← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

﴿عَلى سَواءٍ﴾. و ﴿سَواءَ السَّبِيلِ:﴾ ما استقام منه، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٨]: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وسواء الجبل: ذروته. وسواء الشيء: غيره. قال الأعشى: [الطويل] تجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما عدلت عن أهلها لسوائكا هذا؛ وانظر الكلام على ﴿حَيْثُ﴾ في كتابنا: «فتح القريب المجيب». الإعراب: ﴿وَدُّوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتّفريق. ﴿لَوْ:﴾ مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محلّ نصب مفعول به، التقدير: ودوا كفركم. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمتعلق محذوف. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. و (ما) والفعل: ﴿كَفَرُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير: لو تكفرون كفرا مثل كفرهم، وانظر: ﴿كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ في الآية رقم [٧٧] ﴿فَتَكُونُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه. ﴿سَواءً:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية. ﴿تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَوْلِياءَ﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جواب شرط مقدّر ب «إذا» التقدير: إذا كان حالهم ما ذكر؛ فلا تتخذوا... إلخ. ﴿حَتّى:﴾ حرف جر وغاية. ﴿يُهاجِرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع، في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله في محل جزم فعل الشرط، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَخُذُوهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (خذوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب

стр. 1262

متعلق بما قبله. ﴿وَجَدْتُمُوهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، لاتصاله بتاء الفاعل المتحركة، والميم علامة جمع الذكور، وحرّكت بالضم لتحسين اللّفظ، فتولّدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة: ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً:﴾ إعرابها مثل إعراب سابقتها، وهي مؤكّدة لها. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠)﴾ الشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ إلخ: هذا الاستثناء يرجع إلى القتل، والأخذ، لا الموالاة، فإنّها لا تجوز بحال من الأحوال مع الإصرار على الكفر. والمعنى: إلا الذين يتّصلون، وينتهون إلى قوم قد حصل بينكم وبينهم معاهدة، ومهادنة، فإنّهم داخلون في عهدكم أيضا، واجعلوا حكمهم كحكمهم. واختلف في هؤلاء الذين كان بينهم وبين النبي ﷺ ميثاق، فقيل: بنو مدلج، فعن الحسن البصري، قال: كان بينهم وبين قريش عقد، وكان بين قريش وبين رسول الله ﷺ عهد. وقال عكرمة: نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، كان بينهم وبين النبيّ ﷺ عهد. وفي هذه الآية دليل على إثبات المهادنة، والموادعة بين المسلمين، والمشركين؛ إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين. ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ..﴾. إلخ: هؤلاء قوم آخرون من المستثنيين من الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى مواطن القتال، وهم حصرة صدورهم؛ أي: ضيقة صدورهم، مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم: لا لكم، ولا عليكم. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ:﴾ يذكر الله منّته على المسلمين بكف بأس المعاهدين، وذلك لما ألقى الرّعب في قلوبهم، وكفّهم عن قتالهم. ومعنى التسليط هنا: تقوية قلوبهم على قتال المسلمين، ولكن قذف الله الرّعب في قلوبهم، وكفّهم عن قتال المسلمين. وتسليط الكافرين على المسلمين: هو أن يقدرهم على ذلك، ويقوّيهم عليهم؛ إمّا عقوبة، ونقمة عند إشاعة المنكرات، وظهور المعاصي، كما قال تعالى في سورة (محمّد ﷺ : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ وإمّا تمحيصا للذنوب، كما قال تعالى في سورة (آل عمران): ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ولله أن يفعل ما يشاء، ويسلّط من يشاء على من يشاء إذا شاء. ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ:﴾ فإن لم يتعرّضوا لكم بقتال، وابتعدوا عنكم. ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: انقادوا، واستسلموا، ولم يتعرّضوا لكم بسوء. ﴿فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾

стр. 1263

يعني: بالقتل، والقتال. بعد هذا فوجه النظم، واتصال الكلام بما قبله: أي: اقتلوا المنافقين الّذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا، وإلا أن يتّصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق، فيدخلون فيما دخلوا فيه، فلهم حكمهم، وإلا الّذين جاءوكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم، أو يقاتلوا قومهم، فدخلوا فيكم؛ لا تقتلوهم. تنبيه: ما ورد في الآية الكريمة منسوخ بآية السيف الآمرة بقتالهم، سواء قاتلوا، أو لم يقاتلوا، وسواء التجئوا إلى المعاهدة، أو لا، وذلك لأنّ الله لمّا أعزّ الإسلام وأهله؛ أمر أن لا يقبل الرّسول ﷺ من مشركي العرب إلا الإسلام، أو القتل، بل ولا يقبل منهم جزية. وقيل: المراد بالّذين حصرت صدورهم: الجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين مكرهين، كالعبّاس-﵁-ولهذا نهى النبيّ ﷺ يومئذ عن قتل العباس، وأمر بأسره. الإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من الضمير المنصوب في قوله: (خذوهم ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾). ﴿يَصِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِلى قَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدّم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان معطوف على سابقه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِيثاقٌ:﴾ مبتدأ، مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿جاؤُكُمْ:﴾ ماض وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصّلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿حَصِرَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿صُدُورُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها. وقيل: لا محلّ لها، وهي دعاء عليهم. وقيل غير ذلك، والمعتمد الحالية، ويؤيّده قراءة: («حصرة صدورهم»)، و (حصرات صدورهم). ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدر، ونصب. ﴿يُقاتِلُوكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: عن قتالكم، وعن قتال قومهم، أو المصدر في محل جرّ بإضافة مفعول لأجله محذوف، التقدير: كراهة قتالكم، وقتال قومهم. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله محذوف، تقديره: شاء الله تسليطهم عليكم. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَسَلَّطَهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾). (سلطهم): فعل ماض، والهاء مفعوله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها، و (﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: (لقاتلوكم): معطوفة على جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها مثلها.

стр. 1264

﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِعْتَزَلُوكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُقاتِلُوكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَأَلْقَوْا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَلْقَوْا﴾): فعل ماض مبني على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع الواو التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿إِلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿السَّلَمَ:﴾ مفعول به. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿جَعَلَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلاً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به. ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١)﴾ الشرح: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄: هم بنو أسد، وغطفان، كانوا من حاضري المدينة، فتكلّموا بكلمة الإسلام رياء؛ وهم غير مؤمنين، وكان الرّجل منهم يقول له قومه: بماذا آمنت؟ يقول: آمنت بهذا القرد، والعقرب، والخنفساء. وإذا لقوا المسلمين؛ قالوا: إنا على دينكم، يريدون الأمن من الفريقين. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أنّها نزلت في بني عبد الدار، وكانوا بهذه الصّفة. وهذه رواية ضعيفة؛ لأنّ بني عبد الدار كانوا مقيمين في مكّة المكرمة، ولما آمنوا يوم الفتح؛ لم يظهر منهم نفاق. وانظر الآيات التي ذكرها الله في صدر سورة (البقرة) عن المنافقين، وأقوالهم، وأفعالهم، وخداعهم. ﴿كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ:﴾ كلّما دعوا إلى الشّرك. ﴿أُرْكِسُوا فِيها:﴾ رجعوا إلى الشرك، وانقادوا إليه منكوسين على رءوسهم. وانظر ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ في الآية رقم [٨٨]. ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ يعني: فإن لم يكفّوا عن إيذائكم، ويبتعدوا عنكم. ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: ينقادوا إليكم ظاهرا، وباطنا، ويخضعوا لأحكام دينكم، وشريعتكم. ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن قتالكم، وإيذائكم. ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أي: أسرى. ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ:﴾ حيث وجدتموهم، وتمكّنتم منهم. ومثله في سورة (البقرة) رقم [١٩٠]. هذا؛ والثّقف في الأصل: الحذق في إدراك الشيء

стр. 1265

علما كان، أو عملا، فهو يتضمّن معنى الغلبة، يقال: ثقف، يثقف ثقفا. ويقال: رجل ثقف لقف أي: خفيف حاذق، إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور، فالفعل من باب ظرف، يظرف، ويأتي من باب طرب. قال الشّاعر: [الوافر] فإمّا تثقفوني فاقتلوني... فمن أثقف فليس إلى خلود ﴿وَأُولئِكُمْ:﴾ الإشارة إلى المنافقين المخادعين. ﴿جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً:﴾ حجة واضحة لظهور عداوتهم، وانكشاف حالهم في الكفر، والغدر، وإضرارهم بالمسلمين، أو تسلطا ظاهرا؛ حيث أذنّا لكم في قتلهم. هذا؛ و (سلطان): تسلّط، وولاية، ويأتي بمعنى الحجّة، والبرهان كما هنا، وكما في قوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾. ويأتي بمعنى الكتاب، قال تعالى في سورة (الرّوم) رقم [٣٥]: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾. وقال بعض المحقّقين: سمّيت الحجّة سلطانا؛ لأنّ صاحب الحجّة يقهر من لا حجّة له، كالسّلطان يقهر غيره بقوّته. وقال الزجّاج: السّلطان: هو الحجّة، وسمّي السلطان سلطانا؛ لأنّه حجّة الله في أرضه. ولا تنس ما قاله عثمان-﵁: «إنّ الله ليزع بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن». أي: يكفّ عن المعاصي، ويروّع. وجمعه بمعنى الحاكم: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجّة، والبرهان. هذا؛ وزعم الفرّاء: أنّ العرب تؤنّث السّلطان، فتقول: قضت به عليك السّلطان، أمّا البصريّون؛ فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن الكريم، والتأنيث عندهم جائز؛ لأنّه بمعنى الحجّة. هذا؛ والسّلطان: ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة، كما قال تعالى حكاية عن قول سليمان-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في حقّ الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ رقم [٢١] من سورة (النّمل). هذا؛ و (﴿مُبِينٍ﴾) اسم فاعل من: أبان الرّباعي، أصله: مبين، بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأنّ الحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، ولا تنس: أنّ اسم الفاعل من: بان الثلاثي، بائن، أصله: باين، فقلبت الياء ألفا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ولم يعتدّ بالألف الزائدة؛ لأنّها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، فصار: بائن، وقل مثله في إعلال: قائل، وقائم. هذا؛ وقال مكيّ بن أبي طالب القيسيّ-رحمه الله تعالى-في التركيب: ﴿فَإِنْ لَمْ:﴾ دخلت (إن) على: ﴿لَمْ﴾ ليرتدّ الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأنّ (﴿لَمْ﴾) تردّ لفظ المستقبل إلى معنى المضي، و (﴿أَنْ﴾) تردّ الماضي إلى معنى الاستقبال، فلمّا صارت ﴿لَمْ﴾ ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي؛ ردّتها (﴿أَنْ﴾) إلى الاستقبال؛ لأنّ (﴿أَنْ﴾) تردّ الماضي إلى معنى الاستقبال في غير هذا الموضع.

стр. 1266

الإعراب: ﴿سَتَجِدُونَ:﴾ السين: حرف تنفيس، واستقبال، وهو مفيد للتّحقيق هنا. (تجدون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿آخَرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَأْمَنُوكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والمصدر المؤوّل من: ﴿أَنْ﴾ والفعل بعدها في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يُرِيدُونَ..﴾. إلخ في محل نصب صفة: ﴿آخَرِينَ﴾ وإذا اعتبرنا ﴿آخَرِينَ﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: قوما آخرين، فجملة: ﴿يُرِيدُونَ..﴾. إلخ تصلح لأنّ تكون صفة ثانية لهذا المحذوف، ولأن تكون حالا منه لوصفه ب ﴿آخَرِينَ﴾. ﴿وَيَأْمَنُوا:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله، ومؤوّل مثله بمصدر. ﴿قَوْمَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿سَتَجِدُونَ..﴾. إلخ مستأنفة. ﴿كُلَّما:﴾ انظر الآية رقم [٥٦]. ﴿رُدُّوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، و (ما) والفعل ﴿رُدُّوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت رد، وهذا التقدير وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل). ﴿إِلَى الْفِتْنَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أُرْكِسُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب: ﴿كُلَّما﴾ لا محلّ لها. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و ﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَعْتَزِلُوكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وهو فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، والفعلان: (﴿يُلْقُوا﴾) و (﴿يَكُفُّوا﴾) معطوفان على فعل الشرط مجزومان مثله. ﴿إِلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَيْدِيَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿فَخُذُوهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (خذوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وجملة: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلّق بما قبله. ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحرّكت بالضم لتحسين اللّفظ، فتولّدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿حَيْثُ﴾ إليها، و (إن) ومدخولها كلام مفرّع عمّا قبله، ومستأنف لا محلّ له.

стр. 1267

﴿وَأُولئِكُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿أُولئِكُمْ﴾): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف: حرف خطاب لا محلّ له. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الأول. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما أيضا، ويجوز اعتبارهما متعلّقين بمحذوف حال من: ﴿سُلْطاناً﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا، على القاعدة... إلخ ﴿سُلْطاناً:﴾ مفعول به. ﴿مُبِيناً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿جَعَلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (﴿أُولئِكُمْ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢)﴾ الشرح: نزلت الآية الكريمة في عيّاش بن أبي ربيعة المخزومي، وذلك: أنّه أتى رسول الله ﷺ ، وهو بمكّة قبل الهجرة، فأسلم، ثمّ خاف أن يظهر إسلامه لأهله، فخرج هاربا إلى المدينة، وتحصّن في أطم من آطامها. والأطم: الحصن، فجزعت أمّه لذلك جزعا شديدا، وقالت لابنيها: الحارث، وأبي جهل، وهما أخوا عيّاش لأمّه: والله لا يظلّني سقف، ولا أذوق طعاما، ولا شرابا حتى تأتياني به، فخرجا في طلبه، وخرج معهما الحارث بن زيد بن أنيسة، حتّى أتوا المدينة، فأتوا عياشا، وهو في الأطم، فقالوا له: انزل، فإنّ أمّك لم يؤوها سقف بعدك، وقد حلفت لا تأكل، ولا تشرب حتّى ترجع إليها، ولك عهد الله علينا ألا نكرهك على شيء يحول بينك وبين دينك! فلمّا ذكروا له جزع أمه، وأوثقوا له العهد بالله نزل إليهم. فأخرجوه من المدينة، وأوثقوه بنسعة، وجلده كلّ واحد منهما مائة جلدة، ثم قدموا به على أمّه، فلمّا أتاها؛ قالت: لا أحلك من وثاقك حتّى تكفر بالذي آمنت به! ثمّ تركوه موثقا في الشّمس ما شاء الله، فأعطاهم الّذي أرادوا، فأتاه الحارث بن زيد، فقال: يا عياش! أهذا الذي كنت عليه؛ لئن كان هدى؛ لقد تركت الهدى، ولئن كان ضلالة؛ لقد عكفت عليها، فغضب عيّاش-﵁-من مقالته، وقال: والله لا ألقاك خاليا إلا قتلتك! ثمّ إنّ عيّاشا-﵁-رجع إلى إسلامه، وهاجر، وأسلم الحارث بن زيد أيضا، وهاجر إلى رسول الله ﷺ ولم يعلم عيّاش بإسلامه، فبينما عياش-﵁-يسير بظهر قباء؛ إذ لقي الحارث، فقتله، فقال له الناس:

стр. 1268

ويحك يا عياش! أيّ شيء فعلت؟ إنّه قد أسلم، فرجع عياش إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله! إنّه كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، وإنّي لم أشعر بإسلامه؛ حتّى قتلته، فنزل قوله تعالى: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ. وفي مختصر ابن كثير: أنّ عياشا-﵁ قتل الحارث يوم فتح مكّة. ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ:﴾ ما صحّ له، ولا استقام، وما ينبغي. والتعبير بهذين اللفظين ونحوهما معناه: الحظر، والمنع، فيجيء لحظر الشيء، والحكم بأنّه لا يجوز، كما في هذه الآية، ومثلها كثير، وربما كان امتناع ذلك الشّيء عقلا، كقوله تعالى في سورة (النّمل): ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾. وربما كان العلم بامتناعه شرعا، كما في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٧٩]، وقوله تعالى في سورة (الشّورى) رقم [٥١]: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً..﴾. إلخ. وربما كان في المندوبات، كما تقول على سبيل التوبيخ: ما كان لك يا فلان أن تترك صلاة الصبح، والعشاء في الجماعة، ونحو ذلك. ﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً﴾ أي: عمدا بدون موجب لقتله. ﴿إِلاّ خَطَأً﴾ أي: في حال خطئه. هذا؛ وقيل: الخطأ على أنواع: منها: أن يقصد الإنسان شيئا، كعصفور مثلا، فيصيب إنسانا، لا يقصد قتله. ومنها: أن يرمي كافرا، فيصيب مسلما. ومنها: أن يرمي شخصا يظنّه كافرا، فإذا هو مسلم، كالذي فعله عياش-﵁. ومنها: أن يقتل صبيّ كبيرا. وألحق بعضهم بها شبه العمد، وهو أن يضربه بما لا يقتل غالبا. ومنها: نوم الأم على ولدها حتّى يموت، وهي لا تعلم بذلك، وحوادث السّيارات في هذه الأيام تعدّ من القتل خطأ (١). ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾ أي: في أيّ نوع من الأنواع المذكورة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ..﴾. إلخ: أي: يجب على الذي يقتل مؤمنا خطأ أن يعتق عبدا مؤمنا كفارة لما فعل، وذلك بعد دفع الدّية لأولياء القتيل. هذا؛ والتّحرير: الإعتاق، وعبّر بالرّقبة عن الإنسان من إطلاق الجزء على الكلّ، وانظر شرح (أهل) في الآية رقم [٥٨]. ﴿إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي: يعفو ورثة القتيل عن الدّية، أو عن بعضها، وانظر الآية رقم [١٧٨] من (سورة (البقرة)). هذا؛ والدّية على العاقلة (٢)، أي: على أقرباء القاتل، وأمّا الكفارة فهي على القاتل نفسه. هذا؛ وتقسم دية القتيل على ورثته، كما تقسم أمواله، فقد ورّث النّبيّ ﷺ

стр. 1269

امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها-أي: ديته-و ﴿يَصَّدَّقُوا﴾ أصله: يتصدقوا، فقلبت التاء صادا، وأدغمت الصّاد في الصّاد. هذا؛ وقد سمّى الله العفو عن الدّية، أو عن بعضها صدقة؛ حثّا عليه، وتنبيها على فضله. هذا؛ والدّية: ما يجري عليها الاتفاق في العملة النّقدية المتداولة في كل قطر من أقطار الدّنيا، ولا يلتفت لمن يتبجّح، ويذكر أنّ الدية مائة جمل، فإنّه لا وجود لمائة جمل في هذه الأيام، ويضرب بفتواه عرض الحائط. ﴿فَإِنْ كانَ﴾ أي: القتيل خطأ. ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ..﴾. إلخ: وهم كفرة، والمقتول مؤمن؛ فيجب على القاتل إعتاق عبد مؤمن، وهذا يحصل ويكون بإسلام حربيّ في بلاده، ولم يهاجر إلينا. فقتله مسلم خطأ، أي: لا يعرف إيمانه، فيجب فيه الكفارة بقتله للعصمة المؤثّمة، وهي الإسلام، ولا تجب الدّية؛ لأنّ العصمة المقومة بدخول دار المسلمين، ولم توجد. وسقطت الدية لوجهين: أحدهما: أنّ أولياء القتيل كفّار، فلا يصحّ أن تدفع إليهم الدّية، فيتقووا بها علينا. والثاني: أنّ حرمة هذا الذي آمن، ولم يهاجر قليلة، فلا دية له، لقوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٧٢]: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾. ومن القتل الخطأ ما تراه في الآية رقم [٩٤] الآتية وقصّة أسامة-﵁-فيها. ﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ أي: وإن كان المقتول ذمّيّا؛ أي: معاهدا، أو داخلا بأمان؛ فحكمه حكم المسلم في دفع الدية لورثته، والكفّارة. قاله ابن عباس، والشّعبيّ، والنّخعي، والشّافعيّ، واختاره الطبريّ، وأجمع العلماء على أنّ دية المرأة على النّصف من دية الرجل، من أجل أن لها نصف ميراث الرّجل، وشهادة امرأتين بشهادة رجل، وهذا إنّما هو في دية الخطأ. وأمّا العمد؛ ففيه القصاص بين الرّجال، والنساء. انظر الآية رقم [١٧٨] من سورة (البقرة). ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: لم يجد الرقبة، وهي في هذه الأيام مفقودة حسّا، وشرعا، ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ أي: فعليه، أو: فالواجب صيام شهرين متتابعين، فلو أفطر يوما في آخر الشهرين بغير عذر شرعيّ؛ استأنف الصيام. ﴿تَوْبَةً مِنَ اللهِ﴾ أي: قبولا من الله، ورحمة منه، أي: حيث خفّف بدفع الدية، ولم يشدّد عليكم بالقصاص. أو المعنى: جعل الله ذلك مغفرة لقاتل الخطأ، وإنّما مسّت حاجة المخطئ إلى التّوبة، والمغفرة؛ لأنّه لم يتحرّز، وكان من حقّه أن يتحفّظ، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾. ﴿وَكانَ اللهُ:﴾ ولا يزال في أزله، وأبده. ﴿عَلِيماً:﴾ بجميع المعلومات، وأمور العباد: سرّها، وجهرها. ﴿حَكِيماً:﴾ فيما قضى، وحكم، وأوجب، وأبرم.

стр. 1270

تنبيه: من وجبت عليه كفارة القتل، وعجز عن الصّوم؛ فهل ينتقل عنه إلى الإطعام، فيطعم ستين مسكينا؟ ففيه قولان: أحدهما: أنّه ينتقل إلى الإطعام، كما في كفارة الظّهار، والوطء في رمضان. والثاني: أنّه لا ينتقل؛ لأنّ الله تعالى لم يذكر له بدلا، فقال: ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ﴾ فنصّ على الصّوم، وجعل ذلك عقوبة لقتل الخطأ، والله أعلم. انتهى خازن، وقرطبي. أقول: وإذا انتقل إلى الإطعام، وهو الأولى؛ فليفهم معنى الإطعام، وقوله تعالى في كفارة اليمين في سورة المائدة: ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ رقم [٨٩]، ولا يأخذ بقول من يفتي بإعطاء المسكين مدّ قمح، فيعتبر المسكين حمامة، أو دجاجة، وقال تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فأين مدّ القمح في هذه الأيام من كسوة المسكين؟ فليتّق أولئك المشايخ الله، وليعملوا بنصّ الآيات القرآنية الصّريحة الواضحة. بعد هذا و (دية) أصله: ودي؛ لأنّه من ودى يدي، فحذفت فاء المصدر، وعوض عنه التاء في الآخر، مثل: زنة، وعدة، و «عدو» ضدّ الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل: صبور، وشكور. وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والمفرد والمثنّى، والجمع، إلا لفظا واحدا جاء نادرا، قالوا: هذه عدوة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ الآية رقم [٦] من سورة (فاطر) فقد عبّر به، عن مفرد، وفي هذه الآية عبّر به عن جمع، ومثل ذلك: صديق، أي: في إتيانه لفظ واحد للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وجمع عدو: أعداء، وأعاد، وعدات، وعدى. وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع، وفي القاموس المحيط: والعدا بالضمّ، والكسر: اسم الجمع. هذا؛ وسمّي العدو عدوا؛ لعدوه عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع بك، والقضاء عليك، كما سمّي الصديق صديقا؛ لصدقه فيما يدّعيه لك من الألفة، والمحبّة، والمودّة. أمّا «قوم» فإنّه اسم جمع، لا واحد له من لفظه، مثل: نفر، ورهط، ومعشر، فإنّ المفرد لهذه الأسماء: رجل، وجمعها: أقوام، وأنفار، وأراهط. هذا؛ و «قوم» يطلق على الرجال دون النساء، بدليل قوله تعالى في سورة (الحجرات): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ،﴾ وقال زهير بن أبي سلمى: وهو الشاهد رقم [٥٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر] وما أدري-وسوف إخال أدري-... أقوم آل حصن أم نساء وربما دخل فيه النساء على سبيل التّبع للرّجال، كما في إرسال الرّسل لأقوامهم؛ إذ إنّ كلّ لفظ: (يا قوم) في القرآن الكريم، إنّما يراد به الرّجال، والنّساء جميعا، كما في هذه الآية الكريمة، وهو يذكّر، ويؤنث، قال تعالى في غير ما آية: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وتأنيثه باعتبار

стр. 1271

المعنى، وهم أنّهم أمة، وطائفة، وجماعة، وسمّوا: قوما؛ لأنّهم يقومون مع داعيهم بالشّدائد، والمتاعب، إما بالمعاونة على كشفها، وإما بالمضايقة، والإيذاء؛ إن عارضوه، وهذا حال أعداء الخير، والإصلاح في كلّ زمان، ومكان. هذا؛ وأمّا (صيام) ففعل المادة واويّ: صام، يصوم، ومصدره: صوم، وصيام، وقد قلبت الواو ياء في الثاني لمناسبة الكسرة، ومثله: قيام مصدر: قام: يقوم، فقد ذكر السّيوطي-رحمه الله تعالى-في كتابه: «همع الهوامع» في باب الإبدال ما يلي: تبدل الياء بعد كسرة من واو، هي عين مصدر لفعل معتل العين، موزون بفعال نحو: قام قياما، وعاد، عيادا، بخلاف عين غير المصدر كصوان وسواك، والمصدر المفتوح أوله، كرواج، أو المضموم، كقوار، أو المكسور أوله، الذي لم تعلّ عين فعله، ك «لاوذ، لواذا، وعاد، عوادا» أو الموزون، بفعل كالحول، وتبدل أيضا بعد كسرة من واو، هي جمع لواحد ساكن العين، أو معتلها، صحيح اللام موزون بفعال، كثوب، وثياب، وحوض، وحياض، ودار، وديار، وريح، ورياح، بخلاف عين المفرد. انتهى. وأمّا «الشهر» ففيه لأهل اللغة قولان: أشهرها: أنّه اسم لمدة الزّمان الذي يكون مبدؤها الهلال ظاهرا إلى أن يستتر، سمّي بذلك؛ لشهرته في حاجة النّاس إليه في المعاملات، وغيرها. والثاني قاله الزجّاج: أنّه اسم للهلال نفسه، ويجمع على: أشهر، وشهور. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِمُؤْمِنٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَنْ يَقْتُلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والمصدر المؤوّل منهما في محلّ رفع اسم: ﴿كانَ﴾ مؤخر. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة، فالمصدر يكون فاعلا بها، والجار والمجرور متعلقان بها. ﴿مُؤْمِناً:﴾ مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿خَطَأً:﴾ حال من فاعل: ﴿يَقْتُلَ﴾ المستتر بمعنى: مخطئا، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: إلا قتلا خطأ. وقال مكيّ-رحمه الله تعالى-: استثناء منقطع، وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: مفعول لأجله، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو حرف عطف، أو استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿قَتَلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿مُؤْمِناً:﴾ مفعول به. ﴿خَطَأً:﴾ صفة مفعول مطلق، أو حال من الفاعل المستتر. ﴿فَتَحْرِيرُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (تحرير): مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فعليه تحرير، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب تحرير. و (تحرير) مضاف، و ﴿رَقَبَةٍ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿مُؤْمِنَةٍ:﴾ صفة رقبة،

стр. 1272

والجملة الاسمية في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا، فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: فعليه، أو: فالواجب تحرير رقبة في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين لا محلّ لها، إن اعتبرتها مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها. ﴿وَدِيَةٌ:﴾ معطوف على: (تحرير). ﴿مُسَلَّمَةٌ:﴾ صفة: (دية). ﴿إِلى أَهْلِهِ:﴾ متعلقان ب (مسلمة)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ يَصَّدَّقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل منهما في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال؛ أي: عليه ما ذكر في كلّ حال إلا في حال تصدّق أهل القتيل، فلا يجب شيء. وقال مكي: استثناء منقطع؛ لأنّه ليس من جنس ما قبله. وقيل: المصدر المؤول في محلّ جرّ بإضافة «حين» إليه محذوفة، التقدير: إلا حين تصدقهم على القاتل، و «حين» على هذا متعلّقة ب ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر يعود إلى القتيل. ﴿مِنْ قَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿عَدُوٍّ:﴾ صفة ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿عَدُوٍّ﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مُؤْمِنٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من اسم كان المستتر، والرابط الواو والضمير، وإن اعتبرتها معترضة؛ فلا محلّ لها، وجملة: ﴿فَتَحْرِيرُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط. وإعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق، و (إن) ومدخولها كلام مفرّع عمّا قبله مستأنف لا محلّ له. ﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدّم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِيثاقٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة: ﴿قَوْمٍ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الظرف (بين) متعلقا بمحذوف صفة: ﴿قَوْمٍ،﴾ و ﴿مِيثاقٌ﴾ فاعلا بمتعلقه، فهو وجه صحيح لا غبار عليه. ﴿فَدِيَةٌ..﴾. إلخ: إعرابه مثل إعراب سابقه بلا فارق مع ملاحظة التقديم والتأخير في الكلمات. و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَجِدْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وهو فعل

стр. 1273

الشرط، والفاعل يعود إلى (من) والمفعول محذوف، التقدير: فعليه صيام، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب صيام، والجملة في محلّ جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) على اعتباره شرطا، أو موصولا تقدّم مثله آنفا، و (صيام) مضاف، و ﴿شَهْرَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مُتَتابِعَيْنِ:﴾ صفة: ﴿شَهْرَيْنِ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿تَوْبَةً:﴾ حال من القاتل المكفّر عن فعله، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: فليتب توبة. وقال أبو البقاء، ومكيّ: مفعول لأجله. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿تَوْبَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣)﴾ الشرح: نزلت الآية الكريمة في مقيس بن ضبابة الكناني، وكان قد أسلم هو وأخوه هشام، فوجد أخاه هشاما قتيلا في محلّة بني النجار، فأخبر بذلك النبي ﷺ فكتب له إليهم يقول: إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة؛ فادفعوه إلى أخيه مقيسة ليقتصّ منه، وإن لم تعلموه؛ فادفعوا إليه دية أخيه، وكان الرّسول ﷺ قد أرسل مع مقيس رجلا من بني فهر، فقال بنو النجار: سمعا وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم قاتلا، ولكنّا نؤدي إليه دية أخيه، فأعطوه مائة من الإبل، وانصرف مقيس، والفهري راجعين نحو المدينة، فأتى الشيطان مقيسا، فوسوس إليه، فقال له: تقبل دية أخيك لتكون عليك سبّة، اقتل الفهري الذي معك، فتكون نفس مكان نفس، وفضل الدية لك، فتغفل الفهري، فرماه بصخرة فقتله، ثم ركب بعيرا، وساق بقيتها راجعا إلى مكّة كافرا، وقال في ذلك: [الطويل] قتلت به فهرا وحمّلت عقله... سراة بني النّجار أرباب فارع حللت به وترى وأدركت ثورتي... وكنت إلى الأصنام أوّل راجع فارع: حصن بالمدينة. فقال رسول الله ﷺ : «لا أؤمّنه في حلّ ولا حرم» وأمر بقتله يوم فتح مكة، وهو متعلّق بأستار الكعبة. هذا؛ والقتل ثلاثة أنواع: قتل الخطأ، وقد ذكر في الآية السابقة، وقتل شبه العمد، وهو متردّد متوسّط بين الخطأ والعمد، فالضرب مقصود والقتل غير مقصود به، فيسقط القود، وتغلّظ الدية، وتلزم الكفارة، وبمثل ذلك جاءت السنّة المطهّرة. فقد روى أبو داود من حديث عبد الله بن

стр. 1274

عمرو-﵄-أنّ رسول الله ﷺ قال: «ألا إنّ دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسّوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها». وروى الدارقطني عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «العمد قود اليد، والخطأ عقل لا قود فيه، ومن قتل في عمّية بحجر، أو عصا، أو سوط، فهو دية مغلّظة في أسنان الإبل». وروى أيضا من حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «عقل شبه العمد مغلّظ مثل العمد، ولا يقتل صاحبه». وقال الإمام أحمد: العمّيّ: هو الأمر الأعمى للعصبية لا تستبين ما وجهه. أمّا العمد بأن يقصد قتله بما يقتل غالبا، عالما بإيمانه، فيجب فيه القود، والكفارة في ماله على المتعمّد، وكان مالك، والشافعي-﵄-يريان على قاتل العمد الكفارة، كما في الخطأ، قال الشّافعي-﵁: إذا وجبت الكفارة في الخطأ؛ فلأن تجب في العمد أولى، وقال: إذا شرع السّجود في السهو؛ فلأن يشرع في العمد أولى. وقيل: إنّ القاتل عمدا، إنّما تجب عليه الكفارة إذا عفي عنه فلم يقتل، فأمّا إذا قتل فلا تؤخذ من ماله، ومن قتل نفسه فعليه الكفارة في ماله، أقول: وهذا يحملنا حينئذ على الانتقال من الصّيام إلى الإطعام؛ لأنّ من قتل قودا، أو قتل نفسه تعذّر صيامه. وقد احتجّ من ذهب إلى وجوب الكفارة في قتل العمد بما رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى: عن واثلة بن الأسقع-﵁-قال: أتى النبيّ ﷺ نفر من بني سليم، فقالوا: إنّ صاحبا لنا قد أوجب: (أي: فعل فعلا يوجب له النار) فقال ﷺ : «فليعتق رقبة يفدي الله بكلّ عضو منها عضوا منه من النّار». هذا واختلفوا في الجماعة يقتلون الرّجل خطأ، أو عمدا، أو شبه عمد، فقالت طائفة: على كلّ واحد منهم الكفارة، كذلك قال الحسن، وعكرمة، والنّخعي، والحارث العكلي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقالت طائفة: عليهم كلّهم كفارة واحدة، ويتصوّر قتل الجماعة رجلا خطأ في الجماعة يرمون بالمنجنيق، فيقتلون رجلا، وأقول: لم يذكر أحد الواحد يقتل الجماعة خطأ، كما يقع في حوادث السّيارات في هذه الأيام، فأقول وبالله التوفيق: إنّه يجب كفارة لكلّ واحد، كما تجب دية لكلّ واحد. بعد ما تقدّم فالآية الكريمة تذكر: أنّ جزاء قاتل غيره عمدا الخلود في جهنّم، وغضب الله عليه، ولعنة الله عليه، والعذاب العظيم المعدّ له يوم القيامة. وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذّنب العظيم، الذي هو مقرون بالشّرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، وأمّا الأحاديث الشّريفة في تحريم القتل؛ فكثيرة جدّا، فمن ذلك ما يلي: عن ابن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أوّل ما يقضى بين النّاس يوم القيامة في الدّماء». رواه الستّة إلا أبا داود.

стр. 1275

وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات» قيل: يا رسول الله! وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل مال اليتيم، وأكل الرّبا، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». رواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما. وعن البراء بن عازب-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لزوال الدّنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حقّ». رواه ابن ماجة. وزاد الأصبهاني فيه: «ولو أنّ أهل سماواته، وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن؛ لأدخلهم الله النّار». وروى ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة، ويقول: «ما أطيبك، وما أطيب ريحك، ما أعظمك، وما أعظم حرمتك، والّذي نفس محمّد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك، ماله، ودمه». وعن أبي سعيد، وأبي هريرة-﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «لو أنّ أهل السّماوات وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن؛ لأكبّهم الله في النّار». رواه الترمذيّ. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة؛ لقي الله مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة الله». رواه ابن ماجة، والأصبهاني. وعن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنّة (١)، وإنّ ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما». رواه البخاري، وغيره. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من تردّى من جبل، فقتل نفسه فهو في نار جهنّم يتردّى فيها خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن تحسّى سمّا، فقتل نفسه، فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا». رواه الشيخان. بعد هذا فهل لقاتل المؤمن عمدا توبة؟ فيه خلاف. والمعتمد: أنّ له توبة، وهو ما عليه الجمهور من سلف الأمة، وخلفها: أنّ القاتل له توبة فيما بينه وبين الله ، فإن تاب، وأناب، وخشع، وخضع، وعمل صالحا بدّل الله سيئاته حسنات، وعوّض المقتول من ظلامته، وأرضاه عن ظلامته، قال تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً﴾ وهذا خبر لا يجوز نسخه. وقال تعالى في سورة (الزّمر): ﴿*قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ﴾

стр. 1276

﴿اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ..﴾. إلخ، وهذا عامّ في جميع الذنوب، فكلّ من تاب؛ تاب الله عليه. وفي هذه السّورة قبل الآية التي الكلام فيها وبعدها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾. وثبت في الصّحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثمّ سأل عالما: هل له من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ والحديث مشهور مسطور، وإذا كان هذا في بني إسرائيل؛ فلأن يكون في هذه الأمّة التوبة مقبولة بطريقة الأولى والأحرى؛ لأنّ الله وضع عنا الآصار، والأغلال التي كانت عليهم، وبعث نبينا ﷺ بالحنيفيّة السّمحة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. تنبيه: تعلّقت المعتزلة، ومن يقول بقولهم بهذه الآية لصحّة مذهبهم على أنّ الفاسق مرتكب الكبائر يخلّد في النار، وأجاب أهل السنة بأنّ الآية نزلت في كافر قتل مسلما، فتكون الآية على هذا مخصوصة. وقيل: هذا لمن قتل مسلما مستحلاّ قتله، ومن استحلّ قتل مسلم فهو كافر، وهو مخلّد في النار. وقيل: إنّ الخلود كناية عن طول المكث. والله أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَقْتُلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مُؤْمِناً:﴾ مفعول به. ﴿مُتَعَمِّداً:﴾ حال من فاعل: ﴿يَقْتُلْ﴾ المستتر. ﴿فَجَزاؤُهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (جزاؤه): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه. ﴿خالِداً:﴾ حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، وساغ ذلك؛ لأنّ المضاف قد عمل فيه، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله أو كان جزء ماله أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِداً،﴾ وقال أبو البقاء-رحمه الله تعالى-: ﴿خالِداً:﴾ حال من محذوف، تقديره: يجزاها خالدا فيها، فإن شئت جعلته من الضمير المرفوع، وإن شئت جعلته من المنصوب، ولا يجوز أن يكون حالا من الهاء في: (جزاؤه) لوجهين: أحدهما: أنّه حال من المضاف إليه، والثاني: أنّه فصل بين صاحب الحال، والحال بخبر المبتدأ، وهو أجنبي، ونقل الجمل عن السّمين مثله. أقول: الأول منتقض لكون المضاف عمل في المضاف إليه، والثاني ينتقض باعتبار الجملة المقدّرة حالا من الضمير نفسه، واعتبارها مستأنفة غير جيّد. ﴿وَغَضِبَ اللهُ:﴾ ماض وفاعله.

стр. 1277

﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل غضب، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، تدلّ عليها الجملة الشرطية، التقدير: حكم الله بأنّ جزاءه ذلك، وغضب عليه. والجملتان بعدهما معطوفتان أيضا عليها، والجملة المقدّرة، وما عطف عليها كلّها في محل نصب حال مثل: ﴿خالِداً فِيها﴾ وهي على تقدير «قد» قبلها، والاستئناف ممكن. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ﴿إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ سافرتم، وذهبتم إلى الغزو في سبيل إعلاء كلمة الله. فقد استعير الضّرب للسّعي في قتال الأعداء، واستعير السّبيل له لدين الله. ﴿فَتَبَيَّنُوا:﴾ من التبيين، أي: فاطلبوا بيان الأمر، ولا تعجلوا فيه. وقرئ: («فتثبتوا») من الثبات، وهو قريب من معنى الأول. ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً:﴾ حيّاكم بتحية الإسلام، وتنفون إيمانه، وتقولون: قالها خوفا، وتقيّة من قتله. ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ تطلبون الغنيمة بقتله، الّتي هي من حطام الدنيا، سريعة النّفاد، والذّهاب. ﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ:﴾ هذه عدة من الله تعالى بما يأتي به في المستقبل على وجهه، ومن حله دون ارتكاب محظور، فلا تتهافتوا. ﴿كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم خوفا منهم على أنفسكم. ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتكرّم الله عليكم بإعزاز الدين، وغلبة المشركين حتّى أظهرتم. ﴿فَتَبَيَّنُوا:﴾ أعاد الأمر بالتّبيين للتّأكيد. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً:﴾ تحذير من مخالفة أمر الله، أي: احفظوا أنفسكم، وجنّبوها الزّلل، والخطأ الموبق. وفي الآية الكريمة ردّ على المعتزلة، والقدرية، فإنّ الله أخبر: أنّه منّ على المؤمنين من بين الخلائق حيث خصّهم بالتّوفيق، والهداية للإيمان، وخذ ما يلي: قال ابن عباس-﵄: نزلت الآية الكريمة في رجل من بني مرّة بن عوف، يقال له: مرداس بن نهيك، وكان من أهل فدك لم يسلم من قومه غيره، فسمعوا بسرية لرسول الله ﷺ تريدهم، وكان على السرية رجل يقال له: غالب بن فضالة الليثي، فهربوا منه، وأقام ذلك الرّجل المسلم، فلمّا رأى الخيل؛ خاف ألا يكونوا مسلمين، فألجأ غنمه إلى سفح جبل، وصعد هو الجبل، فلمّا تلاحقت الخيل؛ سمعهم يكبّرون، فعرف: أنّهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، فكبّر؛

стр. 1278

ونزل، وهو يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السّلام عليكم، فتغشّاه أسامة بن زيد-﵁-بسيفه، فقتله، واستاق غنمه، ثمّ رجعوا إلى رسول الله ﷺ ، وأخبروه الخبر، فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وجدا شديدا، وكان قد سبقهم الخبر، فقال رسول الله ﷺ : «أقتلتموه إرادة ما معه؟!»، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ على أسامة هذه الآية، فقال أسامة-﵁: يا رسول الله استغفر لي! فقال: «كيف أنت بلا إله إلاّ الله؟!» يقولها ثلاث مرات. قال أسامة-﵁: فما زال رسول الله ﷺ يكرّرها حتى وددت أنّي لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي رسول الله ﷺ ، وقال: «أعتق رقبة»، وبعث رسول الله ﷺ ديته إلى أهله، وردّ عليهم غنيماته. وفي الآية دليل على صحّة إيمان المكره، وأنّ المجتهد قد يخطئ، وأنّ خطأه مغتفر. وروى أبو ظبيان عن أسامة-﵁-قال: قلت: يا رسول الله! إنّما قالها خوفا من السّلاح، فقال ﷺ : «أفلا شققت عن قلبه حتّى تعلم أقالها خوفا أم لا؟». خازن. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: والذي عليه الأكثر، وهو في سيرة ابن إسحاق، ومصنف أبي داود، والاستيعاب لابن عبد البر: أنّ القاتل محلّم بن جثّامة، والمقتول عامر بن الأضبط، فقد دعا رسول الله ﷺ على محلّم، فما عاش بعد ذلك إلا سبعا، ثم دفن؛ فلم تقبله الأرض، ثمّ دفن فلم تقبله، ثمّ دفن ثالثة فلم تقبله، فلمّا رأوا: أنّ الأرض لا تقبله ألقوه في بعض الشّعاب. فقال رسول الله ﷺ : «إنّ الأرض لتقبل من هو شرّ منه». هذا؛ وعرض الحياة الدنيا: حطامها الفاني، وإنّما سمّى سبحانه منافع الدنيا: عرضا؛ لأنّه لا ثبات له، ولا دوام. ومنه: الدّنيا عرض حاضر يأكل منه البرّ، والفاجر، فكأنّها تعرض، ثم تزول، بخلاف منافع الآخرة فإنّها دائمة لا انقطاع لها. وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض، إنّما الغنى غنى النّفس». وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى، فنظمه: [الطويل] تقنّع بما يكفيك واستعمل الرّضا... فإنّك لا تدري أتصبح أم تمسي فليس الغنى عن كثرة المال إنّما... يكون الغنى والفقر من قبل النّفس ورحم الله من قال: [الطويل] غنى النّفس ما يكفيك من سدّ خلّة... فإن زاد ما يكفيك عاد الغنى فقرا و ﴿عَرَضَ﴾ بفتح العين والرّاء هنا، وهو بضم العين وسكون الراء: ناحية الشيء، من أي وجه جئته، وهو بفتح العين وسكون الراء: ضد الطول، وهو بكسر العين وسكون الراء: النفس، يقال: أكرمت عنه عرضي، أي: صنت عنه نفسي، وهو أيضا: رائحة الجسد، وغيره، طيبة كانت، أو خبيثة، يقال: فلان طيّب العرض، أو: منتن العرض.

стр. 1279

﴿لَسْتَ:﴾ حذف عينه لالتقاء السّاكنين: الياء والسين، إذ أصله: ليس بكسر الياء، ثم سكنت للتخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأنّ التّخفيف بالتّسكين في الجامد أسهل من القلب، فلمّا اتصل بضمير رفع متحرك؛ سكنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: ﴿لَسْتَ﴾. الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء، تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا). و (ها): حرف تنبيه، لا محلّ له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه حينئذ يجب نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من: (﴿أَيُّهَا﴾). وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿ضَرَبْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَتَبَيَّنُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب: ﴿إِذا﴾. (تبينوا): فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب: ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام متصل بالجملة الندائية لا محلّ له مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَقُولُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع مقولها الآتي معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿أَلْقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها. ﴿إِلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿السَّلامَ:﴾ مفعول به. ﴿لَسْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون والتاء اسمها. ﴿مُؤْمِناً:﴾ خبرها، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿تَبْتَغُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرّابط الضمير فقط. ﴿عَرَضَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف. و ﴿الْحَياةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ:﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿فَعِنْدَ:﴾ الفاء: أراها الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر؛ إذ التقدير: وإذا كنتم تبتغون عرض الحياة الدنيا؛ فعند الله... إلخ. (عند): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدّم، و (عند) مضاف،

стр. 1280

و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مَغانِمُ:﴾ مبتدأ مؤخّر. ﴿كَثِيرَةٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب للشّرط المقدّر ب «إذا». ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلّقان بمحذوف خبر (كان) تقدّم عليها وعلى اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كُنْتُمْ﴾. و ﴿قَبْلُ:﴾ مبني على الضم في محلّ جرّ لقطعه من الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿فَمَنَّ:﴾ الفاء: هي الفصيحة لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. (تبيّنوا): فعل أمر وفاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب للشرط المقدّر. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى: ﴿اللهِ﴾. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَبِيراً﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جرّ بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالّذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى المصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جرّ بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيراً﴾ التقدير: خبيرا بعملكم. ﴿خَبِيراً:﴾ خبر: ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محلّ لها. ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥)﴾ الشرح: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ﴾ أي: عن الجهاد في سبيل الله. ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ:﴾ المرض، أو العاهة من عمى، أو عرج، أو زمانة، ونحوها. ﴿وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ..﴾. إلخ أي: لا يكونوا في منزلة واحدة عند الله، وعند رسوله. هذا؛ والفعل «يستوي» من الأفعال التي لا تكتفي بواحد، فلو قلت: استوى زيد؛ لم يصحّ، فمن هنا لزم العطف على الفاعل. أو تعدّده، فقد نفى الله التّساوي بين المجاهد، والقاعد بغير عذر-وإن كان معلوما عند كلّ إنسان-توبيخا للقاعد عن الجهاد، وتحريكا له عليه؛ ليرغّب فيه رفعا لرتبته، وأنفة عن انحطاط منزلته، ونحوه قوله تعالى في سورة (الزّمر): ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فهو تحريك لطلب العلم، وتوبيخ على الرّضا بالجهل. ﴿وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ:﴾ قدّم الله في هذه الآية وغيرها الجهاد بالمال على النّفس؛ لأنّ المال شقيق الرّوح، وقد يبذل الإنسان روحه، وحياته في سبيل المال، وقد يهدر

стр. 1281

كرامته، وشرفه، ومروءته في سبيله، وكثير من النّاس يسبب لهم المال العذاب الأليم في نار الجحيم، وذلك حينما لم يراقبوا الله تعالى في جمعه، وإنفاقه. ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ يعني: فضيلة، وكرامة في الآخرة. قال ابن عباس-﵄: أراد بالقاعدين هنا: أولي الضرر، وفضّل الله المجاهدين عليهم درجة؛ لأنّ المجاهد باشر الجهاد بنفسه، وما أدراكم ما الدّرجة؟ هي كما بين السّماء، والأرض. وانظر الحديث في الآية رقم [٨٤]، وخذ ما يلي: روى أبو هريرة-﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إنّ في الجنّة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدّرجتين، كما بين السّماء والأرض». أخرجه البخاريّ. ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ أي: كلاّ من المجاهدين، والقاعدين وعده الله الجنة بإيمانه بربّه، وتصديقه بنبيّه ﷺ . ﴿وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً:﴾ المراد ب: ﴿الْقاعِدِينَ:﴾ الذين لا عذر لهم، ونكر ﴿أَجْراً﴾ لزيادة التعظيم، والتفخيم بمعنى: لا يعلمه إلا الله، ولا تنس الطّباق بين ﴿الْمُجاهِدِينَ﴾ و ﴿الْقاعِدِينَ﴾ وهو من المحسّنات البديعية. هذا؛ و «المال» قال فيه ابن الأثير: المال في الأصل: كل ما يملك من الذهب، والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى، ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق عند العرب على الإبل؛ لأنّها كانت أكثر أموالهم، وقال الجوهري: ذكر بعضهم: أنّ المال يؤنّث، وأنشد لحسان-﵁: [البسيط] المال تزري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال وعن الفضل الضّبّي: المال عند العرب الصّامت، والنّاطق، فالصّامت: الذهب، والفضّة، والجواهر، والناطق: البعير، والبقرة، والشاة، فإذا قلت عن بدويّ: كثر ماله؛ فهو الناطق. وإذا قلت عن حضريّ: كثر ماله؛ فهو الصامت. هذا؛ والنّشب يطلق على المال الثابت، كالضّياع، والدور، قال عمرو بن معدي كرب الزّبيدي-﵁-في ذلك، وهو الشّاهد رقم [٥٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٤٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط] أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب هذا؛ وقال الرسول ﷺ : «من تواضع لغنيّ لغناه؛ فقد ذهب ثلثا دينه». وإنّما كان كذلك؛ لأنّ الإيمان متعلّق بثلاثة أشياء: المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فإذا تواضع بلسانه، وأعضائه، فقد ذهب الثّلثان، فإذا انضمّ إليها القلب فقد ذهب الكلّ. و «غير» اسم شديد في الإبهام ك «مثل» لا يتعرّف بالإضافة لمعرفة، وغيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها، إن فهم المعنى، أو تقدّمت عليها كلمة «ليس». يقال: قبضت

стр. 1282

عشرة ليس غير. وهو مبنيّ على الضم، أو على الفتح خلاف. وإن أردت الزيادة؛ فانظر بحثها في كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. أمّا «أولي» فهو بمعنى أصحاب، لا واحد له من لفظه، وإنّما واحده «ذي» المضاف إن كان مجرورا، و «ذا» المضاف إن كان منصوبا، و «ذو» المضاف إن كان مرفوعا. وأمّا «الحسنى» فهي مؤنث: الأحسن الذي هو أفعل تفضيل، لا مؤنث: أحسن؛ المقابل لامرأة حسناء، والحسنى ضد السّوأى. خاتمة: اعلم: أنّ الجهاد ينقسم إلى: فرض عين، وفرض كفاية، ففرض العين: أن يدخل العدو دار قوم من المؤمنين، وبلادهم فيجب على كلّ مكلّف من الرّجال ممّن لا عذر له، ولا ضرر به من أهل تلك البلدة الخروج إلى عدوّهم دفعا عن أنفسهم، وعن أهليهم، وجيرانهم، سواء في ذلك الغني، والفقير، فيجب على الكافة، وهو في حقّ من بعد عنهم من المسلمين فرض كفاية، فإن لم تقع الكفاية بمن نزل بهم العدو، فتجب مساعدتهم على من قرب منهم من المسلمين، أو بعد عنهم. انتهى. خازن. هذا؛ وأمّا أهل الضّرر الذين ذكرهم الله في هذه الآية؛ فلهم أجرهم إن كانت نيّتهم الجهاد لولا الأعذار التي منعتهم من الخروج إلى الجهاد. فعن أنس بن مالك-﵁، قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي ﷺ فقال: «إنّ أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا، ولا واديا، إلاّ وهم معنا، حبسهم العذر». رواه البخاري. وعن أبي الدّرداء يبلغ به النبي ﷺ قال: «من أتى فراشه؛ وهو ينوي أن يقوم يصلّي من اللّيل، فغلبته عيناه حتّى أصبح؛ كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربّه». رواه النّسائيّ، وابن ماجة. وعن أبي موسى-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مرض العبد، أو سافر؛ كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا». رواه البخاريّ، وأبو داود. ورحم الله من يقول: [البسيط] يا راحلين إلى البيت العتيق لقد... سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا إنّا أقمنا على عذر وعن قدر... ومن أقام على عذر فقد راحا الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَوِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْقاعِدُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْقاعِدُونَ﴾ أو من الضمير المستتر فيه، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿غَيْرُ:﴾ بالرّفع صفة: ﴿الْقاعِدُونَ﴾ أو بدل

стр. 1283

منه، ويقرأ بالنّصب على الحال، أو الاستثناء من: ﴿الْقاعِدُونَ،﴾ ويقرأ بالجر على أنّه صفة للمؤمنين، أو بدل منه، و ﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و ﴿أُولِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿أُولِي﴾ مضاف، و ﴿الضَّرَرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْمُجاهِدُونَ﴾ معطوف على: ﴿الْقاعِدُونَ﴾ مرفوع مثله. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان ب: (﴿الْمُجاهِدُونَ﴾)، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف. و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِأَمْوالِهِمْ:﴾ متعلقان ب (﴿الْمُجاهِدُونَ﴾) أيضا. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جرّ بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَسْتَوِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَضَّلَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿الْمُجاهِدِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم... إلخ. ﴿بِأَمْوالِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿الْمُجاهِدِينَ﴾. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الْقاعِدِينَ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿فَضَّلَ﴾. ﴿دَرَجَةً:﴾ مفعول به ثان، أو هو منصوب بنزع الخافض؛ أي: بدرجة، أو هو مفعول مطلق؛ لأنّه دال على المرّة، وتضمّن معنى التفضيل. وقيل: هو حال بمعنى: ذوي درجة، وهو ضعيف. وجملة: ﴿فَضَّلَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. (﴿كُلاًّ﴾): مفعول به أول مقدّم. ﴿وَعَدَ اللهُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿الْحُسْنى:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذّر. هذا؛ ويقرأ برفع («كل») على أنّه مبتدأ، أي: كلّهم، والجملة الفعلية خبره، والرابط محذوف، التقدير: وعده الله الحسنى، والجملة سواء أكانت فعلية، أم اسميّة معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها. ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله. ﴿عَلَى الْقاعِدِينَ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿فَضَّلَ﴾. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول مطلق، عامله: ﴿فَضَّلَ﴾ لأنّه بمعنى: أجر، أو هو مفعول به ثان على تأويل: ﴿فَضَّلَ﴾ ب: «أعطى» وقيل: هو منصوب بنزع الخافض، أي: بأجر. وقيل: هو حال من: (﴿دَرَجاتٍ﴾) لأنّه كان صفة له... إلخ، وهو غير صحيح، وجملة: ﴿وَفَضَّلَ اللهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وهي مؤكّدة لها لفظا، ومعنى، وما بينهما اعتراض. ﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦)﴾ الشرح: ﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ:﴾ منازل بعضها فوق بعض من الكرامة، هي من فضل الله، وكرمه على المجاهدين في سبيله. قيل: هي سبع. وقيل: سبعون. وقيل: سبعمائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السّماء، والأرض. هذا والحكمة من ذكر ﴿دَرَجَةً﴾ في الآية السابقة، وذكر ﴿دَرَجاتٍ﴾ في هذه الآية، فإنّ الدّرجة الأولى لتفضيل المجاهدين على القاعدين بوجود الضّرر، والعذر، وأمّا الثّانية فلتفضيل المجاهدين على القاعدين من غير ضرر، ولا عذر، فضّلوا عليهم

стр. 1284

بدرجات كثيرة. وقيل: يحتمل أن تكون الأولى درجة المدح، والتعظيم، والدّرجات درجات الجنّة، ومنازلها. انتهى خازن بتصرّف. ﴿وَمَغْفِرَةً﴾ أي: لذنوبهم. ﴿وَرَحْمَةً:﴾ أي: من الله تنزل عليهم، وتعمّهم. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً:﴾ للذّنوب؛ وهي صيغة مبالغة. ﴿رَحِيماً﴾ أي: بعباده المؤمنين. تنبيه: الآية الكريمة وسابقتها تحثّان المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، وترغّبان فيه، وتبيّنان ما أعدّه الله من الأجر العظيم للمجاهدين في سبيل الله. بعد هذا لا تنس أنّ النبي ﷺ حثّ على جهاد النّفس، وكبحها عن المعاصي، وترويضها على الطّاعات، واعتبر ذلك الجهاد الأكبر، فقد روى البيهقيّ بإسناد حسن صحيح: أنّ أصحاب رسول الله ﷺ حين قدموا من الجهاد، تلقّاهم رسول الله ﷺ ، وقال لهم: «مرحبا بكم! قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» قالوا: يا رسول الله! وما الجهاد الأكبر؟ قال: «جهاد النّفس». يضاف إلى ذلك السّعي في الدّنيا، والعمل لها ليكسب الإنسان قوته، وقوت زوجه، وأولاده فقد اعتبره المصطفى ﷺ في سبيل الله. فعن كعب بن عجرة-﵁-قال: مرّ على النبي ﷺ رجل، فرأى أصحاب رسول الله ﷺ من جلده، ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله! فقال رسول الله ﷺ : «إن كان خرج يسعى على ولده صغارا؛ فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين؛ فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفّها؛ فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء، ومفاخرة؛ فهو في سبيل الشّيطان». رواه الطّبرانيّ. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٠] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. وكذلك طلب العلم الشرعيّ (١) جهاد في سبيل الله؛ فعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من جاء مسجدي هذا لم يأته إلاّ لخير يتعلّمه، أو يعلّمه؛ فهو بمنزلة المجاهدين في سبيل الله، ومن جاء بغير ذلك؛ فهو بمنزلة الرّجل ينظر إلى متاع غيره». رواه ابن ماجة، والبيهقي. وعن أنس-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتّى يرجع». رواه الترمذيّ، وقال: حديث حسن. وعن أبي الدّرداء-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من غدا يريد العلم يتعلّمه لله؛ فتح الله له بابا إلى الجنّة، وفرشت له الملائكة أكنافها، وصلّت عليه ملائكة السّماوات، وحيتان البحر. وللعالم من الفضل على العابد كالقمر ليلة البدر على أصغر كوكب

стр. 1285

في السّماء، والعلماء ورثة الأنبياء. إنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا، ولا درهما، ولكنّهم ورّثوا العلم، فمن أخذه؛ أخذ بحظّه، وموت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسدّ، وهو نجم طمس، وموت قبيلة أيسر من موت عالم». رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة، وابن حبّان. الإعراب: ﴿دَرَجاتٍ:﴾ بدل من: ﴿أَجْراً﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم. وقيل: هو حال. وقيل: منصوب بنزع الخافض. وقيل: هو توكيد ل (﴿أَجْراً﴾) وهو أضعفها، وأقواها الأول. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿دَرَجاتٍ﴾. ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً:﴾ معطوفان على: ﴿دَرَجاتٍ﴾. وقيل: هما مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: غفر لهم مغفرة، ورحمهم رحمة. وحذف متعلّقها اكتفاء بمتعلّق: ﴿دَرَجاتٍ﴾. وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ..﴾. إلخ: نزلت الآية الكريمة في أناس تكلّموا بالإسلام، ولم يهاجروا: منهم قيس بن الفاكه بن المغيرة، وقيس بن الوليد بن المغيرة وأشباههما، فلمّا خرج المشركون إلى بدر، خرجوا معهم، فقتلوا مع الكفار الذين قتلوا في بدر، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا على الخروج مع المشركين، فاستغفروا لهم، فنزلت الآية الكريمة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ:﴾ يجوز أن يكون هذا الفعل ماضيا، وإنّما لم تلحقه علامة التأنيث للفصل بين الفعل وفاعله بالضّمير المنصوب، ولأنّ لفظ الملائكة من التأنيث المجازي، ولأنّه جمع تكسير، ويؤيد ذلك قراءة: («توفتهم»)، ويجوز أن يكون مضارعا أصله: تتوفاهم، فحذفت منه إحدى التاءين، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ أصله: تتصدى، وهو كثير في كلام الله تعالى. والتوفّي هنا فيه قولان: أحدهما: أنّه قبض أرواحهم. الثاني: أنّه حشرهم، وسوقهم إلى النّار. فعلى الثاني يكون المراد بالملائكة: الزّبانية؛ الذين يتولّون تعذيب الكفار. والمعتمد هنا الأوّل. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] من سورة (السّجدة) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك، ولولا الإطالة؛ لذكرته هنا بحذافيره. ﴿ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ المشركون ظالمون لأنفسهم بالشرك. وقيل: المراد: المسلمون الذين أقاموا في دار الشرك بعد إسلامهم مع قدرتهم على الهجرة؛ لأنّ الله لم يقبل الإسلام من أحد

стр. 1286

بعد هجرة النّبيّ ﷺ حتّى يهاجر إليه، ثمّ نسخ ذلك بعد فتح مكة بقوله ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة». أخرجاه في الصّحيحين. ﴿قالُوا:﴾ أي: قالت الملائكة؛ الذين يتوفون أولئك المذكورين: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ خطاب للمذكورين، وهو سؤال توبيخ، وتقريع. أي: أكنتم في أصحاب النبي ﷺ أم كنتم مع المشركين؟ و ﴿فِيمَ﴾ كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف «في» الجارة، والاسم: «ما» الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كلّ جارّ، نحو قوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،﴾ ﴿*عَمَّ يَتَساءَلُونَ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ وذلك للفرق بين الموصولة، والاستفهامية. ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار، ومن شواهدها الشّعرية قول الكميت، وهو الشاهد رقم [٥٥٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟ وأيضا قول عمرو بن معديكرب-﵁، وهو الشّاهد رقم [٢٥٠] من كتابنا المذكور-: [الطويل] علام تقول الرّمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت؟ وقد ثبتت ألفها مع دخول الجار عليها في ضرورة الشّعر في قول حسّان بن ثابت-﵁-يهجو رجلا من بني مخزوم، وهو الشاهد رقم [٥٥٦] من الكتاب المذكور: [الوافر] على ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في دمان ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في مكّة. اعتذروا عن الهجرة، وموالاة الكفّار بعجزهم، وضعفهم. وهذا اعتذار غير صحيح؛ إذ كانوا يستطيعون الحيل، ويهتدون السبيل. ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة موبخين، ومؤنّبين لهم. ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ أي: فتخرجوا من مكة إلى بلد تكونون فيه أحرارا في عقيدتكم، وعبادتكم، كما فعل المؤمنون الصادقون؛ حيث هاجروا أولا إلى الحبشة، ثمّ إلى المدينة المنورة. ويفيد هذا السؤال، والجواب: أنّهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة، وإلا فلو ماتوا كافرين؛ لم يقل لهم شيء من هذا. ﴿فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ:﴾ أخبر الله تعالى: أنّهم في جهنّم لتقصيرهم، وتقاعسهم عن الهجرة. ﴿وَساءَتْ:﴾ فعل ذمّ يجري مجرى: «بئس». ﴿مَصِيراً:﴾ مقرّا، ومآلا، وكانت الهجرة واجبة على كلّ من أسلم، وانظر الآية رقم [٨٩]. تنبيه: في الآية الكريمة دليل على أنّ الإنسان إذا كان في بلد، لا يتمكّن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب، والعوائق، أو علم: أنّه في غير بلده أقوم بحقّ الله، وأدوم على العبادة؛ حقّت عليه المهاجرة. وعن النبي ﷺ : «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا

стр. 1287

من الأرض استوجبت له الجنّة، وكان رفيق إبراهيم، ونبيّه محمّد». عليهما ألف صلاة، وألف سلام. ﴿مَأْواهُمْ:﴾ مستقرهم، وملجؤهم. ﴿جَهَنَّمُ،﴾ والفرق بين مأوى، ومثوى: أن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأمّا المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان، ولو مؤقتا، وقدّم المأوى على المثوى في كثير من الآيات؛ لأنّه على الترتيب الوجودي، يأوي، ثم يثوي. أمّا ﴿كُنْتُمْ﴾ فأصله: «كونتم» فقل في إعلاله: تحرّكت الواو، وانفتح ما قبلهما، فصار (كانتم) فالتقى ساكنان: الألف، وسكون النون، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار (كنتم) بفتح الكاف، ثمّ أبدلت الفتحة ضمّة لتدلّ على الواو المحذوفة، فصار ﴿كُنْتُمْ﴾. وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل: كون، فلما اتصل به ضمير رفع متحرك؛ نقل إلى باب فعل، فصار: كونت، ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار: كونت فالتقى ساكنان: العين المعتلّة ولام الفعل، فحذفت عين الفعل، وهي الواو لعلّة الالتقاء، فصار: كنت، وهكذا قل في إعلال كلّ فعل أجوف، واوي، مسند إلى ضمير رفع متحرك. مثل: قام، وقال، ونحوهما. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (إنّ). ﴿تَوَفّاهُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، أو هو فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ظالِمِي:﴾ حال من الضمير المنصوب، منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) مقدّم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والرابط محذوف، التقدير: قالوا لهم... إلخ. وقيل: إنّ الخبر محذوف، تقديره: هلكوا، فتكون جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مبينة لتلك الجملة المحذوفة. وقيل: إنّ الخبر الجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ، ودخلت الفاء على الخبر زائدة؛ لأنّ الموصول يشبه الشّرط في العموم. والمعتمد الأوّل. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿مُسْتَضْعَفِينَ:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب،

стр. 1288

وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب (﴿لَمْ﴾). ﴿أَرْضُ:﴾ اسمها. و ﴿أَرْضُ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿واسِعَةً:﴾ خبر: ﴿تَكُنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَتُهاجِرُوا:﴾ الفاء: للسببية. (تهاجروا): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيّد من الفعل السابق. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿مَأْواهُمْ:﴾ مبتدأ ثان مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أولئك)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. وقيل: في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ وهو ضعيف، كما قدمته. (﴿ساءَتْ﴾): فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر، فسّره التمييز، وهو ﴿مَصِيراً،﴾ والمخصوص بالذّمّ محذوف، تقديره: هي، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨)﴾ الشرح: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ:﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٧٥]. ﴿حِيلَةً:﴾ هي الجدّ في تدبّر الأمور، وتقليب الفكر؛ حتّى يهتدي إلى المقصود، ومثلها: المحاولة. ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ أي: لا يعرفون طريقا إلى الهجرة حتى يهاجروا، ولا يملكون نفقة، ولا قوة لهم على الخروج من مكّة. الإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ:﴾ مستثنى استثناء منقطعا لعدم دخوله في الموصول، وضميره، والإشارة إليه، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنَ الرِّجالِ﴾ متعلقان بالمستضعفين. وهما في محل رفع نائب فاعله. ﴿وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ:﴾ معطوفان على: ﴿الرِّجالِ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النّون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿حِيلَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الرّجال، وما عطف عليه، أو في محل جر صفة لهم؛ لأنّ «ال» التعريفية تصلح لأن تكون للجنس، وأن تكون للتّعريف، ومثل هذه الآية: [الكامل] ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني

стр. 1289

وقال تعالى في سورة (يس): ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ وقال في سورة (الجمعة): ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً،﴾ وجملة: (﴿لا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾): معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها، وقال مكيّ-رحمه الله تعالى-: جملة: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ..﴾. إلخ والتي بعدها: في موضع نصب على الحال من ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ والمعتمد ما قدّمته. ﴿فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩)﴾ الشرح: ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى المستضعفين المذكورين في الآية السابقة. ﴿عَسَى اللهُ:﴾ عسى هي مفيدة للتّحقيق والتأكيد، وإن كانت في كلام المخلوقين تفيد الرّجاء، والطّمع؛ لأنّ المخلوق هو الذي تعرض له الشّكوك، والظّنون، والله منزّه عن ذلك. انتهى. نقلا من كرخي. وهو فعل جامد لا يأتي منه مضارع، ولا أمر. ﴿أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ:﴾ أن يصفح عنهم، ويغفر ذنوبهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، والفعل «يعفو» بهذا المعنى كثير في القرآن الكريم، كما يأتي «عفا» بمعنى الكثرة. قال تعالى في الآية رقم [٩٥] من سورة (الأعراف): ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا﴾ أي: حتى كثروا، ونموا في أنفسهم، وأموالهم، من قولهم: عفا النبات، وعفا الشّحم، والوبر: إذا كثر. قال الحطيئة: [الطويل] بمستأسد الغربان عاف نباته... بأسؤق عافيات الشّحم كوم وعفا المنزل، يعفو، عفاء: إذا انمحت آثاره، وذهبت معالمه، قال الأخطل التّغلبيّ-وهو الشاهد رقم [٤٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط] وبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر إلاّ النؤي والوتد وعفو المال: ما يفضل عن النّفقة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢١٩]: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ والعافي: طالب المعروف، والإحسان، قال عروة بن الورد العبسي المعروف ب «عروة الصّعاليك»: [الطويل] وإنّي امرؤ عافي إنائي شركة... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد وجمع العافي: عفاة، قال الأعشى في مدح ممدوحه: [المتقارب] تطوف العفاة بأبوابه... كطوف النّصارى ببيت الوثن ﴿وَكانَ اللهُ عَفُوًّا:﴾ صيغة مبالغة من العفو. ﴿غَفُوراً:﴾ صيغة مبالغة أيضا. هذا؛ وانظر ما ذكرته في شرح (كان) في الآية رقم [١] من هذه السّورة. ﴿اللهُ:﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به؛ أجاب، وإذا سئل به؛ أعطى، وإنّما تخلّفت الإجابة في بعض

стр. 1290

الأحيان عن الدّعاء به لتخلّف شروط الإجابة، الّتي أعظمها أكل الحلال، ولم يسمّ به أحد سواه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل تعلم أحدا تسمّى الله غير الله؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا، علما بأنّه لم يذكر في سورتي: الرّحمن، والواقعة. الإعراب: ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿عَسَى:﴾ فعل ماض جامد مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، وهو ناقص هنا. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿عَسَى﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَعْفُوَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والمصدر المؤوّل من الفعل، وناصبه في محل نصب خبر (﴿عَسَى﴾) بعد تأويل المصدر باسم الفاعل، التقدير: عسى الله عافيا. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿عَسَى..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ مستأنفة لا محلّ لها، والجملة الفعلية: ﴿وَكانَ اللهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً:﴾ وهذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأنّ المؤمن حيثما ذهب؛ وجد عنهم مندوحة، وملجأ يتحصّن فيه. والمراغم: مصدر؛ تقول العرب: راغم فلان قومه مراغما، ومراغمة، قال النابغة الجعدي: [المتقارب] كطود يلاذ بأركانه... عزيز المراغم والمذهب وقال ابن عباس-﵄: المراغم: التّحوّل من أرض إلى أرض. وقيل: معناه: إنّ الرّجل إذا خرج عن قومه؛ خرج مراغما لهم؛ أي: مغاضبا، ومقاطعا. وقال الفراء: المراغم: المضطرب، والمذهب في الأرض، وأنشد الزجّاج في المعنى: [المتقارب] إلى بلد غير داني المحل... بعيد المراغم والمضطرب وقال مجاهد: يجد متزحزحا عمّا يكره. وقيل: المراغمة، والمهاجرة واحدة، يقال: راغمت قومي، أي: هاجرتهم، وسمّيت المهاجرة مراغمة؛ لأنّه يهاجر قومه برغمهم، وهو مأخوذ من الرّغام، وهو التراب، يقال: رغم أنفه: إذا التصق بالتّراب، وذلك لأنّ الأنف عضو شريف، والتّراب ذليل حقير، فجعلوا قولهم: «رغم أنفه» كناية عن حصول الذّلّ له. ﴿وَسَعَةً﴾

стр. 1291

يعني: في الرزق، وسعة في الأرض الّتي يهاجر إليها، فمن ضاق رزقه في بلده؛ فليلتمسه في غيره، ورحم الله من قال: [الوافر] بلاد الله واسعة فضاء... ورزق الله في الدّنيا فسيح فقل للقاعدين على هوان... إذا ضاقت بكم أرض فسيحوا ورحم الله من قال أيضا: [الكامل] وإذا رأيت الرّزق ضاق ببلدة... وخشيت فيها أن يضيق المكسب فارحل فأرض الله واسعة الفضا... طولا وعرضا شرقها والمغرب ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ قبل بلوغه مهاجره. ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ أي: فقد وقع أجر هجرته على الله بإيجابه على نفسه بحكم الوعد، والتفضّل، والإحسان، والكرم، لا وجوب استحقاق، وتحتّم؛ لأنّ الله لا يجب عليه شيء لعباده. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً:﴾ للذنوب. ﴿رَحِيماً:﴾ بعباده. وهما صيغتا مبالغة، كما ذكرته مرارا. تنبيه: قال ابن عباس-﵄: لمّا نزلت الآية التي قبل هذه سمعها رجل من بني ليث، شيخ كبير، يقال له: جندع بن ضمرة، فقال: والله ما أنا ممّن استثنى الله ، وإنّي لأجد حيلة، ولي من المال ما يبلغني المدينة، وأبعد منها، والله لا أبيت اللّيلة بمكّة! أخرجوني! فخرجوا به يحملونه على سرير حتّى أتوا به التنعيم، فأدركه الموت، فصفق بيمينه على شماله، ثمّ قال: اللهم هذه لك، وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعك عليه رسولك. ثم مات، ﵁، وأرضاه، فبلغ خبره رسول الله ﷺ وأصحابه، فقالوا: لو وافى المدينة؛ لكان أتمّ، وأوفى أجرا، وضحك المنافقون، والمشركون، وقالوا: ما أدرك ما طلب! فنزلت الآية الكريمة. انتهى. خازن، وقرطبي. تنبيه: كلّ من خرج لطلب علم أو حجّ، أو جهاد، أو فرارا إلى بلد يزداد فيه طاعة، أو قناعة، أو زهدا، أو ابتغاء رزق طيّب-أي: حلال-فهي هجرة إلى الله ورسوله، وإن أدركه الموت في طريقه؛ فقد وقع أجره على الله. انتهى نسفي. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من خرج حاجّا، فمات؛ كتب له أجر الحاجّ إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا، فمات؛ كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا، فمات؛ كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة». أخرجه الحافظ أبو يعلى. وعن عمر-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته

стр. 1292

لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». رواه البخاريّ، ومسلم. والأحاديث بهذا المعنى كثيرة مشهورة، ومسطورة. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُهاجِرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) تقديره: هو ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَجِدْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، لم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُراغَماً:﴾ مفعول به. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة له. ﴿وَسَعَةً:﴾ معطوف على ما قبله، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه. ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ:﴾ مثل سابقه في إعرابه ومحلّه. ﴿مِنْ بَيْتِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُهاجِراً:﴾ حال من فاعل: ﴿يَخْرُجْ﴾ المستتر. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿مُهاجِراً؛﴾ لأنّه اسم فاعل، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُدْرِكْهُ:﴾ فعل مضارع معطوف على فعل الشّرط، مجزوم مثله. وقرأ الحسن البصري بالنّصب على إضمار «أن». وقرأ النخعي، وغيره بالرّفع على إضمار مبتدأ، أي: ثم هو يدركه. والجملة الاسمية هذه معطوفة على الجملة الفعلية: ﴿يَخْرُجْ..﴾. إلخ، والهاء مفعول به. ﴿الْمَوْتُ:﴾ فاعله. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿وَقَعَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَجْرُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿فَقَدْ وَقَعَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد. وبقيّة الكلام مثل سابقه بلا فارق، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ انظر الآية رقم [٩٤]. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ:﴾ إثم، ومؤاخذة. ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ أي: من أربع ركعات إلى ركعتين، وذلك في صلاة الظهر، والعصر، والعشاء. ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: يغتالكم، ويقتلكم الذين كفروا. ﴿إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا﴾ أي: ويكونون. ﴿لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً:﴾ انظر الآية رقم [٩١] و [٩٢]. وسبب نزول الآية ذكره ابن جرير عن عليّ-﵁-قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إنّا نضرب في الأرض، فكيف نصلّي؟ فأنزل الله : ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ.

стр. 1293

استدلّ العلماء بهذه الآية على قصر الصلاة في السّفر، على اختلافهم في ذلك. فمن قائل: لا بدّ أن يكون السفر سفر طاعة؛ من جهاد، أو حجّ، أو عمرة، أو طلب علم، أو زيارة رحم، ونحو ذلك. وذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، والجمهور إلى أنّه يجوز القصر في كل سفر مباح. وذهب أبو حنيفة، والثوري، وداود إلى أنّه يجوز القصر لمطلق السفر، سواء أكان مباحا، أو محظورا، حتى لو خرج لقطع الطريق، وإخافة السبيل، وخالفهم الجمهور. وقال داود الظّاهري: لا يجوز القصر إلا في حال الخوف، واستدلّ على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأنّ عدم الشّرط يقتضي عدم المشروط. وخالفه جمهور الأمّة، وقالوا: قد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول الآية، فإنّ مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل كانوا لا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو في سريّة خاصّة، وسائر الأحيان كانت حربا للإسلام وأهله. والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب، أو على حادثة خاصّة؛ فلا مفهوم له، كقوله تعالى في سورة (النّور): ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً،﴾ وكقوله تعالى في هذه السّورة: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ﴾. وقال الإمام أحمد: عن يعلى بن أميّة-﵁، قال: سألت عمر-﵁، قلت له: قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر-﵁: عجبت ممّا عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته». أخرجه مسلم. وعن أبي حنظلة الحذّاء؛ قال: سألت ابن عمر-﵄-عن صلاة السّفر، فقال: ركعتان. فقلت: أين قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا؟﴾ فقال: سنة رسول الله ﷺ . هذا؛ وأمّا المسافة التي يجوز فيها قصر الصّلاة؛ فمختلف فيها اختلافا كثيرا، والمفتى به في هذه الأيام أن تكون خمسة وثمانين كيلومترا إلى تسعين كيلومترا، كما اختلفوا في جواز الإتمام في حال السّفر، فذهب مالك، وأبو حنيفة-رحمهما الله-إلى أنّ القصر في السفر واجب، ويدلّ عليه ما روي عن عائشة-﵂: فرض الله الصّلاة حين فرضها ركعتين، ثمّ أتمّها في الحضر، وأقرّت صلاة السفر على الفريضة الأولى. وفي رواية أخرى: قالت: فرض الله الصّلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر، والسفر، فأقرّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر. أخرجاه في الصحيحين. وذهب قوم إلى جواز الإتمام في السّفر، ولكن القصر أفضل، وهو مذهب الشّافعي، وأحمد، وهو رواية عن مالك أيضا، ويدلّ على ذلك ما روى البغوي بسند الشافعي عن عائشة-﵂-قالت: كلّ ذلك فعل رسول الله ﷺ قصر، وأتم. وعنها: أنّها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكّة؛ حتّى إذا قدمت مكّة؛ قالت: يا رسول الله! بأبي أنت، وأمّي! قصرت، وأتممت، وصمت، وأفطرت. قال: «أحسنت

стр. 1294

يا عائشة». وما عاب عليّ. أخرجه النّسائيّ. فأنت ترى: أنّ الروايتين عنها قد اختلفتا، وهذا يسمّى اضطراب الروايات. هذا؛ ولا يقصر إلا بعد مجاوزة عمران بلده، وينتهي القصر بعوده إلى عمران بلده، والله الموفّق. كما اختلفوا في المدّة التي يقصر فيها في المكان الذي ذهب إليه، فقال مالك، والشافعيّ-﵁: إذا نوى الإقامة أربعة أيام؛ أتمّ، وإن كان أقام لحاجة يتوقّع قضاءها يوما بعد يوم؛ قصر ثمانية عشر يوما. وقال أبو حنيفة-﵁-وأصحابه: إذا نوى إقامة خمس عشرة ليلة؛ أتمّ. وقال الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: إذا عزم المسافر مقام إحدى وعشرين صلاة مكتوبة؛ قصر. وإذا اقتدى بمقيم؛ أتمّ بالاتفاق. هذا؛ ولم يتعرّض المفسّرون للجمع بين الصّلوات، فأجازه الشّافعي، ومالك، وأحمد بين العصرين، والعشاءين، تقديما، وتأخيرا، لما روى ابن عباس-﵄-قال: كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر، والعصر إذا كان على ظهر سفر، ويجمع بين المغرب، والعشاء. رواه البخاريّ، ومسلم. وشروط التّقديم أربعة: البداءة بالأولى، ونيّة الجمع فيهما، ولو مع السّلام، والموالاة بينهما، ودوام السّفر إلى الإحرام بالثانية، ويشترط في التّأخير نيّته قبل خروج وقت الأولى، ولو بقدر ركعة، ودوام السّفر إلى تمامها، وإلا صارت الأولى قضاء. فقد صحّ: أنّه ﷺ كان إذا ارتحل قبل الزّوال؛ أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثمّ نزل، فجمع بينهما، فإن زالت قبل ارتحاله صلاهما، ثمّ ركب. وأنّه كان إذا جدّ به السير؛ جمع بين المغرب، والعشاء، أي: في وقت العشاء. وأبو حنيفة-رحمه الله تعالى-لا يرى الجمع إلا في يوم عرفة تقديما، وليلة المزدلفة تأخيرا. وفائدة الجمع في السّفر ملموسة، وحكيمة، ونرشد من لا يرى إمامه الجمع أن يقلّد من يراه. والله الموفق. أمّا الجمع في المطر في الحضر تقديما؛ فقد صحّ: أنّ النبيّ ﷺ جمع بالمدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير خوف، ولا سفر، فقال الشافعي كمالك-﵄: أرى ذلك بعذر المطر، ويؤيده جمع ابن عباس، وابن عمر-﵃-به، وأرى: أنّ شروط الجمع بالمطر غير متوفرة في هذه الأيام لتسهيل الطّرق، وتنويرها في اللّيل، وإن قال بعضهم بجوازها. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين. الإعراب: (إذا): ظرف لما يستقبل من الزّمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿ضَرَبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿فَلَيْسَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان

стр. 1295

بمحذوف خبر (ليس) تقدّم على اسمها. ﴿جُناحٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقْصُرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ تَقْصُرُوا:﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في قصر الصلاة، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿جُناحٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿مِنَ الصَّلاةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السّكون في محلّ جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَفْتِنَكُمُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والكاف مفعول به، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ﴾ والفعل في محل نصب مفعول به. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلّق محذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن خفتم... فلا جناح... إلخ. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه... إلخ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿عَدُوًّا﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿عَدُوًّا:﴾ خبر (كان). ﴿مُبِيناً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنْ،﴾ وجملة: ﴿أَنْ..﴾. إلخ مفيدة للتّعليل، لا محلّ لها. ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢)﴾ الشرح: روي عن ابن عباس-﵄: أنّ المشركين لمّا رأوا رسول الله ﷺ وأصحابه؛ قاموا إلى الظّهر يصلّون جميعا؛ ندموا، وتمنّوا أن لو كانوا أكبّوا عليهم، فقال بعضهم لبعض: دعوهم فإنّ لهم بعدها صلاة هي أحبّ إليهم من آبائهم، وأمهاتهم-يعني: صلاة العصر-فإذا قاموا إليها؛ فشدّوا عليهم، فاقتلوهم. فنزل جبريل، ﵇، فقال: يا محمد!

стр. 1296

إنّها صلاة الخوف، وإن الله يقول: ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ..﴾. إلخ فعلّمه صلاة الخوف. وروي عن أبي عيّاش الزّرقي-﵁-في سبب نزول الآية، قال: كنّا مع رسول الله ﷺ بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلّينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرّة، ولو حملنا عليهم، وهم في الصّلاة، فنزلت الآية بين الظّهر، والعصر. وينبغي أن تعلم: أنّ النبي ﷺ صلّى صلاة الخوف بكيفيات مختلفة، ولا يمكن فعل شيء منها في هذه الأيام إلا صلاة الخوف المذكورة في الآية رقم [٢٣٩] من سورة (البقرة)؛ لأنّ وسائل الحرب قد تغيّرت، وأحوال المسلمين، وأوضاعهم قد انقلبت رأسا على عقب، لذا فإنّني أكتفي بشرح ألفاظ الآية وبيان معانيها، والله الموفق. ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ..﴾. إلخ: خطاب للنبيّ ﷺ وقد تعلّق بمفهومه من خصّ صلاة الخوف بحضرة الرسول ﷺ وكافة الفقهاء على أنّ الله علّمه كيفيتها؛ ليأتمّ به الأئمّة بعده، فإنّهم نواب عنه بعد وفاته ﷺ فيكون حضورهم كحضوره. ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ أي: فاجعلهم طائفتين: إحداهما تصلّي معك، والأخرى تقف تجاه العدو. ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ:﴾ هذا الأمر للطائفة المصلية مع الرسول ﷺ . وقيل: للحارسة. وذكر الطائفة الأولى يدلّ عليهم. ﴿فَإِذا سَجَدُوا﴾ أي: المصلون مع النبي ﷺ . ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ﴾ أي: ليكن غير المصلين من خلفكم يحرسونكم. ﴿وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا﴾ أي: أول الصلاة. ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ:﴾ آخر الصلاة. ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ أي: وليكونوا حذرين من عدوّهم متأهبين لقتالهم بحمل السلاح. ظاهر هذا الكلام يدلّ على أنّ النبيّ ﷺ صلّى مرّتين؛ بكلّ طائفة مرّة، وهذا كان ببطن نخل، وإن أريد أن يصلي الإمام بكلّ ركعة-إن كانت الصلاة ركعتين-فكيفيتها أن يصلي بالأولى ركعة، وينتظر قائما حتّى يتمّوا صلاتهم منفردين، ويذهبوا إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى، فيتمّ بهم الركعة الثانية، ثم ينتظرهم قاعدا حتى يتمّوا صلاتهم، ويسلّم بهم، كما فعل رسول الله ﷺ بذات الرّقاع، وقد جعل الله- -الحذر آلة يتحصّن بها المحارب، فجمع بين الحذر، وبين الأسلحة في وجوب الأخذ بالأسباب، كيف لا؟ والتيقظ، والتحرّز من كيد العدو أعظم من السّلاح. ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ..﴾. إلخ: تمنّى الكافرون أن ينالوا منكم غفلة في صلاتكم، فيشدّون عليكم شدّة واحدة، وهذا هو السبب في وجوب حمل السلاح، والتيقظ. وانظر الفعل: «مال، يميل» في الآية رقم [٢٧]. ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ، أي: لا حرج، ولا إثم في عدم حمل السّلاح إذا ثقل عليكم بسبب مطر، أو ضعف بسبب مرض، وهذا يؤيد: أنّ حمل السلاح في أثناء الصّلاة للوجوب دون الاستحباب. ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ:﴾ تأكيد لسابقه.

стр. 1297

﴿إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ..﴾. إلخ: هذا وعد من القويّ العزيز بالنّصر المبين على الكافرين بأنّه سيهزمهم بعد الأمر بالحذر، والتيقظ، ليقوّي قلوب المؤمنين، ويشدّ من عزيمتهم، وليعلموا: أنّ الأمر بذلك ليس لضعفهم، وغلبة عدوهم، بل لأنّ الواجب أن يحافظوا على مراسيم التيقّظ والتدبّر. فيتوكّلوا على الله. قال الرسول ﷺ للأعرابي: «اعقل وتوكّل». تنبيه: قال ابن عباس-﵄: نزلت الآية الكريمة في النبي ﷺ ، وذلك أنّه غزا بني محارب، وبني أنمار، فنزلوا منزلا، ولا يرون من العدو أحدا، فوضع المسلمون السّلاح، فخرج رسول الله ﷺ لحاجة حتّى قطع الوادي، فحال السّيل بين رسول الله ﷺ وبين أصحابه، فجلس تحت شجرة، فبصر به غورث بن الحارث المحاربي، فقال: قتلني الله إن لم أقتله! ثمّ انحدر من الجبل ومعه السّيف، ولم يشعر به النبي ﷺ ، إلا وهو قائم على رأسه، وقد سلّ السّيف من غمده، وقال: يا محمد! من يمنعك مني الآن؟! فقال رسول الله ﷺ : «الله »، ثم قال: «اللهمّ اكفني غورث بن الحارث بما شئت!» فأهوى غورث بالسيف ليضرب به رسول الله ﷺ ، فأكبّ لوجهه من زلقة زلقها، فبدر السّيف من يده. فقام رسول الله ﷺ ، فأخذ السّيف، وقال: «من يمنعك مني الآن يا غورث؟!» فقال: لا أحد! كن خير آخذ يا محمد! فقال رسول الله ﷺ : «أتشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله؟». قال: لا! ولكن أشهد: ألا أقاتلك أبدا، ولا أعين عليك عدوّا. فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه، فقال: لأنت خير منّي، فقال رسول الله ﷺ : «أجل أنا أحقّ بذلك منك». فرجع إلى قومه، وقال لهم: جئتكم من عند خير النّاس، وذكر لهم حاله مع رسول الله ﷺ ، قال: وسكن الوادي فقطع رسول الله ﷺ الوادي إلى أصحابه، وأخبرهم الخبر، وقرأ عليهم: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ..﴾. إلخ. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): انظر الآية السابقة. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَأَقَمْتَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أقمت): فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَةٌ﴾. ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل (تقم) والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَلْتَقُمْ..﴾. إلخ جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَلْيَأْخُذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها مثله. ﴿أَسْلِحَتَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿فَإِذا سَجَدُوا:﴾ إعرابه واضح إن شاء الله. ﴿فَلْيَكُونُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب

стр. 1298

(﴿إِذا﴾). (ليكونوا): فعل مضارع ناقص مجزوم بلام الأمر... إلخ، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ وَرائِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَلْيَكُونُوا..﴾. إلخ جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿وَلْيَأْخُذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها مثله. ﴿أَسْلِحَتَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿وَلْتَأْتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لْتَأْتِ﴾): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها أيضا. ﴿أُخْرى:﴾ صفة: ﴿طائِفَةٌ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُصَلُّوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ .. إلخ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل ﴿طائِفَةٌ﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدّم، والجملتان: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ معطوفتان على جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لهما مثله، والإعراب واضح إن شاء الله. ﴿وَدَّ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل: ﴿وَدَّ،﴾ والجملة الفعلية تعليل للأمر، أو هي مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿تَغْفُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ والواو فاعله، و ﴿لَوْ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ودّوا غفلتكم. ﴿عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَأَمْتِعَتِكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. وجملة: (يميلون عليكم) معطوفة على ما قبلها، فهي داخلة معها بالمصدرية. ﴿مَيْلَةً:﴾ مفعول مطلق. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» ﴿جُناحَ:﴾ اسم (﴿لا﴾) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر (﴿لا﴾)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿أَذىً:﴾ اسم: ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المقصورة المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿مِنْ مَطَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أُخْرى،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، لدلالة ما قبله عليه،

стр. 1299

و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام معترض بين ﴿جُناحَ﴾ ومتعلقه الآتي. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مَرْضى:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على جملة فعل الشّرط، لا محلّ لها مثلها. ﴿أَنْ تَضَعُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿إِنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من الفعل وناصبه في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في وضع أسلحتكم، والجار والمجرور متعلقان بما تعلّق به: ﴿عَلَيْكُمْ﴾. ﴿أَسْلِحَتِكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَخُذُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿حِذْرَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾) وهي مؤكّدة لها. وحصل في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿أَعَدَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿مُهِيناً﴾ بعدهما. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به. ﴿مُهِيناً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿أَعَدَّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنْ،﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها. ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اِطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣)﴾ الشرح: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ أي: فرغتم، وانتهيتم من صلاة الخوف المذكورة. ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ﴾ يعني: بالتسبيح، والتحميد، والتّهليل، والتكبير، وأثنوا على الله في جميع أحوالكم، واسألوه النّصر لا سيما في حال القتال، كقوله تعالى في سورة (الأنفال): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فذكر الله مرغّب فيه في جميع الحالات، وهو في حالة الحرب، وبعد الفراغ من الحرب آكد. ﴿قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ أي: اذكروا الله في جميع الحالات، وفي حالة الخوف والحرب آكد كما قدّمت. ويقال: المعنى: إذا صليتم في دار الحرب؛ فصلّوا كيفما قدرتم، وتمكّنتم، كما قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً﴾ فيكون المراد بالذكر الصّلاة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩١] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿اِطْمَأْنَنْتُمْ:﴾ سكنت قلوبكم من الخوف. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي: فأتمّوها أربعا. فعلى هذا يكون المراد بالطمأنينة ترك السّفر، المعنى: إذا صرتم مقيمين في أوطانكم؛ فأقيموا الصلاة تامة أربعا من غير قصر. وقيل: المعنى: أقيموا لها ركوعها، وسجودها، وقيامها، وقعودها، وخشوعها. فعلى هذا يكون المراد بالطمأنينة: سكون القلب من الاضطراب، والأمن بعد الخوف.

стр. 1300

﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً﴾ يعني: فرضا مؤقتا، والكتاب: هنا بمعنى المكتوب؛ يعني: مكتوبة مؤقّتة في أوقات محدودة، فلا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أيّ حال من خوف، أو أمن. وقيل: معناه: فرضا واجبا مقدّرا في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وفي الآية دليل على أنّ المراد بالذكر: الصلاة، وأنّها واجبة الأداء حال المسايفة، والاضطراب في المعركة، وتعليل للأمر بالإتيان بها كيفما أمكن. وقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: لا يصلّي المحارب حتى يطمئنّ. انتهى. هذا؛ وذكرت لك في الآية السابقة: أنّ الأوضاع قد تغيّرت، والأحوال قد انقلبت رأسا على عقب. هذا؛ ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أمر معناه الوجوب، وأصله: «أقوموا» فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار: «أقوموا» ثمّ قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها. ومعنى: (أقيموا ﴿الصَّلاةَ﴾): أدّوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وأتمّوا لها ركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدّها على الوجه الأكمل يقال عنه: صلّى، ولا يقال: أقام الصلاة. وهذا؛ والصّلاة في اللّغة: الدعاء، والتّضرّع، وهي في الشرع: أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومندوبات، ومكروهات مذكورة في الفقه الإسلامي. هذا؛ وقد بيّن الله تعالى: أنّ أجود ما يستعان به على تحمّل المتاعب، والمصاعب الصّبر، والصلاة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٥٣]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾. وكان الرسول ﷺ إذا حزبه أمر؛ فزع إلى الصلاة. هذا؛ والصّلاة من العبد معناها: التضرّع، والدّعاء، ومن الملائكة على العبد معناها: الاستغفار، وطلب الرّحمة له، ومن الله على عباده معناها: الرحمة، والمغفرة، وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٥٦]: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾. تنبيه: قال الشيخ أبو منصور-رحمه الله تعالى-: «القضاء» يحتمل الحكم، كقوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ أي: ليحكم ما قد علم أنّه يكون كائنا، أو ليتم أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه، فهو مفعول لا محالة. انتهى. هذا؛ والماضي: قضى، والمصدر: قضاء بالمد؛ لأنّ لام الفعل ياء؛ إذ أصل ماضيه: «قضي» بفتح الياء، فقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومصدره: «قضيا» فأبدلت الثانية همزة، فصار «قضاء» ممدودا، وجمع القضاء: أقضية. كعطاء، وأعطية، وهو في الأصل:
следующие страницы →