يكن من جنسه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٩١]: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾ وقال في سورة (يونس) رقم [٥٤]: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ وقال تعالى في سورة (الرّعد) رقم [١٨]: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ ومثلها في سورة (الزمر) رقم [٤٧] وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٣٦]:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ،﴾ وقال تعالى في سورة (الحديد) رقم [١٥]: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ وقال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٧٠]: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾.
﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: يعانون، والنّصر: العون، والأنصار: الأعوان، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول عيسى-على نبيّنا وعليه ألف صلاة وألف سلام-: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي:
من يعينني، ومن يضمّ نصرته إلى نصرتي؟.
وكان سبب نزول هذه الآية فيما ذكروا: أن بني إسرائيل قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وأبناء أنبيائه، وسيشفع لنا آباؤنا، فأعلمهم الله تعالى: أنّ يوم القيامة لا تقبل فيه شفاعات، ولا يؤخذ فيه فديه. وإنّما خص الشفاعة، والفدية، والنصر بالذّكر؛ لأنها هي المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا، فإن الواقع في الشدّة لا يتخلص من شدته إلا بأن يشفع له، أو ينصر، أو يفتدى. انتهى قرطبي. هذا؛ وجمع الضمير في آخر الآية، وهو يعود على النفس؛ لأنّ المراد بها جنس الأنفس، وإنما عاد الضمير مذكرا، وإن كانت النّفس مؤنثة؛ لأن المراد بها العباد، والأناسيّ. انتهى جمل نقلا من السّمين.
الإعراب: (﴿اِتَّقُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿يَوْماً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، لا محل لها مثلها.
﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَجْزِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل.
﴿نَفْسٌ:﴾ فاعله. ﴿عَنْ نَفْسٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْئاً﴾ ولا وجه له. ﴿شَيْئاً﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لا تَجْزِي:﴾ في محل نصب صفة ﴿يَوْماً﴾ ورابط الصفة محذوف، التقدير: لا تجزي فيه... إلخ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾):
نافية. ﴿يُقْبَلُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَفاعَةٌ﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها يعرب حالا». ﴿شَفاعَةٌ:﴾ نائب فاعل ﴿يُقْبَلُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لا تَجْزِي..﴾. إلخ، فهي في محل نصب مثلها، والتي بعدها معطوفة عليها، وهي مثلها إعرابا، ومحلاّ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع،
стр. 142
والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ:﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال مثلها.
﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ:﴾ نجا، ينجو: فعل لازم، وتعديته تكون بتضعيف ثانيه كما هنا، أو بزيادة الهمزة في أوّله، كما ستراه في آيات كثيرة، ومعنى ﴿نَجَّيْناكُمْ:﴾ ألقيناكم على نجوة من الأرض، وهي ما ارتفع منها، هذا هو الأصل، ثمّ سمّي كلّ فائز ناجيا، فالنّاجي من خرج من ضيق إلى سعة، أو من شدّة إلى فرجة. هذا؛ والخطاب به، وبما بعده للموجودين في زمن نبينا ﷺ بما أنعم على آبائهم، فهو تذكير لهم بنعمة الله تعالى؛ ليؤمنوا، وأيضا نجاة آبائهم سبب في وجود الأبناء.
﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ:﴾ ﴿آلِ﴾ أصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار: «أأل» ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة، على القاعدة: إذا اجتمع همزتان: الأولى متحركة، والثانية ساكنة قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى، وذلك: مثل آدم، وإيمان، وأومن، وقلب الهاء همزة سائغ مستعمل لغة كما في: أراق، فإن أصله: هراق، وهو كثير مستعمل في الشعر العربيّ، وغيره، وهذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: أصله: «أول» ك «جمل» من: آل، يؤول، تحرّكت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وقد صغروه على أهيل، وهو يشهد للأوّل، وعلى «أويل» وهو يشهد للثاني، ولا يستعمل (آل) إلا فيما له خطر، وشأن بخلاف «أهل» يقال:
آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجّام، ولكن: أهله، ولا ينتقض بآل فرعون، فإنّ له شرفا باعتبار الدّنيا. واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنّحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنّه من لحن العوام، والصحيح جوازه، كما في قول عبد المطلب بن هاشم جدّ النبيّ ﷺ : [مجزوء الكامل]
لا همّ إن المرء يمن... ع رحله فا منع رحالك
وانصر على آل الصّلي... ب وعابديه اليوم آلك
وفي الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ : «اللهم صل على محمد وعلى آله». و ﴿آلِ فِرْعَوْنَ:﴾ قومه، وأتباعه، وأهل دينه، وكذلك آل الرسول ﷺ من هم على دينه، وملّته في عصره وسائر الأعصار سواء كان نسيبا له، أو لم يكن، ومن لم يكن على دينه وملّته، فليس من آله، ولا أهله وإن كان نسيبه، وقريبه، خلافا للرّافضة، حيث قالت: إن آل الرسول ﷺ فاطمة،
стр. 143
والحسن، والحسين وذريّتهما فقط، دليلنا الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ الآية التالية، وقوله تعالى في سورة (غافر) رقم [٤٦]: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ أي: آل دينه وملته؛ إذ لم يكن له ذرية، ولا أب، ولا عم، ولا أخ، ولا عصبة، ولأنه لا خلاف: أنّ من ليس بمؤمن ولا موحّد فإنّه ليس من آل محمد، وإن كان قريبا له، ولأجل هذا يقال: إنّ أبا لهب، وأبا جهل ليسا من أهله، ولا من أهل ملّته، وإن كان بينهما، وبين النّبيّ قرابة، ولأجل هذا قال تعالى في ابن نوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ جهارا غير سرّ يقول: «ألا إن آل أبي-يعني: فلانا-ليسوا منّي».
هذا و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ قال الجمل: قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربيّة، وظاهر كلام الجوهري: أنه مشتقّ من معنى «العتوّ» فإنه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة؛ أي: دهاء، ومكر.
قال الزمخشري في الكشاف: وفرعون علم لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس، ولعتوّ الفراعنة اشتقوا: تفرعن فلان إذا عتا، وتجبّر، وفي ملح بعضهم: [الكامل]
قد جاءه الموسى الكلوم فزاد في... أقصى تفرعنه وفرط عرامه
هذا، والموسى: ما يحلق به شعر الرأس، والكلوم: فعول من: الكلم، وهو الجرح، والعرام: الشر، والخبث. وضمير (جاءه) راجع إلى ذكر الصّبيّ، وهذا كناية عن الختان، وبه النمو، والفتوة، لا كناية عن حلق العانة، كما قيل. قال المولى سعد الدين: وهذا مع وضوحه، وشهرته فقد خفي؛ حتى قيل: إنّه كناية عن حلق العانة.
وكان فرعون موسى مصعب بن الرّيان. وقيل: ابنه الوليد من بقايا قوم عاد، وفرعون يوسف -على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام-ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمائة سنة، وكان فرعون موسى قد عاش ستمائة وعشرين سنة، ولم ير مكروها قط، ولو حصل له في تلك المدّة جوع يوم، أو وجع يوم، أو حمّى يوم؛ لما ادّعى الرّبوبية. وقال الرسول ﷺ :
«فرعوني أشدّ من فرعون موسى». يريد: أبا جهل. ﴿يَسُومُونَكُمْ:﴾ يذيقونكم، من: سامه خسفا:
إذا أولاه ظلما، أو أذاقه قهرا، قال عمرو بن كلثوم في معلّقته رقم [١٠٨]: [الوافر]
إذا ما الملك سام النّاس خسفا... أبينا أن نقرّ الخسف فينا
وقيل: معناه: يديمون تعذيبكم. والسّوء: كل ما يغمّ الإنسان من أمر دنيويّ، أو أخرويّ، وهو في الأصل مصدر، ويؤنث بالألف كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ﴾
стр. 144
كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ الآية رقم [١٠] من سورة (الروم). وقيل: إنّ ﴿السُّواى﴾ تأنيث الأسوأ، كما أنّ الحسنى تأنيث الأحسن.
﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ:﴾ المراد به: الصّبيان. (﴿يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾): يتركون بناتكم أحياء.
وسبب ذلك: أن فرعون-لعنه الله تعالى-رأى في نومه: أنّ نارا أقبلت من بيت المقدس، فأحاطت بمصر، وأحرقت كلّ قبطيّ بها، ولم تتعرّض لبني إسرائيل، فشقّ ذلك عليه، وسأل الكهنة عن هذه الرؤيا، فقالوا له: إنّ مولودا يولد في بني إسرائيل، يكون سببا لذهاب ملكك، فأمر فرعون بقتل كلّ غلام يولد في بني إسرائيل، حتّى قتل من أولادهم اثني عشر ألفا، وأسرع الموت في شيوخهم، فجاء رؤساء القبط إلى فرعون، وقالوا له: إن الموت قد وقع في بني إسرائيل، فتذبح صغارهم، ويموت كبارهم، فيوشك أن يقع العمل علينا، فأمر فرعون أن يذبحوا سنة، ويتركوا سنة، فولد هارون في السّنة التي لا يذبح فيها، وولد موسى في السنة التي يذبح فيها، انظر تفصيل ذلك في أول سورة (القصص). والله وليّ التوفيق. هذا؛ ويقرأ: «يذبحون» بتخفيف الباء، وتشديدها.
هذا وقال وهب بن منبه: كان بنو إسرائيل أصنافا في أعمال فرعون: فالقوي يقطع الحجر من الجبال، (هذا صنف) وصنف ينقل الحجارة، والطّين لبناء قصوره، وصنف يضرب اللّبن، ويطبخ الآجرّ، وصنف نجّار، وآخر حداد، والضعفاء منهم يضرب عليهم الجزية، والنّساء يغزلن الكتان، وينسجنه. هذا؛ وأصل (﴿يَسْتَحْيُونَ﴾): «يستحييون» بياءين: الأولى عين الكلمة مكسورة، والثانية لامها مضمومة. فقيل: حذفت الأولى، فصار وزنه: يستفاون. وقيل: حذفت الثانية، فصار وزنه: يستفعون، وطريق الحذف على الأول أن يقال: استثقلت الكسرة على الياء الأولى، فحذفت فالتقى ساكنان: (الياء الأولى مع الحاء) فحذفت الياء لعلّة الالتقاء، فصار: (﴿يَسْتَحْيُونَ﴾) وطريق الحذف على الثاني أن يقال: حذفت الثانية اعتباطا، وتخفيفا، فصار: «يَسْتَحْيُونَ» ثمّ ضمّت الأولى لمناسبة الواو. والمراد بالنساء: الأطفال، وإنّما عبر عنهنّ بالنّساء؛ لمآلهن إلى ذلك، وعكسه قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٢]: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ﴾ فهو باعتبار ما كان؛ لأنّهم بلغوا الرّشد، ولم يبقوا يتامى.
هذا؛ و (نساء): اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ لأن مفرده: امرأة، وجمعها في القلّة:
نسوة. وفي الكثرة: نساء، وتجمع أيضا على: نسوان، ونسون، ونسنين، وهذه الجموع كلّها مأخوذة من النّسيان؛ الذي رأيت شرحه في الآية رقم [٤٤] فهي مطبوعة عليه، إما إهمالا، وإما كذبا. ويقال لكلّ واحد من هذه الجموع: اسم جمع لا واحد له من لفظه. أما المرأة: فهي مأخوذة من المرء. وهو الرّجل، فلذا سمّيت بذلك، والأمّ الأولى: حواء-عليها ألف سلام- سميت بذلك، لأنها مأخوذة من حي، وهو آدم، على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
стр. 145
انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٥]. هذا؛ و (﴿أَبْناءَكُمْ﴾): جمع: ابن، وأصله: أبناوكم، وأصل ابن:
بنو، ونساء أصله: نساو، وأيضا: آباء أصله أباو؛ لأنه جمع أب، وأصله أبو، فقل في الثلاثة:
تحركت الواو وانفتح ما قبلهما، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين.
فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، ولقد سئلت عمّا يلي:
همزة المصدر «استغفار» ونحوه همزة وصل، فإذا جمع: استغفارات، ونحوه؛ تبقى الهمزة همزة وصل، وهمزة «ابن» همزة وصل، فلمّا جمع: أبناء، صارت الهمزة همزة قطع، فما الفرق بينهما؟ فالجواب: إنّ همزة المصدر أصليّة، وأما همزة (ابن) فليست أصلية؛ إذ أصله: (بنو) كما رأيت، فالهمزة فيه بدل من حرف علّة أصلي. فلما جمع على (أبناء) فهذه الهمزة همزة أفعال، وليست همزة ابن، كما قد يتوهم.
﴿وَفِي ذلِكُمْ:﴾ الإشارة إلى جملة الأمر؛ إذ هو خبر، فهو كمفرد حاضر؛ أي: وفي فعل الفراعنة بكم ذلك ﴿بَلاءٌ﴾ أي: امتحان، واختبار، و ﴿بَلاءٌ﴾ أيضا: نعمة، ومنه قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [١٧]: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً﴾. قال أبو الهيثم: البلاء يكون حسنا، ويكون سيئا، وأصله: المحنة، والله يبلو عبده بالصنع الجميل؛ ليمتحن شكره، ويبلوه بالبلوى التي يكرهها؛ ليمتحن صبره، فقيل للحسن: بلاء. وللسيّئ: بلاء. حكاه الهروي، والقرطبي. وخذ قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٨]: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٥]: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقال ابن كيسان: ويقال: أبلاه، وبلاه في الخير، والشرّ. وأنشد قول زهير في ممدوحيه: هرم بن سنان والحارث بن عوف المرّيين: [الطويل]
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم... وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو
فجمع بين اللغتين. وقيل: الأكثر في الخير: أبليته، وفي الشر: بلوته، وفي الاختبار:
ابتليته، وبلوته. قاله النحاس. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الفجر) في الخير، وفي الشرّ:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ..﴾. إلخ، وقال تعالى في الاختبار، والامتحان: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ..﴾.
إلخ رقم [١٢٤] الآتية، وبلاء أصله: بلاو، فإعلاله مثل إعلال أبناء... إلخ.
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بمحذوف معطوف على اذكر في الآية رقم [٤٧] وقال مكيّ، والقرطبيّ، وغيرهما: معطوف على نعمتي، وهو يفيد: أنه مفعول به للفعل المقدّر، والمعنى واحد، والنّتيجة واحدة. ﴿نَجَّيْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها، و ﴿مِنْ آلِ﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿آلِ﴾ مضاف و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلميّة، والعجمة. ﴿يَسُومُونَكُمْ:﴾
стр. 146
فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والكاف مفعول به أول. ﴿سُوءَ﴾ مفعول به ثان، و ﴿سُوءَ﴾ مضاف، و ﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ مفسرة لمضمون الجملة قبلها، فهي في محل نصب مثلها، وهو المعتمد؛ وإن قال الكثيرون: لا محل لها، وجوز أن تكون حالا من واو الجماعة والمعنى يؤيده، فتكون حالا متداخلة، كما جوز أن تكون بدلا مما قبلها، وجوز فيها الاستئناف، وهذا وجه ضعيف. هذا؛ والبدلية واضحة في قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٦٨ و ٦٩]: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ انظرها هناك، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وفي سورة (إبراهيم) على نبيّنا وعليه ألف صلاة، وألف سلام، رقم [٦]: ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ بالواو؛ لأن المعنى يعذبونكم بالذّبح، وبغيره، فالذبح جنس آخر من العذاب، لا تفسير لما قبله. ويحتمل أن تكون الواو زائدة، انظر ما ذكرته هناك، وفي سورة (الأعراف) رقم [١٤١] بدون واو كما هنا، وذلك قوله تعالى: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ وجملة:
﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ:﴾ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها.
﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿فِي﴾): حرف جرّ. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب (﴿فِي﴾) والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بَلاءٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وإن اعتبرتها حالا؛ فلست مفنّدا، والاستئناف ممكن بلا ضعف. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾
متعلقان ببلاء، لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة ﴿بَلاءٌ﴾.
﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ:﴾ فصلنا بين أجزائه، وأصل الفرق: الفصل، ومنه: فرق الشعر، ومنه: الفرقان؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل؛ أي: يفصل، ومنه قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٤١]: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ يعني: يوم بدر، كان فيه فرق بين الحق والباطل. هذا؛ ويقرأ بتشديد الرّاء. هذا؛ و ﴿الْبَحْرَ﴾ معروف، سمي بذلك لاتساعه. ويقال: فرس بحر: إذا كان كثير الجري، ومن ذلك قول رسول الله ﷺ في «مندوب» فرس أبي طلحة: «وإن وجدناه لبحرا». والبحر: الملح، والماء الكثير، والجمع: بحور، وبحار، وأبحر. انتهى قاموس. ﴿فَأَنْجَيْناكُمْ﴾ أي: أخرجناكم من البحر سالمين.
﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ:﴾ أي في البحر. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى ما حلّ بهم من الغرق. وهذا من تذكير الله لليهود الموجودين في عهد رسول الله ﷺ بما أنعم على آبائهم الأولين، وكذلك
стр. 147
التوبيخ، والتقريع الموجّه إليهم بما فعل آباؤهم من عبادة العجل، ونقض العهود، وخلف الوعود، وغير ذلك من سيّئ الأعمال، وفاحش الفعال، والأقوال.
هذا وذكر الطّبريّ: أنّ موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أوحي إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل، كما قال تعالى في سورة طه: ﴿أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي﴾ فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي، والمتاع من نساء القبط، -وأحل الله لهم ذلك؛ لأنهم حربيّون، ويجوز أخذ مال الحربي بأية طريقة كانت-فسرى بهم موسى من أول الليل، فأعلم فرعون بذلك. فقال: لا يتبعهم أحد حتى تصيح الدّيكة، فلم يصح تلك الليلة ديك، وأمات الله تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط، فاشتغلوا في الدّفن، وخرجوا في صباح تلك الليلة مشرقين، كما قال تعالى في سورة الشعراء: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه، وكانت عدّة بني إسرائيل نيفا على ستمائة ألف، وكانت عدّة قوم فرعون ألف ألف ومائتي ألف.
هذا وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فلمّا أرادوا السير؛ ضرب عليهم التيه، فلم يدروا أين يذهبون، فدعا موسى مشيخة بني إسرائيل، وسألهم عن ذلك، فقالوا: إن يوسف ﵇ لمّا حضره الموت أخذ عهدا على إخوته، وعلى بنيهم أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم، فلذلك انسدّ عليهم الطريق، فسألهم عن موضع قبره، فلم يعلموه، فجعل ينادي: أنشد الله كلّ من يعلم أين قبر يوسف إلا أخبرني، فسمعته عجوز منهم. فقالت له: أرأيتك إن دللتك على قبره، أتعطيني كل ما أسألك؟ فأبى عليها. وقال: حتى أسأل ربي، فأمره الله أن يعطيها سؤالها. فقالت: إني عجوز لا أستطيع المشي، فاحملني معك، وأخرجني من مصر في هذه الدنيا، وأما في الآخرة، فأسألك أن لا تنزل غرفة من غرف الجنة إلا أنزلتني معك! قال: نعم.
قالت: إنّه في النيل في جوف الماء، فادع الله أن يحسر عنه الماء، فدعا الله، فحسر عنه الماء، ودعا الله أن يؤخّر عنه طلوع الفجر؛ حتى يفرغ من أمر يوسف، ثم حفر موسى ذلك الموقع، فاستخرجه وهو في صندوق من مرمر، وحمله حتى دفنه بفلسطين، بجوار أبيه يعقوب، وجدّه إسحاق، وإبراهيم، على نبينا، وعليهم ألف صلاة وألف سلام. انتهى خازن بتصرف.
والمحفوظ: أنّ النبيّ ﷺ كان جالسا يقسّم غنائم هوازن في وادي حنين، فوقف عليه رجل من الناس، فقال: إنّ لي عندك موعدا يا رسول الله! قال: «صدقت، فاحتكم ما شئت». فقال:
أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها. قال: «هي لك، وقد احتكمت يسيرا، ولصاحبة موسى الّتي دلّته على عظام يوسف؛ كانت أحزم منك، وأجزل حكما منك حين حكمها موسى. فقالت: حكمي أن تردني شابة، وأن أدخل معك الجنّة، فقال لها: لك ذلك». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠١] من سورة (يوسف) ﵇.
стр. 148
والمعروف: أنّ يعقوب دخل مصر في ستّة وسبعين نفسا من ولده، وولد ولده، فأنمى عددهم وبارك في ذرّيته؛ حتى خرجوا إلى البحر هربا من فرعون، وهم ستمائة ألف. فانطلق موسى بقومه؛ حتى انتهى إلى البحر فقال له: افرق، فقال له البحر: لقد استكبرت يا موسى! وهل فرقت لأحد من ولد آدم فأفرق لك؟! وقال بنو إسرائيل لموسى لمّا أدركهم فرعون بجنوده: أين المخرج، والمخلص، والبحر أمامنا، وفرعون وراءنا، وقد كنا نلقى من فرعون البلاء العظيم. فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، وكشف الله عن وجه الأرض، وأيبس لهم البحر، فلحق فرعون وكان على حصان أدهم، وخلفه عسكره، وصار في البحر اثنا عشر طريقا، لكل سبط طريق يتراءون وذلك أن أطواد الماء صار فيها طيقان وشبابيك، يرى منها بعضهم بعضا، فلمّا خرج قوم موسى من البحر، وصار قوم فرعون كلّهم داخل البحر؛ التطم عليهم البحر، فأغرقهم، وألجم فرعون الغرق، فقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ﴾ فدسّ جبريل ﵇ في فمه طين البحر. فقد روى الترمذيّ عن ابن عباس-﵄: أنّ النبي ﷺ قال: «لمّا أغرق الله فرعون، قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فقال جبريل ﵇: يا محمد! لو رأيتني، وأنا آخذ من أوحال البحر، وأدسّه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وانظر ما ذكرته في سورة (طه) و (الشعراء) وغيرهما.
قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: ذكر الله الإنجاء، والإغراق، ولم يذكر اليوم الذي كان ذلك فيه، فقد روى مسلم-رحمه الله تعالى-عن ابن عباس-﵄: أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم الرسول ﷺ : «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى، وقومه، وأغرق فرعون، وقومه، فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﷺ : «نحن أحقّ، وأولى بموسى منكم» فصامه، وأمر بصيامه. وصيامه ﷺ ليوم عاشوراء ليس اقتداء بموسى ﵇، لما روته السيدة عائشة ﵂-قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم إلى المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان؛ ترك صيام يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. أخرجه البخاريّ، ومسلم.
ولا يقال: إنّ قريشا صامته بإخبار اليهود لها؛ لأنّ اليهود كانوا أهل علم. وصامه رسول الله ﷺ بمكّة قبل النبوة، وبعدها، ولمّا هاجر إلى المدينة، ووجد اليهود يصومونه، قال: «نحن أحقّ، وأولى بموسى منكم». فصامه اتباعا لموسى ﵊، لأن النبيّ ﷺ أمر بالاقتداء بمن قبله من الرّسل بالتّوحيد، وبأصول الدّين، التي لا تختلف من شريعة إلى شريعة، وأما فروع الشرائع فالاختلاف واقع فيها، باختلاف الأزمنة.
وهذا واضح لا خفاء فيه، انظر ما ذكرته في سورة (الأنعام) رقم [٩٠] تجد ما يسرك.
стр. 149
ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر المحرم، وندب رسول الله ﷺ إلى صوم اليوم التاسع، ولكنّه لم يصمه، فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس-﵄، قال:
قال رسول الله ﷺ : «لئن بقيت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع»، ولكنّه ﷺ توفي، وانتقل إلى الله قبل مجيء العام القابل، والغرض من صوم التاسع مخالفة اليهود في صومهم، فقد روي عن ابن عباس-﵄-قال: «صوموا التاسع مع العاشر، وخالفوا اليهود». وخذ ما يلي:
عن أبي قتادة-﵁: أنّ النبيّ ﷺ قال: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السّنة التي قبله». أخرجه مسلم، والترمذيّ. ولكن أيّ ذنوب يكفرها صوم يوم عاشوراء وغيره من المعاصي؟ إنّما يكفر الصّغائر فقط، أما الكبائر؛ فلا يكفرها صوم، ولا صلاة، ولا حجّ، ولا زكاة، وأكبر الكبائر، وأعظم الجرائم أكل حقوق العباد، والاعتداء على حرمات الناس. هذا؛ وانظر شرح قوله تعالى في سورة (يونس) رقم [٩٢]: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ فإنه جيّد. والحمد لله!.
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): معطوفة على ما قبلها. ﴿فَرَقْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿بِكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، أي: ملتبسا بكم، والأول أقوى. ﴿الْبَحْرَ:﴾ مفعول به، وجملتا: (أنجيناكم، ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾) معطوفتان على ما قبلهما فهما في محل جر مثلهما.
﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿تَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع مبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ والرابط: الواو فقط، وإن قدّرت مفعولا محذوفا وأنتم تنظرون أغرقهم، أو إغراقهم، فالرابط يكون الواو، والضمير، وهو كلام جيد لا غبار عليه.
﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ واعَدْنا:﴾ ويقرأ: («وعدنا») بدون ألف. هذا والوعد يستعمل في الخير، وفي الشرّ. فإذا قلت: وعدت فلانا من غير أن تتعرض لذكر الموعود به؛ كان ذلك خيرا. وإذا قلت:
أوعدت فلانا من غير ذكر الموعود به؛ كان شرّا، وهو ما في بيت طرفة بن العبد من معلقته رقم [١٢٠]: [الطويل]
وإني وإن أوعدته أو وعدته... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وهذا هو قول الجوهري، وقول كثير من أئمة اللغة، وأما عند ذكر الموعود به، أو الموعد به؛ فيجوز أن يستعمل (وعد) في الخير وفي الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾
стр. 150
﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ الآية رقم [٢٩] من سورة (الفتح)، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الآية رقم [٧٢] من سورة (الحج) وأنشدوا قول الشاعر: [الطويل]
إذا وعدت شرّا أتى قبل وقته... وإن وعدت خيرا أراث وعتّما
كما يستعمل أوعد فيهما أيضا. كقولك: أوعدت الرجل خيرا، وأوعدته شرّا. هذا والمركز في الطبائع: أن من مكارم الأخلاق، وجميل العادات: أنك إذا وعدت غيرك أن تنزل به شرّا؛ كان الخلف محمدة، وإذا وعدته خيرا كان الخلف منقصة، وهذا ما أراده طرفة بن العبد في بيته المتقدّم.
هذا؛ والثابت عند الأشاعرة: أنه يجوز إخلاف الوعيد في حقّه تعالى كرما، وعند الماتريدية لا يجوز، وأما الوعد فلا يجوز الخلف في حقّه تعالى اتفاقا، ودليل الأشاعرة قول النّبيّ ﷺ : «من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجز له، ومن أوعده على عمل عقابا، فهو بالخيار، إن شاء عذّبه، وإن شاء عفا عنه». هذا والوفاء بالوعد حلية الأنبياء، وشعار ذوي التقى، والفضل من الأصفياء، ورمز الثقة، والاحترام من ذوي الرأي، والحكمة من العقلاء، وقد أكّد رسول الله ﷺ أمر العهد، وشدّد في طلب الوفاء بالوعد، وبيّن: أنّ من أخلف الوعد، ونكث العهد؛ فقد خان الله ورسوله، وباع آخرته بدنياه، وخرج من دينه، ودخل في النّفاق، فعن أنس بن مالك-﵁-قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له». رواه الإمام أحمد، والطّبراني. وعن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». رواه البخاريّ، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له: «وإن صلّى، وصام، وزعم أنه مسلم». وزاد أبو يعلى من رواية أنس بن مالك: «وإن صام، وصلّى، وحجّ، واعتمر، وقال: إنّي مسلم». وقال الشاعر: [الطويل]
فإن تجمع الآفات فالبخل شرّها... وشرّ من البخل المواعيد والمطل
ولا خير في وعد إذا كان كاذبا... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل
ومن أحسن ما قيل في تشبيه من يخلف الوعيد بمسيلمة الكذاب قول بعضهم: [الكامل]
ووعدتني وعدا حسبتك صادقا... فبقيت من طمعي أجيء وأذهب
فإذا جلست أنا وأنت بمجلس... قالوا مسيلمة وهذا أشعب
﴿مُوسى:﴾ هو ابن عمران، بن يصهر، بن قاهث، بن لاوي، بن يعقوب، إسرائيل الله، ابن إسحاق، بن إبراهيم، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.
стр. 151
و «مُوسى»: هو في الأصل: «موشى» بالشين، وهو اسم أعجمي، لا ينصرف للعلمية، والعجمة: مركب من اسمين: الماء، والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: «مو» والشجر يقال له: «شا» فعرّبته العرب، وقالوا: «مُوسى» بالسين، وسبب تسميته بذلك: أنّ امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء، والشجر لما ألقته أمّه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) و (القصص).
وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٠].
﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً:﴾ خص الليالي بالذكر دون الأيام؛ لأن الليل أسبق من النّهار، فهي قبله في المرتبة، ولذلك وقع بها التاريخ، فالليالي أول الشهور، والأيام تبع لها. وقال النقاش: في هذه الآية إشارة إلى صلة الصّوم؛ لأنه لو ذكر الأيام؛ لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر باللّيل، فلما نصّ على الليالي اقتضت قوة الكلام: أنه ﵇ واصل أربعين يوما بلياليها، قال ابن عطية:
سمعت أبي يقول: سمعت الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل الجوهري-﵀-يعظ الناس في الخلوة بالله، والدنوّ منه في الصّلاة ونحوها، وأنّ ذلك يشغل عن كلّ طعام، وشراب، ويقول: أين حال موسى في القرب منه، ووصل ثمانين من الدّهر من قوله حين سار للخضر لفتاه في بعض يوم: ﴿آتِنا غَداءَنا﴾ رقم [٦٢] من سورة (الكهف).
﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: اتخذتموه من بعد ذهابه إلى جبل الطور إلها من بعد موسى، وأصل الفعل: «ائتخذتم» من: الأخذ، ووزنه افتعلتم، سهّلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين، فصار (ايتخذتم) فاضطربت الياء في التّصريف، جاءت ألفا في (ياتخذ) وواوا في (موتخذ) فبدلت بحرف ثابت من جنس ما بعدها، وهي التاء، ثمّ أدغمت التاء في التاء، ثم اجتلبت ألف الوصل للنطق بها، وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التّقرير كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً﴾ الآية رقم [٨٠] الآتية، فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير، ومنه قوله ذي الرّمّة: [البسيط]
أستحدث الرّكب عن أشياعهم خبرا... أم راجع القلب من أطرابه طرب
ومثله قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧٨]: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ وقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٥٣]: ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ وقوله تعالى في سورة (ص) رقم [٧٥]: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ وقوله تعالى في سورة (المنافقون) رقم [٦]: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ انظر شرح هذه الآيات في محالّها.
﴿الْعِجْلَ﴾ المراد به: الذي صنعه لهم السامريّ من ذهب، كما سترى تفصيله في سورة طه.
هذا والأربعون ليلة في قول المفسرين هي: ذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد أن أنجاهم الله من كيد فرعون، وغرقه في البحر، وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله، فذهب موسى لمناجاة ربه على جبل الطور، وليطلب منه الكتاب الذي وعد قومه به، فصنع لهم السامريّ العجل، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٤٨]: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ﴾
стр. 152
﴿حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (طه) رقم [٨٨] في حق السامري:
﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى﴾. هذا؛ وسمّي العجل عجلا، لاستعجالهم عبادته، والعجل: ولد البقرة، والعجّول مثله، والجمع: العجاجيل، والأنثى عجلة، وبنو عجل قبيلة من ربيعة.
هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٤٢]: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ انظر شرحها هناك فإنه جيد والحمد لله. وقد قال القرطبي رحمه الله تعالى في سبب فتنتهم زيادة العشر فوق الثلاثين، وزلق رحمه الله تعالى. فقال: فخرج إلى الطّور في سبعين من خيار بني إسرائيل، يعني: ليسأل الكتاب، والمعتمد: أن خروجه في السّبعين لطلب التوبة من عبادة العجل، خذ قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٥]: ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا﴾ انظر شرحها هناك يتبيّن لك وجه الحقيقة.
هذا والليلة: واحدة مفردة، أما الليل فهو واحد، بمعنى الجمع، واحدته ليلة، مثل تمر، وتمرة، وقد يجمع على ليالي، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، وشبه، ومشابه، وحاجة، وحوائج، وذكر، ومذاكر، وكأن ليالي في القياس جمع: ليلاة. وقد استعملوا ذلك في الشعر، وأنشد ابن الأعرابي، وهو الشاهد رقم [٦٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]
يا لك من ذي جمل ما اشقاه... في كلّ ما يوم وكلّ ليلاه
هذا واللّيل الشّرعي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وهو أحد قولين في اللّغة، والقول الآخر: هو من غروب الشمس إلى طلوعها. هذا؛ والنّهار ضدّ الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين كسحاب، وسحب، وفي القليل: أنهر وقال ابن فارس: النهر معروف، والجمع أنهر، وأنهار. ويقال: إن النّهار يجمع على نهر، قال الشاعر: [الرجز]
لولا الثّريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل وثريد بالنّهر
والنّهار من طلوع الفجر، أو من طلوع الشمس على ما تقدّم في نهاية الليل إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما رأيت في الآية رقم [٤٨]، هذا والليل يطلق على الحبارى، أو فرخها، وفرخ الكروان، والنّهار يطلق على فرخ القطا، انتهى. قاموس، وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]
إذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا
الإعراب: (﴿إِذْ﴾): معطوف على مثله في الآيتين السابقتين. ﴿واعَدْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة
стр. 153
على الألف للتعذّر. ﴿أَرْبَعِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وهو على حذف مضاف؛ إذ الأصل: تمام أربعين. ﴿لَيْلَةً:﴾ تمييز. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِتَّخَذْتُمُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿الْعِجْلَ:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: ثم اتخذتم العجل إلها.
﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وليس بشيء. ولو قيل:
متعلقان بمحذوف صفة إلها المحذوف؛ لكان وجها مقبولا، وجملة: ﴿اِتَّخَذْتُمُ..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير، وقال الزّمخشري، وتبعه البيضاويّ، والنّسفيّ: معترضة في آخر الكلام. وقيل: مستأنفة.
﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ:﴾ صفحنا عنكم، فالعفو: محو الذنب، أي: محونا ذنوبكم، وتجاوزنا عنكم، وهو بهذا المعنى كثير في القرآن كثرة لا تعدّ، ولا تحصى، كما يأتي «عفا» بمعنى الكثرة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا﴾ الآية رقم [٩٥] من سورة (الأعراف) أي: حتى كثروا، ونموا في أنفسهم، وأموالهم. من قولهم: عفا النبات، وعفا الشّحم، والوبر: إذا كثر، قال الحطيئة: [الطويل]
بمستأسد الغربان عاف نباته... بأسؤق عافيات الشّحم أكوم
وعفا المنزل، يعفو عفاء: إذا انمحت آثاره، وذهبت معالمه، قال الأخطل التّغلبيّ، وهو الشاهد رقم [٤٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]
وبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر إلاّ النّؤي والوتد
وعفو المال: ما يفضل عن النفقة، قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ رقم [٢١٩] الآتية، والعافي: طالب المعروف، والإحسان، قال عروة بن الورد العبسيّ المعروف بعروة الصّعاليك: [الطويل]
وإنّي امرؤ عافي إنائي شركة... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد
وجمع العافي: عفاة، قال الأعشى في مدح ممدوحه: [المتقارب]
تطوف العفاة بأبوابه... كطوف النّصارى ببيت الوثن
وانظر إعلال (عفوا) فيما تقدّم.
﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ:﴾ من بعد عبادة العجل. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. هذا؛ والفعل «شكر» يتعدّى بنفسه،
стр. 154
وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له. كما تقول: نصحته، ونصحت له، وباللام أفصح. هذا؛ ومن أسماء الله تعالى (الشّكور) ومعناه: هو الذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة. وخذ ما قيل في معنى الشّكر لله:
فقال سهل بن عبد الله: الشّكر: الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السرّ، والعلانية. وقالت فرقة أخرى: الشّكر: هو الاعتراف في تقصير الشّكر للمنعم، ولذلك قال تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ سورة (سبأ) رقم [١٣] فقال داود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: يا رب! كيف أشكرك يا رب؛ والشّكر نعمة منك عليّ؟ قال: الآن عرفتني، وشكرتني؛ إذ قد عرفت أن الشكر منّي نعمة عليك. وقال موسى ﵇: كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك، لا يجازى بها عملي كلّه، فأوحى الله إليه: يا موسى الآن شكرتني. وقال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: الشّكر لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان، والإفضال. انتهى قرطبي بتصرف.
هذا؛ وشكر الله يستوجب المزيد من النعم، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ وجحدها يستوجب سلبها، وردها بها. قال تعالى في الآية نفسها رقم [٧]: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾. لذا قيل: الشكر قيد النّعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة، وينبغي أن تعلم: أن فائدة الشكر تعود على الشاكر نفسه، قال تعالى في سورة (النّمل) رقم [٤٠]: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ وقال جل ذكره في سورة (لقمان) رقم [١٢]: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. هذا؛ والشكر مطلوب لكل منعم، ومحسن، ولو كان من البشر؛ لذا فقد ندبنا الرسول المعظم ﷺ قال: «من أعطي عطاء، فوجد؛ فليجز به، فإن لم يجد فليثن، فإنّ من أثنى؛ فقد شكر، ومن كتم؛ فقد كفر، ومن تحلّى بما لم يعط؛ كان كلابس ثوبي زور». الترمذي. وعن أسامة بن زيد-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرا؛ فقد أبلغ في الثّناء».
وعن النّعمان بن بشير-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يشكر القليل؛ لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس؛ لم يشكر الله، والتّحدّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا يشكر الله من لا يشكر النّاس». قال الخطابي-رحمه الله تعالى: هذا الكلام يتأوّل على معنيين: أحدهما: أنّ من كان طبعه كفران نعمة الناس، وترك الشكر لمعروفهم؛ كان من عادته كفران نعم الله ، وترك الشكر له.
والوجه الآخر: أنّ الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه، إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه، ويكفر معروفهم؛ لاتصال الأمرين بالآخر، ورحم الله من قال: [الطويل]
ومن لم يؤدّ الشّكر للناس لم يكن... لإحسان ربّ النّاس يوما بشاكر
стр. 155
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿عَفَوْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿عَنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿واعَدْنا..﴾.
إلخ؛ فهي في محل جرّ مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿عَفَوْنا﴾ أيضا، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ حرف مشبه بالفعل والكاف اسمه. ﴿تَشْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية مفيدة للتعليل المفهوم من التّرجّي.
﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ آتَيْنا:﴾ أعطينا. ﴿الْكِتابَ:﴾ التوراة، وانظر الآية رقم [٢]. ﴿وَالْفُرْقانَ:﴾
اختلف فيه. فقيل: الواو صلة، والمعنى: آتينا موسى الكتاب الفرقان، والواو قد تزاد في النّعوت. كقولهم: فلان حسن وطويل، وأنشدوا: [المتقارب]
إلى الملك القرم وابن الهمام... وليث الكتيبة في المزدحم
أراد إلى الملك القرم بن الهمام ليث الكتيبة، ودليل هذا التأويل قوله- -في سورة (الأنعام) رقم [١٥٤]: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي:
بيّن الحلال والحرام، والكفر والإيمان، والوعد والوعيد، وغير ذلك. وقيل: الفرقان: الفرق بينهم وبين قوم فرعون، أنجى هؤلاء، وغرّق أولئك، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ في سورة (الأنفال) رقم [٤١] فهو يوم بدر بلا شك، نصر الله محمدا ﷺ وأصحابه، وأهلك أبا جهل وأصحابه، وقال ابن زيد: الفرقان: انفراق البحر له حتى صار فرقا، فعبروا. وقيل: الفرقان:
الفرج من الكرب، لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط، ومنه قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً﴾ أي: فرجا، ومخرجا الآية رقم [٢٩] من سورة (الأنفال)، وقيل:
الفرقان: هو الكتاب أعيد ذكره باسمين مترادفين تأكيدا، وحكي هذا عن الفرّاء، ومنه قول عديّ بن زيد: [الوافر]
فقدّمت الأديم لراهشيه... وألفى قولها كذبا ومينا
وقال الحطيئة، وهو الشاهد رقم [٤٣] من كتابنا فتح ربّ البريّة: [الطويل]
ألا حبّذا هند وأرض بها هند... وهند أتى من دونها النأي والبعد
فنسق البعد على النأي والمين على الكذب، لاختلاف اللفظين، ومنه قول عنترة في معلّقته رقم [١٠]: [الكامل]
حييت من طلل تقادم عهده... أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم
стр. 156
قال النحاس: وهذا إنّما يجيء في الشّعر، وأحسن ما قيل في هذا قول مجاهد: فرقا بين الحق والباطل، أي الذي علّمه إيّاه. وقيل: المراد بالفرقان: المعجزات التي أجراها الله تعالى على يد موسى مثل: العصا، واليد، وغير ذلك. وفي الكشاف يعني: الجامع بين كونه كتابا منزلا، وفرقانا بين الحقّ، والباطل. كقولك: رأيت الغيث، واللّيث. تريد الرّجل الجامع بين الجود، والجرأة، ونحوه قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٤٨]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني: الكتاب الجامع بين كونه فرقانا، وضياء، وذكرا.
﴿تَهْتَدُونَ:﴾ أي إلى طريق الحق، والخير، والتّقوى.
هذا والترجي في هذه الآية، وغيرها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، ولقد أحسن ابن المنير في الردّ على الزمخشري القائل: إرادة أن تشكروا النّعمة في العفو عنكم، فقال: التفسير الصحيح في: (لعلّ) هو الذي حرّره سيبويه-رحمه الله تعالى-في قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ من سورة عبس.
قال: الرجاء منصرف إلى المخاطب، كأنه قال: كونا على رجائكما في تذكّره، وخشيته، وكذلك هذه الآية معناها: لتكونوا على رجاء الشّكر لله- -ونعمه، فينصرف الرّجاء إليهم، وينزّه الله تعالى.
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): معطوفة على مثلها في الآيات السابقة.
﴿آتَيْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿مُوسَى:﴾ مفعول به أول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. (الفرقان): معطوف على ما قبله، أو هو صفة له، أو هو بدل منه، انظر الشرح. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ مفردات، ومحلاّ.
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ:﴾ قوم: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، فإن المفرد لهذه الأسماء إنّما هو رجل، وجمعها: أقوام، وأراهط، ومعاشر. هذا و «قوم» يطلق على الرجال دون النساء بدليل قوله تعالى في سورة (الحجرات) رقم [١١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾.
وقال زهير بن أبي سلمى: [الوافر]
وما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟
стр. 157
وهذا هو الشاهد رقم [٥٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وربما دخل فيه النّساء على سبيل التبع للرّجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ ﴿يا قَوْمِ﴾ في القرآن الكريم، إنما يراد به الرجال، والنّساء جميعا، كما هنا، وهو يذكر، ويؤنث، قال تعالى في غير ما آية:
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وتأنيثه باعتبار المعنى، وهو أنّهم أمّة، وطائفة، وجماعة، وسمّوا قوما؛ لأنهم يقومون مع داعيهم بالشّدائد، والمتاعب، إمّا بالمعاونة على كشفها، وإما بالمضايقة، والإيذاء إن عارضوا، وهذا حال أعداء الخير، والإصلاح في كلّ زمان ومكان.
﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ:﴾ استغنى بالجمع القليل عن الكثير، والكثير: «نفوس»، كما رأيت في الآية رقم [٩] وقد يوضع الجمع الكثير موضع جمع القلّة، والقليل موضع الكثرة، ويقال لكلّ من فعل فعلا قبيحا: إنما أسأت إلى نفسك. ﴿بِاتِّخاذِكُمُ:﴾ أصله: باوتخاذكم، فقلبت الواو تاء، وأدغمت في التاء، فهو مصدر: اتّخذ، يتّخذ. الأصل: اوتخذ، يوتخذ، قلبت الواو فيها تاء، وأدغمت في التاء. ﴿فَتُوبُوا:﴾ ارجعوا. وقيل: اعزموا على التوبة. قال سفيان بن عيينة-﵁: التوبة نعمة من الله أنعم بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم، وكانت توبة بني إسرائيل القتل.
﴿بارِئِكُمْ:﴾ خالقكم، وبينهما فرق، وذلك: أن البارئ هو المبدع المحدث، والخالق هو المقدّر، الناقل من حال إلى حال. ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: ليقتل بعضكم بعضا، فقاموا صفين، وبيدهم الخناجر، والسيوف، فقتل بعضهم بعضا، لا يسأل والد عن ولده، ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه، كلّ من استقبله ضربه بالسيف، وضربه الآخر بمثله. وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتل العبدة. روي: أنّ الرجل منهم كان يلقى ابنه، أو أخاه، فلم يقدر على المضي لأمر الله، فأرسل الله عليهم ضبابة، أو سحابة، فجعلوا لا يعرف بعضهم بعضا، فأخذوا يقتلون من الغداة إلى العشي، حتى دعا موسى، وهارون، فانكشفت السّحابة، ووضع موسى التوراة التي أتى بها من جبل الطور، ونزلت توبتهم من السّماء، وكان القتلى سبعين ألفا، فكان ذلك شهادة للمقتول، وتوبة للحيّ.
﴿ذلِكُمْ:﴾ أي: القتل، والخضوع لأمر الله، والانقياد لما يريد. ﴿خَيْرٌ:﴾ أفضل، وهو أفعل تفضيل، أصله: أخير، نقلت حركة الياء إلى الخاء؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء، ومثله قل في: حبّ، وشرّ اسمي تفضيل، إذ أصلهما أحبب، وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى، والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما استغناء عنها بحركة الحاء، والشّين، وقد يستعمل خير، وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قول الله تعالى في سورة (القمر):
(«سيعلمون غدا من الكذاب الأشرّ») بفتح الشين، ونحو قول رؤبة بن العجاج: [الرجز]
يا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر
стр. 158
وخير، وحبّ يستعملن بصيغة واحدة للمذكر والمؤنث، والمفرد والمثنى والجمع؛ لأنهنّ بمعنى «أفعل» كما رأيت. ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ قبل توبتكم، قال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنّسفي: الفاء الأولى للتّسبيب؛ لأنّ الظلم سبب التوبة، والثانية للتعقيب، لأن المعنى فاعزموا على التوبة، فاقتلوا أنفسكم؛ إذ إنّ الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم، والثالثة متعلقة بشرط محذوف. كأنه قال: فإن فعلتم القتل؛ فقد تاب الله عليكم. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ انظر الآية رقم [٣٧].
الإعراب: (﴿إِذْ﴾): معطوفة على مثلها في الآيات السابقة. ﴿قالَ مُوسى:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء ضمير في محل جر بالإضافة. (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو». (﴿قَوْمِ﴾): منادى منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصّة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء الساكنة، فيقول: (يا قومي) ومنهم من يثبتها ويحركها بالفتحة. فيقول: (يا قومي) ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: (يا قوما)، ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها فيقول: (يا قوم)، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
واجعل منادى صحّ إن يضف ل «يا» ... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
ويزاد سادسة وهي لغة القطع: (يا قوم) بضم الميم، ففي الحديث الشريف، يقول: (يا ربّ، يا ربّ). وقرئ في سورة (يوسف) الآية رقم [٣٣]: («قال ربّ السّجن أحبّ إليّ»). والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿ظَلَمْتُمْ:﴾ فعل وفاعل. ﴿أَنْفُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِاتِّخاذِكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْعِجْلَ:﴾ مفعول به أول للمصدر، والمفعول الثاني محذوف؛ إذ التقدير: باتخاذكم العجل إلها، وجملة: ﴿ظَلَمْتُمْ..﴾.
إلخ: في محل رفع خبر (إنّ) وجملة: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول.
﴿فَتُوبُوا:﴾ الفاء: حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها في مثل ذلك للسّببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التّقدير: وإذا كان ذلك قد حصل منكم؛ ﴿فَتُوبُوا..﴾. (توبوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿ظَلَمْتُمْ﴾ على الوجهين الأولين المعتبرين في الفاء، ولا محل لها على اعتبار الفاء الفصيحة، وعليه فالجملة الشرطية معطوفة برمّتها. ﴿إِلى بارِئِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله أو من إضافة الصّفة المشبهة، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ:﴾
هذه الجملة معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وإعرابها لا خفاء فيه.
стр. 159
﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿خَيْرٌ﴾ أيضا، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿فَتابَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب شرط مقدر محذوف، التقدير: إن فعلتم ما أمرتم به؛ فقد تاب، وهذا إن كان من كلام موسى لهم. أو الفاء: حرف عطف، تعطف الجملة على كلام محذوف؛ إن جعلته من كلام الله تعالى على طريق الالتفات. كأنه قال لهم: فعلتم ما أمرتم به، فتاب عليكم بارئكم. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٣٢] و [٣٧] والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى:﴾ هذا من خطاب الأبناء بما فعل الآباء. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ أي: لن نصدقك حتى نرى الله عيانا، وسبب ذلك: أنّ الله تعالى أمر موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أن يأتيه بأناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار سبعين رجلا من صلحائهم. وقال لهم: صوموا، وتطهّروا. ففعلوا، وخرج بهم إلى طور سيناء. فقالوا لموسى:
اطلب لنا أن نسمع كلام ربّنا. فأسمعهم الله قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا﴾ أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدوني، ولا تعبدوا غيري. فلمّا سمعوا كلام ربّ العزة؛ استحلوا كلامه، فطلبوا رؤيته، وهذه طبيعة البشر، فكل من استحلى صوتا يحبّ أن يرى صاحبه. انظر الآية رقم [١٥٥] من سورة (الأعراف). ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ:﴾ الصيحة، وهي صوت هائل سمعوه من جهة السماء. وقيل: هي نار، وفي سورة (الأعراف): ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وهي الزلزلة، ويمكن الجمع بأنهم حصل لهم الجميع. انتهى. جمل. فقام موسى يبكي، ويدعو الله ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ فناشد به حتّى أحياهم رجلا رجلا بعد أن مكثوا ميتين يوما وليلة. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي: إلى حالكم، وما نزل بكم من الموت، وآثار الصعقة.
هذا وقال الزمخشري: وفي هذا الكلام دليل على أنّ موسى-﵊-رادّهم القول، وعرّفهم: أن رؤية ما لا يجوز عليه... إلخ: قال أحمد بن المنير رحمه الله تعالى: لقد انتهز الزمخشري ما اعتقده فرصة من هذه الآية التي لا مطمع له عند التحقيق في التشبث بها، فبنى الأمر على أنّ العقوبة سببها طلب ما لا يجوز على الله تعالى من الرؤية على ظنّه، وأنّى له ذلك؟! وثمّ سبب ظاهر في العقوبة سوى ما ادّعاه هو كل السبب، وذلك: أنّ موسى ﵇ لمّا علم جواز رؤيته تعالى طلبها في آية (الأعراف) رقم [١٤٣] فأخبره الله تعالى: أنه لا يراه في الدنيا،
стр. 160
وصار في ذلك عنده، وعند بني إسرائيل أصلا مقررا، كما هو عندنا الآن معاشر أهل السنة: أن الله لا يرى في الدنيا، لأنه أخبر: أنّه لا يرى، والخبر واجب الصدق، وكما أنه أخبره أنه لا يرى في دار الدنيا، فقد وعد الوعد الصادق برؤيته في الدار الآخرة، وتخصيص ذلك بالمؤمنين، وبعد استقرار هذا المعتقد طلب بنو إسرائيل الرؤية تعنّتا، أو شكّا في الخبر، فأنزل الله تعالى بهم العقوبة. وكيف تخيّل الزمخشري وشيعته: أنّ موسى ﵇ طلب من الله ما لا يجوز عليه، وهل هو لو كان الأمر على ما تخيّله إلا كبني إسرائيل؟! ومعاذ الله لقد برأه الله من ذلك، وكان عند الله وجيها! هذا وطلب رؤية الله في الدنيا ليست أول مفاسد بني إسرائيل، وجرائمهم، فقد ذكر أبو بكر بن أبي شيبة، عن قيس بن عباد: أنّ بني إسرائيل قالت: ما مات فرعون، وما كان ليموت أبدا! قال: فلم يعد أن سمّع الله تكذيبهم نبيّه ﵇، فرمى به على ساحل البحر، كأنه ثور أحمر يتراآه بنو إسرائيل، قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ رقم [٩٢] فلمّا اطمأنوا، وبعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون، حتى نقلوا كنوزه، وغرقوا في النّعمة؛ رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم ﴿قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فزجرهم موسى، وقال: ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ الآيتان من سورة (الأعراف) رقم [١٣٨، ١٤٠].
ثمّ أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدّسة، التي كانت مساكن آبائهم، ويتطهروا من أرض فرعون، وكانت الأرض المقدّسة في أيدي الجبّارين، قد غلبوا عليها، فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال. فقالوا: أتريد أن تجعلنا لقمة للجبّارين، فلو أنك تركتنا في يد فرعون كان خيرا لنا؟! قال الله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ إلى قوله:
﴿قاعِدُونَ﴾ سورة (المائدة) رقم [٢١] وما بعدها؛ حتى دعا الله عليهم، وسمّاهم فاسقين فبقوا في التيه أربعين سنة عقوبة لهم، قال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٢٦]: ﴿قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾.
ثمّ ﵏، فمنّ عليهم بالمنّ، والسّلوى، والغمام، انظر الآية رقم [٥٧] الآتية، ثمّ سار موسى إلى طور سيناء ليجيئهم بالتّوراة، فاتّخذوا العجل، كما رأيت في الآية رقم [٥١] ثم قيل لهم: قد وصلتم إلى بيت المقدس، فادخلوا الباب سجّدا، وقولوا: حطّة، الآية رقم [٥٨] الآتية، وكان موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-شديد الحياء ستّيرا، فقالوا:
إنه آدر، فلما اغتسل وضع على الحجر ثوبه، فعدا به الحجر إلى مجالس بني إسرائيل، وموسى على أثره عريان؛ وهو يقول: يا حجر ثوبي، فذلك قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٦٩]:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا﴾.
ثمّ لما مات هارون في التيه. قالوا له: أنت قتلت هارون، وحسدته، حتى نزلت الملائكة بسريره وهارون ميّت عليه. انظر ما ذكرته في آية المائدة رقم [٢٦]. ثمّ سألوه أن يعلموا آية في
стр. 161
قبول قربانهم، فجعلت نار تجيء من السماء، فتقبل قربانهم. ثمّ سألوه أن يبيّن لهم كفارات ذنوبهم في الدّنيا، فكان من أذنب منهم ذنبا أصبح على بابه مكتوب، عملت كذا، وكفارته قطع عضو من أعضائك يسمّيه له، ومن أصابه بول لم يطهر حتّى يقرضه، ويزيل جلدته، ثمّ بدلوا التوراة، وافتروا على الله، وكتبوا بأيديهم، واشتروا به عرضا. الآية رقم [٧٩] الآتية، ثم صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبياءهم، ورسلهم، فهذه معاملتهم مع ربّهم، وسيرتهم في دينهم، وسوء أخلاقهم، وانظر ذلك في مواضعه التي ذكرتها لك. انتهى. قرطبي بتصرف كبير مني.
هذا و ﴿نَرَى:﴾ مضارع، ماضيه: رأى، فالقياس نرأي، وقد تركت العرب الهمزة في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزة، فهمزته، كما في قول سراقة بن مرداس البارقي، وهو الشاهد رقم [٥٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]
أري عينيّ ما لم ترأياه... كلانا عالم بالتّرّهات
وربما جاء ماضيه بغير همزة، وبه قرأ نافع في: (﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾) و (﴿أَرَأَيْتَ﴾): («أريتكم») و («أريت») بدون همزة، قال الشاعر: [الخفيف]
صاح هل ريت، أو سمعت براع... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب
وإذا أمرت منه على الأصل قلت: «ارء»: وعلى الحذف: «ره» بهاء السكت، وقل في إعلال ﴿نَرَى﴾ أصله: «نرأي» قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ثمّ حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف.
الإعراب: (﴿إِذْ﴾): معطوفة على ما قبلها في الآيات السابقة. ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. (يا) أداة تنوب مناب: «أدعو». (﴿مُوسى﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم المقدر على الألف المقصورة في محل نصب ب (يا) النائبة مناب أدعو، والجملة الندائية مع ما بعدها في محل نصب مقول القول. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال.
﴿نُؤْمِنَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾ والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن. ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة، وهي بمعنى «إلى» هنا. ﴿نَرَى﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد حتى، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، والفاعل تقديره: نحن. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿جَهْرَةً:﴾ مفعول مطلق نوعي؛ لأن الجهر بعض الرؤية. وقيل: هو حال من الفاعل المستتر، أو من لفظ الجلالة. وقيل: مفعول مطلق لفعل محذوف. التقدير: جهرتم جهرة، وتعود الجملة هذه فتكون في محل نصب حال، و «أن» المضمرة والفعل ﴿نَرَى﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب «حتى» والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نُؤْمِنَ﴾. ﴿فَأَخَذَتْكُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذتكم): فعل ماض، والتاء للتأنيث،
стр. 162
والكاف مفعول به. ﴿الصّاعِقَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قُلْتُمْ﴾ فهي في محل جرّ مثلها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف الواقعة مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير، وجوز اعتبارها معترضة في آخر الكلام، ومستأنفة.
﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ أي: أحييناكم من بعد موتكم. قال قتادة: ماتوا، وذهبت أرواحهم، ثم ردّوا لاستيفاء آجالهم، وأرزاقهم، ولإظهار آثار قدرة الله، ولو ماتوا بآجالهم؛ لم يحيوا إلى يوم القيامة. وكان موتهم عقوبة، ومنه قوله في الآية رقم [٢٤٣]: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾. هذا؛ وبقي تكليفهم على الأصحّ، لئلا يخلو عاقل من تعبّد، وانظر إحياء الموتى في الآية رقم [٧٣] الآتية.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والتّرتيب، والمهلة؛ وفي كلّ منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث السّاكنة، كما تلحق «ربّ» و «لا» العاملة عمل ليس، فيقال: «ثمّت، وربّت، ولات»، والأكثر تحريك التاء معهنّ بالفتح، هذا و ﴿ثُمَّ﴾ هذه غير «ثمّ» بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٦٤] وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدّمه حرف التنبيه، ولا يتّصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: (ثمّة).
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿بَعَثْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية، معطوفة على جملة: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ في الآية السابقة. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿مَوْتِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: من بعد إماتتنا إيّاكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٢].
﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾
الشرح: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ:﴾ سترناكم بالسّحاب الرّقيق من حرّ الشمس، وكان هذا في التّيه. و ﴿الْغَمامَ:﴾ جمع: غمامة، كسحابة، وسحاب. وقال الفرّاء: ويجوز: غمائم، وهي السّحاب؛ لأنها تغمّ السماء، أي: تسترها، وكل مغطّى مغموم، ومنه المغمى على عقله. روي:
стр. 163
أنهم لبثوا أربعين سنة في تسعة فراسخ (١) من أرض فلسطين يسيرون من الصّباح إلى المساء، فإذا هم في المكان الذي ارتحلوا عنه، ويسيرون من المساء إلى الصباح، فإذا هم في المكان نفسه، وكان ذلك في التيه عقوبة لبني إسرائيل، ما خلا موسى، وهارون، ويوشع، وكالب، فإنّ الله سهّله عليهم، وأعانهم عليه، كما سهّل النار على إبراهيم، وجعلها بردا وسلاما، وكانوا أكثر من ستمائة ألف، وبقاء هذا الجمع العظيم في هذه المساحة من الأرض مدّة أربعين سنة، بحيث لم يخرج منه أحد إنّما هذا من باب خرق العادة، وهو في زمن الأنبياء غير مستبعد، ولمّا آذاهم حرّ الشمس؛ أرسل عليهم الغمام يظلّهم في النّهار، وأرسل عليهم عمودا من نور يطلع عليهم في اللّيل، فيضيء لهم طريقهم، ويسهّل عليهم تحرّكاتهم، وكان طعامهم المنّ والسّلوى. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها في سورة الأعراف رقم [١٥٩]. (وكان ماؤهم من الحجر الذي يحملونه معهم، فيضربه موسى بعصاه، فينفجر منه اثنتا عشرة عينا)، كما ستعرفه في الآية رقم [٦٠] الآتية، وأيضا في سورة الأعراف رقم [١٦٠] وكانت ثيابهم لم تبل في هذه المدّة، ولا تتّسخ وكانت تطول معهم، كما تطول الصّبيان، قال ابن عباس-﵄: «خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق، ولا تدرن»، أي: لا يصيبها وساخة، ولا قذارة.
هذا واختلف في المنّ ما هو؟ فقال ابن عباس-﵄: كان المنّ ينزل على الأشجار، فيغدون إليه، فيأكلون ما شاءوا. وقال قتادة: كان المنّ ينزل عليهم في محلهم سقوط الثلج، أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإن ادّخر منه شيئا؛ فسد عليه إلا يوم الجمعة، فإنّهم كانوا يدّخرون فيه ليوم السبت، فلا يفسد عليهم؛ لأن يوم السبت يوم عبادة، وما كان ينزل عليهم فيه شيء. وقال عبد الرحمن بن أسلم: إنّه العسل. وليس بشيء.
هذا؛ وقيل: المنّ مصدر، يعم جميع ما منّ الله به على عباده من غير تعب، ولا زرع، ومنه قول رسول الله ﷺ في حديث سعيد بن عمرو بن نفيل (أحد العشرة المبشرين بالجنة-﵁): «الكمأة من المنّ الّذي أنزل الله على بني إسرائيل، وماؤها شفاء للعين». رواه مسلم.
قال أبو عبيد رحمه الله تعالى: إنّما شبهها بالمنّ؛ لأنه لا مئونة فيها ببذر، ولا سقي، ولا علاج، فهي منه، أي من جنس منّ بني إسرائيل في أنّه كان دون تكلّف. قال بعض أهل العلم بالطّبّ: الكمأة شفاء للعين، إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة، فتستعمل بنفسها مفردة، وإما لغير ذلك، فمركبة مع غيرها. وذهب أبو هريرة-﵁-إلى استعمالها بحتا في جميع أمراض العين، وهذا كما استعمل أبو وجزة العسل في جميع الأمراض
стр. 164
كلّها حتى في الكحل. (﴿السَّلْوى﴾): قال ابن عطية: طير بإجماع المفسرين. وقيل: هو السّمانى بعينه، وقد غلط خالد بن زهير الهذليّ، فظنّه العسل، فقال: [الطويل]
وقاسهما بالله جهدا لأنتم... ألذّ من السّلوى إذا ما نشورها
وقال المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير، وهو ابن عمر السّدوسي: إنّه العسل، واستدل ببيت الهذلي، وذكر: أنه كذلك بلغة كنانة، سمّي به؛ لأنه يسلى به، ومنه عين السّلوان، وأنشد قول الشاعر: [الرجز]
لو أشرب السّلوان ما سليت... ما بي غنى عنك وإن غنيت
وقال الجوهريّ: والسّلوى: العسل، وذكر بيت الهذلي، لذا ما ادّعاه ابن عطية من الإجماع من أنه طير لا يصحّ، ويمكن القول: أنه يطلق على الطير المذكور وعلى العسل، والسّلوانة بالضم: خرزة كانوا يقولون: إذا صبّ عليها ماء المطر، فشربه العاشق سلا، قال الشّاعر: [الطويل]
شربت على سلوانة ماء مزنة... فلا وجديد العيش يا ميّ ما أسلو
واسم ذلك الماء: السّلوان، وقال بعضهم: السّلوان: دواء يسقاه الحزين، فيسلو، والأطباء يسمّونه المفرّح. ويقال: سليت، وسلوت لغتان، هذا وقال الأخفش: السّلوى: جمع لا واحد له من لفظه، مثل: الخير، والشر. وقال الخليل: واحده: سلواة، وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
وإنّي لتعروني لذكراك سلوة... كما انتفض السّلواة من بلل القطر
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ:﴾ هو على تقدير: وقلنا لهم: كلوا من حلالات ما رزقناكم، ولا تدّخروا لغد. فخالفوا، وادخروا، فدوّد، وفسد: فقطع الله عنهم ذلك، فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطّعام، ولم يخنز اللّحم، ولولا حوّاء لم تخن أنثى زوجها الدّهر». متّفق عليه، لم يخنز اللّحم: لم ينتن، ولم يتغيّر. هذا والأمر أمر إباحة، وإرشاد، وامتنان. ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ أي: بكفرهم، وجحودهم هذه النّعم. ويقدّر قبله:
فعصوا، ولم يقابلوا هذه النعم بالشّكر. ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لمقابلتهم النعم بالمعاصي.
وكلّ من خالف أوامر الله فإنما يظلم نفسه؛ لأن وبال ذلك يعود عليه. وهذه الجملة تكرر ذكرها في عشر آيات، وخذ قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [٤٦]: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾. هذا والجمع بين صيغتي الماضي، والمضارع: ﴿ظَلَمُونا﴾ و ﴿يَظْلِمُونَ﴾ للدلالة على تماديهم في الظلم، واستمرارهم على الكفر.
الإعراب: (﴿ظَلَّلْنا﴾): فعل وفاعل. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْغَمامَ:﴾
مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة. (﴿أَنْزَلْنا﴾): فعل وفاعل.
﴿عَلَيْكُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الْمَنَّ:﴾ مفعول به. (﴿السَّلْوى﴾): معطوف على ما قبله منصوب مثله،
стр. 165
وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿كُلُوا:﴾
فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف. التّقدير: وقلنا: كلوا.. والجملة الفعلية على هذا التقدير معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ طَيِّباتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و ﴿طَيِّباتِ:﴾ مضاف. و ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿رَزَقْناكُمْ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: من طيبات الذي، أو شيء رزقناكموه. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿ظَلَمُونا:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والمتعلق محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة المحذوفة مع الفعل، انظر تقديره في الشرح، والرابط الواو والضمير، والكلام المقدر مستأنف؛ لأنه بمنزلة جواب لسؤال مقدّر، فكأن قائلا قال: ما فعلوا بهذه النّعم؟ قيل: فكفروا هذه النعم... إلخ. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له.
﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾
مفعول به مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان) وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.
﴿وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ القائل هو الله، والتعبير بمثل هذا كثير في القرآن الكريم، قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى في كتابه: (الجواب الصّحيح لمن بدل دين المسيح): وقوله تعالى: (﴿كَتَبْنا﴾)، (﴿جَعَلْنَا﴾)، (﴿إِنّا﴾)، (﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾)، (﴿نُسْئَلُ﴾): لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء، وعلى الواحد العظيم المطاع؛ الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء ولا نظراء، والله تعالى خلق ما سواه فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: إنا، نحن، وكتبنا، وفعلنا... إلخ، ولا يريدون: أنّهم ثلاثة ملوك، فما بالك الملك ربّ العالمين، وربّ كل شيء، ومليكه هو أحقّ بأن يقول: (إنا) و (نحن) ... إلخ مع أنه ليس له شريك ولا مثل، بل له جنود السموات والأرض. انتهى.
أقول: و (نا) هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، فالله تعالى لا شريك له في ذاته، ولا صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد، فيقول: أخذنا، وأعطينا، وليس معه أحد، وهذا واقع ومستعمل في اللغة العربيّة كثيرا.
стр. 166
هذا وفي سورة (الأعراف): ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ والقائل لهم موسى قبل أن يموت في التيه، أي: قال لهم: إذا خرجتم من التيه. أو القائل لهم هو يوشع، وهذا كان لما خرجوا من التيه، وقد أكد ابن كثير: أنّ القائل لهم هو موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وأنّ القرية إنّما هي بيت المقدس. وقال آخرون: هي أريحا، وأن القائل هو يوشع، هذا وإذا تأملنا قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٢١]: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ وعرفنا عنادهم، وعصيانهم، وأنّ ذلك كان سببا لتيههم أربعين سنة، وهذا كان في حياة موسى، وبعد نجاة بني إسرائيل قطعا؛ تبيّن لنا: أنّ القائل لهم إنّما هو يوشع بلا شكّ، ودليل ذلك: أنهم لم يدخلوا القرية في عهد موسى، ولم يقولوا غير الذي قيل لهم. وهذا الذي أرتئيه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه! يبقى الاختلاف في القرية التي قال لهم يوشع: ادخلوا أو اسكنوا؛ هل هي بيت المقدس أو أريحاء؟.
هذا و ﴿الْقَرْيَةَ﴾ اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة، وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى في قوله تعالى في الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنعام): ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ كما تطلق على الضّيعة الصغيرة، وهي مأخوذة من: قريت الماء في المكان: جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية بكسر القاف، وفتحها، والنسبة إليها قروي، وقريي. والفتح أقوى.
﴿فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ:﴾ الأمر للإباحة مثل الآية السابقة. ﴿رَغَداً:﴾ انظر الآية رقم [٣٥] فالبحث فيها واف كاف. ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً:﴾ منحنين متواضعين: كالراكع، ولم يرد به السّجود الشّرعي بوضع الجبهة على الأرض، هذا وجمع ﴿الْبابَ:﴾ أبواب، وقد يجمع على أبوبة للازدواج، قال الشاعر: [البسيط]
هتّاك أخبية، ولّاج أبوبة... يخلط بالبرّ منه الجدّ واللّينا
﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي: حطّ عنا ذنوبنا. قال سعيد بن جبير-﵀: معناه الاستغفار.
وقال أبان بن تغلب: معناه التوبة. قال الشاعر: [الخفيف]
فاز بالحطّة الّتي جعل الل... هـ بها ذنب عبده مغفورا
وقال ابن فارس في المجمل: ﴿حِطَّةٌ:﴾ كلمة أمر بها بنو إسرائيل، لو قالوها؛ لحطّ أوزارهم. وقاله الجوهري في الصّحاح. وانظر الحديث في الآية التالية. ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ:﴾
قال الفرّاء: جمع خطيّة بلا همز، كما تقول: هديّة، وهدايا، فهو جمع تكسير، وأصل خطية:
خطيئة، فقلبت الهمزة ياء، وأدغمت الياء في الياء، فصار: خطيّة. هذا؛ وقرئ بسورة (الأعراف): «خطيئتكم» وقرئ بسورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:
«خطيئتكم» على أنها جمع خطيئة، فهما جمع تصحيح مثل: صحائف، وصحيفة، وأصله:
стр. 167
خطايئ مثل: صحايف، فقل في إعلاله: تحركت الياء فيهما، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الأصلية والألف المنقلبة عن الياء، فقلبت هذه همزة فصار (خطائئ) على وزن فعالل، فلما اجتمعت الهمزتان، قلبت الثانية ياء لأن قبلها كسرة، ثم استثقلت، والجمع ثقيل، وهو معتل مع ذلك، فقلبت الياء ألفا، ثم قلبت الأولى ياء لخفائها بين الألفين.
وقال القرطبيّ، ومكي، وغيرهما: واختلف في أصل خطايا جمع خطيئة بالهمزة، فقال الخليل: الأصل في خطايا أن يقول: خطايئ، ثم قلب، فقيل: خطائي بهمزة بعدها ياء ثم تبدل من الياء ألفا بدلا لازما. فتقول: خطاءا، فلما اجتمعت ألفان بينهما همزة والهمزة من جنس الألف صرت كأنك جمعت بين ثلاث ألفات، فأبدلت من الهمزة ياء فقلت: خطايا. وأما سيبويه فمذهبه:
أن الأصل خطايئ، ثم وجب بهذه أن تهمز الياء كما همزتها في مدائن، فتقول: خطائئ، ولا تجتمع همزتان في كلمة فأبدلت من الثانية ياء، فقلت خطائى، ثم عملت كما عملت في الأول، ففيه خمسة أعمال: قلب الياء التي قبل الهمزة همزة، ثم قلبت الثانية ياء، ثم قلبت كسرة الأولى فتحة، ثم قلب الثانية ألفا، ثم قلبت الأولى ياء، وقول الفراء المتقدّم أسهل، وأخصر.
﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ:﴾ أي نزيدهم إحسانا على الإحسان المتقدّم عندهم، والمحسن من صحّح عقد توحيده، وأحسن سياسة نفسه، وأقبل على فرائضه، وكفى المسلمين شرّه. وفي حديث جبريل ﵇، الّذي أخرجه مسلم: «ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك. قال: صدقت». هذا؛ وفي سورة (الأعراف) رقم [١٦١]: ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بدون واو، قال الزمخشري: موعد بشيئين: بالغفران، وبالزيادة، وطرح الواو لا يخلّ بذلك؛ لأنه استئناف مرتّب على تقدير قول القائل: وماذا بعد الغفران؟ فقيل له: سنزيد المحسنين. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو حرف عطف. (﴿إِذْ﴾) ظرف متعلق بفعل محذوف مبني على السكون في محل نصب، التقدير: اذكروا، أو مفعول به لهذا المقدّر، وهذه الجملة معطوفة على جمل مقدّرة قبلها في الآيات السابقة. ﴿قُلْنَا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها.
﴿اُدْخُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب على الظرفية المكانية عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحقّقون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السّعة بإجراء اللازم مجرى المتعدّي، ومثل ذلك قل في: «دخلت المدينة»، «ونزلت البلد». «وسكنت الشام». وأيضا قوله في الآية رقم [٦١] ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾ وهذا إذا كان الفعل ثلاثيّا، وأما إذا كان رباعيّا بأن دخلت عليه همزة التعدية،
стр. 168
ونصب مفعولين، فالمفعول الثاني يقال فيه ما ذكر في مفعول الثلاثي، والمفعول الأول يكون صريحا مثل: «أدخلت خالدا البيت». ﴿الْقَرْيَةَ:﴾ بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان عليه، وبعضهم يعربه صفة، ولا وجه له؛ لأنه غير مشتق، وجملة (﴿اُدْخُلُوا﴾): في محل نصب مقول القول.
﴿فَكُلُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (كلوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله.
﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والتقدير: من ثمرها. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وقيل: متعلق بمحذوف حال، أي: منتقلين، ومتقلبين. ﴿شِئْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، كما رأيت فيما تقدّم، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿رَغَداً:﴾ حال من واو الجماعة. قاله أبو البقاء. التقدير: كلوا مستطيبين، متهنئين. ويمكن اعتباره نائب مفعول مطلق، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: كلوا أكلا رغدا. وجملة: (كلوا) معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ:﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق. ﴿سُجَّداً:﴾ حال من واو الجماعة. (﴿قُولُوا﴾): أمر، وفاعله. ﴿حِطَّةٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: مسألتنا حطة، وقرئ بالنصب على أنه مفعول مطلق محذوف، التقدير:
أن تحطّ عنا ذنوبنا حطة، أي: حطّا. وقيل: هو منصوب ب (﴿قُولُوا﴾) وعلى هذا ف «أن» والفعل في تأويل مصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: مسألتنا الحط من ذنوبنا. والجملة على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿قُولُوا﴾) في محل نصب مقول القول ل ﴿قُلْنَا﴾.
﴿نَغْفِرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تقولوا نغفر، والفاعل مستتر تقديره: نحن، وقرئ بالتاء على أنه مبني للمجهول. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿خَطاياكُمْ:﴾ مفعول به، أو هو نائب فاعل، فهو منصوب، أو مرفوع، والنصب، أو الرفع مقدر على الألف المقصورة للتعذّر، وجملة:
﴿نَغْفِرْ﴾ لا محل لها على اعتبارها جوابا للأمر، أو جوابا لشرط مقدّر، وتعود لتكون في محل نصب مقول القول. ﴿وَسَنَزِيدُ:﴾ الواو: واو الاعتراض. السين: حرف استقبال. (نزيد): فعل مضارع والفاعل تقديره: نحن. ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير:
ثوابا، أو خيرا. والجملة الفعلية معترضة بين المتعاطفتين، مفيدة للتأكيد، وتقوية المغفرة.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾
الشرح: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ..﴾. إلخ فيه حذف، وتقديره: فبدل الذين ظلموا بالّذي قيل قولا غير الّذي قيل لهم. و (بدّل) يتعدّى إلى مفعول واحد بنفسه، وإلى آخر بالباء، فالذي مع الباء
стр. 169
متروك والذي بغير باء موجود، ومثل الآية قول أبي النّجم العجلي، وهو الشاهد رقم [٧١٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]
وبدّلت والدّهر ذو تبدّل... هيفا دبورا بالصّبا والشّمأل
فالذي انقطع عنها: الصّبا، والذي صار لها: الهيف. وقال أحمد بن يحيى: يقال: بدّلته، أي: غيرته، ولم أزل عينه، وأبدلته: أزلت عينه، وشخصه، فقد روى مسلم عن أبي هريرة ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدا وقولوا:
حطّة نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا، فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبّة في شعرة». وأخرجه البخاريّ: «وقالوا: حطّة حبّة في شعرة». وفي غير الصحيحين: «حنطة في شعر». وقيل: قالوا: هطّا سمهاثا، وهي لفظة عبرانيّة، تفسيرها: حنطة حمراء. حكاها ابن قتيبة. وكان قصدهم خلاف ما أمرهم الله به، فعصوا، وتمرّدوا، واستهزءوا، فعصوا بالقول، والفعل، فعاقبهم الله بالرّجز، وهو العذاب؛ قال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: كان طاعونا أهلك منهم سبعين ألفا.
﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا:﴾ وضع الله الظاهر مكان الضّمير؛ فلم يقل: فأنزلنا عليهم؛ لزيادة التقبيح، والمبالغة في زيادة التّوبيخ، والمبالغة في الذّمّ، والتّقريع. هذا؛ والرّجز: العذاب، والمراد: الطاعون، كما تقدّم، وقوله تعالى: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ تنبيه على أنه لا يمكن ردّه، ودفعه، بخلاف عذاب، وبلاء في الأرض يقع من يد آدمي، فهذا يمكن ردّه، ودفعه، كالهدم، والغرق، ونحوهما. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: بفسقهم، وعصيانهم، وتمرّدهم على الله تعالى. وانظر الآية رقم [٢٦] لشرح الفسق، وفي آية الأعراف: ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
تنبيه: الآية الكريمة، وسابقتها كلتاهما موجودتان بسورة الأعراف رقم [١٦٠ و ١٦١] بمعنى واحد تنصّان على حادثة واحدة مع اختلاف في بعض الكلمات، وإبدال حرف بحرف، وهذا لا يغيّر المعنى، وإن تغيّر الإعراب من بعض الوجوه. وذكرت لك فيما تقدّم: أن الحادثة جرت في عهد يوشع بن نون بعد خروج بني إسرائيل من التّيه، ووفاة موسى، وهارون، على نبينا وعليهم جميعا ألف صلاة وألف سلام، مع وجود الاختلاف في القرية الّتي أمروا بدخولها، هل هي بيت المقدس، أو أريحاء؟.
الإعراب: (بدّل): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قُلْنَا..﴾. إلخ، فهي في محل جرّ مثلها. ﴿ظَلَمُوا:﴾
فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿قَوْلاً:﴾ مفعول به ل (بدّل). ﴿غَيْرَ:﴾ صفة: ﴿قَوْلاً﴾ و ﴿غَيْرَ:﴾ مضاف، و ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿قِيلَ:﴾ ماض مبني
стр. 170
للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ تقديره: هو، وهو العائد. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (أنزلنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (أنزلنا): معطوفة على جملة: (بدّل) فهي في محل جر أيضا. ﴿رِجْزاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار، ومجرور، متعلقان بمحذوف صفة ﴿رِجْزاً﴾. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر (ما): مصدرية، ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَفْسُقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ و (ما) والفعل (كان) في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أنزلنا)، واعتبار (ما) موصولة أو موصوفة فيه ضعف ظاهر؛ لأن المعنى بسبب فسقهم.
تنبيه: استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبّد بلفظها، أو بمعناها، فإن كان التعبّد بلفظها؛ فلا يجوز تبديلها؛ لذمّ الله تعالى من بدّل ما أمره بقوله. وإن كان التعبد بمعناها؛ جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى، ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه.
وقد اختلف العلماء في هذا المعنى، فحكي عن الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأصحابهم: أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته نقل الحديث بالمعنى، لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله، وهو قول الجمهور، ومنع ذلك جمع كثير من العلماء، منهم:
ابن سيرين، والقاسم بن محمد، ورجاء بن حيوة، وقال مجاهد: أنقص من الحديث، ولا تزد فيه إن شئت، وكان مالك بن أنس يشدّد في حديث رسول الله ﷺ في التاء، والياء، ونحو هذا.
وعلى هذا جماعة من أئمّة الحديث؛ لا يرون إبدال اللفظ، ولا تغييره حتّى إنهم يسمّونه:
ملحونا، ويعلمون ذلك، ولا يغيّرونه، وروى أبو مجلز عن قيس بن عباد، قال: قال عمر بن الخطاب-﵁: من سمع حديثا، فحدّث به، كما سمع؛ فقد سلم، وكذا الخلاف في التقديم، والتأخير، والزيادة، والنقصان، فإن منهم من يعتد بالمعنى، ولا يعتد باللفظ ولكن أكثر العلماء على خلافه، والقول بالجواز هو الصّحيح، إن شاء الله تعالى.
وذلك: أنّ المعلوم من سيرة الصحابة-﵃، هو أنهم كانوا يروون الوقائع المتّحدة بألفاظ مختلفة، وما ذاك إلا أنهم كانوا يصرفون عنايتهم للمعاني، ولم يلتزموا التكرار على الأحاديث، ولا كتبها. وروي عن واثلة بن الأسقع-﵁: أنّه قال: ليس كل ما أخبرنا به رسول الله ﷺ نقلناه إليكم، حسبكم المعنى. وقال قتادة عن زرارة بن أوفى: لقيت عدّة من أصحاب النّبيّ ﷺ فاختلفوا علي باللفظ، واجتمعوا في المعنى.
стр. 171
وكان النّخعي، والحسن، والشعبي-﵏-يأتون بالحديث على المعاني. وقال الحسن: إذا أصبت المعنى؛ أجزأك. وقال الثوريّ-رحمه الله تعالى-: إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس. واتّفق العلماء على جواز نقل الشرع للعجم بلسانهم وترجمته لهم، وذلك هو النقل بالمعنى، وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قص علينا من أنباء ما قد سلف، فقص قصصا ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربيّ، وهو مخالف لها في التقديم، والتأخير، والحذف، والإلغاء، والزيادة، والنقصان، وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية؛ فلأن يجوز بالعربية أولى. احتجّ بهذا المعنى الشافعي، والحسن.
وهو الصّحيح في الباب. انتهى قرطبي رحمه الله تعالى.
﴿وَإِذِ اِسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاِشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾
الشرح: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ:﴾ طلب لهم السّقيا، فالسين، والتاء للطّلب. وكان ذلك لمّا عطشوا في التيه. والاستسقاء إنّما يكون عند عدم الماء، وحبس المطر، وإذا كان ذلك فالغاية منه إظهار العبوديّة، والتذلّل، والمسكنة، والفقر مع التّوبة النّصوح، وقد استسقى نبيّنا، وحبيبنا ﷺ ، فخرج إلى المصلّى متواضعا، متذلّلا، متخشّعا، متوسّلا، متضرعا، وحسبك به، وكيف بنا ولا توبة معنا إلا العناد، ومخالفة ربّ العباد؟! فأنّى نسقى؟! لكن قال ﷺ في حديث ابن عمر-﵄: «ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلاّ منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم؛ لم يمطروا».
﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ:﴾ العصا معروف، وهو اسم مقصور مؤنث، ألفه منقلبة عن واو، وأصله: عصو، وتثنيته: عصوان، وعصوين، ومقتضى القياس في جمعها عصوّ، فأبدل من الواو الثانية ياء؛ لأنها طرف ليس بينها وبين الضمة إلا حرف ساكن، فصار، عصوي، فقل في إعلاله: اجتمعت الواو والياء، والأول ساكن، فقلبت الواو ياء فصار: (عصي) ثم قلبت ضمة العين كسرة لمناسبة الياء، قال تعالى في سورة (طه) رقم [٦٦]: ﴿قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ وفي المثل: (العصا من العصية) وقولهم: ألقى عصاه؛ أي: أقام، وترك الأسفار، وهو مثل، قال معتمر بن حمار البارقي: [الطويل]
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
وقد يعبر بالعصا عن الاجتماع، والافتراق، ومنه يقال في الخوارج: شقّوا عصا المسلمين؛ أي: اجتماعهم، وائتلافهم. وانشقت العصا؛ أي: وقع الخلاف. قال الشاعر-وهو الشاهد رقم [٩٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، ونسب لجرير-: [الطويل]
стр. 172
إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا... فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد
وقولهم: لا ترفع عصاك عن أهلك، يراد به الأدب. هذا؛ وكانت من آس الجنّة، طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتّقدان في الظّلمة نورا، حملها آدم معه من الجنة، فتوارثها الأنبياء؛ حتى وصلت إلى شعيب، وأعطاها لموسى-على نبيّنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام-لما استأجره لرعاية الغنم. ﴿الْحَجَرَ:﴾ «الحجر» معروف، وقياس جمعه في القلّة: أحجار، وفي الكثرة: حجار، وحجارة نادر، وهو كقولنا: جمل، وجمالة، وذكر، وذكارة. كذا قال ابن فارس، والجوهري. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي القرآن: ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ،﴾ ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ،﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً،﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ،﴾ ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً﴾ فكيف يكون نادرا؟! إلا أن يراد: أنه نادر في القياس، كثير في الاستعمال فصيح، والله أعلم.
قال وهب بن منبه-رحمه الله تعالى-: لم يكن حجرا معيّنا، بل كان موسى يضرب أي حجر كان، فينفجر عيونا، وهذا أعظم في الآية، والإعجاز. وقيل كان حجرا معيّنا، كان موسى يضعه في مخلاته، فإذا احتاجوا إلى الماء؛ وضعه، وضربه بعصاه، فيتفجّر الماء، فأخذوا كفايتهم منه، فإذا ضربه ثانية؛ فيمسك الماء. قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: وهو الذي فرّ بثوبه حين اغتسل في النّهر، فأتاه جبريل ﵇ حين فرّ بثوبه. وقال: إنّ الله يأمرك أن ترفع هذا الحجر معك، فوضعه في مخلاته، وحفظه، وكان من رخام كرأس الرّجل مربّع، وكان إذا ضربه تتفجّر منه اثنتا عشرة عينا بعدد القبائل المتفرعة عن أولاد يعقوب ﵇، من كل وجه ثلاث عيون، وكلّ قبيلة تعرف عينها، لا يشركها فيها غيرها.
والحكمة من ذلك: أنّ قوم موسى ﵇ كانوا كثيرين، وكانوا في الصحراء، والناس إذا اشتدت الحاجة إلى الماء، أو إلى أي شيء من ضرورات الحياة، ثم وجدوه، فإنّه يقع بينهم تشاجر، وتنازع، فأكمل الله هذه النعمة عليهم بأن عيّن لكلّ سبط منهم ماء معينا على عددهم؛ لأنهم كانوا اثني عشر سبطا، وهم ذرية أبناء يعقوب الاثني عشر، وهو فحوى قوله تعالى:
﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾. هذا؛ وفي سورة الأعراف رقم [١٦٠]: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ..﴾. إلخ. قال المفسرون: انفجرت، وانبجست بمعنى واحد. وقيل:
انبجست؛ أي: عرقت، وانفجرت؛ أي: سالت.
قال القرطبي وغيره: ما أوتي نبيّنا، وحبيبنا محمد ﷺ من نبع الماء، وانفجاره من يده، ومن بين أصابعه أعظم في المعجزة، فإنا نشاهد الماء يتفجّر من الأحجار آناء اللّيل، والنّهار، ومعجزة نبينا ﷺ ، لم تكن لنبيّ قبله، يخرج الماء من بين لحم ودم، روى الأئمة الثقات، والفقهاء الأثبات عن جمع من الصحابة، قالوا: كنّا مع النبي ﷺ ، فعطش الناس؛ حتّى كادوا يهلكون، فطلب الرسول ﷺ شيئا من الماء، فأتي بوعاء صغير، كالإجّانة، فأدخل يده فيه، فأخذ
стр. 173
الماء يتفجّر، ويفور من بين أصابعه الشريفة، ويقول: «حيّ على الطّهور». قال الأعمش:
فحدّثني سالم بن أبي الجعد، قال: قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفا وخمسمائة. انتهى قرطبي بتصرف. أقول: هذا العدد كان في الحديبية، وأما في غزوة تبوك فقد كان العدد أكثر من ذلك بكثير. انظر كتب السيرة.
هذا ولفظ «عشرة» على عكس المعدود في التّذكير والتأنيث، إن كان مفردا، وعلى وفقه إن كان مركبا، تقول: جاء عشرة رجال، وعشر نسوة، وخمسة عشر رجلا، وخمس عشرة امرأة.
وشينه تسكن مع المؤنث، وهي لغة أهل الحجاز، وقد تكسر، وهي لغة أهل نجد، وقرئ بها بالفتح أيضا، وهي لغة ثالثة.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا..﴾. إلخ: الأمر للإباحة، ورزق الله الذي أمروا أن يأكلوا منه هو المنّ، والسّلوى، والماء الذي أمروا أن يشربوا منه هو الماء المتفجّر من الحجر، ومعنى ﴿رِزْقِ اللهِ﴾ أي:
من غير كدّ منكم، ولا تعب بل هو من خالص إنعام الله، وإفضاله. هذا؛ وقد حذف مفعول الفعلين. هذا؛ وقال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في المغني: إذا تعلق الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليهما، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنويّ كالثّابت، ولا يسمّى محذوفا؛ لأنّ الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ الآية رقم [٩] من سورة (الزمر)، وفي سورة (البقرة) رقم [٢٥٨]: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ،﴾ و ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ في هذه الآية، وفي سورة (الأعراف) رقم [٣١]، وقوله تعالى في سورة (الدّهر): ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ..﴾. إلخ؛ إذ المعنى: ربي الذي يفعل الإحياء والإماتة. وهل يستوي من يتصف بالعلم، ومن ينتفي عنه العلم. وأوقعوا الأكل والشرب، وذروا الإسراف. وإذا حصلت منك رؤية هنالك. ومنه على الأصح قوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٢٣]: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ..﴾. إلخ. ألا ترى أنه ﵊ إنّما رحمهما، إذ كانتا على صفة الذياد، وقومهما على السّقي، لا لكون مزودهما غنما، ومسقيهم إبلا. وكذلك المقصود من قولها:
﴿نَسْقِي﴾ السّقي لا المسقي، ومن لم يتأمل؛ قدّر: يسقون إبلهم، وتذودان غنمها، ولا نسقي غنمنا.
﴿وَلا تَعْثَوْا:﴾ ولا تفسدوا، ولا تبالغوا فيها بالإفساد، نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع، وكانوا يفعلون ذلك. هذا وفي مختار الصّحاح: عثا في الأرض: أفسد، وبابه سما، وعثي بالكسر عثيا أيضا، وعثى بفتحتين بوزن فتى، قال الأزهري: القراء كلهم متفقون على فتح الثاء، فدل على أنّ القرآن نزل باللغة الثانية، واسم الفاعل منه عاث، والأول من الباب الأول، والثاني من الباب الرّابع، والثالث من الباب الثالث. وعاث، يعيث، عيثا، وعيوثا، ومعاثا.
بعد هذا: للعصا فوائد ذكر موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لمّا سئل عما يحمله في يده من فوائدها فائدتين، وذلك في قوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَما تِلْكَ﴾
стр. 174
﴿بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى،﴾ وذكر كثيرون للعصا منافع كثيرة، منهم ابن عباس-﵄، فقال: إذا انتهيت إلى رأس بئر، فقصر الرّشاء؛ وصلته بالعصا. وإذا أصابني حرّ الشمس غرزتها في الأرض، وألقيت عليها ما يظلّني. وإذا خفت شيئا من هوامّ الأرض قتلته بها. وإذا مشيت؛ ألقيتها على عاتقي، وعلّقت عليها القوس، والكنانة، والمخلاة، وأقاتل بها السّباع عن الغنم. هذا ومن فوائد العصا: أنّ الرّجل إذا كبر، وشاخ يعتمد عليها في مشيته، قال عمرو بن أحمد الباهليّ، وهو الشاهد رقم [٩٨٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]
وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني... ثوبي فأنهض نهض الشّارب السّكر
وكنت أمشي على رجلين معتدلا... فصرت أمشي على أخرى من الشّجر
ومن فوائدها: التنبيه على الانتقال من هذه الدّار، كما قيل لبعض الزّهاد: مالك تمشي على العصا، ولست بكبير، ولا مريض؟ قال: إنّي أعلم أنّي مسافر، وأنّها دار قلعة، وأنّ العصا آلة السّفر، فأخذه بعض الشّعراء، فقال: [الطويل]
حملت العصا لا الضّعف أوجب حملها... عليّ ولا أني تحنيت من كبر
ولكنّني ألزمت نفسي حملها... لأعلمها أنّ المقيم على سفر
هذا وأما العين؛ فإنها تطلق على الماء الجاري، والنابع من الأرض، وجمعها في القلّة:
أعين، وفي الكثرة: عيون، قال تعالى في سورة (الذاريات) وغيرها: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وتجمع أيضا على: أعيان، وهذا غير مشهور، وقليل الاستعمال، كما تطلق على الجاسوس، كما في قولك: بث الأمير عيونه في المدينة، أي: جواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء خالد عينه، وتطلق على الشّمس. وعين الشيء: خياره. وتطلق على النّقد من ذهب، وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط]
واستخدموا العين منّي وهي جارية... وقد سمحت بها أيام وصلهمو
فالمراد بالعين: نفسه وذاته، والمراد بجارية: عينه الباصرة، التي تجري بالدمع، والمراد بقوله (بها) نقد الذهب، وهذا يسمى في فن البديع استخداما، وتطلق العين على أشياء كثيرة أيضا، وعلى المطر الهاطل من السحاب، قال عنترة في معلقته رقم [٢٩] وهو الشاهد رقم [٣٥٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل]
جادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم
هذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم، وبنو الأعيان: الإخوة من الأبوين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
стр. 175
الإعراب: ﴿وَإِذِ:﴾ (﴿إِذِ﴾): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بمحذوف، تقديره: اذكروا، أو هو مفعول به لهذا المقدّر، وهو معطوف على مثله في الآيات السّابقة. ﴿اِسْتَسْقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿مُوسى:﴾
فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذِ﴾) إليها. ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. (قلنا): فعل وفاعل، والجملة مع مقولها معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جرّ مثلها. ﴿اِضْرِبْ﴾ فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت. بعصاك: متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿اِضْرِبْ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول. ﴿فَانْفَجَرَتْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (انفجرت):
فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿اِثْنَتا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمّة؛ لأنّه ملحق بالمثنّى، وحذفت النون لما يشبه الإضافة. ﴿عَشْرَةَ:﴾ لفظ مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، لوقوعه موقع نون المثنّى، ولا يصح أن يقال: إنه مضاف إليه لتضمنه معنى العطف. ﴿عَيْناً:﴾ تمييز، وجملة: (انفجرت): معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فضرب الحجر، فانفجرت، والجملتان معطوفتان على جملة: ﴿اِسْتَسْقى،﴾ وجملة: (قلنا) فهما في محل جرّ مثلهما. هذا؛ وقد قيل: إنّ الفاء هي الفصيحة، التقدير: فإن ضربت؛ فقد انفجرت. ولا وجه له فيما أرى، ومثل ذلك في سورة (الأعراف) رقم [١٦٠].
﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمَ:﴾ فعل ماض. ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، وهو مضاف و ﴿أُناسٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مَشْرَبَهُمْ:﴾ مفعول به، وهو اسم مكان، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قَدْ عَلِمَ﴾ في محل نصب حال من (قومه) والرابط محذوف. التقدير:
قد علم كلّ أناس منهم، والاستئناف ممكن. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا:﴾ فعلا أمر مبنيان على حذف النون، والواو فاعلهما، والألف للتفريق، وانظر الشرح لحذف المفعول. ﴿مِنْ رِزْقِ:﴾ متعلقان بأحد الفعلين السابقين على التنازع، و ﴿رِزْقِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. والجملتان في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقلنا لهم:
كلوا... ، ومقوله معطوف على جملة: ﴿قَدْ عَلِمَ﴾ على الوجهين المعتبرين فيها، وهذا مما يقوّي الاستئناف. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾) ناهية جازمة. ﴿تَعْثَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُفْسِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة مؤكدة للفعل؛ لأنها من معناه، منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وجملة: (﴿لا تَعْثَوْا﴾): معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
стр. 176
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى:﴾ هذا خطاب للأبناء بما فعل الآباء، والغرض من ذلك توجيه التوبيخ، والتقريع إليهم؛ لما بينهم وبين أصولهم من الخبث، والمكر، والخداع، ومخالفة الرّسل. ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: كانوا نتانى؛ أهل كرّاث، وأبصال، وأعداس، فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء-والعكر بكسر الكاف: العادة، والديدن، وبالفتح دردي كل شيء-واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم. فقالوا: لن نصبر على طعام واحد، وكنوا عن المنّ، والسّلوى بطعام واحد، وهما اثنان لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر. فلذلك قالوا: طعام واحد. وقيل: لتكرار هما في كل يوم غذاء، كما تقول لمن يداوم على الصّلاة، والصوم، والقراءة: هو على أمر واحد؛ لملازمته لذلك، انتهى. قرطبي بتصرف.
هذا؛ والطعام يطلق على ما يطعم، ويشرب، قال تعالى في الآية رقم [٢٤٩] الآتية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ والمراد ماء النهر، وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٩٣]: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ أي: ما شربوه من الخمر. هذا؛ والطّعم بالضم:
الطعام، قال أبو خراش: [الطويل]
أردّ شجاع البطن لو تعلمينه... وأوثر غيري من عيالك بالطّعم
وأغتبق الماء القراح فأنتهي... إذا الزاد أمسى للمزلّج ذا طعم
أراد بالأول الطّعام، وبالثاني ما يشتهى منه. ﴿مِنْ بَقْلِها:﴾ البقل معروف، وهو: كلّ نبات ليس له ساق مثل الخضر من السلق وغير ذلك، والشّجر: ما له ساق. ﴿وَقِثّائِها﴾ بكسر القاف، وقد تضم، وهو أيضا معروف، ويطلق على الخيار، وقيل في جمعه: قثّائيّ، مثل:
علباء، وعلابيّ، إلا أن قثاء من ذوات الواو. هذا؛ وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز عقليّ؛ لأن المنبت في الحقيقة هو الله تعالى.
فائدة: روى ابن ماجة: قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة-﵂-قالت: كانت أمي تعالجني للسّمنة،
стр. 177
تريد أن تدخلني على رسول الله ﷺ ، فما استقام لها ذلك حتّى أكلت القثّاء بالرّطب، فسمنت كأحسن سمنة. وهذا إسناد صحيح، وتريد بالدّخول على رسول الله ﷺ زفها له عروسا. والله أعلم. ﴿وَفُومِها:﴾ اختلف في الفوم، فقيل: هو الثّوم؛ لأنه المشاكل للبصل، والثاء تبدل من الفاء، كما قالوا: مغافير، ومغاثير لصمغ يسيل من شجر العرفط رائحته ليست طيبة، وجدث وجدف للقبر، وقرأ ابن مسعود-﵁: («ثومها») بالثاء، وروي ذلك عن ابن عباس ﵄. وقال أميّة بن أبي الصّلت، الذي آمن شعره، ولم يؤمن قلبه: [البسيط]
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة... فيها الفراديس والفومان والبصل
وقال حسّان بن ثابت-﵁: [المتقارب]
وأنتم أناس لئام الأصول... طعامكم الفوم والحوقل
يعني: الثوم، والبصل، وهو قول الكسائي، والنضر بن شميل. وقيل: الفوم: الحنطة، روي عن ابن عباس أيضا، وأكثر المفسرين، واختاره النّحاس، وقال: وهو أولى، ومن قال به أعلى، وأسانيده صحاح، وإن كان الكسائيّ، والفرّاء، قد اختارا القول الأول لإبدال العرب الفاء من الثاء، والإبدال لا يقاس عليه، وليس ذلك بكثير في كلام العرب، وأنشد ابن عباس ﵄-لما سأله عن الفوم، وأنّه الحنطة قول أحيحة بن الجلاح: [الكامل]
قد كنت أغنى النّاس شخصا واحدا... ورد المدينة عن زراعة فوم
وقال أبو إسحاق الزجّاج: وكيف يطلب القوم طعاما لا برّ فيه؟ والبرّ أصل الغذاء، وقال الجوهري أبو نصر: الفوم: الحنطة، وأنشد الأخفش: [الوافر]
وقال ربيئهم لمّا أتانا... بكفّه فومة أو فومتان
تنبيه: الثّوم، والبصل، والفجل، والكرّاث من الخضراوات ذات الرّائحة المكروهة، فالرّسول ﷺ كان لا يأكل شيئا من هذه الخضراوات، وعلّل كراهته لأكلها لأحد أصحابه: «كلّ فإنّي أناجي من لا تناجي». أخرجه مسلم. فهذا بيّن في الخصوص له، والإباحة لغيره، وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي أيوب-﵁: أنّ النبيّ ﷺ نزل عنده، في أول مقدمه المدينة مهاجرا، فصنع له طعاما فيه ثوم، فلمّا ردّ إليه سأل عن موضع أصابع النّبيّ ﷺ فقيل له:
لم يأكل، ففزع، وصعد إليه، فقال: أحرام هو؟ قال: «لا؛ ولكنّي أكرهه» قال: فإني أكره ما تكره، أو ما كرهت. فالنّبيّ ﷺ لم يحرم هذه الخضراوات على أمّته، وخذ ما يلي:
فعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قال النبي ﷺ : «من أكل البصل، والثّوم، والكرّاث، فلا يقربنّ مسجدنا، فإنّ الملائكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم».
أخرجه مسلم، ورواه الطّبراني، في الأوسط، والصّغير، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «من أكل من هذه الخضراوات: الثّوم، والبصل، والكرّاث، والفجل، فلا يقربنّ مسجدنا، فإنّ
стр. 178
الملائكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم». وعن أبي سعيد الخدري-﵁: أنه ذكر عند رسول الله ﷺ الثّوم، والبصل، وقيل: يا رسول الله! وأشد ذلك الثّوم، أفتحرمه؟ فقال رسول الله ﷺ : «كلوه فمن أكله منكم فلا يقرب المسجد حتّى يذهب ريحه منه». رواه ابن خزيمة في صحيحه.
وعن عمر بن الخطاب-﵁: أنّه خطب يوم الجمعة، فقال في خطبته: «ثم إنكم يا أيها الناس تأكلون شجرتين، لا أراهما إلا خبيثتين: البصل، والثوم، لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرّجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما؛ فليمتهما طبخا». رواه مسلم، والنسائي.
﴿وَعَدَسِها﴾ العدس: معروف، والعدسة بثرة تخرج بالإنسان، وربما قتلت و «عدس» زجر للبغال، قال يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري، وهو الشّاهد رقم [٨٣٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
عدس ما لعبّاد عليك إمارة... نجوت وهذا تحملين طليق
والعدس: شدّة الوطء والكدح أيضا، وعدست المنية إليه، أي: سارت، قال الكميت: [الطويل]
أكلّفها هول الظّلام، ولم أزل... أخا اللّيل معدوسا إليّ وعادسا
أي: يسار إليّ بالليل. وعدس: لغة في حدس. قاله الجوهري. ويؤثر عن النبي ﷺ من حديث عليّ-﵁: أنه قال: «عليكم بالعدس: فإنه مبارك مقدّس، وإنه يرقّ القلب ويكثر الدّمعة، فإنّه بارك فيه سبعون نبيّا، آخرهم عيسى ابن مريم». ذكره الثعلبي وغيره، قال الحليمي: والعدس، والزيت طعام الصّالحين، لو لم يكن له فضيلة: إلا أنه ضيافة إبراهيم ﵇ في مدينته، لا تخلو منه؛ لكان فيه كفاية، وهو يخفف البدن، فيجفّ للعبادة، ولا تثور منه الشّهوات كما تثور من اللّحم.
﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ الاستبدال: وضع الشيء موضع الآخر، ومنه البدل، أي: تطلبون إبداله، والسين والتاء للطلب. ﴿أَدْنى﴾ ألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من: دنا، يدنو: إذا قرب، وله معنيان: أحدهما أن يكون المعنى ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله، والثاني: أن يكون بمعنى القريب منكم؛ لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أوامر الله؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة. وقيل: الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا. وقيل: أصله: أدون، من الشيء الدون فأخّرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن أفلع ومعنى الجملة: أتستبدلون البقل، والقثاء، والفوم، والبصل الذي هو أدنى بالمنّ، والسّلوى الذي هو خير؟! والخيرية بسبب: أنّ المن، والسّلوى ألذّ، وأطيب ممّا طلبوه، وأنهما لا كلفة فيهما، ولا تعب، والذي طلبوه لا
стр. 179
يجيء إلا بالحرث، والزّراعة، والتعب، وأنّهما لا مرية في حلّهما، وخلوصهما؛ لنزولهما من عند الله، وما يخرج من الأرض يتخلّله البيع، والغشّ، واللّفّ، والدّوران، فكان أدنى من هذه الوجوه.
﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾ أي: انزلوا، وأصل النزول من أعلى إلى أسفل، وانظر الآية رقم [٣٦]، وصرف ﴿مِصْراً﴾ لأن المراد به مصر من الأمصار، فهو نكرة بسبب تنوينه، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، ﵁. وقيل: بل المراد مصر فرعون؛ التي كانوا فيها في عهده، واستدل القائلون بهذا بما في القرآن من أنّ الله أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون، وآثارهم. وأجازوا صرفها، قال الأخفش، والكسائيّ: لخفتها، وشبهها ب «هند»، و «دعد» يعني بسكون الوسط، قال الشاعر: [المنسرح]
لم تتلفّع بفضل مئزرها... دعد ولم تسق دعد في العلب
وقال الحطيئة وهو الشاهد رقم [٤٣] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]
ألا حبّذا هند وأرض بها هند... وهند أتى من دونها النّأي والبعد
﴿فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ أي: ما طلبتم من البقول، والنباتات المذكورة: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أي: ألزموها، وقضي عليهم بها، كناية عن إحاطتها بهم، كما تحيط القبة بمن ضربت عليه. وهذا كان على قبائل اليهود، وعلى نسلهم إلى زمن قريب، ويسمّى ذلك استعارة بالكناية، قال الشاعر في مدح ابن الحشرج أمير خراسان: [الكامل]
إنّ السّماحة والمروءة والنّدى... في قبّة ضربت على ابن الحشرج
هذا؛ و ﴿الذِّلَّةُ﴾ الذلّ، والصّغار، والمسكنة، والفقر، فلا يوجد يهوديّ-وإن كان غنيّا- خاليا من زي الفقر، وخضوعه، ومهانته، ولقد أذلّهم الله كلّ حياتهم، فبخت نصّر المجوسي أذلّهم، وامتهنهم، كما سترى في أول سورة الإسراء، ثمّ النصارى ساموهم العذاب، ولمّا جاء الإسلام؛ طردهم الرسول ﷺ من المدينة، ثم طهّر الفاروق بلاد الحجاز من رجسهم، ثمّ لما فتح بيت المقدس؛ فرض عليهم الجزية، ولكن في هذه الأيام صار لهم صولة، ودولة بسبب تفرّق المسلمين، وإهمالهم لتعاليم دينهم، وتركهم لسنة نبيّهم، وتركهم الجهاد في سبيل الله، وإقبالهم على الدّنيا، وكأنّ الله نزع الذلّة، والمسكنة من رقاب اليهود، وألبسها أعناق المسلمين بسبب ذلك. وخذ ما يلي:
فعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ ، فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتى يعلنوا بها؛ إلاّ فشا فيهم الطاعون، والأوجاع؛ التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين
стр. 180
مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسّنين وشدّة المئونة، وجور السّلطان عليهم.
ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم؛ لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله؛ إلا سلّط عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله تعالى، ويتخيّروا ممّا أنزل الله إلاّ جعل الله بأسهم بينهم». رواه ابن ماجة، وغيره.
وعن ثوبان-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: ومن قلّة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنّكم غثاء كغثاء السّيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن».
فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: «حبّ الدنيا، وكراهية الموت». أخرجه أبو داود، وأحمد، وغيرهما.
وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم». أخرجه أبو داود. ومن قول عبد الله بن مسعود-﵁: نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، إذا طلبنا العزّة بغيره؛ أذلّنا الله.
﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ أي: انقلبوا، ورجعوا بغضب من الله؛ أي: لزمهم ذلك، وصاروا أحقاء به، ومنه قوله ﷺ في حديث سيد الاستغفار: «أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي» أي:
أعترف بنعمتك عليّ، وأرجع بذنبي إليك، لتغفره لي. وقال تعالى في سورة (المائدة) حكاية عن قول هابيل لأخيه قابيل: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ رقم [٢٩]، وأصله في اللغة الرّجوع، ومثله «آب» بتقديم الهمزة على الباء، وقال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [٧٧]: [الوافر]
فابوا بالنّهاب وبالسّبايا... وأبنا بالملوك مصفّدينا
أي: رجعوا، ورجعنا. وقد تقدّم معنى «الغضب» في سورة الفاتحة. ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الذلّة، والمسكنة، والغضب. ﴿بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ أي: بسبب كفرهم بآيات الله، أي: بالتوراة، أو بالمعجزات التي أجراها الله على يد موسى تأييدا لنبوّته، وتقوية لحجّته ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ مثل: يحيى، وزكريا، وشعياء. فعن عبد الله بن مسعود-﵁، قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النّهار. رواه أبو داود الطيالسي، بمعنى: لا يهمهم ذلك، ولا يكترثون به، ولا يحسبون له حسابا، وكلمة «في اليوم» لا تعني كلّ يوم، ولكن في بعض الأيام، وعن ابن مسعود-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبي، أو قتل نبيّا، وإمام ضلالة، وممثّل من الممثّلين» أخرجه الإمام أحمد في مسنده. وهذا الحديث قاله رسول الله ﷺ حين طعن أبيّ ابن خلف في غزوة أحد، وكان ذلك سببا لموته.