متعلق بمحذوف خبر: ﴿كُنْتُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (ليت) والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿فَأَفُوزَ:﴾ الفاء: للسببية. (أفوز):
فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء، والفاعل مستتر تقديره: أنا، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: أتمنى كينونة معهم، ففوزا. هذا؛ وقرئ: («أفوز») بالرفع على تقدير: فأنا أفوز، فتكون الجملة اسمية، وهي مستأنفة. ﴿فَوْزاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له.
﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤)﴾
الشرح: ﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ..﴾. إلخ: هذا خطاب للمنافق المذكور في الآيتين السّابقتين؛ أي: ليخلص المنافق الإيمان، وليقاتل في سبيل الله. وقيل: هو خطاب للمؤمنين المخلصين؛ أي: فليقاتل المؤمنون المخلصون الباذلون أنفسهم، وأموالهم في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية. وفي الآية استعارة، فقد استعار لفظ الشّراء للمبادلة، والباء بمعنى: بدل، وقد دخلت على المتروك. ومثله كثير في الآيات القرآنية، و ﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى:
يشترون، ويبيعون، قال ابن مفرغ الحميري: [مجزوء الكامل]
وشريت بردا ليتني... من بعد برد كنت هامة
وقال أبو ذؤيب الهذلي، وهو الشاهد رقم [٧٧١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل
﴿وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ في طاعة الله، ومن أجل إعلاء كلمته؛ إذ لا يذكر لفظ القتال، أو الجهاد؛ إلا ويقرن بكلمة: ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ،﴾ وفي ذلك دلالة واضحة على أنّ الغاية من القتال، والجهاد غاية شريفة نبيلة، هي: إعلاء كلمة الله، لا السيطرة، أو المغنم، أو الاستيلاء في الأرض، أو غير ذلك من الغايات الدّنيئة. ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ..﴾. إلخ: وعد الله المجاهد في سبيل الله ظافرا، أو مظفورا به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله. وخذ ما يلي:
عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «تضمّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلاّ جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنّة، أو أرجعه إلى مسكنه، الّذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة». أخرجه مسلم في صحيحه، وفي هذا الحديث، والآية الكريمة وعد من القويّ العزيز؛ ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ؟﴾ لا أحد!.
стр. 1227
هذا؛ و (السّبيل) يذكّر، ويؤنّث بلفظ واحد، فمن التّذكير قوله تعالى في سورة (الأعراف):
﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾. ومن التأنيث قوله تعالى في سورة (يوسف) رقم [١٠٨]: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ والجمع:
سبول، وعلى التذكير: سبل، بضمتين، و: سبل، بضم فسكون.
الإعراب: ﴿فَلْيُقاتِلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. اللام: لام الأمر. (يقاتل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان به، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف. و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل (يقاتل)، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يَشْرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿الْحَياةَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة (﴿الْحَياةَ﴾) منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَشْرُونَ﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي: مستبدلة بالآخرة.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُقاتِلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَيُقْتَلْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول ونائب فاعله يعود إلى: (﴿مَنْ﴾) وهو معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، ويجوز في القواعد النّحوية. ﴿أَوْ يَغْلِبْ:﴾ ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَغْلِبْ:﴾ معطوف أيضا على فعل الشرط، وفاعله يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿نُؤْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والهاء مفعول به أول. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول به ثان. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له، وجملة: (سوف...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو: (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٦٩]. والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥)﴾
الشرح: ﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ..﴾. إلخ: استفهام إنكاري توبيخي، أي: أيّ شيء يمنعكم من القتال والجهاد في سبيل إعزاز دين الله، وفي سبيل تخليص المستضعفين الذين استذلّهم المشركون، فمنعوهم من الهجرة إلى المدينة المنورة، أو لا يقدرون على الهجرة لضعفهم،
стр. 1228
وعجزهم. ففيه حضّ على الجهاد لإعلاء كلمة الله، وإظهار دينه، واستنقاذ المؤمنين الضّعفاء، وإن كان في ذلك تلف النّفوس. وتخليص الأسارى، والمستضعفين واجب على جماعة المسلمين، إمّا بالقتال، وإمّا بالأموال، لقول النبيّ ﷺ : «فكّوا العاني» والمراد بالمستضعفين:
من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفّار قريش لهم، وهم المعنيّون بقول النبيّ ﷺ : «اللهمّ أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين».
قال ابن عباس-﵄: كنت أنا، وأمّي من المستضعفين. و (الولدان) جمع: ولد، وإنّما ذكر الله سبحانه الولدان مبالغة في الحثّ على الجهاد، وتنبيها على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ آذاهم الصّبيان.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ:﴾ المراد بها: مكّة المكرمة. ﴿الظّالِمِ أَهْلُها:﴾
بالشرك، ويظلمون غيرهم بالإيذاء، والتطاول عليهم، و ﴿الظّالِمِ:﴾ نعت سببيّ يجب فيه الإفراد، والتّذكير، ويراعى في تذكيره، وتأنيثه، وجمعه، وتثنيته ما بعده. ﴿وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ أي: من عندك نصيرا، ومعينا، ومخلّصا من إيذاء كفار قريش. وقد استجاب الله دعاءهم، وحقّق رجاءهم بأن يسّر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة، وجعل لمن بقي منهم في مكّة خير وليّ، وخير ناصر؛ حيث فتح الله مكّة على يد رسوله ﷺ ، فتولاّهم، ونصرهم، ثمّ استعمل عليهم عتّاب بن أسيد-﵁-فحمى المستضعفين، ونصرهم حتّى صاروا أعزّاء أهل مكّة. والحمد لله والمنّة!.
هذا؛ و «القرية» اسم للمكان الّذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة، وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أمّ القرى في قوله تعالى في الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنعام): ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها،﴾ كما تطلق على الضيعة الصّغيرة، وهي مأخوذة من: قريت الماء في المكان: جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية: بكسر القاف، وفتحها، والنسبة إليها: قروي، وقريي، والفتح أقوى.
الإعراب: ﴿وَما لَكُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُقاتِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محلّ نصب حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، والعامل اسم الاستفهام، كما في الآية رقم [٨٨] الآتية، وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ وغير ذلك كثير. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾
مضاف إليه. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة، وهذا اختيار الزجاج، وقاله الزّهري، وقال المبرد: اختار أن يكون معطوفا على (السبيل) أي: وفي المستضعفين لاستنقاذهم.
стр. 1229
فالسبيلان مختلفان. ﴿مِنَ الرِّجالِ:﴾ متعلقان ب (المستضعفين) لأنّه اسم مفعول، أو هما في محل رفع نائب فاعله، وهو الأولى. ﴿وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ:﴾ معطوفان على: ﴿الرِّجالِ،﴾ وجوز اعتبار المستضعفين منصوبا على الاختصاص بفعل محذوف، ولا وجه له.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة: ﴿الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ﴾ ويكون في الكلام تغليب، أو هو في محل نصب بفعل محذوف، التقدير: أعني الّذين، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، وجملة: ﴿يَقُولُونَ﴾ مع مقولها صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه حرف النداء، و (نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَخْرِجْنا:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت» و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية والندائية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ هذِهِ:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقَرْيَةِ:﴾ بدل اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. وقيل: صفة.
﴿الظّالِمِ:﴾ صفة: ﴿الْقَرْيَةِ﴾ صفة سببية. ﴿أَهْلُها:﴾ فاعل به، و (ها) في محل جر بالإضافة.
﴿وَاجْعَلْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ لَدُنْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به ثان. هذا؛ وجوّز اعتبار الجار والمجرور (لنا) في محل نصب مفعول به أوّل، ووليّا مفعول به ثان، كما أجيز اعتبار: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ متعلقين بمحذوف حال من: ﴿وَلِيًّا﴾ كان صفة له... إلخ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: المؤمنون يقاتلون لهدف سام، وغاية نبيلة، وهي نصرة دين الله، وإعلاء كلمته ابتغاء مرضاته، فهو تعالى وليّهم، وناصرهم، ومعزّهم، ورافع شأنهم في الدّنيا، والآخرة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ أي: الذين كفروا يقاتلون في سبيل الشيطان، وما يأمر به من الظلم، والفساد، وبذلك كان الشيطان وليهم، وناصرهم؛ فشتّان بين من يقاتل لإعلاء كلمة الله، وبين من يقاتل في سبيل الشيطان. فمن قاتل في سبيل الله فهو الذي يغلب؛ لأنّ الله وليه، وناصره، ومن قاتل في سبيل الطاغوت؛ فهو المخذول المغلوب، و ﴿الطّاغُوتِ:﴾ كلّ ما عبد من دون الله، وانظر الآية رقم [٥١]. ﴿فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ أي: قاتلوا يا أولياء الله أولياء الشيطان، وحزبه، وأنصاره، وهم الكفار. ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ:﴾ وساوسه، وزخارفه الّتي يلقيها في عقل ابن آدم. ﴿كانَ ضَعِيفاً﴾ أي: إنّ كيده للمؤمنين بمقارنة كيد الله للكافرين ضعيف، لا يؤبه له، فلا تخافوه، ولا تخافوا أولياءه. وفي هذا غاية التّرغيب في قتال الكافرين.
стр. 1230
تنبيه: ذكر الله هنا: أنّ كيد الشيطان ضعيف، وهذا بمقارنته بكيد الله، وذكر في سورة (يوسف) أنّ كيد النّساء عظيم، وهذا بالنسبة إلينا، على أنّه من كلام العزيز زوج المرأة، ولا تنس: قوله تعالى في سورة (التّحريم): ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾.
فائدة: في الآية الكريمة من المحسّنات البديعية: المقابلة، وهي أن يؤتى بمعنيين، أو أكثر، ثمّ يؤتى بما يقابل ذلك على التّرتيب، تأمّل في الآية تجد ذلك موجودا فيها، كما في الآية رقم [٨٥] الآتية.
هذا؛ و «الشّيطان» اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كلّ نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس، والجن، والحيوان. وما أكثر الشياطين بهذا المعنى من بني آدم، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١٢] -انظر شرحها هناك، ونصّها-: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً،﴾ وقال الرسول ﷺ لأبي ذرّ الغفاري-﵁: «يا أبا ذرّ تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ». قال:
أو للإنس شياطين؟! قال: «نعم». ولا تنس أنّ لكلّ واحد من بني آدم شيطانا بدليل قول النبي ﷺ لعائشة-﵂: «أجاءك شيطانك؟» قالت: أو لي شيطان؟ قال: «ما من أحد إلاّ وله شيطان» قالت: وأنت يا رسول الله؟! قال: «وأنا إلاّ أنّني أعانني الله عليه، فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير». يروى بضم الميم، وفتحها، والمعنى يختلف.
هذا؛ و «الشّيطان» واحد الشياطين، مأخوذ من شطن: إذا بعد، والنّون أصلية، فهو مصروف على هذا؛ وسمّي الشّيطان شيطانا؛ لبعده عن الحقّ، وتمرّده. قال جرير: [البسيط]
أيّام يدعونني الشّيطان من غزل... وهنّ يهوينني إذ كنت شيطانا
وقيل: مأخوذ من: شاط: إذا احترق، وشاط: بطل، فالنون زائدة، وعليه فهو غير مصروف، و «شطن» من باب: قعد، و «شاط» من باب ضرب. هذا؛ واشتاط الرّجل: إذا احتدّ غضبا. واشتاط: إذا هلك. قال الأعشى في معلّقته: [البسيط]
قد نخضب العير في مكنون فائله (١) ... وقد يشيط على أرماحنا البطل
ويقوّي الاعتبار الأول، ويضعّف الثاني: أنّ سيبويه-رحمه الله تعالى-حكى: أنّ العرب تقول: تشيطن فلان: إذا فعل أفعال الشياطين، فهذا بيّن: أنّ تفعلل من شطن، ولو كان من شاط؛ لقالوا: تشيّط.
стр. 1231
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿يُقاتِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف.
و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ:﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها، وإعرابها واضح. ﴿فَقاتِلُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (قاتلوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا؛ فقاتلوا... إلخ. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿كَيْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ما قبله. ﴿ضَعِيفاً:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محلّ لها.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحقّ محمد ﷺ أو لكلّ أحد.
والاستفهام تعجيب، وتشويق إلى استماع ما بعده؛ إن كان المخاطب لم يعلم بحال المذكورين، أو هو استفهام تقرير؛ إن كان المخاطب يعلم بحالهم. ويجوز أن يخاطب به من لم ير، ولم يسمع؛ لأنّ هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجّب.
﴿إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا..﴾. إلخ: قال الكلبيّ-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية الكريمة في عبد الرحمن بن عوف الزّهري، وجماعة من أصحاب النبي ﷺ ، كانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا بمكة قبل أن يهاجروا، فكانوا يقولون: يا رسول الله! ائذن لنا في قتالهم، فإنّهم قد آذونا، فقال لهم رسول الله ﷺ : «كفوا أيديكم فإني لم اؤمر بقتالهم». ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ:﴾ فيه إشكال، وهو: أنّ الصلاة فرضت في السّنة العاشرة من النبوة، والزّكاة فرضت في السّنة الرابعة من الهجرة، وحلّه-وبالله التوفيق-: أنّ المراد بالصّلاة الصلاة التي كانت مفروضة: ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، وأنّ المراد بالزّكاة مطلق الصدقة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 1232
﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ:﴾ فرض عليهم جهاد المشركين، وقتالهم، وأمروا بالخروج إلى بدر ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ:﴾ جماعة منهم، أي: من الّذين سألوا أن يفرض عليهم الجهاد، واستأذنوا الرسول ﷺ في القتال. ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ أي: يخافون مشركي مكة، كما قال تعالى في سورة (الأنفال): ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ..﴾. إلخ. ﴿كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً:﴾ ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو؛ يعني: وأشد خشية. انظر ما ذكرته في سورة (البقرة) رقم [٧٤] بشأن «أو» تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. قال السدي رحمه الله تعالى: هم قوم أسلموا قبل فرض القتال، فلمّا فرض القتال؛ كرهوه. وقيل: هو وصف للمنافقين، والمعنى: يخشون القتال مع المشركين، كما يخشون الموت من الله.
﴿وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ..﴾. إلخ؛ أي: هلا تركتنا، ولم تفرض علينا القتال حتى نموت بآجالنا. والقائلون لهذا القول هم المنافقون؛ لأنّ هذا القول، لا يليق بالمؤمنين. وقيل:
قاله بعض المؤمنين، وإنّما قالوا ذلك خوفا، وجبنا، لا اعتقادا، ثمّ إنهم تابوا من هذا القول.
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابي كريم يعلم: أنّ الآجال محدودة، والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين، سامعين، طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرا من المقام في الدار العاجلة على ما هو معروف من سيرتهم، ﵃. اللهم إلا أن يكون قائله ممّن لم يرسخ الإيمان في قلبه، ولا انشرح بالإسلام جنانه، فإنّ أهل الإيمان متفاضلون، فمنهم الكامل، ومنهم الناقص، وهو الذي تنفر نفسه عمّا يؤمر به فيما تلحقه فيه المشقّة، وتدركه فيه الشدّة. والله أعلم. انتهى.
﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء: منفعة الدنيا، والاستمتاع بلذّاتها قليل، وسمّاه الله قليلا؛ لأنّه لا بقاء له، وقال النبيّ ﷺ : «مثلي ومثل الدّنيا كراكب قال قيلولة تحت شجرة، ثمّ راح، وتركها». ومثله يروى عن ابن مسعود-﵁-وغيره كثير. وعن المستورد بن شدّاد-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «والله ما الدّنيا في الآخرة إلاّ مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليمّ، فلينظر بم يرجع؟». أخرجه مسلم. ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ يعني: وثواب الآخرة. ﴿خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى:﴾ يعني: اتقى الشرك، وابتعد عن معصية الرسول ﷺ .
﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً:﴾ ولا تنقصون من أجوركم قدر فتيل، انظر الآية رقم [٤٩].
هذا؛ وقال ابن أبي حاتم عن هشام؛ قال: قرأ الحسن: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ فقال: رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك، وما الدنيا كلّها أوّلها، وآخرها إلا كرجل نام نومة، فرأى في منامه ما يحبّ، ثمّ انتبه. وقال ابن معين: كان أبو مصهر ينشد: [الطويل]
ولا خير في الدّنيا لمن لم يكن له... من الله في دار المقام نصيب
فإن تعجب الدّنيا رجالا فإنّها... متاع قليل والزّوال قريب
стр. 1233
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتعجيب. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت. ﴿إِلَى الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول.
﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿كُفُّوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل: ﴿قِيلَ،﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦١] ﴿أَيْدِيَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ معطوفتان على ما قبلهما.
﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف، أو استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند الفارسي، وابن السراج، وابن جنّي. تتطلّب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشّرط بجوابه، وصوّب ابن هشام الأوّل، والمشهور الثّاني. ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْقِتالُ:﴾ نائب فاعل ﴿كُتِبَ،﴾ وجملة: ﴿كُتِبَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية على القول بحرفية (لمّا)، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها. ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة. وهي تختصّ بالدّخول على الجملة الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال، لا الاستقبال، نحو: خرجت؛ فإذا الأسد بالباب، وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجّحه: «خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب» لأنّ «إنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وظرف مكان عند المبرّد، وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجّاج، والزمخشري، وزعم هذا الأخير: أنّ عاملها فعل مشتقّ من لفظ المفاجأة. ولا يعرف هذا لغير الزّمخشري، وإنّما ناصبها الخبر المذكور في نحو: «خرجت فإذا زيد جالس» أو المقدّر في نحو: «فإذا الأسد» أي: حاضر. و ﴿فَرِيقٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة ﴿فَرِيقٌ﴾. ﴿يَخْشَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محلّ جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول بظرفيتها. وابتدائية لا محلّ لها على القول بحرفية ﴿إِذا،﴾ وعلى الاعتبارين فالجملة جواب:
(لمّا)، و ﴿إِذا:﴾ واقعة في جوابها، هذا وقيل: (﴿إِذا﴾) على اعتبارها ظرفا متعلقة بمحذوف خبر مقدّم، و ﴿فَرِيقٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿مِنْهُمْ،﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿فَرِيقٌ،﴾ وجملة: ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿مِنْهُمْ﴾ وقيل: هي صفة ثانية ل ﴿فَرِيقٌ﴾ وقيل غير ذلك، والمعتمد ما ذكرته أولا. ﴿كَخَشْيَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يخشون الناس خشية كائنة كخشية الله. وهذا قول أبي البقاء، وغيره في مثل هذا التركيب، ومذهب سيبويه في مثله النّصب على الحال من المصدر المفهوم من
стр. 1234
الفعل المتقدّم على طريق الاتّساع، فيكون التقدير: يخشون الناس على مثل هذه الحال.
و (خشية) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: كخشيتهم الله.
﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَشَدَّ:﴾ معطوف على المحذوف، وقد ردّه البيضاوي رحمه الله تعالى، فقال: عطف على (خشية) إن جعلته حالا، وإن جعلته مصدرا؛ فلا؛ لأنّ أفعل التفضيل إذا نصب ما بعده لم يكن من جنسه، بل هو معطوف على اسم الله تعالى؛ أي: كخشية الله، أو كخشية أشد خشية منه على الفرض، اللهم إلا أن يجعل الخشية ذات خشية، كقولهم: جدّ جدّه، على معنى: يخشون الناس خشية مثل خشية الله، أو خشية أشد خشية من خشية الله. هذا؛ وقال الجلال، وتبعه الجمل: ﴿أَشَدَّ:﴾ حال من (خشية) كان صفة له، و (خشية) معطوف على «خشية» المقدّر، وقد أجمل أبو البقاء الكلام، فقال: والقول في قوله: ﴿أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ كالقول في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ وقد ذكر، أي في الآية رقم [٢٠٠] من سورة (البقرة)، وقال مكي: ﴿أَشَدَّ﴾ معطوف على الكاف، وهي عنده اسم بمعنى: «مثل».
﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء. و (نا) في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و (ما) مبنية على السكون، وهو الألف المحذوفة للفرق بين الخبر، والاستخبار. ﴿كَتَبْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْنَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقِتالُ:﴾ مفعول به. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أَخَّرْتَنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿قَرِيبٍ:﴾ صفة: ﴿أَجَلٍ،﴾ والكلام كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿مَتاعُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الدُّنْيا:﴾
مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿قَلِيلٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَالْآخِرَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿لِمَنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿اِتَّقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف، وفاعله يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط، ومفعوله محذوف، انظر: الشرح، والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿تُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿فَتِيلاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: تجزون فيها جزاء أعمالكم، ولا تظلمون فتيلا، والكلام في محل نصب مقول القول أيضا.
стр. 1235
﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨)﴾
الشرح: نزلت الآية الكريمة في المنافقين؛ الذين قالوا في قتلى أحد كما حكى الله عنهم:
﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا﴾ الآية رقم [١٥٦] من سورة (آل عمران)، فردّ الله عليهم بهذه الآية. وقيل: نزلت في الذين قالوا: ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ،﴾ فردّ الله عليهم بهذه الآية، فبيّن الله تعالى: أنّه لا خلاص لهم من الموت، وإذا كان لا بدّ من الموت؛ كان القتل في سبيل الله، وجهاد أعدائه أفضل من الموت على الفراش؛ لأنّ الموت في الجهاد تحصل به سعادة الآخرة.
﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ..﴾. إلخ؛ أي: في أيّ مكان وجدتم، فلا بدّ أن يدرككم الموت عند انتهاء الأجل ويفاجئكم؛ ولو تحصّنتم منه بالحصون المنيعة، فلا تخشوا القتال خوف الموت. هذا؛ والموت: انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته. وموت القلب: قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنّصائح. والموت أكبر واعظ. وخذ قول طرفة بن العبد: [الرمل]
وكفى بالموت فاعلم واعظا... لمن الموت عليه قد قدر
فاذكر الموت وحاذر ذكره... إنّ في الموت لذي اللّبّ عبر
كلّ شيء فيه يلقى حتفه... في مقام أو على ظهر سفر
والمنايا حوله ترصده... ليس ينجيه من الموت الحذر
وخذ ما يلي معتبرا، ومفكرا، وبالله التوفيق: [الطويل]
هو الموت فاحذر أن يجيئك بغتة... وأنت على سوء من الفعل عاكف
وإيّاك أن تمضي من الدّهر ساعة... ولا لحظة إلاّ وقلبك واجف
وبادر بأعمال يسرّك أن ترى... إذا نشرت يوم الحساب الصّحائف
وواحد (البروج): برج، وهو البناء المرتفع، والقصر العظيم، قال طرفة يصف ناقة: [البسيط]
كأنّها برج روميّ تكنّفها... بان بشيد وآجرّ وأحجار
هذا؛ وقال ابن عباس-﵄: (البروج): الحصون، والآطام، والقلاع، ومعنى ﴿مُشَيَّدَةٍ:﴾ مطولة، ومحصّنة، ومزيّنة بالشّيد، وهو الجصّ. والمشيّدة، والمشيد سواء،
стр. 1236
قال تعالى في سورة (الحجّ): ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. هذا؛ وقال السّدّي-رحمه الله تعالى-: المراد بالبروج، بروج في السماء الدّنيا مبنية. وحكى هذا القول مكيّ عن الإمام مالك -رحمه الله تعالى-: أنّه قال: ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ و ﴿جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً﴾ و ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً﴾ الأولى في سورة (البروج)، والثانية في سورة (الفرقان)، والثالثة في سورة (الحجر). انظر شرح هذه الآيات في محالّها؛ فإنّه جيد، والحمد لله!.
وهذه الآية تردّ على القدرية في الآجال، فعرّفهم الله بذلك: أنّ الآجال متى انقضت؛ فلا بدّ من مفارقة الرّوح الجسد، سواء أكان بذلك بقتل، أو بموت، حسب ما قدّر الله زهوقها بها، وقالت المعتزلة: إنّ المقتول لو لم يقتل؛ لعاش، فردّ عليهم اللّقاني في جوهرته بقوله: [الرجز]
وميّت بعمره من يقتل... وغير هذا باطل لا يقبل
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ..﴾. إلخ: نزلت في المنافقين، واليهود، وذلك: أنّ المدينة كانت ذات خير، وأرزاق ونعم عند مقدم النبي ﷺ ، فلمّا ظهر نفاق المنافقين، وعناد اليهود اللّؤماء؛ أمسك الله عنهم بعض الإمساك، فقال المنافقون، واليهود: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا، ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرّجل، وأصحابه، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ أي: المنافقين، واليهود. ﴿حَسَنَةٌ﴾ أي: خصب في الثمار، ورخص في الأسعار، ونماء في الزروع، والأولاد، وغير ذلك من وجوه الخير. ﴿يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: من قبل الله. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قحط، وجدب، ونقص في الزّروع، والثمار، أو موت أولاد، أو نتاج، وغير ذلك ممّا يكرهونه. ﴿يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يا محمد! أي: بسببك يا محمد! فهم ينسبون الشرّ إلى النبيّ ﷺ تشاؤما به. وقد حصل التفات من الخطاب إلى الغيبة، انظر الالتفات في الآية [٦٤].
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ يعني: الحسنة والخير من: خصب، ونصر، وعزّ، وصحّة، وعافية، والسيئة من: هزيمة، وقتل، وموت، ونحو ذلك، فالحسنة فضل، وإنعام من الله، وأمّا السيئة؛ فابتلاء، واختبار منه تعالى. ثمّ قال تعالى منكرا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصّادرة عن شكّ، وريب، وقلّة فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم: ﴿فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ..﴾. إلخ؛ أي: لا يفهمون معاني القرآن، وأنّ الأشياء كلّها من الله، عزّ، وجل، خيرها، وشرها.
هذا؛ و (يكاد): يقرب، يقال: كاد يفعل، ولم يفعل، فهو فعل يدلّ على وقوع مقاربة الفعل بعدها، ولذا لم تدخل عليه «أن» لأنّها تخلص الفعل للاستقبال، وإذا دخل عليها حرف نفي، كما في هذه الآية؛ دلّ على أنّ الفعل بعدها وقع، وإذا لم يدخل عليها حرف نفي؛ لم يكن الفعل بعدها واقعا، ولكنّه قارب الوقوع. والفعل واوي العين، ف «كاد» أصله: كود، فتحرّكت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ويكاد وزنه: يكود، كيعلم، فنقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها؛ لأنّ الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، ثمّ يقال: تحركت الواو بحسب
стр. 1237
الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا، فصار: يكاد بوزن: يخاف، ومصدره: الكود، وهذا في «كاد» الناقصة، وأمّا «كاد» التّامة فهي يائية العين المفتوحة في الماضي كباع، المكسورة العين في المضارع كيبيع، ومصدره: الكيد، كالبيع، فهو من الباب الثاني، بخلاف الناقص فإنّه من الباب الرّابع، ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا، فمن الأوّل قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٣٥]: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ ومن الثاني قوله تعالى في سورة (يوسف): ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً﴾ ومعنى الأول: المقاربة. ومعنى الثاني: المكر، والأول ناقص التصرف، ويحتاج إلى مرفوع، ومنصوب، والثاني تامّ التصرف، ويكتفي بالفاعل، وينصب المفعول به.
فائدة: قد تأتي «كاد» بمعنى: أراد، قال محبّ الدين الخطيب، شارح شواهد الكشّاف، وجعل منه قول الراقدة الأودي: [البسيط]
والبيت لا يبتنى إلاّ بأعمدة... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمّع أسباب وأعمدة... وساكن بلغوا الأمر الّذي كادوا
أي: الذي أرادوا، ومنه قول الآخر: [البسيط]
كدنا وكدت وتلك خير إرادة... لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى
أي: أردنا، وأردت، دليله: «خير إرادة». هذا؛ وقد شاع على الألسن أن نفي كاد إثبات، وإثباتها نفي، ولذا ألغز المعرّي بقوله: [الطويل]
أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة... جرت في لساني جرهم وثمود
إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت... وإن أثبتت قامت مقام جحود
فأجابه الشيخ جمال الدين بن مالك صاحب الألفية بقوله: [الطويل]
نعم هي كاد المرء أن يرد الحمى... فتأتي لإثبات بنفي ورود
وفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى... فخذ نظمها فالعلم غير بعيد
وقد اتفقت كلمة النّحاة على أن «كاد» كسائر الأفعال، وكلامهم متقارب المعنى في هذا الشأن، ومتشابه.
انظر الشاهد رقم [١١٢٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والأشموني، وغيرهما، وها أنا ذا أسوق لك ما ذكره السّيوطي-رحمه الله تعالى-في كتابه: (همع الهوامع) لتكون على بصيرة من أمرك. قال ﵀: والتحقيق: أنّها كسائر الأفعال، نفيها نفي، وإثباتها إثبات؛ إلا أنّ معناها المقاربة، لا وقوع الفعل، فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة؛ لأنّ من لم يقارب الفعل؛ لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل، ولا يلزم من مقاربته
стр. 1238
وقوعه، فقولك: «كاد زيد يقوم» معناها: قارب القيام. ولم يقم، ومنه قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٣٥]: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يقارب الإضاءة، إلا أنّه لم يضيء، وقولك: «لم يكد زيد يقوم» معناه: لم يقارب القيام، فضلا عن أن يصدر منه، ومنه قوله تعالى في سورة النور رقم [٤٠]: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقارب أن يراها، فضلا عن أن يرى، وقوله تعالى في سورة (إبراهيم) -على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: لا يقارب إساغته فضلا عن أن يسيغه، وعلى هذا الزّجّاجي، وغيره.
وذهب قوم منهم ابن جنّي إلى أنّ نفيها يدلّ على وقوع الفعل ببطء؛ لآية: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ رقم [٧١] من سورة (البقرة)، فإنّهم فعلوا بعد بطء، والجواب: أنّها محمولة على وقتين، أي: فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذّبح، بل أنكروا أشدّ الإنكار؛ بدليل ما حكى الله عنهم: ﴿قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً؟!﴾.
وقال ابن هشام في مغنيه: فالجواب: أنّه إخبار عن حالهم في أوّل الأمر، فإنّهم كانوا بعداء عن ذبحها، بدليل ما يتلى علينا من تعنّتهم، وتكرار سؤالهم. انتهى. وقوله مشابه لقول السيوطي المتقدّم. تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم.
الإعراب: ﴿أَيْنَما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون، وبعضهم يقول: مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية، متعلّق بمحذوف خبر: ﴿تَكُونُوا﴾ مقدّم على نقصانه، ومتعلّق به على تمامه، و (ما): زائدة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، أو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ﴿يُدْرِكْكُمُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والكاف مفعول به.
﴿الْمَوْتُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، والشرط ومدخوله كلام مستأنف لا محلّ له. ويحتمل: أنّه داخل في مقول القول المذكور في الآية السابقة، والمعنى: قل لهم: أينما تكونوا في الحضر، أو في السفر يدرككم الموت الذي تكرهون القتال لأجله. وقرئ شاذّا برفع الجواب وهو على حذف الفاء، أي: فهو يدرككم، واعتبر القرطبيّ-رحمه الله تعالى-قول عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاري مثله، وهو الشاهد رقم [٨٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]
من يفعل الحسنات الله يشكرها... والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان
إذ التقدير: فالله يشكرها، والفرق بينهما واضح، فالآية حذف فيها الفاء، والمبتدأ، والبيت حذف فيه الفاء فقط، وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: أو على أنّه كلام مبتدأ، و ﴿أَيْنَما﴾ متّصل ب (﴿تُظْلَمُونَ﴾). انتهى. والمعنى لا يؤيّد الوجهين. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال. (لو):
стр. 1239
وصلية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِي بُرُوجٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان) الناقصة. ﴿مُشَيَّدَةٍ:﴾ صفة بروج، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الكاف الواقعة مفعولا به، والرابط الواو والضمير. هذا وإن اعتبرت (﴿لَوْ﴾) شرطية غير جازمة فجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ شرطها، ويكون الجواب محذوفا؛ لدلالة ما قبله عليه، التقدير: ولو كنتم... لأدرككم الموت. هذا؛ وقال الجمل: والجملة؛ أي: (﴿لَوْ﴾) ومدخولها: معطوفة على أخرى مثلها محذوفة، وقدّر كلاما لا داعي له، وأرى أنّ (﴿لَوْ﴾) ومدخولها معطوف على الجملة الشّرطية قبلها.
﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تُصِبْهُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والهاء مفعول به. ﴿حَسَنَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَقُولُوا:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿هذِهِ:﴾ الهاء:
حرف تنبيه لا محلّ له. (ذه): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يَقُولُوا..﴾.
إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشّرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، و «إذا» ومدخولها معطوف على ما قبله لا محلّ له مثله. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ..﴾. إلخ: معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق بينهما.
﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به الإضافة المقدّرة. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف. و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿فَمالِ هؤُلاءِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. اللام: حرف جر. الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿الْقَوْمِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، ويقال:
صفة له. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَكادُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص مرفوع... إلخ، والواو اسمه.
﴿يَفْقَهُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿حَدِيثاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محلّ نصب خبر: ﴿يَكادُونَ،﴾ وجملة: ﴿لا يَكادُونَ..﴾. إلخ في محلّ نصب حال من: (هؤلاء القوم) والرابط الضمير فقط، والعامل اسم الاستفهام، وقال الجمل: أو هو استئناف مبني على سؤال نشأ، فقيل: ﴿لا يَكادُونَ..﴾. إلخ، والأوّل أقوى. انظر الآية رقم [٧٥].
стр. 1240
﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (٧٩)﴾
الشرح: ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ أي: من خير، وصحة، ونعمة، وخصب، ونصر، وغنيمة.
﴿فَمِنَ اللهِ:﴾ فمن كرم الله، وإحسانه، وجوده، وفضله تعالى يتفضّل به عليك. والخطاب للنبيّ ﷺ ، والمراد به أمّته. وقيل: إنّه عامّ، وتقديره: ما أصابك أيّها الإنسان. وإنّما كان من فضل الله؛ لأنّ كل ما يفعله الإنسان من الطاعات لا يكافئ نعمة الوجود، بل، ولا شربة ماء، فكيف يقضي غيره؟! ولذا قال النبي ﷺ : «ما أحد يدخل الجنّة إلاّ برحمة الله». قيل: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «ولا أنا». وفي رواية أخرى: «لن يدخل أحدا عمله الجنّة». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «ولا أنا؛ إلاّ أن يتغمّدني الله بفضله، ورحمته. فسدّدوا، وقاربوا».
أخرجه البخاريّ عن أبي هريرة-﵁.
﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ:﴾ قحط، وجدب، وهزيمة... إلخ. ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: فبما كسبت يداك من المعاصي، كما قال تعالى في سورة (الشّورى): ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ وهو لا ينافي قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ فإنّ الكلّ منه تعالى إيجادا، وإيصالا؛ غير أنّ الحسنة إحسان، وامتحان، والسيئة مجازاة، وانتقام.
قال ابن عباس-﵄: لما نزلت آية الشّورى قال رسول الله ﷺ : «والّذي نفسي بيده ما من خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلاّ بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر». وقالت السّيدة عائشة-﵂: «ما من مسلم يصيبه وصب، ولا نصب، حتّى الشّوكة يشاكها، وحتّى انقطاع شسع نعله إلاّ بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر».
﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً﴾ أي: أرسلناك يا محمد إلى النّاس كافّة رسولا؛ لتبلّغهم رسالتي، وما أرسلتك به، وليست رسالتك مقصورة على العرب، كما يقول اليهود اللّؤماء. ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ أي: على أنّه أرسلك للناس كافّة، فما ينبغي لأحد أن يخرج عن طاعتك، واتّباعك، وهو عالم بما تبلّغهم إيّاه، وبما يردّون عليك من الحقّ كفرا، وعنادا.
بقي أن تعرف وجه الجمع بين قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ،﴾ وبين قوله: ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ،﴾ فأمّا إضافة الأشياء إلى الله تعالى، فعلى الحقيقة؛ لأنّ الله- -هو خالقها، وموجدها، وأمّا إضافة السيئة إلى فعل العبد، فعلى المجاز، تقديره: وما أصابك من سيئة؛ فمن الله بذنب نفسك عقوبة لك. وقيل: إضافة السيئة إلى فعل العبد على سبيل الأدب، فهو كقوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-:
﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فأضاف المرض إلى نفسه على طريق الأدب. ولا شكّ: أنّ
стр. 1241
الممرض هو الله تعالى، وانظر آية (الكهف) رقم [٨٢]، وآية (الجن) رقم [١٠] تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصابَكَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿ما؛﴾ تقديره: هو، والكاف مفعول به. ﴿مِنْ حَسَنَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و ﴿مِنْ:﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾. ﴿فَمِنَ اللهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من الله): متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهي من الله، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو:
(ما) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿ما﴾ اسما موصولا، فهي مبتدأ، والجملة بعدها صلتها، والجملة الاسمية: «فهي من الله» في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء على الخبر زائدة؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ..﴾. إلخ: هذه الجملة معطوفة على التي قبلها، لا محلّ لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع، وإعرابها مثلها.
هذا؛ وقد اعتبر أبو البقاء (ما) في الجملتين شرطية لا غير، وقال: ولا يحسن أن تكون بمعنى «الذي» لأنّ ذلك يقتضي أن يكون المصيب لهم ماضيا مخصصا، والمعنى على العموم، والشّرط أشبه، بينما اعتبرها مكيّ موصولة لا غير، فقال: (ما) فيهما، أي: في الجملتين بمعنى: «الذي» وليست للشرط؛ لأنّها نزلت في شيء بعينه، وهو الجدب، والخصب، والشّرط لا يكون إلا مبهما، يجوز أن يقع، ويجوز ألا يقع، وإنّما دخلت الفاء للإبهام الّذي في «الذي» مع أنّ صلته فعل. هذا؛ وقد أعربت (ما) في الجملتين على الوجهين اللّذين قالاهما حتى لا يبقى عليّ اعتراض لمعترض. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.
﴿وَأَرْسَلْناكَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَرْسَلْناكَ﴾): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب على اعتباره مقصودا به الرّسول ﷺ ، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها، ومستأنفة على اعتبار الخطاب لكلّ إنسان. ﴿لِلنّاسِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رَسُولاً﴾ كان صفة... إلخ.
﴿رَسُولاً:﴾ حال من كاف الخطاب مؤكّدة. وقيل: مفعول مطلق؛ أي: إرسالا، ولا وجه له ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٧٠].
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠)﴾
الشرح: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ..﴾. إلخ: طاعة الرّسول ﷺ من طاعة الله، كما رأيت في الآية رقم [٥٩]، ومحبّة الرسول من محبّة الله عزّ، وجل-لما روي: أنّ النبيّ ﷺ قال: «من أحبّني؛
стр. 1242
فقد أحبّ الله، ومن أطاعني؛ فقد أطاع الله». فقال المنافقون: لقد قارف الشرك، وهو ينهى عنه، ما يريد إلا أن نتّخذه ربّا، كما اتخذت النّصارى عيسى ربّا. فنزلت الآية الكريمة.
﴿وَمَنْ تَوَلّى﴾ أي: أعرض عن طاعته، وامتثال أمره؛ فقد خاب، وخسر. ﴿فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً:﴾ تحفظ أعمالهم، وتحاسبهم عليها، بل كل أمرهم إلى الله، فإنّما عليك البلاغ، وعلينا الحساب. هذا؛ وحصل في الآية الكريمة التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الالتفات في الآية رقم [٦٤].
هذا؛ وقال القرطبيّ في غير هذا الموضع: وفي حديث: أنّ النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث؛ فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرّسول، والله يقول:
﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ،﴾ ومن قال: أقيم الصّلاة، ولا أوتي الزّكاة، والله يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ،﴾ ومن فرّق بين شكر الله، وشكر والديه، والله يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾.
الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُطِعِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ تقديره: هو. ﴿الرَّسُولَ:﴾ مفعول به. ﴿فَقَدْ:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَطاعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التّعظيم، والجملة الفعلية في محلّ جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو: ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط.
وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
(﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف في محلّ جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما):
نافية. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿حَفِيظاً﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له... إلخ، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، هذا في الظاهر، وعند التأمّل؛ يظهر لك: أنّ الجواب محذوف، التقدير: ومن تولّى؛ فلا يهمنّك أمره.
وعليه تكون جملة: (ما أرسلناك...) إلخ مفيدة للتعليل لا محلّ لها.
﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٨١)﴾
الشرح: ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ:﴾ نزلت في المنافقين، وذلك: أنّ المنافقين كانوا يقولون باللّسان لرسول الله ﷺ : آمنا بك، وصدّقناك، فمرنا بما تريد، فأمرنا، وشأننا، وحالنا طاعة؛
стр. 1243
أي: مطيعون لك. ﴿فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ:﴾ خرجوا من عندك. ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أي: زورت خلاف ما قلت لها، وما قالت لك من القبول، وضمان الطّاعة. والتبييت:
إمّا من البيتوتة؛ لأنّ الأمور تدبّر بالليل، أو من بيت الشّعر، أو البيت المبني؛ لأنّه يسوّى.
ويدبّر. انتهى. بيضاوي.
وعبارة الخازن: التبييت: كلّ أمر يفعل بالليل، يقال: هذا أمر مبيّت: إذا دبر بليل، وقضي بليل، قال تعالى في الآية رقم [١٠٨] الآتية: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ﴾. والمعنى: أنّهم قالوا، وقدروا أمرا باللّيل غير الذي أعطوك بالنّهار من الطّاعة. و ﴿بَيَّتَ:﴾ بدّل، وغيّر. قال الأسود بن عامر الطّائي: [المتقارب]
وبيّت قولي عبد الملي... ك قاتله الله عبدا كفورا
وإنّما خصّ الله طائفة من المنافقين بالتبييت في قوله: ﴿مِنْهُمْ،﴾ وكلمة (من) للتبعيض؛ لأنّه تعالى علم: أنّ منهم من يبقى على كفره، ونفاقه، ومنهم من يرجع عنه، ويتوب، فخصّ من يصرّ على النفاق بالذّكر. هذا؛ و ﴿طائِفَةٌ:﴾ جماعة من النّاس، لا واحد لها من لفظها، مثل: فريق، ورهط، ونفر، وجمعها: طوائف.
﴿وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يسجّل في صحائفهم أعمالهم؛ ليجازيهم عليها، والمسجّل هم الملائكة الموكلون بهم يسجّلون أقوالهم، وأعمالهم، ونفاقهم، ومكرهم، وكيدهم. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تعاقبهم يا محمد، ولا تحدّث نفسك بالانتقام منهم، وخلّهم في ضلالتهم، فأنا منتقم منهم. وهذا قبل نزول قوله تعالى في سورتي (التوبة) و (التّحريم): ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ:﴾ فوض أمورك إلى الله كلّها سيما في شأن المنافقين. فإنّه يكفيك شرّهم، ويدفع عنك ضرّهم، وينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام، وقد صدق الله وعده؛ حيث فضحهم، وأظهر خبثهم. اقرأ سورة (التوبة)؛ فإنّك تجد فيها العجب العجاب. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ أي: ناصرا، ومعينا لك عليهم.
هذا؛ و «التوكل» تفويض الإنسان الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه، وضرّه.
وقالوا: التوكل: من إذا دهمه أمر؛ لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى. فعلى هذا: إذا وقع الإنسان في محنة، ثمّ سأل غيره خلاصه منها؛ لم يخرج عن حدّ التوكّل؛ لأنّه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله تعالى، وإنّما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة. وخذ ما يلي:
فعن عمر-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أنّكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله؛ لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا، وتروح بطانا». أخرجه الترمذيّ. هذا؛ والفرق بين
стр. 1244
التوكّل، والتسليم، والتفويض، فيقال: التوكّل: أن تسكن النفس إلى وعد الله، والتسليم: أن تكتفي بعلم الله تعالى، والتفويض: أن ترضى بحكم الله، . وقيل: التوكل: ألا تعصي الله من أجل رزقك، ولا تطلب لنفسك ناصرا غيره، ولا لعملك شاهدا سواه. وخذ ما يلي:
فعن عمران بن حصين-﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : «يدخل الجنّة من أمّتي سبعون ألفا بغير حساب» قالوا: ومن هم يا رسول الله؟! قال: «هم الّذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربّهم يتوكّلون». فقام عكّاشة بن محصن-﵁-فقال:
يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «أنت منهم». فقام رجل آخر، فقال:
يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «سبقك بها عكّاشة».
الإعراب: (﴿يَقُولُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.
﴿طاعَةٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: أمرنا، وشأننا طاعة، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: منّا طاعة لك، وقرئ شاذّا بالنّصب على أنّه مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: نطيع لك طاعة، والجملة على الاعتبارين في محلّ نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا يَكادُونَ..﴾. إلخ في الآية رقم [٧٨] وما بينهما اعتراض، والاستئناف ممكن. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبنيّ على السكون في محل نصب. ﴿بَرَزُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة (إذا) إليها على القول المرجوح المشهور.
﴿مِنْ عِنْدِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَيَّتَ:﴾ فعل ماض.
﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محلّ لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَةٌ﴾. ﴿غَيْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿تَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يحتمل أن يكون تقديره: أنت خطابا للرّسول ﷺ ، وأن يكون تقديره: هي يعود إلى طائفة، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها، والعائد محذوف. التقدير: الذي تقوله. و (إذا) ومدخولها كلام مفرّع، ومستأنف، لا محلّ لها.
﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يَكْتُبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
وإن اعتبرتها في محل نصب حال من: ﴿طائِفَةٌ﴾ فالرابط: الواو فقط، والأول أقوى. ﴿ما:﴾
تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية؛ فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُبَيِّتُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يكتب الّذي، أو شيئا يبيتونه. وعلى اعتبارها مصدريّة تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محلّ نصب مفعول به، التّقدير: يكتب تبييتهم.
стр. 1245
﴿فَأَعْرِضْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر؛ أي: فإذا كان هذا حالهم، وشأنهم؛ فأعرض. (أعرض): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب للشرط المقدّر ب «إذا» والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٧٠] وهي مستأنفة لا محلّ لها.
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢)﴾
الشرح: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ:﴾ أي: يتفهّمونه، فيعلمون: أنّه من عند الله، ويعلمون ما أعدّ الله للّذين لم يتولّوا عن الإسلام من الخير الكثير، والفضل العميم. أو المعنى: يتفكرون في مواعظه، وزواجره. وتدبّر القرآن لا يكون إلا مع حضور القلب، وجمع الهمّ وقت تلاوته، ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصّرف. والتدبير: أن يدبر الإنسان أمره، كأنّه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته. ودلّت هذه الآية، وقوله تعالى في سورة (محمّد ﷺ : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ على وجوب التّدبّر في القرآن؛ ليعرف معناه، وكان في هذا ردّ على فساد قول من قال: لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبي ﷺ ، ومنع أن يتأوّل على ما يسوغه لسان العرب، وهذا قول الروافض، وقول من يجري مجراهم، ويتّبع هواهم.
﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ..﴾. إلخ؛ أي: لو كان القرآن من كلام البشر، كما يزعم الكفار؛ ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً:﴾ تناقضا في معانيه، وتباينا في نظمه، وكان بعضه فصيحا، وبعضه ركيكا، وبعضه تصعب معارضته، وبعضه تسهل، ومطابقة بعض أخباره المستقبلة للواقع دون بعض، وموافقة الفعل لبعض أحكامه دون بعض؛ لنقصان القوّة البشرية عن الكمال.
قال العلماء: إنّ الله- -احتجّ بالقرآن، والتدبّر فيه على صحّة نبوّة محمد ﷺ ، والحجّة في ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: فصاحته التي عجز الخلائق عن الإتيان بمثلها في أسلوبه. الثاني: إخباره عن الغيوب، وهو ما يطلع الله تعالى نبيّه ﷺ على أحوال المنافقين، وما يخفونه من مكرهم، وكيدهم، فيفضحهم بذلك، لا يعلمها إلا الله تعالى. الثالث: سلامته من الاختلاف، والتناقض.
هذا؛ ولا يدخل في هذا اختلاف ألفاظ القراءات، وألفاظ الأمثال، والدّلالات، ومقادير السّور، والآيات، وإنّما أراد اختلاف التناقض، والتّفاوت، لذا أنزل الله- -القرآن، وأمرهم بتدبّره؛ لأنّهم لا يجدون فيه اختلافا في وصف، ولا ردّا له في معنى، ولا تناقضا، ولا كذبا فيما يخبرون به من الغيوب، وما يسرّون.
стр. 1246
هذا؛ والهمزة في قوله: ﴿أَفَلا﴾ للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء؛ لأنّه حرف عطف، وكذا تقدّم على الواو، وثمّ، تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ. ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾.
إلخ، وأخواتها تتأخّر عن حروف العطف، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ..﴾. إلخ، ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف في ذلك جماعة، أوّلهم الزمخشري، فزعموا: أنّ الهمزة في الآيات المتقدمة في محلّها الأصلي، وأنّ العطف على جملة مقدّرة بينها، وبين العاطف، فيقولون: التّقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ، ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً،﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ:﴾ أمكثوا، فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم؟ أتؤمنون في حياته فإن مات، أو قتل... إلخ؟ ويضعف قولهم ما فيه من التكلّف، وأنّه غير مطّرد في جميع المواضع.
انتهى. مغني اللبيب بتصرّف.
هذا؛ و (قرآن) مشتقّ من: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنّه جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طريق الرّشاد، وخذ قول عمرو بن كلثوم في معلّقته رقم [١٢]: [الوافر]
ذراعي حرّة (١) ... أدماء بكر
هجان اللّون لم تقرأ جنينا
لم تقرأ جنينا: لم تضمّ، ولم تجمع في رحمها ولدا قطّ، وهو في اللّغة مصدر بمعنى:
الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا: إذا جمعته، وبمعنى القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا، ثمّ نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول ﷺ ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدّفتين، المتعبّد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة الناس. وهذا التعريف متفق عليه بين العلماء، والأصوليين. أنزله الله ليكون دستورا للأمة، وهداية للخلق أجمعين، وليكون آية دالّة على صدق الرسول ﷺ ، وبرهانا ساطعا على نبوته، ورسالته، وحجة قائمة إلى يوم الدين. تشهد: أنّه تنزيل الحكيم الحميد، بل هو المعجزة الخالدة التي تهتدي بها الأجيال، والأمم على الأزمان، والدهور، ورحم الله أحمد شوقي؛ إذ يقول: [البسيط]
جاء النّبيّون بالآيات فانصرمت... وجئتنا بكتاب غير منصرم
آياته كلّما طال المدى جدد... يزينهنّ جمال العتق والقدم
وللقرآن أسماء عديدة، كلّها تدلّ على رفعة شأنه، وعلوّ مكانته، وعلى أنّه أشرف كتاب سماويّ على الإطلاق، فيسمّى: القرآن، والفرقان، والتّنزيل، والذّكر، والكتاب، والنّور،
стр. 1247
والهدى... إلخ، كما وصفه الله بأوصاف عديدة، منها: نور، وهدى، ورحمة، وشفاء، وموعظة، وعزيز، ومبارك، وبشير، ونذير... إلى غير ذلك من الأوصاف الّتي تشعر بعظمته، وقدسيّته، ويحرم على المحدث حدثا أكبر قراءته، ومسّه، وحمله، وعلى المحدث حدثا أصغر حمله، ومسّه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر غيب. قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٠٦]: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ وعلى اعتباره مصدرا جاء قول الشاعر مع اختلاف في قائله، والمراد به: عثمان-﵁-وهو الشّاهد رقم [٣٩٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]
ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به... يقطّع اللّيل تسبيحا وقرآنا
أي: قراءة. هذا؛ ولم يذكر بلفظه بسورة (البقرة) إلا في الآية رقم [١٨٥]، ولم يذكر في هذه السورة إلا في هذه الآية، ولم يذكر في سورة (آل عمران)، وإنّما يكثر ذكره بما ذكرت لك من أسمائه، وصفاته، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لا): نافية، ﴿يَتَدَبَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين بالفاء. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى القرآن، تقديره: هو. ﴿مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ،﴾ و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿غَيْرِ:﴾ مضاف إليه، وجملة:
﴿كانَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَوَجَدُوا:﴾
اللام واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾). (وجدوا): فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب: (لو) لا محلّ لها. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الأول. ﴿اِخْتِلافاً:﴾ مفعول به ثان. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة له. و (لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف، لا محلّ له على الاعتبارين.
﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً (٨٣)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ..﴾. إلخ، وذلك: أنّ النبيّ ﷺ كان يبعث البعوث، والسّرايا بالقتال للكفار، فإذا غلبوا، أو غلبوا؛ بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم، ثم يشيعونه،
стр. 1248
ويتحدّثون به قبل أن يحدّث به رسول الله ﷺ فيضعفون به قلوب المؤمنين المقيمين في المدينة، فأنزل الله الآية الكريمة، ومعنى: ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ جاءهم خبر بفتح، وغنيمة. ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ يعني: القتل، والهزيمة. ﴿أَذاعُوا بِهِ:﴾ أفشوا ذلك الخبر، وأشاعوه بين النّاس، يقال: أذاع السّرّ، وأذاع به: إذا أشاعه، وأظهره، قال أبو الأسود الدّؤلي في وصف من هذه صفته: [الطويل]
أمنت على السّرّ امرأ غير حازم... ولكنّه في النّصح غير مريب
أذاع به في النّاس حتّى كأنّه... بعلياء نار أوقدت بثقوب
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ أي: الأمر الّذي تحدّثوا به، وأفشوه، وأذاعوه. ﴿إِلَى الرَّسُولِ﴾ ﷺ حتى يتحدّث به هو، ويذيعه؛ لكان خيرا لهم في الدّنيا، والآخرة. ﴿وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي:
ردّوه إلى ذوي العقول، والرأي، والبصيرة بالأمور منهم، وهم كبار الصّحابة، كالصّديق، والفاروق، وعثمان، وعليّ، رضوان الله عليهم. وقيل: هم أمراء البعوث، والسّرايا، وإنّما قال: ﴿مِنْهُمْ﴾ على حسب الظاهر، ولأنّ المنافقين كانوا يظهرون الإيمان، فلذا قال: ﴿وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي: يستخرجون تدبيره بذكائهم، وفطنتهم، وتجاربهم، ومعرفتهم بأمور الحرب، وما ينبغي لها، ومكايدها، وهم العلماء الذين علموا ما ينبغي أن يكتم من الأمور، وما ينبغي أن يذاع منها، و (النّبط): الماء الذي يخرج من البئر أوّل ما تحفر، واستنباطه: استخراجه، فاستعير لما يخرجه الرّجل بفضل ذكائه، وصفاء قريحته، وفطنته من المعاني، والتدبّر فيما يعضل، ويهمّ، يقال: استنبط الفقيه المسألة: إذا استخرجها باجتهاده، وفهمه.
وفي الآية دليل على جواز القياس، وأنّ من العلم ما يدرك بالنّصّ، وهو: الكتاب، والسنّة، ومنه ما يدرك بالاستنباط، وهو القياس عليهما. ومعنى الآية: ولو أنّ هؤلاء المنافقين، والمذيعين ردّوا الأمر من الأمن، والخوف إلى الرّسول ﷺ ، وإلى أولي الأمر، وطلبوا معرفة الحال فيهم من جهتهم؛ لعلموا حقيقة ذلك منهم، وأنّهم أولى بالبحث عنه، فإنّهم أعلم بما ينبغي أن يذاع، أو يكتم. ثمّ في هذه الآية تأديب لمن يحدّث بكلّ ما سمع، وكفى به كذبا، وافتراء، وزورا أن يحدّث الإنسان بما سمع قبل تمحيصه، والتأكّد من صحّته. قال الرسول ﷺ :
«كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكلّ ما سمع». أخرجه مسلم في مقدّمة صحيحه عن أبي هريرة، ﵁.
وفي مختصر ابن كثير: ولنذكر هاهنا حديث عمر-﵁-المتّفق على صحّته حين بلغه: أنّ رسول الله ﷺ طلّق نساءه، فجاء من منزله حتّى دخل المسجد، فوجد النّاس يقولون ذلك، فلم يصبر؛ حتى استأذن على النبيّ ﷺ ، فاستفهمه: أطلقت نساءك؟! فقال: «لا!» فقلت:
стр. 1249
الله أكبر، وذكر الحديث بطوله. وعند مسلم، فقلت: أطلقتهنّ؟! فقال: «لا!» فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلّق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ..﴾. إلخ، فقال-﵁: فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. انتهى. وانظر الآية رقم [٥٩] ففيها بحث جيّد. وقد استنبط الإمام عليّ-﵁-أنّ أقلّ مدّة الحمل ستة أشهر من آية (البقرة): ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ..﴾. إلخ، ومن آية (الأحقاف): ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: ولولا إحسانه، وكرمه ببعثة محمّد ﷺ ، وإنزال القرآن، ورحمته، وعنايته بالتوفيق، والهداية. ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ أي: زخارفه، ووساوسه، وبقيتم على الكفر، والجهل، والضّلالة. وما كنتم عليه من عبادة الحجارة والأوثان. ﴿إِلاّ قَلِيلاً:﴾ اختلف في هذا الاستثناء وإلى ماذا يرجع؟ فأحسن ما قيل فيه: إنه راجع إلى اتّباع الشيطان، وهو قول الضحّاك، واختاره الزّجاج، ومعلوم: أنّ صرف الاستثناء إلى ما يليه، ويتّصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد. وتقديره: ولولا فضل الله عليكم، ورحمته؛ لاتبعتم الشّيطان إلا قليلا منكم، وهم قوم آمنوا، واهتدوا قبل مبعث النبيّ ﷺ ، مثل: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وقس بن ساعدة الإيادي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): انظر الآية رقم [٨١]. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، ومفعوله. ﴿أَمْرٌ:﴾ فاعله والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المرجوح المشهور. ﴿مِنَ الْأَمْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَمْرٌ﴾. ﴿أَوِ الْخَوْفِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَذاعُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. وقيل: الباء زائدة، والضمير مجرور لفظا، منصوب محلاّ على أنّه مفعول به، والأصل: أذاعوه، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محلّ لها. و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ:﴾ انظر إعراب مثله في الآية السابقة. ﴿وَإِلى أُولِي:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكّر السالم، وحذفت النون للإضافة. و ﴿أُولِي﴾ مضاف. و ﴿الْأَمْرِ:﴾ مضاف إليه.
﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾. ﴿لَعَلِمَهُ:﴾ اللام: واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾). (علمه): فعل ماض، ومفعوله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها، و (﴿لَوْ﴾) ومدخولها معطوف على (﴿إِذا﴾) ومدخولها، لا محلّ له مثله. ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ:﴾ مضارع مرفوع، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف عطف. أو استئناف. (﴿لَوْلا﴾): حرف امتناع لوجود. ﴿فَضْلُ:﴾
مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار
стр. 1250
ومجرور متعلقان ب ﴿فَضْلُ﴾. ﴿وَرَحْمَتُهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والخبر محذوف وجوبا، تقديره: موجود، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ﴿لاتَّبَعْتُمُ:﴾ اللام: واقعة في جواب (﴿لَوْلا﴾). (اتبعتم): فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْلا﴾) لا محلّ لها، و (﴿لَوْلا﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محلّ له على الاعتبارين. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿قَلِيلاً:﴾ منصوب على الاستثناء.
﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤)﴾
الشرح: نزلت الآية الكريمة في مواعدة رسول الله ﷺ أبا سفيان موسم بدر الصّغرى، بعد حرب أحد، وذلك في ذي القعدة، فلمّا بلغ الميعاد دعا رسول الله ﷺ الناس إلى الخروج، فكرهه بعضهم فأنزل الله الآية. وانظر تفصيل ذلك في الآية رقم [١٧٢] من سورة (آل عمران) وما بعدها؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: لإعلاء كلمته، ونصر دينه. ﴿لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ﴾ أي: لا تلزم فعل غيرك، ولا تؤاخذ به، بل جاهد في سبيل الله؛ ولو وحدك، فإنّ الله ناصرك بلا جنود، وقد وعدك النصر عليهم، وهو لا يخلف الميعاد. فخرج رسول الله ﷺ في سبعين راكبا إلى بدر الصّغرى، فكفاهم الله القتال، ورجعوا سالمين، وعاتب الله من تخلف عن رسول الله ﷺ بهذه الآية على ترك الجهاد، والخروج معه. وفي الآية دليل على أنّ النبيّ ﷺ كان أشجع الناس، وأعلمهم بأمور القتال، ومكايده؛ لأنّ الله تعالى أمره بالقتال، ولو لم يكن أشجع الناس؛ لما أمره بذلك، كيف لا؛ وقد قال ﷺ : «والله لأقاتلنّهم حتّى تنفرد سالفتي»؟! وموقفه في غزوة هوازن حينما هرب المسلمون، وثبت في مكانه، وهو يقول: «أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب». وقد قال عليّ بن أبي طالب-﵁: كنّا إذا اشتدّ البأس؛ اتّقينا برسول الله ﷺ . كلّ ذلك يشهد بشجاعته ﷺ .
ولقد اقتدى به الصدّيق-﵁-في قتال أهل الردّة من بني حنيفة الّذين منعوا الزّكاة، وارتدّ بعضهم عن الإسلام، فعزم على الخروج إلى قتالهم وحده، فقال: والله لو خالفني يميني؛ لجاهدتهم بشمالي.
﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: حضّهم على الجهاد، ورغّبهم في الثواب، وليس عليك في شأنهم إلا التّحريض، فحسب، لا التوبيخ، والتعنيف. هذا؛ والحرض: الفساد في البدن، وفي المذهب، وفي العقل، والرجل الفاسد: المريض، ومنه: الهزال بسبب همّ، وغمّ. قال تعالى
стр. 1251
حكاية عن قول أولاد يعقوب لأبيهم: ﴿قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾. والحضّ، والتحريض: الحثّ على الشّيء بكثرة تزيينه، وتسهيله للإنسان. قال الله تعالى في سورة (الأنفال): ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. إلخ.
﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ..﴾. إلخ: أي: يكف بطش الكافرين، وشدّتهم، وهم قريش، وقد كفّ الله بأسهم بالرّعب، كما رأيت، فلم يخرجوا، و (﴿عَسَى﴾) في الأصل للترجّي، ولكنّها في جانب الله، وكرمه للتّحقيق، والتأكيد، وهي هنا مطمعة، والإطماع من الله واجب، على أنّ الطّمع قد جاء في كلام الربّ على الوجوب، ومنه قوله تعالى في سورة (الشعراء) حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ وقال ابن مقبل: [الكامل]
ظنّي بهم كعسى وهم بتنوفة... يتنازعون جوائز الأمثال
﴿وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً﴾ أي: صولة، وأعظم سلطانا، وأشدّ انتقاما من أعدائه. ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً:﴾ عقوبة، وانتقاما، ونكّلت بالرّجل تنكيلا من النّكال، وهو اسم ما يجعل عبرة للغير، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦٦]: ﴿فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٣٨]: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ﴾.
انظر شرح الآيتين في محلهما.
خاتمة: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: إن قال قائل: نحن نرى الكفّار في بأس، وشدّة، وقلتم: إنّ (﴿عَسَى﴾) بمعنى اليقين، فأين ذلك الوعد؟ قيل له: قد وجد هذا الوعد، ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدّوام، فمتى وجد؛ ولو لحظة مثلا؛ فقد صدق الوعد، فقد كفّ الله بأس المشركين ببدر الصّغرى، وأخلفوا ما كانوا عاهدوا الرّسول ﷺ من الحرب، والقتال:
﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾. ومثله ما حصل في غزوة الحديبية، وفي غزوة الأحزاب، وأخرج اليهود من ديارهم، وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم، مع أنّه قد دخل من اليهود والنصارى العدد الكثير والجمّ الغفير تحت الجزية صاغرين، وتركوا المحاربة داخرين، فكفّ الله بأسهم عن المؤمنين. والحمد لله رب العالمين. انتهى بتصرف. وأقول: إنّ الله يكف بأس الكافرين عن المؤمنين، وأمّا المسلمون المنافقون المزيّفون؛ فلا يكفّ عنهم بأس الكافرين.
بعد هذا: في الآية الكريمة حضّ على الجهاد، والقتال في سبيل الله، كما قال الرسول ﷺ للمؤمنين في غزوة بدر، وهو يسوّي الصفوف: «قوموا إلى جنّة عرضها السّماوات والأرض».
وقد وردت أحاديث كثيرة ترغّب في ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاريّ عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصّلاة، وآتى الزّكاة، وصام رمضان كان حقّا على الله أن يدخله الجنّة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه الّتي ولد
стр. 1252
فيها». قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر النّاس بذلك؟ فقال: «إنّ في الجنّة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله؛ بين كلّ درجتين كما بين السّماء والأرض. فإذا سألتم الله؛ فاسألوه الفردوس، فإنّه وسط الجنّة، وأعلى الجنّة، وفوق عرش الرّحمن، ومنه تفجّر أنهار الجنّة».
الإعراب: ﴿فَقاتِلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب شرط مقدّر، وهي التي تسمّى الفصيحة، وتقدير الكلام: إذا كان الأمر كما ذكر من عدم طاعة المنافقين، وكيدهم، وتقصير الآخرين في مراعاة أحكام الإسلام؛ فقاتل أنت وحدك، غير مكترث بما فعلوا. وفي السّمين: أنّه معطوف على قوله: ﴿فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾. انتهى. جمل. (قاتل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:
أنت، ومفعوله محذوف؛ إن لم تعتبره لازما. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُكَلَّفُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره: أنت. وهو المفعول الأوّل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَفْسَكَ:﴾ مفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لا تُكَلَّفُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَحَرِّضِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت.
والجملة معطوفة على جملة: (قاتل...) إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنّون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿عَسَى:﴾ فعل ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو ناقص. ﴿اللهِ:﴾
اسمه. ﴿أَنْ يَكُفَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والمصدر المؤوّل منهما في محل نصب خبر (﴿عَسَى﴾) وهو يؤوّل باسم الفاعل؛ أي: كافّا؛ لأنّه لا يخبر عن (﴿عَسَى﴾) بمصدر إلا بتأويله.
وفاعله يعود إلى (الله). ﴿بَأْسَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَاللهُ أَشَدُّ:﴾
مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَكُفَّ﴾ المستتر، والرابط:
الواو، وإعادة اللفظ الكريم للتفخيم. ﴿بَأْساً:﴾ تمييز. ﴿وَأَشَدُّ:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿تَنْكِيلاً:﴾ تمييز. وجملة: ﴿عَسَى..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محلّ لها.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥)﴾
الشرح: (الشفاعة) هي التوسّل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسّل يسمّى: الشّفيع.
والشّفاعة الحسنة هي الّتي روعي فيها حقّ مسلم، ودفع بها عنه شرّ، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حدّ من حدود الله، ولا في
стр. 1253
حقّ من حقوق العباد. والسّيّئة: ما كانت بخلاف ذلك. وقيل: الشفاعة الحسنة، هي الدعوة للمسلم؛ لأنّها في معنى الشفاعة إلى الله، فعن أم الدّرداء-﵂-قالت: حدّثني سيدي: أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا دعا الرّجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة: ولك بمثل ذلك». رواه مسلم، وأبو داود.
وعن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: كان رسول الله ﷺ جالسا، فجاء رجل يسأل، فأقبل علينا بوجهه، وقال: «اشفعوا؛ تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء». متّفق عليه.
هذا؛ و (الكفل): النصيب، قال تعالى في آخر سورة (الحديد): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ..﴾. إلخ. والشّافع يؤجر فيما يجوز، وإن لم يشفّع؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿مَنْ يَشْفَعْ،﴾ ولم يقل: يشفّع، ورحم الله من قال في الشّكر على المعروف سلفا: [البسيط]
لأشكرنّك معروفا هممت به... إنّ اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يجره قدر... فالشّيء بالقدر المقدور مصروف
﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ أي: قادرا مقتدرا، قال الزّبير بن عبد المطلب-ولم يدرك النبوة-: [الوافر]
وذي ضغن نفيت السّوء عنه... وكنت على إساءته مقيتا
أي: قديرا، فالمعنى: أنّ الله تعالى يعطي كلّ إنسان قوته، ومنه قول النبيّ ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقيت» وفي رواية: (من يقوت). رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم عن عبد الله بن عمرو-﵄-وأمّا قول السّموءل بن عادياء اليهودي: [الخفيف]
ألي الفضل أم عليّ إذا حو... سبت إنّي على الحساب مقيت
فقال فيه الطبري: إنّه من غير هذا المعنى المتقدّم، وإنّه بمعنى: الموقوف. هذا؛ وفي الآية الكريمة فن المقابلة، كما في الآية رقم [٧٦] وهذه من المحسّنات البديعيّة، وهي أن يؤتى بمعنيين، أو أكثر، ثمّ يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَشْفَعْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ تقديره: هو. ﴿شَفاعَةً:﴾ مفعول مطلق.
﴿حَسَنَةً:﴾ صفة: ﴿شَفاعَةً﴾. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص جواب الشرط مجزوم. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُنْ﴾ مقدّم. ﴿نَصِيبٌ:﴾ اسمه مؤخّر. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿نَصِيبٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿يَكُنْ..﴾. إلخ: لا محلّ لها؛ لأنّها
стр. 1254
جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، أو «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها.
وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾
اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: (مقيت). و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مُقِيتاً:﴾
خبر (كان) والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ:﴾ التحية: تفعلة من: حييت، فالأصل: تحيية، مثل: ترضية، وتسمية: فأدغموا الياء في الياء، والتحيّة: السّلام، وأصل التّحية: الدعاء بالحياة، والتحية:
الملك، قال عمرو بن معدي كرب الزّبيدي: [الوافر]
أؤمّ بها أبا قابوس حتّى... أنيخ على تحيّته بجندي
أراد على ملكه، وقال زهير بن جناب الكلبي: [مجزوء الكامل]
ولكلّ ما نال الفتى... قد نلته إلاّ التّحيّة
ونقل عن مالك، وأبي حنيفة-رحمهما الله تعالى-أنّهما قالا: المراد ب ﴿حُيِّيتُمْ:﴾ الهبة؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوها﴾. والصحيح: أنّ التحية هنا السّلام، لقوله تعالى في سورة (المجادلة): ﴿وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ،﴾ وفي كثير من الآيات قوله تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ وعلى هذا جماعة المفسرين، وإذا ثبت، وتقرّر؛ ففقه الآية أن يقال: أجمع العلماء على أنّ الابتداء بالسلام سنة مرغّب فيها، وردّه فريضة لقوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ والمعنى: إذا سلم عليكم أحد بسلام؛ فردّوا بأحسن منه، يزيد الراد: وبركاته، وإن قال المسلّم: (السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته) لا يزيد الرادّ شيئا بل يرد هذا الكلام بعينه فقط. قال الله مخبرا عن البيت الكريم في سورة (هود) على نبينا وحبيبنا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة وألف سلام: ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. فإن انتهى بالسّلام غايته زدت في ردّك: الواو في أوّل كلامك، فقلت: وعليك السّلام ورحمة الله، وبركاته. والردّ بالمثل أن يقول لمن قال: السّلام عليك: عليك السّلام. إلا أنّه ينبغي أن يكون كلّه بلفظ الجماعة؛ وإن كان المسلّم عليه واحدا، ذكرا كان، أو أنثى، فإنّ معه الملائكة، وكذلك الردّ يكون بلفظ الجمع، وكذلك يرد السّلام بلفظ الجمع لمن قال له: فلان يقرئك السّلام، أو قرأ رسالة فيها لفظ السّلام عليكم؛ لأنّ الكتاب من الغائب كالسّلام من الحاضر. وروي عن ابن عباس-﵄: أنّه كان يرى ردّ الكتاب واجبا، كما يرى ردّ السّلام.
стр. 1255
بقي أن تعرف: أنّه اختلف العلماء في البدء بالسّلام على الكافر، والردّ عليه، فجوز بعضهم ذلك، فقال النّخعي-رحمه الله تعالى-إذا كانت لك حاجة عند يهوديّ، أو نصرانيّ، فابدأه بالسلام. فظهر بذلك: أنّ قول النبي ﷺ ، الّذي رواه أبو هريرة-﵁: «لا تبدءوا اليهود والنّصارى بالسّلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق، فاضطرّوهم إلى أضيقه». رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدءوهم بالسّلام من قضاء ذمام، أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة، أو جوار أو سفر... إلخ.
قال الطبري-رحمه الله تعالى-: وقد روي عن السّلف: أنّهم كانوا يسلّمون على أهل الكتاب. وفعل ابن مسعود-﵁-بدهقان صحبه في طريقه، قال علقمة: فقلت له: يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدءوا بالسلام؟ قال: نعم، ولكن حقّ الصحبة. وسئل الأوزاعيّ عن مسلم مرّ بكافر، فسلّم عليه؟ فقال: إن سلمت؛ فقد سلم الصّالحون قبلك، وإن تركت؛ فقد ترك الصّالحون قبلك. انتهى. قرطبي في غير هذا الموضع.
أقول: لم يتعرّض للكلام في الردّ عليهم أحد، وأذكر ما رواه أنس-﵁-قال:
قال رسول الله ﷺ : «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم». رواه الستّة إلا النّسائي، وهذا يعني: أنّه لا يردّ ﵈ كاملا، ولكن في هذا العصر كثر الاختلاط بهم، وتغيّرت الأوضاع، كما هو معروف، ومعلوم، فإذا كان قد أجاز بعض العلماء بدأهم بالسّلام كما رأيت، فردّ السّلام عليهم كاملا؛ فهو جائز بالأحرى، ولا سيّما في هذا العصر الذي ضعفت فيه الرّوحانية الإسلاميّة عند كثير من المسلمين، وكذلك ما أصاب المسلمين من ضعف، وهوان في هذه الأيام، وإن أراد المسلم التبرئة من التّبعة؛ فلينو بالردّ عليهم، والسّلام عليهم الملائكة الّذين يكتبون أعمالهم، وتصرّفاتهم في جميع أحوالهم، وكذلك ينوي المسلمين من الجنّ الذين يكونون قريبا منهم. أقول هذا؛ والله وليّ التوفيق. وأضيف: أنّه لا يردّ عليهم بالرّحمة، والبركة، بل يكتفي بقوله: وعليكم السّلام.
وينبغي أن تعلم لفظ: (السّلام عليكم) تحية الإسلام، لم تعرفها العرب، ولا العالم كلّه، وتحيّة العرب كانت بألفاظ، مثل: أنعم صباحا، أنعم مساء، ونحو ذلك، ويروى: أنّ أبا ذر ﵁-لمّا أتى النبي ﷺ ، قال له: أنعم صباحا، فقال له-صلوات الله وسلامه عليه-:
«إنّ الله قد أبدلني ما هو خير منها» فقال أبو ذرّ: ما هي؟ قال: «السّلام عليكم». ونهي الرّسول ﷺ عن التشبّه باليهود، والنّصارى بالسّلام، فقد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ليس منّا من تشبّه بغيرنا، لا تشبّهوا باليهود، ولا بالنّصارى، فإنّ تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وإنّ تسليم النّصارى بالأكفّ». رواه الترمذيّ، والطبرانيّ. وعن ابن مسعود-﵁-عن النبيّ ﷺ ، قال: «السّلام: اسم من أسماء الله
стр. 1256
تعالى وضعه في الأرض، فأفشوه بينكم، فإنّ الرّجل إذا مرّ بقوم، فسلّم عليهم، فردّوا عليه؛ كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إيّاهم، فإن لم يردّوا عليه؛ ردّ عليه من هو خير منهم». رواه الطبرانيّ والبزّار.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ انظر الآية رقم [٨١]. ﴿حُيِّيتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح. ﴿بِتَحِيَّةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَحَيُّوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (﴿إِذا﴾).
(حيوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿بِأَحْسَنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجرّ الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للصفة، ووزن أفعل. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (أحسن). ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف.
﴿رُدُّوها:﴾ فعل، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة بأمر على جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها مثله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿حَسِيباً﴾ و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿حَسِيباً:﴾ خبر: ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً (٨٧)﴾
الشرح: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ تقرير للوحدانية؛ لئلا يتوهم: أنّ في الوجود إلها آخر. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: نزلت في الذين شكّوا في البعث، والحشر بعد الموت.
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ:﴾ ليحشرنّكم بعد أن يخرجكم من قبوركم. ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ:﴾ هو الذي يخرج الناس فيه من قبورهم للحساب والجزاء، وأصل القيامة: القوامة؛ لأنّها من قام يقوم؛ قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة مثل: الصّيام، والسّياط، ونحوهما. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شكّ فيه، بل هو متحقق الوقوع، وتقول: رابني هذا الأمر، أي: أوقعني في ريبة، أي: في شكّ، وحقيقة الرّيبة: قلق النفس، واضطرابها. قال الرسول ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». أخرجه الترمذيّ، والنّسائيّ عن الحسن بن عليّ، سبط رسول الله ﷺ ، وريحانته-﵃. وقد يستعمل الريب في التهمة، قال جميل بن معمر العذري: [الطويل]
بثينة قالت يا جميل أربتني... فقلت كلانا يا بثين مريب
واستعمل أيضا في الحاجة، كما قال كعب بن مالك الأنصاري-﵁: [الوافر]
стр. 1257
قضينا من تهامة كلّ ريب... وخير ثمّ أجمعنا السّيوفا
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ أي: لا أحد أصدق من الله في إخباره، ووعده، ووعيده؛ لاستحالة الكذب عليه لقبحه؛ لكونه إخبارا عن الشّيء بخلاف ما هو عليه، فلا إله إلا هو، ولا ربّ سواه.
هذا؛ وقوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ أي: للخلق أجمعين، وهذا في الأعيان، ويقال: أجمع الأمر: إذا عزم عليه، والأمر مجمع، ويقال أيضا: اجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا. قال تعالى حكاية عن قول فرعون، وأشياعه: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾. ولا يقال: أجمع أعوانه، وشركاءه، وإنّما يقال: جمع أعوانه، وشركاءه، وهذا مبنيّ على قاعدة: «يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان». هذا هو الأكثر، والمستعمل، وقد يستعمل كلّ واحد مكان الآخر، قال تعالى في سورة (طه): ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إنّ». ﴿إِلهَ:﴾ اسم: ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، لا محلّ له. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كونه بدلا من اسم: ﴿لا﴾ على المحلّ؛ إذ محله الرّفع على الابتداء. وثانيها: كونه بدلا من: ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنّها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. وثالثها: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى.
والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم (يجمعنكم):
فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التّوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محلّ له، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب القسم المقدّر، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محلّ له، أو هو في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، انظر آية الكرسي. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من كاف الخطاب، التقدير: مفضين. و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية للجنس.
﴿رَيْبَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا﴾. والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ والرابط: الضمير فقط.
وقيل: في محل صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: جمعا لا ريب فيه. والجملة الاسمية:
﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام مفيد للنفي مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصْدَقُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿حَدِيثاً﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة، فلمّا قدّم عليه؛ صار حالا. ﴿حَدِيثاً:﴾ تمييز، وانظر الآية رقم [١٢٢] فهو مثله.
стр. 1258
﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨)﴾
الشرح: اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية، فقد روى مسلم عن زيد بن ثابت-﵁-قال: لمّا خرج رسول الله ﷺ إلى أحد؛ رجع ناس ممّن خرج معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فئتين، قال بعضهم: نقتلهم. وقال بعضهم: لا. فنزلت الآية، فقال ﷺ : «إنّها طيبة، وإنّها تنفي الخبث، كما تنفي النّار خبث الفضّة». أخرجه البخاريّ، ومسلم. والمعنيّ بالمنافقين هنا عبد الله بن أبيّ، وأصحابه الذين خذلوا رسول الله ﷺ يوم أحد، ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا. كما تقدّم في (آل عمران).
وذكر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه: أنّها نزلت في قوم جاءوا إلى المدينة، وأظهروا الإسلام، فأصابهم وباء المدينة، وحمّاها. فأركسوا، فخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من أصحاب النّبيّ ﷺ ، فقالوا: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة، فاجتويناها. فقالوا: أما لكم في رسول الله ﷺ أسوة؟! فقال بعضهم: نافقوا. وقال بعضهم: لم ينافقوا، هم مسلمون، فأنزل الله الآية الكريمة.
﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا:﴾ ردّهم إلى حكم الكفرة، أو نكسهم بأن صيّرهم إلى النار بسبب عنادهم، ومعاصيهم، وحكى الفرّاء: أركسهم، وركسهم؛ أي: ردّهم إلى الكفر، ونكّسهم، وقال النضر بن شميل، والكسائي: والركس، والنكس: قلب الشيء على رأسه، أو ردّا له على آخره، والمركوس: المنكوس. قال أمية بن أبي الصّلت-الذي آمن شعره، وأبى لسانه-في وصف أهل النّار: [البسيط]
فأركسوا في حميم النّار إنّهم... كانوا عصاة وقالوا الإفك والزّورا
﴿بِما كَسَبُوا﴾ أي: بسبب ما اكتسبوا من الأعمال الخبيثة. وقيل: بما أظهروا من الارتداد بعد أن كانوا على النّفاق.
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ:﴾ هذا خطاب للفئة الّتي دافعت عن المنافقين. والمعنى:
أتبتغون أيّها المؤمنون هداية هؤلاء المنافقين الّذين أضلّهم الله عن الهدى. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ يعني: عن الهدى. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً:﴾ فلن تجد له طريقا إلى الهداية. وفي هذا ردّ على القدرية، والمعتزلة القائلين بأنّ العبد يخلق هدايته بنفسه، ولا تنس الالتفات من الغائب إلى الحاضر؛ أي: الخطاب.
هذا؛ والإضلال: خلق فعل الضّلال في العبد. والهداية: خلق فعل الاهتداء في العبد. هذا هو الحقيقة عند أهل السنة، وقد يعترض بعض الناس على خلق فعل الضّلال في العبد، فيقول:
стр. 1259
إذا لا مؤاخذة على العبد! والجواب: أنّ معنى: خلق... إلخ. تقدير ضلاله، وهذا التقدير مبنيّ على علم الله الأزلي بأنّ هذا العبد لو ترك وشأنه؛ لم يختر سوى الكفر، والضلال، ولذا قدّره الله عليه. هذا بالإضافة إلى اختياره الضّلال، بعد أن بيّن الله الخير، والشر، والحسن، والقبيح، كما قال جلّ ذكره، وتعالى شأنه: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بيّنا له طريق الخير، والشر. وانظر الآية رقم [٢٩] من سورة (الأعراف) فإنّه جيد، والحمد لله!.
الإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام إنكاري توبيخي، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿فِي الْمُنافِقِينَ﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿فِئَتَيْنِ﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلمّا قدّم عليه صار حالا على القاعدة المشهورة «نعت النكرة... إلخ». ﴿فِئَتَيْنِ:﴾ حال من الضّمير المستكنّ في: ﴿لَكُمْ،﴾ والعامل اسم الاستفهام لما فيه من معنى الفعل. هذا؛ وقد اعتبره الجلال خبر ل:
«صار» محذوفة، ولذا قدّر: ما شأنكم صرتم في المنافقين فئتين، والأوّل أقوى، وانظر الآية رقم [٧٥] والجملة الاسمية: (ما لكم...) إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿أَرْكَسَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما. و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فهي مبنيّة على السّكون في محل جرّ بالباء. ﴿كَسَبُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء كسبوه. وعلى الثّالث تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جر بالباء، التّقدير: بكسبهم.
﴿أَتُرِيدُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (﴿تُرِيدُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَهْدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل منهما في محل نصب مفعول به.
﴿مَنْ:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أن تهدوا الّذي، أو: شخصا أضلّه الله.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُضْلِلِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والمفعول محذوف؛ إن لم تعتبر اسم الشرط مفعولا مقدّما له، التقدير: يضلله الله. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تَجِدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (لن) والفاعل مستتر
стр. 1260
تقديره: أنت. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿سَبِيلاً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به، وجملة: (لن ﴿تَجِدَ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه. فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب.
وقيل: الجملتان، وهو المرجّح عند المعاصرين. والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩)﴾
الشرح: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ..﴾. إلخ؛ أي: تمنّى، وأحبّ المنافقون أن تكونوا مثلهم في الضّلالة. ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ أي: مثلهم، ومساوين لهم في الكفر، والفساد، والإفساد. ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ..﴾. إلخ؛ أي: لا توالوهم، ولا تصادقوهم؛ حتّى يؤمنوا الإيمان الكامل، ويحقّقوا إيمانهم بالهجرة، والجهاد في سبيل الله. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان، والهجرة في سبيل الله.
﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ..﴾. إلخ؛ أي: خذوهم أسارى، واقتلوهم إن شئتم في أيّ مكان وجدتموهم في حلّ، أو حرم. ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ..﴾. إلخ: تأكيد لما قبله، والمعنى: لا تستنصروهم، ولا تستنصحوهم، ولا تستعينوا بهم في أمر من الأمور، ولو بذلوا لكم الولاية، والنّصرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ والهجرة على أنواع: الأولى: هجرة المؤمنين في أوّل الإسلام من مكّة المكرّمة إلى المدينة المنورة. الثانية: هجرة من لم يهاجر مع رسول الله ﷺ في سبيل الله مخلصين محتسبين.
والهجرة الثالثة: هجرة المؤمنين ما نهى الله عنه، فقد قال سيد الخلق وحبيب الحق ﷺ :
«والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». وهناك هجرة الظالمين، والفاسدين المفسدين.
هذا؛ و: ﴿سَواءً﴾ مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صحّ الإخبار به عن متعدّد. وقيل: هو بمعنى: مستو، وهو لا يثنّى، ولا يجمع. قالوا: هم، وهما سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنّى قالوا: سيّان، وإن شئت قلت: سواءان، وفي الجمع: هم أسواء، وهذا كلّه ضعيف، ونادر.
وأيضا على غير القياس: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون. هذا؛ ويأتي بمعنى: الوسط، كما في قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٥٥]: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾. ويأتي بمعنى: العدل، كما في قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٨]: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾
стр. 1261
﴿عَلى سَواءٍ﴾. و ﴿سَواءَ السَّبِيلِ:﴾ ما استقام منه، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٨]:
﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وسواء الجبل: ذروته. وسواء الشيء:
غيره. قال الأعشى: [الطويل]
تجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما عدلت عن أهلها لسوائكا
هذا؛ وانظر الكلام على ﴿حَيْثُ﴾ في كتابنا: «فتح القريب المجيب».
الإعراب: ﴿وَدُّوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتّفريق. ﴿لَوْ:﴾ مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محلّ نصب مفعول به، التقدير: ودوا كفركم. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمتعلق محذوف. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما):
مصدرية. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. و (ما) والفعل: ﴿كَفَرُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير: لو تكفرون كفرا مثل كفرهم، وانظر: ﴿كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ في الآية رقم [٧٧] ﴿فَتَكُونُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه. ﴿سَواءً:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية. ﴿تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَوْلِياءَ﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جواب شرط مقدّر ب «إذا» التقدير: إذا كان حالهم ما ذكر؛ فلا تتخذوا... إلخ.
﴿حَتّى:﴾ حرف جر وغاية. ﴿يُهاجِرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع، في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.
﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله في محل جزم فعل الشرط، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَخُذُوهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (خذوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب
стр. 1262
متعلق بما قبله. ﴿وَجَدْتُمُوهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، لاتصاله بتاء الفاعل المتحركة، والميم علامة جمع الذكور، وحرّكت بالضم لتحسين اللّفظ، فتولّدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة: ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً:﴾
إعرابها مثل إعراب سابقتها، وهي مؤكّدة لها.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠)﴾
الشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ إلخ: هذا الاستثناء يرجع إلى القتل، والأخذ، لا الموالاة، فإنّها لا تجوز بحال من الأحوال مع الإصرار على الكفر. والمعنى: إلا الذين يتّصلون، وينتهون إلى قوم قد حصل بينكم وبينهم معاهدة، ومهادنة، فإنّهم داخلون في عهدكم أيضا، واجعلوا حكمهم كحكمهم. واختلف في هؤلاء الذين كان بينهم وبين النبي ﷺ ميثاق، فقيل: بنو مدلج، فعن الحسن البصري، قال: كان بينهم وبين قريش عقد، وكان بين قريش وبين رسول الله ﷺ عهد. وقال عكرمة: نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، كان بينهم وبين النبيّ ﷺ عهد. وفي هذه الآية دليل على إثبات المهادنة، والموادعة بين المسلمين، والمشركين؛ إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين.
﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ..﴾. إلخ: هؤلاء قوم آخرون من المستثنيين من الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى مواطن القتال، وهم حصرة صدورهم؛ أي: ضيقة صدورهم، مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم: لا لكم، ولا عليكم. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ:﴾ يذكر الله منّته على المسلمين بكف بأس المعاهدين، وذلك لما ألقى الرّعب في قلوبهم، وكفّهم عن قتالهم. ومعنى التسليط هنا: تقوية قلوبهم على قتال المسلمين، ولكن قذف الله الرّعب في قلوبهم، وكفّهم عن قتال المسلمين. وتسليط الكافرين على المسلمين: هو أن يقدرهم على ذلك، ويقوّيهم عليهم؛ إمّا عقوبة، ونقمة عند إشاعة المنكرات، وظهور المعاصي، كما قال تعالى في سورة (محمّد ﷺ : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ وإمّا تمحيصا للذنوب، كما قال تعالى في سورة (آل عمران): ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ولله أن يفعل ما يشاء، ويسلّط من يشاء على من يشاء إذا شاء.
﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ:﴾ فإن لم يتعرّضوا لكم بقتال، وابتعدوا عنكم. ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: انقادوا، واستسلموا، ولم يتعرّضوا لكم بسوء. ﴿فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾
стр. 1263
يعني: بالقتل، والقتال. بعد هذا فوجه النظم، واتصال الكلام بما قبله: أي: اقتلوا المنافقين الّذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا، وإلا أن يتّصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق، فيدخلون فيما دخلوا فيه، فلهم حكمهم، وإلا الّذين جاءوكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم، أو يقاتلوا قومهم، فدخلوا فيكم؛ لا تقتلوهم.
تنبيه: ما ورد في الآية الكريمة منسوخ بآية السيف الآمرة بقتالهم، سواء قاتلوا، أو لم يقاتلوا، وسواء التجئوا إلى المعاهدة، أو لا، وذلك لأنّ الله لمّا أعزّ الإسلام وأهله؛ أمر أن لا يقبل الرّسول ﷺ من مشركي العرب إلا الإسلام، أو القتل، بل ولا يقبل منهم جزية. وقيل:
المراد بالّذين حصرت صدورهم: الجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين مكرهين، كالعبّاس-﵁-ولهذا نهى النبيّ ﷺ يومئذ عن قتل العباس، وأمر بأسره.
الإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من الضمير المنصوب في قوله: (خذوهم ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾). ﴿يَصِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِلى قَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدّم، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿وَبَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان معطوف على سابقه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِيثاقٌ:﴾ مبتدأ، مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿جاؤُكُمْ:﴾ ماض وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصّلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿حَصِرَتْ:﴾
فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿صُدُورُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها.
وقيل: لا محلّ لها، وهي دعاء عليهم. وقيل غير ذلك، والمعتمد الحالية، ويؤيّده قراءة:
(«حصرة صدورهم»)، و (حصرات صدورهم). ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدر، ونصب. ﴿يُقاتِلُوكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: عن قتالكم، وعن قتال قومهم، أو المصدر في محل جرّ بإضافة مفعول لأجله محذوف، التقدير: كراهة قتالكم، وقتال قومهم.
﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾
ماض، وفاعله، ومفعوله محذوف، تقديره: شاء الله تسليطهم عليكم. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَسَلَّطَهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾). (سلطهم): فعل ماض، والهاء مفعوله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها، و (﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: (لقاتلوكم): معطوفة على جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها مثلها.
стр. 1264
﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِعْتَزَلُوكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف عطف.
(لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُقاتِلُوكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَأَلْقَوْا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَلْقَوْا﴾): فعل ماض مبني على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع الواو التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿إِلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
﴿السَّلَمَ:﴾ مفعول به. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿جَعَلَ اللهُ:﴾
ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلاً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به.
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١)﴾
الشرح: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄: هم بنو أسد، وغطفان، كانوا من حاضري المدينة، فتكلّموا بكلمة الإسلام رياء؛ وهم غير مؤمنين، وكان الرّجل منهم يقول له قومه: بماذا آمنت؟ يقول: آمنت بهذا القرد، والعقرب، والخنفساء. وإذا لقوا المسلمين؛ قالوا: إنا على دينكم، يريدون الأمن من الفريقين. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أنّها نزلت في بني عبد الدار، وكانوا بهذه الصّفة. وهذه رواية ضعيفة؛ لأنّ بني عبد الدار كانوا مقيمين في مكّة المكرمة، ولما آمنوا يوم الفتح؛ لم يظهر منهم نفاق. وانظر الآيات التي ذكرها الله في صدر سورة (البقرة) عن المنافقين، وأقوالهم، وأفعالهم، وخداعهم.
﴿كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ:﴾ كلّما دعوا إلى الشّرك. ﴿أُرْكِسُوا فِيها:﴾ رجعوا إلى الشرك، وانقادوا إليه منكوسين على رءوسهم. وانظر ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ في الآية رقم [٨٨]. ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ يعني: فإن لم يكفّوا عن إيذائكم، ويبتعدوا عنكم. ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: ينقادوا إليكم ظاهرا، وباطنا، ويخضعوا لأحكام دينكم، وشريعتكم. ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن قتالكم، وإيذائكم. ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أي: أسرى. ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ:﴾ حيث وجدتموهم، وتمكّنتم منهم. ومثله في سورة (البقرة) رقم [١٩٠]. هذا؛ والثّقف في الأصل: الحذق في إدراك الشيء
стр. 1265
علما كان، أو عملا، فهو يتضمّن معنى الغلبة، يقال: ثقف، يثقف ثقفا. ويقال: رجل ثقف لقف أي: خفيف حاذق، إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور، فالفعل من باب ظرف، يظرف، ويأتي من باب طرب. قال الشّاعر: [الوافر]
فإمّا تثقفوني فاقتلوني... فمن أثقف فليس إلى خلود
﴿وَأُولئِكُمْ:﴾ الإشارة إلى المنافقين المخادعين. ﴿جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً:﴾ حجة واضحة لظهور عداوتهم، وانكشاف حالهم في الكفر، والغدر، وإضرارهم بالمسلمين، أو تسلطا ظاهرا؛ حيث أذنّا لكم في قتلهم. هذا؛ و (سلطان): تسلّط، وولاية، ويأتي بمعنى الحجّة، والبرهان كما هنا، وكما في قوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾. ويأتي بمعنى الكتاب، قال تعالى في سورة (الرّوم) رقم [٣٥]: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾. وقال بعض المحقّقين: سمّيت الحجّة سلطانا؛ لأنّ صاحب الحجّة يقهر من لا حجّة له، كالسّلطان يقهر غيره بقوّته. وقال الزجّاج: السّلطان: هو الحجّة، وسمّي السلطان سلطانا؛ لأنّه حجّة الله في أرضه. ولا تنس ما قاله عثمان-﵁: «إنّ الله ليزع بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن». أي: يكفّ عن المعاصي، ويروّع. وجمعه بمعنى الحاكم:
سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجّة، والبرهان. هذا؛ وزعم الفرّاء: أنّ العرب تؤنّث السّلطان، فتقول: قضت به عليك السّلطان، أمّا البصريّون؛ فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن الكريم، والتأنيث عندهم جائز؛ لأنّه بمعنى الحجّة. هذا؛ والسّلطان: ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة، كما قال تعالى حكاية عن قول سليمان-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في حقّ الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ رقم [٢١] من سورة (النّمل).
هذا؛ و (﴿مُبِينٍ﴾) اسم فاعل من: أبان الرّباعي، أصله: مبين، بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأنّ الحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، ولا تنس: أنّ اسم الفاعل من: بان الثلاثي، بائن، أصله: باين، فقلبت الياء ألفا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ولم يعتدّ بالألف الزائدة؛ لأنّها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، فصار: بائن، وقل مثله في إعلال: قائل، وقائم.
هذا؛ وقال مكيّ بن أبي طالب القيسيّ-رحمه الله تعالى-في التركيب: ﴿فَإِنْ لَمْ:﴾ دخلت (إن) على: ﴿لَمْ﴾ ليرتدّ الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأنّ (﴿لَمْ﴾) تردّ لفظ المستقبل إلى معنى المضي، و (﴿أَنْ﴾) تردّ الماضي إلى معنى الاستقبال، فلمّا صارت ﴿لَمْ﴾ ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي؛ ردّتها (﴿أَنْ﴾) إلى الاستقبال؛ لأنّ (﴿أَنْ﴾) تردّ الماضي إلى معنى الاستقبال في غير هذا الموضع.