﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً:﴾ لقد ذكرت أسباب كثيرة لاتخاذ الله إبراهيم خليلا، أكتفي بأمرين من ذلك:
١ - روي: أنّ إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بعث غلمانه إلى خليل له بمصر في أزمة أصابت النّاس بشدّة؛ ليمتاروا منه، فقال خليله للغلمان: لو كان إبراهيم يريد الطّعام لنفسه؛ لفعلت، ولكن يريده للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب النّاس من الشدّة، فرجع غلمانه بدون ميرة، فمرّوا في طريقهم ببطحاء من الرملة سهلة، فملئوا الغرائر منها؛ لئلا يرى النّاس: أنّهم رجعوا بدون ميرة، فلما أخبروا إبراهيم بذلك ساءه الخبر، فغلبته عيناه فنام، وقامت سارة-﵍-إلى غرارة منها، ففتحتها فإذا هي ملأى بأجود دقيق، فأمرت الخبّازين، فخبزوا، وأطعموا النّاس، فاستيقظ إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فوجد ريح الخبز، فقال: يا سارة! من أين لكم هذا؟ فقالت: من عند خليلك المصري. فقال: بل هذا من عند خليلي الله. قال: فيومئذ اتّخذه الله خليلا.
٢ - روى الطّبرانيّ عن عمر بن الخطاب-﵁-قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله ﵎ بعث حبيبي جبريل-﵊-إلى إبراهيم ﵇، فقال له:
يا إبراهيم! إنّي لا أتّخذك خليلا على أنّك أعبد عباد لي، ولكن اطّلعت على قلوب المؤمنين، فلم أجد قلبا أسخى من قلبك».
هذا؛ وقد اتّخذ الله محمّدا ﷺ خليلا، كما اتّخذ إبراهيم خليلا، فقد ثبت في الصّحيحين عن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبي ﷺ : أنّه قال: «لو كنت متّخذا خليلا غير ربّي؛ لاتّخذت أبا بكر خليلا، ولكنّه أخي، وصاحبي، وقد اتّخذ الله صاحبكم خليلا». أخرجه مسلم.
فقد ثبت بهذين الحديثين الخلّة ل (إبراهيم) ﵇، وللنبيّ ﷺ ، وزاد على إبراهيم-﵇-بالمحبّة، فمحمّد خليل الله، وحبيبه، فقد جاء في حديث عن ابن عباس-﵃: أنّ النبي ﷺ قال: «وأنا حبيب الله، ولا فخر! وأنا أوّل شافع، وأوّل مشفّع؛ ولا فخر! وأنا أوّل من يحرّك حلقة الجنّة، فيفتح الله، ويدخلنيها؛ ومعي فقراء المؤمنين؛ ولا فخر! وأنا أكرم الأوّلين، والآخرين يوم القيامة؛ ولا فخر!». أخرجه الترمذيّ بأطول من هذا.
بعد ما تقدّم فالخلّة بين الآدميين: الصّداقة، مشتقّة من تخلّل الأسرار بين المتخالّين. وقيل:
هي من الخلّة، فكل واحد من الخليلين يسدّ خلّة صاحبه. هذا؛ والخليل: هو الصديق الذي صفت مودّته، فتجد من خلاله مثل ما يجد من خلالك، ويسعى لمصلحتك كما يسعى لمصلحته، بل قد يؤثرك على نفسه، ويبذل روحه من أجلك، كما قال ربيعة بن مقروم الضبّي: [الوافر]
أخوك أخوك من تدنو وترجو... مودّته وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي... وزاد سلاحه منك اقترابا
стр. 1332
وهو معدوم في هذا الزّمن؛ الّذي فسد أهله، وصاروا خلّا، ودودا، كما قال القائل: [الوافر]
سألت النّاس عن خلّ ودود... فقالوا: النّاس من خلّ ودود
فقلت أليس فيهم ذو وفاء... فقالوا: كان ذلك في الجدود
احفظ البيتين، ولا تنس ما فيهما من الجناس التّام، لذا فإنّه لا وجود للصّديق بالمعنى الحقيقي، بل صار وجوده مستحيلا، كما قال القائل: [الكامل]
قد قيل إنّ المستحيل ثلاثة... الغول والعنقاء والخلّ الوفي
وقال الآخر: [الوافر]
سألت النّاس عن خلّ وفيّ... فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسّك إن ظفرت بذيل حرّ... فإنّ الحرّ في الدّنيا قليل
وممّا هو جدير بالذّكر: أنّ كل صداقة لا تكون على أساس من التّقوى، تنقلب عداوة في الدّنيا، والآخرة، خذ قوله تعالى في سورة الزّخرف: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ،﴾ وانظر نتيجة صداقة إبليس اللّعين في سورة (إبراهيم) رقم [٢٢] وفي سورة (ق) أيضا. وفي مصنّف أبي داود عن أبي هريرة-﵁: أنّ النبيّ ﷺ قال: «الرّجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». ولقد أحسن من قال: [السريع]
من لم تكن في الله خلّته... فخليله منه على خطر
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿دِيناً:﴾ تمييز.
﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَحْسَنُ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة؛ فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿أَسْلَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أَسْلَمَ،﴾ أو هما متعلّقان بمحذوف حال من: ﴿وَجْهَهُ،﴾ والجملة الاسمية: (﴿هُوَ مُحْسِنٌ﴾) في محل نصب حال من فاعل:
﴿أَسْلَمَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها معترضة؛ فلا محلّ لها، والاعتراض يزيد الكلام تقوية، وتسديدا. (اتّبع): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِلَّةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿حَنِيفاً:﴾ حال من: ﴿إِبْراهِيمَ﴾ وقيل: هو حال من فاعل: (اتّبع) المستتر، وهو ضعيف، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأنّ المضاف كجزء منه، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله
стр. 1333
أو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا
وجملة: ﴿وَاتَّبَعَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَسْلَمَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعولاه. وقيل: ﴿خَلِيلاً:﴾ حال من:
﴿إِبْراهِيمَ،﴾ ولا وجه له. والجملة الفعلية معترضة في آخر الكلام، لا محلّ لها من الإعراب.
قال الزمخشري، كنحو ما يجيء في الشعر من قولهم: «والحوادث جمّة» (١) الشّاهد رقم [٧١٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وقال: فائدتها تأكيد وجوب اتّباع ملّته؛ لأنّ من بلغ الزّلفى عند الله بأن اتّخذه خليلا؛ كان جديرا بأن تتّبع ملّته، وطريقته، ولو جعلتها معطوفة على الجملة قبلها؛ لم يكن لها معنى. انتهى كشاف.
﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦)﴾
الشرح: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ: ملكا، وخلقا، وعبيدا، والمعنى: أنّ الله اتّخذ إبراهيم بحسن طاعته، لا لحاجته إلى مخالّته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بقوّته، كيف، وله ما في السموات وما في الأرض؟! وإنّما أكرمه لامتثاله لأمره، واجتنابه لنهيه. وفيه تغليب غير العقلاء على العقلاء. ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً:﴾ انظر الآية رقم [١٠٨] ففيها الكفاية.
الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلّقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها.
﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُحِيطاً﴾ بعدهما، و (كل) مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مُحِيطاً:﴾
خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محلّ لها.
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧)﴾
الشرح: نزلت الآية الكريمة بسبب سؤال قوم من الصّحابة عن أمر النساء، وأحكامهن في
стр. 1334
الميراث، وغير ذلك، فأمر الله نبيه ﷺ أن يقول: ﴿اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ أي: يبيّن لكم حكم ما سألتم عنه. وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السّورة من أمر النساء، وكانوا قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها، فسألوا، فقيل لهم: ﴿اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾.
وقال ابن عباس-﵄: نزلت في بنات أم كجّة، وقد تقدّمت قصّتهنّ في الآية رقم [٧] من هذه السّورة. وقالت عائشة-﵂: هي اليتيمة تكون في حجر الرّجل، وهو وليّها، فيرغب في نكاحها، إذا كانت ذات جمال، ومال بأقلّ من سنّة صداقها، وإذا كانت غير مرغوب فيها لقلّة الجمال، والمال؛ تركها. وانظر الآية رقم [٣] من هذه السورة. هذا؛ والاستفتاء: طلب الفتوى، وهو إظهار ما أشكل من الأحكام الشّرعية، وكشفه، وتبيينه.
قال المفسّرون: والذي استفتوه فيه هو ميراث النّساء، وذلك: أنّهم كانوا لا يورّثون النّساء، ولا الصّغار من الأولاد، فلمّا نزلت آيتا الميراث رقم [١١ و ١٢] قالوا: يا رسول الله! كيف نورّث المرأة، والصغيرة؟ فأجابهم بهذه الآية: ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ المعنى: الله يفتيكم في النّساء بما أنزل في كتابه عليكم. ﴿فِي يَتامَى النِّساءِ:﴾ قيل:
معناه: في النّساء اليتامى. وقيل: في اليتامى أولاد النساء؛ لأنّ الآية نزلت في يتامى أمّ كجّة.
﴿اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ يعني: ما فرض لهنّ من الميراث، وهذا على قول من يقول: إنّ الآية نزلت في ميراث اليتامى الصغار. وعلى القول الآخر: معناه: ما كتب لهنّ من الصّداق.
﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ التقدير: في أن، أو: عن أن تنكحوهن، فإنّ أولياء اليتامى كانوا يرغبون في نكاحهن إذا كنّ جميلات، ويأكلون مالهنّ، وإلا فيرغبون عن نكاحهنّ إن كنّ غير جميلات، ويعضلوهنّ عن الزّواج بغيرهم، انظر الآية رقم [٣] من هذه السّورة.
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ:﴾ فهو معطوف على ما قبله، أي: داخل في المبهم المطلوب بيانه في الفتوى؛ لأنّ العرب لم يكونوا يورّثون من لم يقاتل من النّساء، والولدان. ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ﴾ انظر الآيتين رقم [٢ و ٣] فالبحث فيهما كاف ضاف. ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ..﴾.
إلخ: هذا وعد من الكريم لمن آثر الخير في ذلك، وفعله، وقد حذف مقابله اكتفاء به، فإنّ التقدير: وما تفعلوا من شرّ... إلخ.
تنبيه: روي: أنّ عيينة بن حصن أتى النّبيّ ﷺ فقال: أخبرنا أنّك تعطي الابنة النصف، والأخت النصف، وإنّا كنّا لا نورّث إلا من يشهد القتال، ويحوز الغنيمة! فقال ﷺ : بذلك أمرت. ونزلت الآية الكريمة.
تنبيه: رأيت: أنّ الفعل «يرغب» تغيّر معناه بتغيّر الجار الذي تعلّق به، وهذا أحد الأفعال التي يتغيّر معناها بتغيّر الجار، كما رأيت في الآية رقم [٢٧] والآية رقم [١٣٥] الآتية، لذا كان قول القائل -وهو الشّاهد رقم [٩٢٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -محتملا للمدح والذّمّ: [الطويل]
стр. 1335
ويرغب أن يبني المعالي خالد... ويرغب أن يرضى صنيع الألائم
هذا؛ و (نساء) اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ لأنّ مفرده: امرأة، وجمعها في القلّة:
نسوة، وفي الكثرة: نساء، وتجمع أيضا على نسوان، ونسون، ونسنين، وهذه الجموع كلّها مأخوذة من النّسيان، فهي مطبوعة عليه، إمّا إهمالا، وإما كذبا، ويقال لكلّ واحد من هذه الجموع: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، أما «المرأة» فهي مأخوذة من «المرء» وهو الرّجل، فلذا سميت بذلك، والأم الأولى حوّاء-﵍-سمّيت بذلك؛ لأنّها مأخوذة من: حي، وهو آدم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فِي النِّساءِ:﴾
متعلّقان به. ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يُفْتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به. ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والنون حرف دالّ على جماعة الإناث، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَما:﴾ موصولة، أو موصوفة، ومحلّها يحتمل الجرّ، والنصب، والرفع، فالجرّ بالعطف على الضّمير المجرور ب (في) من غير إعادة الجار والمجرور على مذهب الكوفيين، والنصب على تقدير فعل محذوف، التقدير: ونبيّن لكم ما يتلى. والرفع-وهو المختار-وفي ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: هو معطوف على ضمير الفاعل في: ﴿يُفْتِيكُمْ،﴾ وساغ ذلك لوجود الفاصل بالجار والمجرور. والثاني: هو معطوف على (﴿اللهُ﴾) الواقع فاعلا. والثالث: هو مبتدأ، خبره: الجار، والمجرور: ﴿فِي الْكِتابِ﴾. وقيل: هو محذوف، التقدير: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ يبيّن لكم. ﴿يُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، ونائب الفاعل يعود إلى (﴿ما﴾). ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، وتقدّم وجه ثالث، انظره. وجملة: ﴿يُتْلى..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها. ﴿فِي يَتامَى:﴾ بدل من:
﴿فِي الْكِتابِ﴾ بدل اشتمال، وهناك مضاف محذوف، أي: في حكم يتامى. أو هما متعلقان بالفعل: ﴿يُتْلى﴾ أو هما بدل من قوله: ﴿فِيهِنَّ،﴾ أو هما متعلقان ب ﴿الْكِتابِ﴾ نفسه: أي: فيما كتب في حكم يتامى. أو هما متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل، و ﴿يَتامَى﴾ مضاف، و ﴿النِّساءِ:﴾ مضاف إليه. ﴿اللاّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السّكون في محل جر صفة: ﴿يَتامَى النِّساءِ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُؤْتُونَهُنَّ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله الأول، والنّون حرف دالّ على جماعة الإناث، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو
стр. 1336
نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها. ﴿لَهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والنون حرف دالّ على جماعة الإناث.
﴿وَتَرْغَبُونَ:﴾ مضارع وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها، أو هي في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وأنتم ترغبون. والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والمصدر المؤول من الفعل وناصبه في محلّ جرّ بحرف جرّ محذوف، انظر الشرح، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ:﴾ معطوف على: ﴿يَتامَى النِّساءِ﴾ أو على الضمير بقوله: ﴿فِيهِنَّ﴾ وقيل:
منصوب بفعل محذوف، التقدير: ويبيّن حال المستضعفين. ﴿مِنَ الْوِلْدانِ:﴾ متعلقان ب (﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾) أو بمحذوف حال منه، والمصدر المؤول من: (﴿أَنْ تَقُومُوا..﴾.) إلخ معطوف على: ﴿فِيهِنَّ﴾ من غير إعادة الجار على مذهب الكوفيين، أو هو معطوف على: ﴿يَتامَى النِّساءِ﴾ أو هو معطوف على محل ﴿فِيهِنَّ،﴾ والتقدير: ويبيّن الله لكم أن تقوموا... إلخ.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم لفعل شرطه. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (ما)، و ﴿مِنَ﴾ بيان لم أبهم فيها. (إنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿عَلِيماً:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والجملة الشرطية بكاملها مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨)﴾
الشرح: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ:﴾ جمعها من غير لفظها كما رأيت في الآية السابقة. ﴿خافَتْ:﴾
توقّعت، ورأت. وقيل: علمت. والعلاقة بينهما: أنّ الإنسان لا يخاف شيئا حتّى يعلم: أنّه ممّا يخاف منه، فهو من باب التعبير عن السّبب بالمسبّب. ومن مجيء الخوف بمعنى العلم قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٩]: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾. هذا؛ وأمّا التخوّف؛ فهو التنقّص، كما في قوله تعالى في سورة (النّحل) رقم [٤٧]: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ﴾
стр. 1337
لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ. يروى: أنّ عمر-﵁-قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى:
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا، التخوّف: التنقّص. قال:
فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذليّ: [البسيط]
تخوّف الرّحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السّفن
فقال عمر-﵁: أيّها النّاس عليكم بديوانكم لا تضلّوا. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإنّ فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. هذا؛ وأصل الخوف: انزعاج في الباطن، يحصل من توقع مكروه يقع في المستقبل. وأصل «خاف»: «خوف» فقل في إعلاله:
تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا.
﴿مِنْ بَعْلِها﴾ أي: زوجها سمّي الزوج بعلا؛ لعلوّه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيتها، ومنه قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٢٥]: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً،﴾ والبعل: المستعلي على غيره، ولمّا كان الزوج مستعليا على المرأة، قائما بأمرها؛ سمّي بعلا، ويقال للمرأة أيضا: بعل، وبعلة، كما يقال لها: زوج، وزوجة، والتاء لاحقة لتأنيث الجمع كما في: الحزونة، والسهولة.
﴿نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً:﴾ الفرق بينهما: أنّ النّشوز: التباعد. والإعراض: أن لا يكلمها، ولا يأنس بها. فالأول هو التّجافي عنها، والترفّع عن محبّتها، كراهة لها، ومنعا لحقوقها، أو إيذاء لها بسبّ، أو ضرب. وانظر نشوز المرأة في الآية رقم [٣٤]. هذا؛ و (النّشوز) في الأصل الترفع، وهو مأخوذ من النّشز، وهو المرتفع من الأرض. و (الإعراض) بأن يقلّ مجالستها، ومحادثتها، ومؤانستها بسبب كبر، أو دمامة، أو سوء خلق، أو خلق، أو ملال، أو طموح عين إلى أخرى، أو غير ذلك.
﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما:﴾ فلا مؤاخذة، ولا إثم عليهما. ﴿أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما:﴾ وفي قراءة:
(«يصّالحا») بتشديد الصّاد، وأصله: يتصالحا، فقلبت التاء صادا، ثم أدغمت الصّاد في الصّاد.
وقرئ: («يصطلحا») بإبدال التاء طاء، والمصالحة بينهما تكون بحطّ بعض المهر، أو القسم، أو بإسقاط بعض النّفقة. ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي: من الفرقة، أو سوء العشرة، والخصومة. ويجوز ألا يراد به التفضيل، بل بيان: أنّه من الخير، كما أنّ الخصومة من الشرور.
﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أي: جعلت الأنفس حاضرة للشّح، مطبوعة عليه، فلا تسمح المرأة بالإعراض عنها، والتقصير في حقّها، والرّجل لا يسمح بأن يوفّيها حقّها كاملا، ويمسكها عنده، وكلّ واحد منهما يتشدّد فيما يطلب، ويريد. وانظر نشوز المرأة في الآية رقم [٣٤].
﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا:﴾ إلى المرأة بالصّحبة الصّالحة، والعشرة الطّيّبة مراعاة لحقّ الصحبة الماضية. ﴿وَتَتَّقُوا:﴾ الله، وتخافوه، أي: أن تجعلوا بينكم وبين النّشوز، والإعراض عن
стр. 1338
المرأة، وما يؤدّي إلى الخصومة والشرّ، والفساد وقاية تمنعكم من ذلك. ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ﴾ ولا يزال كائنا ﴿بِما تَعْمَلُونَ:﴾ من سوء العشرة، ومن حسنها. ﴿خَبِيراً:﴾ فيثيبكم خير الجزاء.
وخذ ما يلي:
عن عائشة-﵂-قالت: نزلت الآية في المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، يريد طلاقها، ويتزوّج غيرها، فتقول له: أمسكني، لا تطلّقني، ثم تزوّج غيري، وأنت في حل من النفقة عليّ، والقسمة لي. فذلك قوله تعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. متّفق عليه.
تنبيه: كان عمران الخارجي من أقبح بني آدم، وكانت امرأته من أجملهم، فنظرت إليه يوما، وقالت: الحمد لله، على أنّي، وإيّاك من أهل الجنّة! قال: كيف؟! قالت: لأنّك رزقت مثلي، فشكرت، ورزقت مثلك، فصبرت، والجنّة موعودة للشّاكرين، والصّابرين.
عن عبد الله بن عباس-﵄-قال: خشيت سودة-﵂-أن يطلّقها رسول الله ﷺ فقالت: لا تطلّقني، وأمسكني، واجعل يومي لعائشة. ففعل. فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة. أخرجه الترمذيّ.
هذا؛ وروى مالك عن ابن شهاب عن رافع بن خديج-﵁: أنّه تزوّج خولة.
وقيل: اسمها عمرة بنت محمد بن مسلمة-﵄-فكانت عنده حتى كبرت، فتزوّج عليها فتاة شابة، فآثر الشابّة عليها، فناشدته الطّلاق، فطلّقها واحدة، ثم أهملها حتّى إذا كانت تحلّ؛ راجعها، ثم عاد، فآثر عليها الشّابة، فناشدته الطّلاق، فطلّقها واحدة، ثمّ راجعها، فآثر الشّابة عليها، فناشدته الطّلاق، فقال: إنّما بقيت لك واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة، وإن شئت فارقتك؟ قالت: بل أستقرّ على الأثرة، فأمسكها على ذلك، ولم ير رافع ﵁-إثما حين استقرّت عنده على الأثرة.
قال أبو عمر بن عبد البر-رحمه الله تعالى-: قوله والله أعلم: «فآثر الشابة عليها» يريد في ميل نفسه إليها، والنشاط لها، لا أنّه آثرها عليها في مطعم، وملبس، ومبيت؛ لأنّ هذا لا ينبغي أن يظنّ بمثل رافع، والله أعلم.
بعد هذا: أضيف الشّحّ إلى الأنفس: لأنّه غريزة فيها. والشحّ في كلام العرب: البخل مع الحرص، وقد فرّق العلماء بين البخل، والشح، فقالوا: البخل نفس المنع، والشحّ الحالة النفسانيّة، التي تقتضي ذلك المنع. وقد ذكرت لك البخل، والشح، وإضرارهما في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، وأكتفي هنا بما يلي:
عن عبد الله بن عمر-﵄-قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «إيّاكم والظلم؛ فإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة، وإيّاكم والفحش، والتّفحّش، وإيّاكم والشّحّ، فإنّما هلك من كان
стр. 1339
قبلكم بالشّحّ، أمرهم بالقطيعة، فقطعوا، وأمرهم بالبخل، فبخلوا، وأمرهم بالفجور، ففجروا».
رواه أبو داود، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وخذ ما يلي:
قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: وقد روي: أنّ النبيّ ﷺ قال للأنصار: من سيّدكم؟ قالوا: الجدّ بن قيس على بخل فيه. فقال النبي ﷺ : «وأيّ داء أدوى من البخل؟!» قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟! قال: «إنّ قوما نزلوا بساحل، فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم، فقالوا:
ليبعد الرّجال منّا عن النّساء حتّى يعتذر الرّجال إلى الأضياف ببعد النّساء، ويعتذر النّساء ببعد الرّجال، ففعلوا، وطال ذلك بهم، فاشتغل الرّجال بالرّجال، والنّساء بالنّساء». ذكره الماورديّ.
انتهى.
الإعراب: ﴿وَإِنِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنِ﴾): حرف شرط جازم. ﴿اِمْرَأَةٌ:﴾ فاعل لفعل محذوف يفسّره المذكور بعده، وهذا مذهب سيبويه، والبصريين. وقال الكوفيّون: هو مبتدأ خبره الجملة الفعلية بعده، والمعتمد الأول. ﴿خافَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محلّ له، والفاعل يعود إلى المرأة، والجملة الفعلية مفسّرة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ بَعْلِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿نُشُوزاً﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿نُشُوزاً:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ إِعْراضاً:﴾ معطوف على سابقه.
﴿فَلا:﴾ الفاء، واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» ﴿جُناحَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الاسمية في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور.
والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، و (﴿إِنِ﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.
﴿أَنْ يُصْلِحا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿إِنِ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله، والمصدر المؤول من الفعل وناصبه في محلّ جرّ بحرف جر محذوف، التقدير: في الصّلح، والجار والمجرور متعلقان بما تعلّق فيه ما قبلهما. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل: متعلق بمحذوف حال من: ﴿صُلْحاً،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿صُلْحاً:﴾ مفعول مطلق، أو هو مفعول به على حسب القراءات. ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معترضة، لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ألف الاثنين؛ فلا بأس به، ويكون التقدير: والصلح خير لهما.
﴿وَأُحْضِرَتِ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَنْفُسُ:﴾ نائب فاعل، وهو المفعول الأول. ﴿الشُّحَّ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ألف الاثنين، وهي على إضمار «قد» قبلها، والرابط: الواو فقط. وقيل: معترضة لا محلّ لها، والأوّل أقوى.
стр. 1340
﴿وَإِنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنِ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تُحْسِنُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَتَتَّقُوا:﴾
معطوف على ما قبله مجزوم مثله، ومفعولاهما محذوفان. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (﴿إِنِ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيراً﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى المصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿خَبِيراً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
هذا في الظاهر، وعند التأمّل يظهر لك: أنّ الجواب محذوف، التقدير: وإن تحسنوا، وتتقوا الله؛ فهو يثيبكم على ذلك. أقام كونه عالما بأعمالهم مقام إثابته إيّاهم عليها؛ الذي هو في الحقيقة جواب الشرط إقامة للسّبب مقام المسبّب، وعليه فالجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ مفيدة للتعليل، والشرط، ومدخوله معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله.
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩)﴾
الشرح: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا..﴾. إلخ: أخبر الله تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك من ميل الطبع في المحبّة، والجماع، والحظّ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر، وأنّهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض في حال تعدّدهنّ حتى لا يقع ميل البتة، فتمام العدل أن يسوي بينهنّ في المبيت، والنفقة، والتعهد، والنّظر، والإقبال، والمفاكهة، وغيرهما، والمحبّة، والمودّة، وهذا متعذّر، ولذلك كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه في كلّ شيء، فيعدل، ويقول: «اللهمّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك، ولا أملك». أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن عن عبد الله بن يزيد عن عائشة-﵂، فهو ﷺ يريد القلب. هذا؛ والتسوية بين الضرائر واجبة في المأكل، والملبس، والمسكن، والبيتوتة، أما في الجماع؛ فلا؛ لأنّ ذلك يدور على النّشاط، وميل القلب، وليس ذلك إليه.
﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهنّ؛ فلا تبالغوا في الميل بالكليّة. ﴿فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: معناه: لا هي ذات زوج، ولا مطلقة، كالشيء المعلّق لا هو في السّماء، ولا هو في الأرض. وفي الجملة تشبيه مرسل
стр. 1341
مجمل، فقد روى الإمام أحمد، وأصحاب السنن عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقّيه ساقط».
وعند أبي داود: «من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقّه مائل».
﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا:﴾ أعمالكم بالعدل بين النساء بعد الجور. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ أي: الجور، أو تخافوا الله في الجور. ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ؛ أي: يغفر لكم ما مضى من الجور، أو يغفر لكم الميل القلبي.
بعد هذا: فإنّ بعض جهلة علماء السّوء في هذا الزّمن يستدلّون بهذه الآية، وفي الآية رقم [٣] من هذه السّورة على وجوب الاقتصار على زوجة واحدة، وهو استدلال باطل محض تردّه الشريعة الغرّاء، والسنة النبوية المطهّرة. فويل لهم ممّا يأفكون، ويفترون.
الإعراب: ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَنْ﴾): حرف نفي، ونصب، واستقبال.
﴿تَسْتَطِيعُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿لَنْ﴾) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿أَنْ تَعْدِلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ..﴾. إلخ، والمصدر المؤول منهما في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾
ظرف مكان متعلق بما قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿النِّساءِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿حَرَصْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (﴿لَوْ﴾) محذوف، تقديره: لما استطعتم، و (﴿لَوْ﴾) ومدخولها بمنزلة الاعتراض؛ لأنّه أعطى الكلام تقوية، وتسديدا.
﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن شرط مقدّر؛ إذ التقدير: وإذا كان العدل غيرممكن كلية؛ فلا... إلخ. (لا): ناهية. ﴿تَمِيلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كُلَّ:﴾ نائب مفعول مطلق، و ﴿كُلَّ﴾ مضاف، و ﴿الْمَيْلِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب للشرط المقدر ب «إذا» والشرط ومدخوله معطوف على ما قبله لا محلّ له مثله. ﴿فَتَذَرُوها:﴾ الفاء:
تحتمل العطف، والسببية. (تذروها): فعل مضارع مجزوم بسبب العطف، أو هو منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون، وعلى نصبه تؤوّل «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم ميل وترك... إلخ. و (ها): مفعول به. ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الهاء، وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى «مثل» فتكون حالا، أو مفعولا ثانيا؛ لأنّ (تذر) بمعنى: تترك، وهو ينصب مفعولين. ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا..﴾. إلخ: انظر الآية السّابقة، فهي مثلها في إعرابها جملة، وإفرادا.
стр. 1342
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا:﴾ وقرئ: («يتفارقا») أي: إن لم يصطلح الزّوجان على شيء ممّا تقدّم في الآية رقم [١٢٨]: وحصلت الفرقة بينهما بالخلع، أو بتطليقه إيّاها، وإعطائها حقوقها كاملة من مهر، ونفقة، وغير ذلك. ﴿يُغْنِ اللهُ..﴾. إلخ؛ أي: يغني الله كلّ واحد من الزوجين من فضله، أي: بأن يرزق كلّ واحد زوجا خيرا من زوجه، وعيشا أهنأ من عيشه. ﴿واسِعاً﴾ أي:
واسع الفضل، والرّحمة. وقيل: واسع القدرة، والعلم، والرزق. وقيل: هو الغني الذي وسع جميع مخلوقاته غناه. انتهى. خازن. ﴿حَكِيماً:﴾ فيما قضى، وحكم؛ حيث رخّص بالفرقة بين الزوجين إذا اشتدّ الخصام بينهما، وساءت عشرتهما مع بعضهما. وقد أدرك الأجانب حكمة الطلاق، والفرقة بين الزوجين، فأقرّوه في محاكمهم بعد تشدّدهم في منعه عشرين قرنا من الزّمن. فلله الحمد، والمنّة على ما شرع لنا من تعاليم؛ النّاس كلّهم بحاجة إليها.
روي: أنّ رجلا شكا إلى جعفر الصّادق بن محمّد الباقر الفقر، فأمره بالنّكاح، فذهب الرّجل، وتزوّج، ثمّ جاء إليه، وشكا إليه الفقر، فأمره بالطّلاق، فسئل عن ذلك، فقال: أمرته بالنكاح لعلّه يكون من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فلمّا لم يكن من أهل تلك الآية أمرته بالطلاق، فقلت: لعلّه من أهل هذه الآية: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا..﴾. إلخ.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿يَتَفَرَّقا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُغْنِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية، لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿كُلاًّ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، و (﴿إِنْ﴾) ومدخولها كلام معطوف على مثله في الآية السابقة لا محلّ له مثله، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ أَنِ اِتَّقُوا اللهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١)﴾
الشرح: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ انظر الآية [١٢٦]. ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ أي: اليهود، والنصارى، ومن قبلهم، والمراد ب ﴿الْكِتابَ:﴾ جميع الكتب السماوية،
стр. 1343
التي أنزلت على الأنبياء. ومعنى: ﴿أُوتُوا:﴾ أعطوا، وأصله: أوتيوا، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء، والواو، فحذفت الياء، فصار: (﴿أُوتُوا﴾) ثمّ قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو، فصار: ﴿أُوتُوا﴾.
﴿أَنِ اتَّقُوا اللهَ:﴾ وحّدوه، وامتثلوا أوامره، ونواهيه. والمعنى: أنّ الأمر بتقوى الله شريعة قديمة، أوصى الله بها جميع الأمم السّالفة في كتبهم. هذا؛ والتقوى: حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأنّ أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتحرّز من المهالك دنيا، وأخرى.
﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ؛ أي: فإنّ الله مالك الملك كلّه، لا يتضرّر بكفركم ومعاصيكم، كما لا ينتفع بشكركم، وطاعتكم، وتقواكم، وإنّما أوصاكم بذلك رحمة بكم. لا لحاجته لذلك، وهذا كما في الحديث القدسي، الّذي رواه مسلم عن أبي ذرّ-﵁-عن النبي ﷺ ، فيما يروي عن ربه : أنّه قال: «يا عبادي! لو أنّ أوّلكم، وآخركم، وإنسكم، وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أنّ أوّلكم، وآخركم، وإنسكم، وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئا».
﴿وَكانَ اللهُ غَنِيًّا:﴾ عن الخلق، وعن عبادتهم. ﴿حَمِيداً:﴾ محمودا على كلّ حال من الخير، والشر، والتعذيب، والإثابة، وهو سبحانه مستحقّ للحمد في ذاته، محمود تحمده الملائكة، وتنطق ذرات المخلوقات بحمده.
هذا؛ والفعل: (وصّى) حكمه حكم الأمر في معناه، وتصرّفه، يقال: وصيت زيدا بأن يفعل كذا، كما تقول: أمرته بأن يفعل كذا، ومنه قول الشاعر: [الوافر]
وذبيانيّة وصّت بنيها... بأن كذب القراطق والقروف
يصف امرأة وصّت بنيها بحفظ القراطق، جمع القرطق، وهي القطعة المخملية، والقروف:
أوعية من أدم. ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ بكلمة التوحيد، وأمرهم بها.
الإعراب: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٦] ففيها الكفاية، والكلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. واللام: واقعة في جواب القسم. ﴿وَصَّيْنَا:﴾ فعل وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو
стр. 1344
المفعول الأول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بأحد الفعلين، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وجملة: (﴿لَقَدْ..﴾.) إلخ جواب القسم، لا محلّ لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَإِيّاكُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على: ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿أَنِ:﴾ مفسرة، وجملة: ﴿اِتَّقُوا اللهَ﴾ لا محلّ لها؛ لأنّها مفسرة لمعنى: ﴿وَصَّيْنَا،﴾ وهو بمعنى: قلنا. هذا؛ وبعضهم يعتبر ﴿أَنِ﴾ مصدرية، ويؤوّلها مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جرّ محذوف، التقدير: وصينا... إلخ بتقوى الله، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿وَصَّيْنَا،﴾ وأعتمد الأول.
﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنِ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَكْفُرُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنَّ:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشرط. (﴿أَنِ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر:
(﴿أَنِ﴾) تقدم على اسمها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (﴿أَنِ﴾) مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، والجملة الاسمية: (إن لله...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور... إلخ، وهو في الظاهر، وعند التأمّل يتبيّن لك: أنّ جواب الشرط محذوف، التقدير: إن تكفروا؛ فلا تضروا الله شيئا، وعليه فالجملة الاسمية: (﴿فَإِنَّ لِلّهِ..﴾.) إلخ مفيدة للتعليل. والشرط ومدخوله في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقلنا لهم: إن تكفروا... إلخ، والجملة الفعلية على هذا التقدير معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيداً﴾ مستأنفة لا محلّ لها، وإعرابها واضح.
﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (١٣٢)﴾
الشرح: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ انظر شرح هذا الكلام وإعرابه في الآية رقم [١٢٦]. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٨١].
تنبيه: في تكرير: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ تقرير لما هو موجب تقواه؛ لأنّ الخلق لمّا كان كلّه له، وهو خالقهم، ومالكهم؛ فحقّه أن يكون مطاعا في خلقه غير معصي، وأنّه تعالى متّصف بجميع الكمالات، وله القدرة التّامة على خلقه... إلخ.
وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: الفائدة في ذلك: أنّ لكلّ آية معنى تختصّ به، أمّا الآية الأولى؛ فمعناها: فإنّ لله ما في السموات وما في الأرض، وهو يوصيكم بتقوى الله، فاقبلوا وصيته. وقيل: لمّا قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ بيّن أنّ الله له ما في السموات وما في الأرض، وأنّه قادر على إغناء جميع الخلائق، وهو المستغني عنهم.
стр. 1345
وأمّا الآية الثانية؛ فإنّه تعالى قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ والمراد: أنّه تعالى منزّه عن طاعات الطائعين، وعن ذنوب العاصين، وأنّه لا يزداد جلاله بالطّاعات، ولا ينقص بالمعاصي. وقيل: لمّا بيّن: أنّه له ما في السموات وما في الأرض، وقال بعد ذلك: ﴿وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيداً﴾ فالمراد منه: أنّه تعالى هو الغنيّ، وله الملك، فاطلبوا منه ما تطلبون، فهو يعطيكم؛ لأنّ له ما في السموات وما في الأرض.
وأمّا الثالثة؛ فقال تعالى: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ؛ أي: فتوكّلوا عليه، ولا تتوكّلوا على غيره، فإنّه المالك لما في السموات وما في الأرض. وقيل: تكريرها تعديد لما هو موجب تقواه، أي: تتقوه، وتطيعوه، ولا تعصوه؛ لأنّ التقوى، والخشية أصل كلّ خير.
هذا؛ وكرّر السّماوات، والأرض، وخصّهما في الذّكر هنا، وفي كثير من الآيات؛ لأنّهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السّماوات دون الأرض، وهي مثلهنّ سبعا؛ بدليل قوله تعالى في سورة (الطّلاق) [١٢]: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ لأنّ صفاتها مختلفة بالذّات، متفاوتة في الصفات، والآثار، والحركات، وقدّمها لعلوّ مكانها، وشرفها، وتقدّم وجودها، ولأنّها متعبّد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض، وأيضا: لأنّها كالذّكر، فنزول المطر من السّماء على الأرض كنزول المني من الذّكر في المرأة، ولأنّ الأرض تنبت، وتخضرّ بالمطر، ووحّد الأرض؛ لأنّها بجميع طبقاتها جنس واحد، وهو التّراب. هذا؛ وأطلق الله (ما) على من في السموات والأرض، وفيهما من يعقل، ومن لا يعقل، وذلك من باب التّغليب، كما تطلق (من) على ما فيهما أيضا.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣)﴾
الشرح: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ:﴾ يفنيكم جميعا بالموت، والإهلاك. ﴿أَيُّهَا النّاسُ:﴾ قال ابن عباس-﵄: يريد المشركين؛ والمنافقين. وقيل: الآية عامّة، وهو أولى.
﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ يعني: بغيركم، أي: يخلق أطوع لله منكم، وهو مثل قوله تعالى في سورة (محمد) ﷺ : ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ وقال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾.
قال الكلبي: هم كندة، والنخع من عرب اليمن. وقال الحسن: هم العجم. وقال عكرمة:
هم فارس، والرّوم، وعن أبي هريرة-﵁-قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا..﴾. إلخ، فقالوا: ومن يستبدل منّا يا رسول الله؟! قال: فضرب رسول الله ﷺ على منكب سلمان الفارسي-﵁-ثمّ قال: «هذا، وأصحابه». أخرجه الترمذي، وقال: حديث
стр. 1346
غريب، وفي إسناده مقال، وله رواية أخرى عن أبي هريرة-﵁-قال: قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا، استبدلوا منا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان-﵁-بجنب رسول الله ﷺ ، فضرب رسول الله ﷺ فخذ سلمان، فقال: «هذا، وأصحابه، والّذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثّريّا؛ لتناوله رجال من فارس». ولهذا الحديث طريق في الصحيح.
﴿وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً﴾ أي: الإعدام، والاستبدال. ﴿قَدِيراً:﴾ بليغ القدرة، لا يعجزه شيء، وفي هذه الآية تقرير أيضا لغناه تعالى، وكمال عزته، وعظمته، وفيها تهديد، ووعيد لمن عصاه، وخالف أوامره. والقدرة: صفة أزلية، لا تتناهى مقدّرات الله، كما لا تتناهى معلوماته.
والماضي والمستقبل في صفاته بمعنى واحد، والمعنى: كان، ولا يزال كائنا قادرا مقتدرا.
الإعراب: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ:﴾ الإعراب واضح إن شاء الله تعالى. ﴿وَيَأْتِ:﴾ فعل مضارع معطوف على جواب الشّرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وفاعله وما قبله يعود إلى الله تعالى، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٥]. ﴿بِآخَرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و ﴿إِنْ﴾ مدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَكانَ اللهُ..﴾. إلخ: الإعراب واضح.
﴿أَيُّهَا:﴾ نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب «يا» المحذوفة، و (ها): حرف تنبيه لا محل لها، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿النّاسُ:﴾ بعضهم يعرب هذا، وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أنّ الاسم الواقع بعد «أي» واسم الإشارة إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا؛ فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع-أعني: «أي» أو اسم الإشارة-منصوب محلاّ، وكذا التابع أعني: ﴿النّاسُ﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللّفظية، وإنّما أتبعت ضمة البناء مع أنّها لا تتبع؛ لأنّها وإن كانت ضمة بناء، لكنّها عارضة، فأشبهت ضمّة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده العلامة الصبّان؛ لأنّه قال: والمتّجه وفاقا لبعضهم: أنّ ضمة التابع إتباع، لا إعراب، ولا بناء. وقيل: إنّ رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضى للرّفع، وأجيب بأنّ العامل يقدّر من لفظ عامل المتبوع مبنيّا للمجهول نحو: يدعى، وهو مع ما فيه من التكلّف يؤدّي إلى قطع المتبوع. وقيل: إنّ رفع التابع المذكور بناء؛ لأنّ المنادى في الحقيقة هو المحلّى بال، ولكن لمّا لم يمكن إدخال حرف النداء عليه؛ توصّلوا إلى ندائه ب «أي» أي: مع قرنها بحرف التنبيه، وردّه بعضهم بأنّ المراعى في الإعراب اللّفظ، وأنّ الأوّل منادى، والثاني تابع له، والإعراب السّائد الآن أن تقول: مرفوع تبعا للفظ.
стр. 1347
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤)﴾
الشرح: ﴿مَنْ كانَ..﴾. إلخ؛ أي: من عمل بما افترضه الله عليه طلبا للآخرة؛ آتاه الله ذلك في الآخرة. ومن كان يطلب بعمله ثواب الدّنيا، أي: حطامها الفاني، كالمجاهد للغنيمة، أو للسّمعة، والمحمدة، وكذا المتصدّق، ونحوه، قال تعالى في سورة (الشّورى): ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.
﴿فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: عند الله خير الدّنيا، والآخرة، فما له يطلب أخسّها؟! أي: يؤثر الفاني الخسيس على الباقي النّفيس، فليطلبهما معا، كمن يقول: ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾. والأولى أن يطلب أشرفهما، وهو ثواب الآخرة، فإنّ من جاهد خالصا لله؛ لم تخطئه الغنيمة، وله في الآخرة من النّعيم المقيم ما هو في جنبه كلا شيء.
وفي هذا ترغيب في إخلاص العمل لوجه الله تعالى، وأنّه ينبغي للمؤمن أن يطلب الآخرة الباقية. ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعاً﴾ أي: لأقوالكم. ﴿بَصِيراً﴾ بأعمالكم، عارفا بالنيات والمقاصد، فيجازي كلّ واحد بحسب قصده، ونيّته.
نزلت الآية الكريمة في مشركي العرب، وذلك: أنّهم كانوا يقرّون بأنّ الله تعالى خالقهم، ولا يقرّون بالبعث يوم القيامة، فكانوا يتقرّبون إلى الله ليعطيهم من خير الدنيا، ويصرف عنهم شرّها.
وقيل: نزلت في المنافقين؛ لأنّهم كانوا لا يصدّقون بيوم القيامة، وإنّما كانوا يطلبون بجهادهم مع رسول الله ﷺ عاجل الدنيا، وهو ما ينالونه من الغنيمة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ تقديره: هو. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿ثَوابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الدُّنْيا:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان) وجواب الشرط محذوف، تقديره: فله ذلك، أو:
فهو مخطئ، ونحو ذلك. وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه كما ذكرته مرارا، هذا وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، والجملة بعدها صلتها، والجملة المقدّرة خبر المبتدأ. ﴿فَعِنْدَ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (عند): ظرف مكان متعلّق بمحذوف خبر مقدّم.
و (عند): مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿ثَوابَ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. و ﴿الدُّنْيا:﴾
مضاف إليه. ﴿وَالْآخِرَةِ:﴾ معطوف على ﴿الدُّنْيا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿فَعِنْدَ اللهِ..﴾. إلخ مستأنفة على جميع الاعتبارات، والجملة الفعلية: ﴿وَكانَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
стр. 1348
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] فإنّه جيد، والحمد لله!. ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ:﴾ مجتهدين في إقامة العدل. مواظبين عليه، و ﴿قَوّامِينَ:﴾ صيغة مبالغة مثله في الآية رقم [٣٤]، و (القسط): العدل، قال تعالى في سورة (الحجرات): ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
﴿شُهَداءَ لِلّهِ﴾ معناه: شهداء بالحقّ لذات الله، ولوجهه، ولمرضاته، وثوابه. ﴿وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ولو كانت الشّهادة على أنفسكم بأن تقرّوا بها، وتؤدّوها على الوجه الأكمل؛ لأنّ الشهادة بيان للحقّ؛ سواء أكانت عليه، أو على غيره، ولا يظهر الحقّ إلا بأدائها على الوجه الأكمل.
﴿أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ أي: ولو كانت الشّهادة على الوالدين، والأقربين من ذوي رحمه، أو أقاربه. فالمعنى: أدّوا الشهادة، وأقيموها لله تعالى، ولا تحابوا قريبا لقرابته، ولا غنيّا لغناه، ولا فقيرا لفقره، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما﴾ أي: أرحم بهما منكم، والمعنى: كلوا أمرهم إلى الله تعالى، فهو أعلم بهم، وبحالهم، وإنّما قال: ﴿بِهِما﴾ على التثنية؛ لأنّه ردّ الضمير إلى المعنى دون اللّفظ، يعني: فالله أولى بالغني، وبالفقير؛ أي: الله أولى بكلّ واحد منهما. وقيل: إنّما قال: بهما؛ لأنّه تقدّم ذكرهما، كما قال تعالى في الآية رقم [١٢]: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ،﴾ وانظر شرح «الفقير» في الآية رقم [٦].
﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى:﴾ يقصر، ويمدّ، والمراد بالأول: العشق؛ والغرام، وهو أيضا محبة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه، وهو ما في الآية الكريمة، ومنه قوله تعالى في سورة (النازعات): ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله تعالى، ويراد بالممدود: ما بين السّماء والأرض، وقد جاء «الهواء» بمعنى العشق ممدودا في الشّعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
وهان على أسماء إن شطّت النّوى... نحنّ إليها والهواء يتوق
وإليك هذين البيتين إنّهما من النّكت الحسان: [الكامل]
جمع الهواء مع الهوى في مهجتي... فتكاملت في أضلعي ناران
فقصّرت بالممدود عن نيل المنى... ومدّدت بالمقصور في أكفاني
وقال أبو عبيدة-رحمه الله تعالى-: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر؛ لأنّه لا يقال: فلان يهوى الخير، بل يقال: فلان يحبّ الخير، وجمعه: أهواء، وجمع الممدود: أهوية. وقال الشعبيّ
стр. 1349
-رحمه الله تعالى-: إنّما سمّي الهوى هوى؛ لأنّه يهوي بصاحبه إلى النار. وقال ابن عباس-﵄: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمّه، وذكر آياته الكثيرة، وقال عبد الله بن عمرو-﵄-عن النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به». والأحاديث في ذلك كثيرة، وقال الأصمعي-رحمه الله تعالى-: سمعت رجلا يقول: [الكامل]
إنّ الهوان هو الهوى قلب اسمه... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وسئل ابن المقفّع عن الهوى، فقال: هوان سرقت نونه، فأخذه شاعر، فنظمه: [الكامل]
نون الهوان من الهوى مسروقة... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وقال سهل بن عبد الله التستري: هواك داؤك، فإن خالفته، فدواؤك، وللعلماء في هذا الباب في ذمّ الهوى ومخالفته كتب، وأبواب أشرنا إلى ما فيه كفاية منه، وحسبك قوله تعالى:
﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾.
﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي: لأن تعدلوا عن الحقّ، أو كراهة أن تعدلوا. من العدل. والأول بمعنى:
أن تميلوا، وهو أحد الأفعال التي يتغيّر معناها بتغير الجار، تقول: عدلت عنه بمعنى: أعرضت عنه، وتقول: عدلت إليه بمعنى: أقبلت عليه. وانظر الآيتين رقم [٢٧ و ١٢٧] والفعل «تعدل» جاء هنا محتملا لمعنى الميل، والمعنى العدل، وقد يجيء محتملا لمعنى الميل، ومعنى التّسوية، فذلك كما في قوله تعالى في أول سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ فإن جعلت الجار والمجرور: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ متعلقين ب ﴿يَعْدِلُونَ﴾ كان المعنى: إنّ الكفار يسوّون الأصنام بربهم، وإن جعلتهما متعلقين بالفعل: ﴿كَفَرُوا﴾ كان: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بمعنى: يميلون، والمعنى:
إنّ الكفار يميلون، وينحرفون عن إفراد الله تعالى بالوحدانية. وانظر (المائدة) رقم [٨].
﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ أي: ألسنتكم عن شهادة الحقّ، فلا تؤدّونها كما ينبغي. هذا ويقرأ بضم اللام، وإسكان الواو من الولاية، بمعنى: وإن وليتم إقامة الشّهادة فأدّوها على وجهها. ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ أي: عن أدائها؛ إذا دعيتم إلى أدائها. وهو حرام قطعا، قال تعالى في آخر سورة (البقرة): ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ انظر شرحها هناك؛ فإنّه جيد، والحمد لله!.
﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من الجور في الشّهادة، أو من أدائها على وجهها. ﴿خَبِيراً:﴾
بأقوالكم، وأفعالكم. ففي الآية تهديد، ووعيد شديدان.
تنبيه: قال السّدّيّ-رحمه الله تعالى-: إنّ فقيرا، وغنيّا اختصما إلى النّبيّ ﷺ ، فكان صغوه، واستماعه للفقير أكثر، يرى: أنّ الفقير لا يظلم الغنيّ، فأنزل الله هذه الآية، وأمر بالقيام بالقسط مع الفقير، والغني. وقيل: إنّ هذه الآية متعلقة بقصّة طعمة بن أبيرق المذكورة في الآية رقم [١٠٥] وما بعدها، فهي خطاب لقومه الّذين جادلوا عنه، وشهدوا بالباطل. والأولى التّعميم لحكمها في كلّ زمان، ومكان.
стр. 1350
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية التالية. ﴿كُونُوا:﴾ فعل أمر ناقص مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة التي هي اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوّامِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿بِالْقِسْطِ:﴾ متعلقان ب ﴿قَوّامِينَ﴾. ﴿شُهَداءَ:﴾ خبر ثان للفعل الناقص أو هو نعت ل: ﴿قَوّامِينَ﴾. أو هو حال من الضمير المستتر ب ﴿قَوّامِينَ﴾. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان ب ﴿شُهَداءَ﴾ أو بمحذوف صفة له.
﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر «كان» محذوفة مع اسمها. انظر الشّرح، والجملة المقدّرة، لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَوِ:﴾ حرف عطف. ﴿الْوالِدَيْنِ:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله. ﴿وَالْأَقْرَبِينَ:﴾ معطوف أيضا فهو مجرور، وعلامة الجرّ فيهما الياء؛ لأنّ الأول مثنى، والثاني جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لا تكتموها، و (لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله. هذا؛ وإن اعتبرت (لو) وصليّة؛ فلا جواب لها، وتكون الجملة المقدّرة في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرّابط: الواو فقط.
﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص فعل الشرط، واسمه محذوف مفهوم من المقام، التقدير: إن يكن المشهود عليه. وقيل: التقدير: إن يكن الخصمان. مراعاة لمعنى: ﴿أَوِ﴾. ﴿غَنِيًّا:﴾ خبر: ﴿يَكُنْ﴾. ﴿أَوْ فَقِيراً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاللهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (الله) مبتدأ. ﴿أَوْلى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محل المفرد، وهذا في الظّاهر، وعند التأمّل يظهر لك: أنّ الجواب محذوف. التقدير: فلا تمتنعوا عن إقامة الشّهادة لله، وعليه فالجملة الاسمية تعليل للنّهي المقدّر. ﴿بِهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَوْلى﴾ والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الشرطية فيها معنى التعليل لإقامة الحق، والعدل.
﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر ب «إذا» (لا): ناهية. ﴿تَتَّبِعُوا:﴾
فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية وعلامة جزمه حذف النّون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب للشّرط المقدّر ب «إذا»، التقدير: وإذا كان الأمر كما ذكر؛ فلا... إلخ، وهذا الكلام معطوف على ما قبله.
﴿الْهَوى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذر.
стр. 1351
والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ في محل جرّ بحرف جر محذوف عند الكوفيين، التقدير: لئلا تعدلوا عن الحقّ. وعند البصريّين، التقدير: كراهة العدول عن الحق، فهو في محل جر بإضافته لمفعول لأجله محذوف، وهذا؛ إن كان الفعل بمعنى: تميلوا، وأمّا إن كان الفعل على ظاهره بمعنى العدل؛ فالمصدر في محل جرّ بحرف جرّ محذوف، التقدير: للعدل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا..﴾. إلخ: انظر إعراب مثل هذا الكلام مفصلا في الآية رقم [١٢٨].
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١٣٦)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] فإنّه جيد. ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ:﴾ هذا خطاب للمؤمنين، والمعنى: اثبتوا على الإيمان، ودوموا عليه. ﴿وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ يعني: القرآن الّذي أنزله على محمد ﷺ . ﴿وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من كتب. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ..﴾. إلخ. أي: ومن يكفر بشيء من ذلك؛ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً:﴾ انظر الآية رقم [٦٠].
هذا؛ وقال ابن عباس-﵄: نزلت الآية الكريمة في عبد الله بن سلام، وأصحابه-﵃: فهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب، أتوا النبي ﷺ ، فقالوا: إنا نؤمن بك، وبكتابك، وبموسى، والتوراة، وعزير، ونكفر بما سوى ذلك من الكتب، والرّسل، فقال لهم النبيّ ﷺ : بل آمنوا بالله، وبرسوله محمد، والقرآن، وبكلّ كتاب كان قبله، فأنزل الله تعالى الآية. وقيل: الخطاب للمنافقين، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم، آمنوا بقلوبكم حتى ينفعكم الإيمان؛ لأنّ الإيمان باللّسان لا ينفع من غير مواطأة القلب. وقيل:
هو خطاب للمؤمنين. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا في الماضي، والحال آمنوا في المستقبل، ودوموا، واثبتوا على الإيمان.
هذا؛ وقد قال تعالى في حق القرآن: ﴿نَزَّلَ،﴾ وقال في حقّ الكتب السّابقة: ﴿أَنْزَلَ؛﴾ لأنّ الأول يفيد التكثير مرّة بعد مرّة، وهو ممّا اتصف به القرآن الكريم؛ لأنّه نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال على ما نرى عليه الشعر، والخطابة، بخلاف التوراة، والإنجيل؛ فإنّهما نزلا دفعة واحدة. ونزول القرآن مفرّقا كان ممّا يريب الكافرين، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً﴾
стр. 1352
واحِدَةً. فبيّن الله سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ الآية رقم [٣٢] من سورة (الفرقان).
هذا؛ والكتاب في اللغة: الضم، والجمع، وسمّيت الجماعة من الجيش: كتيبة؛ لاجتماع أفرادها على رأي واحد، وخطّة واحدة، كما سمّي الكاتب كاتبا؛ لأنّه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتّبه. وهو في الاصطلاح: اسم لجملة مختصّة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا، وقد أكثر الشعراء في مدح الكتاب.
وبالجملة فالكتاب هو نعم الذّخر، والعدّة، والشّغل، والحرفة، جليس لا يضرّك، ورفيق لا يملّك، يطيعك باللّيل طاعته بالنهار. ويطيعك في السّفر طاعته في الحضر، إن ألفته على الأيام؛ خلّد ذكرك، وإن درسته؛ رفع بين النّاس قدرك. وإن أردت الزّيادة فانظر سورة (البقرة) رقم [١٠١].
وأمّا الكفر: فهو ضدّ الإيمان، وهو المراد في الآية، وقد يكون بمعنى جحود النّعمة، والإحسان، ومنه قول النبي ﷺ في النّساء، في حديث الكسوف: «ورأيت النّار، فلم أر منظرا كاليوم قطّ أفظع، ورأيت أكثر أهلها النّساء» قيل: بم يا رسول الله؟! قال: «بكفرهنّ» قيل:
أيكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهنّ الدّهر كلّه، ثمّ رأت منك شيئا؛ قالت: ما رأيت منك خيرا قطّ». أخرجه البخاريّ، وغيره. ويروى بأطول من هذا من رواية أبي سعيد الخدري-﵁. وأصل الكفر في كلام العرب السّتر، والتغطية. قال لبيد-﵁-في معلّقته في وصف بقرة وحشية: [الكامل]
يعلو طريقة متنها متواتر... في ليلة كفر النّجوم غمامها
وسمّي الزارع: كافرا؛ لأنّه يلقي البذر في الأرض، ويغطّيه، ويستره بالتّراب. قال تعالى في تشبيه حال الدنيا في سورة (الحديد) رقم [٢٠]: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ ويسمّى الليل:
كافرا؛ لأنّه يستر كلّ شيء بظلمته. قال لبيد-﵁: [الكامل]
حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها
كما يطلق الكافر على النّهر، قال المتلمّس حين ألقى الصّحيفة في النّهر: [الطويل]
وألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأي مضلّل
رضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التّيّار في كلّ جدول
هذا؛ وكفر فلان النّعمة، يكفرها، كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها. قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:
стр. 1353
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وقال القطامي-وهو الشاهد رقم [٥٣١] من كتابنا: «فتح ربّ البريّة» -: [الوافر]
أكفرا بعد ردّ الموت عنّي... وبعد عطائك المئة الرّتاعا
هذا؛ والإيمان الصحيح هو: الإقرار باللّسان، والتّصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما بينته في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة، وفروع عديدة، وهي سبع وسبعون أعلاها: «لا إله إلا الله» وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق. وهو بفتح الهمزة جمع: يمين بمعنى الحلف بالله. أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٤]: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾. واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على: أيمان، كما في قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾. ولا يجمع بالمعنى الأوّل؛ لأنّه مصدر، والمصدر لا يثنى، ولا يجمع. (اليوم الآخر): هو آخر أيام الدّنيا، فيه الحشر، والنّشر، والحساب، والجزاء، ودخول أهل الجنّة الجنّة بالفضل الإلهيّ، ودخول أهل النّار النّار بالعدل الربّاني.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [١٣٣]. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَالْكِتابِ:﴾ معطوف أيضا. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة (الكتاب). ﴿نَزَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي نزله، وعلى قراءته بالبناء للمجهول، فنائب الفاعل يعود على: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿عَلى رَسُولِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وبني: ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى.
﴿وَمَنْ﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِاللهِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿وَمَلائِكَتِهِ..﴾. إلخ: هذه الأسماء معطوفة على لفظ الجلالة. ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة (اليوم).
﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من). ﴿ضَلالاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿بَعِيداً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ؛ الذي هو (من) مختلف فيه كما ذكرته مرارا، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
стр. 1354
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (١٣٧)﴾
الشرح: قال ابن عباس-﵄: نزلت الآية الكريمة في اليهود آمنوا بموسى.
﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعبادتهم العجل. ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ بعد ذلك، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعيسى، والإنجيل، ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً﴾ بمحمّد ﷺ . وقيل: نزلت في المنافقين وذلك: أنّهم كفروا بعد الإيمان، ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ يعني: بألسنتهم، وهو إظهارهم الإيمان؛ لتجري عليهم أحكام المؤمنين، ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً﴾ بموتهم على الكفر. والمعتمد الأوّل.
﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ذنوبهم إذا أقاموا على الكفر، وماتوا عليه؛ لأنّ الله تعالى أخبر: أنّه يغفر الكفر؛ إذا تاب منه بقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ يعني:
من كفرهم، الآية رقم [٣٨] من سورة (الأنفال). ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً:﴾ طريقا إلى الجنة. وقيل:
لا يخصّهم بالتوفيق كما يخصّ أولياءه، وفي هذه الآية ردّ على أهل القدر، والمعتزلة بأنّ الله تعالى بيّن: أنّه لا يهدي الكافرين طريق خير؛ ليعلم العبد: أنّه إنّما ينال الهدى بالله تعالى، ويحرم الهدى بإرادة الله تعالى أيضا.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ﴾. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والجمل بعدها معطوفة عليها. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنِ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾.
﴿اللهُ:﴾ اسمه. ﴿لِيَغْفِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد لام الجحود، والمصدر المؤول منهما في محل جر بلام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُنِ﴾ التقدير: لم يكن الله مريدا لغفران ذنوبهم. والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَهُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿لِيَهْدِيَهُمْ:﴾ مثل إعراب ما قبله، والجار والمجرور بعد التأويل معطوفان على ما قبلها. ﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به ثان.
﴿بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٣٨)﴾
الشرح: ﴿بَشِّرِ:﴾ أمر من البشارة، وهي الإخبار بما يسرّ المخبر به، سمّي بشارة؛ لأنّ الخبر السار يظهر سرورا في البشرة؛ أي: ظاهر الجلد. والإنذار: الخبر الشاقّ على النّفس، ففي
стр. 1355
الكلام استعارة تصريحيّة تبعيّة، وقد تستعمل بالشرّ، وبما يسوء على سبيل التهكم، والاستهزاء، كما في هذه الآية، وكثير غيرها. ثمّ إنّ الغالب في الشرّ أن يستعمل مقيدا منصوصا على المبشّر به على سبيل التهكّم، كما ذكرت، قال تعالى في سورة (النحل) رقم [٥٨]: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى﴾. وهذا التهكّم كثير في الشعر العربيّ، ومنه قول أبي الشّعراء الضبّي: [الطويل]
وكنّا إذا الجبّار بالجيش ضافنا... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
وأيضا قول عمرو بن كلثوم في معلّقته، وهو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]
نزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا
الإعراب: ﴿بَشِّرِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿الْمُنافِقِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿بِأَنَّ:﴾
الباء: حرف جر. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:
(أنّ) مقدّم. ﴿عَذاباً:﴾ اسمها مؤخر. ﴿أَلِيماً:﴾ صفة له، والمصدر المؤوّل من (أنّ) واسمها، وخبرها في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، التقدير: بشر المنافقين بالعذاب الأليم.
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً (١٣٩)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ:﴾ هم المنافقون اتّخذوا اليهود الذين كانوا يساكنون المسلمين في المدينة أنصارا، وأعوانا. ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ فكانوا يلوذون بهم، ويؤمّلون منهم المنعة، والنّصرة، ويقولون: لا يتم أمر محمد. هذا هو كلام ابن أبيّ ابن سلول، ومن معه من المنافقين؛ الّذين حالفوا بني قينقاع من اليهود. انظر سورة (المائدة) رقم [٥٢] وما بعدها، فإنّه جيد، بحمد الله!.
﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ:﴾ يطلبون عندهم القوّة، والمنعة، فإنّ العزّة لله جميعا: يعزّ بها، ويكرم بها عباده المؤمنين، كما قال تعالى في سورة (فاطر) رقم [١١]: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً،﴾ وقال في سورة (المنافقون): ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾. والمقصود من هذا: التهييج على طلب العزّة، والقوة من جناب الله، والإقبال على عبوديته، والانتظام في جملة عباده؛ الّذين لهم النّصرة في الحياة الدّنيا، ويوم يقوم الأشهاد.
стр. 1356
وفي الصحيح عن عائشة-﵂: أنّ رجلا من المشركين لحق النبيّ ﷺ يريد أن يقاتل معه، فقال له: «ارجع فإنّا لا نستعين بمشرك». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] من سورة (آل عمران) فإنّه جيّد، والحمد لله!.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة المنافقين، أو هو بدل منه، أو في محل نصب على الذمّ بفعل محذوف، التقدير: أذمّ، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، وجملة: ﴿يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ﴾ لا محلّ لها صلة الموصول.
﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و ﴿دُونِ﴾ مضاف. و ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿أَيَبْتَغُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (﴿يَبْتَغُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿عِنْدَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿الْعِزَّةَ:﴾ مفعول به. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (إنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿الْعِزَّةَ:﴾ اسمها. ﴿لِلّهِ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من الضمير المستتر في الجار، والمجرور:
﴿لِلّهِ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠)﴾
الشرح: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ:﴾ الخطاب لجميع من أظهر الإيمان من مؤمن، ومنافق؛ لأنّه إذا أظهر الإيمان؛ فقد لزمه أن يمتثل أوامر كتاب الله، كما قال تعالى في سورة (الأنعام) [٦٨]: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ فالآية هنا مدنيّة تنهى المسلمين عن مجالسة المنافقين، واليهود، وآية (الأنعام) مكيّة تنهى المسلمين عن مجالسة المشركين في مكّة. هذا؛ والفعل: ﴿نَزَّلَ﴾ يقرأ بالبناء للفاعل، وللمفعول.
﴿إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ:﴾ انظر (﴿آياتِ﴾) في الآية رقم [٥٦] والمراد بها هنا: آيات القرآن، وما شرعه الله، وبيّنه من أحكام، وتعاليم. ﴿يُكْفَرُ بِها﴾ أي: لا يصدّق بها الكافرون. ﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِها:﴾ يستهزئ بها المنافقون، ويسخرون منها، فأوقع السّماع على الآيات، والمراد سماع الكفر، والاستهزاء، كما تقول: سمعت عبد الله يلام، أي: سمعت اللّوم فيه. ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ:﴾ فلا تجالسوهم. ﴿حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: حتى يأخذوا في حديث غير حديث الاستهزاء بآيات الله. هذا؛ والخوض: الدّخول في الشيء كالماء، ونحوه، فاستعير هنا للحديث بالباطل، والبهتان، والاستهزاء.
стр. 1357
﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ أي: في الإثم، والوزر إذا قعدتم معهم؛ لأنّكم قادرون على الإعراض عنهم، والإنكار عليهم. وهذا يدلّ على أنّ الرّضا بالمعصية معصية، كالّذي يجالس شاربي الخمر، ولاعبي القمار، ونحو ذلك، والمعاصي، والمنكرات. ﴿إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ..﴾. إلخ: أي: كما أشركوهم في الكفر، والرّضا بالباطل، وقعدوا معهم، وجالسوهم، كذلك يشارك الله بينهم في العذاب في نار جهنّم، ويجمع بينهم في دار العقوبة، والنّكال، والقيود، والأغلال، وشراب الحميم، والغسلين... إلخ؛ لأنّ المرء مع من أحبّ، كما هو صريح قول الرّسول ﷺ .
الإعراب: ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال.
﴿نَزَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾) والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ:﴾ جارّان، ومجروران متعلّقان بما قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفّف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنّه. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السّكون في محل نصب.
﴿سَمِعْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿آياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، و ﴿آياتِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿يُكْفَرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿آياتِ اللهِ﴾ والرابط: الضمير المجرور بالباء فقط، وجملة: ﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِها:﴾ معطوفة عليها، وهي مثلها في إعرابها، وفي محلها.
﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب: ﴿إِذا﴾. (لا): ناهية. ﴿تَقْعُدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب: ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها في محلّ رفع خبر:
﴿أَنْ﴾ المخففة من الثقيلة، و ﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿نَزَّلَ﴾ على بنائه للفاعل، وفي محل رفع نائب فاعله، على بنائه للمفعول.
﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَخُوضُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد (حتى) وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتّفريق، و «أن» المضمرة، والفعل: ﴿يَخُوضُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلّقان بالفعل: ﴿تَقْعُدُوا﴾. ﴿فِي حَدِيثٍ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿غَيْرِهِ:﴾ صفة: ﴿حَدِيثٍ،﴾ والهاء في محل جرّ بالإضافة.
﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿إِذا:﴾ حرف جواب وجزاء، مهمل لا عمل له. ﴿مِثْلُهُمْ:﴾ خبر (إنّ) والهاء في محل جر بالإضافة، ويقرأ بفتح اللام، فيكون مبنيّا على الفتح
стр. 1358
في محل رفع خبر المبتدأ، مثل قوله تعالى في سورة (الذاريات): ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ،﴾ ومنه قول الفرزدق-وهو الشاهد رقم [١٢٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ:﴾ تعليل للنهي، لا محلّ لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿جامِعُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و ﴿الْمُنافِقِينَ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْكافِرِينَ:﴾ معطوف على سابقه بالواو العاطفة. ﴿فِي جَهَنَّمَ:﴾ متعلقان ب ﴿جامِعُ،﴾ وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، والجملة الاسمية: ﴿أَنْ..﴾. إلخ تعليل لكونهم مثلهم في الكفر، فهو تعليل للتّعليل.
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ:﴾ أي: ينتظرون وقوع أمر بكم يغمّكم، ويحزنكم. والخطاب للمؤمنين. ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ:﴾ نصر، وغنيمة، وغلبة على المشركين. ﴿قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي: معاونين لكم في الحرب، ونحن على دينكم، فأعطونا من الغنيمة. ﴿وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ أي: حظ من الغلبة على المسلمين، كالذي حصل في غزوة أحد. ﴿قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ:﴾ ألم نغلبكم، ونتمكّن من قتلكم، ولكنّنا أبقينا عليكم. أو المعنى: ألم نغلب عليكم حتّى هابكم المسلمون، وذلك بتثبيطنا لهم، وتقاعدنا عن مشاركتهم في الحرب، كالّذي حصل في غزوة أحد حين انخزل المنافقون عن المؤمنين. هذا؛ وقد سمّى الله ظفر المسلمين بالكافرين: فتحا تعظيما لشأنهم، وعلوّ قدرهم؛ لأنّه أمر عظيم تفتح له أبواب السّماء. وسمّى ظفر الكافرين: نصيبا، تحقيرا لحظّهم؛ لأنّه لحظة من الدّنيا يصيبونها، أمّا الاستحواذ؛ فهو:
الاستيلاء، يقال: استحوذ على كذا؛ أي: استولى، وغلب عليه، وهذا الفعل جاء على الأصل، ولو أعلّ؛ لكان: ألم نستحذ، والفعل على الإعلال: استحاذ، يستحيذ. وانظر سورة المجادلة رقم [١٩] فالكلام فيها جيد، وجيّد، والحمد لله!.
﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ..﴾. إلخ يعني: بين المؤمنين، والمنافقين. والمعنى: إنّ الله وضع السيف عن المنافقين في الدّنيا، لا لإكرامهم، بل أخّر عذابهم إلى الآخرة؛ ليضاعفه لهم، كما ستقف عليه في آية تالية.
стр. 1359
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ..﴾. إلخ في هذا أقوال:
أحدها: وهو قول عليّ، وابن عبّاس-﵃: أنّ المراد به يوم القيامة بدليل عطفه على ما قبله.
الثاني: أنّ هذا في الدنيا، والمعنى: أنّ حجّة المؤمنين غالبة في الدّنيا على الكافرين.
الثالث: معناه: إنّ الله لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بأن يمحو دولة المؤمنين بالكلّية؛ حتى يستبيحوا بيضتهم، فلا يبقى أحد من المؤمنين، كما في صحيح مسلم-رحمه الله تعالى-من حديث ثوبان-﵁-عن النبي ﷺ قال: «وإنّي سألت ربّي ألاّ يهلك أمّتي بسنة عامة، وألاّ يسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإنّ ربّي قال: يا محمّد! إنّي قضيت قضاء، فإنّه لا يردّ، وإنّي أعطيتك لأمتك ألاّ أهلكهم بسنة عامة، وألاّ أسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتّى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا».
الرابع: إنّ شريعة الإسلام باقية إلى يوم القيامة، ولا تتغلب عليها شريعة ما.
الخامس: إنّ الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا إلا أن يتركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويتركوا أوامر الله تعالى، ويهملوا سنّة الرسول ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. والأحاديث الشريفة كثيرة في ذلك، وأكتفي بما يلي:
عن عبد الله بن عمر-﵄-قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ ، فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ-وأعوذ بالله أن تدركوهنّ-: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ؛ حتّى يعلنوا بها إلاّ فشا فيهم الطّاعون، والأوجاع الّتي لم تكن في أسلافهم؛ الّذين مضوا.
ولم ينقصوا المكيال، والميزان إلاّ أخذوا بالسّنين، وشدّة المئونة، وجور السّلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلاّ منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم؛ لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله إلاّ سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم يحكم أئمّتهم بكتاب الله تعالى، ويتخيّروا فيما أنزل الله إلاّ جعل بأسهم بينهم». رواه ابن ماجة، والبيهقيّ.
ويتفرّع عما تقدّم مسائل؛ منها: أنّ الكافر لا يرث المسلم. ومنها: أنّ الكافر لا يتزوّج مسلمة. واستئجار الكافر المسلم لعمل فيه أمر، ونهي مكروه.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ انظر مثله في الآية رقم [١٣٩]. والجملة الفعلية: ﴿يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص
стр. 1360
مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:
﴿كانَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿فَتْحٌ:﴾ اسم كان مؤخر. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿فَتْحٌ؛﴾ لأنّه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وجملة: و ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال:
لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم جواب الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع مقولها لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف مفرّع عمّا قبله، لا محلّ له. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (﴿لَمْ﴾) واسمه ضمير مستتر تقديره: نحن.
﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿نَكُنْ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ..﴾. إلخ: إعراب هذا الكلام مثل إعراب سابقه بلا فارق. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به.
و (إن) ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله.
﴿وَنَمْنَعْكُمْ:﴾ فعل مضارع معطوف على: ﴿نَسْتَحْوِذْ﴾ مجزوم مثله، والفاعل مستتر تقديره:
نحن، وقرئ بنصبه على إضماره «أن» بعد الواو في جواب الاستفهام، كما يجوز في العربية رفعه على إضمار مبتدأ كما ذكرته مرارا. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿فَاللهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله أيضا، و ﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه.
﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَنْ﴾): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَجْعَلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿لَنْ﴾). ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الأول. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلاً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ..﴾. إلخ مستأنفة.
﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلاً (١٤٢)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ:﴾ الخداع، والمخادعة: أن يوهم المرء صاحبه خلاف ما يريد من المكروه؛ ليوقعه فيه من حيث لا يشعر، أو يوهمه المساعدة على ما يريد هو به؛
стр. 1361
ليغترّ بذلك. وكلام المعنيين مناسب للمقام، فإنّهم كانوا يريدون أن يطلعوا على أسرار المؤمنين، فيذيعونها إلى المنابذين، وأن يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب سائر الكفرة. وانظر سورة (البقرة) رقم [٩] إن أردت الزيادة في ذلك، والخداع، والمخادعة من مكايد الحرب، وهي ممدوحة فيه، قال الرسول المعظم ﷺ : «الحرب خدعة» والمراد بخداعهم الله: خداع الرسول ﷺ ؛ لأنّ الله لا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء.
﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ أي: هو مجازيهم على أعمالهم، وذكر لفظ الخداع للمشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ وإن الله فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع؛ حيث تركهم في الدنيا معصومين الدماء، والأموال، وأعدّ لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار.
وقيل: يعطون على الصراط نورا، كما يعطى المؤمنون، فيمضون بنورهم، ثم يطفأ نورهم، ويبقى نور المؤمنين، فينادون المؤمنين: ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ انتهى جمل. ﴿كُسالى:﴾ قرئ بضم الكاف وفتحها، مثل: سكارى، وقرئ: («كسلى») مثل: سكرى، وهو جمع كسلان. هذا؛ والكسل: الفتور، والتواني، وانحطاط الجسم.
﴿يُراؤُنَ النّاسَ:﴾ من المراءاة، وهي مفاعلة من الرؤيا، ومعناها: أنّ المرائي يري النّاس عمله حسنا، ولا يراقب الله في هذا الحسن. والرياء: شرك، كما صرّحت به الأحاديث الشّريفة الكثيرة، وخذ ما يلي:
عن جندب بن عبد الله-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمّع؛ سمّع الله به، ومن يرائي؛ يرائي الله به». رواه البخاريّ، ومسلم.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «من تزيّن بعمل الآخرة، وهو لا يريدها، ولا يطلبها؛ لعن في السّماوات، والأرض». رواه الطّبرانيّ في الأوسط.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من تحبّب إلى النّاس بما يحبّون، وبارز الله بما يكرهون؛ لقي الله؛ وهو عليه غضبان» رواه الطّبرانيّ في الأوسط.
وعن ابن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحسن الصّلاة حيث يراه النّاس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربّه ﵎». رواه أبو يعلى.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما؛ لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصّلاة، فتقام، ثمّ آمر رجلا، فيصلّي بالنّاس، ثمّ أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصّلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم». رواه البخاريّ، ومسلم. وانظر الإخلاص في الآية [١٤٦].
стр. 1362
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُنافِقِينَ:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿يُخادِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة لا محلّ لها على الاعتبارين. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خادِعُهُمْ:﴾ خبره، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير على الاعتبارين. وقيل: معطوفة على خبر: ﴿إِنَّ﴾ وقيل:
مستأنفة، والحالية أقوى. (إذا): انظر الآية رقم [١٤٠]، وجملة: ﴿قامُوا إِلَى الصَّلاةِ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجملة: ﴿قامُوا كُسالى﴾ جواب (إذا) لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على جملة: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾ الواقعة خبرا ل: ﴿إِنَّ؛﴾ فهي في محل رفع مثلها. ﴿كُسالى:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿يُراؤُنَ النّاسَ﴾ في محل نصب حال ثانية من واو الجماعة. وقيل: من الضمير المستتر في: ﴿كُسالى﴾. وقيل: إنّها مستأنفة. وقيل: إنّها بدل من: ﴿كُسالى﴾ وهذان ضعيفان، وجملة: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ﴾ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: إلا ذكرا قليلا. وقيل:
صفة ل: «زمان» محذوف، التقدير: إلا زمانا قليلا. والأول أقوى.
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣)﴾
الشرح: ﴿مُذَبْذَبِينَ:﴾ متحيّرين، متردّدين بين الإيمان، والكفر، وهو بفتح الذال من:
الذبذبة، وهي الاضطراب، ومنه قول النابغة الذبياني يخاطب به النّعمان بن المنذر: [الطويل]
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
وقرئ بكسر الذال، بمعنى: يذبذبون قلوبهم، أو دينهم، ومنه قول البعيث بين حريث: [الطويل]
خيال لأمّ السّلسبيل ودونها... مسيرة شهر للبريد المذبذب
وقرئ بالدّال بمعنى: أخذ تارة في دبّة، وتارة في دبّة، وهي الطريقة. ومنه ما روي عن ابن عباس-﵄: اتبعوا دبّة قريش، أي: طريقتهم، وملتهم، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء؛ أي: لا منسوبين إلى المؤمنين، ولا إلى الكافرين. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً:﴾
انظر الآية رقم [٨٨] ففيها الكفاية، وخذ ما يلي:
стр. 1363
عن عبد الله بن عمر-﵄-عن النبي ﷺ قال: «مثل المنافق كمثل الشّاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرّة، وإلى هذه مرّة». متفق عليه.
الإعراب: ﴿مُذَبْذَبِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، أو هو منصوب على الذم بفعل محذوف، وعلامة نصبه الياء؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق به، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿إِلى:﴾
حرف جر. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر ب: ﴿إِلى﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في:
﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ انظر الشرح. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٨٨] ففيها الكفاية.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (١٤٤)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر مثل هذا النداء في الآية رقم [٢٩] فإنّه جيد والحمد لله! ﴿لا تَتَّخِذُوا:﴾ ينهى الله المؤمنين في هذه الآية عن موالاة الكافرين لقرابة، أو صداقة، ونحوهما؛ حتى لا يكون حبّهم، وبغضهم إلا لله، كما ينهى عن الاستعانة بهم في الغزو، وسائر الأمور الدّينية، والدنيوية، وإنّما يجب الحبّ للمؤمنين خاصّة، والمعاونة والمساعدة لهم، وبهم، ومثل هذه الآية رقم [٢٨] من سورة (آل عمران): ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ والآية رقم [٥١] من سورة (المائدة): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى..﴾. إلخ، وقوله تعالى في أول سورة (الممتحنة): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي..﴾. إلخ، وكل هذه الآيات تنهى المؤمنين الصادقين عن أن يكونوا مثل المنافقين؛ الذين ذكرهم الله في الآية رقم [١٣٩].
﴿أَتُرِيدُونَ:﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً:﴾ حجّة، وبرهانا قاطعا على نفاقكم، حتى يعاقبكم في الآخرة، كما يعاقب المنافقين. وتقدّم شرح الكلمات، وإعلال بعضها في الآية [٣] و [٦] من سورة (البقرة). وانظر الآية رقم [٨٩].
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [١٣٣] ففيها الكفاية. ﴿لا:﴾ ناهية.
﴿تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها كالجملة الندائية قبلها؛ لأنّها ابتدائية. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به أوّل. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿أَوْلِياءَ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿دُونِ﴾
стр. 1364
مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿أَتُرِيدُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. (﴿تُرِيدُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿أَنْ تَجْعَلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق والمصدر المؤوّل من الفعل وناصبه في محل نصب مفعول به. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان تقدّم على الأوّل. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سُلْطاناً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿سُلْطاناً:﴾ مفعول به. ﴿مُبِيناً:﴾ صفة له.
﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ:﴾ المراد به: الطبقة التي في قعر جهنّم.
وإنّما كان عقابهم كذلك؛ لأنّهم أخبث الكفرة، ضمّوا إلى الكفر استهزاء بالإسلام، وخداعا للمؤمنين. هذا؛ ودركات النار: منازل أهلها؛ إذ النّار دركات، والجنّة درجات، فالدّرك إلى أسفل، والدّرج إلى أعلى، ودركات النّار: طبقاتها، وهي سبع: العليا لعصاة المسلمين، وهي جهنّم، تكون بعد خروجهم منها خرابا، لا نار فيها، والثانية: لظى للنّصارى، والثالثة:
الحطمة: لليهود، والرّابعة: السّعير للصابئين، والخامسة: سقر للمجوس، والسادسة: الجحيم لأهل الشّرك، والسّابعة: الهاوية، وهي الدّرك الأسفل للمنافقين، وقد يسمّى جميعها باسم جهنّم، ويطلق عليها لفظ النّار جميعا. هذا؛ و ﴿الدَّرْكِ﴾ يقرأ بسكون الراء، وفتحها. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً:﴾ ناصرا ينصرهم، ويمنعهم من عذاب الله تعالى.
هذا؛ ودرجات الجنّة ثمان، وهي: دار الجلال، ودار السّلام، وجنّة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنّة النّعيم، ودار الكرامة، وهي المعبّر عنها بدار المقامة، بقوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٣٥] حكاية عن قول المؤمنين: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ..﴾. إلخ.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿الْمُنافِقِينَ:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِي الدَّرْكِ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ التقدير: مقيمون في الدّرك. ﴿الْأَسْفَلِ:﴾ صفة له.
﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الدَّرْكِ،﴾ أو من الضمير المستتر في: ﴿الْأَسْفَلِ﴾.
والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَنْ﴾):
حرف ناصب. ﴿تَجِدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (﴿لَنْ﴾) والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿لَهُمْ:﴾
стр. 1365
جار ومجرور، متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الأول، وتعليقهما ب:
﴿نَصِيراً﴾ بعدهما ممكن، والمعنى لا يأباه، والجملة الفعلية: ﴿وَلَنْ تَجِدَ..﴾. إلخ معطوفة على خبر: ﴿إِنَّ﴾ وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محلّ لها.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاِعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦)﴾
الشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا:﴾ رجعوا عن النفاق. ﴿وَأَصْلَحُوا:﴾ أي: سرائرهم، وأحوالهم بأن طهّروها من النّفاق. ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ:﴾ وثقوا به، وتمسّكوا بدينه. وانظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (آل عمران) فإنّه جيد، والحمد لله! ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ أي: لا يريدون بعملهم غير وجه الله تعالى. ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن فعلوا ما تقدّم؛ فيكونون مع المؤمنين في الدّارين، ورفاقهم في أعلى عليّين. ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي: ثوابا في الآخرة كثيرا، لا يعلم قدره إلا الله تعالى.
تنبيه: المنافق أخطر على الإسلام، والمسلمين من الكافر، ولهذا كان عذابه أشدّ من عذاب الكافر، كما رأيت في الآية السابقة، وقد شرط تعالى للتّوبة على الكافر الانتهاء عن الكفر فقط، قال تعالى في سورة الأنفال رقم [٣٨]: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ،﴾ وأمّا المنافق؛ فقد شرط الله عليه للتوبة أربعا: التوبة من النفاق، وإصلاح العمل، والاعتصام بالله، وإخلاص الدّين له.
هذا؛ و: (الإخلاص) رأس العبادات في التّوحيد، واتّباع الأوامر، واجتناب النّواهي، كيف لا وقد قال الله ﵎ في سورة (الزمر) رقم [٣]: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ أي: من الشرك، والرياء، والنّفاق. وقال جلّ ذكره في سورة (غافر) رقم [١٤]: ﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ،﴾ وقال تعالت كلمته في سورة (البينة): ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. وخذ من قول الرّسول ﷺ ما يلي:
فعن أنس-﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «من فارق الدّنيا على الإخلاص لله وحده، لا شريك له، وأقام الصّلاة، وآتى الزّكاة؛ فارقها والله عنه راض». رواه ابن ماجة، والحاكم.
وعن ثوبان-﵁-عن النّبي ﷺ قال: «طوبى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى، تنجلي عنهم كلّ فتنة ظلماء». رواه البيهقيّ، وعن ابن عبّاس-﵄: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أخلص لله أربعين يوما؛ ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه». رواه ابن حبان. وحذّر الرسول ﷺ من الرّياء، وبالإضافة لما ذكرته في الآية رقم [١٤٢] فخذ هنا ما يلي:
стр. 1366
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج في آخر الزّمان رجال يختلون (١) الدّنيا بالدّين، يلبسون للنّاس جلود الضّأن من اللّين، ألسنتهم أحلى من السّكّر، وقلوبهم قلوب الذّئاب» يقول الله : «أبي يغترّون، أم عليّ يجترئون؟! فبي حلفت:
لأبعثنّ على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيرانا!». رواه الترمذيّ برقم [٢٤٠٦] والأحاديث في ذلك كثيرة مسطورة.
الإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من: ﴿الْمُنافِقِينَ﴾ أو: من الضمير المجرور محلاّ باللام، أو هو في محل رفع مبتدأ. ﴿تابُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، التقدير: تابوا من النفاق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والجملتان بعدها معطوفتان عليها. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿دِينَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿دِينَهُمْ﴾.
(أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ. و ﴿مَعَ:﴾ مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة على الوجه الأول في: ﴿الَّذِينَ﴾ وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، وزيدت الفاء في خبره؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستثنى من الكلام السّابق، واعتبار المفرد الموصول مستثنى من الكلام السابق يجعل الجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ غير مرتبطة بما قبلها إعرابا مع كونها مرتبطة بها معنى، وانظر الآية رقم [١٦٠] من سورة (البقرة).
﴿وَسَوْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿سَوْفَ﴾): حرف تسويف، واستقبال. ﴿يُؤْتِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به أول منصوب... إلخ. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول به ثان.
﴿عَظِيماً:﴾ صفة له.
﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧)﴾
الشرح: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ..﴾. إلخ؛ أي: لا غاية لله في عذابكم؛ لأنّه لا يشفي غيظا، ولا يدفع ضرّا، ولا يجلب نفعا، فهو الغني المتعالي عن النّفع، والضرّ، وهذا إن شكرتم، وآمنتم،
стр. 1367
وإلاّ؛ فهو سبحانه يعاقب المصرّ على كفره، ونفاقه، وعصيانه. ﴿وَكانَ اللهُ:﴾ ويكون، ولا يزال كائنا. ﴿شاكِراً عَلِيماً:﴾ قد قدّم الله الشكر على الإيمان في الآية؛ لأنّ العاقل ينظر إلى ما عليه من النّعمة العظيمة في خلقه، وتعريضه للمنافع، فيشكر شكرا مبهما، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم؛ آمن به، ثمّ شكره شكرا مفصلا، فكان الشكر مقدّما على الإيمان.
هذا؛ والفعل منه يتعدّى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، و: شكرت له، كما تقول:
نصحته، و: نصحت له، وباللام أفصح. هذا؛ ومن أسماء الله تعالى: الشّكور، ومعناه: هو الذي يجازي على يسير الطّاعات كثير الدّرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة. وخذ في معنى الشّكر لله ما يلي:
قال سهل بن عبد الله-رحمه الله تعالى-: الشكر هو: الاجتهاد في بذل الطّاعة مع الاجتناب للمعصية في السرّ، والعلانية. وقالت طائفة أخرى: الشّكر: هو الاعتراف في تقصير الشّكر للمنعم، ولذلك قال الله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً،﴾ فقال داود-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-: كيف أشكرك يا رب، والشّكر نعمة منك علي؟! فقال تعالى: الآن شكرتني، وعرفتني؛ إذ قد عرفت: أنّ الشكر منّي نعمة عليك. وقال موسى-﵇:
كيف أشكرك يا رب! وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك، لا يجازي بها عملي كلّه؟! فأوحى إليه: يا موسى! الآن شكرتني. وقال ذو النّون المصري-رحمه الله تعالى-: الشكر لمن فوقك بالطّاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان، والإفضال.
هذا؛ وشكر الله يستوجب المزيد من النعم، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. وجحودها يستوجب سلبها، وذهابها، قال تعالى في الآية نفسها رقم [٧]: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ لذا قيل:
إنّ الشكر قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. وينبغي أن تعلم: أنّ فائدة الشكر، تعود على الشّاكر نفسه، قال تعالى في سورة (النّمل) رقم [٤٠]: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ،﴾ وقال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٢]: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾.
هذا؛ والشّكر مطلوب لكلّ منعم، ومحسن؛ ولو كان من البشر، لذا فقد ندبنا الله ورسوله على أن نشكر من أحسن إلينا من النّاس، لذا قال الله تعالى: ﴿اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.
وعن جابر بن عبد الله-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من أعطي عطاء، فوجد؛ فليجز به، فإن لم يجد؛ فليثن، فإنّ من أثنى؛ فقد شكر، ومن كتم؛ فقد كفر، ومن تحلّى بما لم يعط؛ كان كلابس ثوبي زور». أخرجه الترمذيّ.
وعن أسامة بن زيد-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرا؛ فقد أبلغ في الثّناء».
стр. 1368
وعن النّعمان بن بشير-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يشكر القليل؛ لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر النّاس؛ لم يشكر الله. والتّحدّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». قال الخطابي-رحمه الله تعالى-: هذا الكلام يتأول على معنيين: أحدهما: أنّ من كان طبعه كفران نعمة النّاس، وترك الشكر لمعروفهم؛ كان من عادته كفران نعم الله، ، وترك الشكر له. والمعنى الثاني: أنّ الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه؛ إذا كان العبد لا يشكر إحسان النّاس إليه، ويكفر معروفهم، لاتصال أحد الأمرين بالآخر. ورحم الله من قال: [الطويل]
ومن لم يؤدّ الشّكر للنّاس لم يكن... لإحسان ربّ النّاس يوما بشاكر
الإعراب: ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. وقيل:
(﴿ما﴾) نافية. ﴿يَفْعَلُ اللهُ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿بِعَذابِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والباء زائدة في المفعول به على اعتبار (ما) نافية، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿شَكَرْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَآمَنْتُمْ:﴾ معطوف على ما قبله جملة، وإفرادا، ومتعلقه محذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن شكرتم الله، وآمنتم به؛ فما يفعل الله... إلخ، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨)﴾
الشرح: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ..﴾. إلخ: أي: لا يرضى ربّنا أن يجهر المسلم بالقول السيّئ إلا المظلوم، فإنّه يجوز له أن يجهر بظلمه، فيقول: فلان ظلمني، أو سرقني، أو شتمني، ونحو ذلك، كما فسّر بدعاء المظلوم على الظالم، فإنّه يجوز له أن يدعو على ظالمه سرّا، وجهرا.
وقيل: نزلت الآية في الضّيف إذا نزل بقوم، فلم يقروه، ولم يحسنوا ضيافته؛ فله أن يشكو، ويذكر ما صنع به.
وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: نزلت في أبي بكر الصديق-﵁-وذلك: أنّ رجلا نال منه، والنبيّ ﷺ حاضر، فسكت عنه أبو بكر-﵁-مرارا، ثم ردّ عليه، فقام النبيّ ﷺ من مجلسه، فقال الصدّيق: يا رسول الله! شتمني الرّجل، فلم تقل له شيئا؛ حتّى إذا رددت عليه؛ قمت! فقال النبي ﷺ : «إنّ ملكا كان يجيب عنك، فلمّا رددت عليه؛ ذهب الملك، وجاء الشّيطان، فقمت». ونزلت الآية الكريمة.
стр. 1369
هذا؛ وقرئ: («إلاّ من ظلم») بفتح الظّاء، واللام. والمعنى عليه: إلا من ظلم في فعل، أو في قول فاجهروا له بالسّوء من القول. ففيه معنى النهي عن فعله القبيح، والتوبيخ له، والردّ عليه، فإنّه يقال للمنافق: ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدّرك الأسفل من النّار؟! وقال قوم: معنى الكلام: لكن من ظلم، فإنّه يجهر بالسوء ظلما، وعدوانا، وهذا شأن كثير من الظّلمة، ودأبهم، فإنّهم مع ظلمهم يستطيلون على الناس بألسنتهم، وينالون من عرض مظلومهم ما حرّم الله عليهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً:﴾ تحذير للظّالم حتّى لا يظلم، وللمظلوم حتى لا يتعدّى الحدّ في الانتصار. وخذ قوله تعالى في سورة (الشورى): ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾. وقوله جلّ ذكره فيها أيضا: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وعن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «المستبّان ما قالا، فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم». أخرجه أبو داود برقم: [٤٨٩٤]، ومسلم برقم [٢٥٨٧]، وعن عياض بن حمار-﵁-قال: قلت: يا نبي الله! الرجل يشتمني، وهو دوني، أعليّ من بأس أن أنتصر منه؟ قال: «المستبّان شيطانان يتهاتران يتكاذبان». رواه ابن حبّان في صحيحه.
الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿الْجَهْرَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالسُّوءِ:﴾ متعلقان ب ﴿الْجَهْرَ﴾ لأنّه مصدر، فهما في محل نصب مفعول به. ﴿مِنَ الْقَوْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (السوء). ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. أو أداة استثناء. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بإضافة اسم محذوف إليه، التقدير: إلاّ جهر من. وهذا المحذوف بدل من: ﴿الْجَهْرَ،﴾ أو هو مستثنى منه. والأول أقوى؛ لأنّ الكلام تامّ منفي، و ﴿مِنَ﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿ظُلِمَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، أو للمعلوم، ونائب الفاعل، أو الفاعل يعود إلى: ﴿مِنَ،﴾ والجملة الفعلية صلة:
﴿مِنَ﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (١٤٩)﴾
الشرح: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً..﴾. إلخ؛ أي: إن أظهرتم أيّها النّاس عمل الخير، أو أخفيتموه، أو عفوتم عمّن أساء إليكم. والخير في هذه الآية يشمل جميع أعمال البرّ من طاعة الله، ومن إحسان، ومعروف لأي مخلوق يدبّ على وجه الأرض. والعفو يشمل التّجاوز عن كلّ إيذاء، وإساءة، ومضرّة من أيّ مخلوق. ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ..﴾. إلخ. يعني: لم يزل ذا عفو مع قدرته على الانتقام، فاعفوا أنتم عمّن ظلمكم، واقتدوا بسنّة الله، ورسوله؛ يعف عنكم يوم القيامة؛ لأنّه أهل للتّجاوز، والعفو عنكم.
стр. 1370
روى ابن المبارك؛ قال: حدّثني من سمع الحسن؛ يقول: إذا جثت الأمم بين يدي ربّ العالمين؛ نودي: ليقم من أجره على الله! فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا عن المسيئين. ويصدقه قوله تعالى في سورة (الشّورى): ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾. هذا؛ وبين: ﴿تُبْدُوا﴾ و (تخفوا) طباق، وهو من المحسّنات البديعية.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُبْدُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، وإعرابهما مثلها، وجواب الشّرط محذوف، تقديره: فهو أولى لكم من تركه، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.
﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ تقديره: «هو». ﴿عَفُوًّا قَدِيراً﴾ خبران ل:
﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنّها تعليلية.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ..﴾. إلخ: نزلت الآية الكريمة في اليهود، والنّصارى جميعا، وذلك: أنّ اليهود آمنوا بموسى، والتوراة، وكفروا بعيسى، والإنجيل، وبمحمد، والقرآن. والنصارى آمنوا بعيسى، والإنجيل، وكفروا بمحمّد ﷺ والقرآن. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: بين الإيمان بالله، والإيمان برسله. فنصّ الله : أنّ التفريق بين الله، ورسله كفر، وإنّما كان كفرا؛ لأنّ الله تعالى فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرّسل. فإذا جحدوا الرّسل؛ ردّوا عليهم شرائعهم، ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية؛ الّتي أمروا بالتزامها لله تعالى.
﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ:﴾ هو ما ذكرته مفصلا من إيمان اليهود، وإيمان النصارى آنفا. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ أي: بين الإيمان بالبعض دون البعض يتّخذون مذهبا يذهبون إليه، ودينا وسطا بين الإسلام، واليهودية يدينون به، ولا دين وسط لله تعالى؛ إذ الحقّ لا يختلف، فإنّ الإيمان بالله لا يتمّ إلا بالإيمان برسله، وتصديقهم فيما بلّغوا تفصيلا، وإجمالا، فالكافر ببعض كالكافر بالكلّ في الضّلال، كما قال جلّ ذكره: ﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾.