Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
عنه-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدّنيا، ويجزى بها في الآخرة. وأمّا الكافر؛ فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدّنيا؛ حتّى إذا أفضى إلى الآخرة؛ لم يكن له حسنة يجزى بها». هذا والذّرّة: النّملة الحمراء الصّغيرة، وتقال لكلّ جزء من أجزاء الهباء المنتشر في الفضاء، وهي لا ترى إلا في ضوء الشّمس الدّاخل إلى مكان مظلم.
﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ أي: يكثر ثوابها، ويبارك فيها، قال قتادة-رحمه الله تعالى-:
لأن تفضل حسناتي على سيئاتي بمثقال ذرّة أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها. وفي الصّحيحين عن أبي سعيد الخدري-﵁-عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة الطّويل، وفيه: «فيقول الله : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبّة خردل من إيمان، فأخرجوه من النّار».
وفي لفظ: «أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجوه من النّار. فيخرجون خلقا كثيرا». ثمّ قال أبو سعيد-﵁: اقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: قال عبد الله بن مسعود-﵁: يؤتى بالعبد، أو بالأمة، فينادي مناد على رءوس الخلائق: هذا فلان بن فلان، من كان له عليه حقّ؛ فليأت إلى حقّه، ثمّ يقول: آت هؤلاء حقوقهم! فيقول: يا ربّ من أين لي، وقد ذهبت الدّنيا عنّي؟! فيقول الله تعالى للملائكة: انظروا إلى أعماله الصّالحة، فأعطوهم منها. فإن بقي منها مثقال ذرّة من حسنة؛ قالت الملائكة: يا رب-وهو أعلم بذلك منهم-قد أعطي لكلّ ذي حقّ حقّه، وبقي مثقال ذرّة من حسنة، فيقول الله تعالى للملائكة: ضعّفوها لعبدي، وأدخلوه بفضل رحمتي الجنّة. ومصداقه:
﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ..﴾. إلخ. وإن كان عبدا شقيّا؛ قالت الملائكة: إلهنا! فنيت حسناته، وبقيت سيّئاته، وبقي طالبون كثير، فيقول الله تعالى: خذوا من سيئاتهم، وأضيفوها إلى سيّئاته، ثمّ صكّوا له صكّا إلى النّار.
فالآية على هذا التفسير في الخصوم، وأنّه تعالى لا يظلم مثقال ذرّة للخصم على الخصم يأخذ له منه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له، بل يثيبه عليها، ويضعفها له، وقد تقدّم في الآية رقم [٢٨] عن ابن عبّاس-﵄: أنّ هذه الآية إحدى الآيات، الّتي هي خير ممّا طلعت عليه الشّمس.
﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ يعني: الجنة. والمعنى: يعطي من عنده أجرا عظيما بعد مضاعفة الحسنة الّتي توفرت له. قال أبو هريرة-﵁: إذا قال الله : ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ فمن يقدر قدره؟! وفيه إبطال قول المعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة مع أنّ له حسنات كثيرة، وأعمالا صالحات.
هذا؛ والضّعف بكسر الضاد، وسكون العين: مثل الشّيء، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه:
أمثاله، هذا هو الأصل في الضّعف، ثمّ استعمل في المثل، وما زاد، وليس للزّيادة حدّ، فيقال:
стр. 1157
هذا ضعف هذا، أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا. ويقال: أضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته، فمعناه: ضممت إليه مثله، فصاعدا. وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعّفت، ولذا قرأ بعضهم في سورة (الأحزاب): ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ وفي (الفرقان): ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ وفي هذه السورة: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾. هذا؛ وللضّعف بتثليث الضّاد معان نظمها بعضهم بقوله: [الرجز]
في الرّأي والعقل يكون الضّعف... والوهن في الجسم فذاك الضّعف
زيادة المثل كذا والضّعف... جمع ضعيف وهو شاكي الضّرّ
هذا؛ و (لدن) بمعنى: عند، وفيها إحدى عشر لغة، أفصحها إثبات النون ساكنة، وهي لغة القرآن الكريم، وهي بجميع لغاتها معناها: أول غاية زمان، أو مكان، وقلّما تفارقها «من» الجارة لها، فإذا أضيفت إلى الجملة؛ تمحّضت للزّمان؛ لأنّ ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة إلا «حيث». ويجوز تصدير الجملة بحرف مصدري لما لم يتمحّض. (لدن) في الأصل للزّمان. وإذا أضيفت للضمير وجب إثبات النون؛ لأنّه لا يقال: لده، ولا لدك. وانظر الآية [٨] من سورة (آل عمران).
﴿تَكُ:﴾ أصله تكون، فلمّا دخل الجازم؛ صار: «إن تكون» فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار «إن تكن» ثم حذفت النون الساكنة للتخفيف ولكثرة الاستعمال. وهذا الحذف جائز، وغير لازم، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته ممّا اختصت به كان: [الرجز]
ومن مضارع لكان منجزم... تحذف نون وهو حذف ما التزم
ولحذف النون شروط: أن يكون مضارعا مجزوما بالسّكون، وأن لا يكون بعده ساكن، ولا ضمير متّصل كما في الآية الكريمة، وغيره كثير، ومثلها كثير في الشّعر العربي، ولا تحذف عند فقد أحد الشروط إلا في ضرورة الشّعر، كما في قول الخنجر بن صخر الأسدي-وهو الشاهد رقم [٢٤٣] من كتابنا: «فتح ربّ البرية» -: [الطويل]
فإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
وأيضا قول الآخر: وهو الشاهد رقم [٢٤٤] من الكتاب المذكور: [الطويل]
إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم
وقرئ شاذّا قوله تعالى: «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب...» إلخ. ولم تحذف في قول أبي الأسود الدؤلي لجريانه على القاعدة: [الطويل]
دع الخمر تشربها الغواة فإنّني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها
стр. 1158
فإلاّ يكنها أو تكنه فإنّه... أخوها غذته أمّه بلبانها
يريد نقيع الزّبيب.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَظْلِمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها، ومفعول ﴿يَظْلِمُ﴾ محذوف، والتقدير: لا يظلم أحدا.
﴿مِثْقالَ:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، والتقدير: ظلما مثقال ذرّة، كما تقول: لا أظلم قليلا، ولا كثيرا. وقيل: ضمن: ﴿يَظْلِمُ﴾ معنى ما يتعدى لمفعولين، فانتصب: ﴿مِثْقالَ﴾ على أنّه مفعول ثان، والأول محذوف، التقدير: لا ينقص، أو لا يغصب أحدا مثقال ذرة من الخير، أو الشر. انتهى. جمل نقلا عن أبي حيان. و ﴿مِثْقالَ:﴾ مضاف، و ﴿ذَرَّةٍ:﴾ مضاف إليه.
﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنَّ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر تقديره: هو، يعود إلى: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ وإنّما أنّث الضمير؛ لكون: ﴿مِثْقالَ﴾ مضافا إلى ﴿ذَرَّةٍ،﴾ وهي مؤنثة: أو الاسم محذوف، التقدير: إن تك فعلته. ﴿حَسَنَةً:﴾ خبر: ﴿تَكُ﴾.
هذا؛ وقرئ بالرفع على اعتبار: ﴿تَكُ﴾ تامة، و («حسنة») فاعلها، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُضاعِفْها:﴾ جواب الشّرط، والفاعل يعود إلى الله، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. وقيل: معطوفة على الجملة الاسمية قبلها.
(﴿يُؤْتِ﴾): فعل مضارع معطوف على جواب الشّرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والمفعول الأول محذوف، التقدير: ويؤت من يريد. هذا؛ ويجوز في مثل هذا الفعل في العربية النصب على إضمار «أن» والرّفع على الاستئناف، كما رأيت في الآية رقم [٢٨٣] من سورة (البقرة).
﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿لَدُنْهُ:﴾ اسم مبني على السكون في محل جر ب ﴿مِنْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من:
﴿أَجْراً﴾ كان صفة له، فلمّا قدّم عليه صار حالا. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول به. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له.
﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١)﴾
الشرح: ﴿فَكَيْفَ إِذا..﴾. إلخ. يعني: فكيف يكون حال هؤلاء المشركين، والمنافقين يوم القيامة. ﴿إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ:﴾ قال ابن عباس-﵄: يريد: بنبيّها، والمعنى: يؤتى بالأنبياء يشهدون على أممهم، ولها. ﴿وَجِئْنا بِكَ:﴾ يا محمد. ﴿عَلى هؤُلاءِ﴾
стр. 1159
﴿شَهِيداً﴾ أي: شاهدا على من آمن بالإيمان، وعلى من كفر بالكفر، وعلى من نافق بالنفاق.
وقيل: المعنى: وجئنا بك يا محمد شاهدا على صدق هؤلاء الأنبياء بأنّهم بيّنوا لأممهم طريق الحقّ، والصّواب لعلمك بشرعهم، وعقائدهم. هذا؛ وفي الآية ما يسمّى: السؤال عن المعلوم لتوبيخ السّامع، وتقريعه.
فعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرأ عليّ القرآن».
فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ فقال: «إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري». قال:
فقرأت عليه سورة (النساء) حتى جئت هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ..﴾. إلخ. قال: «حسبك الآن!» قال:
فالتفتّ إليه، فإذا عيناه تذرفان. متّفق عليه، وزاد مسلم، فقال: «وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم» أو قال: «ما كنت فيهم» شكّ أحد رواته. انتهى خازن.
هذا؛ و «جاء» يستعمل لازما، إن كان بمعنى حضر، وأقبل، ومتعدّيا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، فمن الأول ما هو في هذه الآية، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ﴾. ومثله «أتى» يستعمل لازما، ومتعديا.
(أمّة): تكون واحدا إذا كان يقتدى به، كقوله تعالى في حقّ إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً..﴾. إلخ. وقال الرسول ﷺ في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعث أمّة وحده» لأنّه لم يشرك في دينه غيره، و «الأمّة» الطريقة، والملّة، والدّين، كقوله تعالى، حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾. وكلّ جنس من الحيوان أمّة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت وحين، و «الأمة»: الشجة التي تبلغ الدماغ، يقال: رجل مأموم، وأميم.
و «الأمة» أيضا: القامة، يقال: فلان حسن الأمة، أي: حسن القامة. قال الشاعر: [المتقارب]
وإنّ معاوية الأكرمين... حسان الوجوه طوال الأمم
الإعراب: ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فكيف حالهم، أو في محل نصب حال، عامله محذوف، التقدير: فكيف يصنع هؤلاء الكفرة، والجملة سواء أكانت اسمية، أو فعلية: مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلّق بالفعل المقدّر، أو هو متعلّق بنفس المبتدأ الّذي قدّرناه. ﴿جِئْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. هذا؛ ومثل هذه الآية في إعرابها الآية رقم [٢٥]: من سورة (آل عمران)، ومثل الآيتين قول الفرزدق-وهو الشّاهد رقم [٢٢٥]: من كتابنا: «فتح رب البريّة»، والشاهد رقم [٥٢٨]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]
стр. 1160
فكيف إذا مررت بدار قوم... وجيران لنا كانوا كرام
﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (﴿كُلِّ﴾) مضاف، و ﴿أُمَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِشَهِيدٍ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَجِئْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿بِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿هؤُلاءِ:﴾
الهاء للتنبيه لا محل لها. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلّقان بالفعل: ﴿جِئْنا،﴾ أو هما متعلّقان ب ﴿شَهِيداً﴾ بعدهما. ﴿شَهِيداً:﴾ حال من كاف الخطاب.
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً (٤٢)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ..﴾. إلخ أي: في اليوم العصيب الذي يشهد فيه كلّ نبيّ على أمته، ويشهد الرّسول ﷺ على أمّته يتمنّى الذين كفروا، وعصوا الرسول لو يدفنوا في الأرض، ثمّ تسوى بهم كما تسوّى بالموتى، أو لو تنشق الأرض، فتبتلعهم، ويكونون ترابا، كقوله تعالى في آخر سورة النبأ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾.
﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً:﴾ قال ابن عباس-﵄-في رواية عطاء عنه: لو تسوّى بهم الأرض، وأنّهم لم يكونوا كتموا أمر محمد ﷺ ، ولا كفروا به، ولا نافقوه. فعلى هذا القول يكون الكتمان ما كتموا في الدنيا من صفة محمّد ﷺ ، ونعته، وهو كلام متصل بما قبله.
وقيل: هو كلام مستأنف، قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: سأل رجل ابن عباس ﵄-فقال: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، قال: هات ما يختلف عليك، قال: منها قوله تعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً،﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فقد كتموا، فقال ابن عباس: يغفر الله تعالى لأهل الإسلام ذنوبهم، ويدخلهم الجنة، فيقول المشركون: تعالوا نقول: ما كنا مشركين، فيقولون: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاء أن يغفر لهم، فيختم على أفواههم، وتنطق أيديهم، وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك عرفوا: أنّ الله لا يكتم حديثا، وعنده ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلاّ من عند الله.
وقال الحسن البصري: إنّها مواطن؛ ففي موطن لا يتكلّمون، ولا تسمع إلا همسا، وفي موطن يعترفون على أنفسهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾. وفي موطن لا يتساءلون، وفي موطن يتساءلون، وفي موطن يسألون الرجعة، وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم، وتتكلّم جوارحهم، فهو قوله تعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾.
стр. 1161
هذا؛ و ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان مضاف لظرف آخر، التنوين فيه ينوب عن جملة محذوفة دلّت عليها الغاية، فإنّ الأصل: يوم إذ جئنا من كل أمة بشهيد... إلخ، و (إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوّض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء السّاكنين، كما كسرت في (صه، ومه) عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما.
الإعراب: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلّق بالفعل بعده. وقيل: متعلّق ب ﴿شَهِيداً﴾ قبله، وإذ ظرف لما مضى من الزّمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرّك بالكسر لالتقاء الساكنين. ﴿يَوَدُّ﴾ فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل.
﴿كَفَرُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿يَوَدُّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها على تعليق الظرف ب ﴿يَوَدُّ،﴾ وصفة له على تعليقه بما قبله. ﴿وَعَصَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، وحركت بالضم لالتقاء الساكنين، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصّلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿الرَّسُولَ:﴾ مفعول به. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري.
﴿تُسَوّى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿بِهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَرْضُ:﴾ نائب فاعل، و ﴿لَوْ﴾ المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ل ﴿يَوَدُّ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾):
نافية. ﴿يَكْتُمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿حَدِيثاً:﴾
مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محلّ لها. انظر الشرح، وجوز أبو البقاء اعتبارها حالا من واو الجماعة، ويكون الرّابط: الواو، والضمير.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)﴾
الشرح: وجه اتصال الآية بما قبلها: أنّ الله تعالى قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ثمّ ذكر بعد الإيمان الصّلاة التي هي رأس العبادات، ولذلك يقتل تاركها. ولا يسقط فرضها بحال من الأحوال، بل يجب أن تؤدّى بقدر الإمكان.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: خصّ الله المؤمنين بهذا الخطاب؛ لأنّهم كانوا يقيمون الصّلاة، وقد أخذ بعض الصحابة من الخمر، وأتلفت عليهم عقولهم، فخصّوا بهذا
стр. 1162
الخطاب. وقيل لهم: لا تدخلوا في الصلاة، وتحرموا بها في حال سكركم، ونهى عن قربان الصّلاة في حال السّكر، وهو أبلغ في النّهي عن الصّلاة في تلك الحالة. والقاعدة: أنّ الأحكام إذا كانت نواهي؛ يقال فيها: لا تقربوها؛ على حدّ قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى،﴾ و ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ﴾ وهكذا، وإن كانت أوامر، يقال فيها: لا تعتدوها، أي: لا تتجاوزوها، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾. هذا وقيل: المراد بالصلاة: أمكنتها، وهي المساجد. و ﴿سُكارى﴾ يقرأ بفتح السين وضمها، كما قرئ: («سكرى») كهلكى، على أنّه جمع، أو مفرد بمعنى: وأنتم قوم سكرى.
﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ أي: في صلاتكم من الذكر، وقراءة القرآن. وهذا كان قبل نزول تحريم الخمر، كما ستعرفه. ﴿وَلا جُنُباً﴾ أي: في حال الجنابة، والجنب يستوي فيه الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث؛ لأنّه اسم جرى مجرى المصدر الّذي هو: الإجناب، وأصل الجنابة: البعد، سمّي الذي أصابته الجنابة جنبا؛ لأنّه يتجنّب الصلاة، والمسجد. وقيل:
لمجانبته النّاس؛ حتّى يغتسل، قال علقمة بن عبدة: [الطويل]
فلا تحرمنّي نائلا عن جنابة... فإنّي امرؤ وسط القباب غريب
هذا؛ والجنابة تحصل بخروج المنيّ بأيّ سبب كان، وبإدخال الحشفة في فرج، ولو بهيمة، ولو من غير إنزال.
هذا؛ ويحرم على الجنب خمسة أشياء: الصّلاة، والطّواف، وقراءة القرآن، ودخول المسجد، ومسّ المصحف، وحمله. ﴿إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ العابر هاهنا: اسم فاعل من العبور، وهو قطع الطريق من هذا الجانب إلى الجانب الآخر. واختلف العلماء في معناه على قولين:
أحدهما: أنّ المراد بالعبور في المسجد، وذلك أنّ قوما من الأنصار، كانت أبوابهم في المسجد، فتصيبهم الجنابة، ولا ماء عندهم، ولا ممرّ لهم إلا في المسجد، فرخّص لهم العبور فيه. فعلى هذا يكون المراد بالصّلاة موضع الصّلاة. والمعنى: لا تقربوا المسجد، وأنتم جنب إلا مجتازين فيه، إمّا للخروج منه، أو للدخول فيه، مثل أن يكون قد نام في المسجد، فأجنب، فيجب الخروج منه، أو يكون الماء في المسجد، فيدخله إليه، أو يكون طريقه عليه، فيمر فيه من غير إقامة. وهذا قول ابن مسعود، وأنس، والحسن البصري، وكثير من التابعين، وإليه ذهب الشّافعي، وأحمد-﵃.
القول الثاني: أنّ المراد من قوله: ﴿إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ المسافرون، والمعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين، ولم تجدوا ماء، فتيمّموا. فمنع الجنب من الصّلاة؛ حتّى يغتسل، إلا أن يكون في سفر، ولا ماء معه، فيتيمّم، ويصلّي إلى أن يجد ماء، فيغتسل.
стр. 1163
وهذا قول عليّ، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، فمن جعل عابري السبيل المسافرين؛ منع الجنب من العبور في المسجد. وهو مذهب أبي حنيفة، رحمه الله تعالى.
وصحّح ابن جرير الطبري، والواحدي القول الأول، ويدلّ عليه: أنّ جميع القراء استحسنوا الوقف على قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.
تنبيه: اختلف العلماء في العبور في المسجد، فأباحه قوم على الإطلاق، وهو قول الحسن، وبه قال مالك، والشّافعي. ومنعه قوم على الإطلاق، وهو قول أصحاب الرأي. وقال قوم: يقيم للعبور في المسجد. واختلف العلماء في المكث في المسجد أيضا للجنب، فمنعه أكثر أهل العلم، وقالوا: لا يجوز للجنب المكث في المسجد بحال، لما روي عن عائشة-﵂-قالت: جاء رسول الله ﷺ ، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: «وجّهوا هذه البيوت عن المسجد» فخرج إليهم بعد، فقال: «وجّهوا هذه البيوت عن المسجد، فإنّي لا أحلّ المسجد لحائض، ولا جنب». أخرجه أبو داود. وجوز الإمام أحمد المكث في المسجد للجنب بشرط الوضوء. وعن عبد الله بن عمر-﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقرأ الجنب، ولا الحائض، ولا النّفساء من القرآن شيئا». أخرجه الدّارقطني.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى:﴾ جمع مريض، وأراد به المرض الذي يضرّ معه إمساس الماء، فيخاف من استعماله التلف، أو زيادة المرض، فإنّه يتيمّم، ويصلي مع وجود الماء، وإن كان بعض أعضائه صحيحا، وبعضها جريحا؛ غسل الصّحيح، ويتيمّم عن الجريح في الوجه واليدين، لما روي عن جابر-﵁، قال: خرجنا في سفرنا، فأصاب رجلا منّا حجر، فشجّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمّم؟ فقالوا: ما نحد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلمّا قدمنا على رسول الله ﷺ أخبر بذلك، فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنّما شفاء العيّ السّؤال، إنّما كان يكفيه أن يتيمّم، ويعصر، أو يعصب-شكّ الرّاوي-على جرحه خرقة، ثمّ يمسح عليه، ويغسل سائر جسده». أخرجه أبو داود، والدارقطني.
ولم يجوّز أصحاب الرأي الحنفيّة الجمع بين الغسل، والتيمم، قالوا: إذا كان أكثر أعضائه أو بدنه صحيحا غسل الصحيح، ولا يتيمّم عليه، وإن كان الأكثر جريحا؛ اقتصر على التيمّم.
والحديث حجّة لمن أوجب الجمع بين الغسل، والتيمّم.
﴿أَوْ عَلى سَفَرٍ﴾ يعني: أو كنتم مسافرين، وأراد به السّفر الطّويل، والقصير، وعدم الماء، فإنّه يتيمّم، ويصلّي، ولا إعادة عليه، لما روي عن أبي ذر-﵁-قال: اجتمعت غنيمة عند رسول الله ﷺ : أي: من مال الزّكاة، فقال: «يا أبا ذرّ! ابد فيها» أي: أخرج إلى البادية فيها، فبدوت إلى الربذة، فكانت تصيبني الجنابة، فأمكث الخمس، والستّ، فأتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
стр. 1164
فأخبرته، فقال: «ثكلتك أمّك يا أبا ذرّ! لأمّك الويل!» فدعا بجارية سوداء، فجاءت بعسّ فيه ماء، فسترتني بثوب، واستترت بالرّاحلة، فاغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلا، فقال ﷺ :
«الصّعيد الطّيّب وضوء المسلم إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء؛ فأمسّه جلدك، فإنّ ذلك خير». أخرجه أبو داود.
أمّا إذا لم يكن الرّجل مريضا، ولا على سفر، وعدم الماء في موضع لا يعدم فيه غالبا؛ فإنّه يتيمّم، ويصلي، ثمّ يعيد إذا وجد الماء، وقدر عليه. وبه قال الشّافعيّ. وقال مالك، والأوزاعيّ: لا إعادة عليه، وقال أبو حنيفة: يؤخّر الصّلاة حتّى يجد الماء.
﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ:﴾ الغائط: المكان المطمئن من الأرض، وجمعه: الغيطان، وكانت عادة العرب إتيان الغائط للحدث، فكنوا به عن الحدث، وذلك أنّ الرّجل منهم كان إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطا من الأرض-يعني: مكانا منخفضا من الأرض-يحجبه عن أعين الناس، فسمّي الحدث بهذا الاسم، فهو من باب تسمية الشّيء باسم مكانه.
﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ:﴾ إذا أفضى الرّجل بيده، أو بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة، ولا حائل بينهما؛ انتقض وضوؤهما، وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وبه قال الزّهري، والأوزاعيّ، والشّافعيّ، لما رواه الشافعي بسنده عن ابن عمر: أنّه قال: «قبلة الرّجل امرأته، وجسّها بيده من الملامسة، فمن قبّل امرأته، أو جسّها بيده؛ فعليه الوضوء». أخرجه مالك في الموطّأ. وقال الشافعي: وبلغنا عن ابن مسعود مثله، وقال مالك، والليث بن سعد، وأحمد: إذا كان اللمس بشهوة؛ انتقض الوضوء، وإن لم يكن بشهوة؛ فلا. وقال أبو حنيفة: لا ينتقض الوضوء باللّمس إلا أن يحدث الانتشار، وقال: إنّ ﴿لامَسْتُمُ﴾ بمعنى: جامعتم، ويؤيد الأوّل قراءة: («لمستم») واللّمس يطلق في الشّرع على الجسّ باليد، قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي: جسّوه. وقال ﷺ لماعز حين أقرّ بالزنى يعرض له بالرجوع عن الإقرار: «لعلّك قبلت، أو لمست». وفي الحديث الصحيح: «واليد تزني، وزناها اللّمس». وقالت عائشة-﵂: قلّ يوم إلا ورسول الله ﷺ يطوف علينا، فيقبّل، ويلمس، ولا دليل فيه لعدم النّقض، بل هو دليل على أنّ اللّمس: الملامسة، لا الجماع.
﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً:﴾ اعلم أنّ التيمم من خصائص هذه الأمّة، خصّها الله به؛ ليسهل عليهم أسباب العبادة، ويدلّ على ذلك ما روي عن حذيفة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «فضّلنا على النّاس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلّها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا؛ إذا لم نجد الماء». أخرجه مسلم.
وكان سبب بدء التيمّم ما روي عن عائشة-﵂، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتّى إذا كنّا بالبيداء، أو بذات الجيش؛ انقطع عقد لي، فأقام رسول الله
стр. 1165
صلّى الله عليه وسلّم على الناس، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى النّاس إلى أبي بكر ﵁-فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة برسول الله ﷺ ، وبالنّاس معه، وليس معهم ماء؟ فجاء أبو بكر، ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي؛ قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليس معهم ماء قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده بخاصرتي، فلا يمنعني من التّحرّك، إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمّم، فتيمّموا، فقال أسيد بن حضير ﵁-وهو أحد النّقباء-: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر! قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته. أخرجاه في الصّحيحين.
واختلف في الصّعيد الطيب: فقال الشافعي-رحمه الله تعالى-: لا يقع اسم الصعيد إلا على تراب ذي غبار، وهو القدوة في اللّغة، وقوله في ذلك حجّة، وقد وافقه على ذلك الفراء، وأبو عبيدة في أنّه التراب. وجميع الأقوال في الصّعيد صحيحة في اللّغة، وقد قال ابن عباس-﵄: الصّعيد: هو التراب، ولأن النبيّ ﷺ قال: «جعلت لي الأرض مسجدا، وترابها طهورا». فخصّ التراب بالطّهور، ولأنّ الله تعالى وصف الصّعيد بالطّيب، والطّيب من الأرض الّذي هو ينبت فيها، بدليل قوله تعالى في سورة (الأعراف): ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ﴾ فعلى هذا ما لا ينبت ليس بطيّب، وللشّافعي أيضا قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وكلمة (من) للتبعيض هنا، ولا يأتي ذلك في الصّخر الذي لا تراب عليه. وأيضا فإنّه يقال للغبار: صعيدا؛ لأنّه مأخوذ من الصّعود، وهو الارتفاع، ولا يكون ذلك في الصّخر، وما أشبهه.
وذهب أبو حنيفة، ومالك-رحمهما الله تعالى-إلى أنّه يجوز التيمّم بكل ما هو من جنس الأرض، كالرّمل، والجصّ، والنّورة والزّرنيخ، ونحو ذلك حتى لو ضرب يده على صخرة ملساء، لا غبار عليها؛ صحّ تيمّمه عندهم، واحتجّوا بظاهر الآية، قالوا: لأنّ التيمّم القصد، والصّعيد اسم لما تصاعد من الأرض، فقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ أي: اقصدوا أرضا، فوجب أن يكون هذا القدر كافيا.
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ:﴾ الوجه الممسوح في التيمّم هو المحدود في الوضوء، وفي اليدين إلى المرافق، وذلك يكون بضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين.
﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا:﴾ يتجاوز عن ذنوب عباده، ويعفو عنهم، ويصفح، فهو صيغة مبالغة.
﴿غَفُوراً:﴾ ستورا على عباده، يغفر الذنوب، ويسترها. وفيه تنبيه على أنّ الله تعالى رخّص لعباده أمر العبادة، ويسّرها عليهم؛ لأنّ من كانت عادته أن يغفر الذّنوب، ويسترها؛ كان أولى بأن يرخّص للعاجزين أمر العبادة.
стр. 1166
بعد هذا: أفادت الآية الكريمة: أنّ الجنب، والمحدث إذا فقد كلّ منهما الماء؛ يتيمّم بالتّراب، لا فرق بينهما في الحكم، ويقاس عليهما الحائض، والنفساء، وكذلك يتيمّم المريض، والّذي يخشى ضررا من البرد، وأنّ التيمّم في الوجه، واليدين دون سائر الأعضاء.
بعد هذا انظر ما ذكرته في سورة (البقرة) رقم [٢١٩] بشأن تحريم الخمر، وكيف كان تحريمه على دفعات، ومراتب؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٢٩]. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿سُكارى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿تَعْلَمُوا:﴾
فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والفعل بمعنى: تعرفوا، فلذا اكتفى بمفعول واحد، و «أن» المضمرة والفعل في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:
حتى تعلموا الذي، أو: شيئا تقولونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: حتى تعلموا قولكم. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية.
﴿جُنُباً:﴾ معطوف على الجملة الاسمية الواقعة حالا. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿عابِرِي:﴾ مستثنى من عموم الأحوال منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم. وحذفت النون للإضافة، و ﴿عابِرِي:﴾ مضاف، و ﴿سَبِيلٍ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وهناك قول بأنّ ﴿إِلاّ﴾ صفة: ﴿جُنُباً﴾ وهي بمعنى: غير، ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية لكونها على صورة الحرف، وهي مضافة، و ﴿عابِرِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المنقولة إليه من ﴿إِلاّ﴾ ووقوع ﴿إِلاّ،﴾ بمعنى «غير» قاله به ابن هشام في المغني، ومن شواهدها قول لبيد بن ربيعة ﵁-وهو الشّاهد رقم [١١٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]
لو كان غيري-سليمى-الدّهر غيّره... وقع الحوادث إلاّ الصّارم الذّكر
﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا﴾ بلا فارق، والجار والمجرور الناتجان من ﴿حَتّى﴾ والمصدر المؤوّل متعلّقان بالفعل: ﴿لا تَقْرَبُوا﴾ أيضا.
﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مَرْضى:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه
стр. 1167
فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿عَلى سَفَرٍ:﴾ معطوفان على ﴿مَرْضى﴾ فهما متعلقان بمحذوف خبر (كان) في المعنى. ﴿جاءَ أَحَدٌ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ﴿مَرْضى﴾ أيضا كذا قيل، والأصح: أنّها معطوفة على ﴿كُنْتُمْ مَرْضى﴾ أيضا. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٌ﴾. ﴿مِنَ الْغائِطِ:﴾ متعلقان ب ﴿جاءَ﴾. ﴿لامَسْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُمْ مَرْضى﴾. ﴿النِّساءَ:﴾ مفعول به. ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَجِدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لم) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ماءً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُمْ مَرْضى﴾ أيضا. ﴿فَتَيَمَّمُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (تيمموا):
فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد. و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له من الإعراب، وبعده كلام مقدّر، أي: فاضربوا به ضربتين.
﴿صَعِيداً:﴾ مفعول به. وقيل: منصوب بنزع الخافض؛ أي: بصعيد. وقيل: هو ظرف مكان، ومن جعل ﴿طَيِّباً﴾ بمعنى: حلالا نصبه على الحال، أو المصدر، وقوله تعالى:
(امسحوا) معطوف على المحذوف؛ الذي رأيت تقديره. ﴿بِوُجُوهِكُمْ:﴾ الباء: حرف جر صلة.
(وجوهكم): مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل.
﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿عَفُوًّا غَفُوراً:﴾ خبران ل ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها مستأنفة، ومفيدة للتّعليل.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ ألم تنظر. فهو تعجب من حال اليهود، والخطاب للنبيّ ﷺ ، ويعمّ كلّ مؤمن عاقل عنده شيء من التفكير، والتبصّر. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ:﴾ المراد بهم علماء اليهود، والمراد بالنصيب الذي أوتوه: ما بيّن لهم في التوراة من الأحكام، والعلوم التي من جملتها ما علموه من صفات النبي ﷺ وأحقيّة الإسلام. ومعنى: ﴿أُوتُوا:﴾ أعطوا، وأصله أوتيوا، فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء، والواو، فحذفت الياء، فصار: (﴿أُوتُوا﴾) ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو، فصار: ﴿أُوتُوا﴾.
стр. 1168
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ أي: يختارونها على الهدى، أو يستبدلونها به، لذا فأصل الكلام: يشترون الضلالة بالهدى، فالباء بمعنى: بدل، وهي داخلة على محذوف، والمراد بأنّهم يأخذون الرّشا، ويحرّفون التوراة. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: لم يكفهم أن ضلّوا في أنفسهم؛ حتّى تعلّقت آمالهم بضلالكم أنتم أيها المؤمنون عن سبيل الحقّ؛ لأنّهم أيقنوا: أنّهم قد خرجوا من الحق إلى الباطل، فكرهوا أن يكون المؤمنون مختصين باتباع الحق، فأرادوا أن تضلوا كما ضلّوا، كما قال تعالى في الآية رقم [٨٩] الآتية: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾. ولا تنس الاستعارة في:
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ فالشراء هنا مستعار، والمعنى: استحبوا الكفر على الإيمان.
قال ابن عباس-﵄: نزلت هذه الآية الكريمة في رفاعة بن زيد، ومالك بن الدخشم اليهوديين، كانا إذا تكلّم رسول الله ﷺ لويا ألسنتهما، وعاباه، وكانا يأتيان رأس المنافقين، ورهطه، يثبطانهم عن الإسلام.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتعجّب. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿إِلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿نَصِيباً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان ب: ﴿نَصِيباً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿يَشْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.
﴿الضَّلالَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح. (﴿يُرِيدُونَ﴾): مضارع، وفاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَضِلُّوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله... إلخ، و ﴿أَنْ تَضِلُّوا:﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿السَّبِيلَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَيُرِيدُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً (٤٥)﴾
الشرح: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ:﴾ أي: منكم، فيخبركم بهم لتبتعدوا عنهم، ولتكونوا على حذر منهم، ومن مخالطتهم. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا﴾ أي: حافظا من شرّهم، فثقوا به، واعتمدوا عليه.
﴿نَصِيراً﴾ معينا يعينكم على أعدائكم.
هذا؛ والولي: من يتولّى شئون غيره، والنّصير بمعنى المعين، والمساعد، والفرق بينهما:
أنّ الولي قد يضعف عن النّصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيّا من المنصور، فبينهما
стр. 1169
عموم، وخصوص من وجه. هذا؛ والولي لله: العارف بالله تعالى على حسب ما يمكن، المواظب على الطّاعات، المعرض عن الانهماك في اللّذات، والشّهوات.
وفيه وجهان: أحدهما: أنّه فعيل بمعنى: مفعول، كقتيل بمعنى: مقتول، وجريح بمعنى:
مجروح. فعلى هذا هو: من يتولّى الله حفظه، ورعايته، فلا يكله إلى غيره، ونفسه طرفة عين، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾. الوجه الثاني: أنّه فعيل مبالغة من فاعل، كرحيم، وعليم، بمعنى: راحم، وعالم، فعلى هذا هو من يتولّى عبادة الله تعالى من غير أن يتخلّلها عصيان، أو فتور. وكلا المعنيين شرط في الولاية.
فمن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أنّ من شروط النّبيّ أن يكون معصوما، فكلّ من كان للشرع عليه اعتراض؛ فليس بولي، بل هو مغرور مخادع. ذكره الإمام أبو القاسم القشيري، وغيره من أئمّة الطّريقة، رحمهم الله تعالى. انتهى من شرح ألفاظ الزبد للشيخ أحمد بن حجازي الفشني، رحمه الله تعالى. وربنا يقول في الحديث القدسي: «من عادى لي وليّا؛ فقد آذنته بالحرب».
هذا؛ والفعل (﴿كَفى﴾) بمعنى: اكتف، فالباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومثله مضارعه، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ وانظر:
الآية رقم [٦] ففيها فضل زيادة.
الإعراب: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ أَعْلَمُ﴾): مبتدأ، وخبر. ﴿بِأَعْدائِكُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. (﴿كَفى﴾): فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر. ﴿بِاللهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (﴿اللهُ﴾): فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وقيل: الباء أصلية، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، على أنّهما مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: الاكتفاء. والمعتمد الأول. ﴿وَلِيًّا:﴾ تمييز.
وقيل: حال. والمعتمد الأول، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِسْمَعْ وَاُنْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً (٤٦)﴾
الشرح: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا:﴾ هم اليهود سمّوا بذلك لمّا تابوا من عبادة العجل، من: «هاد» بمعنى: تاب، ورجع، ومنه قوله تعالى، حكاية عن قولهم في سورة (الأعراف) رقم [١٥٦]: ﴿إِنّا﴾
стр. 1170
هُدْنا إِلَيْكَ أو سمّوا بذلك نسبة إلى يهودا بن يعقوب، وهو أكبر أولاده. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ أي: يغيّرون كلام الله في التوراة، ويبدّلونه، فكانوا يغيّرون صفات الرّسول ﷺ الموجودة في التوراة، فقد وضعوا مكان أبيض ربعة: آدم طوال، وهكذا. وقال ابن عباس-﵄: كانت اليهود يأتون رسول الله ﷺ ، فيسألونه عن الأمر، فيخبرهم به، فيرى: أنّهم يأخذون بقوله، فإذا خرجوا من عنده؛ حرّفوا كلامه. وانظر الآية رقم [٤١٢] من سورة (المائدة) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
هذا؛ وقرئ: «الكلم» بكسر الكاف وسكون اللام، وبفتح الكاف وكسر اللام، وهو جمع:
كلمة، وهو مؤلف من كلمتين، أو أكثر، أفاد فائدة، أم لم يفد. وأمّا الكلام فلا يكون إلا من كلمتين، أو أكثر، أفاد فائدة يحسن السكوت عليها، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]
كلامنا لفظ مفيد كاستقم... واسم وفعل ثمّ حرف الكلم
واحده كلمة والقول عم...
﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا﴾ أي: قولك بآذاننا. ﴿وَعَصَيْنا:﴾ أي: أمرك بقلوبنا، وجوارحنا. وذلك:
أنّهم كانوا إذا أمرهم النبيّ ﷺ بأمر؛ قالوا في الظاهر: سمعنا، وقالوا في الباطن: عصينا. وهذا أبلغ في الكفر، والعناد. ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: اسمع ما نقول، لا سمعت؛ والكلام ذو وجهين: يحتمل الخير، والشرّ، فأصله للخير، أي: لا سمعت مكروها، ولكن اليهود اللّؤماء، كانوا يقصدون به الدّعاء على الرسول ﷺ ؛ أي: لا أسمعك الله، وهو دعاء عليه بالصّمم، أو بالموت. أو: اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، أو: اسمع غير مسمع كلاما ترضاه. أو:
اسمع كلاما غير مسمع إيّاك؛ لأنّ أذنك تنبو عنه.
﴿وَراعِنا﴾ معناها في العربية: أنظرنا، وتمهّل علينا، وهي في لغة اليهود سبّ من الرّعونة، وكانوا يقولون لأصحابهم: إنّنا نشتم محمدا، ولا يعرف، ولو كان نبيّا؛ لعرف ذلك، فأطلعه الله على خبث ضمائرهم، وسوء نيّاتهم، وما في قلوبهم من العداوة، والبغضاء. ومثل هذه الآية في معناها، ومغزاها قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٤]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا..﴾. إلخ.
﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ:﴾ أي: صرفا للكلام عن نهجه الصّحيح إلى نسبة السّبّ؛ حيث وضعوا:
﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ موضع: لا سمعت مكروها، وأجروا: راعنا، مجرى: أنظرنا. وأصل ليّا: لويا فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء. وأصل اللّي: فتل الحبل، فاستعير هنا للكلام الذي قصد به غير ظاهره.
(ألسنتهم): جمع لسان، وهو على هذا مذكّر، كحمار، وأحمرة، ويجمع أيضا على:
ألسن. وهو على هذا مؤنّث، كذراع، وأذرع. ويجمع أيضا على: لسن بضم اللام، وضم
стр. 1171
السين، وتسكينها أيضا، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة، وقد يجعل اللّسان كناية عن كلمة السّوء، كما في قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٣٣٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]
لسان السّوء تهديها إلينا... وحنت وما حسبتك أن تحينا
فيؤنث لا غير، كما يجعل كناية عن الرسالة، أو القصيدة من الشّعر، كقول الآخر: [المتقارب]
أتتني لسان بني عامر... فجلّى أحاديثها عن بصر
وقد يجعل كناية عن الكلمة الواحدة، كما في قول الأعشى، وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر: [البسيط]
إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها... من علو لا عجب منها ولا سخر
قال الجوهري: يروى: من علو-بضم الواو، وفتحها، وكسرها-أي أتاني خبر من أعلى.
والتأنيث للكلمة، وقد أطلق الله اللّسان على القرآن بكامله مع التّذكير في سورة (النّحل) حيث قال جلّ ذكره: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ كما أطلقه على الثناء الجميل، والذّكر الحسن في قوله جلّ ذكره في سورة (مريم) على نبينا وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾.
﴿وَطَعْناً فِي الدِّينِ﴾ أي: استهزاء، وسخرية. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ أي: قالوا بدل:
﴿سَمِعْنا وَعَصَيْنا:﴾ ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾. ﴿وَاسْمَعْ:﴾ أي: بدل: لا سمعت. ﴿وَانْظُرْنا:﴾ أي: بدل قولهم: ﴿وَراعِنا﴾. ﴿لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ أي: قولهم ذلك أفضل. ﴿وَأَقْوَمَ﴾ أي: أعدل، وأصوب، وأنجى لهم في الدنيا، والآخرة. وانظر ما ذكرته في سورة (البقرة) رقم [١٠٤] فإنّه جيّد. والحمد لله!.
﴿وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: طردهم من رحمته، وأبعدهم من رضوانه بسبب كفرهم بمحمّد ﷺ . وانظر «اللّعن» في الآية رقم [٦١] من سورة (آل عمران). ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي: فلا يؤمن من اليهود إلا نفر قليل، مثل: عبد الله بن سلام، وأصحابه. أو المعنى: إلا إيمانا قليلا ضعيفا، لا يعبأ به، وهو إيمانهم بأنّ الله خالقهم، ورازقهم، أو أراد بالقلّة: العدم، كقول الشاعر: [الطويل]
قليل التّشكّي للمهمّ يصيبه
أي: عديم التشكي. هذا؛ وقال الله هنا: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾. وقال تعالى في سورة (المائدة): ﴿مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ فالأوّل بمعنى الإمالة، والإزالة، والتّغيير، والتّبديل. وأمّا
стр. 1172
الثّاني؛ فإنّه بمعنى: أنّه كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرّفوه تركوه كالغريب، الّذي لا موضع له بعد مواضعه، ومقارّه. انتهى. كشّاف.
الإعراب: ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم لمبتدإ محذوف. هذا؛ وقال الزّجّاج-رحمه الله تعالى-: إن جعلت: ﴿مِنَ﴾ متعلقة بما قبل، فلا يوقف على قوله:
﴿نَصِيراً،﴾ وإن جعلتها منقطعة عما قبلها، فيجوز الوقف على: ﴿نَصِيراً،﴾ ويكون التقدير: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم، ثمّ حذف. وهذا مذهب سيبويه، وأنشد النّحويون: [الرجز]
لو قلت ما في قومها لم تيثم... يفضلها في حسب وميسم
قالوا: المعنى لو قلت: ما في قومها أحد يفضلها. ومثله قول تميم بن عقيل: [الطويل]
وما الدّهر إلاّ تارتان فمنهما... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
إذ التقدير: فمنهما تارة أموت منها، وقال تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٦٤]: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ انظرها فالكلام عليها جيّد، والحمد لله! وعلى ما تقدّم فالجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿هادُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿يُحَرِّفُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله. ﴿الْكَلِمَ﴾ مفعول به. ﴿عَنْ مَواضِعِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة للمبتدإ المحذوف، الذي رأيت تقديره. (﴿يَقُولُونَ﴾): فعل مضارع، وفاعله. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والتي بعدها معطوفة عليها، وحذف مفعول الفعلين، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع صفة مثلها. (﴿اِسْمَعْ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من الفاعل المستتر، وهو مضاف، و ﴿مُسْمَعٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَراعِنا:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: أنت، و (نا): مفعول به، والجملة معطوفة أيضا، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿لَيًّا:﴾ مفعول لأجله، عامله: (﴿يَقُولُونَ﴾).
وقيل: هو حال من واو الجماعة بمعنى: لاوين. ﴿بِأَلْسِنَتِهِمْ:﴾ متعلقان ب ﴿لَيًّا﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَطَعْناً:﴾ معطوف على: ﴿لَيًّا﴾. ﴿فِي الدِّينِ:﴾ متعلقان ب (طعنا) أو بمحذوف صفة له.
﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا﴾ الإعراب واضح إن شاء الله. والجمل كلّها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في
стр. 1173
محل رفع خبر (أنّ) و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير: ولو ثبت، أو حصل قولهم. وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو قولهم ثابت، أو حاصل، وقول المبرد هو المرجّح هنا؛ لأنّ «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدّر، وفاعله جملة فعلية لا محلّ لها من الإعراب؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَكانَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (كان): فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر تقديره: هو، يعود إلى القول المفهوم من الكلام المتقدّم. ﴿خَيْراً:﴾ خبر كان. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْراً﴾.
﴿وَأَقْوَمَ:﴾ معطوف على ﴿خَيْراً﴾ ومتعلقه محذوف، اكتفاء بمتعلق: ﴿خَيْراً﴾. وجملة: ﴿لَكانَ..﴾.
إلخ جواب (لو) لا محلّ لها. و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.
﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿لَعَنَهُمُ:﴾
فعل ماض، ومفعوله. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على (لو) ومدخولها، لا محلّ لها أيضا. ﴿بِكُفْرِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف تعليل. (لا): نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية تعليل ل (لعن) لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: إلا إيمانا قليلا، لا يعبأ به، أو هو صفة لمستثنى محذوف، التقدير:
إلا نفرا قليلا. انظر الشرح.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٤٧)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ هذا النداء يشمل اليهود، والنّصارى، والمراد به هنا:
اليهود خاصّة. ﴿آمِنُوا بِما نَزَّلْنا﴾ يعني: القرآن الكريم. ﴿مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ﴾ يعني: التوراة، التي كانت بيد اليهود، وأنزلها الله تعالى على موسى، وهارون، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. ومعنى تصديق القرآن للتوراة: نزوله حسبما نعت لهم فيها النبيّ ﷺ ، أو كونه موافقا لها في القصص، والمواعيد، والدّعوة إلى التّوحيد، والعدل بين النّاس، والنّهي عن المعاصي، والفواحش، وأمّا ما يتراءى من مخالفته لها في جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار، والأمم؛ فليس بمخالفة في الحقيقة، بل هو عين الموافقة؛ من حيث إنّ كلاّ منها حقّ بالإضافة إلى عصره، تضمّن للحكمة الّتي يدور عليها فلك التشريع.
стр. 1174
هذا؛ وقال تعالى في هذه الآية: ﴿بِما نَزَّلْنا،﴾ وقال في كثير من الآيات: ﴿أَنْزَلْنا﴾ والفرق بينهما: أنّ الأوّل يفيد: أنّ القرآن نزل مفرّقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال على ما نرى عليه أهل الشّعر، والخطابة، وهذا ممّا يريب الكافرين، والملحدين، كما حكى الله سبحانه عنهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبيّن سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ الآية رقم [٣٢] من سورة (الفرقان)، وأمّا لفظ: ﴿أَنْزَلْنا﴾ فإنّه يفيد: أنّه نزل جملة واحدة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً..﴾. إلخ: أي: من قبل أن نمحو عنهم تخطيط صورها، ونجعلها على هيئة أدبارها. يعني: الأقفاء. وقيل: نديرها، فنجعل الوجوه إلى خلف، والأقفاء إلى قدّام، وإنّما جعل الله هذا عقوبة لهم، لما فيه من تشويه الخلقة، والمثلة، والفضيحة، وعند هذا تكثر الحسرات، ويحصل لهم الغمّ. وقال ابن عباس-﵄: ﴿نَطْمِسَ وُجُوهاً:﴾
نجعلها كخفّ البعير، أو كحافر الدّابة. وقال قتادة، والضّحاك: نعميها، كقوله تعالى: ﴿فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ﴾ رقم [٣٧] من سورة (القمر). وقيل: المعنى: نجعل منابت الشعر كوجوه القردة. هذا؛ ولم يفعل الله بهم ما هدّدهم به؛ لأنّ هذا الوعيد، والتّهديد كان مشروطا بعدم الإيمان، وقد آمن منهم ناس، فرفع عن الباقين.
روي: أنّ عبد الله بن سلام-﵁-لمّا سمع هذه الآية، وكان قافلا من الشّام جاء إلى النبيّ ﷺ قبل أن يأتي أهله، فأسلم، وقال: يا رسول الله! ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يحوّل وجهي إلى قفاي! وكذلك روي عن كعب الأحبار: أنّه لمّا سمع هذه الآية في خلافة عمر ﵁-أسلم، وقال: يا ربّ! أسلمت مخافة أن يصيبني وعيد هذه الآية، فكان هذا الوعيد مشروطا بأن لا يؤمن أحد منهم، وهذا الشّرط لم يوجد؛ لأنّه آمن منهم جمع كثير في زمن النبيّ ﷺ وبعده. هذا؛ والوجه: ما تتمّ به المواجهة، وقد يعبّر به عن الذّات، ومنه قوله تعالى في سورة (الرّحمن): ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ وفي آخر سورة (القصص): ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾.
﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ:﴾ السبت: أحد أيام الأسبوع المعروفة، قال ابن عطية-رحمه الله تعالى-: والسّبت إما مأخوذ من السّبوت، الذي هو الرّاحة والدّعة، وإمّا من السبت، وهو:
القطع؛ لأنّ الأشياء سبتت، وتم خلقها في أيام الأسبوع السّتّة قبله. هذا؛ والسّبت بكسر السين:
الجلد المدبوغ بالقرظ، ولم ينجرد من شعره. وقال أبو زيد: السّبت: جلود البقر خاصّة مدبوغة.
قال عنترة في معلّقته-وهو الشّاهد رقم [٣٠٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]
بطل كأنّ نيابه في سرحة... يحذى نعال السّبت ليس بتوأم
стр. 1175
هذا؛ وقصّة أصحاب السبت كانت في زمن داود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بقرية، يقال لها: أيلة على شاطئ البحر الأحمر، وتدعى اليوم: إيلات، وهي مرفأ هام لليهود على البحر الأحمر، يروى: أنّ الله تعالى اختار لهم يوم الجمعة؛ ليكون يوم راحة، وعبادة، ونظافة، وغير ذلك، فأبوا، وقالوا: فرغ ربّنا من خلق السموات والأرض يوم الجمعة، واستراح يوم السّبت، فنحن نختاره، ولذلك، شدّد الله عليهم بأن حرّم عليهم أيّ عمل دنيويّ ما عدا العبادة، والنظافة، وأمثالها، وكانت معيشة أهل تلك القرية من صيد الأسماك، لا مورد لهم غيرهم، فابتلاهم الله، أي: اختبرهم، فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السّبت، وأقبل نحوهم، فإذا مضى يوم السّبت؛ ذهبت الحيتان في أعماق البحر، فلم يتمكّنوا من الصّيد طوال أيام الأسبوع. كما قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٣]: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
فظهر لهم الشّيطان، وقال لهم: احفروا حياضا قرب البحر، وافتحوا جداول بينها وبين البحر، فكانت الحيتان تدخل الحياض يوم السّبت، ويصطادونها يوم الأحد، فنهاهم نبيّهم عن فعلهم هذا، فصاروا ثلاث فرق، وكانوا سبعين ألفا: فرقة أمسكت، ونهت، وفرقة أمسكت، ولم تنه، وفرقة اصطادت، واعتدت، فهذه هي الّتي مسخت قردة لهم أذناب يتعاوون. وقيل: مسخ الشباب قردة، والشيوخ خنازير، فمكثوا ثلاثة أيام فقط، ثم هلكوا، ولم يأكلوا، ولم يشربوا، ولم يتوالدوا، ونجت الفرقتان الأخريان: النّاهية، والسّاكتة عن النّهي. وقيل: هلكت أيضا.
ويقال: إنّ النّاهين قالوا: لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار، فأصبح النّاهون ذات يوم في مجالسهم، ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إنّ للنّاس لشأنا، فعلوا الجدار، فنظروا فإذا هم قردة، ففتحوا الأبواب ودخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابهم من الإنس، ولا يعرف الإنس أنسابهم من القردة، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس، فتشمّ ثيابه، وتبكي، فيقول لهم: ألم ننهكم؟ فتقول القردة برأسها: نعم، وانظر تفصيل ذلك في سورة (الأعراف).
قال ابن عباس-﵄: لم يعش مسخ قطّ فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل، ولم يشرب، ولم ينسل، قال ابن عطيّة رحمه الله تعالى: وروي عن النّبي ﷺ ، وثبت: أنّ الممسوخ لا ينسل، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام، أمّا قول النّبيّ ﷺ لبني قريظة، ولبني النّضير: «يا أحفاد القردة» لم يرد به إلاّ التّقريع، والتوبيخ.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]: ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضمّ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿آمِنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون،
стр. 1176
والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِما:﴾ جار، ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿نَزَّلْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالّذي، أو: بشيء نزّلناه، وجملة: ﴿آمِنُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿مُصَدِّقاً:﴾ حال من المفعول المحذوف. ﴿لِما:﴾ جار، ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقاً،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف صفتها، التقدير: مصدقا للذي، أو: لشيء يوجد معكم، والكاف في محل جرّ بالإضافة. هذا؛ وابن هشام في مغني اللبيب يعتبر اللام زائدة، ويسمّيها لام التقوية، فإذا (ما) مجرورة لفظا، منصوبة محلاّ، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (البروج):
﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وفي سورة (المعارج): ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ وفي سورة (الأنبياء): ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ،﴾ وأورد ابن هشام قول حاتم الطائي-وقيل: هو لقيس بن عاصم المنقري-﵁-وهو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي
﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿آمِنُوا﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿نَطْمِسَ:﴾
فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن، والمصدر المؤول منهما في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلِ﴾ إليه. ﴿وُجُوهاً:﴾ مفعول به. ﴿فَنَرُدَّها:﴾ الفاء: حرف عطف.
(نردّها): معطوف على نطمس منصوب مثله، والفاعل تقديره: نحن، و (ها) مفعول به. ﴿عَلى أَدْبارِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، وها: في محل جر بالإضافة. (أو): حرف عطف. ﴿نَلْعَنَهُمْ:﴾
معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل تقديره: نحن، والهاء مفعول به.
﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿لَعَنّا:﴾ فعل، وفاعل، و (ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلّقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: نلعنهم لعنا كائنا مثل لعننا أصحاب السبت. وهو قول أبي البقاء، وغيره في مثل هذا التركيب. ومذهب سيبويه في مثله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدّم على طريق الاتساع، فيكون التقدير: نلعنهم على مثل هذه الحالة، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨)﴾
الشرح: قال ابن جرير الطّبري-رحمه الله تعالى-: معناه: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا، فإنّ الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فعلى هذا يكون
стр. 1177
في الآية دلالة على: أنّ اليهودي يسمّى مشركا في عرف الشّرع. وقيل: إنّ الآية نزلت في وحشي، وأصحابه، وذلك لمّا قتل وحشيّ حمزة-﵁-ورجع إلى مكّة؛ ندم هو وأصحابه، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ : إنّا قد ندمنا على ما صنعنا، وإنّه ليس يمنعنا من الإسلام إلا أنّا سمعناك بمكّة، تقول: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ..﴾. إلخ الآيات من سورة (الفرقان) وقد دعونا مع الله إلها آخر، وقتلنا النفس الّتي حرم الله، وزنينا، فلولا هذه الآية؛ لاتّبعناك، فنزلت: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً..﴾. إلخ الآيتان من سورة (الفرقان) بعد الأولى، فبعث بهما رسول الله ﷺ إليهم، فلمّا قرءوهما؛ كتبوا إليه: هذا شرط شديد، ونخاف ألا نعمل عملا صالحا، فنزلت: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾ فبعث بها إليهم، فبعثوا إليه: إنّا نخاف ألا نكون من أهل المشيئة، فنزلت: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ..﴾. إلخ الآية من سورة (الزمر) فبعث بها إليهم، فدخلوا في الإسلام، ورجعوا إلى النبيّ ﷺ ، فقبل منهم.
ثم قال لوحشي: «أخبرني كيف قتلت حمزة؟» فلمّا أخبره، قال: «ويحك! غيّب وجهك عنّي». فلحق بالشّام، فكان به إلى أن مات. انتهى خازن. والمشهور: أنّ هذا كان بعد فتح مكة، بعد أن أهدر الرّسول ﷺ دم وحشي فيمن أهدر، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فتوسّل ببعض الصّحابة، فأدله على النبي الكريم، فعفا عنه، وحصل ما حصل من المناقشة شفاها، ونزلت الآيات تباعا، أو متفرقات. ولحوق وحشي بالشّام كان بعد وفاة النبي ﷺ بزمن طويل؛ إذ كان بعد فتح بلاد الشام في زمن الفاروق-﵁. والمشهور: أنّه أقام في بلاد الحجاز. وحارب في حروب الردّة، وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب، وكان يقول: قتلت خير رجل في الإسلام، وشرّ رجل في الكفر، وأرجو أن تكون هذه بهذه! ويروى: أنّه لمّا قال له النبيّ ﷺ : «ويحك! غيّب وجهك عنّي!» قال: أنبيّ، وحقود؟ فقال ﷺ : «بل نبيّ، وفقود».
بعد هذا: المراد بالشّرك مطلق الكفر المنتظم لكفر اليهود انتظاما أوّليّا، فإنّ الشرع قد نصّ على شرك أهل الكتاب قاطبة، وقضى بخلود أصناف الكفرة في النّار. ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾ أي:
ما دون الشّرك من الذنوب صغائرها، وكبائرها. ﴿لِمَنْ يَشاءُ﴾ أي: لمن يتكرّم الله عليه، ويتفضّل بالعفو، والإحسان. ﴿اِفْتَرى:﴾ فعل، واقترف ﴿إِثْماً:﴾ ذنبا.
وفي الآية تهديد، ووعيد لليهود، فإنّهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التّحريف في التوراة، ويطمعون في المغفرة، كما قال تعالى عنهم في سورة (الأعراف) رقم [١٦٩]. ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ ولمّا هددهم الله بهذه الآية؛ قالوا:
لسنا مشركين، بل نحن من خواصّ خلق الله، كما حكى الله عنهم قولهم في سورة (البقرة):
﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً،﴾ وحكى عنهم: أنهم قالوا: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾
стр. 1178
إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى، وحكى قولهم في سورة (المائدة): ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾.
هذا؛ وفي الآية ردّ على المعتزلة، والقدرية؛ حيث قالوا: لا يجوز في الحكمة أن يغفر لصاحب كبيرة. وعند أهل السنة: إنّ الله يفعل ما يشاء، لا مكره له، ولا حجر عليه، ويدلّ على ذلك ما روي عن ابن عمر-﵄: أنّه قال: كنّا على عهد رسول الله ﷺ إذا مات الرجل على كبيرة؛ شهدنا: أنّه من أهل النّار حتّى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ..﴾. إلخ، فأمسكنا عن الشهادة. ويروى عن عليّ-﵁: أنّه قال: ما في القرآن أحبّ إليّ من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾. أخرجه الترمذيّ. وخذ ما يلي:
عن أنس-﵁-عن النبي ﷺ : «الظّلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يترك الله منه شيئا، فأمّا الظّلم الّذي لا يغفره الله: فالشّرك؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وأمّا الظّلم الّذي يغفره الله: فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربّهم، وأمّا الظّلم الّذي لا يتركه: فظلم العباد بعضهم لبعض». رواه البخاريّ، ومسلم.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُشْرَكَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿إِنَّ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، وهما في محل رفع نائب فاعله، و ﴿أَنْ يُشْرَكَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿وَيَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. فهي في محل رفع مثلها. وقيل:
مستأنفة. وليس بشيء. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿دُونَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، و ﴿دُونَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جرّ بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَغْفِرُ﴾ المثبت، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جرّ باللام. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ والجملة الفعلية صلة (﴿مَنْ﴾) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: للّذي، أو لشخص يشاؤه الله. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُشْرَكَ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به. ﴿فَقَدِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِفْتَرى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود
стр. 1179
إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا. ﴿إِثْماً:﴾ مفعول به. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو: (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، كما ذكرته مرارا. والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ: الخطاب للنّبيّ ﷺ ، أو لكلّ أحد، والاستفهام تعجيب، وتشويق إلى استماع ما بعده؛ إن كان المخاطب لم يعلم بحال المذكورين، أو هو استفهام تقرير؛ إن كان المخاطب يعلم بحالهم، ويجوز أن يخاطب به من لم ير، ولم يسمع؛ لأنّ هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجّب.
﴿إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ:﴾ المراد بهم اليهود، حيث قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ وقيل:
جاء ناس منهم بأطفالهم إلى رسول الله ﷺ ، وقالوا له: هل على هؤلاء ذنب؟ قال: «لا» قالوا:
والله ما نحن إلا كهيئتهم، ما عملناه باللّيل؛ كفّر عنا بالنّهار، وما عملناه بالنّهار؛ كفّر عنا باللّيل. فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، حين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى﴾.
والتزكية هنا عبارة عن مدح الإنسان نفسه بالصّلاح، والدّين، وغير ذلك، وقد نهى الله عن ذلك، فقال في سورة (النجم): ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى،﴾ ومعنى: ﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ:﴾
يزعمون: أنهم أزكياء؛ لأنّهم برّءوا أنفسهم من الذّنوب. قال تعالى ردّا عليهم: ﴿بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ﴾ أي: يجعله زاكيا.
هذا؛ وقيل: نزلت الآية في ذمّ التّمادح، والتزكية. وفي صحيح مسلم عن المقداد بن الأسود-﵁، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المدّاحين التراب. وفي الصّحيحين: عن عبد الله بن أبي بكر-﵄-عن أبيه: أنّ رسول الله ﷺ سمع رجلا يثني على رجل، فقال: «ويحك! قطعت عنق صاحبك» ثمّ قال: «إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة، فليقل: أحسبه كذا، ولا يزكّي على الله أحدا». وقال ابن مسعود-﵁:
إنّ الرجل ليغدو بدينه، ثمّ يرجع، وما معه منه شيء، يلقى الرّجل ليس يملك له ضرّا، ولا نفعا، فيقول له: إنّك والله كيت، وكيت! ولعلّه يرجع، ولم يحظ من حاجته بشيء، وقد أسخط الله.
وما أكثر الذين يسخطون الله بمدحهم غيرهم؛ لينالوا منافع مادية، أو مناصب معنوية في كل زمان، ومكان! فيبيعون دينهم، وكرامتهم، بل ومروءتهم، وهذا إذا كان المدح نفاقا، وبالباطل.
فأمّا مدح الرّجل بما فيه من الفعل الحسن، والأمر المحمود؛ ليكون منه؛ ترغيبا له في أمثاله، وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه به؛ فليس بمدّاح بالباطل، والنفاق. كيف لا؛ وقد
стр. 1180
مدح الرسول ﷺ في الشّعر، والخطب، والمخاطبة، ولم يحث التّراب في وجوه المدّاحين، ولا أمر بذلك، كمدح العباس، وحسّان، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك له بشعرهم، وكقول أبي طالب فيه ﷺ -وهو الشّاهد رقم [٢٢٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ أي: الذين يزكيهم الله لا يظلمون بنقص ثوابهم، ولا بزيادة سيّئاتهم، وهو يعمّ الذين يزكّون أنفسهم، وغيرهم من جميع النّاس. هذا؛ و (الفتيل) هو الخيط الذي يكون في شق التّمرة، يضرب به المثل في الحقارة. وقال ابن عباس-﵄-وغيره: هو ما يخرج بين إصبعيك، أو كفيك من الوسخ إذا فتلتهما. ومثل هذا في التحقير قوله تعالى في الآية رقم [١٢٤]: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ والنقير هو: النقرة في ظهر النّواة، تنبت منها النّخلة. و (القطمير) هو: القشرة التي تحيط بالنواة، قال تعالى في سورة فاطر: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾. ويضرب بالثلاثة المثل في الشيء الحقير التافه؛ الذي لا قيمة له.
الإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٤٤]. ﴿يُزَكُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة.
﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب، تبتدأ بعده الجمل. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يُزَكِّي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يزكّي الذي، أو: شخصا يشاؤه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿لا﴾): نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله. ﴿فَتِيلاً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: ظلما فتيلا. وقيل: مفعول به ثان على تضمين: ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ ينقصون، والجملة الفعلية: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ معطوفة على جملة محذوفة، تقديرها: فهم يعاقبون، أو: هم يثابون، ولا يظلمون فتيلا. هذا؛ والتقدير اختلف بحسب تفسير واو الجماعة.
﴿اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠)﴾
الشرح: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ..﴾. إلخ الخطاب للنبيّ ﷺ . وفحواه: تعجيبه ﷺ ممّا ذكر عنهم في الآية السّابقة. ﴿يَفْتَرُونَ:﴾ يختلقون، والافتراء: الاختلاق، ومنه: افترى فلان على فلان، أي:
стр. 1181
رماه بما ليس فيه. وفريت الشيء: قطعته. ﴿الْكَذِبَ﴾ أي: في زعمهم: أنهم أبناء الله، وأحباؤه، وأنّهم مطهّرون من الذنوب، والسّيّئات. وكفى به: أي: بالكذب، والافتراء. ﴿إِثْماً مُبِيناً:﴾ ذنبا ظاهرا واضحا، لا خفاء فيه.
هذا؛ والآية الكريمة تشنّع على اليهود كذبهم، وافتراءهم، وقبائح أعمالهم، فتصفهم بأنّهم كاذبون، والكذب ديدنهم، وصفة لازمة لهم في ماضيهم، وحاضرهم، والكذب من أفحش الذّنوب، ومن أخبث ما يتّصف به إنسان، وأبرز صفات المنافقين، وحذّر منه الرسول ﷺ في جميع الحالات، حتّى في المزاحة، والمراء، وخذ ما يلي:
عن أبي أمامة-﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «أنا زعيم ببيت في وسط الجنّة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحا». رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر». رواه البخاريّ، ومسلم.
وعن عبد الله بن عمر-﵄: أنّ النّبي ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه خصلة منهنّ؛ كانت فيه خصلة من النّفاق؛ حتّى يدعها: إذا ائتمن؛ خان، وإذا حدّث؛ كذب، وإذا عاهد؛ غدر، وإذا خاصم؛ فجر». رواه الستّة إلا ابن ماجة.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن العبد الإيمان كلّه حتّى يترك الكذب في المزاحة. والمراء، وإن كان صادقا». رواه أحمد، والطبراني، وغير ذلك كثير.
الإعراب: ﴿اُنْظُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، وهو معلّق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده.
﴿يَفْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من الكذب، تقدّم عليه. ﴿الْكَذِبَ:﴾ مفعول به، وقال الجمل: أو مفعول مطلق؛ لأنّه يلاقي العامل في المعنى؛ إذ الافتراء؛ والكذب متقاربان معنى، أو معناهما واحد، ولا وجه له، وجملة: ﴿كَيْفَ يَفْتَرُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ل (انظر) المعلّق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة: ﴿اُنْظُرْ..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿وَكَفى:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿كَفى﴾): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة، والهاء فاعله مجرور لفظا مرفوع محلاّ. وقيل: الباء أصلية، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما على أنّهما مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: الاكتفاء، والمعتمد الأول. ﴿إِثْماً:﴾ تمييز. وقيل: حال. والمعتمد الأوّل. ﴿مُبِيناً:﴾
صفة له، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
стр. 1182
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٤]. ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ:﴾ اختلف العلماء فيهما، فقيل: هما كلّ معبود من دون الله تعالى. وقيل: هما صنمان لقريش سجد اليهود لهما مرضاة لقريش. وقيل: الجبت: اسم للأصنام، والطاغوت:
شياطين الأصنام، ولكل صنم شيطان يدخل فيه، ويكلّم النّاس، فيفترون بذلك. وقيل: الجبت:
الكاهن، والطاغوت: الساحر. وقال ابن مسعود-﵁: الجبت، والطاغوت هاهنا كعب ابن الأشرف، وحيي بن أخطب. وقال الفاروق-﵁: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان، ولعلّ قول ابن مسعود أقرب إلى الصّواب بدليل قوله تعالى في الآية رقم [٦٠] الآتية: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ﴾.
و (﴿الطّاغُوتِ﴾)، كل ما عبد من دون الله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ رقم [٦٠] من سورة (المائدة)، وفي سورة (البقرة) رقم [٢٥٦]: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ..﴾. إلخ، وهو يطلق على المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث. واشتقاقه من: طغا، يطغو. أو من طغى، يطغى: إذا تجاوز الحدّ، ومنه قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ ويجمع على: طواغيت، ولم يرد في القرآن الكريم بلفظ الجمع.
﴿وَيَقُولُونَ:﴾ أي: يقول اليهود الذين أوتوا نصيبا من الكتاب. ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ المراد أبو سفيان، وأصحابه من قريش. ﴿أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً:﴾ أقوم دينا، وأرشد طريقا.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، وسبعين راكبا من اليهود، قدموا مكّة بعد وقعة أحد؛ ليحالفوا قريشا على النبيّ ﷺ ، وينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ ، فنزل كعب بن الأشرف على أبي سفيان، فأحسن مثواه، ونزل باقي اليهود على قريش في دورهم، فقال لهم أهل مكّة: أنتم أهل كتاب، ومحمّد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، فإن أردتم أن نخرج معكم، فاسجدوا إلى هذين الصنمين، ففعلوا ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾.
ثمّ قال كعب بن الأشرف الخبيث لأهل مكة: ليخرج منكم ثلاثون رجلا، ومنا ثلاثون، فنلزم أكبادنا بالكعبة، فنعاهد ربّ هذا البيت لنجهدنّ في قتال محمّد! ففعلوا، ثم قال أبو سفيان لكعب بن الأشرف: إنّك امرؤ تقرأ الكتاب، وتعلم. ونحن أميّون، لا نعلم؛ فأينا أهدى سبيلا:
نحن، أم محمد؟ فقال كعب بن الأشرف: اعرض عليّ دينكم. فقال أبو سفيان: فنحن ننحر
стр. 1183
للحجيج الكوماء، ونسقيهم الماء، ونقري الضّيف، ونفكّ العاني، ونصل الرّحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمّد فارق دين آبائه، وقطع الرّحم، وفارق الحرم، وديننا القديم، ودين محمد الحديث. فقال كعب الخبيث: أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد! فأنزل الله الآية.
تنبيه: ما ذكر منقول من الخازن، والقرطبي، وهو خطأ تاريخيّ فإنّ الوافد على قريش على رأس سبعين من اليهود إنّما هو حيي بن أخطب، وأمّا كعب بن الأشرف لعنه الله، فقد قتله محمّد بن مسلمة، وصبحه غيلة على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة. راجع السّيرة الحلبية، وزيني دحلان. وذهاب اليهود إلى مكّة كان بعد موقعة أحد، وسببا في غزوة الخندق.
هذا؛ وفي موقف اليهود من قريش، وتفضيلهم، وثنيتهم على محمّد ﷺ ، يقول الدكتور اليهودي إسرائيل ولفنسون في كتابه: (تاريخ اليهود في بلاد العرب) كان من واجب اليهود ألا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، وأن لا يصرّحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التّوحيد الإسلامي، ولو أدّى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطلبهم؛ لأنّ بني إسرائيل الذين كانوا منذ عدّة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين، والذين نكبوا نكبات لا تحصى، من تقتيل، واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتّى من أدوار التاريخ، كان من واجبهم أن يضحّوا بحياتهم، وكلّ عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين.
هذا؛ فضلا عن أنّهم بالتجائهم إلى عبدة الأصنام، إنّما كانوا يحاربون أنفسهم بأنفسهم، ويناقضون تعاليم التوراة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام، والوقوف منهم موقف الخصومة. انتهى.
ولفنسون يهودي. والذي دعاهم إلى هذا هو الحسد، والحقد، والبغضاء.
الإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ:﴾ انظر الإعراب في الآية رقم [٤٤].
﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرّابط الضمير فقط. ﴿بِالْجِبْتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالطّاغُوتِ:﴾ معطوف على (الجبت). ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية مع مقولها معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة:
﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها.
﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿أَهْدى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿أَهْدى﴾ لأنّه صيغة تفضيل، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿سَبِيلاً:﴾ تمييز ل:
﴿أَهْدى﴾.
стр. 1184
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى المذكورين في الآية السابقة. ﴿لَعَنَهُمُ اللهُ:﴾
أبعدهم من رحمته. ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ:﴾ يطرده من رحمته، ويبعده من رضوانه. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً:﴾ مانعا يمنعه من العذاب بشفاعة، أو غيرها. هذا؛ و (تجد) ماضيه: وجد، والمضارع أصله: يوجد، فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما: الياء، والكسرة في مضارع الغائب يجد، وتحذف من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه.
هذا؛ وقد أمر الله رسول الله ﷺ أن يجعل اللّعنة على الكاذبين في سورة (آل عمران) ولقد كرّر لعن الكافرين في سورة (البقرة) وهنا لعن اليهود المعادين للرسول ﷺ وللإسلام، كما لعن الظّالمين، والفاسقين والنّاقضين للعهد في آيات متفرّقة، وهو دليل قاطع على أنّ من مات على كفره، فقد استحقّ اللّعن من الله، والملائكة، والنّاس أجمعين، وأمّا الأحياء من الكفّار؛ فقد قال بعض العلماء: لا يجوز لعن كافر معيّن؛ لأنّ حاله لا يعلم عند الوفاة، فلعله يؤمن، ويموت على الإيمان. وقد قيّد الله تعالى في الآية رقم [١٦١] من سورة (البقرة) إطلاق اللعنة على من مات على الكفر. ويجوز لعن الكفار جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشّحوم، فجمّلوها، وباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معيّن من الكفار، بدليل قتاله، وهو الصّحيح، كيف لا؟! وقد لعن حسّان بن ثابت-﵁-أبا سفيان، وزوجه هندا في شعره، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ، خذ قوله: [الكامل]
لعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر
وقد لعن الفاروق-﵁-أبا سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السّلمي وغيرهم، الّذين قدموا المدينة المنورة بعد غزوة أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلّموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبيّ ﷺ : ارفض ذكر آلهتنا بسوء، وقل: إنّ لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربّك. فشقّ ذلك على سيد الخلق، وحبيب الحق، فقال له الفاروق: يا رسول الله! ائذن لي في قتلهم. فقال: «إنّي أعطيتهم الأمان». فقال الفاروق:
اخرجوا في لعنة الله، وغضبه، ولم ينكر عليه النبيّ ﷺ ذلك، كيف لا؟! وآية (النّور) رقم [٧] تأمر المسلم أن يلعن نفسه إن كان من الكاذبين.
وأمّا العصاة من المسلمين؛ فلا يجوز لعن واحد منهم على التعيين قطعا، وأمّا على الإطلاق، فيجوز كما في قولك: لعن الله الفاسقين، والفاسقات... إلخ؛ لما روي: أنّ النبي ﷺ قال: «لعن الله السّارق يسرق البيضة، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ : «الواشمة،
стр. 1185
والمستوشمة، وآكل الرّبا. ولعن من غيّر منار الأرض، ومن انتسب إلى غير مواليه، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن أتى امرأة في دبرها». وكل ذلك في الصّحيح من الأحاديث، وخذ ما يلي:
عن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ العبد إذا لعن شيئا صعدت اللّعنة إلى السّماء، فتغلق أبواب السّماء دونها، ثمّ تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثمّ تأخذ يمينا، وشمالا، فإن لم تجد مساغا؛ رجعت إلى الّذي لعن، فإن كان أهلا، وإلاّ؛ رجعت إلى قائلها». رواه أبو داود.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محلّ رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لَعَنَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد الضمير المنصوب. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو:
حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ على اعتبار مفعول الفعل بعده محذوفا، أو هو في محل نصب مفعول به مقدّم له. ﴿يَلْعَنِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لن): حرف ناصب.
﴿تَجِدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (لن) والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿نَصِيراً﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بالفعل: ﴿تَجِدَ،﴾ على أنّهما مفعول به ثان تقدّم على الأوّل، وهو: ﴿نَصِيراً،﴾ والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول:
لا محل لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجّح عند المعاصرين.
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً (٥٣)﴾
الشرح: ﴿أَمْ لَهُمْ:﴾ أي: لليهود اللؤماء. ﴿نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ:﴾ الكلام استفهام إنكاري، أي:
ليس لهم نصيب من الملك؛ إذ لو كان لهم نصيب من ملك الدنيا، أو من ملك الله؛ لبخلوا به على عباد الله، فلا يعطون أحدا من الناس أقل شيء، وذلك لشدّة بخلهم، ولؤمهم، وذلك: أنّ اليهود كانوا يقولون: نحن أولى بالملك، والنبوة من العرب، فكيف نتبعهم؟ فأكذبهم الله، وأبطل دعواهم.
ولكن في هذه الأيام صار لهم ملك، ودولة، بسبب تفرّق كلمة المسلمين، وتمزيق وحدتهم، وأرجو أن يمنّ الله تعالى على المسلمين بجمع شملهم، وتوحيد كلمتهم، وتنظيم صفوفهم، فعند ذلك يقضون على اليهود، وعلى دولتهم، ولا يكون هذا إلا عند نزول عيسى، ﵇.
تنبيه: وصف الله اليهود اللؤماء بالبخل بهذه الآية، ووصفهم بالجهل في الآية المتقدّمة، ووصفهم بالحسد في الآية التالية، وهذه الخصال كلّها مذمومة، وهي متأصّلة في اليهود، فكيف يدّعون الملك، ويتمنّون النبوّة؟!
стр. 1186
الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي منقطعة عمّا قبلها لتضمّنها الاستفهام الإنكاري.
﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نَصِيبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنَ الْمُلْكِ:﴾ متعلقان ب ﴿نَصِيبٌ﴾ أو بمحذوف صفة له.
﴿فَإِذاً:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن شرط مقدّر، التقدير: وإذا كان لهم نصيب من الملك؛ فإذا. (إذا): حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل له، وهو يكتب بالنون عند الجمهور، وأجاز الفرّاء كتابته بالتنوين. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْتُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، وقرئ بحذف النون، وذلك على إعمال (إذن). ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به أول.
﴿نَقِيراً:﴾ مفعول به ثان، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، والجملة الفعلية: (إذا...) إلخ لا محل لها؛ لأنّها جواب للشّرط المقدّر ب «إذا» وبعضهم يقدّره ب «لو كان لهم... إلخ» وعلى التقديرين، فالجملة الشّرطية كلام مفرّع عمّا قبله، لا محلّ له.
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤)﴾
الشرح: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ﴾ أي: اليهود يحسدون. ﴿النّاسَ:﴾ المراد به النبي ﷺ وحده، وإنّما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع، وهو واحد؛ لأنّه ﷺ اجتمع فيه من خصال الخير، والبركة، ما لا يجتمع مثله في جماعة. ومن هذا القبيل، يقال: فلان أمّة وحده. يعني: أنّه يقوم مقام أمّة. قال تعالى في سورة (النحل) في حقّ إبراهيم-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ﴾. هذا؛ وقد أطلق الله لفظ: ﴿النّاسَ﴾ على نعيم بن مسعود في سورة (آل عمران) فقال : ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾. وقيل: المراد ب ﴿النّاسَ﴾ النبي ﷺ وأصحابه؛ لأنّ لفظ «الناس» جمع، وحمله على الجمع أولى.
والمراد بالفضل: النبوة؛ لأنّها أعظم المناصب، وأشرف المراتب، وكذلك حسدوه على النّصرة، والإعزاز، والقوّة. وقيل: حسدوه على ما أحلّ الله له من النّساء، وكان له يومئذ تسع نسوة، فقالت اليهود: لو كان محمد نبيّا؛ لشغله أمر النبوة عن الاهتمام بأمر النساء. ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ:﴾ المراد بآل إبراهيم: ذريته الأكرمون، مثل: يوسف، وموسى، وهارون، وداود، وسليمان، وغيرهم، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة وألف سلام. والمراد ب ﴿الْكِتابَ:﴾ التوراة، والزّبور، والإنجيل. والمراد ب (﴿الْحِكْمَةَ﴾) النبوّة. ﴿وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً:﴾ هو ما وهبه الله لداود، وسليمان من الملك العظيم المذكور في القرآن هنا. وعن ابن عباس-﵄: المعنى: أم يحسدون محمدا ﷺ على ما أحلّ الله له من النّساء، فيكون المراد بالملك العظيم على هذا هو ما أحلّه الله لداود، ولسليمان، فإنّه كان لداود مائة امرأة، ولسليمان ألف امرأة:
стр. 1187
ثلاثمائة حرّة، وسبعمائة سرّيّة. والفائدة في كثرة تزوجهما: أنّه كان لكلّ منهما قوة أربعين نبيّا، وقوة النبيّ بقوة أربعين رجلا عاديّا، وكلّ من كان أقوى؛ كان أكثر نكاحا. انتهى. خازن، وقرطبي.
هذا؛ والحكمة: المعرفة بالدين، والفقه في التأويل، والفهم الذي هو منحة، ونور من ربّ العالمين. قال مالك-رحمه الله تعالى-وقال أبو بكر بن دريد-رحمه الله تعالى-: الحكمة كلّ كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح؛ فهي حكمة. وقال أبو العالية-رحمه الله تعالى-: الحكمة خشية الله، فإنّ خشية الله رأس كلّ حكمة، وقد روى ابن مردويه عن ابن مسعود-﵁-مرفوعا عن النبي ﷺ : «رأس الحكمة مخافة الله».
هذا؛ و ﴿آلَ﴾ أصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار (أأل) ثمّ أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى، على القاعدة: «إذا اجتمع همزتان: الأولى متحركة، والثانية ساكنة، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى» وذلك مثل آدم، وإيمان، وأومن، فإنّ الأصل: أأدم، وإئمان، وأأمن، وقلب الهاء همزة سائغ، مستعمل لغة في: أراق، فإن أصله: هراق، كما تقلب الهمزة هاء، ومنه قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٤١٦] من كتابنا:
«فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
ألا يا سنا برق على قلل الحمى... لهنّك من برق عليّ كريم
والأول كثير مستعمل في الشعر العربي، وغيره، وهذا مذهب سيبويه، وقال الكسائي:
أصل: آل (أول) كجمل، من آل يئول، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. وقد صغّروه على أهيل، وهو يشهد للأول، وعلى أويل، وهو يشهد للثاني، ولا يستعمل (آل) إلا فيما له خطر وشأن، بخلاف أهل، يقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجام، ولكن:
أهله، ولا ينقض بآل فرعون، فإنّ له شرفا باعتبار الدّنيا. واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنّحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنّه من لحن العوام، والصحيح جوازه، كما في قول عبد المطلب بن هاشم جدّ النبي ﷺ : [الكامل]
لا همّ إنّ العبد يم... نع رحله فامنع رحالك
وانصر على آل الصّلي... ب وعابديه اليوم آلك
وفي الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ : «اللهمّ صلّ على محمّد، وعلى آله».
هذا؛ وأمّا (الحسد) فهو تمنّي زوال النعمة عمّن هو مستحق لها، وربما يكون ذلك مع سعي في زوالها، والحسد مذموم، وصاحبه مغموم، وهو «يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب».
رواه أنس-﵁-عن النبي ﷺ ، ورواه أبو داود عن أبي هريرة-﵁-وقد أطلت الكلام على الحسد في سورة الفلق، فانظره، فإنّه جيد. والحمد لله! وخذ هنا ما يلي:
стр. 1188
فقد قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد، نفس دائم، وحزن لازم، وعبرة لا تنفد. وقال عبد الله بن مسعود-﵁: لا تعادوا نعم الله! قيل له: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، يقول الله في بعض الكتب: (الحسود عدوّ نعمتي، متسخّط لقضائي، غير راض بقسمتي). ورحم الله من قال: [الكامل]
وإذا أراد الله نشر فضيلة... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النّار فيما جاورت... ما كان يعرف طيب عرف العود
وقال أبو الأسود الدؤلي-رحمه الله تعالى-، وهو الشاهد رقم [٣٨٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل]
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه... فالكلّ أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها... حسدا وبغضا إنّه لدميم
وقيل: إذا سرك أن تسلم من الحاسد؛ فعمّ عليه أمرك، ولرجل من قريش قال: [الرمل]
حسدوا النّعمة لمّا ظهرت... فرموها بأباطيل الكلم
وإذا ما الله أسدى نعمة... لم يضرها قول أعداء النّعم
هذا؛ وكلّ ذي نعمة محسود. اسمع قول القائل: [البسيط]
إن يحسدوك على فضل خصصت به... فكلّ منفرد بالفضل محسود
ومآل الحسود في الدّنيا: الهمّ، والغمّ، والهلاك. وفي الآخرة: عذاب النار، وبئس القرار! ولقد أحسن من قال: [مجزوء الكامل]
اصبر على حسد الحسو... د فإنّ صبرك قاتله
فالنّار تأكل بعضها... إن لم تجد ما تأكله
فإبليس لمّا حسد آدم؛ طرد من رحمة الله، وقابيل لمّا حسد أخاه هابيل؛ كان مآله الخزي، والنكال، واليهود لمّا حسدوا الرسول ﷺ طردوا من رحمة الله، واستحقّوا اللعنة في الدنيا والآخرة، وباءوا بغضب من الله بنصّ القرآن، والنصارى ضلّوا سواء السبيل.
الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى «بل» للانتقال من موضوع إلى آخر. ﴿يَحْسُدُونَ:﴾
فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة بعد «بل» لا محلّ لها. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة،
стр. 1189
والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب ﴿عَلى﴾. ﴿آتاهُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر. والهاء مفعول به أوّل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: على الذي، أو: على شيء آتاهم الله إيّاه. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول الثاني المحذوف. و ﴿مِنْ:﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء:
حرف تفريع. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل.
﴿آلَ:﴾ مفعول به أول، وهو مضاف. و ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان.
﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿آتَيْنا آلَ..﴾. إلخ مفرعة عمّا قبلها، ومستأنفة لا محلّ لها، والجملة بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥)﴾
الشرح: ﴿فَمِنْهُمْ:﴾ أي: من اليهود. ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ:﴾ أي: بمحمّد ﷺ وصدق بنبوته، ورسالته، كعبد الله بن سلام، وأصحابه-﵃-وهم قلّة قليلة. وقيل: المراد بما ذكر من حديث آل إبراهيم المتقدّم ذكره. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ:﴾ أعرض، ولم يؤمن به، وهم الكثرة، كقوله تعالى في سورة (الحديد): ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾.
الإعراب: ﴿فَمِنْهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السّكون في حلّ رفع مبتدأ مؤخر. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿آمَنَ،﴾ والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها؛ إن كانت نكرة موصوفة، وهذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذه الجملة، ولا أرتضيه. والأصح: أنّ مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و ﴿مَنْ﴾ هي الخبر لأنّ (من) الجارة دالة على التبعيض أي: وبعض الناس، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ويؤيده قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٠]: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ فأكثرهم معطوف على مضمون: (﴿مِنْهُمْ﴾) والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها. ﴿وَكَفى:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿كَفى﴾): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. الباء: حرف جر صلة. (جهنم): فاعل (﴿كَفى﴾) مجرور لفظا، مرفوع محلاّ.
﴿سَعِيراً:﴾ تمييز، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة.
стр. 1190
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً:﴾ هذا وعيد من الله- -للذين أقاموا على تكذيبهم بما أنزل الله تعالى من اليهود، وغيرهم من سائر الكفار، والمعنى: إنّ الذين جحدوا ما أنزلت على رسولي محمد من آياتي الدالة على توحيدي، وصدق رسولي محمد ﷺ ، سوف أدخلهم نارا، يحترقون فيها. ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: احترقت جلودهم.
﴿بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها:﴾ يعني غير الجلود المحترقة. قال ابن عباس، وابن عمر-﵃: إذا احترقوا؛ بدلت لهم جلود بيض كالقراطيس. وروي: أنّ هذه الآية قرئت عند عمر ﵁، فقال عمر للقارئ: أعدها، فأعادها، وكان عنده معاذ بن جبل، فقال عند تفسيرها: تبدّل كلّ ساعة مائة مرّة، فقال عمر-﵁: هكذا سمعت رسول الله ﷺ .
ذكره البغويّ بغير سند، وخذ ما يلي:
عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيّام للرّاكب المسرع». رواه البخاريّ، ومسلم.
وعنه أيضا عن النبي ﷺ قال: «ضرس الكافر، أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيّام». أخرجه مسلم، والترمذيّ.
وإن أردت الزيادة؛ فانظر التّرغيب، والتّرهيب للحافظ المنذري، رحمه الله تعالى.
والحكمة في توسيع جلودهم، وأعضائهم؛ ليذوقوا شدّة العذاب، كما قال تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾. وتبديل الجلود: إعادتها بشكل آخر، كما تقول: صنعت من خاتمي خاتما آخر، فالثاني هو الأوّل غير أنّ الصناعة بدلت الصّفة. وقيل: المراد بالجلود: السّرابيل، كما قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ﴾ سمّيت جلودا للزومها جلودهم على المجاورة، كما يقال للشيء الخاص بالإنسان: هو جلدة ما بين عينيه، وأنشد ابن عمر-﵄: [الطويل]
يلومونني في سالم وألومهم... وجلدة بين العين والأنف سالم
ونظير تبديل الجلود قوله تعالى في سورة (إبراهيم) أيضا: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ وهي تلك الأرض بعينها إلا أنّها تغيّر آكامها، وجبالها، وأنهارها، وأشجارها، ويزاد في سعتها، ويسوّى ذلك منها، ومن هذا المعنى قول الشاعر: [الطويل]
فما النّاس بالنّاس الّذين عهدتهم... ولا الدّار بالدّار الّتي كنت أعرف
стр. 1191
هذا؛ و (آيات) جمع: آية، وهي في الأصل: العلامة الظاهرة، وتقال للمصنوعات في هذا الكون من حيث إنّها تدلّ على وجود الصانع، وعلمه، وقدرته. قال تعالى في سورة (البقرة):
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ ﴿لَآياتٍ..﴾. إلخ رقم [١٦٤]، وقال في سورة (آل عمران) رقم [١٩٠] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ..﴾. إلخ. كما تقال لكل طائفة من القرآن، كما في هذه الآية، كما تطلق على المعجزة الخارقة للعادة، مثل:
انشقاق القمر، ونحوه، وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. كما تطلق، ويراد بها العبرة، والاعتبار، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ..﴾. إلخ رقم [١٣] من سورة (آل عمران). هذا؛ والتعبير في هذه الآية وغيرها كثير عن المستقبل بالماضي إنّما هو لتحقق الوقوع.
هذا؛ و (الذوق) يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء، والاختبار، تقول:
اركب هذا الفرس. فذقه؛ أي: اختبره، وانظر فلان، فذق ما عنده. قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل]
فذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز
وقد يعبّر بالذّوق عمّا يطرأ في النفس، وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]
فذق هجرها إن كنت تزعم أنّها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم
وتقول: ذقت ما عند فلان، أي: اختبرته، وذقت القوس: إذا جذبت وترها؛ لتنظر ما شدّتها؟ وأذاقه الله وبال أمره، أي: عقوبة كفره ومعاصيه، قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل]
فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب
وتذوّقته، أي: ذقته شيئا فشيئا. وأمر مستذاق، أي: مجرب معلوم. قال الشاعر: [الوافر]
وعهد الغانيات كعهد قين... دنت عند الجعائل مستذاق
وأصله: ذوق بالضم، وذوقوا في كثير من الآيات للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخيليّة، وذكر العذاب في كثير من الآيات استعارة مكنية؛ حيث شبّه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبّه الذّوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذّوق تخييلا.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا) في محل جر بالإضافة. ﴿سَوْفَ:﴾ حرف
стр. 1192
تسويف واستقبال. ﴿نُصْلِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والهاء مفعول به أول. ﴿ناراً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأ، أو مستأنفة لا محلّ لها.
﴿كُلَّما:﴾ (كلّ): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، و (ما) مصدرية توقيتية. ﴿نَضِجَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، حرف لا محلّ له. ﴿جُلُودُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، و (ما) والفعل (نضج) في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت نضج جلودهم، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل (كلّ). وقيل: (ما) نكرة موصوفة والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: (وقت) أيضا، وانظر مبحث «كلّما» في كتابنا: «فتح القريب المجيب».
﴿بَدَّلْناهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿جُلُوداً:﴾ مفعول به ثان. ﴿غَيْرَها:﴾ صفة:
﴿جُلُوداً﴾. و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محلّ لها، و ﴿كُلَّما﴾ ومدخولها في محل نصب حال من الضّمير المنصوب في نصليهم، والرابط الضّمير فقط، ويجوز أن تكون صفة: ﴿ناراً﴾ والرابط محذوف، التقدير: نارا كلّما نضجت فيها جلودهم.
﴿لِيَذُوقُوا:﴾ اللام: حرف تعليل وجر. (يذوقوا): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محلّ جرّ باللام، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل بدّلناهم. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾
اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿عَزِيزاً حَكِيماً:﴾ خبران ل ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتّعليل، أو هي مستأنفة، أو هي معترضة في آخر الكلام، لا محلّ لها على جميع هذه الوجوه.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا:﴾ صدّقوا بالله، ورسوله تصديقا صحيحا. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾
الأعمال الصّالحات على اختلاف درجاتها، ومراتبها من فعل مأمورات، واجتناب منهيّات.
﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ:﴾ جمع: جنة، وهي البستان المملوء بالنّخيل، والشّجر الكثير، المتكاثف؛ الذي يجنّ؛ أي: يستر ما يكون متداخلا فيه، وسمّيت دار الثواب: جنّة؛ لما فيها من النّعيم؛ الذي لا ينفد، وجمع «الجنّة» على: ﴿جَنّاتٍ﴾ يدلّ على جنان كثيرة مرتبة بحسب أعمال العاملين، لكلّ طبقة منهم جنّة من تلك الجنان، وهي سبع، بل ثمان: جنّة الفردوس، وجنة
стр. 1193
عدن، وجنّة النّعيم، ودار الخلد، ودار المقامة، ودار السّلام، وجنّة المأوى، وعليّون. وفي كلّ منها مراتب، ودرجات متفاوتة على حسب درجات الأعمال، والعمّال.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي: من تحت قصورها، وأشجارها، ولم يجر لهما ذكر؛ لأنّ الجنّات دالة عليهما، والأنهار لا تجري، وإنّما يجري الماء فيها، فهو من تسمية الشيء باسم محلّه، ويسمّى مجازا مرسلا، وهو كثير في كتاب الله تعالى، مثل قوله تعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ أي:
أمر ربك. ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهلها، وقال الشّاعر: [الكامل]
نبّئت أنّ النّار بعدك أوقدت... واستبّ بعدك يا كليب المجلس
أي: استبّ أهل المجلس. و ﴿الْأَنْهارُ﴾ جمع: نهر، وهو معروف في الدّنيا، ولكن شتان ما بين أنهار الجنّة، وأنهار الدّنيا. هذا؛ ويجمع النّهر على أنهر، ونهر، وأنهار، وهاء «النّهر» تفتح، وتسكن. هذا؛ ويروى: أنّ أنهار الجنّة ليست في أخاديد، إنّما تجري على أرض الجنّة منضبطة بالقدرة حيث شاء أهلها.
﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ ماكثين مقيمين لا يبرحون منها. ﴿أَبَداً:﴾ هو الزّمان الطّويل. الّذي ليس له حدّ، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلّم إلى آخر العمر. وانظر الآية رقم [١٢٢] الآتية. ﴿لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: ولهم في الجنّة زوجات من الحور العين، مطهّرات من الأقذار، والأدناس الحسّيّة، والمعنويّة، فالحسية مثل: الحيض، والنّفاس، والبول، والغائط، والنّخام... إلخ، والمعنوية مثل: سوء الخلق، وعدم الانصياع لأوامر الأزواج، وإيذاء الأزواج، وكذلك نساء الدّنيا المؤمنات يكنّ يوم القيامة أجمل من الحور العين، كما قال تعالى في سورة الواقعة: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً﴾. هذا؛ ولكلّ واحد من أهل الجنة زوجتان من نساء الدّنيا، وعدد من الحور العين على حسب درجته، ومكانته عند الله. هذا و ﴿أَزْواجٌ﴾ جمع: زوج، وهو يطلق على الرّجل، والمرأة، والقرينة تبين الذّكر، والأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء أفضل إلا في الفرائض، فإنّها بالتاء أفصح لتوضيح الوارث، وقال الأصمعي-رحمه الله تعالى-: ولا تكاد العرب تقول: زوجة. وحكى الفرّاء: أنّه يقال:
زوجة، وأنشد للفرزدق: [الطويل]
وإنّ الّذي يسعى ليفسد زوجتي... كساع إلى أسد الشّرى يستبيلها
وقال عمّار بن ياسر-﵄-في عائشة-﵂: والله إنّي لأعلم أنّها زوجة نبيكم في الدّنيا، والآخرة، ولكنّ الله ابتلاكم؛ لتتّبعوه، أو إيّاها. ذكره البخاريّ. وعن أنس ﵁: أنّ النبيّ ﷺ كان مع إحدى نسائه، فمرّ به رجل، فدعاه، فقال: «يا فلان! هذه فلانة زوجتي» فقال: يا رسول الله! من كنت أظنّ به، فلم أكن أظنّ بك! فقال ﷺ : «إنّ الشّيطان
стр. 1194
يجري من الإنسان مجرى الدّم». أخرجه مسلم، والمحفوظ: أنّ ذلك كان ليلا. وأنّ الرجل كان الزّبير بن العوّام-﵁، وأنّ المرأة كانت سودة بنت زمعة-﵂.
هذا والزوج: القرين، قال تعالى في سورة (الصافات) رقم [٢٢]. ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي: وقرناءهم، والزّوج ضد الفرد، وكلّ واحد منهما يسمّى زوجا أيضا، يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيّان، وهما سواء، وقال تعالى في سورة (هود): ﴿اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كلّ نوع ذكرا، وأنثى، وقال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ..﴾. إلخ. والمعنى: ثمانية أفراد، والزّوج الصّنف، والنّوع، قال تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: صنف من النّبات، ومثلها في سورة الحجّ رقم [٥].
﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ أي: دائما مستمرا، لا تنسخه شمس، ولا يؤذيهم فيه حرّ، ولا برد.
قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: إذا لم يكن في الجنّة شمس يؤذي حرّها، فما فائدة وصفها بالظلّ الظّليل؟ قلت: إنّما خاطبهم بما يعقلون، ويعرفون، وذلك لأنّ بلاد العرب في غاية الحرارة، فكان الظلّ عندهم من أعظم أسباب الرّاحة، واللّذاذة، فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ انتهى. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ وقال في سورة (الرّعد): ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ وقال جلّ شأنه في سورة (المرسلات): ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾. انظر شرح هذه الآيات في محالّها تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
تنبيه: لمّا ذكر الله تعالى في الآية السابقة الكافرين، وما أعدّ لهم من العذاب الأليم، والعقاب الشّديد؛ ذكر في هذه الآية المؤمنين الصّادقين، وما أعدّ لهم من النّعيم المقيم في جنّات النّعيم، وتلك سنّة الله في كتابه الكريم، حيث اقتضت حكمته تعالى ورحمته، فلا يذكر التّصديق من المؤمنين، إلا ويذكر التّكذيب من الكافرين، ولا يذكر الإيمان، إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنّة إلا ويذكر النّار، ولا يذكر الرّحمة إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، راجيا خائفا.
تنبيه: ذكر الله في الآية السابقة الكفر، ولم يتبعه بشيء؛ بينما ذكر الإيمان في هذه الآية، وأتبعه بذكر العمل الصّالح، وهذا يلاحظ في الآيات القرآنيّة الكثيرة، ممّا يدل على أنّ العمل الصالح قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بدون عمل، وهو ما أفاده قول الرّسول ﷺ :
«الإيمان، والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أنّ الإيمان مشروط لقبول العمل الصّالح، ويسمّى مثل هذا في علم المعاني احتراسا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب معطوف على اسم (إنّ)، أو هو في محل رفع معطوف على محلّه، أو في محل رفع مبتدأ،
стр. 1195
والكلام مستأنف. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. (﴿عَمِلُوا﴾): فعل ماض مبني على الضم، والواو... إلخ.
﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿سَنُدْخِلُهُمْ:﴾ السين: حرف تنفيس، واستقبال. (ندخلهم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿جَنّاتٍ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله عند بعض النّحاة، وفي مقدّمتهم سيبويه، والمحقّقون-وعلى رأسهم الأخفش-ينصبونه على التوسّع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السّعة بإجراء اللازم مجرى المتعدّي، ومثل هذا يقال في مفعول «دخل» الثلاثي، ومفعول «نزل» و «سكن» وأيضا قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾ وعلى جميع الاعتبارات فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنّه جمع مؤنث سالم.
﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾
متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضّمير المنصوب، منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنّون عوض عن التّنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلّق به أيضا.
﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف حال من الضمير المستتر المستقر في: ﴿لَهُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان. وقيل:
متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَزْواجٌ﴾ كان صفة له... إلخ، وهو غير مسلّم؛ لأنّ بعضهم لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿أَزْواجٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
وقال أبو البقاء: حال، أو صفة، ولا أراهما قويّين، ولو قيل بالاعتراض بين الجملتين المتعاطفتين؛ لكان أحسن، وأفضل. (ندخلهم ﴿ظِلاًّ﴾): معطوفة على جملة: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ إلخ، فهي في محلّ رفع مثلها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿ظَلِيلاً:﴾ صفة ﴿ظِلاًّ﴾ مؤكّدة. كقولهم:
شمس شامس، وليل أليل، ويوم أيوم. تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم.
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨)﴾
الشرح: قال البغوي-رحمه الله تعالى-: نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدّار، وكان سادن الكعبة، فلمّا دخل رسول الله ﷺ مكّة يوم الفتح؛ أغلق عثمان باب الكعبة،
следующие страницы →