إنّها صلاة الخوف، وإن الله يقول: ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ..﴾. إلخ فعلّمه صلاة الخوف. وروي عن أبي عيّاش الزّرقي-﵁-في سبب نزول الآية، قال: كنّا مع رسول الله ﷺ بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلّينا الظهر، فقال المشركون:
لقد أصبنا غرّة، ولو حملنا عليهم، وهم في الصّلاة، فنزلت الآية بين الظّهر، والعصر.
وينبغي أن تعلم: أنّ النبي ﷺ صلّى صلاة الخوف بكيفيات مختلفة، ولا يمكن فعل شيء منها في هذه الأيام إلا صلاة الخوف المذكورة في الآية رقم [٢٣٩] من سورة (البقرة)؛ لأنّ وسائل الحرب قد تغيّرت، وأحوال المسلمين، وأوضاعهم قد انقلبت رأسا على عقب، لذا فإنّني أكتفي بشرح ألفاظ الآية وبيان معانيها، والله الموفق.
﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ..﴾. إلخ: خطاب للنبيّ ﷺ وقد تعلّق بمفهومه من خصّ صلاة الخوف بحضرة الرسول ﷺ وكافة الفقهاء على أنّ الله علّمه كيفيتها؛ ليأتمّ به الأئمّة بعده، فإنّهم نواب عنه بعد وفاته ﷺ فيكون حضورهم كحضوره. ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ أي: فاجعلهم طائفتين: إحداهما تصلّي معك، والأخرى تقف تجاه العدو. ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ:﴾ هذا الأمر للطائفة المصلية مع الرسول ﷺ . وقيل: للحارسة. وذكر الطائفة الأولى يدلّ عليهم. ﴿فَإِذا سَجَدُوا﴾ أي: المصلون مع النبي ﷺ . ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ﴾ أي: ليكن غير المصلين من خلفكم يحرسونكم.
﴿وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا﴾ أي: أول الصلاة. ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ:﴾ آخر الصلاة.
﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ أي: وليكونوا حذرين من عدوّهم متأهبين لقتالهم بحمل السلاح.
ظاهر هذا الكلام يدلّ على أنّ النبيّ ﷺ صلّى مرّتين؛ بكلّ طائفة مرّة، وهذا كان ببطن نخل، وإن أريد أن يصلي الإمام بكلّ ركعة-إن كانت الصلاة ركعتين-فكيفيتها أن يصلي بالأولى ركعة، وينتظر قائما حتّى يتمّوا صلاتهم منفردين، ويذهبوا إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى، فيتمّ بهم الركعة الثانية، ثم ينتظرهم قاعدا حتى يتمّوا صلاتهم، ويسلّم بهم، كما فعل رسول الله ﷺ بذات الرّقاع، وقد جعل الله- -الحذر آلة يتحصّن بها المحارب، فجمع بين الحذر، وبين الأسلحة في وجوب الأخذ بالأسباب، كيف لا؟ والتيقظ، والتحرّز من كيد العدو أعظم من السّلاح.
﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ..﴾. إلخ: تمنّى الكافرون أن ينالوا منكم غفلة في صلاتكم، فيشدّون عليكم شدّة واحدة، وهذا هو السبب في وجوب حمل السلاح، والتيقظ. وانظر الفعل:
«مال، يميل» في الآية رقم [٢٧].
﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ، أي: لا حرج، ولا إثم في عدم حمل السّلاح إذا ثقل عليكم بسبب مطر، أو ضعف بسبب مرض، وهذا يؤيد: أنّ حمل السلاح في أثناء الصّلاة للوجوب دون الاستحباب. ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ:﴾ تأكيد لسابقه.
стр. 1297
﴿إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ..﴾. إلخ: هذا وعد من القويّ العزيز بالنّصر المبين على الكافرين بأنّه سيهزمهم بعد الأمر بالحذر، والتيقظ، ليقوّي قلوب المؤمنين، ويشدّ من عزيمتهم، وليعلموا: أنّ الأمر بذلك ليس لضعفهم، وغلبة عدوهم، بل لأنّ الواجب أن يحافظوا على مراسيم التيقّظ والتدبّر. فيتوكّلوا على الله. قال الرسول ﷺ للأعرابي: «اعقل وتوكّل».
تنبيه: قال ابن عباس-﵄: نزلت الآية الكريمة في النبي ﷺ ، وذلك أنّه غزا بني محارب، وبني أنمار، فنزلوا منزلا، ولا يرون من العدو أحدا، فوضع المسلمون السّلاح، فخرج رسول الله ﷺ لحاجة حتّى قطع الوادي، فحال السّيل بين رسول الله ﷺ وبين أصحابه، فجلس تحت شجرة، فبصر به غورث بن الحارث المحاربي، فقال: قتلني الله إن لم أقتله! ثمّ انحدر من الجبل ومعه السّيف، ولم يشعر به النبي ﷺ ، إلا وهو قائم على رأسه، وقد سلّ السّيف من غمده، وقال: يا محمد! من يمنعك مني الآن؟! فقال رسول الله ﷺ : «الله »، ثم قال:
«اللهمّ اكفني غورث بن الحارث بما شئت!» فأهوى غورث بالسيف ليضرب به رسول الله ﷺ ، فأكبّ لوجهه من زلقة زلقها، فبدر السّيف من يده. فقام رسول الله ﷺ ، فأخذ السّيف، وقال: «من يمنعك مني الآن يا غورث؟!» فقال: لا أحد! كن خير آخذ يا محمد! فقال رسول الله ﷺ : «أتشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله؟». قال: لا! ولكن أشهد: ألا أقاتلك أبدا، ولا أعين عليك عدوّا. فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه، فقال: لأنت خير منّي، فقال رسول الله ﷺ : «أجل أنا أحقّ بذلك منك». فرجع إلى قومه، وقال لهم: جئتكم من عند خير النّاس، وذكر لهم حاله مع رسول الله ﷺ ، قال: وسكن الوادي فقطع رسول الله ﷺ الوادي إلى أصحابه، وأخبرهم الخبر، وقرأ عليهم: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ..﴾. إلخ.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): انظر الآية السابقة. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَأَقَمْتَ:﴾ الفاء:
حرف عطف. (أقمت): فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَةٌ﴾. ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل (تقم) والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَلْتَقُمْ..﴾. إلخ جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَلْيَأْخُذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها مثله. ﴿أَسْلِحَتَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿فَإِذا سَجَدُوا:﴾ إعرابه واضح إن شاء الله. ﴿فَلْيَكُونُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب
стр. 1298
(﴿إِذا﴾). (ليكونوا): فعل مضارع ناقص مجزوم بلام الأمر... إلخ، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ وَرائِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَلْيَكُونُوا..﴾. إلخ جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿وَلْيَأْخُذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها مثله. ﴿أَسْلِحَتَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة.
﴿وَلْتَأْتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لْتَأْتِ﴾): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها أيضا. ﴿أُخْرى:﴾ صفة: ﴿طائِفَةٌ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُصَلُّوا:﴾
فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ .. إلخ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل ﴿طائِفَةٌ﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدّم، والجملتان: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ معطوفتان على جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لهما مثله، والإعراب واضح إن شاء الله.
﴿وَدَّ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل: ﴿وَدَّ،﴾ والجملة الفعلية تعليل للأمر، أو هي مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿تَغْفُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ والواو فاعله، و ﴿لَوْ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ودّوا غفلتكم. ﴿عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَأَمْتِعَتِكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. وجملة: (يميلون عليكم) معطوفة على ما قبلها، فهي داخلة معها بالمصدرية. ﴿مَيْلَةً:﴾ مفعول مطلق.
﴿واحِدَةً:﴾ صفة لها.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» ﴿جُناحَ:﴾ اسم (﴿لا﴾) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر (﴿لا﴾)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:
﴿كانَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿أَذىً:﴾ اسم: ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المقصورة المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿مِنْ مَطَرٍ:﴾
متعلقان بمحذوف صفة ﴿أُخْرى،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، لدلالة ما قبله عليه،
стр. 1299
و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام معترض بين ﴿جُناحَ﴾ ومتعلقه الآتي. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كُنْتُمْ:﴾
فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مَرْضى:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على جملة فعل الشّرط، لا محلّ لها مثلها. ﴿أَنْ تَضَعُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿إِنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من الفعل وناصبه في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:
في وضع أسلحتكم، والجار والمجرور متعلقان بما تعلّق به: ﴿عَلَيْكُمْ﴾. ﴿أَسْلِحَتِكُمْ:﴾
مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿وَخُذُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿حِذْرَكُمْ:﴾
مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾) وهي مؤكّدة لها. وحصل في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿أَعَدَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿مُهِيناً﴾ بعدهما. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به. ﴿مُهِيناً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿أَعَدَّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنْ،﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.
﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اِطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣)﴾
الشرح: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ أي: فرغتم، وانتهيتم من صلاة الخوف المذكورة.
﴿فَاذْكُرُوا اللهَ﴾ يعني: بالتسبيح، والتحميد، والتّهليل، والتكبير، وأثنوا على الله في جميع أحوالكم، واسألوه النّصر لا سيما في حال القتال، كقوله تعالى في سورة (الأنفال): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فذكر الله مرغّب فيه في جميع الحالات، وهو في حالة الحرب، وبعد الفراغ من الحرب آكد.
﴿قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ أي: اذكروا الله في جميع الحالات، وفي حالة الخوف والحرب آكد كما قدّمت. ويقال: المعنى: إذا صليتم في دار الحرب؛ فصلّوا كيفما قدرتم، وتمكّنتم، كما قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً﴾ فيكون المراد بالذكر الصّلاة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩١] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
﴿اِطْمَأْنَنْتُمْ:﴾ سكنت قلوبكم من الخوف. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي: فأتمّوها أربعا. فعلى هذا يكون المراد بالطمأنينة ترك السّفر، المعنى: إذا صرتم مقيمين في أوطانكم؛ فأقيموا الصلاة تامة أربعا من غير قصر. وقيل: المعنى: أقيموا لها ركوعها، وسجودها، وقيامها، وقعودها، وخشوعها. فعلى هذا يكون المراد بالطمأنينة: سكون القلب من الاضطراب، والأمن بعد الخوف.
стр. 1300
﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً﴾ يعني: فرضا مؤقتا، والكتاب: هنا بمعنى المكتوب؛ يعني: مكتوبة مؤقّتة في أوقات محدودة، فلا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أيّ حال من خوف، أو أمن. وقيل: معناه: فرضا واجبا مقدّرا في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين.
وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وفي الآية دليل على أنّ المراد بالذكر: الصلاة، وأنّها واجبة الأداء حال المسايفة، والاضطراب في المعركة، وتعليل للأمر بالإتيان بها كيفما أمكن.
وقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: لا يصلّي المحارب حتى يطمئنّ. انتهى. هذا؛ وذكرت لك في الآية السابقة: أنّ الأوضاع قد تغيّرت، والأحوال قد انقلبت رأسا على عقب.
هذا؛ ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أمر معناه الوجوب، وأصله: «أقوموا» فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار: «أقوموا» ثمّ قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها.
ومعنى: (أقيموا ﴿الصَّلاةَ﴾): أدّوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وأتمّوا لها ركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدّها على الوجه الأكمل يقال عنه: صلّى، ولا يقال: أقام الصلاة.
وهذا؛ والصّلاة في اللّغة: الدعاء، والتّضرّع، وهي في الشرع: أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومندوبات، ومكروهات مذكورة في الفقه الإسلامي. هذا؛ وقد بيّن الله تعالى: أنّ أجود ما يستعان به على تحمّل المتاعب، والمصاعب الصّبر، والصلاة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٥٣]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾. وكان الرسول ﷺ إذا حزبه أمر؛ فزع إلى الصلاة.
هذا؛ والصّلاة من العبد معناها: التضرّع، والدّعاء، ومن الملائكة على العبد معناها:
الاستغفار، وطلب الرّحمة له، ومن الله على عباده معناها: الرحمة، والمغفرة، وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٥٦]: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.
تنبيه: قال الشيخ أبو منصور-رحمه الله تعالى-: «القضاء» يحتمل الحكم، كقوله تعالى:
﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ أي: ليحكم ما قد علم أنّه يكون كائنا، أو ليتم أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه، فهو مفعول لا محالة. انتهى.
هذا؛ والماضي: قضى، والمصدر: قضاء بالمد؛ لأنّ لام الفعل ياء؛ إذ أصل ماضيه:
«قضي» بفتح الياء، فقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومصدره: «قضيا» فأبدلت الثانية همزة، فصار «قضاء» ممدودا، وجمع القضاء: أقضية. كعطاء، وأعطية، وهو في الأصل:
стр. 1301
إحكام الشيء، وإمضاؤه، والفراغ منه، كما في الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، ومنه قول الشّاعر، وهو الشاهد رقم [١٧٩]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الخفيف]
وجهك البدر لا بل الشّمس لو لم... يقض للشّمس كسفة أو أفول
وقال الشمّاخ في عمر بن الخطاب-﵁-يرثيه: [الطويل]
قضيت أمورا ثمّ غادرت بعدها... بوائق في أكمامها لم تفتّق
ويكون بمعنى الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ وبمعنى العلم، تقول: قضيت كذا، أي: أعلمتك به، وبمعنى الفعل، قال تعالى حكاية عن قول السّحرة لفرعون: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ،﴾ وبمعنى الإرادة، وهو كثير كقوله تعالى: ﴿فَإِذا قَضى أَمْراً،﴾ وبمعنى الموت، كقوله تعالى حكاية عن قول أهل النّار في دار القرار: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ..﴾. إلخ.
ويأتي القضاء بمعنى الكتابة، قال تعالى: ﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ أي: مكتوبا في اللوح المحفوظ. وبمعنى الفصل، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾. وبمعنى الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾. وبمعنى بلوغ الأرب، والمراد، قال تعالى:
﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾ وبمعنى: وفاء الدين، تقول: قضى فلان ما عليه: إذا أوفى ذمّته، وأبرأها ممّا عليه من ديون. انتهى. قسطلاني شرح البخاري. وأضيف: أنّه يكون بمعنى:
أوحينا، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ..﴾. إلخ.
قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: فإذا كان القضاء بهذه المعاني، فلا يجوز إطلاق القول بأنّ المعاصي بقضاء الله تعالى؛ لأنّه إن أريد به الأمر؛ فلا خلاف: أنّه لا يجوز ذلك؛ لأنّ الله لا يأمر بها، فإنّه لا يأمر بالفحشاء، وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن البصري، فقال: إنّه طلق امرأته ثلاثا، فقال: عصيت ربك، وبانت منك. فقال الرّجل: قضى الله عليّ؟ فقال الحسن، وكان فصيحا: ما قضى الله ذلك؛ أي: ما أمر به، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ..﴾. إلخ.
بعد هذا؛ فقد جعل الله لكلّ طاعة، وعبادة أولا، وآخرا، إلا الذّكر، فإنّه لا أوّل له، ولا آخر، قال تعالى في سورة (الجمعة): ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾ وقال فيها أيضا رقم [٤١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً،﴾ وقال ابن عباس-﵄: لم يفرض الله- -على عبادة فريضة إلا جعل لها حدّا معلوما، ثمّ عذر أهلها في حال العذر غير الذّكر، فإنّه لم يجعل له حدّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلبا على عقله، وأمرهم به في جميع الأحوال كلّها،
стр. 1302
وذكر الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، وذكر آيتي (الأحزاب)، والمعنى: اذكروا الله في اللّيل، والنّهار، في البرّ، والبحر، في الصّحّة، والمرض، في السّرّ، والعلانية. وقيل: الذكر الكثير هو أن لا ينساه أبدا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩١] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [١٠١]. ﴿قَضَيْتُمُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَاذْكُرُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (اذكروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محلّ لها. ﴿اللهَ:﴾
منصوب على التعظيم، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿قِياماً وَقُعُوداً:﴾ حالان من واو الجماعة، وهما مصدران بمعنى: قائمين، وقاعدين. ﴿وَعَلى جُنُوبِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال معطوف على ما قبلهما، التقدير: ومضجعين على جنوبكم: والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ:﴾ الإعراب مثل سابقه، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿الصَّلاةَ:﴾ اسمها. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هي»، يعود إلى: ﴿الصَّلاةَ﴾. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿كانَتْ﴾. أو هما متعلقان ب ﴿مَوْقُوتاً﴾ بعدهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿كِتاباً:﴾ خبر ﴿كانَتْ﴾. ﴿مَوْقُوتاً:﴾ صفة له، صفة مؤكدة. وجملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.
﴿وَلا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤)﴾
الشرح: سبب نزول هذه الآية الكريمة: أنّ أبا سفيان، وأصحابه لمّا رجعوا من غزوة أحد؛ بلغ النبيّ ﷺ : أنّهم ينوون الرّجوع إلى المدينة، ليستأصلوا المسلمين، فندب الرسول ﷺ المسلمين لملاقاتهم، فشكوا من ألم الجراحات الّتي أصابتهم في غزوة أحد، فأورد الله عليهم الحجّة في هذه الآية الكريمة، وألزمهم بها. وانظر الآية رقم [١٤٠]: ورقم [١٧٢]: من سورة (آل عمران) ففيهما الكفاية.
﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ:﴾ ولا تضعفوا، ولا تجبنوا في طلب المشركين، وملاقاتهم.
﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ..﴾. إلخ؛ أي: إن كنتم تتألّمون من الجراح، والقتال؛ فإنّهم يتألّمون منه كما
стр. 1303
تتألّمون. فهو مثل قوله في سورة (آل عمران) رقم [١٤٠]: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾.
﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ أي: أنتم وإيّاهم فيما يصيبكم من الجرح، والآلام سواء، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة، والنّصر، والتأييد، كما وعدكم في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ وهو وعد حق، وخبر صدق، وهم لا يرجون شيئا من ذلك، فأنتم أجدر بالجهاد، والقتال منهم، وأنتم أحقّ في إقامة كلمة الله، وإعلانها. فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم، مع أنّكم أجدر بالصّبر منهم؟!
﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً:﴾ هو أعلم فيما يقدّره، ويقضيه، وينفذه، ويمضيه من أحكامه الكونية، والشّرعية، وهو المحمود على كلّ حال، وعلى كلّ لسان. والحمد لله!.
هذا؛ و (﴿تَرْجُونَ﴾) بمعنى: تؤمّلون؛ لأنّ أصل الرّجاء الأمل في الشّيء، والطّماعية فيه، قال الشاعر: [الوافر]
أترجو أمّة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب
كما يأتي: «ما أرجو» بمعنى: ما أبالي، قال خبيب بن عديّ-﵁ وأرضاه-: [الطويل]
لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما... على أيّ جنب كان في الله مصرعي
هذا؛ و «الرّجاء» يأتي بمعنى الخوف، قال تعالى في سورة (الفرقان): ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا..﴾. إلخ، وقال في آخر سورة (الكهف): ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً..﴾. إلخ، وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسّال، أي: الذي يقطف عسل النّحل: [الطويل]
إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تَهِنُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فِي ابْتِغاءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿اِبْتِغاءِ﴾ مضاف، و ﴿الْقَوْمِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿تَأْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿تَكُونُوا،﴾ والجملة الفعلية هذه لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّه جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، وجملة: ﴿يَأْلَمُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا
стр. 1304
محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، و (أن) ومدخولها كلام مفيد لتعليل النهي، لا محلّ لها، هذا وقرئ بفتح همزة («أن») فتكون ناصبة، والمصدر المؤول منها، ومن الفعل بعده على هذا في محل جر بحرف جرّ محذوف، التقدير: لأن تكونوا، وهي قراءة شاذّة، وتكون الجملة: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ﴾ تعليلا للنهي أيضا بعد التعليل الأول.
﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿تَأْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، و (ما) المصدرية، والفعل: ﴿تَأْلَمُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: فإنّهم يألمون ألما مثل ألمكم. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنّما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدّم، وليس هذا منها، وجملة:
﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ:﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَأْلَمُونَ،﴾ فإنّ المعنى: وإنكم ترجون من الله.
﴿ما:﴾ مفعول به، وهي موصولة، أو موصوفة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْجُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:
ويرجون من الله الذي، أو: شيئا لا يرجونه؛ أي: الكفار. ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً:﴾ إعرابها واضح، والجملة مستأنفة.
﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥)﴾
الشرح: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ:﴾ الواضح الّذي لا خفاء فيه، ولا غموض، والمراد بالكتاب: القرآن الكريم. ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ:﴾ بما عرّفك الله، وأوحى إليك. وإنّما سمّي العلم اليقيني: رؤية؛ لأنّه جرى مجراها في قوّة الظّهور. ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ:﴾ لأجل الخائنين. ﴿خَصِيماً:﴾ مخاصما عنهم، أي: مدافعا عنهم، ومعينا لهم.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة، وما بعدها في طعمة بن أبيرق من بني ظفر من الأنصار، وكان قد سرق درعا من جاره المسلم قتادة بن النّعمان-﵁-في جراب فيه أثر دقيق، فجعل الدّقيق ينتثر من خرق فيه، وخبّأها عند رجل من اليهود، يقال له: زيد بن السّمين، فالتمست الدّرع عند طعمة بسبب أثر الدّقيق، فلم توجد، وحلف بالله ما أخذها، وما له بها من علم، فتركوه، واتبعوا أثر الدّقيق حتى انتهى إلى نزل اليهودي، فأخذوها، فقال: دفعها إليّ طعمة بن أبيرق، وشهد له ناس من اليهود، فقال بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله ﷺ فنسأله أن يجادل عن صاحبنا، فذهبوا، وقالوا: يا رسول الله! إن لم تفعل؛ هلك طعمة، وافتضح، وبرئ اليهوديّ! فهمّ رسول الله ﷺ أن يفعل، فنزل جبريل الأمين-﵇-بهذه الآيات، ولمّا
стр. 1305
سمع طعمة بذلك لحق بمكّة مرتدّا عن الإسلام، ونزل على سلافة بنت سعد بن شهيد، فقال حسّان-﵁-بيتين يعرّض فيه بها، وهما: [الطويل]
وقد أنزلته بنت سعد وأصبحت... ينازعها جلد استها وتنازعه
ظننتم بأن يخفى الّذي قد صنعتم... وفينا نبيّ عنده الوحي واضعه
فلمّا بلغها ذلك، قالت له: إنّما أهديت إليّ شعر حسّان! وأخذت رحله، فطرحته خارج منزلها. ثمّ إنّ طعمة بن أبيرق عدا على الحجّاج بن علاط، فنقب عليه بيته، فسقط عليه حجر من الحائط، فلمّا أصبحوا، أخرجوه من مكّة، فلقي ركبا مسافرين. فعرض لهم، وقال: ابن سبيل، ومنقطع به، فحملوه معهم، حتى إذا جنّ الليل عدا عليهم، فسرقهم، وهرب، فركبوا في طلبه، فأدركوه، فرموه بالحجارة حتّى مات. ومن كانت هذه حاله كان كثير الخيانة، والإثم، فلذلك وصفه الله تعالى بالمبالغة في الخيانة، والإثم.
قال بعضهم: إذا عثرت من رجل على سيئة؛ فاعلم: أنّ لها أخوات. ويروى: أنّ عمر ﵁-أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمّه تبكي، وتقول: هذه أوّل سرقة سرقها، فاعف عنه يا أمير المؤمنين! فقال: كذبت ما كان الله ليفضحه من أوّل مرة.
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، حذفت نونها للتّخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الكتاب؛ أي: ملتبسا بالحقّ.
﴿لِتَحْكُمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل تقديره: أنت، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَنْزَلْنا﴾. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾
مضاف إليه. ﴿بِما:﴾ جار، ومجرور متعلقان بالفعل: (تحكم)، و (ما) موصولة، أو موصوفة.
﴿أَراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر، والكاف مفعول به أوّل. ﴿اللهُ:﴾
فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو:
بشيء أراكه الله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب (﴿لا﴾) واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِلْخائِنِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿خَصِيماً﴾ بعدهما الّذي هو خبر: ﴿تَكُنْ،﴾ وجملة: ﴿وَلا تَكُنْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة، يدل عليها النظم الكريم، كأنّه قيل: فاحكم به، ولا تكن... إلخ. ولا يعزب عن بالك: أنّ الفاء المقدّرة إنّما هي الفاء الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فاحكم... إلخ، والكلام كلّه لا محلّ له؛ لأنّه معطوف على الجملة الاسمية قبله.
стр. 1306
﴿وَاِسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦)﴾
الشرح: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ:﴾ اطلب من الله المغفرة ممّا هممت به، أي: من القضاء على اليهوديّ بقطع يده، أو من جدالك عن طعمة.
تنبيه: قد تمسّك بهذه الآية من يرى صدور الذنب من الأنبياء، وقالوا: لو لم يقع من الرّسول ﷺ ذنب؛ لما أمر بالاستغفار. والجواب عمّا تمسّكوا به: أنّ درجة الرّسول ﷺ أعلى الدرجات، ومنصبه أشرف المناصب، فلعلوّ درجته، وشرف منصبه، وكمال معرفته بالله فما يقع منه ﷺ على وجه التأويل، أو الاجتهاد، كما في أسرى بدر، وإذنه للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، وغير ذلك من أمور الدّنيا، فإنّه ذنب بالنسبة إلى منصبه العظيم، وجاهه الكريم، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، وذلك بالنسبة إلى منازلهم العالية، ودرجاتهم الرّفيعة. والله أعلم، وانظر الآية رقم [٤٣] من سورة (التوبة) تجد ما يسرّك.
الإعراب: ﴿وَاسْتَغْفِرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِسْتَغْفِرِ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:
أنت. ﴿اللهَ﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿لا تَكُنْ..﴾.) إلخ، لا محلّ لها مثلها. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً:﴾ تقدّم مثلها كثيرا وهي هنا مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.
﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثِيماً (١٠٧)﴾
الشرح: ﴿وَلا تُجادِلْ:﴾ هذا الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ . ﴿عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ:﴾ بتعريضها للعقاب، وحرمانها من الثواب. والاختيان: أبلغ من الخيانة، كالاكتساب، فإنّه أبلغ من الكسب، وسمّاه الله: خائنا لنفسه من حيث كان ضرره عائدا عليه، وكل عاص لله خائن لنفسه بتعريضها للعقاب، وتنقيص حقّها من الثواب، وألف ﴿يَخْتانُونَ﴾ مبدلة من واو؛ لأنّه من: خان، يخون. وتقول في الجمع: خونة، واسم الفاعل: خائن، وأصله: خاون، مثل: قائل أصله: قاول.
هذا؛ والمجادلة: المخاصمة من الجدل، وهو الفتل، ومنه: رجل مجدول الخلق، ومنه الأجدل للصّقر. وقيل: هو من الجدالة، وهي وجه الأرض، فكل واحد من الخصمين؛ يريد أن يلقي صاحبه عليها. ومنه قولهم: تركته مجدّلا؛ أي: مطروحا على الجدالة.
هذا؛ والجدل، والجدال، والمجادلة: المماراة، وهي مذمومة. فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه، إلاّ أوتوا الجدل» ثم قرأ:
стр. 1307
﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً»﴾. رواه الترمذيّ، وابن ماجة. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ﴾ أي: يبغض؛ لأنّ معنى محبة الله للعبد: رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه، ومعنى عدم محبّته للعبد: طرده من جنّته، وإبعاده من رحمته. ﴿مَنْ كانَ خَوّاناً:﴾ صيغة مبالغة بمعنى: كثير الخيانة. ﴿أَثِيماً:﴾ صيغة مبالغة أيضا بمعنى كثير الإثم، والمراد به: طعمة.
بعد هذا قال العلماء: ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريق عنهم؛ ليحموهم، ويدفعوا عنهم، فإنّ هذا قد وقع على عهد النبي ﷺ ، وفيهم نزلت الآيات، والخطاب للنبيّ ﷺ ، والمراد منه: الّذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه لوجهين: أحدهما: أنّه تعالى أبان ذلك بما ذكره بعده بقوله: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ والآخر: أنّ النبيّ ﷺ كان حكما فيما بينهم، ولذلك كان يعتذر إليه، ولا يعتذر هو إلى غيره، فدلّ: أنّ القصد لغيره. انتهى قرطبي بتصرف.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تُجادِلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَنِ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَخْتانُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمه. ﴿لا:﴾ نافية.
﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة بمعنى شخص أو إنسان، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿خَوّاناً:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿أَثِيماً:﴾
خبر ثان، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿لا يُحِبُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للنّهي لا محلّ لها.
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨)﴾
الشرح: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ:﴾ يستترون من الناس خوفا، وخجلا. والمراد بذلك بنو ظفر قوم طعمة بن أبيرق. ﴿وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ:﴾ وهو أحقّ أن يستحيا منه. وأصل الاستخفاء:
الاستتار، وإنّما فسّر الاستخفاء بالاستحياء على المعنى؛ لأنّ الاستخفاء من الناس يوجب الاستتار منهم. ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ بالعلم، والقدرة؛ أي: مطّلع عليهم، وعالم بأحوالهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم. هذا؛ وبين الجملتين طباق السّلب، وهو من المحسّنات البديعية. ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ:﴾ أي: يدبرون، ويزوّرون الّذي لا يرضاه الله تعالى من عزمهم على
стр. 1308
الحلف الكاذب، ونفي السرقة، ورمي اليهوديّ بها، وانظر (﴿بَيَّتَ﴾) في الآية رقم [٨١]: ﴿وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ أي: عليما دقيقا، فلا يفوته شيء من عملهم، ولا يعجزونه.
هذا؛ و «محيط» أصله: «محوط» لأنّه من: أحاط، يحيط، أو من: حاط، يحوط، وهو أولى، فهو من الباب الأول، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرّك، والحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، فنقلت حركة الواو إلى الحاء قبلها، فصار: «محوط» ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها.
قال النّسفي-رحمه الله تعالى-: وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلّة الحياء، وعدم الخشية من ربهم مع علمهم: أنّهم في حضرته، لا سترة، ولا غيبة عن علمه. وفي الآية دليل على أنّ الكلام هو المعنى القائم بالنّفس حيث سمّى التدبير: قولا. انتهى.
الإعراب: ﴿يَسْتَخْفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، ويجوز اعتبارها في محلّ نصب حال من واو الجماعة في: ﴿يَخْتانُونَ﴾. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾):
نافية، وجملة: (﴿لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ﴾) معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿وَهُوَ:﴾ الواو واو الحال. (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والجملة الاسمية في محلّ نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزّمان في الأصل، وهو هنا للحاضر، مبنيّ على السّكون في محل نصب متعلّق بالخبر المحذوف. ﴿يُبَيِّتُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿ما:﴾ موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْضى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول به؛ إذ التقدير: الّذي، أو: شيئا لا يرضاه. ﴿مِنَ الْقَوْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، العائد على: ﴿ما﴾. و ﴿مِنَ:﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾.
﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿كانَ﴾): فعل ماض ناقص. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بِما:﴾
جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُحِيطاً﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: بعملهم. ﴿مُحِيطاً:﴾ خبر: (كان) وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
стр. 1309
﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩)﴾
الشرح: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ..﴾. إلخ: خاصمتم، ودافعتم عنهم. والخطاب لقوم طعمة الذين حاولوا تبرئته من السّرقة، وإلصاقها باليهوديّ؛ أي: كما رأيت فيما تقدّم. ﴿فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ فيه توبيخ، وتهديد، ووعيد. ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً:﴾ محاميا يحميهم من عذاب الله تعالى يوم القيامة. وانظر الآية رقم [٨١].
تنبيه: هذه الآية الكريمة تقرع قلب كلّ من يدافع عن مجرم أثيم بالباطل: من قريب للمجرم، أو محام خبيث، وتصكّ آذانهم، وتأتي على بنيانهم من القواعد، فهلا عمل المجرم الأثيم وكالة لمحاميه الخبيث؛ ليدافع عنه أمام الله يوم القيامة؛ ليخلّصه من العقاب الشّديد، والعذاب الأليم.
الإعراب: ﴿ها أَنْتُمْ:﴾ (ها): حرف تنبيه لا محلّ له. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني هؤلاء، أو هو مبني على الضمّ المقدّر على آخره في محل نصب ب (يا) النداء المحذوفة، وعليه فجملة: ﴿جادَلْتُمْ عَنْهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة سواء أكانت فعلية، أم ندائية: معترضة بين المبتدأ، والخبر، لا محلّ لها من الإعراب، إلا أنّ هذا لا يجيزه سيبويه؛ لأنّ (أولاء) مبهم، ولا يحذف حرف النداء مع المبهم. هذا؛ ويعتبر الكوفيون: أنّ ﴿هؤُلاءِ﴾ اسم موصول هو الخبر، والجملة الفعلية بعده صلته. ولم يجزه البصريون؛ لأنّ ﴿هؤُلاءِ﴾ اسم إشارة، ولا يكون بمعنى الّذين. وهناك وجه ثالث، وهو: أنّ ﴿هؤُلاءِ﴾ خبر المبتدأ على تقدير مضاف محذوف، التقدير: ثمّ أنتم مثل هؤلاء، كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة، فعلى هذا جملة: ﴿جادَلْتُمْ﴾ في محل نصب حال من: ﴿هؤُلاءِ،﴾ والعامل في الحال معنى التشبيه.
عكبري. في غير هذا الموضع. هذا؛ وأرى صحة وجه آخر، وهو أن يكون: ﴿هؤُلاءِ﴾ مبتدأ ثانيا، وجملة: ﴿جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ في محل رفع خبره. هذا؛ ومثل الآية الكريمة في بعض أوجه إعرابها قول ذي الرّمة-وهو الشّاهد رقم [١٠٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
إذا هملت عيني لها قال صاحبي... بمثلك-هذا-لوعة وغرام
حيث قال الكوفيون: إنّ التقدير: يا هذا؛ ومثله الشاهد رقم [١٠٩٥].
﴿جادَلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، ويجب تقدير «قد» قبلها على اعتبارها حالا في بعض الوجوه.
﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الدُّنْيا:﴾
стр. 1310
صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر، والجملة الاسمية:
﴿ها أَنْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (من): اسم استفهام بمعنى النفي مبنيّ على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُجادِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بالفعل قبله، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿مَنْ:﴾ مبتدأ مثل ما قبله.
﴿يَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿وَكِيلاً﴾ بعدهما، وهو أولى من تعليقهما بالفعل: ﴿يَكُونُ﴾. ﴿وَكِيلاً:﴾ خبره، وجملة:
﴿يَكُونُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً﴾ أي: عملا يسوء به غيره، كما فعل طعمة بالسّرقة من قتادة، وإنّما خصّ ما يتعدى إلى الغير باسم السّوء؛ لأنّ ذلك يكون في الأكثر إيصالا للضّرر إلى الغير. ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بما يختصّ به، ولا يتعداه، وذلك كالشّرك، والحلف الكاذب. ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ:﴾
يطلب منه المغفرة. انظر الآية رقم [١٣٥] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في ترغيب طعمة في التّوبة، وعرضها عليه. وقيل: نزلت في قومه الّذين جادلوا عنه. وقيل: هي عامّة في كلّ مذنب، ومسيء؛ لأنّ خصوص السبب لا يمنع التّعميم، وهو الأصحّ.
تنبيه: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية دليل على حكمين: أحدهما: أنّ التوبة مقبولة من جميع الذّنوب: الكبائر، والصغائر؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ عمّ الكلّ. والحكم الثاني: أنّ ظاهر الآية يقتضي: أنّ مجرّد الاستغفار كاف، وقال بعضهم: إنّه مقيد بالتّوبة؛ لأنّه لا ينفع الاستغفار مع الإصرار. وهو المعتمد، فالمستغفر من الذّنب، وهو مصرّ عليه، كالمستهزئ بربّه، وقد بيّنته مرارا.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْمَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿سُوءاً:﴾ مفعول
стр. 1311
به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَظْلِمْ:﴾ معطوف على: ﴿يَعْمَلْ﴾ مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا. ﴿نَفْسَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.
﴿يَسْتَغْفِرِ:﴾ معطوف على فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿يَجِدِ:﴾ فعل جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا. ﴿اللهَ﴾ منصوب على التعظيم مفعول به أول. ﴿غَفُوراً:﴾ مفعول به ثان. ﴿رَحِيماً:﴾ من تعدّد المفعول الثاني؛ لأنّ الأصل-وهو خبر المبتدأ-يتعدّد. وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه. وجملة: ﴿يَجِدِ اللهَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشّرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية.
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً﴾ أي: يعمل ذنبا يأثم به. ﴿فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ يعني: إنّما يعود وبال كسبه عليه، والكسب عبارة عمّا يفيد جر منفعة، أو دفع مضرّة، فكأنّ الله تعالى يقول: يا أيها الإنسان! إنّ الذنب الذي ارتكبته إنّما عادت مضرّته عليك، فإني منزّه عن الضرّ، فأكثر من الاستغفار، ولا تيئس من قبول التّوبة. قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾. ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً:﴾ فلا يعاقب بالذّنب غير فاعله.
هذا؛ وقد فسّر الإثم في آية (الأعراف) رقم [٣٢] بالخمرة، وهو قول الحسن، وعطاء. قال الجوهري: وقد تسمّى الخمرة: إثما، واستدلّ عليه بقول الشّاعر: [الوافر]
شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول
قال ابن سيده صاحب المحكم: وعندي: أنّ تسمية الخمرة بالإثم صحيح؛ لأنّ شربها إثم.
وأنكر أبو بكر الأنباري تسمية الخمر بالإثم، قال: لأنّ العرب ما سمّته إثما قطّ لا في جاهلية، ولا في إسلام، ولكن قد يكون داخلا تحت الإثم لقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢١٩]:
﴿قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. والله أعلم بمراده.
الإعراب: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً:﴾ مثل الآية السابقة. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّما): كافة ومكفوفة. ﴿يَكْسِبُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى (من). ﴿عَلى نَفْسِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَإِنَّما يَكْسِبُهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشّرط.
وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجّح عند المعاصرين. والجملة الاسمية معطوفة على مثلها في الآية السابقة، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها، وهي مستأنفة.
стр. 1312
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً:﴾ ذنبا صغيرا، أو ما لا عمد فيه. ﴿أَوْ إِثْماً:﴾ ذنبا كبيرا، وما فيه عمد. وقيل: هما بمعنى واحد، وكرّر لاختلاف اللفظ تأكيدا. وهذه الآية لفظها عام يشمل جميع الذنوب. ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ أي: بالإثم، أو بالخطيئة، أو بهما جميعا؛ لأنّهما بمعنى واحد كما قدمت، أو المعنى: ثمّ يرم بأحد الأمرين. هذا؛ وتجمع ﴿خَطِيئَةً﴾ على: خطايا، كما في الآية رقم [٥٨] من سورة (البقرة)، وعلى: خطيئات، كما في الآية رقم [١٦١] من سورة (الأعراف).
﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً:﴾ استعارة؛ إذ الذنوب ثقل، ووزر، فهي كالمحمولات، قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [١٣]: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾. و (البهتان) من: البهت، وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب؛ وهو منه بريء؛ لأنّه يبهت عند ذلك، ويتحيّر. والبهتان:
الافتراء، والفعل منه: بهت، وبهت. وبهت: إذا انقطع، وسكت متحيّرا مدهوشا. وخذ ما يلي:
فقد روى مسلم-رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة-﵁: أنّ النبي ﷺ قال:
«أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذكرك أخاك فيما يكره». قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول؛ فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول؛ فقد بهتّه». رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي.
الإعراب: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً:﴾ انظر إعراب مثله في الآية السّابقة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَرْمِ:﴾ فعل مضارع معطوف على فعل الشّرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بَرِيئاً:﴾ مفعول به. ﴿فَقَدِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿اِحْتَمَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿بُهْتاناً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَقَدِ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ.
﴿وَإِثْماً:﴾ معطوف على سابقه. ﴿مُبِيناً:﴾ صفة: ﴿إِثْماً﴾.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ:﴾ كرمه، وجوده، وإنعامه. والخطاب للنبيّ ﷺ ، فقد تكرّم الله عليه بإعلامه، وكشف ما أضمر، وبيّت طعمة، وقومه من المؤامرة، والخيانة؛ الّتي رأيتها فيما سبق. ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ:﴾ المراد بهم: بنو ظفر قوم طعمة، و (الطّائفة): الجماعة من
стр. 1313
الناس، و (همّت) بمعنى: عزمت، وقرّرت، وأرادت. والهمّ: العزم على الشيء، والمقاربة من الفعل من غير دخول فيه، ومنه قوله تعالى في سورة (يوسف) الصدّيق-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها﴾. وقال عمرو بن ضابئ البرجمي: [الطويل]
هممت ولم أفعل وكدت وليتني... تركت على عثمان تبكي حلائله
و «الهم» أيضا: الحزن، ومثله: الغمّ. ويفرّق بينهما بأنّ الأول لأجل تحصيل شيء في المستقبل، والثاني لأجل فوات شيء، وفقدانه في الماضي، وبأنّ الأول يطرد النّوم، ويسبب الأرق، والثاني يجلب النّوم، ويسبّب الهدوء، والسكون، والهموم، والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان؛ أسرع فيه الشيب، وهزل جسمه. وروي عن النّبيّ ﷺ : أنّه قال: «الهمّ نصف الهرم».
وقال أبو الطيّب المتنبّي: [الكامل]
والهمّ يخترم الجسيم نحافة... ويشيب ناصية الصّبيّ فيهرم
﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ أي: يبعدوك عن الحقّ، والعدل مع علمهم بحقيقة الأمر. ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ:﴾ لأنّ وباله عليهم بسبب تعاونهم على الإثم، وبشهادتهم له:
أنّه بريء، فهم لمّا أقدموا على ذلك؛ رجع وباله عليهم. ﴿وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: وإن بذلوا جهدهم في إلقائك في الباطل، فأنت ما وقعت فيه؛ لأنّ الله متولّي شئونك، وحافظك، وعاصمك من الزّلل، والخطأ في حياتك كلّها، وما هممت به كان اعتمادا منك على ظاهر الأمر، لا ميلا في الحكم، وخروجا عن الحقّ.
﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ:﴾ القرآن. ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ القضاء بهما، وانظر الآية رقم [٥٤]، فكيف يضرّونك بتدليسهم، وخداعهم، وإلقائك في الشّبهات؟! ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ:﴾ من أحكام الشرع، وأمور الدين، وعلّمك من خفيات الأمور، وأطلعك على ضمائر القلوب، وعلّمك من أحوال المنافقين، وكيدهم ما لم تكن تعلم.
﴿وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ يعني: لم يزل فضل الله عليك يا محمد عظيما، فاشكره على ما أولاك من إحسان، ومنّ عليك بنبوّته، وعلّمك ما أنزل عليك من كتابه، وحكمته، وعصمك ممّن حاول إضلالك؛ فإنّ الله هو الذي تولاّك بفضله، وشملك بإحسانه، وكفاك غائلة من أرادك بسوء. ففي هذه الآية تنبيه من الله ، وتذكير لنبيه ﷺ على ما حباه من ألطافه، وما شمله من فضله، وإحسانه؛ ليقوم بواجب حقّه. انتهى خازن.
بعد هذا: فالفعل «علم، وتعلم» في هذه الآية من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أنّ المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى في ألفيته-: [الرجز]
لعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه
стр. 1314
بخلافه من العلم اليقيني، فإنّه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ، وخبر، وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأنّ متعلقها الذوات، دون النّسب، بخلاف العلم، فإنّ متعلقه المعاني، والنسب. وتفصيل ذلك: أنّك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى: أنّك عرفت ذاته، ولم ترد: أنّك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى؛ لم يتجاوز مفعولا واحدا؛ لأنّ العلم والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك. وإذا قلت: عرفت زيدا فقيها؛ لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنّما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة.
الإعراب: (لولا) حرف امتناع لوجود. ﴿فَضْلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره: موجود. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر: ﴿فَضْلُ﴾. ﴿وَرَحْمَتُهُ:﴾ معطوف على المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومتعلقه محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، وقائمة مقام شرط (لولا). ﴿لَهَمَّتْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا).
(همت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَةٌ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُضِلُّوكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والمصدر المؤوّل من الفعل وناصبه في محل نصب بنزع الخافض، التقدير:
بإضلالك، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لَهَمَّتْ..﴾. إلخ جواب (لولا) لا محلّ لها. وقيل: إنّ جواب (لولا) محذوف، تقديره: لأضلوك، وجملة: ﴿لَهَمَّتْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. والذي حمل القائل على هذا هو أنّ اللفظ يقتضي انتفاء همّهم بذلك؛ لأنّ «لولا» تقتضي انتفاء جوابها لوجود شرطها، وهمهم موجود. والجواب: أنّ المراد نفي تأثير همّهم فيه، لا نفيه أصلا. والجملة الاسمية: (لولا...) إلخ كلام مستأنف لا محلّ له.
﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿يُضِلُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون.. إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ أداة حصر. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، وهي في محل نصب حال مثلها. ﴿مِنْ:﴾
حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الجر الزائد.
﴿وَأَنْزَلَ اللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنْزَلَ اللهُ﴾): ماض، وفاعله. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
стр. 1315
﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ معطوف على ما قبله. (علمك): فعل ماض، ومفعوله الأول، والفاعل يعود إلى:
﴿اللهِ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ واسمه ضمير مستتر تقديره: أنت. ﴿تَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله تقديره: أنت، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿تَكُنْ،﴾ ومفعول الفعل محذوف للتعميم، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: الذي، أو: شيئا لم تكن تعلمه، وجملة:
﴿وَعَلَّمَكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.
﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كان) فعل ماض ناقص. ﴿فَضْلُ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿فَضْلُ،﴾ ﴿عَظِيماً:﴾ خبر (كان). والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محلّ لها.
﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤)﴾
الشرح: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ:﴾ أراد ما تفاوض به قوم بني أبيرق، وما دبّروه لتخليص مجرمهم من حدّ السرقة، وذكروه للنبيّ ﷺ . وهو عام في كلّ مناجاة لا تكون بطاعة الله؛ لأنّ خصوص السبب لا يمنع التعميم. هذا؛ والنّجوى: حديث المسارة بين اثنين، وأكثر، وهي مشتقّة من: نجوت الشيء، أنجوه: إذا خلّصته، وأفردته. والنّجوة من الأرض: المرتفع، لانفراده عمّا حوله، والنّجوى: مصدر، وقد تسمى به الجماعة، وبه قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوى﴾ رقم [٤٧] من سورة (الإسراء)، كما يقال: قوم عدل، ورضا. وخذ ما يلي:
فعن عبد الله بن مسعود-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا كنتم ثلاثة؛ فلا يتناج اثنان دون الآخر، حتّى يختلطوا بالنّاس؛ من أجل أن ذلك يحزنه» رواه مسلم.
وعن عبد الله بن مسعود-﵁-أيضا: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا ينتجي اثنان دون الثّالث، فإنّ ذلك يحزنه». رواه أبو داود. وانظر ما ذكرته في سورة (المجادلة) فإنّه جيّد، والحمد لله!.
﴿إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ:﴾ حثّ النّاس، ورغّبهم في إنفاق المال في وجوه الخير، وفي سبيل الله.
﴿أَوْ مَعْرُوفٍ:﴾ المعروف: لفظ يعمّ أعمال البرّ كلّها؛ أي: ونهى عن منكر. هذا؛ والمعروف:
стр. 1316
كل ما يستحسنه الشّرع، والعقول السليمة تضافرت على استحسانه. قال رسول الله ﷺ : «كلّ معروف صدقة، وإنّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق». وقال ﷺ : «المعروف كاسمه، أوّل من يدخل الجنّة يوم القيامة المعروف، وأهله». وقال عليّ-﵁: لا يزهدنّك في المعروف كفر من كفره، فقد يشكر الشّاكر بأضعاف جحود الكافر. وقال الحطيئة: [البسيط]
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه... لا يذهب العرف بين الله والنّاس
وأنشد الرّياشي: [الوافر]
يد المعروف غنم حيث كانت... تحمّلها كفور أو شكور
ففي شكر الشّكور لها جزاء... وعند الله ما كفر الكفور
وقال الماورديّ-رحمه الله تعالى-: فينبغي لمن قدر على إسداء المعروف أن يعجّله حذار فواته، ويبادر به خيفة عجزه، وليعلم: أنّه من فرص زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بقدرة فاتت، فأعقبت ندما، ومعوّل على مكنة زالت، فأورثت خجلا، كما قال الشاعر: [البسيط]
ما زلت أسمع كم من واثق خجل... حتّى ابتليت فكنت الواثق الخجلا
ولو فطن لنوائب دهره، وتحفّظ من عواقب مكره؛ لكانت مغانمه مذخورة، ومغارمه مجبورة، فقد روي عن النبي ﷺ : أنّه قال: «من فتح عليه باب من الخير؛ فلينتهزه، فإنّه لا يدري متى يغلق عنه». وروي عن رسول الله ﷺ : أنّه قال: «لكلّ شيء ثمرة، وثمرة المعروف السّراح» أي: التعجيل، ورحم الله من قال: [الوافر]
إذا هبّت رياحك فاغتنمها... فإنّ لكلّ خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها... فما تدري السّكون متى يكون؟
وقال العباس-﵁: لا يتمّ المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله، وتصغيره، وستره.
فإذا عجلته؛ هنأته، وإذا صغرته؛ عظمته، وإذا سترته؛ أتممته. وقال بعض الشعراء: [الرمل]
زاد معروفك عندي عظما... أنّه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته... وهو عند النّاس مشهور خطير
ومن شرط المعروف: ترك الامتنان به، وترك الإعجاب بفعله؛ لما فيهما من إسقاط الشكر، وإحباط الأجر.
﴿أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ:﴾ عام في الدّماء، والأموال، والأعراض، وفي كلّ شيء يقع به التداعي، والاختلاف فيه بين المسلمين، وقد قال النبيّ ﷺ لأبي أيوب-﵁: «ألا
стр. 1317
أدلّك على صدقة يحبّها الله ورسوله: تصلح بين النّاس؛ إذا تفاسدوا، وتقرّب بينهم؛ إذا تباعدوا». رواه الطبرانيّ.
وعن أبي الدّرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصّيام، والصّلاة، والصّدقة؟» قالوا: بلى. قال: «إصلاح ذات البين، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة». رواه أبو داود، والترمذي. وقال الترمذيّ أيضا: ويروى عن النبي ﷺ أنّه قال: «هي الحالقة، لا أقول تحلق الشّعر، ولكن تحلق الدّين».
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ أي: الأمور المتقدّم ذكرها. ﴿اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ:﴾ يعني: طلب رضاه؛ لأنّ الإنسان إذا فعل ذلك خالصا لوجه الله؛ نفعه، وإن فعله رياء، وسمعة؛ لم ينفعه ذلك لقوله ﷺ : «إنّما الأعمال بالنّيّات...» الحديث. ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ يعني: في الآخرة إذا فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله. ﴿أَجْراً عَظِيماً:﴾ لا حدّ له؛ لأنّ الله سمّاه عظيما، وإذا كان كذلك؛ فلا يعلم قدره إلا الله. هذا؛ ويقرأ الفعل: «نؤتيه» بالياء والنون.
الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿خَيْرَ:﴾ اسم: ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِي كَثِيرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا﴾ أو هما متعلّقان ب ﴿خَيْرَ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف، تقديره: موجود، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنْ نَجْواهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿كَثِيرٍ﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلاّ:﴾
أداة استثناء، أو حرف حصر. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء، وهي على حذف مضاف، التقدير: إلا نجوى من. وقيل: هو على الاستثناء المنقطع، التقدير: لكن من... إلخ، وهذا يعني: أنّ ﴿إِلاّ﴾ بمعنى: (لكن)، وعلى تفسير «نجوى» بقوم، أو جماعة، فالاستثناء متّصل، ولا حذف، ولا تقدير، أو هو بدل من: ﴿نَجْواهُمْ﴾ بدل بعض من كل؛ لأنّ الكلام منفي، وعلى اعتبار ﴿إِلاّ﴾ بمعنى: لكن يجوز أن تكون ﴿مِنْ﴾ في موضع رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: لكن من أمر... ففي نجواه خير، وعليه فالجملة الاسمية في محل نصب على الاستثناء من الكلام السابق، وجملة: ﴿أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ﴾ صلة: ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلّق ب ﴿إِصْلاحٍ﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه.
(﴿مِنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَفْعَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مِنْ﴾). ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿اِبْتِغاءَ:﴾ مفعول لأجله، وهو مضاف، و ﴿مَرْضاتِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و ﴿مَرْضاتِ﴾
стр. 1318
مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله أيضا، وفاعله محذوف أيضا.
﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف استقبال، وهي مفيدة للتحقيق، والتوكيد هنا. ﴿نُؤْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل تقديره: نحن، والهاء مفعول به أول. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول به ثان. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له، وجملة: (سوف...) إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ، وخبر المبتدأ مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا وتكرارا، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥)﴾
الشرح: نزلت الآية الكريمة، والتي بعدها بسبب طعمة بن أبيرق السّارق لمّا حكم الرسول ﷺ بقطع يده، وهرب إلى مكّة، وارتدّ عن الإسلام، كما رأيته فيما سبق، ومعنى: ﴿يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ ﷺ : يخالفه، ويخرج عن طاعته. هذا؛ وللشّقاق ثلاثة معان انظرها في الآية رقم [٣٥].
هذا؛ والفعل ﴿يُشاقِقِ﴾ بالفكّ هنا، وقرئ بسورة (الأنفال) رقم [١٣]، وسورة (الحشر) رقم [٤] بالفكّ، والإدغام، وقد ذكرت هناك: أنّهما قراءتان، والقراءة توقيفية، والقواعد النحوية تجيز في المضارع المضعّف المجزوم بجازم: الفكّ، والإدغام.
﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى:﴾ ظهر له الحق. هذا؛ ويقال: تبين الشيء، وبان، وأبان، واستبان، كلّه بمعنى واحد، وهو لازم، وقد يستعمل بعضها متعديا، يقال: استبان الشّيء، واستبنته. ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ غير ما هم عليه من اعتقاد، أو عمل. وهو دليل على: أنّ الإجماع حجّة شرعية لا يجوز مخالفتها، كما لا تجوز مخالفة الكتاب، والسنة؛ لأنّ الله تعالى جمع بين اتّباع غير سبيل المؤمنين، وبين مشاقّة الرّسول في الشّرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد، فكان اتّباعهم واجبا كموالاة الرّسول ﷺ . انتهى نسفي.
﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى:﴾ نجعله واليا لما تولى من الضّلال، وندعه وما اختاره في الدّنيا لنفسه.
أي: إذا سلك الطّريق المعوجّة؛ جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره، ونزينها له استدراجا له، كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ،﴾ وقال تعالى:
﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾. ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ:﴾ ندخله في الآخرة جهنم جزاء إعراضه عن متابعة الرّسول ﷺ ، وطريق المؤمنين في الدنيا. ﴿وَساءَتْ مَصِيراً:﴾ ساء: فعل ذم يجري مجرى:
«بئس». ﴿مَصِيراً:﴾ مقرّا، ومآلا.
روي: أنّ الشافعي-﵁-سئل عن آية في كتاب الله تعالى تدلّ على أنّ الإجماع حجّة، فقرأ القرآن ثلاثمائة مرّة حتّى استخرج هذه الآية. انتهى خازن.
стр. 1319
الإعراب: (﴿مَنْ يُشاقِقِ﴾): إعرابه مثل إعراب ما قبله، والفاعل يعود إلى (من). ﴿الرَّسُولَ:﴾
مفعول به. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من المصدر المفهوم من الفعل السابق. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْهُدى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذر.
و ﴿ما﴾ والفعل: ﴿تَبَيَّنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد تبيين الهدى له. ﴿وَيَتَّبِعْ:﴾ معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿غَيْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف إليه، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿نُوَلِّهِ:﴾ جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:
نحن، والهاء مفعول به أول. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا تولاه. ﴿وَنُصْلِهِ:﴾ معطوف على: ﴿نُوَلِّهِ﴾ مجزوم مثله، وجملة: ﴿نُوَلِّهِ..﴾. إلخ جواب الشرط، لا محلّ لها؛ لأنّها لم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيته في الآية رقم [١١١].
تنبيه: يجوز في العربية نصب: (﴿يَتَّبِعْ﴾)، ونصب: (﴿نُصْلِهِ﴾) ورفعه، وهذا يعتمد على قاعدة، وهي أنّه: إذا عطف مضارع بالواو، أو بالفاء على فعل الشرط جاز نصبه على إضمار «أن» وجزمه بالعطف على فعل الشرط، وإذا عطف مضارع على جواب الشرط بالواو وبالفاء، يجوز جزمه بالعطف على جواب الشرط، ونصبه على إضمار «أن» ورفعه على الاستئناف، ولكن لم يقرأ في هذه الآية بغير الجزم. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته في عوامل الجزم: [الرجز]
والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا أو الواو بتثليث قمن
وجزم أو نصب لفعل إثر فا... أو واو ان بالجملتين اكتنفا
﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ..﴾. إلخ: انظر شرحها في الآية رقم [٤٨]. ﴿ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً:﴾
خرج عن جادة الحقّ، وابتعد عن الصراط المستقيم، وإن الشّرك أعظم أنواع الضلالة، وأبعدها
стр. 1320
عن الصّواب، والاستقامة، وانظر الآية رقم [٦٠] ورقم [٨٨]. وإنّما ذكر سبحانه في الآية الأولى:
﴿فَقَدِ افْتَرى﴾ لأنّها متصلة بقصّة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم نوع افتراء، وهو دعوى التبنّي.
تنبيه: نزلت الآية الأولى في حقّ وحشي قاتل الحمزة-﵁، وهي متّصلة بالكلام على أهل الكتاب، فهي ترغّبهم في الإيمان. ونزلت هذه الآية في ترغيب طعمة بن أبيرق بالتّوبة، والرّجوع إلى الإيمان، فلا تكرار في الكلام.
هذا؛ وقيل: جاء شيخ إلى رسول الله ﷺ ، وقال: إنّي شيخ منهمك في الذنوب، والمعاصي، إلا أنّي لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته، وآمنت به، ولم أتّخذ من دونه وليّا، ولم أقع في المعاصي جراءة على الله، ولا مكابرة له، وما توهّمت طرفة عين أنّي أعجز الله هربا، وإني لنادم تائب، فما ترى حالي عند الله تعالى؟ فنزلت الآية الكريمة. وسبق إعراب مثل هذه الآية.
﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧)﴾
الشرح: ﴿إِنْ يَدْعُونَ:﴾ ما يعبدون؛ أي: الكفار. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ من دون الله. ﴿إِلاّ إِناثاً:﴾ المراد بها: الأصنام المسمّاة باللات، والعزى، ومناة، ونحوها، كان لكلّ حيّ صنم يعبدونه، ويسمّونه: أنثى بني فلان، وذلك لتأنيث أسمائها، أو لأنّه كانت جمادات، والجمادات تؤنّث من حيث ضاهت الإناث لانفعالها، أي: لخلقها، ومن حقّ المعبود أن يكون خالقا.
وقيل: أنّثت؛ لأنّهم كانوا يقولون في أصنامهم: هنّ بنات الله. وقيل: لأنّهم كانوا يلبسونها أنواع الحلي، ويزيّنوها على هيئات النّساء.
﴿شَيْطاناً مَرِيداً:﴾ لأنّه هو الذي أمرهم بعبادتها، فكانت طاعته في ذلك عبادة له. ونظيره في المعنى قول الله في سورة (التوبة): ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: أطاعوهم فيما أمروهم به، لا أنهم عبدوهم. وانظر شرح «الشيطان» في الآية رقم [٧٦]. هذا؛ وقال ابن عباس-﵄: لكلّ صنم شيطان يدخل في جوفه، ويتراءى للسّحرة، والكهنة، ويكلّمهم: فلذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً﴾.
هذا؛ و (مريد) هو الذي بلغ النهاية في الشرّ، والفساد، يقال: «مرد» من بابي: نصر، وظرف: إذا عتا، وتجبر؛ فهو مارد، ومريد. هذا؛ وأصل (دون) من الدّون، وهو: القرب، ومثله: أدنى، قال تعالى في الآية رقم [٤]: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ ومنه تدوين الكتب؛ لأنّه إدناء؛ أي: تقريب البعض من البعض، ثمّ استعير للرّتب، فيقال: زيد دون عمرو؛ أي: في الشرف، والسيادة، ثم اتّسع فيهما، فاستعملا في كلّ تجاوز حدّ إلى حدّ، وتخطّي حكم إلى حكم، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٢٨]: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لا يتجاوز وقاية المؤمنين إلى الكافرين، وقال أميّة بن أبي الصّلت: [البسيط]
стр. 1321
يا نفس ما لك دون الله من واق... ولا لسبع بنات الدّهر من راق
أي: إذا تجاوزت وقاية الله، ولم تناليها لم يقك غيره. ويأتي (دون) بمعنى قدّام، قال الأعشى: [الطويل]
تريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق
و (دون) نقيض: فوق، وهو تقصير عن الغاية، ويكون اسم فعل أمر، كقولك: دونك الدّرهم؛ أي: خذه، ويكون ظرفا، وهو الأصل فيه، والدون: الحقير، الخسيس، قال الشاعر: [المتقارب]
إذا ما علا المرء رام العلا... ويقنع بالدّون من كان دونا
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿إِناثاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
وقال الجمل: الجملتان بمنزلة التّعليل لما قبلهما. تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿لَعَنَهُ اللهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨)﴾
الشرح: ﴿لَعَنَهُ اللهُ:﴾ أبعده من رحمته، وطرده من جنّته، وانظر الآية رقم [٥٢].
﴿وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ:﴾ أي: لأجعلنّ لي. ﴿مِنْ عِبادِكَ:﴾ (عباد) جمع: عبد، وهو الإنسان حرّا كان أو رقيقا، ويقال للملوك: عبد قن، وله جموع كثيرة، أشهرها عبيد، وعباد، وعبدان، وعبدة، والإضافة في نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ إضافة تشريف، وتكريم، وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان للنبيّ ﷺ اسم أشرف منه، وأعظم؛ لسمّاه به حينما أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى حيث قال جلّ ذكره: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ﴾.
وفي معناه أنشدوا: [السريع]
يا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السّامع والرّائي
لا تدعني إلاّ بيا عبدها... فإنّه أشرف أسمائي
﴿نَصِيباً:﴾ حظّا مقطوعا واجبا لي، وهذا النصيب المقطوع هم الذين يتبعون خطواته، ويقبلون وساوسه، وهم تسعمائة وتسعة وتسعون من كل ألف، فيدخل الجنّة من كلّ ألف واحد، لقول النبي ﷺ : «ما أنتم فيمن سواكم إلاّ كالشّعرة البيضاء في جلد الثّور الأسود». ويعضده قوله
стр. 1322
تعالى لآدم يوم القيامة: «يا آدم! أخرج من ذرّيتك بعث النّار، فيقول: يا ربّ! وما بعث النّار؟ فيقول الله تعالى: أخرج من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فعند ذلك تشيب الأطفال من شدّة الهول». أخرجه مسلم. فنصيب الشّيطان هو بعث النّار، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧] من سورة المزمّل؛ تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿لَعَنَهُ:﴾ فعل ماض ومفعوله. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل ﴿شَيْطاناً﴾ في الآية السابقة، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم، وجوّز «الجمل» فيها الاستئناف، وقال: إمّا إخبار بذلك، وإما دعاء عليه. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿شَيْطاناً﴾. ﴿لَأَتَّخِذَنَّ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف، والنون حرف لا محلّ له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنا، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب صفة مثلها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب، وهي على تقدير «قد» قبلها، والرابط: الواو، والضمير، وجوّز اعتبارها مستأنفة. ﴿مِنْ عِبادِكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محلّ نصب مفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿نَصِيباً:﴾ مفعول به. ﴿مَفْرُوضاً:﴾ صفة له.
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩)﴾
الشرح: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: لأبعدنّهم عن طريق الحقّ. والمراد: التّزيين، والوسوسة، وإلا؛ فليس له من الإضلال شيء. قال بعضهم: لو كانت الضلالة إلى إبليس؛ لأضلّ جميع الخلق. ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ قال ابن عباس-﵄: يريد تسويف التوبة، وتأخيرها. وقال الكلبيّ-رحمه الله تعالى-: أي: الأماني الباطلة، كطول الحياة، وأن لا بعث، ولا حساب، ولا عقاب، ولا جنّة، ولا نار. انتهى. والأماني لا تنحصر؛ لأنّ كل واحد في نفسه إنّما يمنّيه بقدر رغبته، وقرائن أحواله. ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ﴾ أي: يقطّعونها، ويشعرونها، وهو ما كانوا يفعلونه بالبحيرة، والسّائبة، والوصيلة من الحيوانات المذكورة في سورة (المائدة) رقم [١٠٣]، والبتك: شقّ الأذن، وهو أيضا: القطع. ﴿الْأَنْعامِ:﴾ مأكولة اللّحم من: بقر، وغنم، وإبل، وما عز.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ أي: عن وجهه صورة، أو صفة، ويندرج فيه ما قيل من فقء عين الحامي، وخصاء العبيد، والوشم، والوشر، والوسم في الوجه، واللّواط، والسّحاق
стр. 1323
ونحو ذلك، وعبادة الشمس، والقمر، وتغيير فطرة الله التي هي الإسلام، ويلحق به تغيير الشيب بالسّواد، والتّخنّث والخنسة، وغير ذلك.
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمّاد-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : إنّي خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشّياطين، فاجتالتهم عن دينهم، فحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزّل به سلطانا، وأمرتهم أن يغيّروا خلقي».
وعن ابن مسعود-﵁: أنّه قال: «لعن رسول الله ﷺ الواشمات، والمستوشمات، والمتنمّصات، والمتفلّجات للحسن؛ المغيّرات خلق الله». فقالت له امرأة في ذلك، فقال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ ؟! وفي كتاب الله قال الله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. أخرجه السّتّة.
﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يعني: يتّخذه ربّا يطيعه فيما يأمره. ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً:﴾ حيث استبدل طاعة الشّيطان بطاعة الله تعالى، والفساد بالصّلاح، والعقاب بالثّواب. هذا؛ وقيل في تفسير (الخسران): أنّه جعل لكلّ واحد من بني آدم منزل في الجنّة، ومنزل في النّار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار الّتي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النّار، فذلك هو الخسران، وأيّ خسران أعظم من هذا الخسران!! وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد، إلاّ وله منزلان: منزل في الجنّة، ومنزل في النّار، فإذا مات، فدخل النّار؛ ورث أهل الجنّة منزله». فذلك قوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾.
تنبيه: قد يرد سؤال: من أين لإبليس العلم بالعواقب حتّى يقول ما قاله الله تعالى عنه:
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (الأعراف) حكاية عنه: ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ وفي (الإسراء): ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلاً،﴾ وأكّد ذلك ما حكاه الله من قوله في سورة (ص):
﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وما يشبه في سورة (الحجر)؟ والجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنّ إبليس-لعنه الله-ظنّ: أنّ هذه الأمور التي يريدها تقع منهم، فحصل له ما ظنّه، ويدلّ على ذلك قوله تعالى في سورة (سبأ): ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾.
الوجه الثّاني: قال ابن الأنباري: المعنى: لأجتهدن، ولأحرصنّ في ذلك، لا أنّه كان يعلم الغيب.
الوجه الثالث: قال الماوردي: من الجائز أن يكون قد علم ذلك من الملائكة بخبر من الله تعالى: أنّ أكثر الخلق لا يؤمنون.
تنبيه: النصيب المفروض: هو الشيء القليل، وهو ما ذكرته آية (الإسراء)؛ فكيف الجمع بينه وبين حديث: «بعث النار»؟ والجواب: أنّ الكفار الذين هم حزب الشّيطان، وإن كانوا أكثر
стр. 1324
من المسلمين في العدد؛ لكنّهم أقلّ من المؤمنين في الفضل، والشرف، وعلوّ الدّرجة عند الله، والمؤمنون وإن كانوا أقلّ من الكفار؛ لكنّهم أكثر منهم؛ لأنّ لهم الفضل، والشرف، والسّؤدد، والغلبة في الدّنيا، وعلو الدّرجة في الآخرة. وأنشد بعضهم في هذا المعنى، فقال: [الكامل]
وهم الأقلّ إذا تعدّ عشيرة... والأكثرون إذا يعدّ السّؤدد
بعد هذا؛ فأصل: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ:﴾ يغيّرون، فلمّا اتّصلت به نون التوكيد؛ صار: ليغيّروننّ، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال فصار: ليغيّرونّ، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على الراء قبلها؛ لتدلّ عليها، فصار: (ليغيّرنّ)، وقل مثله في إعلاله: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ،﴾ وكلّ مضارع من الأفعال الخمسة فاعله واو الجماعة، واتصلت به نون التّوكيد.
الإعراب: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَأُضِلَّنَّهُمْ﴾): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ الّتي هي حرف لا محلّ له، واللام واقعة في جواب قسم محذوف، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنا، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، لا محلّ لها مثلها، والجملتان: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ معطوفتان عليها، وإعرابهما مثلها بلا فارق، والمتعلق محذوف. ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ليبتكن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، والنون حرف توكيد لا محلّ له. ﴿آذانَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْأَنْعامِ:﴾ مضاف إليه، واللام واقعة في جواب قسم محذوف مثل ما قبلها.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ:﴾ إعرابهما مثل إعراب ما قبلهما. ﴿خَلْقَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف.
و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَّخِذِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿الشَّيْطانَ:﴾ مفعول به أول. ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان ب ﴿وَلِيًّا﴾ أو بمحذوف صفة له.
و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَسِرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من).
﴿خُسْراناً:﴾ مفعول مطلق. ﴿مُبِيناً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿فَقَدْ..﴾. إلخ في محلّ جزم جواب الشرط... إلخ، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته مرارا، وتكرارا.
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً (١٢٠)﴾
الشرح: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ أي: الشّيطان الوعود الكاذبة، وترّهاته من طول العمر، وبأنّه لا بعث، ولا حساب، ولا جنّة، ولا نار، ويوهمهم الفقر؛ حتّى لا ينفقوا في الخير. ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ الأماني
стр. 1325
الباطلة ممّا لا ينالون. وانظر الآية رقم [٣٢]. ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ أي: خديعة. قال ابن عرفة-رحمه الله تعالى-: الغرور: ما رأيت له ظاهرا تحبّه، وهو إمّا بالخواطر الفاسدة، أو بألسنة أوليائه. ولا تنس الطباق بين السّلب، والإيجاب.
الإعراب: ﴿يَعِدُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى «الشّيطان» والهاء مفعول به أوّل، والثاني محذوف، تقديره: طول العمر، ونحوه. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿وَيُمَنِّيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثّقل، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيضا، والهاء مفعول به أوّل، والثاني محذوف، انظر المعنى والشرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية.
﴿يَعِدُهُمْ:﴾ فعل مضارع، ومفعوله الأول. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿غُرُوراً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط:
الواو، وإعادة ﴿الشَّيْطانُ﴾ بلفظه، وكان حقّه الإضمار، فأعاده لزيادة التّحقير، والتّحذير منه.
وإن اعتبرت الجملة مستأنفة؛ فلا محلّ لها.
﴿أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة لأولياء الشّيطان، المتّبعون وساوسه، وزخارفه. ﴿مَأْواهُمْ:﴾
مقرّهم، ومصيرهم، ومآلهم. ﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً:﴾ مهربا، ومفرّا.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿مَأْواهُمْ:﴾ مبتدأ ثان مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: واو الحال.
(﴿لا﴾): نافية. ﴿يَجِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿عَنْها:﴾
جار، ومجرور متعلّقان ب ﴿مَحِيصاً﴾ بعدهما. ﴿مَحِيصاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، أو من: ﴿جَهَنَّمُ﴾ والرابط على الاعتبارين:
الواو، والضمير.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً (١٢٢)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٥٧] ففيها الكفاية.
وأضيف هنا: أنّ الأبد عبارة عن مدّة الزمان الممتد الذي لا انقطاع له، ولا يتجزّأ، كما يتجزأ
стр. 1326
غيره من الأزمنة؛ لأنّه لا يقال: أبد كذا، كما يقال: زمن كذا، وفي قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ دليل على أنّ الخلود لا يفيد التأبيد، والدّوام؛ لأنّه لو أفاد ذلك؛ لزم التّكرار، وهو خلاف الأصل، فعلم من ذلك: أنّ الخلود عبارة عن طول الزّمان، لا على الدّوام، فلمّا أتبع الخلود بالأبد؛ علم: أنّه يراد به الدّوام؛ الّذي لا ينقطع.
﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا:﴾ يعني: وعد الله ذلك الذي ذكر وعدا حقّا. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً:﴾
أصله: قولا؛ بكسر القاف، وسكون الواو، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، والقيل:
والقال، والقول بمعنى واحد. والمقصود من الآية الكريمة معارضة المواعيد الشّيطانية الكاذبة لأوليائه بوعد الله الصادق لأصفيائه، والمبالغة في توكيده، ترغيبا للعباد في تحصيله. وانظر الآية رقم [٨٧] فهو جيّد. هذا؛ ولا تنس المقابلة بين هذه وما تضمّنت من الوعد وبين ما قبلها، وانظر شرح المقابلة في الآية رقم [٨٥].
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً:﴾ انظر الآية رقم [٥٧] ففيها الكفاية. ﴿وَعْدَ:﴾ مفعول مطلق مؤكّد لمضمون (ندخلهم) لأنّه وعد من العزيز الحكيم، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقًّا:﴾
مفعول مطلق لفعل محذوف، تقديره: حقّ ذلك حقّا، والجملة الفعلية هذه صفة وعد الله، وجوّز اعتبارها حالا من المصدر قبله، وهو ضعيف.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنْ﴾): اسم استئناف بمعنى النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصْدَقُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَصْدَقُ،﴾ أو هما متعلقان ب ﴿قِيلاً﴾ لأنّه مصدر أيضا. ﴿قِيلاً:﴾ تمييز، وانظر الآية رقم [٨٧].
﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣)﴾
الشرح: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ:﴾ الخطاب للمؤمنين، والمعنى: ليس الأمر على شهواتكم، وأمانيكم أيّها المسلمون. ﴿وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ:﴾ وليس الأمر على شهوات أهل الكتاب:
اليهود، والنصارى. هذا؛ و (﴿أَمانِيِّ﴾) جمع: أمنية بتشديد الياء، وتخفيفها فيهما، قال أبو حاتم- رحمه الله تعالى-: كلّ ما جاء من هذا النحو واحد، مشدّد، فلك فيه التّشديد، والتخفيف، مثل:
أثافي، وأغاني، وأماني، ونحوه. وهذا من قولهم: مان الرجل في حديثه مينا، وتمنّى، تمنيا، أي: كذب، ومنه قول عثمان بن عفان-﵁: ما تمنّيت مذ أسلمت؛ أي: ما كذبت.
أو هي جمع: أمنية من التمنّي، وهو طلب شيء محبوب، لا يرجى حصوله لكونه مستحيلا:
أو بعيد الوقوع. وإذا كان متوقّع الحصول؛ فإنّ ترقّبه يسمّى ترجيا، وعليه: فالأماني التي يتمنّاها
стр. 1327
سفلة اليهود، ويعدهم بها رؤساؤهم مواعيد فارغة؛ من أنّ الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا، وأنّ النّار لن تمسّهم إلا أياما معدودة، وأنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وأنّهم أبناء الله، وأحباؤه... إلى غير ما هنالك من الأماني الفارغة. هذا؛ وأصلها: «أمنوية» على وزن «أفعولة» فقل في إعلالها: اجتمعت الواو والياء، والأوّل ساكن، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثمّ قلبت ضمّة النّون كسرة لمناسبة الياء، فصار: أمنية، وانظر (تمنى) في الآية رقم [٣٢].
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ أي: من المشركين، وأهل الكتاب، والمسلمين، فمات عليه من غير توبة يجز به النّار، وهو قول الجمهور، ولفظ الآية عام، فالكافر، والمؤمن، مجازى بعمله السّوء، فأمّا مجازاة الكافر؛ فالنّار لأنّ كفره أوبقه، وأمّا مجازاة المؤمن؛ فبنكبات الدنيا، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة-﵁، قال: لمّا نزلت الآية بلغت من المسلمين مبلغا شديدا، فقال رسول الله ﷺ : «قاربوا، وسدّدوا، ففي كلّ ما يصاب به المسلم كفّارة له، حتّى النّكبة ينكبها، والشّوكة يشاكها».
وعن أبي بكر الصدّيق-﵁-قال: كنت عند رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية الكريمة، فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت عليّ؟». قلت: بلى يا رسول الله! قال: فأقرأنيها، فلا أعلم أنّي وجدت انقصاما في ظهري، فتمطّأت لها، فقال رسول الله ﷺ :
«ما شأنك يا أبا بكر؟!» قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي! وأيّنا لم يعمل سوءا؟! وإنا لمجزيّون بأعمالنا؟! فقال رسول الله ﷺ : «أمّا أنت يا أبا بكر، والمؤمنون فتجزون بذلك في الدّنيا، حتّى تلقوا الله؛ وليس عليكم ذنوب، وأمّا الآخرون، فيجتمع ذلك لهم حتّى يجزوا به يوم القيامة». أخرجه الترمذيّ، وقال: حديث غريب. وفي رواية قال له رسول الله ﷺ : «أما تمرض، أو يصيبك بلاء؟» قال: بلى يا رسول الله! قال: «هو ذلك».
﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ..﴾. إلخ هذا في حقّ الكافر، فأمّا المؤمن؛ فله وليّ، ونصير. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فإن حملت الآية على الكافر؛ فليس له غدا ولي، ولا نصير، وإن حملت على المؤمن؛ فليس له وليّ، ولا نصير دون الله.
تنبيه: روي: أنّ المسلمين، وأهل الكتاب تفاخروا، فقال اليهود: نبيّنا قبل نبيّكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، فنبيّنا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على كتابكم. فنزلت الآية الكريمة، وقرّرت: أنّ الجزاء من جنس العمل، وأنّ الإيمان ليس بالتمنّي.
قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: ليس الإيمان بالتمنّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل، إنّ قوما ألهتهم الأماني حتّى خرجوا من الدّنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظنّ بالله تعالى، كذبوا، لو أحسنوا الظنّ؛ لأحسنوا العمل.
стр. 1328
هذا؛ ومن أماني أهل الكتاب قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى﴾.
وقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾. وقيل: الخطاب للمشركين؛ حيث قالوا: لا بعث، ولا حساب... إلخ، والله أعلم.
الإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر، ولم يتقدّم له ذكر؛ أي: ليس الأمر الذي ادعيتموه، أو: ليس ذلك، أو: ليس ثواب الله. ﴿بِأَمانِيِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ؛﴾ أي: منوطا بأمانيّكم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿أَمانِيِّ:﴾ معطوف على سابقه، وهو مضاف، و ﴿أَهْلِ:﴾
مضاف إليه، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْمَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿سُوءاً:﴾ مفعول به. ﴿يُجْزَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ أيضا، وهو المفعول الأوّل. ﴿بِهِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو: ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، كما رأيته مرارا، والجملة الاسمية مستأنفة. وقيل: تعليل للنّفي، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يَجِدْ:﴾ معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وقرئ بالرفع على الاستئناف، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان ب ﴿نَصِيراً﴾ بعدهما. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، هما مفعوله الأول، و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.
﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيراً:﴾
معطوف على ما قبله.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ أي: بعضها، فإنّ ﴿مَنْ﴾ للتبعيض هنا؛ لأنّ كل واحد لا يستطيع القيام بجميعها، وليس مكلّفا بها كلّها. ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى:﴾ هذا بيان من العليّ القدير: أنّ الأنثى مثل الذّكر في الثّواب، والعقاب، والمسئولية أمام الله، وما أكثر الآيات التي تبيّن، وتصرّح بهذا. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: بالله، ورسوله، واليوم الآخر، والإسلام،
стр. 1329
والقرآن، ومحمد ﷺ . وهذا يسمّى في البلاغة: احتراسا؛ إذ لولاه؛ لدخل الجنّة كلّ من عمل صالحا في الدّنيا، من مسلم، ويهوديّ، ونصرانيّ، لكن هذا الشّرط يخرج غير المسلمين، ويحرمهم من دخول الجنّة. ﴿فَأُولئِكَ﴾ أي: الذين يعملون الصالحات، وهم مؤمنون. ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً:﴾ بنقص شيء من الثّواب، ولا بزيادة شيء من العقاب؛ لأنّ المجازي أحكم الحاكمين، ولا يظلم أحدا بمثقال ذرّة، كما رأيت في الآية رقم [٤٠] وانظر شرح «النّقير» في شرح الآية رقم [٤٩]. هذا؛ وروعي لفظ (﴿مَنْ﴾) في أوّل الآية، وروعي معناه في آخرها.
الإعراب: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿مِنَ الصّالِحاتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ ذَكَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿يَعْمَلْ﴾ المستتر، و (﴿مَنْ﴾) بيان لما أبهم في: (﴿مَنْ﴾). ﴿أَوْ أُنْثى:﴾ معطوف على: ﴿ذَكَرٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر أيضا، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء:
واقعة في جواب الشّرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿يَدْخُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ، وانظر تتمة الكلام في الآية السابقة. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ منصوب على الظرفية المكانية عند بعض النّحاة، وفي مقدّمتهم سيبويه، والمحقّقون، وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسّع في الكلام بإجراء اللازم مجرى المتعدّي، ومثل ذلك قل في: «دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام» وأيضا قوله تعالى: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾ وهذا إذا كان الفعل ثلاثيّا، وأمّا إذا كان رباعيّا؛ فانظره في الآية رقم [٥٧].
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله. ﴿نَقِيراً:﴾ مفعول به ثان، وهو على تقدير مضاف؛ أي: لا يظلمون بمقدار النّقير. وقيل: هو تمييز، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاِتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ أي: لا أحد أحسن دينا ممّن انقاد لأمر الله، وشرعه، وأخلص عمله لله تعالى، وأقبل بكلّيته عليه. وخصّ الوجه بالذّكر؛ لأنّه أشرف الأعضاء الظّاهرة، وفيه أكثر الحواس، ولأنّه موضع السجود، ومظهر آثار الخشوع، والخضوع، وفيه يظهر العزّ، والإذلال، والفرح، والحزن، والسّرور، والغمّ، وغير ذلك، والعرب تخبر
стр. 1330
بالوجه عن جملة الشيء، قال الله لنبيّه ﷺ : ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ رقم [٢٠] من سورة (آل عمران)، وإذا جاء العبد بوضع وجهه على الأرض في السّجود؛ فقد جاء بجميع أعضائه، فقال زيد بن عمرو بن نفيل، وهو من الذين تفرقوا في البلدان في الجاهلية يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم-﵇: [المتقارب]
وأسلمت وجهي لمن أسلمت... له الأرض تحمل صخرا ثقالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت... له المزن تحمل عذبا زلالا
يعني بذلك: استسلمت لطاعة من استسلم لطاعته الأرض والمزن.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ:﴾ أي: في عمله. فله شرطان: أحدهما: أن يكون خالصا لله تعالى، والثاني: أن يكون صوابا موافقا للشريعة التي جاء بها محمّد ﷺ . فمتى اختلّ شرط منهما؛ كان العمل غير مقبول قطعا.
هذا؛ و (الدين) اسم لجميع ما يتعبّد به الله تعالى، والدّين: الملة، والشّريعة، ومنه قوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾. ويوم الدين: يوم الجزاء، والحساب. هذا؛ ويطلق الدّين على العادة، والشأن، والحال، ومنه قول امرئ القيس في معلّقته: [الطويل]
كدينك من أمّ الحويرث قبلها... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل
هذا؛ والدّين بفتح الدّال: الدّين المؤجل، وجمع الأوّل: أديان، وجمع الثاني: ديون وأدين، والدّينونة: القضاء، والحساب، والدّيانة: اسم لجميع ما يتعبّد به الله تعالى.
﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً:﴾ ملّة إبراهيم: دينه، وطريقته، وهي بكسر الميم، وهي بفتح الميم: الرّماد الحار، و (﴿حَنِيفاً﴾) مائلا عن كلّ دين باطل إلى دين الحقّ. قال الشاعر: [الوافر]
ولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين
ورجل أحنف، وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها، قالت أمّ الأحنف بن قيس: [الرجز]
والله لولا حنف برجله... ما كان في فتيانكم من مثله
وقال قوم: الحنف: الاستقامة، فسمّي دين إبراهيم حنيفا لاستقامته، وسمّي المعوجّ الرّجلين أحنف تفاؤلا بالاستقامة، كما قيل للّديغ: سليم، وللهلكة: مفازة، والعرب تسمي كلّ من حجّ، أو اختتن: حنيفا، تنبيها على أنّه على دين إبراهيم. وخذ قول سيدنا الرّسول ﷺ :
«بعثت بالحنيفيّة السّمحة».
стр. 1331
﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً:﴾ لقد ذكرت أسباب كثيرة لاتخاذ الله إبراهيم خليلا، أكتفي بأمرين من ذلك:
١ - روي: أنّ إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بعث غلمانه إلى خليل له بمصر في أزمة أصابت النّاس بشدّة؛ ليمتاروا منه، فقال خليله للغلمان: لو كان إبراهيم يريد الطّعام لنفسه؛ لفعلت، ولكن يريده للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب النّاس من الشدّة، فرجع غلمانه بدون ميرة، فمرّوا في طريقهم ببطحاء من الرملة سهلة، فملئوا الغرائر منها؛ لئلا يرى النّاس: أنّهم رجعوا بدون ميرة، فلما أخبروا إبراهيم بذلك ساءه الخبر، فغلبته عيناه فنام، وقامت سارة-﵍-إلى غرارة منها، ففتحتها فإذا هي ملأى بأجود دقيق، فأمرت الخبّازين، فخبزوا، وأطعموا النّاس، فاستيقظ إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فوجد ريح الخبز، فقال: يا سارة! من أين لكم هذا؟ فقالت: من عند خليلك المصري. فقال: بل هذا من عند خليلي الله. قال: فيومئذ اتّخذه الله خليلا.
٢ - روى الطّبرانيّ عن عمر بن الخطاب-﵁-قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله ﵎ بعث حبيبي جبريل-﵊-إلى إبراهيم ﵇، فقال له:
يا إبراهيم! إنّي لا أتّخذك خليلا على أنّك أعبد عباد لي، ولكن اطّلعت على قلوب المؤمنين، فلم أجد قلبا أسخى من قلبك».
هذا؛ وقد اتّخذ الله محمّدا ﷺ خليلا، كما اتّخذ إبراهيم خليلا، فقد ثبت في الصّحيحين عن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبي ﷺ : أنّه قال: «لو كنت متّخذا خليلا غير ربّي؛ لاتّخذت أبا بكر خليلا، ولكنّه أخي، وصاحبي، وقد اتّخذ الله صاحبكم خليلا». أخرجه مسلم.
فقد ثبت بهذين الحديثين الخلّة ل (إبراهيم) ﵇، وللنبيّ ﷺ ، وزاد على إبراهيم-﵇-بالمحبّة، فمحمّد خليل الله، وحبيبه، فقد جاء في حديث عن ابن عباس-﵃: أنّ النبي ﷺ قال: «وأنا حبيب الله، ولا فخر! وأنا أوّل شافع، وأوّل مشفّع؛ ولا فخر! وأنا أوّل من يحرّك حلقة الجنّة، فيفتح الله، ويدخلنيها؛ ومعي فقراء المؤمنين؛ ولا فخر! وأنا أكرم الأوّلين، والآخرين يوم القيامة؛ ولا فخر!». أخرجه الترمذيّ بأطول من هذا.
بعد ما تقدّم فالخلّة بين الآدميين: الصّداقة، مشتقّة من تخلّل الأسرار بين المتخالّين. وقيل:
هي من الخلّة، فكل واحد من الخليلين يسدّ خلّة صاحبه. هذا؛ والخليل: هو الصديق الذي صفت مودّته، فتجد من خلاله مثل ما يجد من خلالك، ويسعى لمصلحتك كما يسعى لمصلحته، بل قد يؤثرك على نفسه، ويبذل روحه من أجلك، كما قال ربيعة بن مقروم الضبّي: [الوافر]
أخوك أخوك من تدنو وترجو... مودّته وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي... وزاد سلاحه منك اقترابا
стр. 1332
وهو معدوم في هذا الزّمن؛ الّذي فسد أهله، وصاروا خلّا، ودودا، كما قال القائل: [الوافر]
سألت النّاس عن خلّ ودود... فقالوا: النّاس من خلّ ودود
فقلت أليس فيهم ذو وفاء... فقالوا: كان ذلك في الجدود
احفظ البيتين، ولا تنس ما فيهما من الجناس التّام، لذا فإنّه لا وجود للصّديق بالمعنى الحقيقي، بل صار وجوده مستحيلا، كما قال القائل: [الكامل]
قد قيل إنّ المستحيل ثلاثة... الغول والعنقاء والخلّ الوفي
وقال الآخر: [الوافر]
سألت النّاس عن خلّ وفيّ... فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسّك إن ظفرت بذيل حرّ... فإنّ الحرّ في الدّنيا قليل
وممّا هو جدير بالذّكر: أنّ كل صداقة لا تكون على أساس من التّقوى، تنقلب عداوة في الدّنيا، والآخرة، خذ قوله تعالى في سورة الزّخرف: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ،﴾ وانظر نتيجة صداقة إبليس اللّعين في سورة (إبراهيم) رقم [٢٢] وفي سورة (ق) أيضا. وفي مصنّف أبي داود عن أبي هريرة-﵁: أنّ النبيّ ﷺ قال: «الرّجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». ولقد أحسن من قال: [السريع]
من لم تكن في الله خلّته... فخليله منه على خطر
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿دِيناً:﴾ تمييز.
﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَحْسَنُ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة؛ فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿أَسْلَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أَسْلَمَ،﴾ أو هما متعلّقان بمحذوف حال من: ﴿وَجْهَهُ،﴾ والجملة الاسمية: (﴿هُوَ مُحْسِنٌ﴾) في محل نصب حال من فاعل:
﴿أَسْلَمَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها معترضة؛ فلا محلّ لها، والاعتراض يزيد الكلام تقوية، وتسديدا. (اتّبع): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِلَّةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿حَنِيفاً:﴾ حال من: ﴿إِبْراهِيمَ﴾ وقيل: هو حال من فاعل: (اتّبع) المستتر، وهو ضعيف، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأنّ المضاف كجزء منه، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله
стр. 1333
أو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا
وجملة: ﴿وَاتَّبَعَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَسْلَمَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعولاه. وقيل: ﴿خَلِيلاً:﴾ حال من:
﴿إِبْراهِيمَ،﴾ ولا وجه له. والجملة الفعلية معترضة في آخر الكلام، لا محلّ لها من الإعراب.
قال الزمخشري، كنحو ما يجيء في الشعر من قولهم: «والحوادث جمّة» (١) الشّاهد رقم [٧١٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وقال: فائدتها تأكيد وجوب اتّباع ملّته؛ لأنّ من بلغ الزّلفى عند الله بأن اتّخذه خليلا؛ كان جديرا بأن تتّبع ملّته، وطريقته، ولو جعلتها معطوفة على الجملة قبلها؛ لم يكن لها معنى. انتهى كشاف.
﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦)﴾
الشرح: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ: ملكا، وخلقا، وعبيدا، والمعنى: أنّ الله اتّخذ إبراهيم بحسن طاعته، لا لحاجته إلى مخالّته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بقوّته، كيف، وله ما في السموات وما في الأرض؟! وإنّما أكرمه لامتثاله لأمره، واجتنابه لنهيه. وفيه تغليب غير العقلاء على العقلاء. ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً:﴾ انظر الآية رقم [١٠٨] ففيها الكفاية.
الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلّقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها.
﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُحِيطاً﴾ بعدهما، و (كل) مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مُحِيطاً:﴾
خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محلّ لها.
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧)﴾
الشرح: نزلت الآية الكريمة بسبب سؤال قوم من الصّحابة عن أمر النساء، وأحكامهن في
стр. 1334
الميراث، وغير ذلك، فأمر الله نبيه ﷺ أن يقول: ﴿اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ أي: يبيّن لكم حكم ما سألتم عنه. وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السّورة من أمر النساء، وكانوا قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها، فسألوا، فقيل لهم: ﴿اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾.
وقال ابن عباس-﵄: نزلت في بنات أم كجّة، وقد تقدّمت قصّتهنّ في الآية رقم [٧] من هذه السّورة. وقالت عائشة-﵂: هي اليتيمة تكون في حجر الرّجل، وهو وليّها، فيرغب في نكاحها، إذا كانت ذات جمال، ومال بأقلّ من سنّة صداقها، وإذا كانت غير مرغوب فيها لقلّة الجمال، والمال؛ تركها. وانظر الآية رقم [٣] من هذه السورة. هذا؛ والاستفتاء: طلب الفتوى، وهو إظهار ما أشكل من الأحكام الشّرعية، وكشفه، وتبيينه.
قال المفسّرون: والذي استفتوه فيه هو ميراث النّساء، وذلك: أنّهم كانوا لا يورّثون النّساء، ولا الصّغار من الأولاد، فلمّا نزلت آيتا الميراث رقم [١١ و ١٢] قالوا: يا رسول الله! كيف نورّث المرأة، والصغيرة؟ فأجابهم بهذه الآية: ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ المعنى: الله يفتيكم في النّساء بما أنزل في كتابه عليكم. ﴿فِي يَتامَى النِّساءِ:﴾ قيل:
معناه: في النّساء اليتامى. وقيل: في اليتامى أولاد النساء؛ لأنّ الآية نزلت في يتامى أمّ كجّة.
﴿اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ يعني: ما فرض لهنّ من الميراث، وهذا على قول من يقول: إنّ الآية نزلت في ميراث اليتامى الصغار. وعلى القول الآخر: معناه: ما كتب لهنّ من الصّداق.
﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ التقدير: في أن، أو: عن أن تنكحوهن، فإنّ أولياء اليتامى كانوا يرغبون في نكاحهن إذا كنّ جميلات، ويأكلون مالهنّ، وإلا فيرغبون عن نكاحهنّ إن كنّ غير جميلات، ويعضلوهنّ عن الزّواج بغيرهم، انظر الآية رقم [٣] من هذه السّورة.
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ:﴾ فهو معطوف على ما قبله، أي: داخل في المبهم المطلوب بيانه في الفتوى؛ لأنّ العرب لم يكونوا يورّثون من لم يقاتل من النّساء، والولدان. ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ﴾ انظر الآيتين رقم [٢ و ٣] فالبحث فيهما كاف ضاف. ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ..﴾.
إلخ: هذا وعد من الكريم لمن آثر الخير في ذلك، وفعله، وقد حذف مقابله اكتفاء به، فإنّ التقدير: وما تفعلوا من شرّ... إلخ.
تنبيه: روي: أنّ عيينة بن حصن أتى النّبيّ ﷺ فقال: أخبرنا أنّك تعطي الابنة النصف، والأخت النصف، وإنّا كنّا لا نورّث إلا من يشهد القتال، ويحوز الغنيمة! فقال ﷺ : بذلك أمرت. ونزلت الآية الكريمة.
تنبيه: رأيت: أنّ الفعل «يرغب» تغيّر معناه بتغيّر الجار الذي تعلّق به، وهذا أحد الأفعال التي يتغيّر معناها بتغيّر الجار، كما رأيت في الآية رقم [٢٧] والآية رقم [١٣٥] الآتية، لذا كان قول القائل -وهو الشّاهد رقم [٩٢٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -محتملا للمدح والذّمّ: [الطويل]
стр. 1335
ويرغب أن يبني المعالي خالد... ويرغب أن يرضى صنيع الألائم
هذا؛ و (نساء) اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ لأنّ مفرده: امرأة، وجمعها في القلّة:
نسوة، وفي الكثرة: نساء، وتجمع أيضا على نسوان، ونسون، ونسنين، وهذه الجموع كلّها مأخوذة من النّسيان، فهي مطبوعة عليه، إمّا إهمالا، وإما كذبا، ويقال لكلّ واحد من هذه الجموع: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، أما «المرأة» فهي مأخوذة من «المرء» وهو الرّجل، فلذا سميت بذلك، والأم الأولى حوّاء-﵍-سمّيت بذلك؛ لأنّها مأخوذة من: حي، وهو آدم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فِي النِّساءِ:﴾
متعلّقان به. ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يُفْتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به. ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والنون حرف دالّ على جماعة الإناث، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَما:﴾ موصولة، أو موصوفة، ومحلّها يحتمل الجرّ، والنصب، والرفع، فالجرّ بالعطف على الضّمير المجرور ب (في) من غير إعادة الجار والمجرور على مذهب الكوفيين، والنصب على تقدير فعل محذوف، التقدير: ونبيّن لكم ما يتلى. والرفع-وهو المختار-وفي ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: هو معطوف على ضمير الفاعل في: ﴿يُفْتِيكُمْ،﴾ وساغ ذلك لوجود الفاصل بالجار والمجرور. والثاني: هو معطوف على (﴿اللهُ﴾) الواقع فاعلا. والثالث: هو مبتدأ، خبره: الجار، والمجرور: ﴿فِي الْكِتابِ﴾. وقيل: هو محذوف، التقدير: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ يبيّن لكم. ﴿يُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، ونائب الفاعل يعود إلى (﴿ما﴾). ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، وتقدّم وجه ثالث، انظره. وجملة: ﴿يُتْلى..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها. ﴿فِي يَتامَى:﴾ بدل من:
﴿فِي الْكِتابِ﴾ بدل اشتمال، وهناك مضاف محذوف، أي: في حكم يتامى. أو هما متعلقان بالفعل: ﴿يُتْلى﴾ أو هما بدل من قوله: ﴿فِيهِنَّ،﴾ أو هما متعلقان ب ﴿الْكِتابِ﴾ نفسه: أي: فيما كتب في حكم يتامى. أو هما متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل، و ﴿يَتامَى﴾ مضاف، و ﴿النِّساءِ:﴾ مضاف إليه. ﴿اللاّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السّكون في محل جر صفة: ﴿يَتامَى النِّساءِ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُؤْتُونَهُنَّ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله الأول، والنّون حرف دالّ على جماعة الإناث، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو