

لا تهن الفقير علّك أن تر... كع يوما والدّهر قد رفعه هذا؛ واختلف الناس في تخصيص الركوع بالذّكر دون ذكر بقية الأركان، فقال قوم: جعل الركوع عبارة عن الصلاة كلها. وقيل: عبر عن الصّلاة بالركوع ردّا على اليهود، والنصارى؛ لأن صلاتهم لا ركوع فيها. فكأنّ الله تعالى قال لهم: صلوا الصّلاة ذات الركوع في جماعة المسلمين. هذا وفي قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أمر صريح بالصّلاة جماعة مع المصلين. وقد اختلف العلماء في حكم الصلاة في الجماعة، فالذي عليه الجمهور: أن الصلاة في الجماعة من السنن المؤكدة، وقد أوجبها بعض أهل العلم فرضا على الكفاية. وفي بيان ثوابها يقول الرسول ﷺ : «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». أخرجه مسلم-رحمه الله تعالى-من حديث ابن عمر، ﵄. وقال الإمام أحمد، وداود الظاهري: الصّلاة في الجماعة فرض على كلّ أحد لقول النبي ﷺ : «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد». أخرجه أبو داود، وصحّحه أبو محمد عبد الحق، وهو قول عطاء، وأبي ثور، وغيرهما. وقال الشافعي-رحمه الله تعالى-: لا أرخص لمن قدر على الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر، حكاه ابن المنذر. أقول: والقول بالوجوب هو الحقّ للأحاديث الصّحيحة. وخذ ما يلي: عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع المنادي، فلم يمنعه من اتّباعه عذر-قالوا: وما العذر؟ قال: «خوف، أو مرض-لم تقبل منه الصّلاة التي صلّى». رواه أبو داود، وابن حبّان في صحيحه، وابن ماجة بنحوه. وعن أبي الدرداء-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة في قرية، ولا بدو، لا تقام فيهم الصّلاة إلا استحوذ عليهم الشّيطان. فعليكم بالجماعة، فإنّما يأكل الذئب من الغنم القاصية». رواه أحمد، وأبو داود، والنّسائي، والحاكم، وابن خزيمة، وابن حبّان. وعن معاذ بن أنس-﵁-عن رسول الله ﷺ : أنه قال: «الجفاء كلّ الجفاء والكفر والنّفاق من سمع منادي الله ينادي إلى الصّلاة، فلا يجيبه». رواه الإمام أحمد، والطّبراني. وعن عمرو بن أم مكتوم-﵁-قال: «قلت: يا رسول الله! أنا ضرير شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي، قال: أتسمع النّداء؟ قال: نعم، قال: ما أجد لك رخصة». رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، وابن خزيمة، وانظر ما ذكرته في تفسير قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. هذا وفي هذه الأيام كثر الهراء بمنع المرأة من الحضور إلى المساجد، واستدلّوا بأحاديث لم يفهموا مغزاها، ولم يدركوا معناها، ولم يعرفوا أسبابها، ومرماها، وقد ثبت: أنّ النّساء دخلن

стр. 130

المسجد، وصلّين مع النبي ﷺ فيه الجمعة، والعيدين، بل والصلوات الخمس، وصلّين مع الخلفاء الرّاشدين الجماعة، والجمعة، والعيدين، والأدلّة كثيرة لا أطيل الكلام بذكرها هنا، والذي يفهم قول الفاروق-﵁-وسببه: أخطأ رجل، وأصابت امرأة؛ يفهم ما يفهم. الإعراب: ﴿وَأَقِيمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَقِيمُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. لا محل لها أيضا، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و ﴿الرّاكِعِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ..﴾. إلخ: هذا استفهام معناه: التوبيخ، والتأنيب، والتقريع. والمراد: علماء اليهود بالإجماع، ومثلهم علماء المسلمين المنافقين في كلّ زمان، ومكان، كما ستقف عليه. قال ابن عباس-﵄: كان يهود المدينة يقول الرّجل منهم لقريبه، ولصديقه من المسلمين: اثبت على ما أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرّجل؛ فإن أمره حقّ. يريدون النبيّ ﷺ ، فكانوا يأمرون غيرهم بذلك، ولا يفعلونه. وعنه أيضا كان الأحبار من اليهود يأمرون مقلّديهم، وأتباعهم باتّباع التوراة، وكانوا يخالفونها في جحدهم صفة محمد ﷺ . وقال ابن جريج: كان الأحبار يحضّون على طاعة الله، وكانوا هم يواقعون المعاصي. وقال النّسفي، وغيره: نزلت الآية الكريمة في ذمّ أحبار اليهود، فقد كانوا يأمرون النّاس بالصّدقة، ولا يتصدّقون، وإذا أتوا بالصدقة ليفرّقوها؛ خانوا فيها. هذا وقد جاء التّحذير، بل والنّكير، والوعيد الشّديد، والتّهديد لمن يخالف فعله قوله، وينهى غيره، وينسى نفسه في أحاديث النبي ﷺ ، وخذ من ذلك ما يلي: فعن أسامة بن زيد ﵄: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «يجاء بالرّجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه، فيدور بها، كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: يا فلان! ما شأنك؟ ألست كنت تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟! فيقول: كنت آمركم بالمعروف، ولا آتيه، وأنهاكم عن الشرّ، وآتيه». قال: وإني سمعته يقول: «مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء خطباء أمّتك الّذين يقولون ما لا يفعلون». رواه البخاريّ، ومسلم. وعن أبي برزة الأسلميّ-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل الّذي يعلّم الناس الخير، وينسى نفسه، مثل الفتيلة، تضيء للنّاس، وتحرق نفسها». رواه البزّار. وعن أبي هريرة

стр. 131

-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه». رواه الطّبرانيّ في الصغير، والبيهقيّ. والأحاديث في ذلك كثيرة. وقد قال تعالى في سورة الجمعة رقم [٥] في حقّ علماء اليهود، وينطبق على علماء السّوء المسلمين: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾. وخذ نبذة من شعر الشّعراء في هذا الباب؛ من ذلك قول منصور الفقيه: [مجزوء الكامل] إنّ قوما يأمرونا... بالّذي لا يفعلونا لمجانين وإن هم... لم يكونوا يصرعونا وقال أبو العتاهية الصّوفي-رحمه الله تعالى-: [الطويل] وصفت التّقى حتّى كأنك ذو تقى... وريح الخطايا من ثيابك تسطع وقيل: من وعظ بقوله؛ ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله؛ نفذت سهامه. وقال أبو الأسود الدؤلي من قصيدته المشهورة، ومنها الشاهدان رقم [٣٨٦] و [٦٧٤] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الكامل] يا أيّها الرّجل المعلّم غيره... هلاّ لنفسك كان ذا التّعليم تصف الدّواء لذي السّقام وذي الضّنى... كيما يصحّ به وأنت سقيم وأراك تصلح بالرّشاد عقولنا... أبدا وأنت من الرّشاد عديم ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يسمع ما تقول ويشتفى... بالقول منك وينفع التّعليم لا تنه عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم وقال أبو عثمان الحيري الزّاهد-رحمه الله تعالى-: [الطويل] وغير تقيّ يأمر النّاس بالتّقى... طبيب يداوي والطّبيب مريض وقال إبراهيم النّخعيّ-رحمه الله تعالى-: إني لأكره القصص (الوعظ، والإرشاد) لثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ..﴾. إلخ. وقوله تعالى: في سورة (الصّف) رقم [٢]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾. وقوله تعالى في سورة (هود) رقم [٨٨] حكاية عن قول شعيب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾. وقال الجماز ابن أخت سلم بن عمرو الخاسر: [السريع] ما أقبح التّزهيد من واعظ... يزهّد النّاس ولا يزهد

стр. 132

لو كان في تزهيده صادقا... أضحى وأمسى بيته المسجد إن رفض الدّنيا فما باله... يستمنح النّاس ويسترفد والرّزق مقسوم على من ترى... يناله الأبيض والأسود أما (البرّ) بكسر الباء: فهو كلمة جامعة لخصال الخير الدنيويّة، والأخرويّة، وانظر أعمال البر التي ذكرها الله تعالى في الآية رقم [١٧٦] الآتية، و «البرّ» بضم الباء: القمح، وبفتحها: الإجلال والتعظيم، ومنه ولد بار، وبرّ؛ أي: يعظم والديه، ويكرمهما ومن أسماء الله تعالى (البرّ). هذا؛ والبرّ: الأرض الفلاة، والأرض اليابسة ما عدا البحر. (﴿تَنْسَوْنَ﴾): أصله «تنسيون» فيقال في إعلاله: تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: «تنساون» ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: (تنسون) ويقال أيضا: استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين. هذا والنسيان: مصدر: نسيت الشيء، أنساه. وهو مشترك بين معنيين: أحدهما: ترك الشيء عن ذهول، وغفلة. ومنه قول الرسول ﷺ : «نسي آدم، فنسيت ذريّته». ومنه أيضا قوله تعالى حكاية عن قول فتى موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. والثاني: الترك عن تعمّد، وقصد، وهو المراد في الآية، وفي قوله تعالى في سورة (التّوبة) رقم [٦٧]: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٤٤]، وفي سورة (الأعراف) رقم [١٦٥]: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ،﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [٢٣٧] الآتية: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ:﴾ تقرءون التوراة. وفيه الوعيد الشديد، والتوبيخ العظيم على مخالفة القول العمل لعلماء اليهود، ومن فعل فعلهم كان مثلهم بلا ريب. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ:﴾ أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم؟ ولا ينبغي أن ينتفي عنكم العقل، وما ينتج عنه من ثمرات. هذا؛ والعقل: المنع، ومنه عقال البعير؛ الذي تشدّ به ركبته؛ لأنه يمنع من الحركة، وقد سمّي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه: أي: يمنعه من فعل الرذائل، لذا فإنّ كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، فقد ورد: أنه مرّ رجل معتوه على مجلس النّبيّ ﷺ فقال الصحابة-رضوان الله عليهم-: هذا رجل مجنون، فقال ﷺ : «هذا مصاب، إنما المجنون من أصر على معصية الله». والعقل: الدّية، سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة، تعقل بباب وليّ المقتول. والعقال أيضا: صدقة عام، قال الشاعر يهجو عاملا على الصّدقات: [البسيط] سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟ لأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين هذا؛ والعقل: ثوب أحمر، تتخذه نساء العرب تغشي به الهوادج، قال علقمة: [البسيط]

стр. 133

عقلا ورقما تكاد الطّير تخطفه... كأنّه من دم الأجواف مدموم هذا والعقل: جوهر لطيف في البدن ينبت شعاعه منه بمنزلة السّراج في البيت، يفصل به بين حقائق المعلومات، ثم اختلفوا في محلّه. فقالت طائفة منهم: محلّه الدّماغ؛ لأنّ الدّماغ محل الحسّ. وقالت طائفة أخرى: محلّه القلب؛ لأنّ القلب معدن الحياة، ومادة الحواس، ويردّ هذين القولين: أنّ فاقد العقل لم يفقد دماغه، ولا قلبه، بل هما موجودان فيه. بل القول الصّحيح: إنّ هناك لطيفة ربانيّة لا يعلمها إلا الله تعالى: فمن حيث تفكّرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمّى: روحا، ومن حيث شهوتها تسمّى: نفسا. انظر الآية رقم [٩]. وقال الخازن رحمه الله تعالى: والعقل قوّة تهيئ قبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيد منه الإنسان بتلك القوّة: عقل، ومنه قول عليّ بن أبي طالب-﵁: [الهزج] وإنّ العقل عقلان... فمطبوع ومسموع ولا ينفع مطبوع... إذا لم يك مسموع كما لا تنفع الشّمس... وضوء العين ممنوع هذا؛ والهمزة في قوله: ﴿أَفَلا﴾ للإنكار كما رأيت، وهي في نية التأخير عن الفاء؛ لأنها حرف عطف، وكذا تقدّم على الواو، وثمّ، تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾. وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ..﴾. إلخ. هذا مذهب سيبويه والجمهور، وخالف في ذلك جماعة، أوّلهم الزمخشري، فزعموا: أنّ الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأنّ العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ، ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ أمكثوا في الأرض فلم يسيروا؟ أنهملكم، فنضرب عنكم؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات، أو قتل... إلخ. ويضعف قولهم ما فيه من التكلّف، وأنه غير مطّرد في جميع المواضع. انتهى مغني اللبيب بتصرف. وانظر الآية رقم [١٠٠]. الإعراب: ﴿أَتَأْمُرُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (﴿تَأْمُرُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْبِرِّ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: (﴿تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾): معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَتْلُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله. الكتاب: مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير.

стр. 134

﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقريع، وتأنيب. الفاء: حرف استئناف، أو حرف عطف. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة مقدرة، التقدير: أطبع على قلوبكم، فلا تعقلون؟! والكلام كلّه معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف، ولا محل له على الاعتبارين. ﴿وَاِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥)﴾ الشرح: ﴿وَاسْتَعِينُوا:﴾ اطلبوا، والتمسوا المعونة على أموركم الدّينية، والدنيويّة. وانظر الاستعانة في سورة الفاتحة، هذا وقيل: إنّ المخاطبين بهذا هم المؤمنون؛ لأن من ينكر الصلاة، والصبر على دين محمد ﷺ لا يقال له: استعن بالصّبر، والصلاة، فلا جرم وجب صرفه إلى من صدّق محمدا ﷺ وآمن به. وقيل: يحتمل الخطاب لبني إسرائيل؛ لأن صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك نظم القرآن، ولأنّ اليهود لم ينكروا أصل الصّلاة، والصبر، لكنّ صلاتهم غير صلاة المؤمنين، فعلى هذا القول: إن الله تعالى لمّا أمرهم بالإيمان بمحمد ﷺ والتزام شريعته، وترك الرئاسة، وحبّ الجاه، والمال؛ قال لهم: (﴿اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾). انتهى. وقيل: إنّ المراد بالصّبر: الصوم. هذا و (الصبر): حبس النفس عن الجزع عند المصيبة، وحبس اللّسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التّشويش، وهو مرّ المذاق يكاد لا يطاق، إلا أنه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال القائل: [البسيط] الصّبر مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل وبالجملة: فنفع الصبر مشهور، والحضّ عليه في الكتاب والسنّة مقرر مسطور، وهو على ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء. ولا تنس أنّ من أسماء الله تعالى (الصّبور)؛ وفسّر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الرّعد) رقم [٢٢]: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلبا لمرضاته، وهذا الصبر المحمود، وهو أن يكون الإنسان صابرا لوجه الله تعالى، محتسبا أجره على الله، فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان الله، وأما صبر العبد؛ ليقال: ما أعظم صبره، وما أشد قوته على تحمل النوائب! أو يصبر؛ لئلا يعاب على الجزع، أو يصبر؛ لئلا تشمت به الأعداء، فهذا كلّه مذموم، لا ينيل صاحبه الدّرجات العلى، والمقام الرفيع عند الله، وقد يعرضه لشديد غضب الله، ونقمته. هذا؛ والصبر على أنواع: الصّبر عن المعصية، فله ثلاثمائة درجة، والصبر على الطاعة، فله ستمائة درجة، والصبر على البلاء، فله تسعمائة درجة، لكن ذلك لا يكون إلا بالصبر عند الصدمة

стр. 135

الأولى، كما روى البخاري عن أنس-﵁-عن النبي ﷺ بأنه قال: «إنّما الصّبر عند الصّدمة الأولى». أخرجه مسلم بأتم منه، وقال الأستاذ أبو علي: الصّبر حدّه: ألا تعترض على التقدير، فأما إظهار البلوى على غير وجه الشّكوى؛ فلا ينافي الصبر، قال تعالى في قصة أيوب -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ وبعد أخبر عنه: أنه قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾. ثمّ اعلم: أن الصبر ذكر في القرآن الكريم في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها الآية رقم [١٥٥] الآتية، وما بعدها: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ،﴾ ومن آنفها قوله تعالى في سورة (ص) في حقّ أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً﴾ حيث قرن هاء الصبر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله تعالى في سورة (الرّعد) في الآيتين [٢٣ و ٢٤]: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾ ومن أعظمها بشارة قوله تعالى في سورة (الزّمر) رقم [١٠] ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فائدة: قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً،﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ،﴾ وقال تعالى جل شأنه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾. قالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه، والصفح الجميل هو الذي لا عقاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذية معه. ﴿وَالصَّلاةِ:﴾ أفردها الله بالذكر من بين العبادات تعظيما لشأنها؛ لأنها جامعة لأنواع العبادات النّفسانية، والبدنيّة، من الطهارة، وستر العورة، وصرف المال فيها، والتوجّه إلى الكعبة، والعكوف للعبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النية بالقلب، ومجاهدة الشيطان، ومناجاة الحق، وقراءة القرآن، والتكلّم بالشهادتين، وكف النفس عن شهوتي الفرج، والبطن. انتهى. جمل نقلا من كرخي. وكان النبي ﷺ إذا حزبه أمر؛ فزع إلى الصلاة، وكان إذا سمع بلالا ينادي: إلى الصّلاة؛ نهض مسرعا، وسعى متشوقا، وهو يقول: «أرحنا بها يا بلال». قالت السيدة عائشة-﵂: كان رسول الله ﷺ يحدّثنا، ونحدّثه حتى إذا جاء وقت الصلاة؛ قام كأنه لا يعرفنا، ولا نعرفه؛ لأنّه ﷺ أحبّ الصلاة من كلّ قلبه؛ حتى استولت على لبّه، فكان دائما مشغولا بها، كلما فرغ منها؛ عاد إليها، لم ينسها في جهاده، ولم يتركها في مرضه، فلمّا جاء الأجل؛ أخذ يذكرها، ويحثّ أصحابه على فعلها، وسمع في حالة الغرغرة يقول: «أوصيكم بالصّلاة، أوصيكم بالصّلاة، أوصيكم بالصّلاة». حتى خرجت روحه إلى مولاه، فكان آخر كلامه في الدّنيا الوصية بالصّلاة. وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: ذكر رسول الله ﷺ الصلاة يوما، فقال: «من حافظ عليها؛ كانت له نورا، ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها؛ لم يكن له نور، ولا برهان، ولا نجاة، وحشر يوم القيامة مع فرعون، وهامان، وقارون، وأبيّ بن خلف».

стр. 136

قال العلماء: وسبب ذكر هؤلاء: أن من ترك الصلاة بسبب الملك والسلطان حشر مع فرعون، ومن تركها بسبب السياسة والرئاسة حشر مع هامان، ومن تركها بسبب جمع المال حشر مع قارون، ومن تركها بسبب الخصام والجدال حشر مع أبيّ بن خلف. وعن عبادة بن الصّامت-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد، فمن جاء بهنّ، ولم يضيع منهنّ شيئا استخفافا بحقّهنّ؛ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنّة، ومن لم يأت بهنّ؛ فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنّة». رواه مالك، وأبو داود، والنّسائيّ. وكان السّلف يرون في الصلاة أيضا تفريج همومهم، والتنفيس عن كروبهم، فقد روي: أن عبد الله بن عباس-﵄-نعي له أخوه: قثم، وقيل: بنت له، وهو في سفر، فاسترجع. وقال: عورة سترها الله، ومئونة كفاها الله، وأجر ساقه الله، ثم تنحّى عن الطّريق، وصلّى، ثم انصرف إلى راحلته، وهو يقرأ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ وانظر الآية رقم [٤٣]. ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ:﴾ قال القرطبي رحمه الله تعالى: اختلف المتأولون في عود الضمير؛ فقيل: على الصّلاة وحدها خاصّة؛ لأنها تشقّ على النفوس ما لا يشق الصوم، فالصلاة فيها سجن النفوس، والصّوم إنّما فيه منع الشهوة، فليس من منع شهوة واحدة، أو شهوتين كمن منع جميع الشهوات، فالصّائم إنّما منع شهوة النساء والطّعام، والشراب، ثم ينبسط في سائر الشّهوات من الكلام، والمشي، والنّظر إلى غير ذلك من ملاقاة الخلق، فيتسلّى بتلك الأشياء عمّا منع، والمصلّي يمنع من جميع ذلك، فجوارحه كلّها مقيّدة بالصّلاة عن جميع الشّهوات، وإذا كان ذلك؛ كانت الصلاة أصعب على النفس، ومكابدتها أشقّ، فلذلك قال تعالى: ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾. وقيل: يعود الضمير عليهما، ولكنّه كنى عن الأغلب، وهو الصّلاة، كقوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٤]: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الجمعة): ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها﴾ فرد الكناية إلى الفضّة؛ لأنها الأغلب والأعم، وإلى التجارة؛ لأنها الأفضل والأهم. وقيل: إنّ الصبر لمّا كان داخلا في الصّلاة؛ أعاد عليها الضمير وحدها كما قال تعالى في سورة (التّوبة) رقم [٦٢]: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ فلم يقل: يرضوهما؛ لأنّ رضا الرّسول داخل في رضا الله، . انتهى. ﴿إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ:﴾ جمع خاشع، وهو المتواضع، والخشوع هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون، وتواضع. وقال قتادة رحمه الله تعالى: الخشوع في القلب، وهو الخوف، وغضّ البصر في الصّلاة. وقال الزجّاج: الخاشع الذي يرى أثر الذلّ، والخشوع عليه كخشوع الدّار بعد الإقواء. قال سفيان الثّوري-رحمه الله تعالى-: سألت الأعمش عن الخشوع، فقال: يا ثوري! أنت تريد أن تكون إماما للناس، ولا تعرف الخشوع؟! سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع، فقال:

стр. 137

أعيمش تريد أن تكون إماما للناس، ولا تعرف الخشوع؟! ليس الخشوع بأكل الخشن، ولبس الخشن، وتطأطؤ الرأس، ولكنّ الخشوع أن ترى الشريف، والدنيء في الحقّ سواء، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك. ونظر عمر-﵁-إلى شابّ؛ قد نكّس رأسه، فقال: يا هذا! ارفع رأسك، فإنّ الخشوع لا يزيد على ما في القلب. وقال عليّ كرم الله وجهه: الخشوع في القلب، وأن تلين كفّيك للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك. انتهى قرطبي. وانظر ما ذكرته في مطلع سورة (المؤمنون). الإعراب: ﴿وَاسْتَعِينُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِسْتَعِينُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل. ﴿بِالصَّبْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالصَّلاةِ:﴾ معطوف على ما قبلها. ﴿وَإِنَّها:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّها﴾): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَكَبِيرَةٌ:﴾ اللام هي المزحلقة. (كبيرة): خبر (إنّ) والجملة الاسمية في محل نصب حال من (﴿الصَّلاةِ﴾)، والرابط الواو والضمير، أو هي معترضة في آخر الكلام على رأي من يجوّزه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَلَى الْخاشِعِينَ:﴾ متعلقان ب (كبيرة)، أو بمحذوف صفة لها. ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ:﴾ يوقنون. هذا؛ والظن في الأصل: الاعتقاد الرّاجح مع احتمال النقيض، والظنّ في الشريعة قسمان: محمود، ومذموم، فالمحمود منه: ما سلم معه دين الظانّ، ودين المظنون عند بلوغه، والمذموم ضدّه، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ الآية رقم [١٢] من سورة (الحجرات)، وقوله تعالى في سورة (النّور) رقم [١٢]: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً،﴾ وقوله تعالى في سورة (الفتح) رقم [١٢] أيضا: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً﴾. هذا؛ وينبغي للإنسان أن يحسن ظنّه بالنّاس، ولا يسيء ظنّه بهم، استجابة لأمر الله تعالى في آية (الحجرات): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ إلا إذا ظهر من أحدهم ما يخالف الشّرع الشّريف، ولا يسيء بهم الظنّ إلا الذي أعماله سيئة، قال الشاعر: [الطويل] إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه... وصدّق ما يعتاده من توهّم وكذلك ينبغي للمسلم أن يحسن ظنّه بالله تعالى بأنّ الله يرحمه، ويعفو عنه، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي بي...» إلخ، ولكن ينبغي أن يقرن حسن ظنه بالله بحسن العمل، وإلا؛ فهو ظنّ خاطئ، وزعم فاسد، ففي الحديث الشّريف، يقول الرسول ﷺ : «ليس الإيمان بالتمنّي، ولا بالتحلّي، ولكن ما ورد في القلب، وصدّقه العمل، إن قوما ألهتهم

стр. 138

الأماني حتّى خرجوا من الدّنيا؛ ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظنّ بالله، كذبوا.. لو أحسنوا الظنّ؛ لأحسنوا العمل». وخذ قول الرسول ﷺ : «إيّاكم والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث». وهذا إذا كان ظنّ سوء، وأما الظنّ الحسن؛ فلا بأس به، بل هو ممدوح، كما قرّرته لك، وانظر الآية رقم [٧٨] الآتية. ﴿مُلاقُوا رَبِّهِمْ:﴾ أصله: ملاقيو، استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة الواو. وفسر اللقاء بالرؤية، وملاقو ربهم بما عاينوه بلا كيف. والمانعون للرؤية يفسّرونها بما يناسب المقام، كلقاء ثوابه، أو الجزاء مطلقا، وترد الملاقاة بمعنى الاجتماع، والمصير، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ رقم [٧] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. أي: لا يخافون المصير إلينا. ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ:﴾ لا تكرار بين هذا، وما قبله؛ لأن المراد بالأول: أنهم ملاقو ثواب ربهم على الصبر، والصّلاة، والمراد بالثاني: أنهم يوقنون بالبعث، وبحصول الثّواب على ما ذكر. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بدل من ﴿الْخاشِعِينَ﴾ أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف. التقدير: أعني، وأمدح، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين. ﴿يَظُنُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَنَّهُمْ﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُلاقُوا﴾ خبرها مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة. و ﴿مُلاقُوا﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي: ﴿يَظُنُّونَ﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنَّهُمْ﴾ حرف مشبه بالفعل والهاء اسمها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿راجِعُونَ﴾ خبر (أنّ) مرفوع... إلخ، والمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله. ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٤٠]. ﴿فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ أي عالمي زمانهم، يريد الله به تفضيل آبائهم الذين كانوا في عصر موسى-عليه، وعلى نبينا ألف صلاة، وألف سلام-وبعد موسى قبل أن يغيروا ما منحهم الله تعالى من العلم، والإيمان، والعمل الصالح، وجعلهم أنبياء، وملوكا مقسطين. هذا؛ ولقد كرر هذا الكلام ثانية للتأكيد، وتذكيرا للتفضيل الذي هو من أجلّ النّعم، خصوصا. وقد ربطه بالوعيد الشّديد الآتي تخويفا لمن غفل عنها، وأخلّ بحقوقها. والكلام من تذكير اليهود الموجودين في عهد محمّد ﷺ بما أنعم الله على آبائهم الأولين.

стр. 139

هذا؛ ولقد قال أرباب المعاني: ربط الله بني إسرائيل بذكر النّعمة، وأسقطه على أمّة محمد ﷺ ، ودعاهم إلى ذكره، فقال : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ الآية رقم [١٥٢] الآتية، ليكون نظر الأمم من النّعمة إلى المنعم، ونظر أمة محمد ﷺ من المنعم إلى النّعمة. قرطبي. الإعراب: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ..﴾. إلخ: انظر مثله في الآية رقم [٤٠]. ﴿فَضَّلْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على ﴿نِعْمَتِيَ﴾. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون بدل من التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿وَاتَّقُوا:﴾ أصله: اتقيوا، وانظر إعلال مثله فيما تقدّم، وانظر شرح التقوى أيضا فيما تقدّم، والأمر معناه التهديد، والوعيد. ﴿يَوْماً:﴾ المراد به يوم القيامة، وما فيه من الحساب، والعذاب، والأهوال، وقد ذكر الله تعالى طوله في سورة (الحج) بقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ رقم [٤٧]، هذا واليوم في الدنيا هو الوقت من طلوع الشّمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي فهو من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس، كما يطلق اليوم على اللّيل، والنهار معا، وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول: ذخرتك لهذا اليوم، أي: لهذا الوقت، والجمع: أيام، وأصله: أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع: أياويم. وأيام العرب: وقائعها، وحروبها، وأيّام الله: نعمه، ونقمه، قال تعالى في سورة (يونس) رقم [١٠٢]: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ،﴾ وقال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ ويقال: فلان ابن الأيام، أي: العارف بأحوالها، ويقال: أنا ابن اليوم، أي: أعتبر حالي فيما أنا فيه. وخذ قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٤٠]: ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ وانظر شرح اللّيل والنّهار في الآية رقم [٥١] الآتية. ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ..﴾. إلخ: لا تؤاخذ نفس بذنب أخرى، ولا تدفع عنها شيئا. تقول: جزى عنّي هذا الأمر، يجزي، كما تقول: قضى عنّي. وقرئ بضم التاء. قيل: هما بمعنى واحد، وقد فرق بينهما قوم. فقالوا: «جزى» بمعنى: قضى، وكافأ. و «أجزأ»: بمعنى: أغنى، وكفى. وأجزأني الشيء، يجزئني، أي: كفاني. قال الشاعر: [الطويل] وأجزأت أمر العالمين ولم يكن... ليجزي إلاّ كامل وابن كامل

стр. 140

﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ:﴾ الشّفاعة: التوسل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسّل يسمّى: الشفيع، والشّفاعة في الدّنيا تكون حسنة، وتكون سيّئة، فالأولى هي الّتي روعي فيها حقّ مسلم، ودفع بها عنه شرّ، أو جلب إليه الخير، وابتغي به وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حقّ من حقوق العباد. والسّيئة ما كانت بخلاف ذلك. وقيل: الشفاعة الحسنة: هي الدعوة للمسلم؛ لأنّها بمعنى الشفاعة إلى الله تعالى، فعن النبي ﷺ قال: «من دعا لأخيه بظهر الغيب؛ استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك». فذلك النصيب الذي ذكر بقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ رقم [٨٥] من سورة (النساء). وروى مسلم عن أمّ الدرداء-﵂-قالت: حدّثني سيّدي: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب؛ قالت الملائكة: ولك بمثله». ولا ريب: أنّ المراد بالشّفاعة في هذه الآية: الشفاعة يوم القيامة. والشّفاعة العظمى مختصّة بنبينا ﷺ ، ثمّ يتلوها شفاعات أخرى، كما هو معلوم من الدّين، وأحكامه، وهو مذهب أهل الحقّ، والسّنّة، والجماعة. وأنكر المعتزلة الشّفاعة، وخلّدوا المذنبين من المؤمنين الذين دخلوا النّار في العذاب، والأخبار متظاهرة بأنّ من كان من العصاة المذنبين الموحّدين من أمم النبيّين هم الذين تنالهم شفاعة الشّافعين من الملائكة، والنّبيين، والشّهداء، والصالحين. قال ابن المنير المعلّق على الكشاف: أمّا من جحد الشفاعة؛ فهو جدير بأن لا ينالها، وأما من آمن بها، وصدّقها-وهم أهل السّنّة والجماعة-فأولئك يرجون رحمة الله. ومعتقدهم: أنها تنال العصاة من المؤمنين، وإنّما ادخرت لهم في الآخرة. انتهى. أقول: والأحاديث في الشفاعة كثيرة مشهورة، وفي كتب الأحاديث مسطورة. قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: فإن قالوا: قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب ردّ هذه الأخبار، مثل قوله تعالى في سورة (غافر): ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ قالوا: وأصحاب الكبائر ظالمون. وقال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ وفي هذه الآية: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ﴾. قلنا: ليست هذه الآيات عامّة في كلّ ظالم، والعموم لا صيغة له، فلا تعمّ هذه الآيات كلّ من يعمل سوءا وكلّ نفس، وإنما المراد بها: الكافرون دون المؤمنين بدليل الأخبار الواردة في ذلك. وانظر قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧٩]: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ تجد ما يسرّك، وقد أجمع المفسرون على أنّ المراد ب (﴿نَفْسٌ﴾) في هذه الآية النّفس الكافرة، لا كلّ نفس. انتهى بتصرف. ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ:﴾ العدل هو بفتح العين: هو الفداء، وهو بكسرها: المثل. يقال: عدل وعديل للذي يماثلك في الوزن، والقدر. ويقال: عدل الشيء هو الذي يساويه قيمة وقدرا، وإن لم

стр. 141

يكن من جنسه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٩١]: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾ وقال في سورة (يونس) رقم [٥٤]: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ وقال تعالى في سورة (الرّعد) رقم [١٨]: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ ومثلها في سورة (الزمر) رقم [٤٧] وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٣٦]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ،﴾ وقال تعالى في سورة (الحديد) رقم [١٥]: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ وقال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٧٠]: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾. ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: يعانون، والنّصر: العون، والأنصار: الأعوان، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول عيسى-على نبيّنا وعليه ألف صلاة وألف سلام-: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي: من يعينني، ومن يضمّ نصرته إلى نصرتي؟. وكان سبب نزول هذه الآية فيما ذكروا: أن بني إسرائيل قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وأبناء أنبيائه، وسيشفع لنا آباؤنا، فأعلمهم الله تعالى: أنّ يوم القيامة لا تقبل فيه شفاعات، ولا يؤخذ فيه فديه. وإنّما خص الشفاعة، والفدية، والنصر بالذّكر؛ لأنها هي المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا، فإن الواقع في الشدّة لا يتخلص من شدته إلا بأن يشفع له، أو ينصر، أو يفتدى. انتهى قرطبي. هذا؛ وجمع الضمير في آخر الآية، وهو يعود على النفس؛ لأنّ المراد بها جنس الأنفس، وإنما عاد الضمير مذكرا، وإن كانت النّفس مؤنثة؛ لأن المراد بها العباد، والأناسيّ. انتهى جمل نقلا من السّمين. الإعراب: (﴿اِتَّقُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿يَوْماً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، لا محل لها مثلها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَجْزِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل. ﴿نَفْسٌ:﴾ فاعله. ﴿عَنْ نَفْسٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْئاً﴾ ولا وجه له. ﴿شَيْئاً﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لا تَجْزِي:﴾ في محل نصب صفة ﴿يَوْماً﴾ ورابط الصفة محذوف، التقدير: لا تجزي فيه... إلخ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يُقْبَلُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَفاعَةٌ﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها يعرب حالا». ﴿شَفاعَةٌ:﴾ نائب فاعل ﴿يُقْبَلُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لا تَجْزِي..﴾. إلخ، فهي في محل نصب مثلها، والتي بعدها معطوفة عليها، وهي مثلها إعرابا، ومحلاّ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع،

стр. 142

والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ:﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ:﴾ نجا، ينجو: فعل لازم، وتعديته تكون بتضعيف ثانيه كما هنا، أو بزيادة الهمزة في أوّله، كما ستراه في آيات كثيرة، ومعنى ﴿نَجَّيْناكُمْ:﴾ ألقيناكم على نجوة من الأرض، وهي ما ارتفع منها، هذا هو الأصل، ثمّ سمّي كلّ فائز ناجيا، فالنّاجي من خرج من ضيق إلى سعة، أو من شدّة إلى فرجة. هذا؛ والخطاب به، وبما بعده للموجودين في زمن نبينا ﷺ بما أنعم على آبائهم، فهو تذكير لهم بنعمة الله تعالى؛ ليؤمنوا، وأيضا نجاة آبائهم سبب في وجود الأبناء. ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ:﴾ ﴿آلِ﴾ أصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار: «أأل» ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة، على القاعدة: إذا اجتمع همزتان: الأولى متحركة، والثانية ساكنة قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى، وذلك: مثل آدم، وإيمان، وأومن، وقلب الهاء همزة سائغ مستعمل لغة كما في: أراق، فإن أصله: هراق، وهو كثير مستعمل في الشعر العربيّ، وغيره، وهذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: أصله: «أول» ك «جمل» من: آل، يؤول، تحرّكت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وقد صغروه على أهيل، وهو يشهد للأوّل، وعلى «أويل» وهو يشهد للثاني، ولا يستعمل (آل) إلا فيما له خطر، وشأن بخلاف «أهل» يقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجّام، ولكن: أهله، ولا ينتقض بآل فرعون، فإنّ له شرفا باعتبار الدّنيا. واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنّحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنّه من لحن العوام، والصحيح جوازه، كما في قول عبد المطلب بن هاشم جدّ النبيّ ﷺ : [مجزوء الكامل] لا همّ إن المرء يمن... ع رحله فا منع رحالك وانصر على آل الصّلي... ب وعابديه اليوم آلك وفي الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ : «اللهم صل على محمد وعلى آله». و ﴿آلِ فِرْعَوْنَ:﴾ قومه، وأتباعه، وأهل دينه، وكذلك آل الرسول ﷺ من هم على دينه، وملّته في عصره وسائر الأعصار سواء كان نسيبا له، أو لم يكن، ومن لم يكن على دينه وملّته، فليس من آله، ولا أهله وإن كان نسيبه، وقريبه، خلافا للرّافضة، حيث قالت: إن آل الرسول ﷺ فاطمة،

стр. 143

والحسن، والحسين وذريّتهما فقط، دليلنا الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ الآية التالية، وقوله تعالى في سورة (غافر) رقم [٤٦]: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ أي: آل دينه وملته؛ إذ لم يكن له ذرية، ولا أب، ولا عم، ولا أخ، ولا عصبة، ولأنه لا خلاف: أنّ من ليس بمؤمن ولا موحّد فإنّه ليس من آل محمد، وإن كان قريبا له، ولأجل هذا يقال: إنّ أبا لهب، وأبا جهل ليسا من أهله، ولا من أهل ملّته، وإن كان بينهما، وبين النّبيّ قرابة، ولأجل هذا قال تعالى في ابن نوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ جهارا غير سرّ يقول: «ألا إن آل أبي-يعني: فلانا-ليسوا منّي». هذا و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ قال الجمل: قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربيّة، وظاهر كلام الجوهري: أنه مشتقّ من معنى «العتوّ» فإنه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة؛ أي: دهاء، ومكر. قال الزمخشري في الكشاف: وفرعون علم لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس، ولعتوّ الفراعنة اشتقوا: تفرعن فلان إذا عتا، وتجبّر، وفي ملح بعضهم: [الكامل] قد جاءه الموسى الكلوم فزاد في... أقصى تفرعنه وفرط عرامه هذا، والموسى: ما يحلق به شعر الرأس، والكلوم: فعول من: الكلم، وهو الجرح، والعرام: الشر، والخبث. وضمير (جاءه) راجع إلى ذكر الصّبيّ، وهذا كناية عن الختان، وبه النمو، والفتوة، لا كناية عن حلق العانة، كما قيل. قال المولى سعد الدين: وهذا مع وضوحه، وشهرته فقد خفي؛ حتى قيل: إنّه كناية عن حلق العانة. وكان فرعون موسى مصعب بن الرّيان. وقيل: ابنه الوليد من بقايا قوم عاد، وفرعون يوسف -على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام-ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمائة سنة، وكان فرعون موسى قد عاش ستمائة وعشرين سنة، ولم ير مكروها قط، ولو حصل له في تلك المدّة جوع يوم، أو وجع يوم، أو حمّى يوم؛ لما ادّعى الرّبوبية. وقال الرسول ﷺ : «فرعوني أشدّ من فرعون موسى». يريد: أبا جهل. ﴿يَسُومُونَكُمْ:﴾ يذيقونكم، من: سامه خسفا: إذا أولاه ظلما، أو أذاقه قهرا، قال عمرو بن كلثوم في معلّقته رقم [١٠٨]: [الوافر] إذا ما الملك سام النّاس خسفا... أبينا أن نقرّ الخسف فينا وقيل: معناه: يديمون تعذيبكم. والسّوء: كل ما يغمّ الإنسان من أمر دنيويّ، أو أخرويّ، وهو في الأصل مصدر، ويؤنث بالألف كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ﴾

стр. 144

كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ الآية رقم [١٠] من سورة (الروم). وقيل: إنّ ﴿السُّواى﴾ تأنيث الأسوأ، كما أنّ الحسنى تأنيث الأحسن. ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ:﴾ المراد به: الصّبيان. (﴿يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾): يتركون بناتكم أحياء. وسبب ذلك: أن فرعون-لعنه الله تعالى-رأى في نومه: أنّ نارا أقبلت من بيت المقدس، فأحاطت بمصر، وأحرقت كلّ قبطيّ بها، ولم تتعرّض لبني إسرائيل، فشقّ ذلك عليه، وسأل الكهنة عن هذه الرؤيا، فقالوا له: إنّ مولودا يولد في بني إسرائيل، يكون سببا لذهاب ملكك، فأمر فرعون بقتل كلّ غلام يولد في بني إسرائيل، حتّى قتل من أولادهم اثني عشر ألفا، وأسرع الموت في شيوخهم، فجاء رؤساء القبط إلى فرعون، وقالوا له: إن الموت قد وقع في بني إسرائيل، فتذبح صغارهم، ويموت كبارهم، فيوشك أن يقع العمل علينا، فأمر فرعون أن يذبحوا سنة، ويتركوا سنة، فولد هارون في السّنة التي لا يذبح فيها، وولد موسى في السنة التي يذبح فيها، انظر تفصيل ذلك في أول سورة (القصص). والله وليّ التوفيق. هذا؛ ويقرأ: «يذبحون» بتخفيف الباء، وتشديدها. هذا وقال وهب بن منبه: كان بنو إسرائيل أصنافا في أعمال فرعون: فالقوي يقطع الحجر من الجبال، (هذا صنف) وصنف ينقل الحجارة، والطّين لبناء قصوره، وصنف يضرب اللّبن، ويطبخ الآجرّ، وصنف نجّار، وآخر حداد، والضعفاء منهم يضرب عليهم الجزية، والنّساء يغزلن الكتان، وينسجنه. هذا؛ وأصل (﴿يَسْتَحْيُونَ﴾): «يستحييون» بياءين: الأولى عين الكلمة مكسورة، والثانية لامها مضمومة. فقيل: حذفت الأولى، فصار وزنه: يستفاون. وقيل: حذفت الثانية، فصار وزنه: يستفعون، وطريق الحذف على الأول أن يقال: استثقلت الكسرة على الياء الأولى، فحذفت فالتقى ساكنان: (الياء الأولى مع الحاء) فحذفت الياء لعلّة الالتقاء، فصار: (﴿يَسْتَحْيُونَ﴾) وطريق الحذف على الثاني أن يقال: حذفت الثانية اعتباطا، وتخفيفا، فصار: «يَسْتَحْيُونَ» ثمّ ضمّت الأولى لمناسبة الواو. والمراد بالنساء: الأطفال، وإنّما عبر عنهنّ بالنّساء؛ لمآلهن إلى ذلك، وعكسه قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٢]: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ﴾ فهو باعتبار ما كان؛ لأنّهم بلغوا الرّشد، ولم يبقوا يتامى. هذا؛ و (نساء): اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ لأن مفرده: امرأة، وجمعها في القلّة: نسوة. وفي الكثرة: نساء، وتجمع أيضا على: نسوان، ونسون، ونسنين، وهذه الجموع كلّها مأخوذة من النّسيان؛ الذي رأيت شرحه في الآية رقم [٤٤] فهي مطبوعة عليه، إما إهمالا، وإما كذبا. ويقال لكلّ واحد من هذه الجموع: اسم جمع لا واحد له من لفظه. أما المرأة: فهي مأخوذة من المرء. وهو الرّجل، فلذا سمّيت بذلك، والأمّ الأولى: حواء-عليها ألف سلام- سميت بذلك، لأنها مأخوذة من حي، وهو آدم، على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.

стр. 145

انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٥]. هذا؛ و (﴿أَبْناءَكُمْ﴾): جمع: ابن، وأصله: أبناوكم، وأصل ابن: بنو، ونساء أصله: نساو، وأيضا: آباء أصله أباو؛ لأنه جمع أب، وأصله أبو، فقل في الثلاثة: تحركت الواو وانفتح ما قبلهما، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين. فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، ولقد سئلت عمّا يلي: همزة المصدر «استغفار» ونحوه همزة وصل، فإذا جمع: استغفارات، ونحوه؛ تبقى الهمزة همزة وصل، وهمزة «ابن» همزة وصل، فلمّا جمع: أبناء، صارت الهمزة همزة قطع، فما الفرق بينهما؟ فالجواب: إنّ همزة المصدر أصليّة، وأما همزة (ابن) فليست أصلية؛ إذ أصله: (بنو) كما رأيت، فالهمزة فيه بدل من حرف علّة أصلي. فلما جمع على (أبناء) فهذه الهمزة همزة أفعال، وليست همزة ابن، كما قد يتوهم. ﴿وَفِي ذلِكُمْ:﴾ الإشارة إلى جملة الأمر؛ إذ هو خبر، فهو كمفرد حاضر؛ أي: وفي فعل الفراعنة بكم ذلك ﴿بَلاءٌ﴾ أي: امتحان، واختبار، و ﴿بَلاءٌ﴾ أيضا: نعمة، ومنه قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [١٧]: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً﴾. قال أبو الهيثم: البلاء يكون حسنا، ويكون سيئا، وأصله: المحنة، والله يبلو عبده بالصنع الجميل؛ ليمتحن شكره، ويبلوه بالبلوى التي يكرهها؛ ليمتحن صبره، فقيل للحسن: بلاء. وللسيّئ: بلاء. حكاه الهروي، والقرطبي. وخذ قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٨]: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٥]: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقال ابن كيسان: ويقال: أبلاه، وبلاه في الخير، والشرّ. وأنشد قول زهير في ممدوحيه: هرم بن سنان والحارث بن عوف المرّيين: [الطويل] جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم... وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو فجمع بين اللغتين. وقيل: الأكثر في الخير: أبليته، وفي الشر: بلوته، وفي الاختبار: ابتليته، وبلوته. قاله النحاس. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الفجر) في الخير، وفي الشرّ: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ..﴾. إلخ، وقال تعالى في الاختبار، والامتحان: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ..﴾. إلخ رقم [١٢٤] الآتية، وبلاء أصله: بلاو، فإعلاله مثل إعلال أبناء... إلخ. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بمحذوف معطوف على اذكر في الآية رقم [٤٧] وقال مكيّ، والقرطبيّ، وغيرهما: معطوف على نعمتي، وهو يفيد: أنه مفعول به للفعل المقدّر، والمعنى واحد، والنّتيجة واحدة. ﴿نَجَّيْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها، و ﴿مِنْ آلِ﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿آلِ﴾ مضاف و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلميّة، والعجمة. ﴿يَسُومُونَكُمْ:﴾
следующие страницы →