فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج في آخر الزّمان رجال يختلون (١) الدّنيا بالدّين، يلبسون للنّاس جلود الضّأن من اللّين، ألسنتهم أحلى من السّكّر، وقلوبهم قلوب الذّئاب» يقول الله : «أبي يغترّون، أم عليّ يجترئون؟! فبي حلفت:
لأبعثنّ على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيرانا!». رواه الترمذيّ برقم [٢٤٠٦] والأحاديث في ذلك كثيرة مسطورة.
الإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من: ﴿الْمُنافِقِينَ﴾ أو: من الضمير المجرور محلاّ باللام، أو هو في محل رفع مبتدأ. ﴿تابُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، التقدير: تابوا من النفاق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والجملتان بعدها معطوفتان عليها. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿دِينَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿دِينَهُمْ﴾.
(أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ. و ﴿مَعَ:﴾ مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة على الوجه الأول في: ﴿الَّذِينَ﴾ وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، وزيدت الفاء في خبره؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستثنى من الكلام السّابق، واعتبار المفرد الموصول مستثنى من الكلام السابق يجعل الجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ غير مرتبطة بما قبلها إعرابا مع كونها مرتبطة بها معنى، وانظر الآية رقم [١٦٠] من سورة (البقرة).
﴿وَسَوْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿سَوْفَ﴾): حرف تسويف، واستقبال. ﴿يُؤْتِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به أول منصوب... إلخ. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول به ثان.
﴿عَظِيماً:﴾ صفة له.
﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧)﴾
الشرح: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ..﴾. إلخ؛ أي: لا غاية لله في عذابكم؛ لأنّه لا يشفي غيظا، ولا يدفع ضرّا، ولا يجلب نفعا، فهو الغني المتعالي عن النّفع، والضرّ، وهذا إن شكرتم، وآمنتم،
стр. 1367
وإلاّ؛ فهو سبحانه يعاقب المصرّ على كفره، ونفاقه، وعصيانه. ﴿وَكانَ اللهُ:﴾ ويكون، ولا يزال كائنا. ﴿شاكِراً عَلِيماً:﴾ قد قدّم الله الشكر على الإيمان في الآية؛ لأنّ العاقل ينظر إلى ما عليه من النّعمة العظيمة في خلقه، وتعريضه للمنافع، فيشكر شكرا مبهما، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم؛ آمن به، ثمّ شكره شكرا مفصلا، فكان الشكر مقدّما على الإيمان.
هذا؛ والفعل منه يتعدّى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، و: شكرت له، كما تقول:
نصحته، و: نصحت له، وباللام أفصح. هذا؛ ومن أسماء الله تعالى: الشّكور، ومعناه: هو الذي يجازي على يسير الطّاعات كثير الدّرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة. وخذ في معنى الشّكر لله ما يلي:
قال سهل بن عبد الله-رحمه الله تعالى-: الشكر هو: الاجتهاد في بذل الطّاعة مع الاجتناب للمعصية في السرّ، والعلانية. وقالت طائفة أخرى: الشّكر: هو الاعتراف في تقصير الشّكر للمنعم، ولذلك قال الله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً،﴾ فقال داود-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-: كيف أشكرك يا رب، والشّكر نعمة منك علي؟! فقال تعالى: الآن شكرتني، وعرفتني؛ إذ قد عرفت: أنّ الشكر منّي نعمة عليك. وقال موسى-﵇:
كيف أشكرك يا رب! وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك، لا يجازي بها عملي كلّه؟! فأوحى إليه: يا موسى! الآن شكرتني. وقال ذو النّون المصري-رحمه الله تعالى-: الشكر لمن فوقك بالطّاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان، والإفضال.
هذا؛ وشكر الله يستوجب المزيد من النعم، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. وجحودها يستوجب سلبها، وذهابها، قال تعالى في الآية نفسها رقم [٧]: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ لذا قيل:
إنّ الشكر قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. وينبغي أن تعلم: أنّ فائدة الشكر، تعود على الشّاكر نفسه، قال تعالى في سورة (النّمل) رقم [٤٠]: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ،﴾ وقال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٢]: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾.
هذا؛ والشّكر مطلوب لكلّ منعم، ومحسن؛ ولو كان من البشر، لذا فقد ندبنا الله ورسوله على أن نشكر من أحسن إلينا من النّاس، لذا قال الله تعالى: ﴿اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.
وعن جابر بن عبد الله-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من أعطي عطاء، فوجد؛ فليجز به، فإن لم يجد؛ فليثن، فإنّ من أثنى؛ فقد شكر، ومن كتم؛ فقد كفر، ومن تحلّى بما لم يعط؛ كان كلابس ثوبي زور». أخرجه الترمذيّ.
وعن أسامة بن زيد-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرا؛ فقد أبلغ في الثّناء».
стр. 1368
وعن النّعمان بن بشير-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يشكر القليل؛ لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر النّاس؛ لم يشكر الله. والتّحدّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». قال الخطابي-رحمه الله تعالى-: هذا الكلام يتأول على معنيين: أحدهما: أنّ من كان طبعه كفران نعمة النّاس، وترك الشكر لمعروفهم؛ كان من عادته كفران نعم الله، ، وترك الشكر له. والمعنى الثاني: أنّ الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه؛ إذا كان العبد لا يشكر إحسان النّاس إليه، ويكفر معروفهم، لاتصال أحد الأمرين بالآخر. ورحم الله من قال: [الطويل]
ومن لم يؤدّ الشّكر للنّاس لم يكن... لإحسان ربّ النّاس يوما بشاكر
الإعراب: ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. وقيل:
(﴿ما﴾) نافية. ﴿يَفْعَلُ اللهُ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿بِعَذابِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والباء زائدة في المفعول به على اعتبار (ما) نافية، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿شَكَرْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَآمَنْتُمْ:﴾ معطوف على ما قبله جملة، وإفرادا، ومتعلقه محذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن شكرتم الله، وآمنتم به؛ فما يفعل الله... إلخ، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨)﴾
الشرح: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ..﴾. إلخ: أي: لا يرضى ربّنا أن يجهر المسلم بالقول السيّئ إلا المظلوم، فإنّه يجوز له أن يجهر بظلمه، فيقول: فلان ظلمني، أو سرقني، أو شتمني، ونحو ذلك، كما فسّر بدعاء المظلوم على الظالم، فإنّه يجوز له أن يدعو على ظالمه سرّا، وجهرا.
وقيل: نزلت الآية في الضّيف إذا نزل بقوم، فلم يقروه، ولم يحسنوا ضيافته؛ فله أن يشكو، ويذكر ما صنع به.
وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: نزلت في أبي بكر الصديق-﵁-وذلك: أنّ رجلا نال منه، والنبيّ ﷺ حاضر، فسكت عنه أبو بكر-﵁-مرارا، ثم ردّ عليه، فقام النبيّ ﷺ من مجلسه، فقال الصدّيق: يا رسول الله! شتمني الرّجل، فلم تقل له شيئا؛ حتّى إذا رددت عليه؛ قمت! فقال النبي ﷺ : «إنّ ملكا كان يجيب عنك، فلمّا رددت عليه؛ ذهب الملك، وجاء الشّيطان، فقمت». ونزلت الآية الكريمة.
стр. 1369
هذا؛ وقرئ: («إلاّ من ظلم») بفتح الظّاء، واللام. والمعنى عليه: إلا من ظلم في فعل، أو في قول فاجهروا له بالسّوء من القول. ففيه معنى النهي عن فعله القبيح، والتوبيخ له، والردّ عليه، فإنّه يقال للمنافق: ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدّرك الأسفل من النّار؟! وقال قوم: معنى الكلام: لكن من ظلم، فإنّه يجهر بالسوء ظلما، وعدوانا، وهذا شأن كثير من الظّلمة، ودأبهم، فإنّهم مع ظلمهم يستطيلون على الناس بألسنتهم، وينالون من عرض مظلومهم ما حرّم الله عليهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً:﴾ تحذير للظّالم حتّى لا يظلم، وللمظلوم حتى لا يتعدّى الحدّ في الانتصار. وخذ قوله تعالى في سورة (الشورى): ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾. وقوله جلّ ذكره فيها أيضا: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وعن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «المستبّان ما قالا، فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم». أخرجه أبو داود برقم: [٤٨٩٤]، ومسلم برقم [٢٥٨٧]، وعن عياض بن حمار-﵁-قال: قلت: يا نبي الله! الرجل يشتمني، وهو دوني، أعليّ من بأس أن أنتصر منه؟ قال: «المستبّان شيطانان يتهاتران يتكاذبان». رواه ابن حبّان في صحيحه.
الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿الْجَهْرَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالسُّوءِ:﴾ متعلقان ب ﴿الْجَهْرَ﴾ لأنّه مصدر، فهما في محل نصب مفعول به. ﴿مِنَ الْقَوْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (السوء). ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. أو أداة استثناء. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بإضافة اسم محذوف إليه، التقدير: إلاّ جهر من. وهذا المحذوف بدل من: ﴿الْجَهْرَ،﴾ أو هو مستثنى منه. والأول أقوى؛ لأنّ الكلام تامّ منفي، و ﴿مِنَ﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿ظُلِمَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، أو للمعلوم، ونائب الفاعل، أو الفاعل يعود إلى: ﴿مِنَ،﴾ والجملة الفعلية صلة:
﴿مِنَ﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (١٤٩)﴾
الشرح: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً..﴾. إلخ؛ أي: إن أظهرتم أيّها النّاس عمل الخير، أو أخفيتموه، أو عفوتم عمّن أساء إليكم. والخير في هذه الآية يشمل جميع أعمال البرّ من طاعة الله، ومن إحسان، ومعروف لأي مخلوق يدبّ على وجه الأرض. والعفو يشمل التّجاوز عن كلّ إيذاء، وإساءة، ومضرّة من أيّ مخلوق. ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ..﴾. إلخ. يعني: لم يزل ذا عفو مع قدرته على الانتقام، فاعفوا أنتم عمّن ظلمكم، واقتدوا بسنّة الله، ورسوله؛ يعف عنكم يوم القيامة؛ لأنّه أهل للتّجاوز، والعفو عنكم.
стр. 1370
روى ابن المبارك؛ قال: حدّثني من سمع الحسن؛ يقول: إذا جثت الأمم بين يدي ربّ العالمين؛ نودي: ليقم من أجره على الله! فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا عن المسيئين. ويصدقه قوله تعالى في سورة (الشّورى): ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾. هذا؛ وبين: ﴿تُبْدُوا﴾ و (تخفوا) طباق، وهو من المحسّنات البديعية.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُبْدُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، وإعرابهما مثلها، وجواب الشّرط محذوف، تقديره: فهو أولى لكم من تركه، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.
﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ تقديره: «هو». ﴿عَفُوًّا قَدِيراً﴾ خبران ل:
﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنّها تعليلية.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ..﴾. إلخ: نزلت الآية الكريمة في اليهود، والنّصارى جميعا، وذلك: أنّ اليهود آمنوا بموسى، والتوراة، وكفروا بعيسى، والإنجيل، وبمحمد، والقرآن. والنصارى آمنوا بعيسى، والإنجيل، وكفروا بمحمّد ﷺ والقرآن. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: بين الإيمان بالله، والإيمان برسله. فنصّ الله : أنّ التفريق بين الله، ورسله كفر، وإنّما كان كفرا؛ لأنّ الله تعالى فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرّسل. فإذا جحدوا الرّسل؛ ردّوا عليهم شرائعهم، ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية؛ الّتي أمروا بالتزامها لله تعالى.
﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ:﴾ هو ما ذكرته مفصلا من إيمان اليهود، وإيمان النصارى آنفا. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ أي: بين الإيمان بالبعض دون البعض يتّخذون مذهبا يذهبون إليه، ودينا وسطا بين الإسلام، واليهودية يدينون به، ولا دين وسط لله تعالى؛ إذ الحقّ لا يختلف، فإنّ الإيمان بالله لا يتمّ إلا بالإيمان برسله، وتصديقهم فيما بلّغوا تفصيلا، وإجمالا، فالكافر ببعض كالكافر بالكلّ في الضّلال، كما قال جلّ ذكره: ﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾.
стр. 1371
تنبيه بل فائدة: ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الإيمان، والكفر، ولم يقل: بين ذينك؛ لأنّ ذلك تقع للواحد، وللاثنين، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٨٦]: ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾. ومن شواهدها الشّعرية قول عبد الله بن الزّبعرى-وهو الشاهد رقم [٣٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والشاهد رقم [١٨٤] من كتابنا: «فتح رب البريّة» -: [الرمل]
إنّ للخير وللشّرّ مدى... وكلا ذلك وجه وقبل (١)
وقال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته مشيرا إلى ذلك في (الإضافة): [الرجز]
لمفهم اثنين معرّف بلا... تفرّق أضيف كلتا وكلا
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب اسم (﴿إِنَّ﴾). ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها، والجملة بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرُسُلِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَيُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿أَنْ يُفَرِّقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿إِنَّ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من الفعل، وناصبه في محلّ نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله. و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَرُسُلِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿نُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، أو هو متعلّق بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلاً﴾ كان صفة له... إلخ. و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به.
﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ﴾ أي: المذكورون في الآية السابقة. ﴿هُمُ الْكافِرُونَ﴾ أي: الكاملون في الكفر؛ لأنّه لا اعتبار بإيمانهم. ﴿حَقًّا:﴾ تأكيد يزيل التوهّم في إيمانهم حين وصفهم الله بأنهم يقولون: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾. وإذا كفروا ببعض الرّسل، فقد كفروا بالله-
стр. 1372
كفرا محقّقا، وكفروا بكلّ رسول مبشّر بمحمد ﷺ . ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ..﴾. إلخ أي: كما استهانوا بمن كفروا به من الرّسل. يعذبهم في الآخرة عذابا شديدا يهينهم به جزاء كفرهم، واستهانتهم برسل الله محمد، وعيسى، عليهما ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محلّ رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محلّ له. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
هذا؛ وإن اعتبرت الضّمير مبتدأ ثانيا، و ﴿الْكافِرُونَ﴾ خبره؛ فالجملة الاسمية تكون في محلّ رفع خبر الأول، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ﴾ إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ في الآية السابقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿حَقًّا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: حقّ ذلك حقّا، والجملة في محلّ نصب حال مؤكدة لمضمون الجملة الاسمية، أو هو حال صريحة مؤكّدة لمضمون الجملة الاسمية، ومثله قول سالم بن دارة اليربوعي-وهو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا: «فتح رب البريّة» -: [البسيط]
أنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟!
وقيل: ﴿حَقًّا﴾ صفة لمصدر محذوف، التقدير: الكافرون كفرا حقّا. ﴿وَأَعْتَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿مُهِيناً﴾ بعدهما. ﴿عَذاباً:﴾
مفعول به. ﴿مُهِيناً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، أو هي معترضة بين المتعاطفتين.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ يعني بذلك أمّة محمد ﷺ ، فإنّهم يؤمنون بكلّ كتاب أنزله الله، وبكلّ رسول بعثه الله تعالى، كما قال الله تعالى في آخر سورة (البقرة): ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ..﴾. إلخ، والآية رقم [٨٤] من سورة (آل عمران):
﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ..﴾. إلخ. ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ﴾ أي: بالإيمان، وأمّا بالتّفضيل فهو موجود، كما ذكرته مرارا. ﴿أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ فهذا وعد من الجليل بالثّواب الجزيل، والعطاء الجميل، و ﴿سَوْفَ:﴾ هنا بحقّ الله تعالى للتّحقيق، والتّأكيد، ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ؟!﴾ ﴿وَكانَ اللهُ:﴾ ولا يزال كائنا. ﴿غَفُوراً﴾ لذنوب عباده. ﴿رَحِيماً﴾ بهم.
بعد هذا فإنّ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ يقابل قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾. وقوله جلّ شأنه: ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا﴾ يقابل قوله تعالت قدرته: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ﴾
стр. 1373
يُفَرِّقُوا... إلخ. وأما قوله تعالت حكمته: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا..﴾. إلخ؛ فداخل فيما قبله، فتمّت المقابلة.
قال النّسفي-رحمه الله تعالى-: والآية تدلّ على بطلان قول المعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة؛ لأنّ الله أخبر: أنّ من آمن بالله، ورسله... إلخ يؤتيه أجره، ومرتكب الكبيرة ممّن آمن بالله ورسوله، ولم يفرّق بين أحد منهم، فيدخل تحت هذا الوعد.
هذا؛ و (أحد) أصله: وحد؛ لأنّه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، وإنّما يحسن في المضمومة، والمكسورة، مثل قولهم في: وجوه: أوجه، وفي وساءة: إساءة. وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري جلّ علاه، فيقال:
هو الواحد، وهو الأحد. والثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون، وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل أحد إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ بخلاف الواحد، وقولهم: ما في الدّار أحد. وهو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه الواحد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، ولذا صحّت إضافة (بين) إليه، قال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٣٢]: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾. وقال جلّ ذكره في سورة (الحاقة) رقم [٤٧]: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ وإن أردت الزيادة؛ فانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (الجن) تجد ما يسرّك ويثلج صدرك.
الإعراب: (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُفَرِّقُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (﴿لَمْ﴾)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَحَدٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة:
﴿أَحَدٍ﴾.
﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿سَوْفَ:﴾ حرف تسويف، واستقبال، وهو هنا للتّحقيق. ﴿يُؤْتِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به أوّل. ﴿أُجُورَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأوّل، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ معطوفة على الجملة السابقة الواقعة خبرا ل: (إنّ) فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً:﴾ إعراب هذه الجملة واضح، وهي مستأنفة، لا محلّ لها.
стр. 1374
﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣)﴾
الشرح: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ..﴾. إلخ؛ أي: سألك يا محمد أهل الكتاب من اليهود، وذلك: أنّ كعب بن الأشرف، وفنحاص بن عازوراء، وغيرهما قالوا لرسول الله ﷺ : إن كنت نبيّا؛ فائتنا بكتاب من السماء جملة واحدة، كما أتى موسى بالتوراة. وكان هذا السؤال من اليهود سؤال تعنّت، واقتراح، لا سؤال استرشاد، وانقياد، والله لا ينزل الآيات على اقتراح العباد، ولأنّ معجزة الرسول ﷺ كانت قد تقدّمت، وظهرت، فكان طلب الزيادة من باب التعنّت.
﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ﴾ أي: أعظم من الّذي سألوك يا محمد! ففيه تسلية للنبي ﷺ وتوبيخ، وتقريع لليهود؛ حيث سألوا رسول الله ﷺ سؤال تعنّت. والمعنى: لا تعظمنّ عليك مسألتهم يا محمد! فإنّهم من فرط جهلهم، واجترائهم على الله لو أتيتهم بكتاب من السماء؛ لما آمنوا بك. وإنّما أسند السؤال إلى اليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ، وإن وجد هذا السّؤال من آبائهم الذين كانوا في زمن موسى-﵊-لأنّهم كانوا على مذهبهم، وراضين بسؤالهم، ومشاكلين لهم في التعنّت. وما أكثر مثل هذا التوبيخ للموجودين في عهد الرسول ﷺ بما فعل آباؤهم الأوّلون في سورة (البقرة). انظر الآية رقم [٥٥] وما بعدها.
﴿فَقالُوا:﴾ يعني أسلاف اليهود. ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً:﴾ أرناه نره عيانا. وذلك: أنّ سبعين من بني إسرائيل خرجوا مع موسى-﵊-إلى الجبل ليعتذر إلى الله من عبادة العجل، انظر الآية رقم [٥٥] من سورة (البقرة).
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أي: بسبب ظلمهم، وسؤالهم الرؤية. والصّاعقة: الصيحة، وهي صوت هائل سمعوه من جهة السّماء. وقيل: هي نار. وفي سورة (الأعراف) رقم [١٥٥]:
﴿فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ:﴾ وهي الزلزلة، ويمكن الجمع بأنّهم حصل لهم الجميع، انظر الآية [٥٥] من سورة (البقرة) والآية [١٥٢] من سورة (الأعراف).
﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ يعني: إلها، وهم الذين خلّفهم موسى مع أخيه هارون حين خرج إلى ميقات ربّه ليأتيهم بالتّوراة؛ التي وعدهم بها. ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ:﴾ المعجزات الواضحات الدّالة على صدق موسى، وهي: العصا، واليد، وفلق البحر، وغير ذلك من المعجزات الباهرة.
هذا؛ وأصل (اتخذ) ائتخذ من الأخذ، وزنه: افتعل؛ سهلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين، فصار: «ايتخذ» فاضطربت الياء في التّصريف. فجاءت ألفا في: «ياتخذ» وواوا في: «موتخذ»
стр. 1375
فبدّلت بحرف ثابت من جنس ما بعدها، وهي التاء، ثم أدغمت التاء في التاء، ثم اجتلبت ألف الوصل للنطق بها، وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير، كقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٨٠]: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً﴾ فاستغني عن ألف الوصل بألف التّقرير، ومثله قول ذي الرّمّة: [البسيط]
أستحدث الرّكب عن أشياعهم خبرا... أم راجع القلب من أطرابه طرب؟
ومثل ذلك كلّه قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧٨]: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً؟،﴾ وقوله تعالى في سورة (الصّافات) رقم [١٥٣]: ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ؟،﴾ وقوله تعالى في سورة (ص) رقم [٧٥]: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ؟،﴾ وقوله تعالى في سورة (المنافقون) رقم [٦]: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. انظر شرح هذه الآيات في محالّها.
﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ﴾ أي: عن ذلك الذنب العظيم، فلم نستأصل عبدة العجل. والمقصود من هذا تسلية النبيّ ﷺ . والمعنى: أنّ هؤلاء الذين يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتابا من السماء إنّما يطلبونه عنادا، ولجاجا، فإنّي قد أنزلت التّوراة جملة على موسى، وآتيته من المعجزات الباهرات، والآيات البينات ما فيه كفاية، ثمّ إنّهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد، وعبدوا العجل، وكلّ ذلك يدلّ على جهلهم، وأنّهم مجبولون على العناد، واللّجاج، وفي قوله تعالى: ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ﴾ استدعاء إلى التّوبة، والمعنى: أنّ أولئك الذين أجرموا لمّا تابوا؛ عفونا عنهم، فتوبوا أنتم؛ نعف عنكم... انتهى خازن.
الإعراب: ﴿يَسْئَلُكَ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به أول. ﴿أَهْلُ:﴾ فاعله، و ﴿أَهْلُ﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْ تُنَزِّلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والمصدر المؤول منهما في محل نصب مفعول به ثان، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿كِتاباً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:
﴿كِتاباً،﴾ والجملة الفعلية: ﴿يَسْئَلُكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب شرط مقدّر، التقدير: إن تعجبت من سؤالهم؛ فقد سأل آباؤهم أعظم من ذلك. وهذا قول البيضاوي، والنّسفي تبعا للزّمخشري. وأرى: أنّ الفاء للتعليل، التقدير: لا تستغرب، ولا تتعجّب من سؤالهم؛ لأنّهم سألوا موسى... إلخ. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَأَلُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به أوّل منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذر. ﴿أَكْبَرَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ ذلِكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَكْبَرَ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له، وجملة: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط على رأي البيضاوي... إلخ، ولا محلّ لها على تقديري. والكلام برمّته مستأنف لا محلّ له.
стр. 1376
﴿فَقالُوا:﴾ الفاء: حرف تفسير، مثل: توضأ، فغسل وجهه... إلخ. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَرِنَا:﴾ فعل أمر، والتماس، مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت، و (نا): مفعول به.
﴿اللهَ:﴾ مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قالوا...) إلخ مفسرة لسؤالهم موسى لا محلّ لها. ﴿جَهْرَةً:﴾ مفعول مطلق نوعي؛ لأنّ الجهر بعض الرؤية.
وقيل: حال من الفاعل المستتر، أو من لفظ الجلالة. وقيل: مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: جهرتم جهرة. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذتهم): فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الصّاعِقَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:
(قالوا...) إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿بِظُلْمِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿الْعِجْلَ:﴾ مفعول به أول، والثاني محذوف، التقدير: اتخذوا العجل إلها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة «إلها» المقدّر. ﴿ما﴾ مصدرية. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء: مفعول به. ﴿الْبَيِّناتُ:﴾ فاعله، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد مجيء البينات.
﴿فَعَفَوْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (عفونا): فعل، وفاعل. ﴿عَنْ ذلِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَآتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به أول. ﴿سُلْطاناً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مُبِيناً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤)﴾
الشرح: ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ:﴾ هذه الجملة تفسّر معنى قوله تعالى في سورة الأعراف رقم [٧٠]: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ و ﴿الطُّورَ﴾ يطلق في الأصل على كلّ جبل، والمراد به هنا: جبل مخصوص في سيناء من أرض فلسطين، كان موسى -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يناجي ربّه عليه كلّما أراد مناجاته، ومخاطبته.
والميثاق: العهد، وأصله: الموثاق، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، والجمع: مواثيق، فهو من: وثق، يثق، ومثله في كلّ ذلك: ميعاد، وميقات، وميزان
وكان سبب رفع الجبل فوقهم: أنّ بني إسرائيل سألوا موسى أن يأتيهم بكتاب من عند ربّه ليحكم بينهم فيه، فسأل ربّه، فأعطاه التّوراة، فلمّا رأوا ما فيها من التكاليف الشّاقّة؛ كبرت
стр. 1377
عليهم، فأبوا قبولها، فأمر الله جبريل، ﵇، فقلع جبل الطّور من مكانه، وكان على قدر عسكرهم، وفوق رءوسهم قدر قامتهم كالظّلّة. وقيل لهم: إن لم تقبلوا التوراة؛ وإلا أنزلته عليكم! فقبلوها مكرهين، وسجدوا على أنصاف وجوههم اليسرى، وجعلوا يلاحظون الجبل بأعينهم اليمنى، وهم سجود، فصار ذلك سنّة في سجود اليهود، لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، وقالوا: لا سجدة أفضل من سجدة تقبّلها الله، ورحم بها عباده، فلمّا رفع عنهم الجبل؛ رجعوا إلى عنادهم، وكفرهم.
﴿وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً﴾ والطور فوق رءوسهم. والمراد به: باب بيت المقدس، أو باب أريحا، انظر شرح هذا؛ وتفصيله في الآيتين رقم [٥٨ و ٥٩] من سورة (البقرة). ﴿وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٧] تجد ما يسرّك. ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ أي: مؤكّدا، وهو العهد الذي أخذه عليهم في التوراة. وانظر شرح (نا) في الآية رقم [٣٣] ففيها الكفاية.
الإعراب: (﴿رَفَعْنا﴾): فعل، وفاعل. ﴿فَوْقَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿الطُّورَ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الطُّورَ:﴾ مفعول به. ﴿بِمِيثاقِهِمْ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، وقال أبو البقاء: هما في محل نصب مفعول به، ولا أراه قويّا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين، والهاء في محل جرّ بالإضافة. من إضافة المصدر لفاعله. (﴿قُلْنا﴾): فعل، وفاعل. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اُدْخُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْبابَ:﴾
انظر إعراب الجنّة في الآية رقم [١٢٤]. ﴿سُجَّداً:﴾ حال من واو الجماعة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلْنا﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَقُلْنا لَهُمُ:﴾ مثل ما قبله. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَعْدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي السَّبْتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿وَقُلْنا..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَأَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به أول. ﴿مِيثاقاً:﴾ مفعوله الثاني. ﴿غَلِيظاً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا.
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً (١٥٥)﴾
الشرح: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ أي: بسبب نقضهم العهود، وخلفهم الوعود؛ التي قطعوها على أنفسهم بأنّهم يقبلون الكتاب؛ الذي يأتيهم به موسى. ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ﴾ أي: وبجحودهم
стр. 1378
المعجزات؛ التي جاء بها موسى، ثمّ كفرهم بعيسى، والإنجيل، وكفرهم بمحمد ﷺ والقرآن سخطنا عليهم، ولعناهم، وطردناهم من رحمتنا. هذا؛ و «النقض» يستعمل في الشيء المحسوس كالجدار، والحبل، ونحوهما، وقد استعير هنا لشيء معنوي، وهو الميثاق، ونقضه. ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي: بغير استحقاق، فقد قتلوا زكريا، ويحيى، وغيرهم كثيرين، كما ذكرته لك فيما تقدّم، وقتل الأنبياء لا يكون حقّا؛ لأنّهم لا يفعلون ما يستوجب القتل، لعصمتهم من الكبائر، بل ومن الصّغائر.
﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ:﴾ جمع أغلف، أي: مغطاة بأغطية، فلا تعي ما تقول يا محمد! فهم يريدون: أنّها خلقت مغشّاة بأغطية خلقية، فهي لا تعي ما جئت به، وهو مستعار من الأغلف، الذي لم يختن، واستعار الغلاف بمعنى الغطاء لعدم الفهم والإدراك، وقرئ بسكون اللام وضمها مثل: رسل، ونحوه، وقال ابن عباس-﵄: أي: قلوبنا ممتلئة علما، لا تحتاج إلى علم محمّد ﷺ ، ولا غيره، ومثل هذه الآية رقم [٨٨] من سورة (البقرة) والآية رقم [٥] من سورة (فصلت)، ونصها: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾.
﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ:﴾ جعلها محجوبة عن العلم، أو خذلها، ومنعها التوفيق للتدبّر في الآيات، والتذكر في المواعظ. ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي: إلا إيمانا قليلا لا قيمة له.
وقيل: المراد بالقليل عبد الله بن سلام، وأصحابه؛ الّذين آمنوا بمحمّد ﷺ إيمانا صحيحا.
هذا؛ و «الطبع» الختم، وهو التأثير في الطّين، ونحوه، فاستعير هنا، وفي كثير من الآيات لعدم فهم القلوب ما يلقى عليها، وإذا طبع على قلب إنسان؛ فلا تؤثّر فيه حينئذ الموعظة، ولا تجدي معه النصيحة، كما قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾.
هذا؛ والطّبع: السّجية، والخلق الذي طبع عليه الإنسان، والطّبيعة مثله، وجمع الأول: طباع، وجمع الثاني: طبائع، والطّبع: تدنس العرض، وتلطّخه، يقال: طبع السيف، إذا دخله الجرب من شدّة الصدأ، وطبع الرجل: إذا أتى عيبا، يقال: نعوذ بالله من طمع يدني إلى طبع، أي: إلى دنس، قال ثابت بن قطنة: [البسيط]
لا خير في طمع يدني إلى طبع... وغفّة من قوام العيش تكفيني
الإعراب: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وهو أقوى من العطف على الآية السّابقة.
(بما ﴿نَقْضِهِمْ﴾): (ما) مقحمة بين الجار والمجرور. وقيل: (ما): نكرة موصوفة في محل جر بالباء و ﴿نَقْضِهِمْ:﴾ بدل منها، وهو ضعيف. وهما متعلقان على رأي الزمخشري، والبيضاوي بمحذوف، تقديره: فخالفوا، ونقضوا، ففعلنا بهم ما فعلنا بسبب نقضهم. وقالا: يجوز تعليقهما بالفعل الآتي: (حرمنا)، وصحّح الجمل تبعا للجلال تعليقهما بمحذوف تقديره: «لعناهم»، وذلك لأنّه صرّح به في قوله تعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ﴾ الآية رقم [١٣] من سورة
стр. 1379
(المائدة) والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، ومثله ما بعده من الضّمائر.
﴿مِيثاقَهُمْ:﴾ مفعول به للمصدر، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكلّ حرف دالّ على جماعة الذكور. ﴿وَكُفْرِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله... إلخ. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
و (آيات): مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالمصدر: (قتل)، و (غير) مضاف، و ﴿حَقٍّ:﴾ مضاف إليه.
﴿وَقَوْلِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله أيضا. ﴿قُلُوبُنا:﴾ مبتدأ. (نا): في محل جر بالإضافة.
﴿غُلْفٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول للمصدر: (﴿قَوْلِهِمْ﴾).
﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب تبتدأ بعده الجمل. ﴿طَبَعَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بِكُفْرِهِمْ:﴾ متعلقان به أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة... إلخ. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ. والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف استثناء.
﴿قَلِيلاً:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ،﴾ على أنّ المراد به عبد الله بن سلام، فيكون استثناء متصلا، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، على التفسير الثّاني.
قال الجمل: يحتمل كونه نعتا لزمان محذوف، أي: إلا زمانا قليلا، وقال: ولا يجوز نصبه على الاستثناء من فاعل: ﴿يُؤْمِنُونَ؛﴾ لأنّ الضمير في: (لا ﴿يُؤْمِنُونَ﴾) عائد على المطبوع على قلوبهم، ومن طبع على قلبه بالكفر؛ فلا يقع منه إيمان! أي: فيكون الاستثناء من غير جنسه.
﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦)﴾
الشرح: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ أي: بعيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ..﴾. إلخ حين رموها بالزنى، وذلك: أنّهم أنكروا قدرة الله تعالى على خلق الولد من غير أب، ومنكر قدرة الله كافر، فالمراد بقوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ هو إنكارهم قدرة الله تعالى، والمراد بقولهم: ﴿عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً﴾ هو رميهم إيّاها بالزنى، وإنّما سمّاه بهتانا عظيما؛ لأنّه ظهر عند ولادة مريم من المعجزات ما يدلّ على براءتها من ذلك، وانظر شرح البهتان في الآية رقم [١١٢] وانظر تكريمها، وتشريفها، وتفضيلها في سورة (آل عمران).
الإعراب: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَقَوْلِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء... إلخ. ﴿عَلى مَرْيَمَ:﴾ متعلقان بالمصدر قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿بُهْتاناً؛﴾ لأنّه مصدر أيضا، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدّم عليه؛ صار حالا. وعلامة الجرّ الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والتأنيث. ﴿بُهْتاناً:﴾ مفعول به للمصدر قبله، فإنّه متضمن معنى كلام كثير، نحو: قلت
стр. 1380
خطبة، وشعرا. وقيل: منصوب على نوع المصدر، كقولهم: قعد القرفصاء. وقيل: صفة لمصدر محذوف، التقدير: قولا بهتانا. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، أي: مباهتين، وإنّي أعتمد الأوّل، فهو جدير بالاعتبار.
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧)﴾
الشرح: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا..﴾. إلخ؛ أي: بزعمهم. وهناك مقدّر محذوف، بدليل ما بعده، أي: وصلبناه. ففيه اكتفاء. ﴿الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ:﴾ انظر شرح هذه الكلمات في سورة (المائدة).
﴿رَسُولَ اللهِ:﴾ قد يقال: إنّهم كفروا به وسبّوه، وسبّوا أمه. وقالوا: ساحر، وابن ساحرة، فكيف يقولون فيه: رسول الله؟ والجواب: أنّهم قالوا ذلك تهكّما على حدّ قول المشركين في حقّ محمد ﷺ : ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ،﴾ وقول فرعون فيما حكاه الله عنه: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾. وأجيب أيضا بأنّ هذا من كلام الله تعالى لمدحه، وتنزيهه عن مقالتهم فيه.
﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ﴾ هذا ردّ لما ادّعاه اليهود من قتل عيسى-﵇-وصلبه، وتكذيب النّصارى الذين صدّقوا اليهود في دعواهم قتله، وصلبه، فقد روي: أنّ رهطا من اليهود سبّوا عيسى، وسبّوا أمّه-﵉-فدعا عليهم بقوله: اللهم أنت ربّي، وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبّني، وسبّ والدتي! فمسخ الله من سبّهما قردة، وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنّه يرفعه إلى السّماء، ويطهّره من صحبة اليهود الخبثاء، فذلك قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٥٥]: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ..﴾. إلخ. انظر شرحها هناك فإنّه جيد. والحمد لله! فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي، فيقتل، ويصلب، ويكون رفيقي في الجنّة؟ فقال رجل منهم: أنا يا روح الله! فألقى الله عليه شبهه، وصلب، ورفع عيسى على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام من البيت إلى السّماء. وقيل:
كان رجل ينافق عيسى، ﵇، فلمّا أرادوا قتله؛ قال: أنا أدلّكم عليه، فدخل بيت عيسى، ورفع عيسى، وألقى الله شبهه على ذلك، فدخلوا عليه، وقتلوه، وهم يظنّون: أنّه عيسى. وجاز هذا على قوم متعنّتين حكم الله بأنّهم لا يؤمنون. وقيل: دخل طيطايوس اليهودي بيتا كان فيه عيسى، فلم يجده، وألقى الله عليه شبهه، فلمّا خرج؛ ظنّوا: أنّه عيسى، فأخذ،
стр. 1381
وصلب، وأمثال ذلك من خوارق العادات؛ التي لا تستبعد في زمان النبوّة. وإنّما ذمّهم الله تعالى بما دلّ عليه الكلام من جراءتهم على الله، وقصدهم قتل المؤيّد بالمعجزات الباهرة.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: اليهود، واختلفوا في شأن عيسى، على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام، حيث قال بعضهم: إنّ الوجه المصلوب وجه عيسى، والبدن بدن صاحبنا، وقال بعضهم: إن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا؟ وقال بعضهم: قد قتلناه حقّا، وقال قوم: صلب النّاسوت، وصعد اللاهوت. كما اختلفوا في شأنه، وذاته، فقالت فرقة منهم: كان الله فينا ما شاء الله، ثمّ صعد إلى السماء. وهؤلاء هم اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثمّ رفعه الله إليه. وهؤلاء هم النّسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثمّ رفعه الله إليه، وهؤلاء هم المسلمون منهم الموحّدون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة الموحّدة، فغلبوها، وقتلوها، فلم يزل التوحيد طامسا حتى بعث الله محمّدا ﷺ . وانظر ما ذكرته في سورة (التوبة) رقم [٣٠] بشأن «بولص» لتتعرّف على الحقيقة، والله أعلم.
﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ:﴾ أي: في تردّد، وتحيّر في شأن عيسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، والشك كما يطلق على تساوي الطرفين يطلق على مطلق التردّد، وعلى ما يقابل العلم. ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ أي: إنّ اختلافهم في شأن عيسى، وأقوالهم المذكورة، كلّ ذلك ظنّ من غير علم. ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أي: وما قتلوه متيقنين: أنّه عيسى، بل شاكّين متوهّمين. وقال ابن عباس، والسّدّي: المعنى: ما قتلوا ظنّهم يقينا، كقولك: قتلته علما: إذا علمته علما تامّا، فالهاء عائدة على الظنّ. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَقَوْلِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو مجرور أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. حذفت نونها وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿قَتَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْمَسِيحَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول للمصدر: (﴿قَوْلِهِمْ﴾).
﴿عِيسَى:﴾ بدل، أو عطف بيان من: ﴿الْمَسِيحَ﴾. ﴿اِبْنَ:﴾ صفة: ﴿عِيسَى،﴾ وهو مضاف.
و ﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. ﴿رَسُولَ:﴾ بدل، أو عطف بيان من: ﴿الْمَسِيحَ،﴾ أو هو منصوب بفعل محذوف، تقديره: أعني، أو أمدح، ويجوز في العربية رفعه على الابتداء، التقدير: هو رسول، و ﴿رَسُولَ:﴾ مضاف. و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية.
﴿قَتَلُوهُ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْمَسِيحَ،﴾ والرّابط: الواو، والضمير، والّتي بعدها معطوفة عليها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾):
حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿شُبِّهَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى
стр. 1382
﴿الْمَسِيحَ﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا، ورجّح الزمخشري اعتبار: ﴿لَهُمْ﴾ نائب فاعل: ﴿شُبِّهَ﴾.
﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَفِي شَكٍّ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (في ﴿شَكٍّ﴾): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿شَكٍّ﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿عِيسَى﴾ والرابط: الواو، والضمير. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿عِلْمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿ما لَهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها، وجوّز أبو البقاء اعتبارها في محل جرّ صفة: ﴿شَكٍّ﴾ وهو ضعيف. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿اِتِّباعَ﴾ مستثنى منقطع. هذا؛ ويجوز في العربية رفعه على اعتباره بدلا من محل: ﴿عِلْمٍ﴾ وأنشد سيبويه قول جران العود-وهو الشاهد رقم [٤١٨] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الرجز]
وبلدة ليس بها أنيس... إلاّ اليعافير وإلاّ العيس
هذا؛ و: ﴿اِتِّباعَ﴾ مضاف، و ﴿الظَّنِّ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿قَتَلُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿يَقِيناً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: وما قتلوه قتلا يقينا، أو هو حال بمعنى: متيقنين.
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨)﴾
الشرح: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ أي: رفع الله عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-إلى ملكوته الواسع إلى؛ حيث لا حكم فيه إلا لله تعالى. ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً:﴾ ولا يزال كائنا قويّا لا يغلب على ما يريده. ﴿حَكِيماً﴾ أي: في فعله، وفي خلقه، وفيما دبّر لعيسى ﵇، وانظر الآية السابقة، والآية رقم [٥٥] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
تنبيه: صرحت الآيات القرآنية على أنّ الله تعالى نجّى رسوله عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من كيد اليهود الخبثاء، فلم يقتل، ولم يصلب، وإنّما صلبوا
стр. 1383
شخصا غيره ظنّوه عيسى، وهو الذي ألقى الله شبه عيسى عليه. وهذا ما نعتقده نحن المسلمين بتوفيق الله وفضله؛ حيث بيّن لنا في قرآنه ذلك، وأبطل معتقد النّصارى، وخرافاتهم، فيعتقدون:
أنّه صلب، وأن اليهود أهانوه، ووضعوا القذر، والشّوك على رأسه، وأنّه تضرّع، وبكى مع زعمهم: أنّه هو الله، ولقد أحسن من قال: [المتقارب]
أعبّاد عيسى لنا عندكم... سؤال عجيب فهل من جواب؟
إذا كان عيسى على زعمكم... إلها قديرا عزيزا يهاب
فكيف اعتقدتم أنّ اليهود... أذاقوه بالصّلب مرّ العذاب
وكيف اعتقدتم بأنّ الإله... يموت ويدفن تحت التّراب
ولقد أحسن من قال: [الوافر]
إذا صلب الإله بفعل عبد... يهوديّ فما هذا الإله؟
وبعضهم يزعمون: أنّه ابن الله جاء ليخلّص البشرية من أوزارها إلى غير ما هنالك من التناقض العجيب الغريب، ولقد أحسن من قال: [الخفيف]
عجبا للمسيح بين النّصارى... وإلى أيّ والد نسبوه؟
أسلموه إلى اليهود وقالوا: ... إنّهم بعد ضربه صلبوه
فإذا كان ما يقولون حقّا... وصحيحا فأين كان أبوه؟
فلئن كان راضيا بأذاهم... فاحمدوهم لأنّهم عذّبوه
ولئن كان ساخطا فاتركوه... واعبدوهم لأنّهم غلبوه
والعجب العجاب بأنّ اليهود يقولون عن مريم: إنّها زانية، وإنّ عيسى ابن زنى، وفعلوا بعيسى ما فعلوا من القتل والصلب، بزعمهم، والإسلام، ونبي الإسلام، وقرآن الإسلام ينزه مريم وابنها من كلّ مفتريات اليهود، ويعظّمون عيسى برفعه إلى ملكوت الله، ويصفون اليهود بالخيبة واللعنة، ومع ذلك فالنصارى يدعمون اليهود ماديّا، ومعنويّا، ويحاربون الإسلام، والمسلمين ماديّا ومعنويّا، فلا حول، ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم!!
الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب، تبتدأ بعده الجمل. ﴿رَفَعَهُ:﴾ ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.
стр. 1384
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ المراد: اليهود، والنصارى. ﴿إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ:﴾ ليعترفنّ بعيسى: أنّه عبد الله، ورسوله، وروحه، وكلمته. ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: موت الأحد المقدّر كما ستعرفه في الإعراب، والمعنى: ما من أحد من اليهود، والنصارى إلا ليعترف عند خروج روحه بأنّ عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-عبد الله، ورسوله، ولكن لا ينفعه هذا الإيمان، وهذا كالوعيد لهم، والتّحريض على معاجلة الإيمان قبل أن يضطروا إليه، ولم ينفعهم إيمانهم ساعتئذ. قال ابن عباس-﵄: معناه: إذا وقع في اليأس حين لا ينفعه إيمانه، سواء احترق، أو تردّى من شاهق، أو سقط عليه جدار، أو أكله سبع، أو مات فجأة، فقيل له: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلّم به في الهواء. فقيل له: أرأيت إن ضربت عنقه؟ قال: يتلجلج به لسانه. وقال شهر بن حوشب-رحمه الله تعالى-: إنّ اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة بأجنحتها وجهه، ودبره، وقالوا: يا عدو الله! أتاك عيسى نبيّا، فكذّبت به. فيقول: آمنت: أنّه عبد الله، ورسوله. وتقول للنّصراني: أتاك عيسى نبيّا، فزعمت:
أنّه الله، وابن الله، فيقول: آمنت: أنّه عبد الله، فأهل الكتابين يؤمنون إيمانا حقيقيّا عند الموت، ولكن حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان.
هذا؛ وذهب جماعة من أهل التفسير إلى أنّ الضميرين يعودان إلى عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهذا يكون في آخر الزمان حينما ينزل عيسى-﵇-من السّماء، ويخرج الدّجّال، فيقتله عيسى-﵇-بالمعاونة مع المهدي، ﵇، فلا يبقى يهوديّ، ولا نصرانيّ إلا آمن به إيمانا صحيحا، حتى تكون الملّة واحدة، وهي ملّة الإسلام، وسيعمّ السّلام، والأمان الدّنيا في عهده، ويمكث في الأرض أربعين سنة، يتزوّج، ويولد له ولدان، يسمّيهما موسى، وأحمد، ثم يموت موتته المقدرة على كلّ حي، فيصلي عليه المسلمون، ويدفنونه في الحجرة الشّريفة بجوار أخيه المصطفى ﷺ ، ويدلّ على ذلك ما يلي:
عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «والّذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم، حكما مقسطا، فيكسر الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، لا يقبله أحد، وحتّى تكون السّجدة الواحدة خيرا من الدّنيا وما فيها». أخرجه البخاري، ومسلم.
ومعنى: يضع الجزية: لا يقبلها من أحد من أهل الأديان الكافرة، بل لا يقبل إلا الإسلام، أو السّيف. وكان أبو هريرة-﵁-يقول: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ..﴾.
إلخ. علما بأنّه يحكم بالقرآن، ويكون من أتباع الرّسول محمد ﷺ ، وواحدا من أمته.
стр. 1385
وسيعمّ الأمان، والسّلام الدّنيا في عهده، وسيرعى الأسد مع الإبل، والنّمر مع البقر، والذّئب مع الغنم، وتلعب الصّبيان بالعقارب، والحيات، فلا يؤذي مخلوق مخلوقا، وسيكون الناس كالملائكة يمشون في الأرض مطمئنّين، وستعمّ الرّحمة، والعدالة جميع الكائنات. وخذ ما يلي من الأحاديث الشريفة:
فقد روى ابن ماجة في سننه عن أبي أمامة-﵁-قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فكان أكثر خطبته حديثا حدّثناه عن الدجال، وحذّرناه، فكان من قوله أن قال ﷺ : «لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم-﵇-أعظم من فتنة الدّجال، وإنّ الله- لم يبعث نبيّا إلا حذّر أمّته الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم؛ فأنا حجيج كلّ مسلم، وإن يخرج بعدي؛ فكلّ حجيج نفسه، وإنّ الله خليفتي على كلّ مسلم، وإنّه يخرج من خلّة بين الشام، والعراق، فيعيث يمينا، ويعيث شمالا، ألا يا عباد الله! أيها الناس فاثبتوا، وإنّي أصفه لكم صفة لم يصفها إيّاه نبيّ قبلي: إنّه يبدأ، فيقول: أنا نبيّ-ولا نبيّ بعدي-ثم يثنّي فيقول: أنا ربّكم-ولا ترون ربكم حتى تموتوا-وإنه أعور-وإن ربكم ليس بأعور-وإنّه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كلّ مؤمن كاتب، أو غير كاتب، وإنّ من فتنته: أنّ معه جنّة، ونارا، فناره جنة، وجنته نار، فمن ابتلي بناره؛ فليستغث بالله، وليقرأ فواتح سورة (الكهف) فتكون عليه بردا وسلاما، كما كانت بردا وسلاما على إبراهيم.
وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أمك، وأباك أتشهد أني ربك؟ فيقول:
نعم، فيتمثل له شيطان في صورة أبيه، وأمّه، فيقولان: يا بنيّ اتبعه، فإنّه ربّك. وإن من فتنته أن يسلّط على نفس واحدة، وينشرها بالمنشار حتى يلقى شقّين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا، فإنّي أبعثه الآن، ثم يزعم: أنّ له ربّا غيري، فيبعثه الله، فيقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول:
ربّي الله، وأنت عدوّ الله أنت الدّجال، والله ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم.
وإنّ من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر، فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، وإنّ من فتنته أن يمرّ بالحيّ، فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت، وإنّ من فتنته أن يمرّ بالحيّ، فيصدّقونه، فيأمر السّماء أن تمطر، فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت، فتنبت، حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت، وأعظمه، وأمدّه خواصر، وأدرّه ضروعا. وإنّه لا يبقى شيء من الأرض، إلا وطئه، وظهر عليه، إلا مكّة، والمدينة، فإنّه لا يأتيهما من نقب من نقابها إلا لقيته الملائكة بالسّيوف صلتة حتى ينزل عند الظّريب الأحمر عند منقطع السّبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق، ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنفي الخبث منها، كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص».
стр. 1386
فقالت أم شريك بنت أبي العكر-﵂: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: «هم قليل، وجلّهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدّم يصلّي بهم الصبح؛ إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم، ﵇، فرجع ذلك الإمام يمشي القهقرى ليتقدم عيسى-﵇-يصلّي بالناس، فيضع عيسى يده على كتفيه، ثم يقول:
تقدّم، فصلّ، فإنّها لك أقيمت. فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف؛ قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتح، ووراءه الدّجال معه سبعون ألف يهوديّ، كلّهم ذو سيف محلّى، وساج، فإذا نظر إليه الدّجال؛ ذاب، كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربا، فيقول عيسى-﵇: إنّ لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللّدّ الشرقي، فيقتله، ويهزم اليهود، فلا يبقى شيء ممّا خلق الله تعالى يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر، ولا شجر، ولا حائط، ولا دابة-إلا الغرقدة؛ فإنّها من شجرهم لا تنطق-إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهوديّ، تعال فاقتله». انتهى. بعض حديث ابن ماجه.
وفي مسلم عن النّواس بن سمعان-﵁-قال: ذكر رسول الله ﷺ الدّجال ذات غداة. وفيه: قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيّامه كأيّامكم» قلنا: يا رسول الله! وذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؛ قال: «لا، اقدروا له قدره». انتهى بعض حديث مسلم. وفي مختصر ابن كثير الكثير الكثير من ذلك.
﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ أي: يكون عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-شاهدا على اليهود: أنّهم كذّبوه، وطعنوا فيه، وفي أمّه، وعلى النّصارى: أنّهم اتخذوه ربّا، وأشركوا به، ويشهد على تصديق من صدّقه منهم، وآمن به. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: معناه: أنه يكون شهيدا يوم القيامة: أنّه قد بلّغ رسالة ربه، وأقرّ على نفسه بالعبودية، كما حكى عنه قوله في سورة (مريم): ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف نفي بمعنى (ما). ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف مؤخر، التقدير: وما من أهل الكتاب أحد، و ﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لَيُؤْمِنَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: وعزتي، وجلالي. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره:
أقسم. (يؤمننّ): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محلّ له، والفاعل يعود إلى «أحد» المقدر. هذا؛ ويقرأ بضم النون فيكون مرفوعا، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية جواب القسم لا محلّ لها، والقسم المحذوف
стр. 1387
وجوابه في محل رفع صفة «أحد» المحذوف. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٦٤]: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وانظر الآية رقم [٤٦]، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿قَبْلَ:﴾ مضاف، و ﴿مَوْتِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جرّ بالإضافة.
﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَوْمَ﴾): ظرف زمان متعلق ب: ﴿شَهِيداً﴾ بعده، و (يوم) مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر، تقديره:
هو، يعود إلى عيسى. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿شَهِيداً﴾ الذي هو خبر: ﴿يَكُونُ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (١٦٠)﴾
الشرح: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أي: فبسبب ظلم منهم. ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ يعني: ما حرمنا عليهم الطيّبات التي كانت حلالا لهم؛ إلا بظلم عظيم ارتكبوه، وذلك الظلم هو ما ذكره الله من نقضهم الميثاق، وما عدد عليهم من أنواع الكفر، والكبائر العظيمة، مثل قولهم:
اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وكقولهم: أرنا الله جهرة، وكعبادتهم العجل، وأكلهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، فبسبب هذه الأمور، وكثير غيرها حرّم الله عليهم طيبات كانت حلالا لهم، وهي ما ذكره الله في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام): ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ..﴾. إلخ. وقال الطبريّ-رحمه الله تعالى-في معنى الآية: فحرمنا على اليهود- الذين نقضوا ميثاقهم؛ الذي واثقوا به ربّهم، وكفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءهم، وقالوا البهتان على مريم، وفعلوا ما وصفهم الله في كتابه-طيبات في المآكل، وغيرها؛ التي كانت حلالا لهم، عقوبة لهم بظلمهم، الّذي أخبر الله عنه في كتابه.
هذا؛ وقال الواحدي: فأمّا وجه تحريم الطّيبات عليهم: كيف، ومتى كان، وعلى لسان من حرّم عليهم... ؟ فلم أجد فيه شيئا أنتهي إليه، فتركته. ولقد أنصف الواحدي-رحمه الله تعالى- فيما قال، فإنّ هذه الآية في غاية الإشكال، وبيانه: أنّ الله تعالى، لا يعاقب على ذنب قبل وقوعه، وقد ذكر المفسّرون في معنى الظّلم المذكور في الآية مما تقدّم ذكره، وكلّها ذنوب في المستقبل بعد التّحريم.
فإن قلت: علم الله تعالى وقوع هذه الذنوب قبل وقوعها، فحرّم عليهم ما حرّم من الطّيّبات؛ التي كانت لهم حلالا عقوبة لهم على ما سيقع منهم، قلت: جوابه ما تقدّم، وهو: أنّ الله تعالى
стр. 1388
لا يعاقب على ذنب قبل وقوعه، ولهذا لم يذكر الإمام فخر الدين في تفسير هذه الآية ما ذكره المفسّرون، بل ذكر تفسيرا إجماليا، فقال: اعلم: أنّ أنواع الذنوب محصورة في نوعين: الظّلم للخلق، والإعراض عن الدّين الحقّ. أمّا ظلم الخلق، فإليه الإشارة بقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ،﴾ ثم إنّهم في غاية الحرص على طلب المال، فتارة يحصّلونه بطريق الرّبا مع أنّهم قد نهوا عنه، وتارة يحصّلونه بطريق الرشا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ؛﴾ فهذه الأربعة هي الذنوب التي شدّد الله عليهم بسببها في الدّنيا والآخرة، أمّا التشديد في الدنيا، فهو ما تقدّم من تحريم الطّيبات عليهم، وأمّا التّشديد في الآخرة، فهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ قال المفسّرون: إنّما قال:
منهم؛ لأنّ الله علم: أنّ قوما منهم سيؤمنون، فيأمنون من العذاب. انتهى خازن.
الإعراب: ﴿فَبِظُلْمٍ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (بظلم): متعلقان بالفعل: ﴿حَرَّمْنا﴾ بعدهما.
وقال الزجّاج: هذا بدل من: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ قاله القرطبيّ، ولا وجه له قطعا. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾
متعلقان ب (ظلم) أو بمحذوف صفة له. ﴿هادُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿حَرَّمْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مع متعلّقاتها مستأنفة لا محلّ لها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿طَيِّباتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم. ﴿أُحِلَّتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿طَيِّباتٍ﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿طَيِّباتٍ﴾. ﴿وَبِصَدِّهِمْ:﴾ معطوفان على (بظلم) فهما متعلقان حكما بالفعل: ﴿حَرَّمْنا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالمصدر: «صد»، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة لمفعول به محذوف، التقدير: بصدهم ناسا كثيرا. وقيل: صفة لمصدر مفعول مطلق محذوف. وقيل: صفة لزمان محذوف: أي: زمانا كثيرا، والمعتمد الأوّل.
﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١)﴾
الشرح: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ:﴾ كان الربا محرّما عليهم، كما حرّم علينا، وكانوا يتعاطونه. ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ﴾ أي: بالرّشا، وسائر الوجوه المحرّمة. ﴿وَأَعْتَدْنا:﴾ هيأنا، والاعتداد التهيئة من العتاد، وهو العدّة. وقيل: أصله: أعددنا، فأبدلت الدال الأولى تاء.
هذا؛ و ﴿النّاسِ﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط... إلخ، واحده:
إنسان، وإنسانة من غير لفظه، وتصغيره نويس، وناس، وإنسان، وأناسيّ، وإنس من مادة
стр. 1389
واحدة، وهو يطلق على الإنس، والجن، لكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله:
الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم، بهذا الأصل ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧١]: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وقال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦٠]: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ وقيل: إنّ أصله النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنّما قلبت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
هذا؛ وقيل: «الناس» مأخوذ من النّوس، وهو الحركة، يقال: ناس، ينوس: إذا تحرّك.
وقيل: أصله من نسي، فأصل ناس: نسي، قلب فصار نيس، وتحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ثمّ دخلت الألف واللام، فقيل: الناس. قال ابن عباس-﵄: نسي آدم عهد الله، فسمّي إنسانا، وقال النبيّ ﷺ : «نسي آدم فنسيت ذرّيّته»، وقال تعالى في سورة (طه) رقم [١١٥]: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ وعلى هذا فالهمزة زائدة، قال الشاعر: [الكامل]
لا تنسين تلك العهود فإنّما... سمّيت إنسانا لأنّك ناسي
وقال آخر: [البسط]
فإن نسيت عهودا منك سالفة... فاغفر فأوّل ناس أوّل النّاس
وقيل: سمّي: إنسانا؛ لأنسه. وقيل: لأنسه بربّه، قال الشاعر: [الطويل]
وما سمّي الإنسان إلاّ لأنسه... ولا القلب إلاّ أنّه يتقلّب
الإعراب: ﴿وَأَخْذِهِمُ:﴾ معطوف على (بظلم) والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الرِّبَوا:﴾ مفعول به للمصدر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿نُهُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، أو من (﴿الرِّبَوا﴾) وعلى الاعتبارين فالرابط: الواو، والضمير. ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿بِالْباطِلِ:﴾ متعلقان بالمصدر، أو بمحذوف حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، أو بمحذوف حال من: ﴿أَمْوالَ النّاسِ﴾. (﴿أَعْتَدْنا﴾): فعل، وفاعل. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (الكافرين)، أو بمحذوف صفة له. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به. ﴿أَلِيماً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿وَأَعْتَدْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (حرمنا...) إلخ في الآية السابقة، لا محلّ لها مثلها.
стр. 1390
﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)﴾
الشرح: ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ:﴾ المراد: عبد الله بن سلام، وأصحابه؛ الذين أسلموا من أهل الكتاب-﵃، وذلك: أنّ اليهود الخبثاء، أنكروا ما تقدّم، وقالوا:
إنّ هذه الأشياء كانت حراما في الأصل، وأنت تحلّها، ولم تكن حرّمت بظلمنا، فنزلت الآية الكريمة. انتهى قرطبي.
هذا؛ و: ﴿الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أي: المبالغون في علم الكتاب، الثابتون، وهم الذين أتقنوا علمهم بحيث لا يدخل في علمهم شكّ، والرسوخ: الثبوت في الشّيء، وكل ثابت راسخ، وأصله في الأجرام: أن يرسخ الجبل، والشّجر، ونحوهما في الأرض، قال الشاعر: [الطويل]
لقد رسخت في الصّدر منّي مودّة... لليلي أبت آياتها أن تغيّرا
هذا؛ وقال ابن أبي حاتم بسنده: حدّثنا عبيد الله بن يزيد-وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ : أنسا، وأبا أمامة، وأبا الدّرداء-﵃: أنّ رسول الله ﷺ سئل عن الرّاسخين في العلم، فقال: «من برّت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعفّ بطنه، وفرجه؛ فذلك من الرّاسخين في العلم». وقال ابن المنذر في تفسيره عن نافع بن يزيد: ﴿الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ:﴾
المتواضعون لله، المتذلّلون في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم.
هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ استعارة، والمراد بها المتمكّنون في العلم، تشبيها برسوخ الشيء الثقيل في الأرض الخوّارة. وهذا أبلغ من قوله: الثابتون في العلم. هذا؛ والرّاسخ في العلم من وجد في علمه أربعة أشياء: التقوى فيما بينه وبين الله تعالى، والتّواضع فيما بينه وبين النّاس، والزّهد فيما بينه وبين الدّنيا، والمجاهدة فيما بينه وبين النّفس.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: منهم، والمؤمنون من المهاجرين، والأنصار. ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ﴾ أي:
يصدقون بالقرآن الذي أنزل عليك يا محمد! ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ:﴾ المراد به: الكتب السماوية المنزلة على الرّسل السابقين: التوراة، والإنجيل، والزّبور، والصحف الّتي أنزلت على إبراهيم وغيره، صلوات الله، وسلامه على نبينا، وعليهم أجمعين. ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ:﴾ التي فرضها الله عليهم في أموالهم. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ هو آخر أيام الدنيا، فيه: البعث، والحشر، والحساب، وإدخال أهل الجنّة الجنّة بالفضل الربّاني، وإدخال أهل النّار النّار بالعدل الإلهي.
стр. 1391
﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى المذكورين في هذه الآية. ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ يعني: سنعطيهم على ما كان منهم من طاعة الله، وامتثال أمره ثوابا عظيما، لا يعلم مقداره إلا الله تعالى. وفي الآية التفات من الغيبة إلى التكلم، انظر الالتفات في الآية رقم [٦٤].
الإعراب: ﴿لكِنِ:﴾ حرف استدراك مهمل، مفيد للاستثناء. ﴿الرّاسِخُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِي الْعِلْمِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الرّاسِخُونَ﴾. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في: ﴿الرّاسِخُونَ﴾. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ:﴾ معطوف على: ﴿الرّاسِخُونَ﴾ مرفوع مثله.
﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وما عطف عليه. وقيل: هي في محل نصب حال من: (﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾). وقيل: هي معترضة بين المبتدأ وخبره الآتي. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿إِلَيْكَ:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله.
﴿وَالْمُقِيمِينَ:﴾ منصوب على المدح بفعل محذوف. وهو قول سيبويه، رحمه الله تعالى.
وقيل: معطوف على (ما) المجرورة بالباء، التّقدير: وبالمقيمين، فيكون المراد بهم الأنبياء والرّسل، الإيمان بهم واجب كما لا يخفى، وذكر مكي أقوالا كثيرة أيضا، وكلّها ضعيفة لا يعتدّ بشيء منها؛ لأنّ مثل هذا وارد في كتاب الله تعالى، قال الله في سورة (البقرة) رقم [١٣٦]: ﴿وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ ومنه قول ابن خياط: [البسيط]
وكلّ قوم أطاعوا أمر سيّدهم... إلاّ نميرا أطاعت أمر غاويها
الظّاعنين، ولمّا يظعنوا أحدا... والقائلون لمن دار نخلّيها
المعنى: يخافون من عدوهم لقلّتهم، وذلّهم، فيظعنون، ولا يخاف منهم عدوّهم، فيظعن عن دارهم خوفا منهم، وقالت خرنق بنت عفاف من بني قيس، تصف قومها بالظّهور على العدوّ، ونحر الجزر للأضياف، واللازمة للحرب، والعفة عن الفواحش: [السريع]
لا يبعدن قومي الّذين همو... سمّ العداة وآفة الجزر
النّازلين بكلّ معترك... والطّيّبون معاقد الأزر
الشاهد في البيتين الأولين قوله: «الظاعنين» وفي الآخرين قولها: «النّازلين». هذا وقد قرئ: («والمقيمون») عطفا على: ﴿الرّاسِخُونَ﴾ أو على الضمير في: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أو على أنه مبتدأ خبره ما يأتي. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به ل: (المقيمين). ﴿وَالْمُؤْتُونَ:﴾ يجوز في ما ذكرته في
стр. 1392
سابقه في حالة رفعه، وتكون جملة: «أمدح المقيمين» معترضة لا محلّ لها. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ:﴾
معطوف على: (﴿الْمُؤْتُونَ﴾). ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان ب: (﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾). ﴿وَالْيَوْمِ﴾ معطوف على ما قبله.
﴿الْآخِرِ﴾ صفة: (﴿الْيَوْمِ﴾).
﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب. لا محلّ له. ﴿سَنُؤْتِيهِمْ:﴾ السين: حرف تنفيس، واستقبال. (نؤتيهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والهاء مفعول به أوّل. ﴿أَجْراً:﴾
مفعول به ثان. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿الرّاسِخُونَ﴾ على وجه مرّ ذكره، أو في محل رفع خبر: (المقيمون) على رواية رفعه، وتكون الجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السّابقة.
﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣)﴾
الشرح: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ:﴾ أصل الوحي: الإشارة السّريعة، وهو: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد، صلّى الله عليهم أجمعين. والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكلّ ما ألقيته إلى غيرك. وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النّحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام. واختلف في الوحي إلى أمّ موسى، فقيل: كان في المنام. وقيل: كان إلهاما. وقيل: كان يكلّمها جبريل، ﵇. قال تعالى في سورة (طه) حكاية عمّا أجاب به موسى فرعون: ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ والخطاب للرسول ﷺ ، وانظر كيف يأتي الوحي للرّسول ﷺ في الآية رقم [٤٤] من سورة (آل عمران).
﴿كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ:﴾ المراد: هود، وصالح، فإنّهما كانا بين نوح، وإبراهيم.
﴿وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٣٣] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾ قدّم إسماعيل على إسحاق في الذّكر لسببين: أولهما: أنّه أسبق منه في الولادة بأربع عشرة سنة، وثانيهما: أنّه جدّ نبينا محمد ﷺ ، فاستحقّ التقديم لذلك.
﴿وَيَعْقُوبَ:﴾ هو ابن إسحاق. ﴿وَالْأَسْباطِ:﴾ أولاد يعقوب الاثنا عشر، فتفرّع عنهم قبائل بني إسرائيل، فالأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب من بني إسماعيل، والسّبط: ولد الولد، وهو الحافد، والحفيد، ومنه قيل للحسن، والحسين: سبطا رسول الله ﷺ .
стр. 1393
﴿وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ:﴾ كلّهم من ذرية إبراهيم، على نبيّنا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً:﴾ هو اسم للكتاب الذي أنزل على داود، ﵇، وهو مائة وخمسون سورة، ليس فيها حكم تشريع، ولا حلال، ولا حرام، بل فيها تسبيح، وتقديس، وتحميد، وثناء على الله، ، ومواعظ وكان داود ﵇ يخرج إلى البريّة، فيقوم، ويقرأ الزّبور، وتقوم علماء بني إسرائيل خلفه، ويقوم الناس خلف العلماء وتقوم الجنّ خلف الناس، والشّياطين خلف الجنّ، وتجيء الدوابّ التي في الجبال، فيقمن بين يديه، وترفرف الطّيور على رءوس الناس، وهم يستمعون لقراءة داود، ويتعجّبون منها، فلمّا قارف الذّنب؛ زال عنه ذلك. وقيل له: «كان ذلك أنس الطاعة، وهذا ذلّ المعصية». انتهى.
خازن. وأضيف: أنّ داود-﵇-كان حسن الصوت، وفي الآخرة يقرأ القرآن في الجنّة، فيجتمع عليه أهل الجنّة، فيستمعون لقراءته، فلا يكون شيء ألذّ عندهم من الاستماع إليه. والله أعلم، وأجل، وأكرم.
عن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال له رسول الله ﷺ : «لو رأيتني البارحة، وأنا أستمع لقراءتك، لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود». متفق عليه. قال الحميدي: زاد البرقاني: قلت: يا رسول الله! لو علمت: أنّك تسمع قراءتي؛ لحبّرتها لك تحبيرا. التّحبير:
تحسين الصوت بالقراءة.
هذا؛ وقال بعض العلماء: إنّما لم يذكر موسى في هذه الآية؛ لأنّ الله أنزل عليه التوراة جملة واحدة، وكأنّ المقصود بذكر من ذكر من الأنبياء في الآية: أنّ الله لم ينزل على أحد منهم كتابا جملة واحدة، فلهذا لم يذكر موسى ﵇.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة جوابا لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابا من السّماء، واحتجاجا عليهم بأنّ شأنه في الوحي كشأن سائر الأنبياء الذين ذكروا في هذه الآية، وقد خصّ بالذكر الرّسل المذكورين مع اشتمال النبيين عليهم تعظيما لهم. وقال المفسّرون: وإنّما بدأ الله بذكر نوح ﵇ لأنّه أول رسول بعث بشريعة بعد آدم، وأوّل نذير على الشّرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف، وكان أول من عذّبت أمته لردّهم دعوته، وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم ﵉، وكان أطول الأنبياء عمرا، عاش ألفا وخمسين سنة. وقيل: ألفا ومائتين، ولم تنقص قوّته، ولم يشب، ولم تسقط له سنّ، وصبر على أذى قومه طول عمره، وبشريعته غيّرت بعض أحكام شريعة آدم، ولا سيّما تحريم زواج الأخوات.
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا) اسمها، حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل
стр. 1394
رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها. ﴿كَما:﴾
الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: أوحينا إليك إيحاء مثل إيحائنا، وهو قول أبي البقاء، وغيره في مثل هذا التّركيب. ومذهب سيبويه في مثله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدّم على طريق الاتساع، فيكون التقدير: أوحينا إليك على مثل هذه الحالة. هذا؛ وجوز اعتبار (ما) موصولة بمعنى «الذي» فتكون الكاف اسما بمعنى «مثل» مفعولا به، وهي مضاف، و (ما) في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: كالذي أوحيناه. ﴿إِلى نُوحٍ:﴾ متعلّقان بما قبلهما.
﴿وَالنَّبِيِّينَ:﴾ معطوف على نوح مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: (﴿النَّبِيِّينَ﴾) والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿وَأَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلى إِبْراهِيمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. والأسماء بعده معطوفة على إبراهيم مجرورة مثله. ﴿وَآتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿داوُدَ:﴾ مفعول به أوّل. ﴿زَبُوراً:﴾
مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤)﴾
الشرح: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ:﴾ القصص: مصدر: قصّ فلان الحديث، يقصّه، قصّا، وقصصا، وأصله تتبّع الأثر، يقال: فلان خرج يقصّ أثر فلان، أي: يتتبّعه؛ ليعرف أين ذهب، ومنه قوله تعالى في سورة (القصص): ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتّبعي أثره، ومعنى:
﴿قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ:﴾ سميناهم في القرآن، وعرّفناك أخبارهم من قبل نزول هذه السّورة، أو قبل اليوم. ﴿وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ:﴾ لم نذكرهم في القرآن. ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ أي: بلا واسطة. وتكليم الله موسى-﵇-منتهى مراتب الوحي، خصّ به موسى من بين المرسلين، وقد فضّل الله محمدا ﷺ بأن أعطاه مثل ما أعطى كل واحد منهم، وكلّمه في ليلة الإسراء، والمعراج بلا واسطة.
هذا؛ والنبيّون: جمع نبيّ، يقرأ بالهمز، وبدونه، وهو مأخوذ من النّبأ، وهو الخبر؛ لأنّ النبي يخبر عن ربّه. وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهو: الارتفاع؛ لأنّ رتبة النّبيّ ارتفعت عن رتب الخلق. هذا؛ والنبيّ غير الرسول، بدليل عطفه في قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥٢]:
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ..﴾. إلخ.
стр. 1395
وقيل: هو أعمّ منه؛ لأنّ كلّ رسول نبيّ، وليس كلّ نبيّ رسولا. أمّا تعريفهما؛ فالرّسول:
ذكر حرّ من بني آدم، سليم عن منفّر طبعا، أوحي إليه بشرع، يعمل به، ويؤمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بالتّبليغ؛ فهو نبيّ، وليس رسولا، فنبينا ﷺ صار نبيّا بنزول سورة (اقرأ) عليه، وبعد ستّة أشهر من نزولها صار رسولا بنزول صدر سورة (المدثر) عليه.
هذا؛ ويروى: أنّ أبا ذرّ-﵁-سأل رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء، فقال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا» قال: كم عدد الرّسل؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر، أوّلهم آدم، وآخرهم نبيّكم». أخرجه الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه اختلاف بسيط. هذا؛ وأربعة منهم من العرب:
هم صالح، وهود، وشعيب، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وإسماعيل بن إبراهيم ﵉ مستعرب لسكناه مكّة مع قبيلة جرهم، وتزوّجه بامرأتين منهم، والمذكور من الرّسل في القرآن بأسمائهم خمسة وعشرون، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة على كلّ مسلم، ومسلمة من المكلّفين، وأعني بمعرفتهم: أنّه لو عرض اسم رسول منهم على مسلم؛ فيجب أن يعرف أهو من المرسلين، أم لا؟ هذا؛ وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [٧٨] كما في هذه الآية التي بين أيدينا:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾.
هذا؛ وقد روي عن ابن عباس-﵄: أنّه قال: كلّ الرسل من بني إسرائيل إلا عشرة: نوحا، وشعيبا، وهودا، وصالحا، ولوطا، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمدا، صلوات الله عليهم جميعا. وذكروا من أنبياء العرب: حنظلة بن صفوان بعث إلى أصحاب الرّسّ، وخالد بن سنان العبسي. انظر أصحاب الرّس، في الآية رقم [٣٨] من سورة (الفرقان) فإنّه جيد، والحمد لله!.
هذا؛ وقد ذكر الله في آيات (الأنعام) رقم [٨٣] وما بعدها ثمانية عشر رسولا بأسمائهم من غير ترتيب، لا بحسب الزّمان، ولا بحسب الفضل؛ لأنّ الواو العاطفة لا تقتضي التّرتيب، وبقي منهم سبعة لم يذكروا في سورة (الأنعام) وقد ذكروا في غيرها، وهم: إدريس، وشعيب، وصالح، وهود، وذو الكفل، وهو ابن أيوب الذي ذكر في سورة الأنبياء، وآدم، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، وسلّم تسليما كثيرا، فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولا، الّذين يجب الإيمان بهم، ومعرفتهم تفصيلا، وقد نظموا في قول بعضهم: [البسيط]
حتم على كلّ ذي التّكليف معرفة... بأنبياء على التّفصيل قد علموا
في (﴿تِلْكَ حُجَّتُنا...) منهم ثمانية﴾
من بعد عشر ويبقى سبعة وهم
إدريس هود شعيب صالح وكذا... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا
ويعني بقوله: في (﴿تِلْكَ حُجَّتُنا﴾) آيات الأنعام [٨٣] وما بعدها. وينبغي أن تعلم: أنّ هؤلاء الرسل ليسوا بدرجة واحدة من الفضل، بل أرفعهم درجة، وأعلاهم منزلة أولو العزم منهم، وهم
стр. 1396
خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وسيد الجميع، وأفضل الخلق قاطبة محمّد، صلى الله عليهم جميعا، وسلم تسليما. والأنبياء-صلوات الله، وسلامه عليهم أجمعين-تجوز عليهم الأعراض البشرية، فهم يأكلون، ويشربون، ويصحّون، ويمرضون، وينكحون النّساء، ويمشون في الأسواق، وتعتريهم الأعراض البشرية، من ضعف، وشيخوخة، إلا أنّهم يمتازون بخصائص كريمة عالية، ويتّصفون بصفات عظيمة جليلة، هي بالنسبة لهم من ألزم اللوازم، وهي ما يلي: الصّدق، والأمانة، والتبليغ، والفطانة، والعصمة من المعاصي قبل النبوة، وبعدها، والسّلامة من العيوب المنفّرة. ويستحيل عليهم ضدّها.
﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ أي: تكليما حقيقيّا، وهو يدل على بطلان من يقول: خلق لنفسه كلاما في شجرة، فسمعه موسى، بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلما. هذا؛ وقال وهب بن منبه: إنّ موسى-﵇-قال: يا ربّ! بم اتّخذتني كليما؟ -طلب العمل الّذي أسعده الله به ليكثر منه-فقال الله تعالى له: أتذكر؛ إذ ندّ من غنمك جدي، فاتّبعته أكثر النّهار، وأتعبك، ثمّ أخذته، وقبّلته، وضممته إلى صدرك، وقلت له: أتعبتني، وأتعبت نفسك.
ولم تغضب عليه. من أجل ذلك اتّخذتك كليما.
الإعراب: ﴿وَرُسُلاً:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿رُسُلاً﴾): مفعول به لفعل محذوف، التقدير:
أرسلنا، أو: بعثنا، وقرئ: («ورسل») فيكون مبتدأ خبره محذوف، التقدير: ومنهم رسل. ﴿قَدْ:﴾
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿قَصَصْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة (﴿رُسُلاً﴾). ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، وبني: ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى، وجملة:
B» أَرْسَلْنا رُسُلاً..﴾. إلخ» معطوفة على جملة: ﴿وَأَوْحَيْنا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.
(﴿رُسُلاً﴾): مفعول به لفعل محذوف أيضا، والجملة الفعلية المقدرة معطوفة على ما قبلها. ﴿لَمْ:﴾
حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نَقْصُصْهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره:
نحن، والجملة الفعلية صفة: (﴿رُسُلاً﴾) أيضا. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَكَلَّمَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف.
﴿تَكْلِيماً:﴾ مفعول مطلق مؤكد لفعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. وقيل: هي في محل نصب حال على إضمار «قد» ولا أراه قويّا.
﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥)﴾
الشرح: ﴿رُسُلاً:﴾ جمع رسول، وهو بضم الرّاء، والسين، ويجوز تسكين السين، قال عيسى بن عمر-رحمه الله تعالى-: كلّ اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، وأوسطه ساكن،
стр. 1397
فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقّله، وذلك مثل: عسر، ويسر، ورحم... إلخ. ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ المطيعين بالجنّة، والرّضا، والرضوان. (﴿مُنْذِرِينَ﴾) أي: مخوّفين العاصين من النار، وغضب الواحد القهار. ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أي: فيقولون: لولا أرسلت إلينا رسولا، فيوقظنا من غفلتنا، وينبهنا إلى ما يجب الانتباه له، ويعلّمنا ما يلزمنا في ديننا، ودنيانا ممّا سبيل معرفته السّمع، كالعبادات، والشرائع. أعني: في حقّ مقاديرها، وأوقاتها، وكيفياتها، دون أصولها، فإنّها ممّا يعرف بالعقل. انتهى. نسفي بتصرف. وفيه دليل على أنّ الله لا يعذّب الخلق قبل بعثة الرّسل، كما قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ وفيه دليل أيضا لمذهب أهل السنة على أنّ معرفة الله تعالى لا تثبت إلا بالسمع؛ لأنّ صريح الآية يدلّ على أنّ قبل بعثة الرسل تكون لهم الحجّة في ترك الطّاعات، والعبادات.
هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾. ومثل ذلك الآية رقم [٤٧] من سورة (القصص).
وعن المغيرة بن شعبة-﵁-قال: قال سعد بن عبادة-﵁: لو رأيت رجلا مع امرأتي؛ لضربته بالسّيف غير مصفح. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: «أتعجبون من غيرة سعد، فو الله لأنا أغير منه، والله أغير منّي، ومن أجل غيرة الله حرّم الله الفواحش ما ظهر منها، وما بطن، ولا أحدا أحبّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث المنذرين، والمبشّرين، ولا أحدا أحبّ إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الجنّة». متفق عليه. ويروى باختلاف الألفاظ في الصّحيحين عن ابن مسعود-﵁. ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً:﴾ قويّا غالبا في انتقامه ممّن خالف أمره، وعصى رسله. ﴿حَكِيماً:﴾ فيما قضى، وقدّر، وحكم.
الإعراب: ﴿رُسُلاً:﴾ منصوب على المدح بفعل محذوف، أو بتقدير: أرسلنا رسلا، أو على الحال من الضمير المنصوب أو على البدلية من: (﴿رُسُلاً﴾) حالا في الآية السابقة. ﴿مُبَشِّرِينَ:﴾
صفة: ﴿رُسُلاً﴾ أو حال من الضمير المنصوب في الآية السابقة، فيكون: ﴿رُسُلاً﴾ حالا موطئة على وجه فيه. (﴿مُنْذِرِينَ﴾): معطوف على سابقه منصوب مثله، وعلامة النصب فيها الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿لِئَلاّ:﴾ اللام: حرف تعليل، وجر. (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية.
﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: (أن). ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُونَ﴾ تقدّم على اسمه. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلّقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿حُجَّةٌ﴾ كان صفة له، وهو غير مسلّم، وأرى جواز تعليقهما ب: ﴿حُجَّةٌ﴾ لأنّه مصدر، خلافا لمن منع ذلك؛ لأنّ الظروف
стр. 1398
يتوسّع فيها ما لا يتوسع في غيرها. ﴿حُجَّةٌ:﴾ اسم: ﴿يَكُونَ﴾ مؤخر. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿حُجَّةٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿الرُّسُلِ:﴾ مضاف إليه، وهناك محذوف؛ إذ التقدير: بعد إرسال الرّسل، فلما حذف المضاف حلّ المضاف إليه محلّه، و (أن) والفعل: (﴿يَكُونَ﴾) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ أو ب: (﴿مُنْذِرِينَ﴾) على اختلاف بين البصريين والكوفيين، وهو على التنازع. وقيل: متعلقان بفعل محذوف، التقدير: أرسلناهم لعدم كون حجّة للناس باقية على الله، وتكون الجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿رُسُلاً﴾ بعد وصفه بما تقدّم، أو هي صفة ثانية له. ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً:﴾ إعراب هذه الجملة واضح، وهي مستأنفة لا محلّ لها. تأمّل وتدبّر، ربّك أعلم وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمّد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.
﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (١٦٦)﴾
الشرح: قال ابن عباس-﵄: دخل على رسول الله ﷺ جماعة من اليهود، فقال لهم: «إنّي والله أعلم أنّكم لتعلمنّ أنّي رسول الله» فقالوا: لا نعلم ذلك، فأنزل الله هذه الآية.
وفي رواية ثانية عن ابن عباس: أنّ رؤساء مكة أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد! إنا سألنا اليهود عنك، وعن صفتك في كتابهم، فزعموا: أنّهم لا يعرفونك، فأنزل الله الآية الكريمة:
﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ..﴾. إلخ؛ المعنى: إن جحدك اليهود يا محمد، وكفروا بما أوحينا إليك، وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء؛ فقد كذبوا بما ادّعوا، فإنّ الله يشهد لك بالنبوّة، ويشهد بما أنزل إليك من كتابه، ووحيه.
﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي: الخاص به؛ الّذي لا يعلمه غيره، وهو تأليفه على نظم يعجز عنه كلّ بليغ، وأنزله بعلم تامّ، وحكمة بالغة. أو: أنزله بعلمه بحال من أنزل عليه، واستعداده لاقتباس نوره، والأخذ بهديه.
﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ بأنّ الله أنزله عليك، ويشهدون بتصديقك، وبنبوّتك، ورسالتك، وإنّما عرفت شهادة الملائكة؛ لأنّ الله تعالى إذا شهد بشيء شهدت الملائكة بذلك الشّيء، قال تعالى في سورة (آل عمران): ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ﴾. وقد ثبت: أنّ الله يشهد بأنّه أنزله بعلمه، فلذلك الملائكة يشهدون بذلك. ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ أي:
وحسبك يا محمد: أنّ الله يشهد لك، وإن لم يشهد معه أحد غيره. ففيه تسلية للنبي ﷺ عن شهادة أهل الكتاب له، والله أعلم بمراده.
стр. 1399
الإعراب: ﴿لكِنِ:﴾ حرف استدراك مهمل لا محلّ له. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَشْهَدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة ب ﴿لكِنِ﴾ على الكلام المقدّر قبلها، والذي رأيته في الشّرح. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنيّة على السكون في محل جر بالباء. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يشهد بالذي، أو: بشيء أنزله إليك، وجملة: ﴿أَنْزَلَهُ﴾ مفسرة للجملة قبلها، محلّها مثلها، وإن اعتبرتها بدلا منها؛ فلا بأس به. ﴿بِعِلْمِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، أي:
معلوما بعلمه، أو من الفاعل المستتر؛ أي: عالما به، والهاء في محلّ جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ معطوفة على الجملة الاسمية السّابقة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (١٦٧)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: جحدوا نبوّة محمد ﷺ . ﴿وَصَدُّوا﴾ منعوا الناس عن الدخول في الإسلام بكتمهم نعت محمد ﷺ الموجود في التوراة، وانظر: ﴿يَصُدُّونَ﴾ في الآية رقم [٦١]. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ عن دين الله الذي ارتضاه للناس، وانظر الآية رقم [٧٤]. ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً﴾ انظر الآيتين رقم [٦٠ و ٨٨].
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ﴾. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَصَدُّوا:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان به، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَلُّوا:﴾
ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿ضَلالاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿بَعِيداً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿قَدْ ضَلُّوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾.
إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ مثل سابقه. ﴿وَظَلَمُوا﴾ أي: ظلموا محمدا ﷺ بإنكار نبوّته، وظلموا النّاس بصدهم عما فيه صلاحهم في الدنيا، وخلاصهم من عذاب الله في الآخرة، وظلموا أنفسهم بإدخالها نار الجحيم، وإذاقتها العذاب الأليم، والمراد: اليهود بلا ريب.
стр. 1400
﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ..﴾. إلخ: نفي المغفرة لهم إذا ماتوا على كفرهم، وعنادهم، وأمّا إذا آمنوا؛ فالإيمان يجبّ ما قبله. هذا؛ و «الهداية»: دلالة بلطف، وانظر الآية رقم [٦٨].
الإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنِ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾. ﴿اللهُ:﴾ اسمه. ﴿لِيَغْفِرَ:﴾ اللام: لام الجحود. (يغفر): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و «أن» المضمرة والفعل: (يغفر) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُنِ،﴾ التقدير:
لم يكن الله مريدا لغفران ذنوبهم، وجملة: ﴿لَمْ يَكُنِ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية بمنزلة التوكيد لما قبلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي. ﴿لِيَهْدِيَهُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب ﴿لِيَغْفِرَ،﴾ والجار والمجرور الناتجان معطوفان على ما نتج من: ﴿لِيَغْفِرَ،﴾ وقد نصب الفعل هنا مفعولين.
﴿إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (١٦٩)﴾
الشرح: ﴿إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ أي: الطريق المؤدي إلى جهنّم؛ لقضائه المبرم، ووعده المحتوم على أنّ من مات على كفره؛ فهو خالد في النار، أي: لا يخرج منها أبدا، وانظر «الأبد» في الآية [١٢٢]. ﴿ذلِكَ﴾ أي: جعلهم خالدين في جهنّم. ﴿عَلَى اللهِ يَسِيراً:﴾ سهلا؛ لأنّه تعالى لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء.
الإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿طَرِيقَ:﴾ مستثنى ب (﴿إِلاّ﴾) وهو مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ:﴾
مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا.
﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿كانَ﴾): فعل ماض ناقص. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم (﴿كانَ﴾)، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿يَسِيراً﴾ الذي هو خبر (﴿كانَ﴾)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ..﴾. إلخ: لمّا قرّر الله أمر نبوّة محمد ﷺ ، وبيّن الطريق الموصل إلى العلم، وقرّر وعيد من أنكرها، وجحدها؛ خاطب النّاس عامّة بالدّعوة إليها.
стр. 1401
والوعد بالإجابة إليها، والوعيد على جحدها وإنكارها. و ﴿بِالْحَقِّ:﴾ دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده. وقيل: جاءكم بالقرآن الذي هو الحق. ﴿فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ أي: فآمنوا، وصدقوا بما جاءكم به محمّد ﷺ يكن الإيمان بذلك خيرا لكم من الكفر الذي أنتم عليه. ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ أي:
تجحدوا نبوّة محمد ﷺ ، وتكذبوا بما جاءكم به من الحقّ من عند ربكم.
﴿فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ ملكا، وخلقا، وعبيدا، ومن كان كذلك لم يكن محتاجا إلى شيء، وهو القادر على ما يشاء، ويريد، وانظر الآيتين رقم [١٣١ و ١٣٢] تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً:﴾ تقدّم مثلها كثيرا.
هذا؛ و (خير): أفضل، فهو أفعل تفضيل، أصله: أخير. نقلت حركة الياء إلى الخاء قبلها؛ لأنّ الحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثمّ حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء، ومثله قل في: حبّ، وشرّ اسمي تفضيل، إذ أصلهما: أحبب، وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما استغناء بحركة الخاء، والشين، وقد يستعمل: خير، وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى في سورة (القمر): ﴿(سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ)﴾ ونحو قول رؤبة بن العجاج: [الرجز]
يا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر
وخير، وشر، وحب يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، وللمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر الآية رقم [١٣٣] ففيها الكفاية، والجملة الندائية ابتدائية، لا محلّ لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق، يقرّب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمُ:﴾ ماض، ومفعوله.
﴿الرَّسُولُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿النّاسُ،﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال أداة النداء؛ لأنّها بمعنى: أدعو، ووقوع الحال من المنادى مستعمل عربية، كما في قول الشاعر: [البسيط]
يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته
﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الرَّسُولُ﴾. أو هما متعلّقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: (الحق) فتكون حالا متداخلة، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿فَآمِنُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. (آمنوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط
стр. 1402
غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا حقيقة؛ فآمنوا، والمتعلّق محذوف، انظر الشرح.
﴿خَيْراً:﴾ مفعول به لفعل محذوف عند سيبويه، التقدير: ائتوا خيرا، وصفة لمفعول مطلق محذوف عند الفرّاء، التقدير: فآمنوا إيمانا خيرا، وخبر ل «كان» محذوفة مع اسمها، التقدير:
فآمنوا يكن الإيمان خيرا. وهذا ضعيف؛ لأنّ «كان» لا تحذف مع اسمها إلا بعد: «إن» و «لو» الشرطيتين. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْراً﴾.
﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَكْفُرُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائيّة. ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فهو غني عنكم. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر: (إنّ) تقدّم على اسمها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم: (إنّ) مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلّقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: (إنّ ﴿لِلّهِ..﴾.) إلخ مفيدة للتعليل، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً:﴾ مستأنفة لا محلّ لها، وإعرابها واضح.
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (١٧١)﴾
الشرح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ نزلت هذه الآية في النصارى، وذلك: أنّ الله تعالى لمّا أجاب عن شبه اليهود فيما تقدّم؛ أتبع ذلك بإبطال ما تعتقده النّصارى في عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وأصناف النّصارى أربعة: اليعقوبية، والملكانية، والنّسطورية والمرقوسية. أمّا اليعقوبية، والملكانية، فقالوا في عيسى: إنّه الله. وقال النّسطورية: إنّه ابن الله، وقالت المرقوسية: ثالث ثلاثة. وقيل: إنّهم يقولون: إنّ عيسى جوهر واحد، وثلاثة أقانيم:
أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس، وإنّهم يريدون بأقنوم الأب: الذات، وبأقنوم الابن: عيسى ﵇، وبأقنوم روح القدس: الحياة الحالّة فيه، فتقديره عندهم: الإله ثلاثة. وقيل: يقولون في عيسى: ناسوتية، وألوهية، فناسوتيته من قبل الأم، وألوهيته من قبل الأب. تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا! يقال: إنّ الذي أظهر للنّصارى هذا رجل من اليهود، يقال له: بولص، تنصر، ودسّ هذا في دين النّصارى؛ ليضلّهم بذلك، انظر الآية رقم [٣٠] من سورة التّوبة؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
стр. 1403
وقيل: يحتمل أن يكون المراد بأهل الكتاب: اليهود، والنصارى جميعا، فإنّهم غلوا في أمر عيسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. فأمّا اليهود؛ فإنّهم بالغوا في التقصير في حرمته؛ حتّى حطّوه عن منزلته؛ حيث جعلوه مولودا من الزنى. وغلت النّصارى في رفعه عن منزلته، ومكانته؛ حيث جعلوه ممّا وصفته، فقال الله تعالى ردّا عليهم جميعا: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾.
وأصل «الغلو» مجاوزة الحد، وهو في الدّين حرام. والمعنى: لا تفرّطوا في أمر عيسى، ولا تحطّوه عن منزلته، ولا ترفعوه فوق قدره، ومنزلته، فالإفراط، والتقصير كلّه سيئة، وكفر، ولذلك قال مطرف بن عبد الله-رحمه الله تعالى-: الحسنة بين سيئتين، وقال الشاعر: [الطويل]
وأوف ولا تستوف حقّك كلّه... وصافح فلم يستوف قطّ كريم
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وقال آخر: [الطويل]
عليك بأوساط الأمور فإنّها... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا
وقال الرسول ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النّصارى عيسى، وقولوا: عبد الله، ورسوله».
أخرجه البخاريّ عن عمر-﵁. وانظر الآية رقم [٧٧] من- سورة (المائدة) فإنّه جيد، والحمد لله!.
﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ أي: لا تقولوا: إن لله شريكا، أو ابنا. ولمّا منعهم الله من الغلوّ في دينهم؛ أرشدهم إلى طريق الحق في أمر عيسى، ﵇، فقال جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ﴾ المعنى: إنّ المسيح هو عيسى ابن مريم، ليس له نسب غير هذا، وهو رسول الله، فمن زعم غير هذا؛ فقد كفر، وأشرك. ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ هي قوله تعالى:
﴿كُنْ،﴾ فكان بشرا من غير أب، ولا واسطة. ﴿أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ أي: أوصلها إلى مريم.
﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: كسائر الأرواح التي خلقها الله تعالى، وإنّما أضافه إلى نفسه على سبيل التشريف، والتكريم، كما يقال: بيت الله، وناقة الله، وهذه نعمة من الله. وقيل: الرّوح هو الذي نفخ فيه جبريل ﵇ في جيب درع مريم، فحملت منه بإذن الله، وكان ذلك النفخ بمنزلة اللّقاح بين الذّكر، والأنثى. وانظر ما ذكرته عن الواقدي في الآية رقم [٤٥] من سورة (آل عمران) فإنّه جيد، والحمد لله! وفيها شرح ﴿الْمَسِيحُ﴾ أيضا.
﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: فصدقوا يا أهل الكتاب بوحدانية الله، وأنّه لا ولد له، وصدقوا رسله فيما جاءوكم به من عند الله، وصدّقوا بأنّ عيسى من رسل الله، فآمنوا به، ولا تجعلوه إلها. ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أي: ولا تقولوا: إنّ الآلهة ثلاثة. وذلك: أنّ النصارى يقولون: أب،
стр. 1404
وابن، وروح القدس. وهو ما قدّمته آنفا، وهو محض الكفر. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة).
﴿اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ أي: يكن الانتهاء عن القول بالتثليث خيرا لكم. ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. ﴿سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: تنزيها عن أن يكون له ولد؛ لأنّ الولد جزء من الأب، وتنزه الله عن التجزئة، وعن صفات الحدوث، ولأنّ الولد يشبه الأب، ولا شبيه لله، . ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ وما فيهما خلقا، وعبيدا، وملكا، وعيسى، وأمّه من جملة ما فيهما، فهما ملكه، وعبيده، فإذا كانا عبدين له، فكيف يعقل مع هذا أن يكون له زوجة، وولد، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً:﴾
انظر الآية رقم [٨١]، وانظر شرح (سبحان) في الآية رقم [١٩١] من سورة (آل عمران).
الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (﴿أَهْلَ﴾): منادى، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾
مضاف إليه. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَغْلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿فِي دِينِكُمْ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تَقُولُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها، وإعرابها مثلها.
﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به.
﴿إِنَّمَا:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿الْمَسِيحُ:﴾ مبتدأ. ﴿عِيسَى:﴾ بدل من ﴿الْمَسِيحُ﴾ أو: عطف بيان عليه ﴿اِبْنُ:﴾ صفة عيسى، وهو مضاف، و ﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، هذا وأجيز اعتبار: ﴿عِيسَى﴾ مبتدأ، و (﴿اِبْنُ﴾) خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿الْمَسِيحُ﴾. ﴿رَسُولُ:﴾ خبر أوّل، أو: خبر ثان، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَكَلِمَتُهُ:﴾ معطوف على: ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿أَلْقاها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: (كلمته) والرابط الضمير فقط، و «قد» قبلها مقدّرة. ﴿إِلى مَرْيَمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرُوحٌ﴾ معطوف على ﴿رَسُولُ اللهِ﴾. وقيل: معطوف على فاعل: ﴿أَلْقاها﴾ المستتر. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (روح) أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل.
﴿فَآمِنُوا﴾ انظر إعراب مثله في الآية السابقة. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرُسُلِهِ:﴾
معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (آمنوا...) إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا، فآمنوا بالله ورسله.
﴿وَلا تَقُولُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿ثَلاثَةٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الآلهة ثلاثة.
стр. 1405
وقال أبو علي الفارسي: التقدير: هو ثالث ثلاثة فحذف المبتدأ، والمضاف، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَلا تَقُولُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ في الآية السابقة، والجملة الفعلية هنا مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها.
﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿اللهِ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها. ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، أو لمفعوله، والجملة الناتجة منه ومن فعله المحذوف مستأنفة لا محلّ لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَكُونَ:﴾
فعل مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ﴾. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُونَ﴾ مقدم. ﴿وَلَدٌ:﴾ اسمه مؤخر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من كونه له ولد، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿سُبْحانَهُ﴾.
﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تعليلية، لا محلّ لها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله وإعرابه مثله. ﴿وَكَفى:﴾
الواو: حرف استئناف. (﴿كَفى﴾): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذّر. ﴿بِاللهِ:﴾
(الباء): حرف جر صلة. (الله): فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿وَكِيلاً:﴾ تمييز، والجملة الفعلية مستأنفة؛ لا محلّ لها.
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢)﴾
الشرح: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ﴾ أي: لن يتكبّر، ويترفّع عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أن يكون عبدا لله، وكيف لا يستنكف، وأول كلمة نطق بها، وهو في المهد: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ..﴾. إلخ سورة (مريم). ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: فإنّهم لا يأنفون، ولا يترفّعون أن يكونوا عبيدا لله، مع كونهم لا أب لهم، ولا أمّ؛ أي:
فإنّه أجدر ألا يستنكف أن يكون عبدا لله. ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ..﴾. إلخ: فيه وعيد، وتهديد للمستكبرين عن عبادة الله، مع العلم: أنّ الحشر، والحساب يكونان للمطيعين، والمتكبّرين على السّواء، فيجازي كلاّ بما يستحقّ من الثّواب، أو العقاب، وهو ما تفيده الآية التالية. ولا تنس: أنّ الاستكبار دون الاستنكاف.