هذا؛ و (آيات) جمع: آية، وهي في الأصل: العلامة الظاهرة، وتقال للمصنوعات في هذا الكون من حيث إنّها تدلّ على وجود الصانع، وعلمه، وقدرته. قال تعالى في سورة (البقرة):
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ ﴿لَآياتٍ..﴾. إلخ رقم [١٦٤]، وقال في سورة (آل عمران) رقم [١٩٠] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ..﴾. إلخ. كما تقال لكل طائفة من القرآن، كما في هذه الآية، كما تطلق على المعجزة الخارقة للعادة، مثل:
انشقاق القمر، ونحوه، وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. كما تطلق، ويراد بها العبرة، والاعتبار، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ..﴾. إلخ رقم [١٣] من سورة (آل عمران). هذا؛ والتعبير في هذه الآية وغيرها كثير عن المستقبل بالماضي إنّما هو لتحقق الوقوع.
هذا؛ و (الذوق) يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء، والاختبار، تقول:
اركب هذا الفرس. فذقه؛ أي: اختبره، وانظر فلان، فذق ما عنده. قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل]
فذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز
وقد يعبّر بالذّوق عمّا يطرأ في النفس، وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]
فذق هجرها إن كنت تزعم أنّها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم
وتقول: ذقت ما عند فلان، أي: اختبرته، وذقت القوس: إذا جذبت وترها؛ لتنظر ما شدّتها؟ وأذاقه الله وبال أمره، أي: عقوبة كفره ومعاصيه، قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل]
فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب
وتذوّقته، أي: ذقته شيئا فشيئا. وأمر مستذاق، أي: مجرب معلوم. قال الشاعر: [الوافر]
وعهد الغانيات كعهد قين... دنت عند الجعائل مستذاق
وأصله: ذوق بالضم، وذوقوا في كثير من الآيات للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخيليّة، وذكر العذاب في كثير من الآيات استعارة مكنية؛ حيث شبّه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبّه الذّوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذّوق تخييلا.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا) في محل جر بالإضافة. ﴿سَوْفَ:﴾ حرف
стр. 1192
تسويف واستقبال. ﴿نُصْلِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والهاء مفعول به أول. ﴿ناراً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأ، أو مستأنفة لا محلّ لها.
﴿كُلَّما:﴾ (كلّ): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، و (ما) مصدرية توقيتية. ﴿نَضِجَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، حرف لا محلّ له. ﴿جُلُودُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، و (ما) والفعل (نضج) في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت نضج جلودهم، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل (كلّ). وقيل: (ما) نكرة موصوفة والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: (وقت) أيضا، وانظر مبحث «كلّما» في كتابنا: «فتح القريب المجيب».
﴿بَدَّلْناهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿جُلُوداً:﴾ مفعول به ثان. ﴿غَيْرَها:﴾ صفة:
﴿جُلُوداً﴾. و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محلّ لها، و ﴿كُلَّما﴾ ومدخولها في محل نصب حال من الضّمير المنصوب في نصليهم، والرابط الضّمير فقط، ويجوز أن تكون صفة: ﴿ناراً﴾ والرابط محذوف، التقدير: نارا كلّما نضجت فيها جلودهم.
﴿لِيَذُوقُوا:﴾ اللام: حرف تعليل وجر. (يذوقوا): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محلّ جرّ باللام، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل بدّلناهم. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾
اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿عَزِيزاً حَكِيماً:﴾ خبران ل ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتّعليل، أو هي مستأنفة، أو هي معترضة في آخر الكلام، لا محلّ لها على جميع هذه الوجوه.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا:﴾ صدّقوا بالله، ورسوله تصديقا صحيحا. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾
الأعمال الصّالحات على اختلاف درجاتها، ومراتبها من فعل مأمورات، واجتناب منهيّات.
﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ:﴾ جمع: جنة، وهي البستان المملوء بالنّخيل، والشّجر الكثير، المتكاثف؛ الذي يجنّ؛ أي: يستر ما يكون متداخلا فيه، وسمّيت دار الثواب: جنّة؛ لما فيها من النّعيم؛ الذي لا ينفد، وجمع «الجنّة» على: ﴿جَنّاتٍ﴾ يدلّ على جنان كثيرة مرتبة بحسب أعمال العاملين، لكلّ طبقة منهم جنّة من تلك الجنان، وهي سبع، بل ثمان: جنّة الفردوس، وجنة
стр. 1193
عدن، وجنّة النّعيم، ودار الخلد، ودار المقامة، ودار السّلام، وجنّة المأوى، وعليّون. وفي كلّ منها مراتب، ودرجات متفاوتة على حسب درجات الأعمال، والعمّال.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي: من تحت قصورها، وأشجارها، ولم يجر لهما ذكر؛ لأنّ الجنّات دالة عليهما، والأنهار لا تجري، وإنّما يجري الماء فيها، فهو من تسمية الشيء باسم محلّه، ويسمّى مجازا مرسلا، وهو كثير في كتاب الله تعالى، مثل قوله تعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ أي:
أمر ربك. ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهلها، وقال الشّاعر: [الكامل]
نبّئت أنّ النّار بعدك أوقدت... واستبّ بعدك يا كليب المجلس
أي: استبّ أهل المجلس. و ﴿الْأَنْهارُ﴾ جمع: نهر، وهو معروف في الدّنيا، ولكن شتان ما بين أنهار الجنّة، وأنهار الدّنيا. هذا؛ ويجمع النّهر على أنهر، ونهر، وأنهار، وهاء «النّهر» تفتح، وتسكن. هذا؛ ويروى: أنّ أنهار الجنّة ليست في أخاديد، إنّما تجري على أرض الجنّة منضبطة بالقدرة حيث شاء أهلها.
﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ ماكثين مقيمين لا يبرحون منها. ﴿أَبَداً:﴾ هو الزّمان الطّويل. الّذي ليس له حدّ، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلّم إلى آخر العمر. وانظر الآية رقم [١٢٢] الآتية. ﴿لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: ولهم في الجنّة زوجات من الحور العين، مطهّرات من الأقذار، والأدناس الحسّيّة، والمعنويّة، فالحسية مثل: الحيض، والنّفاس، والبول، والغائط، والنّخام... إلخ، والمعنوية مثل: سوء الخلق، وعدم الانصياع لأوامر الأزواج، وإيذاء الأزواج، وكذلك نساء الدّنيا المؤمنات يكنّ يوم القيامة أجمل من الحور العين، كما قال تعالى في سورة الواقعة: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً﴾. هذا؛ ولكلّ واحد من أهل الجنة زوجتان من نساء الدّنيا، وعدد من الحور العين على حسب درجته، ومكانته عند الله. هذا و ﴿أَزْواجٌ﴾ جمع: زوج، وهو يطلق على الرّجل، والمرأة، والقرينة تبين الذّكر، والأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء أفضل إلا في الفرائض، فإنّها بالتاء أفصح لتوضيح الوارث، وقال الأصمعي-رحمه الله تعالى-: ولا تكاد العرب تقول: زوجة. وحكى الفرّاء: أنّه يقال:
زوجة، وأنشد للفرزدق: [الطويل]
وإنّ الّذي يسعى ليفسد زوجتي... كساع إلى أسد الشّرى يستبيلها
وقال عمّار بن ياسر-﵄-في عائشة-﵂: والله إنّي لأعلم أنّها زوجة نبيكم في الدّنيا، والآخرة، ولكنّ الله ابتلاكم؛ لتتّبعوه، أو إيّاها. ذكره البخاريّ. وعن أنس ﵁: أنّ النبيّ ﷺ كان مع إحدى نسائه، فمرّ به رجل، فدعاه، فقال: «يا فلان! هذه فلانة زوجتي» فقال: يا رسول الله! من كنت أظنّ به، فلم أكن أظنّ بك! فقال ﷺ : «إنّ الشّيطان
стр. 1194
يجري من الإنسان مجرى الدّم». أخرجه مسلم، والمحفوظ: أنّ ذلك كان ليلا. وأنّ الرجل كان الزّبير بن العوّام-﵁، وأنّ المرأة كانت سودة بنت زمعة-﵂.
هذا والزوج: القرين، قال تعالى في سورة (الصافات) رقم [٢٢]. ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي: وقرناءهم، والزّوج ضد الفرد، وكلّ واحد منهما يسمّى زوجا أيضا، يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيّان، وهما سواء، وقال تعالى في سورة (هود): ﴿اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كلّ نوع ذكرا، وأنثى، وقال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ..﴾. إلخ. والمعنى: ثمانية أفراد، والزّوج الصّنف، والنّوع، قال تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: صنف من النّبات، ومثلها في سورة الحجّ رقم [٥].
﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ أي: دائما مستمرا، لا تنسخه شمس، ولا يؤذيهم فيه حرّ، ولا برد.
قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: إذا لم يكن في الجنّة شمس يؤذي حرّها، فما فائدة وصفها بالظلّ الظّليل؟ قلت: إنّما خاطبهم بما يعقلون، ويعرفون، وذلك لأنّ بلاد العرب في غاية الحرارة، فكان الظلّ عندهم من أعظم أسباب الرّاحة، واللّذاذة، فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ انتهى. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ وقال في سورة (الرّعد): ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ وقال جلّ شأنه في سورة (المرسلات): ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾. انظر شرح هذه الآيات في محالّها تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
تنبيه: لمّا ذكر الله تعالى في الآية السابقة الكافرين، وما أعدّ لهم من العذاب الأليم، والعقاب الشّديد؛ ذكر في هذه الآية المؤمنين الصّادقين، وما أعدّ لهم من النّعيم المقيم في جنّات النّعيم، وتلك سنّة الله في كتابه الكريم، حيث اقتضت حكمته تعالى ورحمته، فلا يذكر التّصديق من المؤمنين، إلا ويذكر التّكذيب من الكافرين، ولا يذكر الإيمان، إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنّة إلا ويذكر النّار، ولا يذكر الرّحمة إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، راجيا خائفا.
تنبيه: ذكر الله في الآية السابقة الكفر، ولم يتبعه بشيء؛ بينما ذكر الإيمان في هذه الآية، وأتبعه بذكر العمل الصّالح، وهذا يلاحظ في الآيات القرآنيّة الكثيرة، ممّا يدل على أنّ العمل الصالح قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بدون عمل، وهو ما أفاده قول الرّسول ﷺ :
«الإيمان، والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أنّ الإيمان مشروط لقبول العمل الصّالح، ويسمّى مثل هذا في علم المعاني احتراسا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب معطوف على اسم (إنّ)، أو هو في محل رفع معطوف على محلّه، أو في محل رفع مبتدأ،
стр. 1195
والكلام مستأنف. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. (﴿عَمِلُوا﴾): فعل ماض مبني على الضم، والواو... إلخ.
﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿سَنُدْخِلُهُمْ:﴾ السين: حرف تنفيس، واستقبال. (ندخلهم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿جَنّاتٍ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله عند بعض النّحاة، وفي مقدّمتهم سيبويه، والمحقّقون-وعلى رأسهم الأخفش-ينصبونه على التوسّع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السّعة بإجراء اللازم مجرى المتعدّي، ومثل هذا يقال في مفعول «دخل» الثلاثي، ومفعول «نزل» و «سكن» وأيضا قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾ وعلى جميع الاعتبارات فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنّه جمع مؤنث سالم.
﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾
متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضّمير المنصوب، منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنّون عوض عن التّنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلّق به أيضا.
﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف حال من الضمير المستتر المستقر في: ﴿لَهُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان. وقيل:
متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَزْواجٌ﴾ كان صفة له... إلخ، وهو غير مسلّم؛ لأنّ بعضهم لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿أَزْواجٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
وقال أبو البقاء: حال، أو صفة، ولا أراهما قويّين، ولو قيل بالاعتراض بين الجملتين المتعاطفتين؛ لكان أحسن، وأفضل. (ندخلهم ﴿ظِلاًّ﴾): معطوفة على جملة: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ إلخ، فهي في محلّ رفع مثلها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿ظَلِيلاً:﴾ صفة ﴿ظِلاًّ﴾ مؤكّدة. كقولهم:
شمس شامس، وليل أليل، ويوم أيوم. تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم.
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨)﴾
الشرح: قال البغوي-رحمه الله تعالى-: نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدّار، وكان سادن الكعبة، فلمّا دخل رسول الله ﷺ مكّة يوم الفتح؛ أغلق عثمان باب الكعبة،
стр. 1196
وصعد السّطح، فطلب رسول الله ﷺ المفتاح، فقيل له: إنّه مع عثمان، فطلب منه رسول الله ﷺ المفتاح: فأبى، وقال: لو علمت: أنّه رسول الله؛ لم أمنعه المفتاح. فلوى علي-﵁ يده وأخذ منه المفتاح، وفتح الباب، فدخل رسول الله ﷺ البيت، وصلّى فيه ركعتين، فلمّا خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح، وأن يجمع له بين السّقاية، والسّدانة، فأنزل الله الآية الكريمة، فأمر رسول الله ﷺ عليّا-﵁-أن يردّ المفتاح إلى عثمان، ويعتذر إليه، ففعل ذلك، فقال له عثمان: آذيت، وأكرهت، ثم جئت تترفّق، فقال عليّ-﵁: لقد أنزل الله في شأنك قرآنا، وقرأ عليه الآية، فقال عثمان-﵁: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله، فقال النبي ﷺ : «خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة، لا يأخذها منكم إلاّ ظالم». فكان المفتاح معه إلى أن مات، فدفعه إلى أخيه شيبة، فالمفتاح، والسّدانة في أولادهم إلى يوم القيامة.
هذا؛ وأثبت أبو عمر بن عبد البر، وابن منده، وابن الأثير: أنّ عثمان بن طلحة-﵁ هاجر إلى المدينة في هدنة الحديبية سنة ثمان مع خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص-﵃ أجمعين-. انتهى خازن بتصرّف. فيكون من السّابقين.
هذا؛ و (الأمانة) مصدر، وحقّ المصادر ألا تجمع؛ لأنّها كالفعل يدلّ على الكثير، والقليل من جنسه، ولكن لمّا اختلفت أنواع الأمانة؛ جاز جمعها؛ لأنّها لمّا اختلفت أنواعها شابهت المفعول به، فجمعت كما يجمع المفعول به، كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى في سورة (المعارج): ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾. والأمانة: خلق من الأخلاق الفاضلة، وصفة من الصفات النبيلة، وأصل من أصول الديانات، ولذلك أكّدت جميع الشرائع أمرها، وحثّت على الاتصاف بها، وبالإضافة لما ذكرته في سورة (آل عمران) رقم [٧٥] أذكر هنا ما يلي:
فالأمانة تجري في كل شئون الحياة، فمن أسرّ إليك سرّا؛ فقد أودع عندك أمانة، ومن استشار غيره في أمر دنيويّ؛ فهو أمانة، والمال في يد الإنسان أمانة، والولد في يد الإنسان أمانة. قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله سائل كلّ راع عمّا استرعاه، حفظ، أم ضيّع؛ حتّى يسأل الرّجل عن أهل بيته». رواه ابن حبّان في صحيحه عن الحسن-﵁. وعن أنس ﵁. وجوارح الإنسان كلّها أمانة، والتّكاليف الإلهيّة كلّها أمانة، ومعاملات النّاس كلّها أمانة، وخذ ما يلي:
عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: «القتل في سبيل الله يكفّر الذّنوب كلّها إلاّ الأمانة، قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة، وإن قتل في سبيل الله، فيقال: أدّ أمانتك، فيقول: أي ربّ كيف؛ وقد ذهبت الدّنيا؟ فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية، وتمثّل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها، فيعرفها، فيهوي في أثرها حتّى يدركها، فيحملها على منكبيه حتّى إذا ظنّ: أنّه خارج؛ زلّت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين. ثمّ قال:
стр. 1197
الصّلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة-وأشياء عدّدها-وأشدّ ذلك الودائع». رواه البخاريّ، وأحمد، والبيهقيّ موقوفا. وذكر عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب الزهد: أنّه سأل أباه عنه، فقال: إسناد جيّد. هذا؛ وجميع النعم التي أنعم الله بها على الإنسان أمانة؛ وما أكثرها! قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾.
﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أي: ويأمركم الله أن تعدلوا بين الناس في أحكامكم. ويدخل في ذلك جميع الخلق، والخطاب يعمّ كلّ من تولّى الحكم بين اثنين من ولاة، وغيرهم. فعن ابن عباس-﵄-عن النّبيّ ﷺ : «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستّين سنة، وحدّ يقام في الأرض بحقّه أزكى فيها من مطر أربعين صباحا». رواه الطّبرانيّ في الكبير، والأوسط، وكلمة «إمام» تعمّ، وتشمل كلّ من تولّى شأنا من شئون المسلمين، وأمرا من أمورهم، فهو يتدرّج من رئيس الدّولة إلى المحافظ.. إلى الشّرطي الذي يتولى التّحقيق بين اثنين متخاصمين. وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرّحمن-وكلتا يديه يمين-الّذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما ولوا». رواه مسلم، والنّسائي. وأحقّ الناس بالعدل الأهل، وهو يشمل الزّوجة، والأولاد.
و (أهل) اسم جمع، لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، ونفر... إلخ. والأهل:
العشيرة، وذوو القربى. ويطلق على الزّوجة، والأولاد، وعلى الأتباع أيضا، وجمعه: أهلون وأهال، وآهال، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى في سورة التّحريم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾.
﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا..﴾. إلخ أي: ويأمركم بأن تحكموا بالحق، والإنصاف، وإذا قضيتم بين الناس، فلا تميلوا عن الحق إلى أحد المتخاصمين. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً:﴾
لأقوالكم، ﴿بَصِيراً:﴾ بأعمالكم. وصف الله تعالى نفسه بأنّه سميع بصير، يسمع ويرى، كما قال تعالى في سورة طه لموسى وهارون على نبينا وحبيبنا وعليهما ألف صلاة، وألف سلام: ﴿إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى،﴾ والمعنى: فإذا حكمتم؛ فهو يسمع حكمكم، وإذا أديتم الأمانة؛ فهو يبصر فعلكم. وأصل العدل هو المساواة في الأشياء، فكل ما خرج عن الظلم، والاعتداء سمّي عدلا. قال بعض العلماء: ينبغي للقاضي أن يسوّي بين الخصمين في خمسة أشياء: في الدّخول عليه، والجلوس بين يديه، والإقبال عليهما، والاستماع منهما، والحكم بالحق فيما لهما، وعليهما. وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحقّ إلى مستحقّه، وأن لا يمتزج بغرض آخر. هذا؛ وذكر لفظ الجلالة في ثلاث جمل لتربية المهابة في النّفوس، ولتعظيمه في القلوب.
стр. 1198
هذا؛ و (نعم) فعل ماض جامد لإنشاء المدح، و (بئس) فعل ماض جامد لإنشاء الذّمّ، قال في المختار: «نعم» منقول من نعم فلان بفتح النون، وكسر العين: إذا أصاب النّعمة. وبئس فلان بفتح الباء، وكسر الهمزة: إذا أصاب بؤسا، فنقلا إلى المدح، والذم، فشابها الحروف، فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم، وبئس بكسر فسكون، وهي أفصحنّ، ثمّ نعم بئس بكسر أولهما وثانيهما، غير أنّ الغالب في (نعم) أن يتصل بها «ما» كما في الآية التي نحن بصدد شرحها، وكما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٧١]: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ وبئس اتصلت بها «ما» على اللغة الفصحى، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٩٠]:
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ والآية رقم [٩٣] منها أيضا: ﴿بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ﴾ والآية رقم [١٥٠] من سورة (الأعراف): ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي..﴾. إلخ، واللغة الثالثة: نعم وبأس بفتح وسكون، والرابعة: نعم وبئس بفتح وكسر، وهي الأصل فيهما، ولا بدّ لهما من شيئين: فاعل، ومخصوص بالمدح، أو بالذمّ، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
فعلان غير متصرّفين... نعم وبئس رافعان اسمين
مقارني ال أو مضافين لما... قارنها كنعم عقبى الكرما
ويرفعان مضمرا يفسّره... مميّز كنعم قوما معشره
والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين، والكسائي، بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول النبي ﷺ : «من توضّأ يوم الجمعة فبها، ونعمت، ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل». وقال الكوفيّون: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابيّ؛ وقد أخبر بأنّ امرأته ولدت بنتا: والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة. وقول آخر: نعم السّير على بئس العير. وتأوّله البصريّون على حذف كلام مقدّر، والتقدير: والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد، ونعم السّير على عير مقول فيه: بئس العير. والمعتمد في ذلك قول البصريين.
هذا؛ ويجب في فاعلهما أن يكون مقترنا بال، أو مضافا لمقترن بها، أو ضميرا مميزا بنكرة، أو كلمة «ما»؛ فالأول: كما في قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾. والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾. والثالث: مثل قوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾. والرابع: كما في الآية التي بين أيدينا. وهذا شرح لأبيات ابن مالك.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَأْمُرُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري ونصب.
﴿تُؤَدُّوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿إِنَّ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة،
стр. 1199
والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول منهما في محل جرّ بحرف جرّ محذوف، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، وتقدير الكلام: إنّ الله يأمركم بأداء. ﴿الْأَماناتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم. ﴿إِلى أَهْلِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿تُؤَدُّوا﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْأَماناتِ﴾.
﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذا﴾): ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلّق بمحذوف على مذهب البصريّين؛ الذين لا يجيزون إعمال ما بعد «أن» المصدرية فيما قبلها، التقدير: ويأمركم أن تحكموا بالعدل إذا حكمتم، وعند الكوفيين متعلق بالفعل الآتي؛ لأنّهم يجيزون إعمال ما بعد «أن» المصدرية فيما قبلها. ﴿حَكَمْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْ تَحْكُمُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿أَنْ تُؤَدُّوا،﴾ والمصدر المؤول في محل جرّ بحرف جرّ محذوف، والجار والمجرور معطوفان على مثلهما السّابقين. ﴿بِالْعَدْلِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما على أنّهما مفعوله، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة.
﴿نِعِمّا:﴾ (نعم) فعل ماض جامد لإنشاء المدح. (ما): نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التّمييز المفسّر لفاعل (نعم) المستتر، التقدير: نعم الشيء شيئا. هذا؛ وجوّز اعتبار (ما) اسما موصولا على أنّها فاعل (نعم) والمعتمد الأول. ﴿يَعِظُكُمْ:﴾ فعل مضارع والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صفة (ما) أو صلتها، والرابط، أو العائد هو الضمير المجرور محلاّ بالباء، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: نعم الشيء، أو الذي يعظكم به هو تأدية الأمانة، والحكم بالعدل، وجملة: ﴿نِعِمّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إنّ) والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، أو هي مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩)﴾
الشرح: لمّا ذكر الله في الآية السابقة الأمانة، وأمر بأدائها النّاس جميعا، وأمر الحكام أن يحكموا بين الناس بالعدل؛ تقدّم في هذه الآية إلى الرّعية، فأمر بطاعته أولا، وهي: امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ثمّ أمر بطاعة رسوله ﷺ ثانيا فيما أمر به، ونهى عنه، ثمّ أمر بطاعة الحكام، والأمراء ثالثا على قول الجمهور، وفي مقدّمتهم: أبو هريرة، وابن عباس، وغيرهم من كبار الصحابة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٩]. وخذ ما يلي:
стр. 1200
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من أطاعني؛ فقد أطاع الله.
ومن عصاني؛ فقد عصى الله. ومن يطع الأمير؛ فقد أطاعني. ومن يعص الأمير؛ فقد عصاني».
متفق عليه.
وعن أنس-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «اسمعوا، وأطيعوا، وإن أمّر عليكم عبد حبشيّ، كأنّ رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله». رواه البخاريّ.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: «أوصاني خليلي ﷺ أن أسمع، وأطيع، وإن كان عبدا حبشيّا مجدوع الأطراف». رواه مسلم، رحمه الله تعالى!.
وورد في بعض الكتب المنزلة: يقول الله- : «أنا الله ملك الملوك، ومالك الملك، قلوب الملوك، ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني؛ جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني؛ جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسبّ الملوك، ولكن توبوا إليّ أعطّفهم عليكم».
وهو معنى قول الرّسول ﷺ : «كما تكونوا يولّ عليكم».
هذا؛ وقال العلماء: طاعة الإمام واجبة على الرّعية ما دام على الطّاعة، فإذا زال عن الكتاب، والسنة؛ فلا طاعة له، وإنّما طاعته فيما وافق الحقّ. وقال عليّ-﵁: حقّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، ويؤدّي الأمانة، فإذا فعل ذلك؛ فحقّ على الرّعية أن يسمعوا، ويطيعوا. وعن ابن عمر-﵄: أنّ رسول الله ﷺ قال: «على المرء المسلم السّمع والطّاعة فيما أحبّ أو كره إلاّ أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية؛ فلا سمع، ولا طاعة». رواه أبو داود. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ إيحاء على أنّ الحكام الذين تجب طاعتهم؛ إن حكموا بالعدل يجب أن يكونوا مسلمين حسّا، ومعنى، لحما، ودما، لا أن يكونوا مسلمين شكلا، وصورة. وخذ ما يلي:
قال الزّمخشري-رحمه الله تعالى-: والمراد ب (﴿أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾): أمراء الحق؛ لأنّ أمراء الجور الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله، ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنّما يجمع بين الله، ورسوله، والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل، واختيار الحق، والأمر بهما، والنّهي عن أضدادهما، كالخلفاء الراشدين، ومن تبعهم بإحسان، وكان الخلفاء يقولون:
أطيعوني ما عدلت فيكم، فإن خالفت؛ فلا طاعة لي عليكم. انتهى.
هذا؛ ومن العلماء من يقول: المراد بأولي الأمر: العلماء العاملون، الذين يعلّمون النّاس بأمور الدين، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر. وهو قول لابن عباس-﵄-وكذا قال مجاهد، وعطاء، وغيرهما، واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ..﴾. إلخ فأمر الله تعالى برد المتنازع فيه إلى كتاب الله، وسنّة نبيه ﷺ ، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الردّ إلى الكتاب، والسنة. قال تعالى في الآية رقم [٨٣]: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ﴾
стр. 1201
﴿مِنْهُمْ﴾ ويدلّ هذا على صحّة كون سؤال العلماء واجبا، وامتثال فتواهم لازما. قال سهل بن عبد الله: لا يزال الناس بخير ما عظموا السّلطان، والعلماء، فإذا عظّموا هذين؛ أصلح الله دنياهم، وأخراهم، وإذا استخفّوا بهذين؛ فسدت دنياهم، وأخراهم. وانظر الآية رقم [٨٣] ومعنى:
﴿تَنازَعْتُمْ:﴾ تجادلتم، واختلفتم، فكأنّ كلّ واحد ينتزع حجّة الآخر، ويذهبها، والمنازعة:
مجاذبة الحديث، والحجج. قال الأعشى في معلّقته: [البسيط]
نازعتهم قضب الرّيحان متّكئا... وقهوة مرّة راووقها خضل
﴿فِي شَيْءٍ﴾ من أمر دينكم، ودنياكم. ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي: ردّوا ذلك الحكم إلى كتاب الله، ، وإلى رسوله ﷺ في حياته ما دام حيا، وبالنّظر في سنّته بعد وفاته ﷺ .
ومن لم ير هذا اختلّ إيمانه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال العلماء: في الآية دليل على أنّ من لا يعتقد وجوب طاعة الله ، وطاعة الرّسول ﷺ ، ومتابعة السنة، والحكم بالأحاديث الواردة عن النبيّ ﷺ لا يكون مؤمنا بالله، واليوم الآخر، وهو الذي يكون فيه الحشر، والنشر، والحساب والجزاء، ودخول أهل الجنّة الجنّة بالفضل الإلهيّ، ودخول أهل النّار النّار بالعدل الرّبّانيّ.
﴿ذلِكَ خَيْرٌ:﴾ أي: ردّكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب، والسنّة خير من التنازع. ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً:﴾ أي: مرجعا، وأحمد عاقبة، من: آل، يؤول إلى كذا، أي: صار.
هذا؛ وقال البخاريّ-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية الكريمة في عبد الله بن حذافة السّهمي-﵁-إذ بعثه رسول الله ﷺ على رأس سرية، فلمّا خرجوا؛ وجد عليهم في شيء، فقال لهم: أليس أمركم رسول الله ﷺ بطاعتي؟ قالوا: بلى! قال: فاجمعوا حطبا، ثم دعا بنار فأضرمها، ثمّ قال: عزمت عليكم لتدخلنّها! فقال شابّ منهم: إنّما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النّار، فلا تعجلوا حتّى تلقوا رسول الله ﷺ ، فإن أمركم أن تدخلوها، فادخلوها، ورجعوا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبروه، فقال لهم: «لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا، إنّما الطّاعة في المعروف». وفي رواية: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». وضعّف الدّاودي هذه الرّواية.
وقال السّديّ-رحمه الله تعالى-: نزلت في خالد بن الوليد-﵁-وذلك: أنّه بعثه رسول الله ﷺ على سرية، وفيها عمّار بن ياسر-﵄، فلمّا قربوا من القوم؛ هربوا منهم، وجاء رجل منهم إلى عمّار قد أسلم، فأمّنه عمّار، فجاء خالد-﵁، فأخذ مال الرّجل، فقال عمّار: إني قد أمنته؛ وقد أسلم، فقال خالد: أتجير عليّ؛ وأنا الأمير؟! فتنازعا، وقدما على رسول الله ﷺ ، فأجاز أمان عمّار، ونهاه أن يجير ثانية. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 1202
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ﴿أَطِيعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، وجملة: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَأُولِي:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و (أولي):
مضاف، و ﴿الْأَمْرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾).
﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَنازَعْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فِي شَيْءٍ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿فَرُدُّوهُ:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ردّوه): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد.
﴿إِلَى اللهِ﴾ متعلّقان بما قبلهما، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَالرَّسُولِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها، وجواب الشّرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم؛ فردّوه، والجملة الشرطية مستأنفة.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَأَحْسَنُ:﴾
معطوف على ما قبله. ﴿تَأْوِيلاً:﴾ تمييز.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ ألم تنظر. فهو تعجيب من حال المنافقين. والخطاب للنبي ﷺ ، ويعمّ كلّ عاقل، ومن عنده شيء من التفكير، والتبصّر، فهو إنكار من الله- -على من يدّعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله، وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنّة رسوله. والآية قال ابن عباس-﵄ فيها: نزلت في رجل من المنافقين، يقال له: بشر، كان بينه، وبين يهوديّ خصومة، فقال اليهودي: ننطلق إلى محمد، وقال المنافق: بل ننطلق إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي
стр. 1203
سمّاه الله: الطاغوت، فأبى اليهوديّ أن يخاصمه إلا إلى محمد ﷺ ، فلمّا رأى المنافق ذلك؛ أتى معه إلى رسول الله ﷺ ، فقضى رسول الله ﷺ لليهوديّ، فلما خرجا؛ قال المنافق: لا أرضى! انطلق إلى أبي بكر، فحكم الصديق-﵁-لليهوديّ، فلم يرض-ذكره الزجّاج -وقال: انطلق بنا إلى عمر، فذهبا إلى عمر، فقال اليهودي: إنا صرنا إلى محمّد، ثم إلى أبي بكر، فلم يرض، فقال عمر-﵁-للمنافق: أكذاك هو؟ قال: نعم، قال:
رويدكما حتى أخرج إليكما، فدخل، وأخذ السيف، ثمّ ضرب به المنافق، فقتله، وقال: هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله، وقضاء رسوله. وهرب اليهوديّ، ونزلت الآية، وقال جبريل-﵇: إنّ عمر فرّق بين الحقّ، والباطل، فسمّي الفاروق. وقال رسول الله ﷺ له: «أنت الفاروق»، وفي ذلك نزلت الآية كلّها إلى قوله: ﴿تَسْلِيماً﴾ وهذه إحدى الآيات الّتي وافقت رأي عمر، ومثلها الآية رقم [٩٨]، والآية رقم [١٢٥] من سورة (البقرة)، والآية رقم [٩٤] من سورة (المائدة)، والآية رقم [٦٧] من سورة (الأنفال)، والآية رقم [٥٩] من سورة (الأحزاب)، والآية رقم [٥] من سورة (التحريم) وغير ذلك.
هذا؛ و ﴿يَزْعُمُونَ:﴾ ماضيه زعم، قال الشيخ مصطفى الغلاييني-رحمه الله تعالى-: الغالب في زعم أن تستعمل للظنّ الفاسد، وهو حكاية قول يكون مظنّة للكذب. فيقال فيما يشك فيه، أو فيما يعتقد كذبه. ولذلك يقولون: (زعموا) مطيّة الكذب، أي: إنّ هذه الكلمة مركب للكذب، ومن عادة العرب: أنّ من قال كلاما وكان عندهم كاذبا؛ قالوا: زعم فلان. ولهذا جاء في القرآن الكريم في كلّ موضع ذمّ القائلون به، وقد يراد الزّعم بمعنى القول مجردا عن معنى الظنّ الراجح، أو الفاسد، أو المشكوك فيه، فإن كانت زعم بمعنى: تأمّر، وترأّس، أو بمعنى: كفل به تعدّت إلى واحد بحرف الجر، تقول: زعم على القوم، فهو زعيم، أي: تأمّر عليهم، وترأسهم، وزعم بفلان، وبالمال، أي: كلفه، وضمنه، وتقول: زعم اللّبن، أي: أخذ يطيب، فهو لازم. انتهى.
أقول: ولا تنس الكفالة، والضمان من (زعم) في قوله تعالى: ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ سورة (يوسف) رقم [٧٢]، وقوله جلّ ذكره: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ سورة (القلم) رقم [٤٠]. بعد هذا أقول: إنّ (زعم) من الأفعال التي تنصب مفعولين؛ أصلهما مبتدأ وخبر، إن كان من أفعال الرّجحان، والأكثر أن يسدّ مسدهما: أن، واسمها، وخبرها مخففة من الثقيلة، أو غيرهما، نحو قوله تعالى في سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا..﴾. إلخ، وفي هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ..﴾. إلخ. انظر شواهد ذلك في كتابنا: «فتح رب البريّة». والقليل أن تنصب مفعولين صريحين، وهو ناقص التصرّف، ويأتي منه ماض، ومضارع، ولا يأتي منه أمر.
стр. 1204
﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: القرآن الكريم. ﴿أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ المراد: التّوراة التي أنزلها الله على موسى، وهارون، والإنجيل الذي أنزله الله على عيسى، والزّبور الذي أنزله الله على داود، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ:﴾
الطاغوت: الكثير الطغيان، والمراد به هنا: كعب بن الأشرف اليهودي اللعين. وانظر الآية [٢٥٦] من سورة (البقرة)، وقد رأيت: أنّ الطاغوت: الشيطان، فقد شبهه الله بالشيطان، أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول الله ﷺ على التحاكم إليه تحاكما إلى الشيطان بدليل ما بعده:
﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ:﴾ أي: أن يرفضوه، ولا يقبلوا به؛ لأنّ الكفر بالطّاغوت، وعدم الرضا به هو صريح الإيمان، قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ﴾ أي: يخرجهم من جادة الحقّ والصّواب إلى الباطل. والإضلال: خلق فعل الضلال في العبد. ﴿ضَلالاً:﴾ هذا مصدر، وليس جاريا على يضلهم، فيحتمل أن يكون جعل مكان الإضلال، مثل قوله تعالى في سورة (نوح) -على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً﴾ فوضع مصدر الثلاثي موضع مصدر الرّباعي، ويحتمل أن يكون مصدرا للمضارع: (يضلهم) أي:
فيضلوا ضلالا بعيدا، أي: كبيرا مستمرا إلى الموت. هذا؛ وفي إسناد البعد إلى الضلال مجاز عقلي؛ لأنّ البعيد في الحقيقة إنّما هو الضالّ؛ لأنّه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، كما تقول: جدّ جدّه.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتعجب. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿إِلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿يَزْعُمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي:
﴿يَزْعُمُونَ﴾. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ:﴾ معطوف على سابقه، وإعرابه مثله.
﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿أَنْ يَتَحاكَمُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والمصدر المؤوّل منهما في محل
стр. 1205
نصب مفعول به، وجملة: ﴿يُرِيدُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة في:
﴿يَزْعُمُونَ﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿إِلَى الطّاغُوتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أُمِرُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة في: ﴿يُرِيدُونَ﴾. والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة، والمصدر المؤوّل من: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وتقدير الكلام: وقد أمروا بالكفر به؛ أي: بالطاغوت، وجملة: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وإعرابها واضح إن شاء الله.
﴿ضَلالاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿بَعِيداً:﴾ صفة له.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ:﴾ للمنافقين. ﴿تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ يعني: هلمّوا إلى حكم الله الّذي أنزله الله في كتابه، وإلى الرسول؛ ليحكم بينكم به. ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ..﴾.
إلخ: يعرضون عنك، وعن حكمك إعراضا، وأيّ إعراض. وإنّما أعرض المنافقون عن حكم رسول الله ﷺ ؛ لأنّهم علموا: أنّه كان يحكم بالحق الصّريح، ولا يقبل الرّشا، وإنّما ذكر لفظ المنافقين في موضع الإضمار للتسجيل عليهم بالنّفاق، وذمّهم به، والتشنيع عليهم. وانظر ما وصفهم الله به في الآية رقم [٨] من سورة (البقرة) وما بعدها.
هذا؛ و ﴿قِيلَ﴾ أصله: (قول) بضم القاف، وكسر الواو، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها، فصار (قول) بكسر القاف وسكون الواو، ثمّ قلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة، فصار: قيل.
وأمّا ﴿تَعالَوْا؛﴾ فقد قال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في قطر النّدى: وأمّا (هات)، و (تعال) فعدّهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال، والصواب: أنّهما فعلا أمر؛ بدليل:
أنّهما دالان على الطلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، فتقول: هاتي، وتعالي. واعلم: أنّ آخر «هات» مكسور أبدا، إلا إذا كان لجماعة المذكرين، فإنّه يضمّ، فتقول: هات يا زيد، وهاتي يا هند، وهاتيا يا زيدان. وهاتيا يا هندان، وهاتين يا هندات. كلّ ذلك بكسر التاء، وتقول: هاتوا يا قوم، بالضم، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ،﴾ وأنّ آخر «تعال» مفتوح في جميع أحواله من غير استثناء، تقول: تعال يا زيد، وتعالي يا هند، وتعاليا يا زيدان، وتعاليا يا هندان، وتعالوا يا زيدون، وتعالين يا هندات (كل ذلك بالفتح) قال تعالى
стр. 1206
في سورة (الأنعام): ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ..﴾. إلخ. وقال-جلّ ذكره-في سورة (الأحزاب):
﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾. ومن ثمّ لحّنوا أبا فراس الحمداني بقوله: [الطويل]
أيا جارتا ما أنصف الدّهر بيننا... تعالي أقاسمك الهموم تعالي
وأقول: إنّ الفعلين (هات، وتعال) ملازمان للأمريّة، فلا يأتي منهما مضارع، ولا ماض، وهما بمعنى: (أحضروا أو احضروا) فالأول متعدّ، والثاني لازم، وهو من الثلاثي، وأمّا تعالى، يتعالى، فهما بمعنى تعاظم، يتعاظم، أو بمعنى تنزّه، يتنزّه. وقل في إعلال: ﴿تَعالَوْا،﴾ أصله:
تعالوا، ثم تعاليوا، فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، وبقيت الواو؛ لأنّها ضمير، وبقيت الفتحة على اللام؛ لتدلّ على الألف المحذوفة.
أمّا الفعل: ﴿يَصُدُّونَ﴾ فهو بفتح الياء، وضم الصاد، ويقرأ بضم الياء، وكسر الصاد، وهما لغتان: صدّ، وأصدّ، مثل: صدّ، وأصدّ: إذا أنتن، وضمّ، وأضمّ: إذا تغير، وهو من صدّ، يصدّ صدودا: إذا تنكب، وليس فصيحا؛ لأنّ في صدّه مندوحة عن تكلّف التعدية بالهمزة، ويأتي الفعل بمعنى: يعرضون، ويميلون، كما في هذه الآية الكريمة. كما يأتي بمعنى: يضجون فرحا، لكنه بكسر الصاد، كما في قوله تعالى في سورة (الزخرف): ﴿*وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ،﴾ ومصدر الأولين صدّ، وصدود، ومصدر الأخير: صديد. والصّدد:
القرب، يقال: داري صدد داره، أي: قربها، وقبالتها، والصّدد: القصد، تقول: رجعنا إلى ما نحن بصدده، أي: بقصده، وهو أيضا الميل، والناحية.
هذا؛ والنفاق: إظهار الإيمان، وإخفاء الكفر، وسمّي المنافق منافقا أخذا من نافقاء اليربوع، وهو جحره الّذي يقيم فيه، فإنّه يجعل له بابين، يدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكافرين بقوله: أنا كافر. وكان المنافقون في عهد الرسول ﷺ ثلاثمائة من الرّجال، ومائة من النساء. هذا وقال تعالى في سورة (التوبة): ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ..﴾. إلخ.
هذا؛ وقد يتصف مؤمن بصفات المنافقين، فيكذب في القول، ويخلف في الوعد، ويخون في الأمانة، ويفجر في الخصومة، فهذا يقال له: نفاق العمل، وأمّا الأوّل؛ فيقال له: نفاق العقيدة، وهو أخبث من الكفر، وعقابه أشدّ منه، قال تعالى في الآية رقم [١٤٥] الآتية: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ وقد حذّر الرسول ﷺ من نفاق العمل، والاتصاف به، فإنّه يجر إلى نفاق العقيدة. وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». رواه البخاريّ، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له:
«وإن صلّى، وصام، وزعم: أنّه مسلم».
стр. 1207
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزّمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿تَعالَوْا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى ما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنيّة على السّكون في محل جرّ ب ﴿إِلى﴾. ﴿أَنْزَلَ اللهُ:﴾
ماض وفاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:
إلى الذي، أو: إلى شيء أنزله الله، وجملة: ﴿تَعالَوْا..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل:
﴿قِيلَ،﴾ وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول مقامه» وهذا لا غبار عليه. هذا؛ وقيل: الجار والمجرور: ﴿لَهُمْ﴾ في محل رفع نائب فاعله. وقيل: نائب الفاعل يعود إلى مصدر الفعل، أي:
قيل قول، وهذا مقارب لما قبله، وعليهما تكون الجملة الفعلية: ﴿تَعالَوْا..﴾. إلخ في محلّ نصب مقول القول. ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محلّ جرّ بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح.
تنبيه: «إذا» ظرف لما يستقبل من الزمان، وفيه معنى الشرط، واختلف في ناصبها، فقيل:
بالجواب، واعترض بأنّ الجواب قد يقترن بالفاء. وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها. وقيل:
الشرط، واعترض أيضا بأنّها مضاف للشرط، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، وأجيب عن هذا الاعتراض بأنّ القائلين: إنّ الناصب هو الشّرط، لا يقولون بإضافة «إذا» إليه، فلذا كان الثاني أرجح من الأوّل، وإن كان الأوّل أشهر، فقول بعض المعربين: خافض لشرطه، منصوب بجوابه جرى على غير الراجح، ولذا كانت عبارة سيبويه-رحمه الله تعالى-: «خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك» محتملة لما تريد من احتمالات، ولذا ذكرت هذه الجملة كلّما أعربت: «إذا».
﴿رَأَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْمُنافِقِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿يَصُدُّونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿عَنْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿صُدُوداً:﴾ مفعول مطلق، وجملة ﴿يَصُدُّونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿الْمُنافِقِينَ،﴾ وإن اعتبرت: ﴿رَأَيْتَ﴾ بصريا، متعديا لمفعول واحد فقط. وفي محل نصب مفعول به ثان؛ إن اعتبرته متعديا لمفعولين.
وجملة: ﴿رَأَيْتَ..﴾. إلخ جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محلّ له على الاعتبارين.
стр. 1208
﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢)﴾
الشرح: ﴿فَكَيْفَ:﴾ أي: فكيف يكون حالهم، أو فكيف يصنعون ﴿إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: عظيمة يعجزون عنها. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: تصيبهم عقوبة بسبب ما قدّمت أيديهم، وهو التحاكم إلى غير رسول الله ﷺ ، وهذا وعيد لهم على سوء صنيعهم، ورضاهم بحكم الطّاغوت دون حكم رسول الله ﷺ . وقيل: المصيبة هي قتل عمر-﵁-لذلك المنافق.
هذا؛ وإنّما نسبت الأعمال إلى الأيدي؛ لأنّ أكثر الأعمال إنّما تزاول بالأيدي، وإن كانت من أعمال القلوب، والأرجل، والعيون، والأيدي تغليبا للأكثر على الأقلّ. هذا؛ واليد تطلق في الأصل على اليد الجارحة، وقد تطلق على النفس، والذات، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٩٥]: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وقد تطلق على القدرة، والقوّة، وهو كثير مثل قوله تعالى في سورة (ص) رقم [١٧]: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ وخذ قول عروة بن حزام العذري، وهو الشّاهد رقم [١١٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]
وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... وما لي بزفرات العشيّ يدان
كما تطلق اليد على النّعمة، والمعروف. يقال: لفلان يد عندي، أي: نعمة، ومعروف، وإحسان، وتطلق على الحيلة، والقوة، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر، أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير.
﴿ثُمَّ جاؤُكَ﴾ أي: المنافقون حين تصيبهم المصائب يعتذرون إليك. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا:﴾ ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك. ﴿إِلاّ إِحْساناً﴾ يعني: في التحاكم إلى غيرك، لا إساءة.
﴿وَتَوْفِيقاً﴾ يعني: بين الخصمين، لا مخالفة لك في حكمك. نظيرها قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٠٧]: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى﴾. وقيل: جاء أولياء المقتول المنافق الّذي قتله عمر-﵁-إلى النبيّ ﷺ يطلبون ديته، وقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا، ويوفّق بينه، وبين خصمه، وما خطر ببالنا: أنّه يحكم بما حكم به من قتل صاحبنا. فأهدر الله دم ذلك المنافق.
هذا؛ وأصاب فلانا البلاء: وقع عليه. وأصابهم المطر: نزل عليهم. قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٤٨]: ﴿فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. وتقول: أصاب السّهم، يصيب: لم يخطئ هدفه، وأصاب الرّجل في قوله، أو في رأيه: أتى بالصواب. ويأتي «أصاب»
стр. 1209
بمعنى: قصد، وأراد. قال تعالى في حقّ سليمان-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام- ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ وقال الشاعر: [المتقارب]
أصاب الكلام فلم يستطع... فأخطا الجواب لدى المفصّل
هذا؛ و «مصيبة» أصلها: مؤصيبة، فحذفت الهمزة فصار: مصيبة، فقل في إعلالها: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، فنقلت حركة الياء إلى الصاد قبلها، فصارت مصيبة. هذا ومضارع أصاب: يصيب، وأصله: يؤصيب، فحذفت الهمزة للتخفيف حملا على المبدوء بهمزة المضارعة (أأصيب) الذي حذفت همزته الثانية للتخفيف من ثقل الهمزتين، فصار: (يصيب) ثم يقال فيه ما قيل في «مصيبة» فصار: يصيب، وحذفت الهمزة من مؤصيبة للتخلص من ثقل الهمزتين في التّقدير.
الإعراب: ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فكيف حالهم؟ أو: في محل نصب حال، عامله محذوف، التقدير: فكيف يصنع هؤلاء المنافقون؟ والجملة سواء أكانت اسمية، أو فعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل المقدّر، أو هو متعلق بنفس المبتدأ؛ الّذي قدرناه. ﴿أَصابَتْهُمْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث والهاء مفعول به. ﴿مُصِيبَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، ومثل هذه الآية في إعرابها قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [٢٢٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [٥٢٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]
فكيف إذا مررت بدار قوم... وجيران لنا كانوا كرام
﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُصِيبَةٌ﴾ أو بمحذوف صفة لها، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. وقيل: المصدرية أيضا. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث.
﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء قدمته أيديهم، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿مُصِيبَةٌ..﴾. إلخ، والتقدير: بتقديم أيديهم الشر، أو السوء... إلخ.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿جاؤُكَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها. هذا؛ وقال الجلال: جملة: ﴿جاؤُكَ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَصُدُّونَ..﴾. إلخ في الآية السّابقة فيكون ما بينهما كلاما معترضا. ولا أراه قويا.
﴿يَحْلِفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو
стр. 1210
الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿أَرَدْنا:﴾
فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم المفهوم من: ﴿يَحْلِفُونَ﴾ لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾
حرف حصر. ﴿إِحْساناً:﴾ مفعول به، وما بعدها معطوف عليه.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى المنافقين المذكورين في الآيات السّابقة. ﴿يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ أي: من النّفاق، وكذبهم في اعتذارهم، فلا ينفعهم الكتمان، والحلف الكاذب، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: عن عقوبتهم. وقيل: عن قبول عذرهم. ﴿وَعِظْهُمْ﴾ أي: باللسان.
والمراد: زجرهم بالوعظ من النّفاق، والكفر، والكذب، وتخويفهم بعذاب الآخرة.
﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ يعني: بليغا يؤثّر في قلوبهم موقعه، وهو التّخويف بالله . وقيل: هو أن يوعدهم بالقتل؛ إن لم يتوبوا من النّفاق. وقيل: هو أن يقول لهم:
إن أظهرتم ما في قلوبكم من النّفاق؛ قتلتم؛ لأنّ هذا القول يبلغ في نفوسهم كلّ مبلغ. وقيل:
معناه: أعرض عنهم في الملأ، وقل لهم في أنفسهم إذا خلوت بهم قولا بليغا، أي: أغلظ لهم في القول خاليا بهم، ليس معهم غيرهم؛ مسارّا لهم النّصيحة؛ لأنّها أنجع في السرّ. وقيل: هذا الإعراض منسوخ بآية القتال. وقد تكلّم العلماء في حدّ البلاغة.
فقال بعضهم: البلاغة: إيصال المعنى إلى الفهم في أحسن صورة من اللفظ. وقيل:
البلاغة: حسن العبارة مع صحّة المعنى. وقيل: البلاغة سرعة الإيجاز مع الإفهام، وحسن التصرف من غير إضجار. وقيل: أحسن الكلام ما قلّت ألفاظه، وكثرت معانيه. وقيل: خير الكلام ما شعرت أوّله: أنّك بشوق إلى سماع آخره. وقيل: لا يستحقّ الكلام اسم البلاغة إلا إذا طابق لفظه معناه، ومعناه لفظه، ولم يكن لفظه إلى السّمع أسبق من معناه إلى القلب. وقيل:
المراد بالقول البليغ في الآية أن يكون حسن الألفاظ. حسن المعاني، مشتملا على الترغيب، والترهيب، والإعذار، والإنذار، والوعد، والوعيد بالثواب، والعقاب، فإنّ الكلام إذا كان كذلك؛ عظم وقعه في القلوب، وأثر في النفوس. انتهى. خازن.
ويعرّف علماء البلاغة البلاغة بقولهم: هي تأدية المعنى الجليل واضحا بعبارة صحيحة فصيحة، لها في النفس أثر خلاب مع ملاءمة كلّ كلام للموطن الذي يقال فيه، والأشخاص الذين يخاطبون به. وانظر شرح الفصاحة، والبلاغة في قواعد اللّغة العربية الذي شرحته، وعلّقت عليه، وأعربت أمثلته، وشواهده بتوفيق الله، ومنّه.
стр. 1211
هذا؛ و «القلب» قطعة صغيرة على هيئة الصّنوبرة، خلقها الله في الآدمي، وجعلها محلاّ للعلم، فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار، يكتبه الله فيه بالخط الإلهيّ، ويضبطه بالحفظ الرّباني، حتى يحصيه، ولا ينسى منه شيئا، وهو بين لمّتين: لمة من الملك، ولمة من الشّيطان، كما قال النبيّ ﷺ ، وخرّجه الترمذيّ عن عبد الله بن مسعود-﵁-وقد مضى في الآية رقم [٢٦٩] من سورة (البقرة) وهو محلّ الخطرات، والوساوس، ومكان الكفر، والإيمان، وموضع الإصرار، والإنابة، وموضع الانزعاج، والطمأنينة. وانظر قسوة القلب في الآية رقم [٧٤] من سورة (البقرة).
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يَعْلَمُ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿ما:﴾
اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ﴾ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿فَأَعْرِضْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (أعرض): فعل أمر مبني على السّكون، والفاعل مستتر تقديره أنت. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان حالهم كذلك؛ فأعرض عنهم. ﴿وَعِظْهُمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، والتي بعدها معطوفة أيضا عليها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
﴿فِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان ب ﴿بَلِيغاً﴾. وقيل: متعلقان بالفعل: (قل) وهو ضعيف. ﴿قَوْلاً:﴾
مفعول مطلق. ﴿بَلِيغاً:﴾ صفته.
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاِسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً (٦٤)﴾
الشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ:﴾ أيّ رسول من المرسلين قبلك يا محمد! ﴿إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ يعني: بأمر الله، والمعنى: إنّما وجبت طاعة الرسول بأمر الله؛ لأنّ الله أذن في ذلك، وأمر به. وقيل: معناه: بعلم الله، وقضائه؛ أي: تكون طاعته بإذن الله؛ لأنّه أذن فيه، فتكون طاعة الرسول طاعة لله، ومعصيته معصية لله، ففيه توبيخ، وتقريع للمنافقين الذين تركوا حكم رسول الله ﷺ ، ورضوا بحكم الطّاغوت. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: المعنى: لا يطيع أحد إلا من وفّقته لذلك. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وكأنّه احتج بذلك على أنّ الذي لم يرض بحكم الرسول ﷺ ، وإن أظهر الإسلام؛ كان كافرا مستوجبا القتل. وتقريره: أنّ
стр. 1212
إرسال الرّسول لما لم يكن إلا ليطاع؛ كان من لم يطعه، ولم يرض بحكمه؛ لم يقبل رسالته، ومن كان كذلك؛ كان كافرا مستوجب القتل. انتهى.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ..﴾. إلخ: يرشد الله تعالى العصاة، والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان إلى الرّسول ﷺ في حياته؛ فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنّهم إذا فعلوا ذلك؛ تاب الله عليهم، ورحمهم، وغفر لهم، ولهذا قال: ﴿لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً،﴾ وخذ ما يلي:
فقد روى أبو صالح عن عليّ-﵁-قال: قدم علينا أعرابيّ بعد ما دفنّا رسول الله ﷺ بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر رسول الله ﷺ ، وحثا على رأسه من ترابه، فقال: قلت يا رسول الله، فسمعنا قولك، ووعيت عن الله، فوعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ..﴾. إلخ، وقد ظلمت نفسي، وجئتك تستغفر لي! فنودي من القبر: أنّه قد غفر لك. انتهى قرطبي.
وفي مختصر ابن كثير: وقد ذكر جماعة منهم الشّيخ أبو منصور الصّباغ في كتابه: (الشّامل) الحكاية المشهورة عن العتبي، قال: كنت جالسا عند قبر النبي ﷺ ، فجاء أعرابيّ، فقال:
السّلام عليك يا رسول الله! سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ..﴾. إلخ، وقد جئتك مستغفرا لذنبي، مستشفعا بك إلى ربي، ثمّ أنشد يقول: [البسيط]
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه... فطاب من طيبهنّ القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثمّ انصرف الأعرابيّ، فغلبتني عيني، فرأيت النبيّ ﷺ في النّوم، فقال: يا عتبيّ! الحق الأعرابي فبشره: أنّ الله قد غفر له.
هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ بعد قوله: ﴿جاؤُكَ﴾ إجلال لرسول الله ﷺ ، وتفخيم له، وتعظيم لاستغفاره، وأنّهم إذا جاءوه؛ فقد جاءوا من خصّه الله برسالته، وجعله سفيرا بينه، وبين خلقه، ومن كان كذلك فإنّ الله تعالى لا يردّ شفاعته، فلهذا السبب عدل إلى طريقة الالتفات من الخطاب إلى لفظ الغيبة، فلم يقل: واستغفرت لهم، وإنّما قال:
﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾. وللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد.
هذه فوائده العامة. ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محلّه، كما هو مقرّر في علم البديع. ووجهه: حثّ السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل عليه المتكلّم، وأعطاه فضل عنايته، وخصّه بالمواجهة. هذا؛ وانظر: «استغفر» و «الاستغفار» في الآية رقم [١٣٥] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
стр. 1213
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.
﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿رَسُولٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لِيُطاعَ:﴾ اللام: لام التعليل. (يطاع): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، ونائب الفاعل يعود إلى (الرّسول)، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا،﴾ وهو على معنى المفعول لأجله، أي: أرسلنا للطّاعة. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان ب ﴿أَرْسَلْنا﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و (إذن) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله.
﴿وَلَوْ:﴾ الواو: تحتمل العطف، والاستئناف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزّمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿جاؤُكَ﴾. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾
مفعول به، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿جاؤُكَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر: (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير: ولو حصل مجيئهم. وقال سيبويه-رحمه الله تعالى-: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو مجيئهم حاصل، أو:
ثابت، وقول المبرّد-رحمه الله تعالى-هو المرجح في هذه المسألة؛ لأنّ (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر. والفعل المقدّر، وفاعله جملة فعلية لا محلّ لها؛ لأنّها في محلّ رفع مثلها.
وأيضا جملة: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ معطوفة عليها أيضا.
﴿لَوَجَدُوا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (وجدوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محلّ لها. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التّعظيم. ﴿تَوّاباً:﴾ مفعول به ثان. ﴿رَحِيماً﴾. من تعدّد المفعول الثاني، وقد تعدّد كأصله، وهو الخبر.
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥)﴾
الشرح: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: المنافقون، وكلّ من أعرض عن حكم الله، وحكم رسوله. ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: اختلف، واختلط. ومنه الشّجر لاختلاف أغصانه، ففيه
стр. 1214
استعارة للمعقول بالمحسوس، حيث استعار ما اشتبك، وتضايق من الشّجر للتّنازع الّذي يدخل به بعض الكلام في بعض، قال طرفة في مدح قومه: [الرمل]
وهم الحكّام أرباب الهدى... وسعاة النّاس في الأمر الشّجر
﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً﴾ أي: في صدورهم ضيقا، وشكّا. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٢٥]: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾.
﴿مِمّا قَضَيْتَ﴾ أي: حكمت. ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ أي: ويسلّموا لحكمك تسليما، لا شكّ فيه، ولا اعتراض فيه بالظاهر، ولا بالباطن.
هذا؛ و «ثمّ»: حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كلّ منها خلاف مذكور في «مغني اللبيب»، وقد تلحقها تاء التأنيث السّاكنة، كما تلحق «ربّ» و «لا» العاملة عمل «ليس» فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهنّ بالفتح. هذا؛ و «ثمّ» هذه غير «ثمّ» بفتح الثاء، فإنّها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى في سورة (الشّعراء) رقم [٦٤]: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١١٥]: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. وهذه ظرف لا يتصرّف، ولا يتقدّمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة. وثمّ: تعطف المفرد، والجملة، فإن اتصلت بها التاء؛ اختصت بعطف الجمل.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في الزّبير بن العوّام-﵁-ورجل من الأنصار، يقال له:
حاطب بن أبي بلتعة، فعن عروة بن الزّبير-﵄-عن أبيه: أنّ رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرّة (مسائل الماء التي تكون من الجبل) التي يسقون بها النّخل، فقال الأنصاري: سرّح الماء يمرّ. فأبى عليه، فاختصما إلى النبيّ ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ للزّبير:
«اسق يا زبير! ثمّ أرسل إلى جارك» فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله! آن كان ابن عمّتك؟! فتلوّن وجه رسول الله ﷺ ، ثمّ قال للزبير: «اسق يا زبير! ثمّ احبس الماء حتّى يرجع إلى الجدر» فقال الزّبير-﵁: أما إنّي لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك، وتلاها. متّفق عليه.
زاد البخاري رحمه الله تعالى: فاستوعى رسول الله ﷺ حينئذ للزّبير حقّه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد أشار على الزّبير رأيا، أي: أراد سعة له، وللأنصاري، فلمّا أحفظ الأنصاريّ رسول الله ﷺ ؛ استوعى للزّبير حقّه في صريح الحكم، وهو أنّ من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي، فهو أولى بأوّل الوادي، وحقّه تمام السّقي، فرسول الله ﷺ أذن للزبير في السّقي على وجه المسامحة، فلما أبى خصمه ذلك، ولم يعترف بما أشار به رسول الله ﷺ من المسامحة؛ أمر الزبير باستيفاء حقّه على التّمام، وحمل خصمه على مرّ الحقّ، فعلى هذا تكون الآية مستأنفة، لا تعلّق لها بما قبلها.
стр. 1215
قال البغوي: وروي: أنّهما لمّا خرجا مرّا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء؟ قال الأنصاري. لابن عمّته، ولوى شدقه، ففطن له يهوديّ كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون: أنّه رسول الله ﷺ ثم يتّهمونه في قضاء يقضي بينهم، وايم الله لقد أذنبنا ذنبا مرّة في حياة موسى، فدعانا موسى إلى التّوبة منه، فقال: اقتلوا أنفسكم، ففعلناه فبلغ قتلانا سبعين ألفا في طاعة ربّنا؛ حتّى رضي عنّا! فقال ثابت بن قيس بن شمّاس-﵁: أما والله إنّ الله ليعلم منّي الصدق، ولو أمرني محمّد أن أقتل نفسي؛ لفعلت. انتهى. كلّه من الخازن.
هذا؛ وفي هذا الحديث إرشاد الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم؛ وإن ظهر الحقّ، فإن اصطلحوا؛ وإلا استوفى لذي الحقّ حقّه، وثبت الحكم. هذا؛ وقال مجاهد، والشعبيّ- رحمهما الله تعالى-: نزلت هذه الآية في بشر المنافق، واليهودي اللذين اختصما إلى الطاغوت، وعلى هذا القول تكون الآية متّصلة بما قبلها.
الإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لا): صلة، وهو المعتمد. وقيل: هي ردّ لكلام تقدّمها، تقديره: فلا يفعلون، أو ليس الأمر كما يزعمون من أنّهم آمنوا بما أنزل إليك، ثمّ استأنف. فعلى هذا يكون الوقف على (لا) تامّا. وقيل: هي نافية، والثانية: صلة، والقسم معترض بين حرف النفي والمنفيّ، وهذا ضعيف جدّا، ومثل الآية الكريمة قول امرئ القيس -وهو الشاهد رقم [٤٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المتقارب]
فلا-وأبيك-ابنة العامريّ... لا يدّعي القوم أنّي أفرّ
﴿وَرَبِّكَ:﴾ الواو: حرف قسم وجر. (﴿رَبِّكَ﴾): مقسم به مجرور، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. (لا:) نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محلّ لها، والجملة القسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يُحَكِّمُوكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله والكاف مفعوله، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر. ﴿شَجَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (ما)، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها.
﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَجِدُوا:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله... إلخ. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من:
стр. 1216
﴿حَرَجاً﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه؛ صار حالا. وقيل: هما مفعول ثان ل ﴿يَجِدُوا﴾.
﴿حَرَجاً:﴾ مفعول به. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿حَرَجاً﴾ أو بمحذوف صفة له، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿قَضَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء قضيته. وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من) التقدير: من قضائك.
﴿وَيُسَلِّمُوا:﴾ معطوف على: ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾ منصوب مثله. ﴿تَسْلِيماً:﴾ مفعول مطلق مؤكّد لعامله.
﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اُخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا:﴾ حكمنا، أو فرضنا، وأوجبنا. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على المنافقين.
وقيل: يعود الضمير على الجميع، فيدخل فيه المنافق، وغيره. ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل. ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما:﴾ كما أوجبنا أيضا على بني إسرائيل ذلك.
﴿ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ:﴾ ذكرت لك في الآية السّابقة: أنّ ثابت بن قيس بن شماس-﵁-قال: أما والله-وإنّ الله ليعلم منّي الصدق-لو أمرني محمّد أن أقتل نفسي؛ لقتلتها.
وروى ابن مسعود، وعمّار بن ياسر، وعمر-﵃-قالوا مثل ثابت، فقال رسول الله ﷺ : «والّذي نفسي بيده إنّ من أمّتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرّواسي». ومن قال: إنّ الضمير يعود إلى المنافقين، قال: المعنى: ﴿ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: رياء، وسمعة. وفيه توبيخ عظيم لهم.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: ولو أنّهم فعلوا ما كلّفوا به من طاعة الرّسول ﷺ ، والرّضا بحكمه؛ ﴿لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ أي: في الدنيا، والآخرة، وإنّما سمّي ذلك التكليف: وعظا؛ لأنّ أوامر الله، وتكاليفه مقرونة بالوعد، والوعيد، والثّواب، والعقاب، وما كان كذلك يسمّى:
وعظا. ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ يعني: تحقيقا، وتصديقا لإيمانهم. والمعنى: أنّ ذلك أقرب إلى ثبات إيمانهم، وتصديقهم.
وقيل في معنى الآية الكريمة: إنّنا خفّفنا على المنافقين؛ حيث اكتفينا منهم في توبتهم بالرّجوع إلى حكمك، والرّضا، ولم نشدّد عليهم كما شدّدنا على بني إسرائيل في توبتهم من عبادة العجل، حيث أمرناهم بقتل أنفسهم، والخروج من ديارهم، ولو أنّنا فرضنا عليهم ذلك؛ لم يفعله إلا بعضهم، ولو أطاعوا الرّسول، وامتثلوا أوامره؛ لكان أفضل لهم، وأقوى لإيمانهم، وأعظم لثوابهم.
стр. 1217
بعد هذا: انظر شرح ﴿كَتَبْنا﴾ ونحوه في الآية رقم [٣٣]. أمّا (النّفس) فإنّها تجمع في القلّة: أنفس، وفي الكثرة: نفوس. والنّفس تؤنث باعتبار الرّوح، وتذكّر باعتبار الشّخص، أي:
فإنّها تطلق على الذات أيضا، سواء أكان ذكرا، أم أنثى، فعلى الأول قيل: هي جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر الرّطب، فتكون سارية في جميع البدن، قال الجنيد -رحمه الله تعالى-: الرّوح شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنّه موجود. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٨٥]: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾.
وقال بعضهم: إنّ هناك لطيفة ربّانيّة لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكّرها تسمّى عقلا، ومن حيث الجسد بها تسمّى روحا، ومن حيث شهوتها تسمّى نفسا، فالثلاثة متّحدة بالذّات مختلفة بالاعتبار، هذا ما تدلّ عليه الآثار الصحاح، ومن الدليل على أنّ النفس هي الرّوح قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٤٢]: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ يعني: الأرواح، وذلك بيّن في قول بلال-﵁-للنّبيّ ﷺ في حديث ابن شهاب: «أخذ بنفسي يا رسول الله الّذي أخذ بنفسك» وهذا كان في الوادي الّذي ناموا فيه عن صلاة الصّبح حتّى طلعت الشمس، وهم قافلون من غزوة تبوك. والنّفس أيضا: الدّم، يقال: سالت نفسه، قال الشاعر: [الطويل]
تسيل على حدّ الظّبات نفوسنا... وليست على غير الظّبات تسيل
وقال إبراهيم النّخعي-رحمه الله تعالى-وهو المقرّر في الفقه: «ما ليس له نفس سائلة، فإنّه لا ينجس الماء إذا مات فيه». والنّفس أيضا: الجسد، قال الشاعر: [الكامل]
نبّئت أنّ بني سحيم أدخلوا... أبياتهم تامور نفس المنذر
هذا؛ وقد ذكر القرآن الكريم للنّفس خمس مراتب: الأمّارة بالسّوء، واللّوامة، والمطمئنة، والراضية، والمرضيّة، ويزاد: الملهمة، والكاملة. فالأمّارة بالسّوء: هي التي تأمر صاحبها بالسّوء، ولا تأمر بالخير إلاّ نادرا، وهي مقهورة، ومحكومة للشّهوات، وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتّباع الحق، لكن بقي فيها ميل للشّهوات؛ سمّيت: اللوّامة، فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنّفس الشّهوانية حكم أصلا؛ سميت: مطمئنة، فإن ترقّت من هذا؛ وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت عن جميع مراداتها؛ سمّيت: راضية، فإن زاد هذا الحال عليها، صارت مرضيّة عند الحق، وعند الخلق، فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم، وتكميلهم؛ سميت كاملة، فالنّفس سبع طبقات، ولها سبع درجات، كما ذكرت، وقدمت.
وأخيرا: خذ ما ذكره القرطبيّ-رحمه الله تعالى-؛ فقال: وفي الخبر عن النبي ﷺ : أنّه قال: «ما تقولون في صاحب لكم، إن أكرمتموه، وأطعتموه، وكسوتموه؛ أفضى بكم إلى شرّ
стр. 1218
غاية، وإن أهنتموه، وأعريتموه، وأجعتموه؛ أفضى بكم إلى خير غاية؟». قالوا: يا رسول الله! هذا شرّ صاحب! قال: «والّذي نفسي بيده، إنّها لنفوسكم الّتي بين جنوبكم». انتهى.
أمّا ﴿دِيارِكُمْ﴾ فهو جمع: دار، وهي مؤنّثة، وقد تذكّر، وهي منزل الإنسان، ومسكنه، أصلها: دور بفتحتين، قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وجمعها: ديار، ودور، وأدؤر، وأدور، وأدورة، وأدوار، ودورات، وديارات اعتلّت عينه بالقلب. هذا؛ والدار أيضا:
البلد، والقبيلة، ودار القرار: الآخرة، والدّاران: الدنيا، والآخرة، ودار الحرب: بلاد العدوّ.
هذا؛ وقال أبو حاتم: إنّ الدّيار: العساكر، والخيام. لا البنيان، والعمران، وعليه قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في عساكرهم، وخيامهم ميتين. وقال جلّ شأنه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة. ولو أراد غير ما قيل؛ لجمع الدار، فعلم من كلامه: أنّ الديار مخصوصة بالخيام. قال صاحب الخزانة: وهذه غفلة عن قول الشاعر، وهو مجنون ليلى: (أقبّل ذا الجدار) هو حائط البيت، وذلك في قوله-وهو الشاهد رقم [٩٠٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]
أمرّ على الدّيار ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الدّيار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الديارا
الإعراب: ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ:﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا﴾ في الآية رقم [٦٤] بلا فارق. ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير؛ لأنّ ﴿كَتَبْنا﴾ بمعنى: قلنا لهم.
﴿اُقْتُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها مفسّرة ل ﴿كَتَبْنا﴾ لا محلّ لها، وقال الشلوبين: بحسب ما تفسّره، والتي بعدها معطوفة عليها، واعتبرت ﴿أَنِ﴾ مفسّرة؛ لأنّ ما قبلها مضمّن معنى القول دون حروفه. هذا؛ وبعضهم يعتبرها مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جرّ بحرف جر محذوف، التقدير:
بأن اقتلوا، أو في محل نصب مفعول به، التقدير: كتبنا عليهم القتل. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿فَعَلُوهُ:﴾
ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها، و (﴿لَوْ﴾) ومدخولها معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محلّ له على الاعتبارين. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلٌ:﴾ بدل من واو الجماعة، وقرئ بالنّصب على الاستثناء. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار، ومجرور متعلقان ب ﴿قَلِيلٌ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوعَظُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو: نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لَكانَ:﴾ اللام: واقعة
стр. 1219
في جواب (﴿لَوْ﴾). (كان): فعل ماض ناقص. واسمه ضمير مستتر تقديره: هو يعود إلى التّكليف، أو الرضا، انظر الشرح. ﴿خَيْراً﴾ خبر (كان) والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها، و (﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. ﴿وَأَشَدَّ﴾ معطوف على: ﴿خَيْراً﴾. ﴿تَثْبِيتاً:﴾ تمييز.
﴿وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧)﴾
الشرح: ﴿وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ..﴾. إلخ، لأعطيناهم، ومننّا عليهم ثوابا عظيما، وجزاء وافرا، وانظر (لدن) في الآية رقم [٤٠].
الإعراب: ﴿وَإِذاً:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذاً﴾): حرف جواب، وجزاء مهمل، لا عمل له. ﴿لَآتَيْناهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب «لو» مقدّرة، التقدير: لو ثبتوا على ما ذكر. (آتيناهم):
فعل ماض، وفاعل، ومفعوله الأول، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب «لو» المقدرة.
﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿لَدُنّا:﴾ اسم مبني على السكون في محل جر ب ﴿مِنْ،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقها بمحذوف حال من: ﴿أَجْراً﴾ كان صفة له، فلمّا قدّم عليه صار حالا، (نا) ضمير متصل في محل جرّ بالإضافة. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول به ثان. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له.
﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨)﴾
الشرح: قال ابن عباس-﵄: معناه: لأرشدناهم إلى دين مستقيم هو دين الإسلام. وقيل: معناه: لهديناهم إلى الأعمال الصّالحة؛ الّتي تؤدّي إلى الصّراط المستقيم، وهو الصّراط الّذي يمرّ عليه المؤمنون إلى الجنّة؛ لأنّ الله تعالى ذكر الأجر العظيم أولا، ثمّ ذكر الصّراط المستقيم بعده؛ لأنّه هو المؤدّي إلى الجنّة. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: يصلون بسلوكه إلى جناب القدس، ويفتح عليهم أبواب الغيب، قال النبي ﷺ : «من عمل بما علم؛ أورثه الله علم ما لا يعلم».
هذا؛ والفعل (هديناهم) قد يعدّى إلى الثاني بنفسه كما في هذه الآية. وقد يعدّى إليه ب «إلى» كما في قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٢٣]: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ وقد يعدّى باللام، كما في قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٤٣]: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا﴾.
هذا؛ والصراط المستقيم في لغة العرب: الطّريق الواضح؛ الذي لا اعوجاج فيه. قال جرير في مدح عبد الملك بن مروان: [الوافر]
أمير المؤمنين على صراط... إذا اعوجّ الموارد مستقيم
стр. 1220
وقال عامر بن الطفيل: [الوافر]
شحنّا أرضهم بالخيل حتّى... تركناهم أذلّ من الصّراط
ثمّ إنّ العرب تستعير «الصّراط» في كلّ قول، وعمل، وصف باستقامة، أو اعوجاج.
والمراد به هنا: التوفيق لامتثال أوامر الله فيما أمر، وفيما نهى، والأخذ بتعاليم الرسول ﷺ في قوله، وفعله. و (مستقيم) لا اعوجاج فيه، وأصله: (مستقوم) لأنّه من: استقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها، فصار: «مستقوم» ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار: مستقيم.
الإعراب: ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَهَدَيْناهُمْ﴾): فعل، وفاعل، ومفعول به أول.
﴿صِراطاً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مُسْتَقِيماً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩)﴾
الشرح: لمّا ذكر الله تعالى الأمر الذي لو فعله المنافقون حين وعظوا به، وأنابوا إليه؛ لأنعم عليهم؛ ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله. وهذه الآية تفسير قوله تعالى في سورة (الفاتحة):
﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ،﴾ وهي المراد في قوله ﷺ عند موته: «اللهمّ الرّفيق الأعلى». وفي البخاريّ عن عائشة-﵂-قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبيّ يمرض إلاّ خيّر بين الدّنيا والآخرة». وكان في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحة شديدة، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ فعلمت: أنّه خيّر.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ أي: فيما أمرا، وفيما نهيا عنه. ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: هم معهم في دار واحدة يستمتعون برؤيتهم، والحضور معهم، لا أنّهم يساوونهم في الدّرجة، فإنّهم يتفاوتون. لكنّهم يتزاورون للاتباع، والاقتداء وكلّ من فيها قد رزق الرّضا بحاله، وقد ذهب عنه اعتقاد: أنّه مفضول، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. والصّدّيق فعّيل:
المبالغ في الصّدق، والصّدّيق هو الذي يحقّق بفعله ما يقوله بلسانه. وقيل: هم فضلاء أتباع الأنبياء كأبي بكر الصدّيق-﵁، وبقيّة العشرة المبشّرين بالجنّة. ﴿وَالشُّهَداءِ:﴾ الذين قتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله. ﴿وَالصّالِحِينَ:﴾ جمع: صالح، وهو الذي استوت سريرته، وعلانيته في الخير. وقيل: الصّالح من اعتقاده صواب، وعمله في سنة، وطاعة. والصّلاح:
стр. 1221
درجة عالية، ومكانة رفيعة، ولذلك سألها يوسف الصدّيق في الآية رقم [١٠١] من السورة المسمّاة باسمه، وسألها إبراهيم الخليل في الآية رقم [٨٣] من سورة (الشعراء) وسألها سليمان في الآية رقم [١٩] من سورة (النمل) وقال تعالى في حق إسماعيل، وإدريس، وذي الكفل-على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة وألف سلام-: ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الآية [٨٦] من سورة (الأنبياء)، وقال عن إبراهيم في سورة (البقرة) رقم [١٣٠]: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾.
﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى المذكورين، والفعل: (﴿حَسُنَ﴾) محوّل إلى باب فعل، بفتح، وضم، وهذا الباب مستعمل للمدح، كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٣٢]: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ ويستعمل في الذم كما في قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]:
﴿وَساءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ فكل فعل ثلاثي إذا حول إلى باب فعل، يحتمل ذلك مع تضمنه التعجب، وورد في الشعر العربي بضم الحاء وسكون السين، ومنه قول الحطيئة: [البسيط]
طافت أمامة في الرّكبان آونة... يا حسنه من قوام ما ومنتقبا
وقول سعد الغنوي-وهو الشاهد رقم [٦٠] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]
لا يمنع النّاس منّي ما أردت ولا... أعطيهمو ما أرادوا حسن ذا أدبا
تنبيه: كان ثوبان مولى رسول الله ﷺ شديد الحبّ له، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم، وقد تغيّر لونه، يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله ﷺ : «ما غيّر لونك يا ثوبان؟!» قال:
يا رسول الله! ما بي مرض، ولا وجع غير أنّي إذا لم أرك؛ استوحشت وحشة شديدة؛ حتى ألقاك. ثم إنّي إذا ذكرت الآخرة؛ أخاف ألا أراك؛ لأنّك ترفع إلى عليين مع النبيين. وإني إن دخلت الجنة؛ كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنّة؛ لا أراك أبدا... فنزلت الآية الكريمة.
وذكر مكيّ: أنّ عبد الله بن زيد، الذي أري الأذان في المنام هو الذي نزلت فيه الآية، وأنّه لمّا توفي النبي ﷺ قال: اللهم أعمني حتّى لا أرى شيئا بعده! فعمي. وحكاه القشيري، فقال:
اللهم أعمني فلا أرى شيئا بعد حبيبي! فعمي مكانه، وانظر الآية [٨٠] الآتية.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿يُطِعِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿اللهُ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَالرَّسُولَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له.
﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. و (﴿مَعَ﴾) مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول
стр. 1222
مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعده صلته. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير في:
﴿عَلَيْهِمْ،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وما بعده معطوف عليه، وخبر المبتدأ الذي هو مختلف فيه، قيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. (﴿حَسُنَ﴾): فعل ماض. ﴿أُولئِكَ:﴾ فاعله. ﴿رَفِيقاً:﴾ تمييز، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً (٧٠)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما للمطيعين من الأجر، والثواب، ومزيد الهداية، ومرافقة المنعم عليهم. ﴿الْفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ أي: تفضل به عليهم، لا أنّهم نالوه بطاعتهم. خلافا لما قالته المعتزلة: إنّما ينال العبد ذلك بفعله، فلما امتنّ الله سبحانه على أوليائه بما آتاهم من فضله، وكان لا يجوز لأحد أن يثني على نفسه بما لم يفعله؛ دلّ ذلك على بطلان قولهم: ﴿وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً﴾ أي: بجزاء من أطاعه، أو بمقادير الفضل، واستحقاق أهله، ولا ينبئك مثل خبير.
الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿الْفَضْلُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه.
وقيل: صفة له. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، هذا وإن اعتبرت الفضل خبر المبتدأ فالجار والمجرور يكونان متعلقين ب ﴿الْفَضْلُ﴾ أو بمحذوف حال منه، والعامل اسم الإشارة.
﴿وَكَفى:﴾ الواو حرف استئناف. (﴿كَفى﴾): فعل مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر. ﴿بِاللهِ:﴾
الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعله مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿عَلِيماً:﴾ تمييز، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً (٧١)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ:﴾ الحذر: احتراز من مخوف، والمعنى: احذروا، واحترزوا من عدوّكم، ولا تمكّنوه من أنفسكم. وقيل: المراد بالحذر: هو السّلاح، يعني: خذوا سلاحكم، وعدّتكم لقتال عدوّكم، وإنّما سمّي السّلاح حذرا؛ لأنّه به يتّقى، ويحذر. ولقائل أن يقول: إذا كان المقدور كائنا؛ فما يمنع الحذر؟ فالجواب عنه بأنّه لمّا كان الكل بقضاء الله، وقدره؛ كان الأمر بأخذ الحذر من قضاء الله، وقدره، ومنه قول الفاروق-﵁: نفرّ من قضاء الله وقدره، إلى قضاء الله وقدره.
стр. 1223
﴿فَانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ أي: اخرجوا سرايا متفرّقين سرية بعد سرية، و ﴿ثُباتٍ﴾ جمع: ثبة، وهي الجماعة من الرّجال فوق العشرة، وتجمع أيضا على «ثبين» جمع مذكر سالما، ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته: [الوافر]
وأمّا يوم لا نخشى عليهم... فنصبح في مجالسنا ثبينا
﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ أي: اخرجوا جميعا كلكم مع نبيكم ﷺ إلى جهاد عدوّكم. و ﴿اِنْفِرُوا:﴾
بكسر الفاء، وضمها تبعا للمضارع. هذا؛ والنفر: الجماعة، كالقوم، والرهط، لا واحد له من لفظه، والمصدر: النفور، والنّفير، فالله يدعو المؤمنين في الآية الكريمة لمواجهة أعدائهم، ومحاربتهم مجتمعين، ومتفرّقين حسب ما تدعو الحاجة إليه. قال البيضاويّ-رحمه الله تعالى-:
والآية وإن نزلت في الحرب، لكن يقتضي إطلاق لفظها وجوب المبادرة إلى الخيرات كلّها كيفما أمكن قبل الفوات. انتهى. فيكون مضمونها مثل قوله تعالى في سورة (آل عمران): ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ، وقوله جلّ ذكره في سورة (الحديد): ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾.
إلخ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. ﴿خُذُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿حِذْرَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله.
﴿فَانْفِرُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (انفروا): أمر، وفاعله. ﴿ثُباتٍ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والجملة معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها، والتي بعدها معطوفة أيضا. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من واو الجماعة أيضا.
﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢)﴾
الشرح: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ:﴾ نزلت الآية في المنافقين، وإنّما قال الله: ﴿مِنْكُمْ﴾ لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية، والنّسب، وإظهار كلمة الإيمان. والمعنى: وإن منكم لمن ليتأخرنّ، وليتثاقلنّ عن الجهاد، وهو عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، وأتباعه.
كان المنافقون يقولون للمؤمنين: لم تقتلون أنفسكم؟! تأنّوا حتى يظهر الأمر!.
﴿فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: من قتل، وهزيمة. ﴿قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ﴾ أي: لقعودي عن الحرب، والجهاد. ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً:﴾ حاضر الحرب، فيصيبني ما أصابهم. هذا؛ وعاد الضمير على (من) مفردا نظرا للفظها.
стр. 1224
الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّ﴾): حرف مشبّه بالفعل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (﴿إِنَّ﴾) تقدّم على اسمها. ﴿لَمَنْ:﴾ اللام: لام الابتداء. (من): اسم موصول. أو نكرة موصوفة مبني على السكون في محل نصب اسم (﴿إِنَّ﴾) مؤخر. ولا أعتمده، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٥]. ﴿لَيُبَطِّئَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف.
(يبطئن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محلّ له، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، والقسم، وجوابه صلة: (من) أو صفتها، وتقدير الكلام: وإنّ منكم لمن أقسم بالله ليبطئن. وساغ ذلك؛ لأنّ القسم وجوابه يعتبر كلاما خبريّا، والإنشائية هي مجرد القسم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧] من سورة (العنكبوت) إن أردت الزيادة، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ..﴾. إلخ في محلّ نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَصابَتْكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به. ﴿مُصِيبَةٌ:﴾
فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، والفاعل ضمير يعود إلى:
(﴿مَنْ﴾) تقديره: هو. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿أَنْعَمَ اللهُ:﴾ ماض وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿عَلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِذْ:﴾
ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلّق بالفعل: ﴿أَنْعَمَ﴾. ﴿لَمْ:﴾
حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿أَكُنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: أنا. ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿شَهِيداً﴾ الذي هو خبر: ﴿أَكُنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿إِذْ﴾ حرف تعليل، فلا محل لها، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا «إذا» الفجائية و (إنّ) ومدخولها كلام مستأنف ومفرّع عمّا قبله، لا محلّ له، وهو معترض بين الجملتين المتعاطفتين.
﴿وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ أي: نصر، وفتح، وغنيمة. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ أي: هذا المنافق قول نادم حاسد. وقرأ الحسن البصري الفعل بضم اللام على معنى (﴿مِنَ﴾) ومن فتح اللام -وهي قراءة سبعيّة-فوحّد الضمير على لفظ (﴿مِنَ﴾). ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ..﴾. إلخ؛ أي: كأن لم تكن بينكم، وبينه معرفة، ومودّة في الدّين. والمعنى: كأنّه ليس من أهل دينكم، وذلك: أنّ المنافقين
стр. 1225
كانوا يودّون المؤمنين في الظاهر فحسب. ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ:﴾ على وجه الحسد، أو الأسف على فوت الغنيمة مع الشّكّ في الجزاء من الله. ﴿فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ أي: فآخذ نصيبا وافرا من الغنيمة.
تنبيه: نسبة الفضل في هذه الآية إلى جانب الله تعالى، دون إصابة المصيبة في الآية السابقة من العادات الشّريفة في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام في سورة (الشعراء) -: ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ وقوله تعالى حكاية عن قول الجن في سورة (الجن): ﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾. واقرأ الآية رقم [٧٩] من سورة (الكهف) وما بعدها بتأمّل.
الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَصابَكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به.
﴿فَضْلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿فَضْلٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿لَيَقُولَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يقولن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو، أي: على لفظه، وعلى قراءته بضم اللام. فيكون الفعل مرفوعا، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والفاعل واو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم
والجملة القسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿كَأَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: كأنّه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿تَكُنْ﴾ مقدّم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَوَدَّةٌ:﴾ اسم: ﴿تَكُنْ﴾ مؤخّر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:
﴿كَأَنْ﴾. والجملة الاسمية معترضة بين القول، ومقوله. وقيل: في محل نصب حال من فاعل الفعل قبله. وقيل: داخلة في المقول. والمعتمد الأول.
﴿يا لَيْتَنِي:﴾ (﴿يا﴾): حرف تنبيه لا محلّ له. وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، التقدير:
يا قوم، ونحوه. والأول أقوى. (﴿لَيْتَنِي﴾): حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿كُنْتُ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان
стр. 1226
متعلق بمحذوف خبر: ﴿كُنْتُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (ليت) والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿فَأَفُوزَ:﴾ الفاء: للسببية. (أفوز):
فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء، والفاعل مستتر تقديره: أنا، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: أتمنى كينونة معهم، ففوزا. هذا؛ وقرئ: («أفوز») بالرفع على تقدير: فأنا أفوز، فتكون الجملة اسمية، وهي مستأنفة. ﴿فَوْزاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له.
﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤)﴾
الشرح: ﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ..﴾. إلخ: هذا خطاب للمنافق المذكور في الآيتين السّابقتين؛ أي: ليخلص المنافق الإيمان، وليقاتل في سبيل الله. وقيل: هو خطاب للمؤمنين المخلصين؛ أي: فليقاتل المؤمنون المخلصون الباذلون أنفسهم، وأموالهم في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية. وفي الآية استعارة، فقد استعار لفظ الشّراء للمبادلة، والباء بمعنى: بدل، وقد دخلت على المتروك. ومثله كثير في الآيات القرآنية، و ﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى:
يشترون، ويبيعون، قال ابن مفرغ الحميري: [مجزوء الكامل]
وشريت بردا ليتني... من بعد برد كنت هامة
وقال أبو ذؤيب الهذلي، وهو الشاهد رقم [٧٧١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل
﴿وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ في طاعة الله، ومن أجل إعلاء كلمته؛ إذ لا يذكر لفظ القتال، أو الجهاد؛ إلا ويقرن بكلمة: ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ،﴾ وفي ذلك دلالة واضحة على أنّ الغاية من القتال، والجهاد غاية شريفة نبيلة، هي: إعلاء كلمة الله، لا السيطرة، أو المغنم، أو الاستيلاء في الأرض، أو غير ذلك من الغايات الدّنيئة. ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ..﴾. إلخ: وعد الله المجاهد في سبيل الله ظافرا، أو مظفورا به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله. وخذ ما يلي:
عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «تضمّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلاّ جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنّة، أو أرجعه إلى مسكنه، الّذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة». أخرجه مسلم في صحيحه، وفي هذا الحديث، والآية الكريمة وعد من القويّ العزيز؛ ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ؟﴾ لا أحد!.
стр. 1227
هذا؛ و (السّبيل) يذكّر، ويؤنّث بلفظ واحد، فمن التّذكير قوله تعالى في سورة (الأعراف):
﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾. ومن التأنيث قوله تعالى في سورة (يوسف) رقم [١٠٨]: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ والجمع:
سبول، وعلى التذكير: سبل، بضمتين، و: سبل، بضم فسكون.
الإعراب: ﴿فَلْيُقاتِلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. اللام: لام الأمر. (يقاتل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان به، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف. و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل (يقاتل)، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يَشْرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿الْحَياةَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة (﴿الْحَياةَ﴾) منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَشْرُونَ﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي: مستبدلة بالآخرة.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُقاتِلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَيُقْتَلْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول ونائب فاعله يعود إلى: (﴿مَنْ﴾) وهو معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، ويجوز في القواعد النّحوية. ﴿أَوْ يَغْلِبْ:﴾ ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَغْلِبْ:﴾ معطوف أيضا على فعل الشرط، وفاعله يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿نُؤْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والهاء مفعول به أول. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول به ثان. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له، وجملة: (سوف...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو: (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٦٩]. والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥)﴾
الشرح: ﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ..﴾. إلخ: استفهام إنكاري توبيخي، أي: أيّ شيء يمنعكم من القتال والجهاد في سبيل إعزاز دين الله، وفي سبيل تخليص المستضعفين الذين استذلّهم المشركون، فمنعوهم من الهجرة إلى المدينة المنورة، أو لا يقدرون على الهجرة لضعفهم،
стр. 1228
وعجزهم. ففيه حضّ على الجهاد لإعلاء كلمة الله، وإظهار دينه، واستنقاذ المؤمنين الضّعفاء، وإن كان في ذلك تلف النّفوس. وتخليص الأسارى، والمستضعفين واجب على جماعة المسلمين، إمّا بالقتال، وإمّا بالأموال، لقول النبيّ ﷺ : «فكّوا العاني» والمراد بالمستضعفين:
من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفّار قريش لهم، وهم المعنيّون بقول النبيّ ﷺ : «اللهمّ أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين».
قال ابن عباس-﵄: كنت أنا، وأمّي من المستضعفين. و (الولدان) جمع: ولد، وإنّما ذكر الله سبحانه الولدان مبالغة في الحثّ على الجهاد، وتنبيها على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ آذاهم الصّبيان.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ:﴾ المراد بها: مكّة المكرمة. ﴿الظّالِمِ أَهْلُها:﴾
بالشرك، ويظلمون غيرهم بالإيذاء، والتطاول عليهم، و ﴿الظّالِمِ:﴾ نعت سببيّ يجب فيه الإفراد، والتّذكير، ويراعى في تذكيره، وتأنيثه، وجمعه، وتثنيته ما بعده. ﴿وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ أي: من عندك نصيرا، ومعينا، ومخلّصا من إيذاء كفار قريش. وقد استجاب الله دعاءهم، وحقّق رجاءهم بأن يسّر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة، وجعل لمن بقي منهم في مكّة خير وليّ، وخير ناصر؛ حيث فتح الله مكّة على يد رسوله ﷺ ، فتولاّهم، ونصرهم، ثمّ استعمل عليهم عتّاب بن أسيد-﵁-فحمى المستضعفين، ونصرهم حتّى صاروا أعزّاء أهل مكّة. والحمد لله والمنّة!.
هذا؛ و «القرية» اسم للمكان الّذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة، وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أمّ القرى في قوله تعالى في الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنعام): ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها،﴾ كما تطلق على الضيعة الصّغيرة، وهي مأخوذة من: قريت الماء في المكان: جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية: بكسر القاف، وفتحها، والنسبة إليها: قروي، وقريي، والفتح أقوى.
الإعراب: ﴿وَما لَكُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُقاتِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محلّ نصب حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، والعامل اسم الاستفهام، كما في الآية رقم [٨٨] الآتية، وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ وغير ذلك كثير. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾
مضاف إليه. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة، وهذا اختيار الزجاج، وقاله الزّهري، وقال المبرد: اختار أن يكون معطوفا على (السبيل) أي: وفي المستضعفين لاستنقاذهم.
стр. 1229
فالسبيلان مختلفان. ﴿مِنَ الرِّجالِ:﴾ متعلقان ب (المستضعفين) لأنّه اسم مفعول، أو هما في محل رفع نائب فاعله، وهو الأولى. ﴿وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ:﴾ معطوفان على: ﴿الرِّجالِ،﴾ وجوز اعتبار المستضعفين منصوبا على الاختصاص بفعل محذوف، ولا وجه له.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة: ﴿الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ﴾ ويكون في الكلام تغليب، أو هو في محل نصب بفعل محذوف، التقدير: أعني الّذين، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، وجملة: ﴿يَقُولُونَ﴾ مع مقولها صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه حرف النداء، و (نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَخْرِجْنا:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت» و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية والندائية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ هذِهِ:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقَرْيَةِ:﴾ بدل اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. وقيل: صفة.
﴿الظّالِمِ:﴾ صفة: ﴿الْقَرْيَةِ﴾ صفة سببية. ﴿أَهْلُها:﴾ فاعل به، و (ها) في محل جر بالإضافة.
﴿وَاجْعَلْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ لَدُنْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به ثان. هذا؛ وجوّز اعتبار الجار والمجرور (لنا) في محل نصب مفعول به أوّل، ووليّا مفعول به ثان، كما أجيز اعتبار: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ متعلقين بمحذوف حال من: ﴿وَلِيًّا﴾ كان صفة له... إلخ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: المؤمنون يقاتلون لهدف سام، وغاية نبيلة، وهي نصرة دين الله، وإعلاء كلمته ابتغاء مرضاته، فهو تعالى وليّهم، وناصرهم، ومعزّهم، ورافع شأنهم في الدّنيا، والآخرة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ أي: الذين كفروا يقاتلون في سبيل الشيطان، وما يأمر به من الظلم، والفساد، وبذلك كان الشيطان وليهم، وناصرهم؛ فشتّان بين من يقاتل لإعلاء كلمة الله، وبين من يقاتل في سبيل الشيطان. فمن قاتل في سبيل الله فهو الذي يغلب؛ لأنّ الله وليه، وناصره، ومن قاتل في سبيل الطاغوت؛ فهو المخذول المغلوب، و ﴿الطّاغُوتِ:﴾ كلّ ما عبد من دون الله، وانظر الآية رقم [٥١]. ﴿فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ أي: قاتلوا يا أولياء الله أولياء الشيطان، وحزبه، وأنصاره، وهم الكفار. ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ:﴾ وساوسه، وزخارفه الّتي يلقيها في عقل ابن آدم. ﴿كانَ ضَعِيفاً﴾ أي: إنّ كيده للمؤمنين بمقارنة كيد الله للكافرين ضعيف، لا يؤبه له، فلا تخافوه، ولا تخافوا أولياءه. وفي هذا غاية التّرغيب في قتال الكافرين.
стр. 1230
تنبيه: ذكر الله هنا: أنّ كيد الشيطان ضعيف، وهذا بمقارنته بكيد الله، وذكر في سورة (يوسف) أنّ كيد النّساء عظيم، وهذا بالنسبة إلينا، على أنّه من كلام العزيز زوج المرأة، ولا تنس: قوله تعالى في سورة (التّحريم): ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾.
فائدة: في الآية الكريمة من المحسّنات البديعية: المقابلة، وهي أن يؤتى بمعنيين، أو أكثر، ثمّ يؤتى بما يقابل ذلك على التّرتيب، تأمّل في الآية تجد ذلك موجودا فيها، كما في الآية رقم [٨٥] الآتية.
هذا؛ و «الشّيطان» اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كلّ نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس، والجن، والحيوان. وما أكثر الشياطين بهذا المعنى من بني آدم، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١٢] -انظر شرحها هناك، ونصّها-: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً،﴾ وقال الرسول ﷺ لأبي ذرّ الغفاري-﵁: «يا أبا ذرّ تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ». قال:
أو للإنس شياطين؟! قال: «نعم». ولا تنس أنّ لكلّ واحد من بني آدم شيطانا بدليل قول النبي ﷺ لعائشة-﵂: «أجاءك شيطانك؟» قالت: أو لي شيطان؟ قال: «ما من أحد إلاّ وله شيطان» قالت: وأنت يا رسول الله؟! قال: «وأنا إلاّ أنّني أعانني الله عليه، فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير». يروى بضم الميم، وفتحها، والمعنى يختلف.
هذا؛ و «الشّيطان» واحد الشياطين، مأخوذ من شطن: إذا بعد، والنّون أصلية، فهو مصروف على هذا؛ وسمّي الشّيطان شيطانا؛ لبعده عن الحقّ، وتمرّده. قال جرير: [البسيط]
أيّام يدعونني الشّيطان من غزل... وهنّ يهوينني إذ كنت شيطانا
وقيل: مأخوذ من: شاط: إذا احترق، وشاط: بطل، فالنون زائدة، وعليه فهو غير مصروف، و «شطن» من باب: قعد، و «شاط» من باب ضرب. هذا؛ واشتاط الرّجل: إذا احتدّ غضبا. واشتاط: إذا هلك. قال الأعشى في معلّقته: [البسيط]
قد نخضب العير في مكنون فائله (١) ... وقد يشيط على أرماحنا البطل
ويقوّي الاعتبار الأول، ويضعّف الثاني: أنّ سيبويه-رحمه الله تعالى-حكى: أنّ العرب تقول: تشيطن فلان: إذا فعل أفعال الشياطين، فهذا بيّن: أنّ تفعلل من شطن، ولو كان من شاط؛ لقالوا: تشيّط.