← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

والوعد بالإجابة إليها، والوعيد على جحدها وإنكارها. و ﴿بِالْحَقِّ:﴾ دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده. وقيل: جاءكم بالقرآن الذي هو الحق. ﴿فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ أي: فآمنوا، وصدقوا بما جاءكم به محمّد ﷺ يكن الإيمان بذلك خيرا لكم من الكفر الذي أنتم عليه. ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ أي: تجحدوا نبوّة محمد ﷺ ، وتكذبوا بما جاءكم به من الحقّ من عند ربكم. ﴿فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ ملكا، وخلقا، وعبيدا، ومن كان كذلك لم يكن محتاجا إلى شيء، وهو القادر على ما يشاء، ويريد، وانظر الآيتين رقم [١٣١ و ١٣٢] تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً:﴾ تقدّم مثلها كثيرا. هذا؛ و (خير): أفضل، فهو أفعل تفضيل، أصله: أخير. نقلت حركة الياء إلى الخاء قبلها؛ لأنّ الحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثمّ حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء، ومثله قل في: حبّ، وشرّ اسمي تفضيل، إذ أصلهما: أحبب، وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما استغناء بحركة الخاء، والشين، وقد يستعمل: خير، وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى في سورة (القمر): ﴿(سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ)﴾ ونحو قول رؤبة بن العجاج: [الرجز] يا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر وخير، وشر، وحب يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، وللمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر الآية رقم [١٣٣] ففيها الكفاية، والجملة الندائية ابتدائية، لا محلّ لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق، يقرّب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمُ:﴾ ماض، ومفعوله. ﴿الرَّسُولُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿النّاسُ،﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال أداة النداء؛ لأنّها بمعنى: أدعو، ووقوع الحال من المنادى مستعمل عربية، كما في قول الشاعر: [البسيط] يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الرَّسُولُ﴾. أو هما متعلّقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: (الحق) فتكون حالا متداخلة، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَآمِنُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. (آمنوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط

стр. 1402

غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا حقيقة؛ فآمنوا، والمتعلّق محذوف، انظر الشرح. ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به لفعل محذوف عند سيبويه، التقدير: ائتوا خيرا، وصفة لمفعول مطلق محذوف عند الفرّاء، التقدير: فآمنوا إيمانا خيرا، وخبر ل «كان» محذوفة مع اسمها، التقدير: فآمنوا يكن الإيمان خيرا. وهذا ضعيف؛ لأنّ «كان» لا تحذف مع اسمها إلا بعد: «إن» و «لو» الشرطيتين. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْراً﴾. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَكْفُرُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائيّة. ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فهو غني عنكم. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر: (إنّ) تقدّم على اسمها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم: (إنّ) مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلّقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: (إنّ ﴿لِلّهِ..﴾.) إلخ مفيدة للتعليل، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً:﴾ مستأنفة لا محلّ لها، وإعرابها واضح. ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (١٧١)﴾ الشرح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ نزلت هذه الآية في النصارى، وذلك: أنّ الله تعالى لمّا أجاب عن شبه اليهود فيما تقدّم؛ أتبع ذلك بإبطال ما تعتقده النّصارى في عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وأصناف النّصارى أربعة: اليعقوبية، والملكانية، والنّسطورية والمرقوسية. أمّا اليعقوبية، والملكانية، فقالوا في عيسى: إنّه الله. وقال النّسطورية: إنّه ابن الله، وقالت المرقوسية: ثالث ثلاثة. وقيل: إنّهم يقولون: إنّ عيسى جوهر واحد، وثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس، وإنّهم يريدون بأقنوم الأب: الذات، وبأقنوم الابن: عيسى ﵇، وبأقنوم روح القدس: الحياة الحالّة فيه، فتقديره عندهم: الإله ثلاثة. وقيل: يقولون في عيسى: ناسوتية، وألوهية، فناسوتيته من قبل الأم، وألوهيته من قبل الأب. تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا! يقال: إنّ الذي أظهر للنّصارى هذا رجل من اليهود، يقال له: بولص، تنصر، ودسّ هذا في دين النّصارى؛ ليضلّهم بذلك، انظر الآية رقم [٣٠] من سورة التّوبة؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.

стр. 1403

وقيل: يحتمل أن يكون المراد بأهل الكتاب: اليهود، والنصارى جميعا، فإنّهم غلوا في أمر عيسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. فأمّا اليهود؛ فإنّهم بالغوا في التقصير في حرمته؛ حتّى حطّوه عن منزلته؛ حيث جعلوه مولودا من الزنى. وغلت النّصارى في رفعه عن منزلته، ومكانته؛ حيث جعلوه ممّا وصفته، فقال الله تعالى ردّا عليهم جميعا: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾. وأصل «الغلو» مجاوزة الحد، وهو في الدّين حرام. والمعنى: لا تفرّطوا في أمر عيسى، ولا تحطّوه عن منزلته، ولا ترفعوه فوق قدره، ومنزلته، فالإفراط، والتقصير كلّه سيئة، وكفر، ولذلك قال مطرف بن عبد الله-رحمه الله تعالى-: الحسنة بين سيئتين، وقال الشاعر: [الطويل] وأوف ولا تستوف حقّك كلّه... وصافح فلم يستوف قطّ كريم ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد... كلا طرفي قصد الأمور ذميم وقال آخر: [الطويل] عليك بأوساط الأمور فإنّها... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا وقال الرسول ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النّصارى عيسى، وقولوا: عبد الله، ورسوله». أخرجه البخاريّ عن عمر-﵁. وانظر الآية رقم [٧٧] من- سورة (المائدة) فإنّه جيد، والحمد لله!. ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ أي: لا تقولوا: إن لله شريكا، أو ابنا. ولمّا منعهم الله من الغلوّ في دينهم؛ أرشدهم إلى طريق الحق في أمر عيسى، ﵇، فقال جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ﴾ المعنى: إنّ المسيح هو عيسى ابن مريم، ليس له نسب غير هذا، وهو رسول الله، فمن زعم غير هذا؛ فقد كفر، وأشرك. ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ هي قوله تعالى: ﴿كُنْ،﴾ فكان بشرا من غير أب، ولا واسطة. ﴿أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ أي: أوصلها إلى مريم. ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: كسائر الأرواح التي خلقها الله تعالى، وإنّما أضافه إلى نفسه على سبيل التشريف، والتكريم، كما يقال: بيت الله، وناقة الله، وهذه نعمة من الله. وقيل: الرّوح هو الذي نفخ فيه جبريل ﵇ في جيب درع مريم، فحملت منه بإذن الله، وكان ذلك النفخ بمنزلة اللّقاح بين الذّكر، والأنثى. وانظر ما ذكرته عن الواقدي في الآية رقم [٤٥] من سورة (آل عمران) فإنّه جيد، والحمد لله! وفيها شرح ﴿الْمَسِيحُ﴾ أيضا. ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: فصدقوا يا أهل الكتاب بوحدانية الله، وأنّه لا ولد له، وصدقوا رسله فيما جاءوكم به من عند الله، وصدّقوا بأنّ عيسى من رسل الله، فآمنوا به، ولا تجعلوه إلها. ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أي: ولا تقولوا: إنّ الآلهة ثلاثة. وذلك: أنّ النصارى يقولون: أب،

стр. 1404

وابن، وروح القدس. وهو ما قدّمته آنفا، وهو محض الكفر. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة). ﴿اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ أي: يكن الانتهاء عن القول بالتثليث خيرا لكم. ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. ﴿سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: تنزيها عن أن يكون له ولد؛ لأنّ الولد جزء من الأب، وتنزه الله عن التجزئة، وعن صفات الحدوث، ولأنّ الولد يشبه الأب، ولا شبيه لله، . ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ وما فيهما خلقا، وعبيدا، وملكا، وعيسى، وأمّه من جملة ما فيهما، فهما ملكه، وعبيده، فإذا كانا عبدين له، فكيف يعقل مع هذا أن يكون له زوجة، وولد، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً:﴾ انظر الآية رقم [٨١]، وانظر شرح (سبحان) في الآية رقم [١٩١] من سورة (آل عمران). الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (﴿أَهْلَ﴾): منادى، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَغْلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿فِي دِينِكُمْ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تَقُولُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها، وإعرابها مثلها. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به. ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿الْمَسِيحُ:﴾ مبتدأ. ﴿عِيسَى:﴾ بدل من ﴿الْمَسِيحُ﴾ أو: عطف بيان عليه ﴿اِبْنُ:﴾ صفة عيسى، وهو مضاف، و ﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، هذا وأجيز اعتبار: ﴿عِيسَى﴾ مبتدأ، و (﴿اِبْنُ﴾) خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿الْمَسِيحُ﴾. ﴿رَسُولُ:﴾ خبر أوّل، أو: خبر ثان، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَكَلِمَتُهُ:﴾ معطوف على: ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿أَلْقاها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: (كلمته) والرابط الضمير فقط، و «قد» قبلها مقدّرة. ﴿إِلى مَرْيَمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرُوحٌ﴾ معطوف على ﴿رَسُولُ اللهِ﴾. وقيل: معطوف على فاعل: ﴿أَلْقاها﴾ المستتر. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (روح) أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل. ﴿فَآمِنُوا﴾ انظر إعراب مثله في الآية السابقة. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرُسُلِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (آمنوا...) إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا، فآمنوا بالله ورسله. ﴿وَلا تَقُولُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿ثَلاثَةٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الآلهة ثلاثة.

стр. 1405

وقال أبو علي الفارسي: التقدير: هو ثالث ثلاثة فحذف المبتدأ، والمضاف، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَلا تَقُولُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ في الآية السابقة، والجملة الفعلية هنا مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿اللهِ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها. ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، أو لمفعوله، والجملة الناتجة منه ومن فعله المحذوف مستأنفة لا محلّ لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ﴾. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُونَ﴾ مقدم. ﴿وَلَدٌ:﴾ اسمه مؤخر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من كونه له ولد، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿سُبْحانَهُ﴾. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تعليلية، لا محلّ لها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله وإعرابه مثله. ﴿وَكَفى:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿كَفى﴾): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذّر. ﴿بِاللهِ:﴾ (الباء): حرف جر صلة. (الله): فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿وَكِيلاً:﴾ تمييز، والجملة الفعلية مستأنفة؛ لا محلّ لها. ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢)﴾ الشرح: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ﴾ أي: لن يتكبّر، ويترفّع عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أن يكون عبدا لله، وكيف لا يستنكف، وأول كلمة نطق بها، وهو في المهد: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ..﴾. إلخ سورة (مريم). ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: فإنّهم لا يأنفون، ولا يترفّعون أن يكونوا عبيدا لله، مع كونهم لا أب لهم، ولا أمّ؛ أي: فإنّه أجدر ألا يستنكف أن يكون عبدا لله. ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ..﴾. إلخ: فيه وعيد، وتهديد للمستكبرين عن عبادة الله، مع العلم: أنّ الحشر، والحساب يكونان للمطيعين، والمتكبّرين على السّواء، فيجازي كلاّ بما يستحقّ من الثّواب، أو العقاب، وهو ما تفيده الآية التالية. ولا تنس: أنّ الاستكبار دون الاستنكاف.

стр. 1406

تنبيه: روي: أنّ وفد نجران الّذين مرّ ذكرهم في الآية رقم [٥٩] من سورة (آل عمران) وما بعدها قالوا للنبي ﷺ : يا محمد! إنّك تعيب صاحبنا، فتقول: إنّه عبد الله، فقال ﷺ : «إنّه ليس بعار على عيسى أن يكون عبدا لله». فنزلت الآية الكريمة. تنبيه: لقد استدلّ بالآية الكريمة من يقول بتفضيل الملائكة على البشر، وجه الدّليل: أنّ الله ارتقى من ذكر عيسى ﵇ إلى ذكر الملائكة الكرام، ولا يرتقى إلا من الأدنى إلى الأعلى. والجواب عنه: أنّ الله تعالى لم يقل ذلك رفعا لمقامهم على مقام البشر، بل قاله ردّا على من يقول: إنّ الملائكة بنات الله، أو: أنّهم آلهة، كما ردّ على النّصارى قولهم: إنّ المسيح ابن الله. وصفوة القول عند أهل السنة، والجماعة: أنّ خواص البشر، وهم الأنبياء-عليهم الصّلاة والسّلام-أفضل من خواصّ الملائكة، وهم العشرة المقرّبون: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان، ومالك. وخواصّ الملائكة أفضل من عوامّ البشر، أي: المؤمنين منهم. وعوامّ المؤمنين من البشر أفضل من عوامّ الملائكة. والدليل على تفضيل البشر على الملائكة ابتداء؛ أنّهم قهروا نوازع الهوى في ذات الله تعالى، مع أنّهم جبلوا عليها، فضاهت الأنبياء ﵈ الملائكة في العصمة، وتفضّلوا عليهم في قهر البواعث النفسانية، والدّواعي الجسدية، فكانت طاعتهم أشقّ؛ لكونها مع الصوارف بخلاف طاعة الملائكة؛ لأنّهم جبلوا عليها، فكانت أزيد ثوابا بالحديث. انتهى خازن، ونسفي بتصرف. الإعراب: ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَسْتَنْكِفَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾. ﴿الْمَسِيحُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ﴾ واسمه ضمير مستتر يعود إلى: ﴿الْمَسِيحُ﴾. ﴿عَبْداً:﴾ خبره، والمصدر المؤول منه، ومن ناصبه في محل جرّ بحرف جرّ محذوف، التقدير: من كونه عبدا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عَبْداً﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ معطوف على: ﴿الْمَسِيحُ﴾. ﴿الْمُقَرَّبُونَ:﴾ صفة: ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنّون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ ولم يسوغ الجمل تبعا للجلال العطف على: ﴿الْمَسِيحُ﴾ وقال الجمل: إذ لا يصح الإخبار عن الملائكة ب ﴿عَبْداً؛﴾ لأنّه مفرد، واعتبراه مبتدأ، وخبره محذوفا، التقدير: ولا الملائكة المقرّبون عند الله يستنكفون أن يكونوا عبيدا لله، فتكون الجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر: ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ وتكون الجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية، لا محلّ لها.

стр. 1407

﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَسْتَنْكِفَ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿عَنْ عِبادَتِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَسْتَكْبِرْ:﴾ معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، والسين: حرف استقبال وتسويف، وهي هنا للتّحقيق. (يحشرهم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه. فقيل: جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان وهو المرجّح عند المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا، التقدير: فهو يجازيه. فتكون الجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من الضّمير المنصوب. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اِسْتَنْكَفُوا وَاِسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣)﴾ الشرح: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: الأعمال الصّالحات على اختلاف مراتبها، ودرجاتها، من فعل مأمورات، وترك منهيّات، وعطف: (﴿عَمِلُوا﴾) على: ﴿آمَنُوا﴾ يشير إلى أنّ الإيمان وحده لا يكفي للنّجاة من النار. وأنت إذا تأمّلت في آيات القرآن؛ قلّما تجد ذكر الإيمان، إلا ويعطف عليه الأعمال الصالحات، ويؤيّد ذلك ما ورد من قول الرّسول الأعظم ﷺ : «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ:﴾ يعطيهم ثواب أعمالهم الصالحة كاملا غير منقوص. ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يمنحهم من فضله ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وقيل: المراد بالزيادة: الشّفاعة فيمن وجبت له النار ممّن صنع إليهم المعروف في دنياهم. والأولى: أنّ الزيادة المراد بها: النظر إلى وجهه الكريم، قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا وحبيبنا وعليه ألف صلاة وألف سلام: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾. وقال في سورة (ق): ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا..﴾. إلخ: هذا مقابل ل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ لأنّه قد جرت سنة الله في كتابه أن لا يذكر العمل الصّالح إلا ويذكر العمل السيئ، ولا يذكر الإيمان إلا ويذكر الكفر، والضّلال، ولا يذكر الجنة إلا ويذكر النار؛ ليكون العبد راغبا في الخير، خائفا من الشر. ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا:﴾ يلي أمورهم، ويدبّر مصالحهم. ﴿وَلا نَصِيراً:﴾ ينصرهم من الله تعالى، وينجّيهم من عذابه.

стр. 1408

تنبيه: التفضيل في هذه الآية غير مطابق للمفضّل في الآية السابقة؛ لأنّ التفضيل اشتمل على الفريقين كما رأيت، والمفضّل على فريق واحد. وجوابه: أنّه حذف أحد الفريقين في المفضّل لدلالة التفضيل عليه، ولأنّ ذكر أحدهما يدلّ على ذكر الثاني، كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله تعالى بعد هذا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾. ويجاب أيضا بأن الإحسان إلى غيرهم بما يفهم، فكان داخلا في جملة التنكيل بهم، فكأنّه قيل: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين، وبما يصيبه من عذاب الله تعالى. انتهى. نسفي بتصرف كبير. الإعراب: ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف تفريع عما سبق. (أمّا): أداة شرط، وتوكيد، وتفصيل. أمّا كونها أداة شرط؛ لأنّها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله بدل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء؛ فالذين آمنوا... إلخ، فأنيبت (أمّا) مناب: «مهما يك من شيء» فصار: (أما ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾). وأمّا كونها أداة تفصيل؛ فلأنّها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله. ويعلم ذلك من تتبّع مواقعها. وأمّا كونها أداة توكيد؛ فلأنّها تحقّق الجواب، وتفيد: أنّه واقع لا محالة؛ لأنّها علّقته على أمر متعين. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَعَمِلُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: الأعمال الصالحات. ﴿فَيُوَفِّيهِمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أمّا). (يوفيهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله) المفهوم من المقام، والهاء مفعول به أوّل. ﴿أُجُورَهُمْ﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الّذي هو ﴿الَّذِينَ:﴾ هذا، وأجيز اعتبار الجملة الفعلية خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يوفيهم، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يوفيهم، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿الَّذِينَ﴾ والجملة الاسمية مفرعة عمّا قبلها، ومستأنفة لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ مع المفعول الثاني معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ:﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب سابقه بلا فارق. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول مطلق. ﴿أَلِيماً:﴾ صفة له. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.

стр. 1409

(لا): نافية. ﴿يَجِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الأول، وتعليقهما ب ﴿وَلِيًّا﴾ أو ب ﴿نَصِيراً﴾ فلا بأس به، وذلك على التنازع. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من أحدهما، كان صفة له، فلما قدّم عليه؛ صار حالا. على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدّم عليها؛ صار حالا». ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما تعلق به قبلهما، و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيراً:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَلا يَجِدُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ..﴾. إلخ: لمّا قرّر الله عبودية عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام، وقرّر وعيد من اعتقد فيه غير ذلك من بنوّة، أو ألوهية؛ خاطب النّاس عامّة، وبيّن لهم الطّريق السّوي الذي من سلكه نجا في الدنيا، والآخرة. ﴿بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: محمدا ﷺ . قاله الثّوري، وسمّاه برهانا؛ لأنّ معه البرهان، وهو المعجزات الباهرات، وقال مجاهد هاهنا: الحجّة، والمعنى متقارب، فإنّ المعجزات حجّته ﷺ . والنّور المنزل هو القرآن الكريم، وسمّاه الله نورا لأنّ به تتبين الأحكام، ويهتدى به من الضّلالة. وفحوى الكلام: قد جاءكم دلائل العقل، وشواهد النقل، ولم يبق لكم عذر، ولا حجّة تدفعون بها عقاب الله السرمديّ. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ﴾ انظر الآية رقم [١٣٣ و ١٧٠] ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿بُرْهانٌ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَأَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، و «قد» قبلها مقدرة. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نُوراً:﴾ مفعول به. ﴿مُبِيناً:﴾ صفة له. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاِعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥)﴾ الشرح: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ:﴾ صدّقوا بوحدانيته، ونزّهوه عمّا لا يليق به من ولد، وصاحبة، وشريك في الذّات، أو في الصّفات، أو في الأفعال. ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ:﴾ وثقوا به، وتمسّكوا بدينه، وتوكّلوا عليه. ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ:﴾ في ثواب قدّره بإزاء عمله، وإيمانه رحمة منه تعالى، لا قضاء لحق واجب عليه. ﴿وَفَضْلٍ:﴾ إحسان زائد على الأجر، والثّواب،

стр. 1410

ولعلّه النظر إلى وجهه الكريم في الجنّة لأحاديث شريفة وردت في ذلك. ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾. انظر الآية رقم [٦٨] ففيها الكفاية، والمعنى هنا: يدلّهم إلى ما يوصلهم إلى ذلك الخير الموعود بسبب التثبيت على الإيمان، والطاعة. تنبيه: قد ذكر الله في هذه الآية أصحاب الإيمان، وثوابهم، ولم يذكر الكفر، وأهله إشارة إلى إهمالهم؛ لأنّهم في حيز الطّرح. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧٣]. الإعراب: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ:﴾ انظر الآية رقم [١٧٣] ففيها الكفاية. ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أمّا) والسين: حرف استقبال، وتسويف، وهي هنا للتحقيق. (يدخلهم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) والهاء مفعول به أول. ﴿فِي رَحْمَةٍ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ ﴿الَّذِينَ﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار الجملة خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو سيدخلهم... إلخ، وعليه؛ فالجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ..﴾. إلخ مفرعة عمّا قبلها، لا محلّ لها. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿رَحْمَةٍ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَفَضْلٍ:﴾ معطوف على: ﴿رَحْمَةٍ﴾. ﴿وَيَهْدِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله) والهاء مفعول به أول. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿صِراطاً﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدّم عليها. صار حالا». ﴿صِراطاً:﴾ مفعول به ثان. وقيل: مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ويعرّفهم صراطا. وقيل: هو حال. وقيل: منصوب بنزع الخافض، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. وقيل: الجملة في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف؛ أي: وهو يهديهم، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اِثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ الشرح: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ:﴾ يطلبون منك الفتوى في ميراث الكلالة، فحذف المتعلق لذكره في الجواب. ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ:﴾ يبيّن لكم حكم الكلالة. والإفتاء: تبيين المبهم من

стр. 1411

الأمور. والكلالة: هو الذي لا ولد له، ولا والد، رجلا كان أو امرأة. وتفسيرها بهذا هو المعتمد. وقيل: الكلالة: الورثة. وقيل: المال الموروث، واشتقاقها من الكلال، وهو ذهاب القوّة من الإعياء، فكأنّ الميراث يصير للوارث بعد إعياء، وذلك لعدم أصول، وفروع للميّت، وخذ قول الأعشى: [الطويل] إليك أبيت اللّعن كان كلالها... إلى الماجد القرم الجواد المحمّد وقوله أيضا في قصيدته التي مدح بها النّبيّ ﷺ : [الطويل] فآليت لا أرني لها من كلالة... ولا من وجى حتّى تلاقي محمّدا ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ:﴾ مات، قال تعالى في آخر سورة (القصص): ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ أي: كل شيء يفنى، ولا يبقى إلا الله، . هذا؛ وأصل «امرئ» المرء، ولمّا كثر استعمالهم لها حتّى أصبحت تستعمل للدّلالة على الإنسان، وعلى الحيوان مجازا، وكان الهمز في آخرها ثقيلا بعد السكون خفّفوها بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على الرّاء، فقالوا: المر، وبذلك أشبهت الرّاء منها من: (ابن) في تلقى حركات الإعراب، ولإعلالهم هذه الكلمة كثيرا بحذف الهمز، شبّهوها بما حذف آخره، نحو: (اسم، ابن، است) فجبروه بهمزة وصل في حالة التنكير، ثم ردّوا إليها الهمزة، فقالوا: امرؤ، وبذلك أصبحت تعرب من مكانين، فتظهر حركات الإعراب فيها على الرّاء والهمزة، فتقول: هذا امرؤ، ورأيت امرأ، ومررت بامرئ، قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ،﴾ ﴿ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ،﴾ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾. ومثل «امرئ» كلمة: (ابن) إذا زيدت في آخرها (ما) فإنّ حركة الإعراب تظهر على النون والميم، فتقول: حضرا ابنم، ورأيت ابنما، ومررت بابنم. ولا ثالث لهما في اللغة العربية، فاحفظه؛ فإنّه جيد، والحمد لله. ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: ابن، بخلافه في الآية رقم [١٢] فإنّه يطلق على الابن، والبنت، وليس له والد أيضا، وإنّما فسر الولد بالابن الذّكر هنا؛ لأنّه يسقط الأخت، ولا تسقطها البنت، بل ترث معها؛ لأنّها تصير معها عصبة، كما هو مقرّر في المواريث. ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ أي: لأب، أو لأبوين معا، أما الأخت، والإخوة لأم فإنّهم من الأرحام، وقد تقرّر حكمهم في الآية رقم [١٢]. ﴿فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ:﴾ يرث كلّ مالها عند عدم وجود الابن لها، وما يبقى بعد فرض البنت إن وجدت لها، وكذا بعد فرض الزّوج إن وجد، وانظر شرح: (إن لم) في الآية رقم [٩١]. ﴿فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ أي: فإن كانت الأختان اثنتين، أو أكثر. ﴿فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ:﴾ وإنّما ثنّى الضّمير، ولم يتقدّم إلا ذكر واحدة؛ لأنّه محمول على المعنى؛ لأنّ تقديره عند الأخفش:

стр. 1412

فإن كان من ترك اثنتين، ثم ثنّى الضمير على معنى (من) وانظر شرح (اثنتين) في الآية رقم [١١] فإنّه جيد، والحمد لله!. ﴿وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً:﴾ لأب، أو لأبوين. ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا:﴾ أي يبيّن الله لكم أحكام دينه من مواريث وغيرها؛ لأن لا تضلوا؛ أي: تحيدوا، وتخرجوا عن جادة الحقّ، والصّواب. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: خبير بمصالح العباد في الحياة، والممات. فهو صيغة مبالغة. تنبيه: عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: مرضت، فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعوداني ماشيين، فأغمي عليّ، فتوضّأ النبيّ ﷺ ، ثمّ صبّ عليّ من وضوئه، فأفقت، فقلت: يا رسول الله! كيف أصنع في مالي؟ وفي بعضها قال الرّسول ﷺ : «يا جابر لا أراك ميّتا من وجعك هذا». وقد عاش جابر-﵁-بعد مرضه هذا طويلا، ويقال: إنّه آخر من مات من الصّحابة في المدينة المنورة. ويروى: أنّه توفي-﵁-عن أخوات. تنبيه: اشتملت السّورة الكريمة على ثلاث آيات في المواريث: الأولى برقم [١١] وقد تضمّنت بيان إرث الأصول، والفروع، والثانية برقم [١٢] وقد تضمّنت بيان إرث الزّوجين، والإخوة، والأخوات لأم، والثّالثة، وهي الخاتمة لهذه السّورة الكريمة، وقد تضمّنت بيان إرث الإخوة والأخوات الأشقّاء، أو من الأب فقط، وأمّا أولو الأرحام فمذكورون في آخر سورة (الأنفال). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والمتعلّق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: أنت. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يُفْتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به. ﴿فِي الْكَلالَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلِ اللهُ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنِ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿اِمْرُؤٌ:﴾ فاعل لفعل محذوف يفسّره المذكور بعده، وهذا مذهب سيبويه، والبصريّين، وقال الكوفيون: هو مبتدأ خبره الجملة الفعلية بعده، والمعتمد الأول. ﴿هَلَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اِمْرُؤٌ﴾ والجملة الفعلية مفسّرة، لا محلّ لها. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ تقدّم على اسمه. ﴿وَلَدٌ:﴾ اسم ليس مؤخر، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿اِمْرُؤٌ،﴾ وجوز اعتبارها حالا من فاعل: ﴿هَلَكَ﴾ المستتر، والرابط الضمير فقط. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر

стр. 1413

مقدم. ﴿أُخْتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لها): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نِصْفُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محل المفرد، و ﴿نِصْفُ﴾ مضاف. و ﴿ما﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿تَرَكَ:﴾ فعل ماض: والفاعل يعود إلى: ﴿اِمْرُؤٌ﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: لها نصف الذي، أو شيء تركه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: لها نصف تركته، والجملة الشرطية: ﴿إِنِ امْرُؤٌ..﴾. إلخ مفسرة للكلالة. وقيل: مستأنفة لا محلّ لها، والأوّل أقوى، وأولى. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ ﴿يَرِثُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: هو، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿أُخْتٌ﴾ أو من فاعل: ﴿تَرَكَ﴾ المستتر، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير. وقيل: مستأنفة. والأول أقوى، وأولى. ﴿إِنِ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وهو فعل الشرط. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره مقدّم. ﴿وَلَدٌ:﴾ اسمه مؤخر، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. والجملة المقدرة: «هلك امرؤ» مثلها، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: «فهو يرثها»، والجملة الشرطية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَتَا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث، وحرّكت بالفتح لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين الّتي هي اسمه. ﴿اِثْنَتَيْنِ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال... إلخ. ﴿فَلَهُمَا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لهما): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿الثُّلُثانِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنّه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، والجملة الشرطية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الثُّلُثانِ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية مثل سابقتها، وجملة: ﴿تَرَكَ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف... إلخ. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنِ﴾): حرف شرط جازم.

стр. 1414

﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿إِخْوَةً:﴾ خبر: ﴿كانُوا﴾. ﴿رِجالاً:﴾ بدل بعض من: ﴿إِخْوَةً﴾. ﴿وَنِساءً:﴾ معطوف عليه. ﴿فَلِلذَّكَرِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (للذكر): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مِثْلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿حَظِّ:﴾ مضاف إليه، و ﴿حَظِّ﴾ مضاف، و ﴿الْأُنْثَيَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، والجملة الشرطية: ﴿وَإِنْ كانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلهما. ﴿يُبَيِّنُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنِ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَضِلُّوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿إِنِ﴾) وعلامة نصبه حذف النون لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل من الفعل وناصبه فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه مفعول به للفعل قبله، التقدير: يبين الله لكم ضلالكم؛ أي: إذا تركتم وشأنكم. والثاني: أنّ المصدر المؤوّل في محل جر بإضافة مفعول لأجله محذوف، التقدير: مخافة، أو كراهة ضلالكم. وهذا عند البصريّين. والثالث: أنّ التقدير: لئلا تضلّوا، فحذفت اللام الجارة، و (لا) النافية من هذا عند الكوفيين، ويكون التقدير: يبين الله لكم الحقّ لعدم ضلالكم، أو مخافة ضلالكم، فيكون مفعول: ﴿يُبَيِّنُ﴾ على هذين الوجهين محذوفا. وقد بيّن ابن هشام-﵀-هذين الوجهين في كتابه: مغني اللبيب، وذكر قول عمرو بن كلثوم التّغلبي في معلقته-وهو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر] نزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا وجملة: ﴿يُبَيِّنُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ بعده، و (كل) مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. انتهت سورة النّساء شرحا، وإعرابا بحمد الله تعالى، وتوفيقه، وصلّى الله على سيّدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلّم.

стр. 1415

سورة المائدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة المائدة هي مدنية إلاّ قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية رقم [٣]، فإنّها نزلت بعرفة في حجّة الوداع يوم عرفة والنبيّ ﷺ واقف بها، فقرأها في خطبته، وقال: «يا أيها الناس إنّ سورة (المائدة) من آخر القرآن نزولا، فأحلّوا حلالها، وحرّموا حرامها». وإنّما خصّ النبي ﷺ هذه السورة من بين سور القرآن بالذكر-وكل سور القرآن يجب أن يحل المسلم حلالها، ويحرم حرامها-لزيادة الاعتناء بها، فهو كقوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٦]: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ..﴾. إلخ حيث أكد اجتناب الظلم في أربعة منها، وإن كان الظلم لا يجوز في شيء من جميع أشهر السنة؛ لزيادة الاعتناء بها. وقيل: إنّما خص النبي ﷺ هذه السورة بالذّكر؛ لأنّ فيها ثمانية عشر حكما لم تنزل في غيرها من سور القرآن. قال البغويّ: روي عن ميسرة؛ قال: إنّ الله تعالى أنزل في هذه السورة ثماني عشر حكما لم ينزلها في غيرها، وهي: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ﴾ ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ،﴾ ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ،﴾ ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ،﴾ وتمام الطّهور في قوله تعالى: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ... ،﴾ ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ،﴾ ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ،﴾ وقوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. وفريضة تاسعة عشرة، وهي قوله : ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السّورة، أمّا ما في سورة الجمعة فمخصوص بالجمعة، وهو في هذه السّورة عام لجميع الصلوات. هذا؛ وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵄-قال: أنزلت على رسول الله ﷺ سورة (المائدة) وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها، أي: لثقل الوحي الذي ينزل على رسول الله ﷺ . وسمّيت سورة (المائدة) لورود ذكر المائدة فيها، حيث طلب الحواريّون من عيسى-﵇-آية تدلّ على صدق نبوّته، وتكون لهم عيدا.

стр. 1416

وقصة المائدة أعجب ما ذكر فيها؛ لاشتمالها على آيات كثيرة، ولطف عظيم من الله تعالى. وهي مائة وعشرون آية. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة، أي: يا من صدّقتم الله، ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان. وقد خاطب الله عباده المؤمنين في هذه السّورة بالنّداء الدّالّ على الإقبال عليهم، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكّرهم بأنّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر الله ونواهيه بحسن الطّاعة، والامتثال. وإنّما خصّهم الله بالنّداء؛ لأنّهم هم المستجيبون لأمره، المنتهون عمّا نهى الله عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي. ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يقال: وفى، وأوفى لغتان، قال تعالى في سورة (التّوبة): ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ،﴾ وقال في سورة (النّجم): ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ وقال طفيل الغنوي: [البسيط] أمّا ابن طوق فقد أوفى بذمّته... كما وفى بقلاص النّجم حاديها فجمع بين اللّغتين، وقلاص النّجم: هي العشرون نجما الّتي ساقها الدّبران في خطبته الثّريا. كما تزعم العرب. والعقود: جمع عقد، يقال: عقدت العهد، والحبل، فهو يستعمل في المعاني، والأجسام. قال الحطيئة في مدح بغيض بن عامر بن شمّاس: [البسيط] قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم... شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا والمراد ب: (العقود) ما يعم جميع ما ألزم الله به عباده، وفرضه عليهم من التكاليف، والأحكام الدينية، وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات، والمعاملات، ونحوها ممّا يجب الوفاء به، ويحسن دينا. وما في هذه السورة الكريمة من أحكام يبين ذلك، ويوضحه. قال الحسن-رحمه الله تعالى-: يعني بذلك عقود الدّين، وهي ما عقده المرء على نفسه من بيع، وشراء، وإجارة، وكراء، ومناكحة، وطلاق، وموادعة، ومصالحة، وتمليك، وتخيير، وغير ذلك من الأمور ممّا كان غير خارج عن الشّريعة، وكذلك ما عقده الشّخص لله على نفسه من الطّاعات كالحجّ، والصّيام... إلخ. ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾ أي: أكل لحمها، والانتفاع بصوفها، وشعرها، ودرّها، ونسلها، وجميع أجزائها. والبهيمة: كلّ حيّ لا يميّز، ولا يعقل، وإضافتها إلى الأنعام للبيان، كقولك: ثوب خز، وخاتم فضة، ونحو ذلك.

стр. 1417

والمراد ب: ﴿الْأَنْعامِ﴾ الأزواج الثمانية المذكورة في سورة (الأنعام) وهي: الإبل، والبقر، والغنم، والماعز، ويلحق بها الظباء، وبقر الوحش، وما يماثلها في الاجترار، وعدم الأنياب دون ذوات الحافر. ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ:﴾ إلا ما يقرأ عليكم تحريمه، أي: في الآية التالية، ونحوها، وفي السنة أيضا قول الرّسول ﷺ : «كلّ ذي ناب من السّباع، فأكله حرام». قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وهذه الآية ممّا تلوح فصاحتها، وكثرة معانيها على قلّة ألفاظها لكلّ ذي بصيرة بالكلام، فإنّها تضمّنت خمسة أحكام: الأول: الأمر بالوفاء بالعقود. الثاني: تحليل بهيمة الأنعام. الثالث: استثناء ما يلي بعد ذلك. الرّابع: استثناء حال الإحرام فيما يصاد. الخامس: ما تقتضيه الآية من إباحة الصّيد لمن ليس بمحرم. وحكى النقاش: أنّ أصحاب الكندي قالوا له: أيّها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن. فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياما كثيرة ثمّ خرج، فقال: والله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، إنّي فتحت المصحف، فخرجت سورة المائدة، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلّل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثمّ أخبر عن قدرته، وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد. انتهى. تنبيه: فسر ابن عباس-﵄-بهيمة الأنعام بالجنين، والأجنّة التي توجد ميتة في بطون أمهاتها؛ إذا ذبحت، أو نحرت، ذهب أكثر العلماء في تحليلها، وهو مذهب الشّافعي، ويدلّ عليه ما روي عن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبيّ ﷺ : أنّه قال في الجنين: «ذكاته ذكاة أمّه». أخرجه الترمذيّ، وابن ماجة. وفي رواية أبي داود؛ قال: قلنا: يا رسول الله! ننحر الناقة، ونذبح البقرة، والشاة، ونجد في بطنها الجنين، أنلقيه، أم نأكله؟ قال: «كلوه إن شئتم، فإنّ ذكاته ذكاة أمّه». وشرط بعضهم الإشعار، وتمام الخلق، قال ابن عمر-﵄: ذكاة ما في بطنها ذكاتها؛ إذا تمّ خلقه، ونبت شعره. ومثله عن سعيد بن المسيّب-رحمه الله تعالى-وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يحل أكل الجنين؛ إذا خرج بعد ذكاة الأم ميتا. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ المعنى: أحل لكم ما تقدّم ذكره ما عدا صيد الوحوش في حال إحرامكم بحجّ، أو عمرة، أو في حال وجودكم بأرض الحرم فإنّ الصيد في هاتين الحالتين محرّم عليكم. ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ يعني: أنّ الله يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما أراد تحليله، وتحريم ما أراد تحريمه، وفرض ما يشاء أن يفرضه عليكم من أحكامه، وفرائضه ممّا فيه مصلحة لعباده، لا اعتراض عليه، ولا معقّب لحكمه. الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (أيّها): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا). و (ها): حرف تنبيه لا محلّ له من الإعراب، وأقحم

стр. 1418

للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من (أيّ) وانظر الآية رقم [١٣٣] من سورة (النساء)؛ إن أردت الزيادة. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَوْفُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالْعُقُودِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة النّدائية قبلها. ﴿أُحِلَّتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بَهِيمَةُ:﴾ نائب فاعله، وهو مضاف. و ﴿الْأَنْعامِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء من: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾. وهذا عند البصريين. وقال الفرّاء: في محل رفع على البدلية من: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾. ﴿يُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذّر، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، وأصل الكلام: إلا ما يتلى عليكم تحريمه، أو آية تحريمه، فحذف المضاف الذي هو: آية، وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم حذف المضاف ثانيا، وأقيم الضمير المجرور مقامه، فانقلب الضمير المجرور مرفوعا، واستتر في: ﴿يُتْلى،﴾ وعاد على ﴿ما﴾. وقدّره الزمخشري في الكشّاف: إلا محرم ما يتلى عليكم. انتهى. جمل. والأول أقوى. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿يُتْلى،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من الكاف، وقيل: حال من واو الجماعة في: ﴿أَوْفُوا﴾ قاله مكي، وغيره، و ﴿غَيْرَ:﴾ مضاف، و ﴿مُحِلِّي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و (محلّي) مضاف، و ﴿الصَّيْدِ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿حُرُمٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿مُحِلِّي﴾ والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿ما:﴾ موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يحكم الذي، أو: شيئا يريده، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية، لا محلّ لها من الإعراب.

стр. 1419

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية السابقة. ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ جمع: شعيرة، أي: لا تتعدوا حدود الله في أمر من الأمور. هذا؛ وقال عطاء بن أبي رباح: ﴿شَعائِرَ اللهِ:﴾ جميع ما أمر الله به، ونهى عنه. وقال الحسن: دين الله كلّه، كقوله تعالى في سورة (الحج): ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ والمراد هنا: مناسك الحج، من وقوف بعرفات، ومبيت بمزدلفة، ورمي للجمار، وسعي، وطواف، وحلق، وغير ذلك. والمراد: النّهي عن هتك حرمة هذه المناسك بفعل شيء مخلّ فيها، والحث على أدائها على الوجه الأكمل. وفي الكلام استعارة؛ حيث استعار الشّعيرة، وهي: العلامة للمتعبّدات؛ التي تعبّد الله بها العباد من الحلال، والحرام. ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ:﴾ الشهر فيه لأهل اللغة قولان: أشهرهما: أنّه اسم لمدّة الزمان الذي يكون مبدؤها الهلال ظاهرا إلى أن يستتر، سمّي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه في العبادات، والمعاملات، وغيرهما. والثاني قاله الزجاج: أنّه اسم للهلال نفسه. ويجمع على أشهر، وشهور. و ﴿الْحَرامَ:﴾ المحرّم. والأشهر المحرّمة أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، وشهر رجب. قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٦]: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقال الرسول الأعظم ﷺ في حجّة الوداع: «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق السّماوات والأرض، السّنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب مضر الّذي بين جمادى، وشعبان» سمّيت حرما لتحريم القتال فيها، وكان القتال محرّما في هذه الأشهر في بدء الإسلام، ثم نسخ هذا التحريم بقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٢٣]: ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ،﴾ والمعنى: الشهر الحرام مقابل بمثله، أي: فكما قاتلوكم فيه؛ فاقتلوهم في مثله. هذا؛ والحرام في الأصل: كلّ ممنوع. وقولهم: لفلان بي حرمة، أي: ممتنع من مكروهه. وحرمة الرجل محظورة به عن غيره، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم هو: الممنوع من المال، والتلذّذ به. والإحرام بالحج هو: المنع من أمور معروفة. والبيت

стр. 1420

الحرام: الكعبة المعظمة، ويلحق بها جميع الحرم؛ لما صحّ من حديث ابن عباس-﵄: أنّ النبي ﷺ خطب يوم فتح مكّة، فقال: «إنّ هذا البلد حرام حرّمه الله تعالى يوم خلق السّماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفّر صيده، ولا تلتقط لقطته إلاّ لمن عرّفها، ولا يختلى خلاه». والحلال: ضد الحرام. ﴿وَلا الْهَدْيَ:﴾ هو ما أهدي إلى الحرم من النّعم ليذبح فيه، ويأكله الفقراء، والمساكين. والمراد: النّهي عن التعرّض له بسوء. ﴿وَلا الْقَلائِدَ:﴾ هو كل ما علق على أسنمة الهدايا، وأعناقها علامة: أنّه لله سبحانه: من نعل، أو قشر شجر، وهي سنّة إبراهيميّة بقيت في الجاهلية، وأقرّها الإسلام، وعطفها على الهدي من ذكر الخاصّ بعد العام، فإنّها أشرف الهدي، وأعظمه، قال الشاعر: حلفت بربّ مكّة والمصلّى... وأعناق هدين مقلّدات والمعنى: ولا تستحلّوا الهدي خصوصا المقلّدات منها. وقيل: أراد أصحاب القلائد، وذلك: أن العرب في الجاهلية كانوا إذا أرادوا الخروج من الحرم؛ قلّدوا أنفسهم، وإبلهم من لحاء شجر الحرم إذا رجعوا من مكّة؛ ليأمنوا على أنفسهم من العدو، فإنّهم كانوا إذا رأوا شخصا جعل في عنقه تلك القلادة عرفوا: أنّه راجع من الحرم، فلا يتعرضون له. فعلى هذا فالعطف للمغايرة. ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ أي: ولا تستحلوا القاصدين إلى البيت الحرام، وهو الكعبة المعظمة شرفها الله، وعظمها. ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً:﴾ يطلبون من الله الرزق، والأرباح في التجارة، ويطلبون رضا الله عنهم بزعمهم؛ لأنّ الكافر لا حظّ له في الرضوان، لكن يظن: أن فعله ذلك طلب الرضوان، فيجوز أن يوصف به بناء على ظنّه. ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا:﴾ أمر إباحة، أي: إن حللتم من إحرامكم؛ فاصطادوا الوحوش الّتي يحلّ أكلها؛ لأنّ الله تعالى حرّم الصيد على المحرم حالة إحرامه، أو كان في أرض الحرم، كما تقدم. ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي: لا يحملنكم: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ:﴾ بغض قوم، وعداوتهم. ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي: منعوكم عن المسجد الحرام، وهذا كان من قريش عام الحديبية. ﴿أَنْ تَعْتَدُوا:﴾ عليهم انتقاما منهم بأخذ أموالهم، وقتلهم. هذا؛ وقرئ بفتح الهمزة، وكسرها، فالفتح على التعليل. والكسر، فمعناه: إن وقع صدّ لكم؛ فلا يكسبنكم بغض من صدّكم أن تعتدوا، فالصدّ منتظر، ومنه قول الفرزدق-وهو الشاهد رقم [٢٩] من كتابنا فتح القريب المجيب يروى بفتح همزة: «أن»، وكسرها، وخذه: [الطويل] أتغضب أن أذنا قتيبة حزّتا... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم؟

стр. 1421

﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾ أي: ليعن بعضكم بعضا على ما يكسب البرّ، والتقوى. قال ابن عبّاس-﵄: البر: متابعة السّنّة. ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ أي: لا يعن بعضكم بعضا على الإثم، وهو الكفر، والعدوان، وهو الظلم، فيأمر الله عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات على جميع أنواعها، وهو البرّ. وترك المنكرات، والمعاصي جميعها، وهو التّقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل، والتعاون على المأثم، والمحارم. هذا؛ وفي الجملتين من المحسّنات البديعية: المقابلة. وعن النواس بن سمعان-﵄-قال: سألت رسول الله ﷺ عن البرّ، والإثم، فقال: «البرّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطّلع عليه النّاس». أخرجه مسلم. هذا؛ وفسر الإثم في الآية رقم [٣٢] من سورة (الأعراف) بالخمر، واستدلّ عليه بقول بعض الجاهليين: [الوافر] شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ خافوا الله، واحذروا أن تهملوا ما أمركم به، أو تعتدوا، وتجاوزوا إلى ما نهاكم عنه: ﴿إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ:﴾ لمن خالف أوامره، وتعدّى حدوده. ففيه وعيد، وتهديد عظيمين. تنبيه: نزلت الآية الكريمة في الحطم، واسمه: شريح بن هند بن ضبعة البكري، أتى المدينة وحده، وخلف خيله خارج المدينة، ودخل على النبيّ، فقال: إلام تدعو الناس؟ فقال: «إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة». فقال: حسن إلا أنّ لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم، ولعلّي أسلم، وآتي بهم! فخرج من عنده، وقد كان رسول الله ﷺ قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلّم بلسان شيطان، فلمّا خرج شريح؛ قال النبيّ ﷺ : «لقد دخل بوجه كافر، وخرج بقفا غادر، وما الرّجل بمسلم». فمر بسرح من سرح المسلمين، فاستاقها؛ وهو يرتجز ويقول: [الرجز] قد لفّها اللّيل بسوّاق حطم... ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزّاز على ظهر وضم... باتوا نياما وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزّلم... خدلّج السّاقين خفّاق القدم فطلبه المسلمون، فلم يدركوه، فلمّا كان العام القابل، وخرج الرّسول ﷺ لعمرة القضية فسمع تلبية حجّاج اليمامة، فقال: هذا الحطم، وأصحابه، وكان قد قلّد ما نهب من سرح المدينة، وأهداه إلى مكّة، فتوجّهوا في طلبه، فنزلت الآية الكريمة، والمعنى: لا تحلّوا ما أشعر لله، وإن كانوا مشركين. ولكن قد نسخ هذا الحكم بسورة (التوبة) وبالآيات التي تأمر بقتال المشركين أينما كانوا. والله أعلم بمراده.

стр. 1422

الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية معطوفة على سابقتها. ﴿الشَّهْرَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، دلّ عليه ما قبله، فهو مجزوم مثله؛ إذ التقدير: ولا تحلو الشّهر. ﴿الْحَرامَ:﴾ صفته. ﴿وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ:﴾ مثل سابقه في التقدير. ﴿آمِّينَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف كالذي قبله، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وفاعله ضمير مستتر فيه. والأصل: ولا تحلّوا قتال آمّين: فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿الْبَيْتَ:﴾ مفعول به ل ﴿آمِّينَ﴾. ﴿الْحَرامَ:﴾ صفته. ﴿يَبْتَغُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿فَضْلاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان ب ﴿فَضْلاً؛﴾ لأنّه مصدر، أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرِضْواناً:﴾ معطوف على: ﴿فَضْلاً﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿آمِّينَ،﴾ وقول مكي: صفة ل: ﴿آمِّينَ﴾ صححه ابن هشام في المغني، وهو وصف بعد العمل خلافا لأبي البقاء. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿حَلَلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿فَاصْطادُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (اصطادوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف للعلم به، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محلّ لها. (وإذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله، والاستئناف ممكن. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محلّ جزم ب (لا) الناهية، والكاف مفعول به. ﴿شَنَآنُ:﴾ فاعله، وهو مضاف. و ﴿قَوْمٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿صَدُّوكُمْ:﴾ فعل ماض وفاعله ومفعوله، والفعل الماضي في محل نصب ب ﴿أَنْ،﴾ وهما في تأويل مصدر في محل نصب مفعول لأجله، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لصدّهم إيّاكم. والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وانظر الشرح. ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ:﴾ معلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْحَرامَ:﴾ صفة: ﴿الْمَسْجِدِ﴾. ﴿أَنْ تَعْتَدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (أن) وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل منهما في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: لا يجرمنّكم شنآن قوم الاعتداء عليهم. ﴿وَتَعاوَنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلَى الْبِرِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالتَّقْوى:﴾ معطوف على ما قبله

стр. 1423

مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا، وأصل الفعل: لا تتعاونوا، فحذفت تاء المضارعة. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿شَدِيدُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و ﴿الْعِقابِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ الأصل: شديد عقابه، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محلّ لها. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ الشرح: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ:﴾ انظر الآية رقم [١٧٣] من سورة (البقرة) ففيها الكفاية؛ حيث تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. (المنخنقة): هي الدّابة الّتي ماتت خنقا بسبب حبل في رقبتها، أو حبس الهواء عنها، ونحو ذلك. (الموقوذة): هي الدابّة الّتي تموت بضرب حجر، أو عصا، ونحو ذلك. ولا يلتفت لقول من يقول: إنّها المريضة، ويسمّونها المنقوذة. (المتردية): هي التي وقعت من مكان عال في بئر، أو غيره، فماتت. (النطيحة): هي التي نطحتها دابة أخرى، فماتت، وهي اسم مفعول بمعنى منطوحة، ويخطئ من يفسرها ب: منكوحة، وهو يريد الأنثى من البقر، والغنم، والماعز، فلذا يحرّم أكل لحم الأنثى ممّا ذكر، مع أنّ كتب اللغة لا توافق على تفسيرها بما ذكر، والقرآن عربيّ. وإنّما لم تحذف التاء من الأسماء المذكورة مع أنّها بمعنى المفعول؛ لأنّها صفات لموصوف محذوف، وهو الشّاة، كأنّه تعالى قال: حرمت عليكم الشّاة المنخنقة... إلخ. ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ:﴾ قال قتادة-رحمه الله تعالى-: كان أهل الجاهلية إذا جرح السّبع شيئا، فقتله، أو أكل منه؛ أكلوا ما بقي منه، فحرّمه الله تعالى. و ﴿السَّبُعُ﴾ يقع على كل حيوان له ناب، ويعدو على النّاس، والدّواب، فيغرس بنابه، كالأسد، والذئب، والنّمر، والفهد، ونحوه. وفي الآية محذوف، تقديره: وما أكل السبع منه؛ لأنّ ما أكله السّبع؛ فقد فقد، فلا حكم له. ومعنى ﴿إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ:﴾ إلا ما أدركتموه؛ وقد بقيت فيه حياة مستقرّة من هذه الأشياء المذكورة جميعها، وهذا قول عليّ، وابن عباس، والحسن، وقتادة-﵃ أجمعين-،

стр. 1424

قال ابن عباس-﵄: يقول الله تعالى: ما أدركتم من هذا كلّه؛ وفيه روح؛ فاذبحوه، فهو حلال. وأمّا كيفية إدراكها؛ فقال أكثر أهل العلم من المفسّرين: إن أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف، أو ذنب يتحرّك. فأكله جائز. قال ابن عباس-﵄: إذا طرفت بعينها، أو ركضت برجلها، أو تحركت؛ فاذبح فهو حلال. واختار الزجّاج وابن الأنباري: أنّ معنى التّذكية: أن تلحقها، وفيها بقيّة تشخب معها الأوداج، ويضطرب المذبوح لوجود الحياة فيه قبل ذلك؛ وإلا؛ فهو كالميتة. وأصل (الذكاة) في اللّغة: تمام الشيء. فالمراد من التّذكية تمام قطع الأوداج، وإنهار الدم. ويدل عليه ما روي عن رافع بن خديج عن النّبي ﷺ قال: «ما أنهر الدّم، وذكر اسم الله عليه؛ فكلوه، ليس السنّ الظّفر، وسأحدّثكم عن ذلك، أمّا السّنّ؛ فعظم، وأمّا الظّفر؛ فمدى الحبشة». أخرجاه في الصّحيحين. هذا وأقل الذّبح في الحيوان المقدور عليه قطع المريء، والحلقوم. وأكمله قطع الودجين مع ذلك. وغير المقدور عليه كحيوان وقع في بئر، أو شرد؛ فجرحه في أيّ جزء منه يحلّه، والله الموفّق. ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ:﴾ واحد النصاب، وهي: أحجار كانت منصوبة حول الكعبة، أو في مكان آخر يذبحون عليها، ويعدّون ذلك قربة. وقيل: هي الأصنام التي كانوا يعبدونها، فتكون: ﴿عَلَى﴾ بمعنى اللام، ويكون المراد تعظيمها بهذا الذّبح، لا المانع ذكر اسمها، فإن ما يذكر اسم الله عليها قد تقدّم بقوله تعالى: ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ:﴾ قال الأعشى من قصيدته الّتي مدح بها النّبي ﷺ : [الطويل] وذا النّصب المنصوب، لا تنسكنّه... لعافية والله ربّك فاعبدا ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ:﴾ تطلبوا القسم، والحكم بالأزلام، وهذا من المحرّمات. و (الأزلام): جمع: زلم بوزن جمل، أو صرد لغتان: قدح-بكسر القاف-سهم صغير لا ريش له، ولا نصل، وكانت سبعة مستوية، مكتوب على واحد: أمرني ربي، وعلى واحد: نهاني ربي، وعلى واحد: منكم، وعلى واحد: من غيركم، وعلى واحد: ملصق، وعلى واحد: العقل، وواحد غفل، أي: غير مكتوب عليه شيء. وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا سفرا، أو تجارة، أو نكاحا، أو اختلفوا في نسب، أو أمر قتيل، أو تحمل عقل، أو غير ذلك من الأمور العظام؛ جاءوا إلى هبل، وكان أعظم صنم لقريش بمكة، وكان في الكعبة، وجاءوا بمائة درهم، وأعطوها صاحب القداح؛ حتى يجيلها لهم، فإن خرج: أمرني ربي؛ فعلوا ذلك الأمر، وإن خرج: نهاني ربي؛ لم يفعلوا. وإذا أجالوا على نسب، فإن خرج: منكم؛ كان وسطا فيهم، وإن خرج: من غيركم؛ كان حليفا فيهم، وإن خرج: ملصق؛ كان على حاله. وإن اختلفوا في العقل، وهو الدّية، فمن خرج عليه قدح العقل؛ تحمّله، وإن خرج الغفل؛ أجالوا ثانيا؛ حتّى يخرج المكتوب عليه. فنهاهم الله عن ذلك، وحرّمه، وسمّاه: فسقا. انتهى. خازن.

стр. 1425

وقيل: هو استقسام الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة، وهو نوع من القمار، فقد كانوا يتآمرون على ناقة تذبح، فيقطعونها ثمانية وعشرين قطعة، ويأتون بعشرة أقداح، اسم الأول: الفذ، يربح قطعة واحدة، والثاني: التوأم، يربح قطعتين، والثالث: الرقيب، يربح ثلاثا، والرابع: الحلس، يربح أربعا، والخامس: النافس، يربح خمسا، والسادس: المسبل، يربح ستّا، والسّابع: المعلّى، يربح سبعا، والثّامن: السّفيح، والتاسع: الوغد، والعاشر: المنيح، وهذه الأقداح الثلاثة خاسرة لا نصيب لها من الرّبح. يجعلون هذه الأقداح العشرة في خريطة، ويسلمونها إلى رجل مشهور بالأمانة بعيد عن التلاعب، فيخضّها، ثمّ يخرج منها قدحا باسم أحد المتقامرين، ثمّ يخضها ثانية، ويخرج منها قدحا باسم غيره، وهكذا حتى تنتهي القداح العشرة، فمن خرج باسمه الفذ؛ فله سهم واحد، ومن خرج باسمه التوأم؛ فله سهمان إلى أن تنتهي الأسهم الرابحة، أمّا القداح الثلاثة تتمة العشرة؛ فلا تربح شيئا، وأصحاب هذه القداح يدفعون ثمن المقامر عليه مع الرّابحين بالتّساوي طيبة بها نفوسهم مفتخرين. وكان الرّابحون لا يأخذون شيئا ممّا ربحوه، بل يتبرعون بجميعه إلى الفقراء والمحتاجين، ويكتفون بمدح الناس، وثنائهم عليهم. قال عنترة في معلّقته رقم [٥٤] في وصف من قتله: [الكامل] ربذ يداه بالقداح إذا شتا... هتّاك غايات التّجار ملوّم وقال لبيد-﵁-في معلقته رقم [٧٣ و ٧٤]: [الكامل] وجزور أيسار دعوت لحتفها... بمغالق متشابه أجسامها أدعو بهنّ لعاقر، أو مطفل... بذلت لجيران الجميع لحامها ﴿ذلِكُمْ فِسْقٌ﴾ أي: ما ذكر من هذه المحرمات في هذه الآية؛ لأنّ المعنى: حرّم عليكم تناول كذا، وكذا؛ فإنه فسق، والفسق: ما يخرج من الحلال إلى الحرام. وقيل: إنّ الإشارة عائدة على الاستقسام بالأزلام، والأول أصحّ. ﴿الْيَوْمَ:﴾ لم يرد به يوما بعينه، وإنّما أراد الزمن الحاضر، وما يتّصل به من الأزمنة. وإنّما المعنى: الآن يئس الذين كفروا من دينكم، فهو كما تقول: اليوم قد كبرت، تريد الآن قد كبرت، ولم تقصد به اليوم، قال النّمر بن تولب الصحابي ﵁ وهو الشاهد رقم [٢٠٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الخفيف] ربّ أمر يسوء ثمّ يسرّ... وكذاك الزّمان حلو ومرّ وقيل أراد به: يوم نزولها، وقد نزلت على الرّسول ﷺ ، وهو واقف بعرفة بعد عصر الجمعة، وذلك في حجّة الوداع سنة عشر من الهجرة. ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ أي: يئسوا أن ترجعوا عن دينكم إلى دينهم كفارا، وذلك: أنّ الكفار كانوا يطمعون في أن يعود المسلمون إلى دينهم، فلمّا قوي الإسلام؛ أيسوا من ذلك، وكان ذلك هو اليوم الذي دخل فيه رسول الله

стр. 1426

صلّى الله عليه وسلّم مكّة عام حجّة الوداع أو هو اليوم الذي فتح فيه رسول الله ﷺ مكّة. هذا؛ و ﴿يَئِسَ﴾ ضد طمع بمعنى: قطع أمله، وقد يأتي بمعنى علم، وهي لغة النخع، وقيل: هي لغة هوازن، وإنّما استعمل اليأس بمعنى العلم؛ لأنّه سبب عن العلم بأن الميئوس منه لا يكون، وبه فسر قوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٣١]: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً﴾ واستدلوا لهذه اللغة بقول سحيم بن وثيل اليربوعي، وقال القرطبي في غير هذا الموضع: هو لمالك بن عوف النّصري: [الطويل] أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني... ألم تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم؟ وزهدم: اسم فرس سحيم. وقال رباح بن عدي: [الطويل] ألم ييئس الأقوام أنّي أنا ابنه... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ الخشية: خوف يشعر بتعظيم، ومهابة المخوف منه، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه. هذا؛ والماضي: خشي، والمصدر: خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذلك، أي: أشد خوفا منه. هذا؛ وقد يأتي «خشي» بمعنى «علم» القلبية، قال الشاعر المسلم: ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد قالوا: معناه: علمت، وقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٨٠]: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بالنصر، والإظهار على الأديان كلّها، أو بتوضيح قواعد العقائد، وشرح أصول الشرائع، وتبيين قواعد الاجتهاد، وتتميم الفرائض، وذلك: أنّ النبي ﷺ حين كان بمكة لم تكن إلا فريضة الصلاة وحدها، فلمّا هاجر إلى المدينة المنورة؛ أنزل الله الآيات التي تبيّن الحلال، والحرام إلى أن حجّ، فلمّا حجّ، وكمل الدّين؛ نزلت هذه الآية على الرسول ﷺ في يوم الجمعة بعد عصر يوم عرفة، وهو واقف بعرفات على ناقته العضباء، فكادت عضد الناقة تندق من ثقل الوحي فبركت، وكان ذلك في حجّة الوداع سنة عشر من الهجرة، والرسول ﷺ لم يحجّ بعد النبوّة غير هذه الحجّة، وسمّيت حجّة الوداع لشرحه ﷺ أمور الدّين، وتبيين ما يلزم المسلمين في دينهم، ودنياهم، وكثرة وصاياهم بالتقوى-﵃-وحثهم على أعمال البرّ، والخير؛ حتّى قالوا: كأنّها وصية مودّع. روى الأئمة عن طارق بن شهاب-﵁-قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر-﵁-فقال له: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرءونها لو علينا أنزلت معشر اليهود؛ لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال-﵁: وأيّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ فقال الفاروق-﵁: إنّي لأعلم

стр. 1427

اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت على الرسول ﷺ بعرفات في يوم الجمعة، وقد اتخذنا يوم نزولها عيدا. متّفق عليه. وقد روي: أنّ الحجّ بعد ذلك إذا صادف الوقوف بعرفات يوم الجمعة كانت الحجة بسبعين حجّة، وتسمّى: الحج الأكبر. هذا؛ وقال ابن عباس-﵄: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد: يوم جمعة، ويوم عرفة، وعيد لليهود، وعيد للنّصارى، وعيد للمجوس، ولم تجمع أعياد لأهل الملل في يوم واحد قبله، ولا بعده، وروي: أنّه لما نزلت هذه الآية بكى عمر-﵁-فقال له النبي ﷺ : «ما يبكيك يا عمر؟!» فقال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذ كمل فإنّه لم يكمل إلا نقص، فقال له النبي ﷺ : «صدقت» فكانت هذه الآية نعي رسول الله ﷺ عاش بعدها أحدا وثمانين يوما، ولم ينزل بعدها آية حلال أو حرام، وإن نزل بعدها آية موعظة، وهي قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨١]: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ وعاش بعد هذه الآية أحدا وعشرين يوما. ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ يعني: بإكمال الدّين، والشّرائع، والأحكام، كما وعدتكم؛ إذ قلت: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فكان من تمام النّعمة أن دخلوا مكّة آمنين، وحجّوا مطمئنين، لم يخالطهم أحد من المشركين. ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ أي: اخترت لكم الإسلام دينا من الأديان. ﴿الْإِسْلامَ﴾ في هذه الآية هو الذي في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٩]: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ وقال جلّ ذكره في الآية [٨٥] منها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وخذ ما يلي: عن جابر بن عبد الله-﵄، عن رسول الله ﷺ ، عن جبريل، ﵇، عن الله تعالى؛ قال: «إنّ هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصالح له إلاّ السّخاء، وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه». رواه البغوي، والطبراني في الأوسط. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ:﴾ ألجأته الضرورة إلى تناول شيء من المحرّمات في مجاعة. ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ غير مائل منحرف لمعصية بأن يأكلها تلذذا، أو متجاوزا حدّ الحاجة، والرّخصة. وانظر: ﴿غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ﴾ في الآية رقم [١٧٣] من سورة (البقرة) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. هذا؛ و (المخمصة): الجوع، وخلاء البطن من الطّعام، والخمص: ضمور البطن، ورجل خميص، وخمصان، وامرأة خميصة، وخمصانة، ومنه: أخمص القدم، ويستعمل كثيرا في الجوع، ومثله الغرث، قال الأعشى: [الطويل] تبيتون في المشتى ملاء بطونكم... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا أي: منطويات على الجوع، قد أضمر بطونهنّ. وقال النّابغة في خمص البطن من جهة ضمره: [الكامل]

стр. 1428

والبطن ذو عكن خميص ليّن... والنّحر تنفجه بثدي مقعد وعن عمر-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أنّكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله؛ لرزقكم كما يرزق الطّير، تغدو خماصا، وتروح بطانا». أخرجه الترمذي. الإعراب: ﴿حُرِّمَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محلّ له. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار، ومجرور متعلقان به. ﴿الْمَيْتَةُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَالدَّمُ وَلَحْمُ﴾ معطوفان على: ﴿الْمَيْتَةُ،﴾ و ﴿وَلَحْمُ:﴾ مضاف، و ﴿الْخِنْزِيرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَما﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع معطوفة على: ﴿الْمَيْتَةُ﴾. ﴿أُهِلَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا بالباء، وهو ضعيف، (غير) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿أُهِلَّ﴾. وهما في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضّمير المجرور محلاّ بالباء: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على: ﴿الْمَيْتَةُ﴾ أيضا. (ما): مثل سابقتها. ﴿أَكَلَ السَّبُعُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: والذي، أو: شيء أكله السّبع. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ تحتمل ما ذكرته فيما قبلها، فهي مبنية على السّكون في محل رفع معطوفة على: ﴿الْمَيْتَةُ﴾. ﴿ذُبِحَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿عَلَى النُّصُبِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَأَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مصدري ونصب. ﴿تَسْتَقْسِمُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل من الفعل وناصبه في محل رفع معطوف على: ﴿الْمَيْتَةُ..﴾. إلخ. ﴿بِالْأَزْلامِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿فِسْقٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بالفعل بعده. ﴿يَئِسَ﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ دِينِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَئِسَ﴾ والكاف في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة. وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. (لا): ناهية

стр. 1429

جازمة. ﴿تَخْشَوْهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط مقدّر ب: «إذا» التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛ فلا تخشوهم. والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثله. ﴿وَاخْشَوْنِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لأنّ مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿أَكْمَلْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿دِينِكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَأَتْمَمْتُ..﴾. إلخ معطوفة عليها لا محلّ لها مثلها. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نِعْمَتِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَرَضِيتُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿دِيناً:﴾ مفعول به ثان لرضيت على اعتباره بمعنى جعلت، وصيرت، وقيل: تمييز. وقيل: حال، والأول هو أقوى. ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اُضْطُرَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو. ﴿فِي مَخْمَصَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من نائب الفاعل، وهو مضاف، و ﴿مُتَجانِفٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿لِإِثْمٍ:﴾ متعلقان ب ﴿مُتَجانِفٍ﴾ وجواب الشرط محذوف، التقدير: فلا إثم عليه، والجملة الاسمية المقدرة في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجّح عند المعاصرين، هذا؛ وإن اعتبرت (من) موصولة؛ فتكون مبتدأ، وجملة: ﴿اُضْطُرَّ..﴾. إلخ صلتها، وخبرها الجملة الاسمية المقدّرة، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي مفرّعة عمّا قبلها، ومستأنفة لا محلّ لها، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مفيدة للتعليل لا محلّ لها. هذا، وكلام القرطبي يشير إلى أنّ هذه الجملة هي الجواب للشرط؛ لذا قدّر: فإنّ الله له غفور رحيم، قال: فحذف الضمير، وأنشد سيبويه قول أبي النّجم العجلي-وهو الشاهد رقم [٣٦٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز] قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع

стр. 1430

﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاُذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤)﴾ الشرح: ﴿يَسْئَلُونَكَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢١٨] من سورة (البقرة) فالبحث فيها جيد. والخطاب للنبي ﷺ والسائل هم المؤمنون، فإنّ الله- -لمّا بين المحرّم عليهم؛ سألوه عن الحلال لهم. والحلال ضدّ الحرام، وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية بسبب عديّ بن حاتم، وزيد بن مهلهل، وهو زيد الخيل الّذي سمّاه رسول الله ﷺ زيد الخير، قالا: يا رسول الله! إنّا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإنّ الكلاب تأخذ البقر، والحمر، والظباء، فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما تقتله، فلا ندرك ذكاته، وقد حرّم الله الميتة، فماذا يحلّ لنا؟ فنزلت الآية الكريمة. انتهى. ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ:﴾ المستلذّات، وكلّ ما تستطيبه العرب، وتستلذّه من غير ما ورد بتحريمه نصّ من كتاب، أو سنّة، والعبرة في الاستطابة، والاستلذاذ بأهل المروءة، والأخلاق الجميلة، فإنّ أهل البادية منهم من يستطيبون أكل جميع الحيوانات، فلا عبرة بهم. ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ أي: وأحلّ صيد ما علّمتم من الجوارح، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. والجوارح: جمع جارحة، وهي الكواسب من السباع، والطير، كالفهد، والنمر، والكلب، والبازي... إلخ، سميت جوارح من الجرح؛ لأنّها تجرح الصيد عند إمساكه، وقيل: سمّيت جوارح؛ لأنّها تكسب، والجوارح: الكواسب من: جرح، واجترح: إذا اكتسب، ومنه قوله تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾. وفي سورة (الجاثية): ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾. ومعنى ﴿مُكَلِّبِينَ:﴾ معلّمين، ومؤدّبين. ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ:﴾ تعلمون الجوارح الاصطياد. ﴿مِمّا عَلَّمَكُمُ﴾ أي: من العلم الذي علّمكم الله. ففي الآية الكريمة دليل على أنّه لا يجوز صيد جارحة ما لم تكن معلّمة، وصفة التعليم: أن يعلم الرّجل جارحة الصيد، وذلك بأن يوجد فيها أمور: أن تسترسل؛ إذا أرسلت، وتنزجر؛ إذا انزجرت، وإذا أخذت صيدا؛ لم تأكل منه شيئا، وأن لا ينفر منه؛ إذا أراده، وأن يجيبه؛ إذا دعاه. فهذا هو تعليم الجوارح. فعن عدي بن حاتم-﵁-قال: سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: إنّا قوم نصيد بهذه الكلاب، فقال: «إذا أرسلت كلبك المعلّم، وذكرت اسم الله عليه؛ فكل ممّا أمسك عليك، إلاّ أن يأكل الكلب؛ فلا تأكل، فإنّي أخاف أن يكون إنّما أمسك على نفسه. وإن خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها، فأمسكن، وقتلن؛ فلا تأكل، فإنّما سمّيت على كلبك، ولم تسمّ على غيره». متفق عليه. وقال-﵁: وسألته عن المعراض، فقال: «إذا أصبت بحدّه؛ فكل، وإذا أصبت بعرضه، فقتل، فإنّه وقيذ؛ فلا تأكل».

стр. 1431

﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوه، وقفوا عند حدوده. ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ:﴾ لا يحتاج إلى عد، ولا إلى عقد، ولا إلى إعمال فكر، كما يفعله الحسّاب، ولهذا قال في سورة (الأنبياء): ﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ وقال رسول الله ﷺ في دعائه يوم الأحزاب: «اللهمّ منزّل الكتاب سريع الحساب...» والمعنى: أنّه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، فكما يرزقهم في ساعة واحدة؛ يحاسبهم كذلك في ساعة واحدة. قال تعالى في سورة (لقمان): ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. وقيل للإمام علي-﵁: كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال: كما يرزقهم في يوم. وقال ابن عباس-﵄: إذا أخذ الله في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها، ولم يقل أهل النار إلا فيها. هذا؛ ويقيل من القيلولة، وهي الاستراحة وقت الظهيرة، ومعنى الحساب، وفائدته: تعريف الله العباد مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إيّاهم ما قد نسوه بدليل قوله تعالى في سورة (المجادلة): ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾. هذا؛ وقد دلّت الآية على جواز اتخاذ الكلاب، واقتنائهما للصيد. وثبت ذلك في صحيح السّنّة، وزادت الحرث، والماشية، وقد كان الرسول ﷺ في أول الإسلام قد أمر بقتل الكلاب؛ حتى كان يقتل كلب المرأة من البادية يتبعها. فعن ابن عمر-﵄-عن النبي ﷺ قال: «من اقتنى كلبا، إلاّ كلب صيد، أو ماشية؛ نقص من أجره كلّ يوم قيراطان» رواه مالك، والبخاري، ومسلم، والترمذيّ، والنسائي. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من أمسك كلبا، فإنّه ينقص من عمله كلّ يوم قيراط إلاّ كلب حرث، أو ماشية». رواه البخاريّ، ومسلم. وجعل النقص من أجر من اقتناها على غير ذلك من المنفعة، إمّا لترويع الكلب المسلمين، وتشويشه عليهم بنباحه، كما قال زياد الأعجم، وقد نزل بعمّار، فسمع لكلابه نباحا، فأنشأ يقول: [لطويل] نزلنا بعمّار فأشلى كلابه... علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل فقلت لأصحابي أسرّ إليهم... أذا اليوم أم يوم القيامة أطول وإما لمنع دخول الملائكة البيت، كما ورد في الأحاديث الصّحيحة. أو لنجاسته، كما يراه الشافعي-﵁. وقال الرّسول ﷺ في إحدى الرّوايتين: قيراطان، وفي الأخرى قيراط، وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب: أحدهما أشدّ أذى من الآخر، كالأسود الذي أمر النبي ﷺ بقتله، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها، فقال: «عليكم بالأسود البهيم ذي النّقطتين، فإنّه شيطان». أخرجه مسلم. ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع، فيكون ممسكه بالمدينة، أو بمكّة قيراطان، وبغيرهما قيراط، والله أعلم.

стр. 1432

الإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر. ﴿أُحِلَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ذا) وهو العائد، ويجوز اعتبار (ماذا): اسم استفهام مركبا، وفي إعرابه وجهان: اعتباره مفعولا به مقدّما للفعل بعده، واعتباره مبتدأ، والجمل الفعلية خبره، والرابط: رجوع نائب الفاعل إليه، وسواء أكانت الجملة اسمية، أم فعلية، فهي في محل نصب مفعول به ثان للفعل قبلها، وجملة: ﴿يَسْئَلُونَكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: أنت. ﴿أُحِلَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الطَّيِّباتُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السّكون في محل رفع، معطوفة على: ﴿الطَّيِّباتُ﴾. ﴿عَلَّمْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: والذي، أو: والحيوان علمتموه. ﴿مِنَ الْجَوارِحِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضّمير المحذوف، و ﴿مِنَ:﴾ بيان لما أبهم في (ما). ﴿مُكَلِّبِينَ:﴾ حال من: «تاء الفاعل والميم» منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنّون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والنون علامة جمع الإناث، والجملة الفعلية في محلّ نصب حال ثانية من تاء الفاعل، أو من الضمير المستتر في: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ فتكون حالا متداخلة. وقيل: مستأنفة لا محلّ لها، وهي معترضة على اعتبار (ما) شرطية. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف هو المفعول الثاني للفعل: (تعلم) أي: تعلمونهنّ شيئا ما... إلخ، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿عَلَّمَكُمُ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني، فإنّ التقدير: من الذي، أو: من شيء علّمكم الله إيّاه. ﴿فَكُلُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية السابقة. (كلوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله؛ لأنّ (من) الجارة بمعنى بعض، و (ما): موصولة، أو موصوفة. ﴿أَمْسَكْنَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، وهو مفعول الفعل، فإنّ التقدير: فكلوا من الّذي، أو من حيوان أمسكنه عليكم، وجملة: (كلوا...) إلخ لا محلّ لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.

стр. 1433

هذا وقد أجاز بعضهم اعتبار (ما) شرطية، فتكون مفعولا به مقدّما لفعل شرطها، وهو: ﴿عَلَّمْتُمْ،﴾ وجملة: (كلوا...) إلخ في محل جزم جوابها، وتكون الجملة الشرطية برمّتها معطوفة على الطّيبات؛ لأنّها داخلة في الحلّ، أو مستأنفة لا محلّ لها، والغرض منها بيان نوع من أنواع الحلال، فهي من ذكر الخاص من بعد العام، كما يجوز اعتبار (ما) موصولة في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها على نحو ما تقدّم، وتكون جملة: (كلوا...) إلخ في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، وتكون الجملة اسمية يجوز فيها ما جاز فيها على اعتبارها شرطية. والمعتمد الأوّل في إعرابها. ﴿وَاذْكُرُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اذكروا): فعل أمر، وفاعله. ﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: اذكروا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (كلوا...) إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها، ومثلها جملة: (اتقوا الله). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبرها، وهو مضاف. و ﴿الْحِسابِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصّفة المشبهة لفاعلها؛ إذ التقدير: سريع حسابه، والجملة الاسمية مفيدة للتّعليل، لا محلّ لها. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم. ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)﴾ الشرح: ﴿الْيَوْمَ:﴾ المراد به هنا اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية. وقيل: بل المراد به يوم عرفة الّذي تقدّم ذكره في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ..﴾. إلخ، ويكون ما ذكر في هذه الآية من إتمام النّعمة على المؤمنين بإحلال الطيبات، ونكاح العفيفات. وانظر شرح: ﴿الطَّيِّباتُ﴾ في الآية السّابقة. ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ المراد بهم: اليهود، والنصارى، وذبائحهم خاصّة، وأمّا ما حرم علينا من طعامهم؛ فليس بداخل تحت عموم الخطاب. قال ابن عباس: قال الله تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ثم استثنى؛ فقال: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ يعني: ذبيحة اليهودي، والنصراني، وإن كان النّصراني يقول عند الذبح: باسم المسيح، واليهودي يقول: باسم عزير. ﴿وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ يعني: وذبائحنا حلّ لهم، وهذا يدلّ على أنّهم مخاطبون بشريعتنا، ودليل على حل معاملتنا معهم ببيع، أو شراء. وينبغي أن

стр. 1434

تعلم: أنّ ذبائح الأضاحي، والنّذور، وجميع القربات لا يجوز لنا أن نعطيهم منها؛ لأنّها لفقراء المسلمين. وخذ ما يلي: عن أبي ثعلبة الخشني-﵁-قال: قلت: يا رسول الله! إنا بأرض قوم أهل الكتاب؛ أفنأكل في آنيتهم، وبأرض أصيد بقوسي، وبكلبي الذي ليس بمعلّم، وبكلبي المعلّم، فما يصالح لي؟ قال: «أمّا ما ذكرت من آنية أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها؛ فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها؛ فاغسلوها، وكلوا فيها، وما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله عليه؛ فكل، وما صدت بكلبك غير المعلّم، فأدركت ذكاته؛ فكل». أخرجه مسلم، وغيره. ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ﴾ أي: وأبيح لكم أيها المؤمنون زواج الحرائر العفيفات من المؤمنات. ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: وأبيح زواج الحرائر من الكتابيات العفيفات أيضا، وقد تزوّج جماعة من الصّحابة من نساء النّصارى، ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية، فقد تزوّج عثمان بن عفان-﵁-نائلة بنت الفرافصة على نسائه، وهي نصرانيّة، وتزوّج طلحة بن عبيد يهوديّة. وروي عن ابن عمر كراهية ذلك، ويحتج بقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢١]: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾. وكان يقول: لا أعلم شركا أعظم من قولها: إنّ ربّها عيسى. وأجاب الجمهور عن ذلك بأنّه عامّ خصّ بهذه، فأباح الله تعالى المحصنات من أهل الكتاب، وحرّم من سواهنّ من أهل الشّرك. ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: إذا أعطيتموهن مهورهنّ، أي كما هنّ محصنات عفائف، فابذلوا لهنّ المهور عن طيب نفس. وقد أفتى جابر بن عبد الله، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري-﵃-بأنّ الرّجل إذا نكح امرأة، فزنت قبل دخوله بها: أنّه يفرّق بينهما، وتردّ عليه ما بذل لها من المهر، رواه ابن جرير عنهم. ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ:﴾ فكما شرط الإحصان في النّساء، وهي العفّة عن الزنى؛ كذلك شرطها في الرّجال، وهي أن يكون الرجل أيضا عفيفا محصنا. ﴿وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ﴾ أي: وغير متخذين عشيقات، وصديقات تزنون بهنّ سرّا، وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (النّساء) فإنّه جيّد والحمد لله!. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ﴾ أي: ومن يجحد ما أمر الله به من توحيده، ونبوّة محمد ﷺ وما جاء به من عند الله. ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ:﴾ بطل ثواب عمله في الدنيا، وخاب، وخسر في الدنيا، والآخرة. وقيل: المعنى: ومن يكفر بشرائع الإيمان، وتكاليفه؛ فقد خاب، وخسر. وقيل: لمّا أباح الله تعالى نكاح الكتابيات؛ قلن فيما بينهن: لولا أنّ الله قد رضي أعمالنا؛ لم يبح للمسلمين تزويجنا، فأنزل الله هذه الآية، والمعنى: إنّ تزوّج المسلمين إياهنّ ليس بالذي يخرجهن من الكفر. وقيل: غير ذلك. ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ إذا مات على ذلك؛ لأنّه إذا تاب، وآمن قبل الموت؛ قبلت توبته، وصحّ إيمانه.

стр. 1435

هذا وفي المصباح المنير: حبط العمل، يحبط-من باب: تعب-حبطا بالسكون، وحبوطا: فسد، وهدر. وحبط، يحبط من باب: ضرب لغة. والحبط بفتحتين أن تأكل الماشية، فتكثر حتّى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها، وقيل: هو أن ينتفخ بطنها من أكل الذرق، وهو الحندقوق. وفي الحديث: «إنّ ممّا ينبت الرّبيع ما يقتل حبطا، أو يلمّ». انتهى. واسم هذا الداء الحباط، والفعل: حبط، لازم، ويتعدّى بالهمزة، كما في قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ﴾. تنبيه: قد بيّن الله- -في هذه الآية الكريمة حلّ تناول طعام اليهود، والنصارى، وحلّ نكاح نسائهم، والطّعام يطلق على كل طعام، ويشمل ذبائحهم التي يذبحونها بأيديهم، علما بأنّ حلّ ذبائحهم، ونكاح نسائهم مشروط عند الشافعي-﵁-بشروط لا تتوفر في هذه الأيام، ومن أهمّها أن يكون منسوبا إلى إسرائيل، وهو يعقوب ﵇، وأن لا يعلم دخول أحد من آبائه، وأجداده في اليهودية، أو النصرانية بعد بعثة محمد ﷺ . وهذا غيرممكن كما هو معلوم، لذا فالتّحريم هو المفتى به في مذهب الشافعي، وأمّا غير الشافعي فإنّه لا يشترط هذه الشروط، وحلّ نكاح نسائهم من غير أن تسلم؛ أي: مع بقائها على دينها، وأمّا إذا أسلمت؛ فإنّها صارت من المؤمنات. وينبغي أن تعلم: أنّه لا يحل ذبائح المجوس، ولا نكاح نسائهم، ولا ذبائح، ونكاح نساء من لفّ لفّهم من الوثنيين؛ الذين يعبدون الشّمس، أو القمر، أو يؤلّهون بشرا، أو حيوانا، وإن ألحقوا بأهل الكتاب بضرب الجزية؛ لقول النبي ﷺ : «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم». تنبيه: يتساءل كثير من النّاس-ولا سيما النّصارى-: لماذا ننكح نساءهم، ولا ننكحهم نساءنا؟ الجواب سهل بعون الله، وهو: أنّ المسلم لا يؤذيها في دينها؛ لأنّه يقدس عيسى، وأمّه، ويجلّهما، فلا يتعرّض لهما بسوء بخلاف النّصرانيّ، واليهوديّ، فإنّه لا يجلّ محمدا ﷺ ، بل يصمه بأبشع الصّفات، فربما يؤذي المسلمة بسبّه، وشتمه. وأيضا الإسلام يعلو، ولا يعلى، والأمر ظاهر في قوامة الرّجل على المرأة وعلوّه عليها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بالفعل بعده. ﴿أُحِلَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الطَّيِّباتُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَطَعامُ:﴾ الواو: حرف عطف. (طعام): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جرّ بالإضافة. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿حِلٌّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة، لا محلّ لها مثلها. هذا؛ وجوّز أبو البقاء العكبري عطف (طعام) على: ﴿الطَّيِّباتُ﴾ عطف مفرد على مفرد، واعتبر: ﴿حِلٌّ﴾

стр. 1436

﴿لَكُمُ:﴾ خبرا لمبتدإ محذوف، ولم يظهر لي وجه جوازه. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿حِلٌّ؛﴾ لأنّه مصدر، والجملة الاسمية: ﴿وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. (المحصنات): مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِناتِ:﴾ متعلقان ب (المحصنات) لأنّه صيغة اسم مفعول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه، وخبر المبتدأ محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: حلّ لكم، وساغ ذلك؛ لأنّ (حل) مصدر، والمصدر يخبر به عن المفرد، والمثنى، والجمع. ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ مبتدأ وإعرابه مثل ما قبله، وخبره محذوف، التقدير: حلّ لكم، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. هذا؛ وإن اعتبرت الكلام من عطف المفردات، فلا حاجة إلى تقدير خبر، ويكون الأول خبرا عن الأسماء المتعاطفة. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان متعلق بخبر المبتدأ المحذوف مبني على السكون في محل نصب. ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولّدت واو الإشباع، والهاء مفعول به أول، والنون علامة جمع النسوة. ﴿أُجُورَهُنَّ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُحْصِنِينَ:﴾ حال من تاء الفاعل منصوب... إلخ. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من الضمير المستتر ب ﴿مُحْصِنِينَ﴾ فهي حال متداخلة، وقيل: صفة له، ولا وجه له، وقيل: حال ثانية من تاء الفاعل، و ﴿غَيْرَ:﴾ مضاف، و ﴿مُسافِحِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿مُتَّخِذِي:﴾ معطوف على ﴿مُسافِحِينَ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف. ﴿أَخْدانٍ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و (لا) أفادت معنى: «غير» بلا ريب، وجملة: ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، هذا؛ وقيل: إنّ ﴿إِذا﴾ شرطية، والجواب محذوف، تقديره: حللن لكم، وعليه فالجملة الشرطية في محل رفع خبر (المحصنات). ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِالْإِيمانِ:﴾ متعلقان به. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿حَبِطَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَمَلُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه. فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان وهو المرجّح عند المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾

стр. 1437

متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: وهو خاسر في الآخرة. ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، ولم يجز تعليق: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ ب ﴿الْخاسِرِينَ؛﴾ لأنّ معمول الصلة لا يتقدّم عليها، مع أنّ بعضهم علقهما به، وهذا يكون على التوسّع في الظرف والجار والمجرور، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة بقوله: ﴿عَمَلُهُ،﴾ والرابط: الواو، والضمير. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي: أردتم القيام إلى الصّلاة، وأنتم محدثون الحدث الأصغر. وربّنا جلّت قدرته نادى المؤمنين خاصّة لأنّهم هم المكلّفون بالصّلاة، وأمّا الكافر فإنّه يطالب أولا بالإيمان، ثمّ يطالب بفروع الشّريعة من صلاة، وغيرها. ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ:﴾ جمع: وجه، وهو ما تتمّ به المواجهة، والمقابلة، وحدّه طولا: ما بين منابت شعر الرأس، وأسفل الذّقن. وحدّه عرضا: ما بين شحمتي الأذنين. هذا؛ وعدّ الإمام أحمد-﵀-المضمضة، والاستنشاق فرضا، فاعتبر الأنف والفم من الوجه الواجب غسله، وعامة الفقهاء على أنّهما سنة في الوضوء، والغسل؛ لأنّ الأمر إنّما يتناول الظّاهر دون الباطن، والعرب لا تسمّي وجها إلا ما وقعت به المواجهة، وإن الله لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبهما المسلمون. ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ:﴾ جمع يد، والمراد بها: ما بين رءوس الأصابع، وفوق المرفق؛ لأنّ ما بعد (إلى) داخل في الفرض، كما بينته أحاديث الرسول ﷺ ، فتكون (إلى) بمعنى (مع)، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾. ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ﴾ جمع: رأس، وإنّما سمّي بذلك لعلوّه، ونبات الشّعر فيه، ومنه رأس الجبل. هذا؛ والرأس يطلق على الجملة التي يعلمها الناس ضرورة، ومنها الأذنان والوجه بما فيه، قال الشاعر: [الطويل] إذا احتملوا رأسي وفي الرّأس أكثري... وغودر عند الملتقى ثمّ سائري

стр. 1438

واختلف العلماء بالمقدار الواجب مسحه، فقال الإمام مالك، والإمام أحمد: الباء صلة، والواجب تعميم الرأس بالمسح. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: الباء للتبعيض، والبعض ما يقع عليه الاسم عند الشافعي، ولو بمقدار الأصبع. وعند أبي حنيفة: لا يكون البعض أقل من ربع الرأس، ﵏ جميعا، فأخذ مالك، وأحمد بالاحتياط، فأوجبا الاستيعاب، وأخذ الشافعي باليقين، فأوجب مسح ما يقع عليه اسم المسح، وأخذ أبو حنيفة ببيان السنة، وهو ما روي عن المغيرة بن شعبة-﵁: أنّ النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته، وعلى العمامة، والخفين. متفق عليه. وقدّر الناصية بربع الرأس. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ يقرأ بفتح اللام عطفا على: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ وهذا لا ريب فيه، وإن عطفته على (رءوسكم) فيكون مثل قوله تعالى في سورة (الفرقان): ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً،﴾ وقوله تعالى في سورة (الحج): ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الحشر): ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ انظر شرح هذه الآيات في محالها تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ويكون المعنى هنا: وامسحوا برءوسكم، واغسلوا أرجلكم. وقراءة الجرّ على الجوار، وله نظائر في كتاب الله تعالى، وفي الشّعر العربي، فمن ذلك قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وقوله: (وحور عين) بجر (حور)، وإنّ ﴿أَلِيمٍ﴾ صفة عذاب، وقد جر لمجاورة ﴿يَوْمٍ،﴾ (وحور) معطوف على ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ وهو مرفوع، وقد جرّ لقربه من: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ومن ذلك قول امرئ القيس في معلّقته، وهو الشاهد رقم [٩٠٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] كأنّ أبانا في عرانين وبله... كبير أناس في بجاد مزمّل فجرّ «مزمل» مع كونه صفة لكبير لمجاورته ل «بجاد» وقال زهير: [الكامل] لعب الزّمان بها وغيّرها... بعدي سوافي المور والقطر قال أبو حاتم: كان الوجه «القطر» بالرفع، ولكنّه جرّه على جوار «المور» كما قالت العرب: هذا حجر ضبّ خرب، فجر: خرب، وإنّما هو صفة ل: «حجر» المرفوع. والذي عليه المحققون: أنّ خفض الجوار يكون في النّعت قليلا، وفي التّوكيد نادرا كما في قول أبي الغريب -وهو في: «فتح القريب المجيب» رقم [١١٦٣] -: [البسيط] يا صاح بلّغ ذوي الزّوجات كلّهم... أن ليس وصل إذا انحلّت عرا الذّنب ولا يكون في النسق إلا لحكمة واضحة؛ لأنّ العاطف يمنع من التّجاور، ولذا بين الزمخشري الحكمة في الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، فقال: لما كانت الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة بصبّ الماء عليها؛ كانت مظنّة الإسراف المذموم شرعا، فعطفت على

стр. 1439

الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها. وقيل: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فجيء بالغاية إماطة لظنّ من يظنّ: أنّها ممسوحة؛ لأنّ المسح لم تضرب له غاية في الشّريعة. انتهى. رحم الله الزمخشريّ المعتزليّ على هذا البيان! ومثله عن الشّافعيّ؛ لكن باختصار. والقاطع في هذا الباب من أنّ فرض الرجلين الغسل ما قدّمناه، وما ثبت من أحاديث عن سيد الخلق وحبيب الحقّ ﷺ . وخذ منها ما يلي: عن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: تخلّف عنّا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا؛ وقد أرهقتنا الصّلاة، صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النّار». متّفق عليه، وفي رواية: «ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النّار» رواه البيهقي، والحاكم. وقال الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: عن جابر-﵁-قال: رأى النبي ﷺ في رجل رجل مثل الدّرهم لم يغسله، فقال: «ويل للأعقاب من النّار». وقال الإمام أحمد: عن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي ﷺ : أنّه رأى رجلا يصلّي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء. ورواه أبو داود، وزاد: والصلاة. وهذا إسناد جيد، وقويّ صحيح. والله أعلم. ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهر، وذلك: أنّه لو كان فرض الرّجلين مسحهما، أو: أنّه يجوز ذلك فيهما؛ لما توعّد على تركه؛ لأنّ المسح لا يستوعب جميع الرّجل، بل يجري فيه ما يجري في مسح الخفّ، وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ مشروعية المسح على الخفّين قولا منه، وفعلا، وقد خالفت الشيعة في ذلك بلا مستند، ولا دليل، مع أنّه ثابت في صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب-﵁، كما ثبت في الصحيحين عنه عن النبي ﷺ النهي عن نكاح المتعة، وهم يستبيحونها. وكذلك الآية الكريمة دالة على غسل الرجلين وجوبا؛ مع ما ثبت بالتواتر من فعل الرّسول ﷺ على وفق ما دلّت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كلّه، وليس لهم دليل واضح صحيح في نفس الأمر. ولله الحمد على ما هدانا إليه. ولعلّ السبب في ذلك أخذهم بظاهر الألفاظ، وعدم تعمّقهم في معاني القرآن، وضعفهم في اللّغة العربية التي منهلها القرآن الكريم. خذ قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٠]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ..﴾. إلخ، وانظر شرحها هناك تجد ما يسرّك ويثلج صدرك، فإنّهم يفسّرونها على غير وجهها الصحيح. عن عتبة بن عامر-﵁-قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي، فروّحتها بعشيّ، فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدّث الناس، فأدركت من قوله: «ما من مسلم يتوضّأ،

стр. 1440

فيحسن وضوءه، ثمّ يا قوم، فيصلّي ركعتين مقبلا عليهما بوجهه، وقلبه؛ إلاّ وجبت له الجنّة» فقلت: ما أجود هذا! فإذا قائل بين يدي يقول: الّتي قبلها أجود! فنظرت فإذا عمر قال: إنّي رأيتك جئت آنفا. قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ، أو فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدا رسول الله، اللهمّ اجعلني من التّوّابين واجعلني من المتطهّرين؛ إلاّ فتحت له أبواب الجنّة الثّمانية يدخل من أيّها شاء». وعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أمّتي يدعون يوم القيامة غرّا محجّلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته وتحجيله فليفعل». رواه البخاريّ، ومسلم. وقد قيل: إنّ قوله: (فمن استطاع... إلخ) إنّما هو مدرج من كلام أبي هريرة موقوف عليه. فأي أثر، وأيّ تحجيل لمن يمسح رجليه مسحا؟! ورحم الله من يقول: [الوافر] ستأتي النّاس في العرصات سكرى... بلا أثر يكون لهم مزينا وتأتي أمّة المختار غرّا... بآثار الوضوء محجّلينا هذا؛ واستدلّ الشّافعيّ-رحمه الله تعالى-بهذه الآية على وجوب النية عند غسل الوجه. وحجّته: أنّ الوضوء مأمور به، وكلّ مأمور به يجب أن يكون منويّا؛ لما روي في الصحيحين من حديث عمر-﵁: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى». والوضوء من الأعمال، فيجب أن يكون منويّا. وذهب الشّافعي، ومالك، وأحمد- رحمهم الله تعالى-إلى وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء، كما في نصّ الآية، فيغسل وجهه أولا، ثمّ يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل رجليه، فصار الترتيب فرضا سادسا، وأمّا أبو حنيفة فلم يعد النّيّة ركنا، ولا الترتيب أيضا، فأركان الوضوء عنده أربعة فقط. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ:﴾ انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٤٣] من سورة النّساء ففيه الكفاية. ﴿ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: إنّ الله لا يريد أن يضيّق عليكم، لذا فقد شرع لكم التيمم تيسيرا عليكم. ﴿وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي: من الأوساخ الحسّيّة، والمعنوية، فالحسّيّة: كإزالة ما يعلق بالبدن من أقذار مرئيّة، والمعنوية: الذنوب، والسيئات؛ لأنّ الوضوء وما ينوب عنه سبب لمحو الأوزار، والخطايا. ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: برخصه عليكم، أو بما شرعه لكم من أحكام. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ نعمه التي أنعمها عليكم، فيثيبكم على ذلك، وهذا الفعل يتعدّى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له. كما تقول: نصحته، ونصحت له. والشّكر: صرف العبد
следующие страницы →