Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
﴿لَكُمُ:﴾ خبرا لمبتدإ محذوف، ولم يظهر لي وجه جوازه. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿حِلٌّ؛﴾ لأنّه مصدر، والجملة الاسمية: ﴿وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا.
(المحصنات): مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِناتِ:﴾ متعلقان ب (المحصنات) لأنّه صيغة اسم مفعول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه، وخبر المبتدأ محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: حلّ لكم، وساغ ذلك؛ لأنّ (حل) مصدر، والمصدر يخبر به عن المفرد، والمثنى، والجمع. ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ مبتدأ وإعرابه مثل ما قبله، وخبره محذوف، التقدير:
حلّ لكم، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. هذا؛ وإن اعتبرت الكلام من عطف المفردات، فلا حاجة إلى تقدير خبر، ويكون الأول خبرا عن الأسماء المتعاطفة. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والكاف في محل جرّ بالإضافة.
﴿إِذا:﴾ ظرف زمان متعلق بخبر المبتدأ المحذوف مبني على السكون في محل نصب.
﴿آتَيْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولّدت واو الإشباع، والهاء مفعول به أول، والنون علامة جمع النسوة.
﴿أُجُورَهُنَّ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُحْصِنِينَ:﴾ حال من تاء الفاعل منصوب... إلخ. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من الضمير المستتر ب ﴿مُحْصِنِينَ﴾ فهي حال متداخلة، وقيل:
صفة له، ولا وجه له، وقيل: حال ثانية من تاء الفاعل، و ﴿غَيْرَ:﴾ مضاف، و ﴿مُسافِحِينَ:﴾
مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي.
﴿مُتَّخِذِي:﴾ معطوف على ﴿مُسافِحِينَ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف. ﴿أَخْدانٍ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و (لا) أفادت معنى: «غير» بلا ريب، وجملة:
﴿آتَيْتُمُوهُنَّ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، هذا؛ وقيل: إنّ ﴿إِذا﴾ شرطية، والجواب محذوف، تقديره: حللن لكم، وعليه فالجملة الشرطية في محل رفع خبر (المحصنات).
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِالْإِيمانِ:﴾ متعلقان به.
﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
﴿حَبِطَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَمَلُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه. فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان وهو المرجّح عند المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَهُوَ:﴾
الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾
стр. 1437
متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: وهو خاسر في الآخرة. ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، ولم يجز تعليق: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ ب ﴿الْخاسِرِينَ؛﴾ لأنّ معمول الصلة لا يتقدّم عليها، مع أنّ بعضهم علقهما به، وهذا يكون على التوسّع في الظرف والجار والمجرور، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة بقوله: ﴿عَمَلُهُ،﴾ والرابط: الواو، والضمير.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي: أردتم القيام إلى الصّلاة، وأنتم محدثون الحدث الأصغر. وربّنا جلّت قدرته نادى المؤمنين خاصّة لأنّهم هم المكلّفون بالصّلاة، وأمّا الكافر فإنّه يطالب أولا بالإيمان، ثمّ يطالب بفروع الشّريعة من صلاة، وغيرها. ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ:﴾ جمع: وجه، وهو ما تتمّ به المواجهة، والمقابلة، وحدّه طولا: ما بين منابت شعر الرأس، وأسفل الذّقن. وحدّه عرضا: ما بين شحمتي الأذنين.
هذا؛ وعدّ الإمام أحمد-﵀-المضمضة، والاستنشاق فرضا، فاعتبر الأنف والفم من الوجه الواجب غسله، وعامة الفقهاء على أنّهما سنة في الوضوء، والغسل؛ لأنّ الأمر إنّما يتناول الظّاهر دون الباطن، والعرب لا تسمّي وجها إلا ما وقعت به المواجهة، وإن الله لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبهما المسلمون.
﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ:﴾ جمع يد، والمراد بها: ما بين رءوس الأصابع، وفوق المرفق؛ لأنّ ما بعد (إلى) داخل في الفرض، كما بينته أحاديث الرسول ﷺ ، فتكون (إلى) بمعنى (مع)، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾. ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ﴾ جمع: رأس، وإنّما سمّي بذلك لعلوّه، ونبات الشّعر فيه، ومنه رأس الجبل. هذا؛ والرأس يطلق على الجملة التي يعلمها الناس ضرورة، ومنها الأذنان والوجه بما فيه، قال الشاعر: [الطويل]
إذا احتملوا رأسي وفي الرّأس أكثري... وغودر عند الملتقى ثمّ سائري
стр. 1438
واختلف العلماء بالمقدار الواجب مسحه، فقال الإمام مالك، والإمام أحمد: الباء صلة، والواجب تعميم الرأس بالمسح. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: الباء للتبعيض، والبعض ما يقع عليه الاسم عند الشافعي، ولو بمقدار الأصبع. وعند أبي حنيفة: لا يكون البعض أقل من ربع الرأس، ﵏ جميعا، فأخذ مالك، وأحمد بالاحتياط، فأوجبا الاستيعاب، وأخذ الشافعي باليقين، فأوجب مسح ما يقع عليه اسم المسح، وأخذ أبو حنيفة ببيان السنة، وهو ما روي عن المغيرة بن شعبة-﵁: أنّ النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته، وعلى العمامة، والخفين. متفق عليه. وقدّر الناصية بربع الرأس.
﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ يقرأ بفتح اللام عطفا على: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ وهذا لا ريب فيه، وإن عطفته على (رءوسكم) فيكون مثل قوله تعالى في سورة (الفرقان): ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً،﴾ وقوله تعالى في سورة (الحج): ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الحشر): ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ انظر شرح هذه الآيات في محالها تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ويكون المعنى هنا: وامسحوا برءوسكم، واغسلوا أرجلكم. وقراءة الجرّ على الجوار، وله نظائر في كتاب الله تعالى، وفي الشّعر العربي، فمن ذلك قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وقوله: (وحور عين) بجر (حور)، وإنّ ﴿أَلِيمٍ﴾ صفة عذاب، وقد جر لمجاورة ﴿يَوْمٍ،﴾ (وحور) معطوف على ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ وهو مرفوع، وقد جرّ لقربه من: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ومن ذلك قول امرئ القيس في معلّقته، وهو الشاهد رقم [٩٠٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
كأنّ أبانا في عرانين وبله... كبير أناس في بجاد مزمّل
فجرّ «مزمل» مع كونه صفة لكبير لمجاورته ل «بجاد» وقال زهير: [الكامل]
لعب الزّمان بها وغيّرها... بعدي سوافي المور والقطر
قال أبو حاتم: كان الوجه «القطر» بالرفع، ولكنّه جرّه على جوار «المور» كما قالت العرب:
هذا حجر ضبّ خرب، فجر: خرب، وإنّما هو صفة ل: «حجر» المرفوع. والذي عليه المحققون: أنّ خفض الجوار يكون في النّعت قليلا، وفي التّوكيد نادرا كما في قول أبي الغريب -وهو في: «فتح القريب المجيب» رقم [١١٦٣] -: [البسيط]
يا صاح بلّغ ذوي الزّوجات كلّهم... أن ليس وصل إذا انحلّت عرا الذّنب
ولا يكون في النسق إلا لحكمة واضحة؛ لأنّ العاطف يمنع من التّجاور، ولذا بين الزمخشري الحكمة في الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، فقال: لما كانت الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة بصبّ الماء عليها؛ كانت مظنّة الإسراف المذموم شرعا، فعطفت على
стр. 1439
الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها. وقيل: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فجيء بالغاية إماطة لظنّ من يظنّ: أنّها ممسوحة؛ لأنّ المسح لم تضرب له غاية في الشّريعة. انتهى. رحم الله الزمخشريّ المعتزليّ على هذا البيان! ومثله عن الشّافعيّ؛ لكن باختصار.
والقاطع في هذا الباب من أنّ فرض الرجلين الغسل ما قدّمناه، وما ثبت من أحاديث عن سيد الخلق وحبيب الحقّ ﷺ . وخذ منها ما يلي: عن عبد الله بن عمرو-﵄-قال:
تخلّف عنّا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا؛ وقد أرهقتنا الصّلاة، صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النّار». متّفق عليه، وفي رواية: «ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النّار» رواه البيهقي، والحاكم.
وقال الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: عن جابر-﵁-قال: رأى النبي ﷺ في رجل رجل مثل الدّرهم لم يغسله، فقال: «ويل للأعقاب من النّار». وقال الإمام أحمد: عن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي ﷺ : أنّه رأى رجلا يصلّي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء. ورواه أبو داود، وزاد:
والصلاة. وهذا إسناد جيد، وقويّ صحيح. والله أعلم.
ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهر، وذلك: أنّه لو كان فرض الرّجلين مسحهما، أو:
أنّه يجوز ذلك فيهما؛ لما توعّد على تركه؛ لأنّ المسح لا يستوعب جميع الرّجل، بل يجري فيه ما يجري في مسح الخفّ، وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ مشروعية المسح على الخفّين قولا منه، وفعلا، وقد خالفت الشيعة في ذلك بلا مستند، ولا دليل، مع أنّه ثابت في صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب-﵁، كما ثبت في الصحيحين عنه عن النبي ﷺ النهي عن نكاح المتعة، وهم يستبيحونها. وكذلك الآية الكريمة دالة على غسل الرجلين وجوبا؛ مع ما ثبت بالتواتر من فعل الرّسول ﷺ على وفق ما دلّت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كلّه، وليس لهم دليل واضح صحيح في نفس الأمر. ولله الحمد على ما هدانا إليه. ولعلّ السبب في ذلك أخذهم بظاهر الألفاظ، وعدم تعمّقهم في معاني القرآن، وضعفهم في اللّغة العربية التي منهلها القرآن الكريم. خذ قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٠]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ..﴾. إلخ، وانظر شرحها هناك تجد ما يسرّك ويثلج صدرك، فإنّهم يفسّرونها على غير وجهها الصحيح.
عن عتبة بن عامر-﵁-قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي، فروّحتها بعشيّ، فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدّث الناس، فأدركت من قوله: «ما من مسلم يتوضّأ،
стр. 1440
فيحسن وضوءه، ثمّ يا قوم، فيصلّي ركعتين مقبلا عليهما بوجهه، وقلبه؛ إلاّ وجبت له الجنّة» فقلت: ما أجود هذا! فإذا قائل بين يدي يقول: الّتي قبلها أجود! فنظرت فإذا عمر قال: إنّي رأيتك جئت آنفا. قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ، أو فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدا رسول الله، اللهمّ اجعلني من التّوّابين واجعلني من المتطهّرين؛ إلاّ فتحت له أبواب الجنّة الثّمانية يدخل من أيّها شاء».
وعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أمّتي يدعون يوم القيامة غرّا محجّلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته وتحجيله فليفعل». رواه البخاريّ، ومسلم. وقد قيل: إنّ قوله: (فمن استطاع... إلخ) إنّما هو مدرج من كلام أبي هريرة موقوف عليه. فأي أثر، وأيّ تحجيل لمن يمسح رجليه مسحا؟! ورحم الله من يقول: [الوافر]
ستأتي النّاس في العرصات سكرى... بلا أثر يكون لهم مزينا
وتأتي أمّة المختار غرّا... بآثار الوضوء محجّلينا
هذا؛ واستدلّ الشّافعيّ-رحمه الله تعالى-بهذه الآية على وجوب النية عند غسل الوجه.
وحجّته: أنّ الوضوء مأمور به، وكلّ مأمور به يجب أن يكون منويّا؛ لما روي في الصحيحين من حديث عمر-﵁: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى». والوضوء من الأعمال، فيجب أن يكون منويّا. وذهب الشّافعي، ومالك، وأحمد- رحمهم الله تعالى-إلى وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء، كما في نصّ الآية، فيغسل وجهه أولا، ثمّ يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل رجليه، فصار الترتيب فرضا سادسا، وأمّا أبو حنيفة فلم يعد النّيّة ركنا، ولا الترتيب أيضا، فأركان الوضوء عنده أربعة فقط.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ:﴾ انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٤٣] من سورة النّساء ففيه الكفاية.
﴿ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: إنّ الله لا يريد أن يضيّق عليكم، لذا فقد شرع لكم التيمم تيسيرا عليكم. ﴿وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي: من الأوساخ الحسّيّة، والمعنوية، فالحسّيّة: كإزالة ما يعلق بالبدن من أقذار مرئيّة، والمعنوية: الذنوب، والسيئات؛ لأنّ الوضوء وما ينوب عنه سبب لمحو الأوزار، والخطايا.
﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: برخصه عليكم، أو بما شرعه لكم من أحكام. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ نعمه التي أنعمها عليكم، فيثيبكم على ذلك، وهذا الفعل يتعدّى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له. كما تقول: نصحته، ونصحت له. والشّكر: صرف العبد
стр. 1441
جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. هذا؛ ومن أسماء الله تعالى: الشّكور، ومعناه: هو الذي يجازي على يسر الطاعات كثير الدّرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة. هذا والترجّي في هذه الآية وأمثالها، إنّما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يحصل منه ترجّ لعباده. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا!.
بعد هذا فالآية دلّت على أنّ الله يريد بإرادة قديمة زائدة على الذّات. هذا مذهب أهل السّنّة، كما أنّه جلّت قدرته عالم بعلم، قادر بقدرة، حيّ بحياة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلّم بكلام. وهذه كلها معان وجوديّة أزليّة زائدة على الذات. وذهب المعتزلة، والشّيعة إلى نفيها، والذي يردّ به عليهم أن يقال: لو لم يصدق كونه ذا إرادة؛ لصدق: أنّه ليس بذي إرادة، ولو صحّ ذلك؛ لكان كلّ ما ليس بذي إرادة ناقصا بالنسبة إلى من له إرادة، فلم يبق إلا أن يكون الذي لم يتصف بالإرادة أنقص مما هو متّصف بها، ولا يخفى ما فيه من المحال، فإنّه كيف يتصوّر أن يكون المخلوق أكمل من الخالق، والبديهة تقضي بردّه، وإبطاله، وقد وصف الباري نفسه ﷻ ، وتقدّست أسماؤه بأنّه مريد، قال تعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ،﴾ وقال جلّ شأنه: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
هذا؛ والإرادة: نزوع النفس، وميلها إلى الفعل، بحيث يحملها عليه. ويقال للقوّة التي هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصوّر اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته تعالى. فقيل: إرادته لأفعاله: أنّه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته. وقيل: علمه باشتمال الأمر على النّظام الأكمل، والوجه الأصلح.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٢].
﴿قُمْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿إِلَى الصَّلاةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَاغْسِلُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾.
(اغسلوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها. ﴿وُجُوهَكُمْ:﴾ مفعول به. ﴿وَأَيْدِيَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف فيهما في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى الْمَرافِقِ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من: ﴿الْمَرافِقِ﴾ أي: مضافا إلى المرافق، وقال ابن هشام: الصّواب تعلّق ﴿إِلَى﴾ ب: «اغسلوا» محذوفا، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام لا محلّ له؛ لأنّه مبتدأ كالجملة الندائية قبله.
﴿وَامْسَحُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿بِرُؤُسِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وعلى اعتبار الباء زائدة، فيكون مفعولا به صريحا منصوبا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال
стр. 1442
المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ:﴾ معطوف على وجوهكم منصوب مثله، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وهذا على قراءة النصب، وعلى قراءة الجر، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الجوار، هذا؛ وقرئ بالرّفع على اعتباره مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: وأرجلكم مغسولة. ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل:
(امسحوا)، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: (أرجلكم)، التقدير: مضافة إلى الكعبين.
﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿جُنُباً:﴾ خبرها، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاطَّهَّرُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اطّهروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى:﴾ مثل سابقه في إعرابه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿عَلى سَفَرٍ:﴾ معطوفان على: ﴿مَرْضى﴾ فهما متعلقان بمحذوف خبر: (كان) في المعنى. ﴿جاءَ أَحَدٌ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على: ﴿مَرْضى﴾ كذا قيل، والأصح: أنّها معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُمْ مَرْضى﴾ لا محلّ لها مثلها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٌ﴾. ﴿مِنَ الْغائِطِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿جاءَ﴾. ﴿أَوْ لامَسْتُمُ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُمْ مَرْضى﴾. ﴿النِّساءَ:﴾ مفعول به. ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَجِدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ماءً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُمْ مَرْضى﴾ أيضا.
﴿فَتَيَمَّمُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (تيمموا): فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. ﴿صَعِيداً:﴾ مفعول به. وقيل: منصوب بنزع الخافض، أي: بصعيد، وقيل: هو ظرف مكان، ومن جعل: ﴿طَيِّباً﴾ بمعنى: حلالا نصبه على الحال، أو المصدر، ولا بدّ من كلام مقدّر، أي: فاضربوا به ضربتين، وجملة: (امسحوا ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ)﴾ معطوفة على هذا المقدّر. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (امسحوا).
﴿ما:﴾ نافية. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف. ﴿لِيَجْعَلَ:﴾
اللام: لام التعليل. (يجعل): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به أول. ﴿مِنَ:﴾ حرف جر صلة. ﴿حَرَجٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة
стр. 1443
مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و «أن» المضمرة بعد لام التعليل، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محلّ جرّ بلام التعليل، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٦] من سورة النّساء، فالبحث فيها كاف ضاف، وجملة: ﴿ما يُرِيدُ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف.
(لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب ما قبله.
(ليتم): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، يدلّ عليه ما قبله. ﴿نِعْمَتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار، ومجرور متعلّقان بما قبلهما.
﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿تَشْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية مفيدة للتّعليل، لا محلّ لها.
﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾
الشرح: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ:﴾ هذا الخطاب موجّه إلى المؤمنين خاصّة، ونعم الله كثيرة، لا تعدّ، ولا تحصى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ وأجلّها نعمة الإيمان.
وما يتعلّق به من بيان شرائع الدّين، وأحكامه. ﴿وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ:﴾ عهده؛ لأنّ الميثاق هو العهد المؤكّد باليمين، والمراد به حين بايعهم النّبيّ ﷺ على السّمع، والطّاعة في العسر، واليسر، والمنشط، والمكره، وكان ذلك ليلة العقبة، أو بيعة الرّضوان في الحديبية. وحمله بعضهم على الميثاق المأخوذ في عالم الأرواح، والمصرّح به قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧٢]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ وجعل المراد بقوله: ﴿إِذْ قُلْتُمْ..﴾. إلخ إجابة الأرواح في عالم الذرّ بقولهم: ﴿قالُوا بَلى﴾. وقيل:
هو تذكار لليهود بما أخذ عليهم من العهود، والمواثيق في متابعة محمّد ﷺ ، والأوّل أولى بالاعتبار. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوه، فلا تنسوا نعمه، ولا تنقضوا عهده، وميثاقه. هذا؛ وأصل ميثاق: موثاق، قلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها، وجمعه: مواثيق، ومثله في الإعلال والجمع: ميعاد، وميراث، وميقات، وميزان... إلخ.
﴿قُلْتُمْ﴾ أصله: قولتم، فقل في إعلاله: تحرّكت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان: الألف وسكون التاء، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: (قلتم) بفتح القاف، ثمّ
стр. 1444
أبدلت الفتحة ضمة لتدلّ على الواو المحذوفة، فصار: قلتم. وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول:
أصل الفعل: قول، فلمّا اتصل به ضمير رفع متحرك، نقل إلى باب: فعل، فصار: (قولتم)، ثمّ نقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار: (قولتم) فالتقى ساكنان: العين المعتلّة ولام الفعل، فحذفت العين، وهو الواو لالتقائهما ساكنين، فصار (قلتم)، وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف، واوي، مسند إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قمت، وقمنا، وقمن.
هذا؛ و (ذات) بمعنى صاحبة، فجعلت صاحبة الصدور لملازمتها، وعدم انفكاكها عنها، نحو قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ،﴾ ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾. هذا؛ و (ذات) مؤنث «ذو» الذي هو بمعنى صاحب، وقد يثنّى على لفظه، فيقال: ذاتا، أو ذاتي، كذا من غير ردّ لام الكلمة، وهو القياس، كما يثنّى «ذو» ب: «ذوا» أو «ذوي» على لفظه. ويجوز فيها (ذواتا) على الأصل بردّ لام الكلمة، وهي الياء ألفا لتحرّك العين، وهي الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال، قال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [٤٨]: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ،﴾ وقال في سورة (سبأ) رقم [١٦]: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾.
هذا؛ والتاء في (ذات) لتأنيث اللفظ، مثل: تاء (ثمّت، وربّت، ولات) ولكنّها تعرب بالحركات الظاهرة على التاء، فالجر كما في الآية الكريمة، ومثلها كثير، والرفع جاء في قوله تعالى: ﴿فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ،﴾ والنّصب جاء في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ﴾ وكلّ معانيها في القرآن الكريم: صاحبة، إلا في موضعين، فإنّها جاءت بمعنى: الجهة، وذلك في قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ،﴾ وقد رأيت تثنيتها في الآيتين المذكورتين في حالتي النّصب، والجر، ولم ترد في القرآن الكريم بمعنى الجمع. هذا، ولم يتعرّض لها النحويّون بهذا المعنى مع كثرة تعرّضهم ل: «ذي» بمعنى صاحب، وتثنيته، وجمعه، ولكنّهم ذكروا (ذات) بمعنى «التي»، و «ذوات» بمعنى «اللواتي» وذلك في مبحث الاسم الموصول، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
وكالّتي أيضا لديهم ذات... وموضع اللاّتي أتى ذوات
قال الأشموني-رحمه الله تعالى-: أي: عند طيئ ألحقوا ب «ذو» تاء التأنيث مع بقاء البناء على الضّمّ حكى الفراء: «بالفضل ذو فضّلكم الله به، والكرامة ذات فضّلكم الله بها» وقريب منه لابن هشام في أوضحه، وكلاهما أورد بيت رؤبة: [الرجز]
جمعتها من أينق موارق... ذوات ينهضن بغير سائق
والفرق بين الأولى والثانية: أنّ الأولى لا تكون إلا مضافة لما بعدها، كما رأيت؛ بخلاف الثانية؛ فإنّها معرفة بالصّلة التي تذكر بعدها، كما في بيت رؤبة: تنبّه لهذا فإنّه معنى دقيق، واسأل الله لي ولك المزيد من التوفيق.
стр. 1445
هذا؛ وأضيف: أنّ جمع «ذات»: «ذوات» من لفظه، كما يجمع على «أولات» من غير لفظه، قال تعالى في سورة (الطلاق): ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. كما يجمع المذكر «ذو» بمعنى صاحب: «أولو» من غير لفظه، وهو كثير في القرآن الكريم.
الإعراب: (اذكروا): فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. هذا هو المتعارف عليه في إعراب هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول:
فعل أمر مبني على سكون مقدّر على آخره منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرّك بالضمّة لمناسبة واو الجماعة. وما أجدرك أن تلاحظ هذا في كلّ فعل أمر مسند إلى واو الجماعة، أو إلى ألف الاثنين، مثل: اذكرا، وقد حرّك بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين، أو إلى ياء المؤنثة المخاطبة، مثل: اذكري، وقد حرّك بالكسرة لمناسبة ياء المخاطبة. ﴿نِعْمَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار، ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان ب ﴿نِعْمَةَ اللهِ﴾ أو هما متعلّقان بمحذوف حال من ﴿نِعْمَةَ اللهِ،﴾ وجملة: ﴿وَاذْكُرُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَمِيثاقَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: (ميثاقه) أو هو بدل منه. ﴿واثَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها.
﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿واثَقَكُمْ﴾ وقيل: متعلق بمحذوف حال من: (ميثاقه). ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول به محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والتي بعدها معطوفة عليها، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ معطوفة على جملة:
﴿وَاذْكُرُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾
خبرها. ﴿بِذاتِ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب (عليم). و (ذات) مضاف، و ﴿الصُّدُورِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محلّ لها، وفيها وعد للمؤمنين، ووعيد لغيرهم.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ﴾ انظر الآية رقم [١٣٥] من سورة (النّساء) ففيها الكفاية. ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ﴾
стр. 1446
﴿تَعْدِلُوا﴾ أي: ولا يحملنّكم عداوة قوم، وبغضهم على عدم العدل، وعلى الجور. وهذا يشمل كلّ ما يقع بين الناس من عداوة، سواء أكانوا مسلمين جميعا، أم مسلمين، وكافرين، وإن نزلت الآية بشأن عداوة الكافرين للمسلمين، فأمر الله المؤمنين بالعدل مع المشركين الذين ناصبوهم العداء، فلا ينقضوا لهم عهدا، ولا يقتلوا نساء، وصبية، وشيوخا تشفيا ممّا في قلوبهم من الغيظ. هذا و (الشنآن): البغض، والعداوة، كما رأيت في الآية رقم [٢]، وهو مصدر من:
شنأته، أشنؤه، شنآنا-بالتّحريك-وقال ابن جرير: من العرب من يسقط التحريك في (شنآن)، فيقول: شنان ولم أعلم أحدا قرأ بها، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
وما العيش إلاّ ما تحبّ وتشتهي... وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
﴿عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا﴾ انظر الآية رقم [١٣٥] من سورة (النساء) فإنّه جيد، والحمد لله!. ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أي: عدلكم أقرب للتقوى من تركه. ودلّ الفعل على المصدر الّذي عاد عليه الضمير، كما في قوله تعالى في سورة (النور): ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ من باب استعمال أفعل التفضيل في المحلّ الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى في سورة (الفرقان): ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ وكقول بعض الصّحابيّات لعمر-﵁: أنت أفظّ، وأغلظ من رسول الله، ومعلوم: أنّه ﷺ منزّه عن الفظاظة، والغلظة. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوه، واحذروا عقابه.
﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي: وسيجزيكم على ما علم من أعمالكم الّتي عملتموها إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. هذا، وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: وفي هذا تنبيه عظيم على أنّ العدل إذا كان واجبا مع الكفار؛ الّذين هم أعداء الله، وكان بهذه الصّفة من القوّة، فما الظنّ بوجوبه مع المؤمنين الّذين هم أولياؤه، وأحباؤه.
بل كيف بوجوبه مع أهل بيته، أي: أولاده، وزوجته؟! وقد ثبت في الصّحيحين عن النّعمان ابن بشير-﵄: أنّه قال: نحلني أبي نحلا، فقالت أمّي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله ﷺ ، فجاءه يشهده على صدقتي، فقال ﷺ : «أكلّ ولدك نحلت مثله؟» قال: لا! قال: «اتّقوا الله واعدلوا في أولادكم». وقال: «إنّي لا أشهد على جور». قال:
فرجع أبي، فردّ تلك الصّدقة. وخذ ما يلي:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرّحمن-وكلتا يديه يمين-؛ الّذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما ولوا». رواه مسلم، وغيره.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿كُونُوا:﴾ فعل أمر ناقص مبني على حذف النون؛ لأنّ مضارعه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة اسمه، والألف للتفريق.
стр. 1447
﴿قَوّامِينَ:﴾ خبر: ﴿كُونُوا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلّقان ب: ﴿قَوّامِينَ،﴾ وقيل:
متعلّقان ب: ﴿شُهَداءَ﴾ بعدهما؛ لأنّه جمع اسم فاعل. ﴿شُهَداءَ:﴾ خبر ثان للفعل الناقص، أو هو نعت ل: ﴿قَوّامِينَ﴾. ﴿بِالْقِسْطِ:﴾ متعلّقان ب: ﴿قَوّامِينَ﴾. أو ب: ﴿شُهَداءَ،﴾ وجملة:
﴿كُونُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة النّدائية قبلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم ب: (لا) الناهية، والكاف مفعول به. ﴿شَنَآنُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿قَوْمٍ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿عَلى:﴾ حرف جر.
(أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿تَعْدِلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (أن) وعلامة نصبه حذف النون لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و (أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿اِعْدِلُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية ابتدائية أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿هُوَ أَقْرَبُ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من العدل المفهوم من: ﴿اِعْدِلُوا،﴾ والرابط الضمير العائد عليه. وإن اعتبرتها تعليلا للأمر، فالمعنى لا يأباه. ﴿لِلتَّقْوى:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَقْرَبُ،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ معطوفة على جملة: ﴿اِعْدِلُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبرها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيرٌ﴾. و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: خبير بالّذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: إنّ الله خبير بعملكم.
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾
الشرح: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ الوعد يستعمل في الخير، وفي الشرّ، فإذا قلت: وعدت فلانا من غير أن تتعرض لذكر الموعود به؛ كان ذلك خيرا، وإذا قلت: أوعدت فلانا من غير ذكر الموعود به؛ كان ذلك شرّا، وهو ما في بيت طرفة بن العبد من معلّقته رقم [١٢٠]: [الطويل]
وإنّي وإن أوعدته أو وعدته... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وهذا هو قول الجوهري، وقول كثير من أئمّة اللغة، وأمّا عند ذكر الموعود به، أو الموعد به، فيجوز أن يستعمل «وعد» في الخير، وفي الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ﴾
стр. 1448
﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ والآية التي نحن بصدد شرحها من ذلك، ومن الثاني قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٧٢]: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ،﴾ وأنشدوا قول الشاعر: [الطويل]
إذا وعدت شرّا أتى قبل وقته... وإن وعدت خيرا راث وعتّما
كما يستعمل «أوعد» فيهما أيضا، كقولك: أوعدت الرجل خيرا، وأوعدته شرّا. هذا؛ والمركّز في الطّبائع: أن من مكارم الأخلاق، وجميل العادات: أنّك إذا وعدت غيرك أن تنزل به شرّا؛ كان الخلف محمدة، وإذا وعدته خيرا؛ كان الخلف منقصة، وهذا ما أراده طرفة في بيته المتقدّم.
هذا؛ والثابت عند الأشاعرة: أنّه يجوز إخلاف الوعيد في حقّه تعالى كرما. وعند الماتريدية: لا يجوز، وأمّا الوعد؛ فلا يجوز الخلف في حقّه تعالى اتفاقا؛ لأنّه نقص. دليل الأشاعرة قول النّبيّ ﷺ : «من وعده الله على عمل ثوابا؛ فهو منجز له، ومن أوعده على عمل عقابا فهو بالخيار، إن شاء عذّبه، وإن شاء عفا عنه».
﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحات على اختلافها، وتفاوت مراتبها في دنياهم. والمراد: وفوا بعهودهم التي قطعوها لغيرهم على أنفسهم، وقاموا بالعدل التي تضمّنته الآية السابقة. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: لذنوبهم. ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا تعرف كنهه أفهام الخلق، كما قال تعالى في سورة (السجدة): ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ،﴾ وإذا كان الله تعالى قال:
﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ و ﴿أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ و ﴿أَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ فمن الذي يقدر قدره؟! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَعَدَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿آمَنُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محلّ لها.
(عملوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، والمفعول الثاني محذوف لدلالة الجملة الاسمية عليه، تقديره: مغفرة لذنوبهم. وقيل: الجملة الاسمية هي المفعول الثّاني، ومثله قول عبد العزيز الكلابي: [الوافر]
وجدنا الصّالحين لهم جزاء... وجنّات وعينا سلسبيلا
فجملة: ﴿لَهُمْ﴾ جزاء في محل نصب مفعول به ثان، فلذلك عطف عليها «جنات» بالنّصب.
﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مَغْفِرَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة على الوجه الأول في المفعول به، وهي في محل نصب مفعول به ثان على الوجه الثاني فيه. ﴿وَأَجْرٌ﴾ معطوف على: ﴿مَغْفِرَةٌ﴾. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿وَعَدَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
стр. 1449
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ لم يصدقوا بها. والمراد: ما شرع الله من أحكام، وأوجب على العباد أن ينفّذوها، كما يطلق على الدّلالات التي تدلّ على قدرة الخالق جلّ، وعلا. وتطلق على الآيات القرآنيّة، وتطلق على المعجزات الّتي أيّد الله بها الرسل.
﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ أي: الّذين يخالفون أوامر الله، وينقضون عهوده مأواهم جهنم وبئس المصير. وأضاف: ﴿أَصْحابُ﴾ إلى: ﴿الْجَحِيمِ﴾ لملازمة الكفار لنار جهنّم، فلا يخرجون منها. وانظر دركات النار في الآية رقم [١٤٥] من سورة (النساء).
تنبيه: لقد جرت سنة الله في كتابه: أنّه لا يذكر أهل الجنّة إلا ويذكر أهل النار، ولا يذكر الجنّة، ونعيمها، إلا ويذكر النّار، وما فيها؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، فيزداد من الخير المؤدي إلى الجنّة، ويقلّل من الشرّ الموصل إلى النّار.
وينبغي أن تعلم: أنّ ما ذكر في الآيتين إنّما هو بلفظ المذكّر، وكثير في القرآن مثله، وهو يشمل الذكور، والإناث على السّواء. فيمكن أن يكون من باب تغليب الذكور على الإناث، كما يمكن أن يكون الإناث ملحقة بالذكور إلحاقا، وهناك آيات كثيرة تثني على المؤمنات الصّالحات.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها، والمتعلق محذوف، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا) في محل جر بالإضافة.
﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له.
﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْجَحِيمِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (الذين)، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية في الآية السابقة، وقال الجمل:
مستأنفة أتى بها اسمية دلالة على الثبوت والاستقرار، ولم يأت بها فعلية كما في الوعد حسما لرجائهم، وقطعا لأملهم في دخول الجنّة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾
الشرح: المناسبة بين هذه الآيات والتي قبلها: لمّا ذكر الله تعالى ما شرعه لعباده المؤمنين في هذه السّورة الكريمة من الأحكام، ومن أعظمها بيان الحلال، والحرام؛ ذكر هنا نعمته عليهم
стр. 1450
بالهداية إلى الإسلام، ودفع شرّ المعتدين، ثمّ أعقبه ببيان نعمته تعالى على اليهود، والنصارى، وأخذه العهد، والميثاق عليهم، ولكنّهم نقضوا العهد، فألزمهم الله العداوة، والبغضاء إلى يوم القيامة، ثمّ دعا الفريقين إلى التمسّك بنور القرآن، والتمسّك بشريعة خاتم المرسلين.
ذكر في سبب نزول الآية الكريمة أقوال كثيرة: أحدها: ما ذكرته في الآية رقم [١٠٢] من سورة (النساء) من قصّة غورث بن الحارث المحاربي. وثانيها: ما روي: أنّ النبي ﷺ أتى بني النّضير، ومعه الخلفاء الأربعة بعده يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضّمري خطأ يحسبهما مشركين، فقالوا: نعم يا أبا القاسم حتّى نطعمك، ونقرضك، فأجلسوه في صفة، وهمّوا بالفتك به، حيث عمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه، فأمسك الله يده، ونزل جبريل، ﵇، فخرج رسول الله ﷺ من عندهم، واعتبر ذلك نقضا للعهد الذي بينه، وبينهم وأعلن حربهم، ثم أجلاهم عن المدينة المنوّرة. انظر أول سورة الحشر. قال القشيري رحمه الله تعالى: وقد تنزل الآية في قصّة، ثم ينزل ذكرها مرّة أخرى لادّكار ما سبق.
﴿اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٧]. ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ:﴾ عزموا، وقرّروا، وأرادوا. والهم: العزم على الشيء، والمقاربة من الفعل من غير دخول فيه، ومنه قوله تعالى في سورة (يوسف) الصديق، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها﴾ وقال عمرو بن ضابئ البرجمي: [الطويل]
هممت ولم أفعل وكدت وليتني... تركت على عثمان تبكي حلائله
والهم: الحزن، ومثله: الغمّ، ويفرق بينهما بأنّ الأول لأجل تحصيل شيء في المستقبل، والثاني لأجل فوات شيء، وفقدانه في الماضي، وبأنّ الأوّل يطرد النّوم، ويسبب الأرق، والثاني يجلب النّوم، ويسبب الهدوء والسكون. والهموم والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان؛ أسرع فيه الشّيب، وهزل جسمه. وروي عن النبي ﷺ : أنّه قال: «الهمّ نصف الهرم». وقال أبو الطيب المتنبي: [الكامل]
والهمّ يخترم الجسيم نحافة... ويشيب ناصية الصّبيّ فيهرم
هذا؛ و ﴿قَوْمٌ﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل: رهط، ومعشر، فإنّ المفرد لهذه الأسماء لفظ: رجل، وجمعها: أقوام، وأراهط، ومعاشر، هذا؛ و (قوم) يطلق على الرجال دون النساء بدليل قوله تعالى في سورة الحجرات رقم [١١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾. وقال زهير بن أبي سلمى: [الوافر]
وما أدري-وسوف إخال أدري-... أقوم آل حصن أم نساء؟
وهذا هو الشاهد رقم [٥٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وربما دخل فيه النّساء على
стр. 1451
سبيل التبع للرّجال، والنّساء جميعا، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾. وهو يذكّر ويؤنث قال تعالى في غير ما آية: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وتأنيثه باعتبار المعنى، وهم أنّهم أمّة، وطائفة، وجماعة، وسمّوا قوما؛ لأنّهم يقومون مع داعيهم بالشدائد، والمتاعب إمّا بالمعاونة على كشفها، وإمّا بالمضايقة، والإيذاء إن عارضوه، وهذا حال أعداء الخير، والإصلاح في كلّ زمان، ومكان.
﴿أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ:﴾ أن يمدّوا أيديهم إليكم بالقتل، والهلاك، والإيذاء، يقال:
بسط إليه يده: إذا بطش به، وبسط إليه لسانه: إذا شتمه، فبسط اليد كناية عن البطش، والفتك.
﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ:﴾ منعها أن تمتدّ إليكم بسوء، وردّ مضرّتها عنكم. وكفّ الأيدي كناية عن الحبس، والمنع.
هذا؛ و: (اليد) تطلق في الأصل على اليد الجارحة، وقد تطلق على النفس، والذات، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٩٥]: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وقد تطلق على القدرة، والقوّة، وهو كثير مثل قوله تعالى في سورة (ص) رقم [١٧]: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾. وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر، ولا حيلة، ولا تدبير.
وخذ قول عروة بن حزام العذري، وهو الشّاهد رقم [١١٦] من كتابنا: «فتح رب البريّة»: [الطويل]
وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... وما لي بزفرات العشيّ يدان
كما تطلق اليد على النّعمة، والمعروف. يقال: لفلان عندي يد، أي: نعمة، ومعروف، وإحسان. وكثيرا ما تنسب الأعمال إلى الأيدي، مثل قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ؛﴾ لأنّ أكثر الأعمال إنّما تزاول بالأيدي، وإن كانت من أعمال القلوب، والأرجل، والعيون والأيدي تغليبا للأكثر على الأقل. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٤] الآتية فإنّه جيد والحمد لله.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿اُذْكُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة النّدائية قبلها. ﴿نِعْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان ب:
﴿نِعْمَتَ اللهِ﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿اللهِ﴾. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿نِعْمَتَ اللهِ﴾. ﴿هَمَّ قَوْمٌ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ،﴾ إليها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَبْسُطُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من الفعل، وناصبه في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: إذ همّ
стр. 1452
قوم ببسط أيديهم إليكم. والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو المصدر في محل نصب بنزع الخافض. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَيْدِيَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿فَكَفَّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (كفّ): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾.
﴿أَيْدِيَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿هَمَّ قَوْمٌ..﴾. إلخ، فهي في محل جرّ مثلها.
﴿وَاتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهِ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿اُذْكُرُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿وَعَلَى اللهِ:﴾ الواو:
فيما أرى صلة. (على الله): متعلقان بما بعدهما. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الزائدة، اللام: لام الأمر. (يتوكل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها مثلها. وقال أبو البقاء- رحمه الله تعالى-في الآية رقم [١٢٥] من سورة (آل عمران): دخلت الفاء لمعنى الشرط، والمعنى هنا: إن اعتدوا عليكم؛ فتوكلوا أنتم على الله. وعلى هذا فالواو ليست زائدة، وإنّما هي عاطفة جملة شرطية على الكلام السابق، وتكون الفاء هي الفصيحة، ولا يخفى ما فيه من التكلّف.
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ..﴾. إلخ: قال ابن عطية-رحمه الله تعالى-: هذه الآيات المتضمّنة الخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى تقوّي: أنّ الآية المتقدّمة في كفّ الأذى إنّما كانت في بني النّضير. وانظر شرح (ميثاق) في الآية رقم [٧]. ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ أصل بني: بنين.
فحذفت النون للإضافة، وهو جمع: ابن، مأخوذ من البناء؛ لأنّ الابن مبنى أبيه، ولذلك ينسب المصنوع إلى الصانع، وأصله بنيّ أو بنو، وتصغيره على الأول بنيّ، وعلى الثاني بنيو، ثم يقال فيه: قلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء. ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ هو نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم، وعلى نبينا، وحبيبنا ألف صلاة وألف سلام. ومعناه في العربية: صفوة الله،
стр. 1453
أو: عبد الله، ف: «إسرا» هو العبد، أو: الصفوة، و «إيل» هو الله، وفيه سبع لغات قرئ بها كلّها. وتميم يقولون: إسرائين بالنون، قال الشاعر-انظر الشاهد رقم [٣٣٢] من كتابنا: «فتح ربّ البرية» وما يتعلق به-: [الرجز]
قالت-وكنت رجلا فطينا-... هذا-لعمر الله-إسرائينا
فعلى ما تقدّم يكون ليعقوب اسمان، وممّن له اسمان: يونس، ويسمّى: ذا النون. وإلياس، ويسمّى: ذا الكفل في بعض الأقوال. وعيسى ﵇، يقال له: المسيح، وقد سمّاه الله:
روحا، وكلمة، وكانوا يسمّونه: أبيل الأبيلين. ذكره الجوهري في صحاحه، ونبينا ﷺ ، له أسماء كثيرة تزيد على المائتين، وهي مذكورة بجدران مسجده الشّريف. وبنو إسرائيل: هم المنتسبون لأولاد يعقوب الاثني عشر، ويطلق عليهم في كثير من الآيات اسم: الأسباط.
هذا؛ والميثاق الذي أخذه الله عليهم هو ما يذكر في هذه الآية، وقد أخذ عهودا، ومواثيق كثيرة، فنقضوها جملة، وإفرادا. انظر الآية رقم [٨٣] من سورة (البقرة) وما بعدها؛ فإنّه جيد والحمد لله. وإسناد أخذ الميثاق إلى الله تعالى من حيث إنّه أمر الله تعالى موسى بذلك؛ لأنّه غيرممكن أن يحصل ذلك مباشرة بينهم، وبين الله تعالى.
﴿وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً:﴾ النقيب: هو الذي ينقّب عن أحوال القوم، ويفتّش عنها، كما يقال له: عريف؛ لأنّه يتعرف أحوالهم. ويقال له أيضا: كفيل؛ لأنّه يكفل عليهم بالوفاء بما أمروا به. روي: أنّ بني إسرائيل لمّا فرغوا من فرعون، وتخلّصوا من كيده، واستقرّوا بمصر؛ أمرهم الله بالمسير إلى أريحا أرض الشام، وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيّون، وقال لهم: إني كتبتها لكم دارا، وقرارا، فاخرجوا إليها، وجاهدوا من فيها، وإنّي ناصركم عليهم، وأمر موسى-﵊-أن يأخذ من كلّ سبط نقيبا، يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم، فاختار النقباء، وأخذ الميثاق على بني إسرائيل، وتكفّل لهم به النقباء، وسار بهم، فلمّا دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسّسون، فرأوا أجراما عظيمة، وقوة، وشوكة، فهابوا، ورجعوا، وحدّثوا قومهم، وقد نهاهم موسى-﵇-أن يحدّثوهم، فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا، ويوشع بن نون من سبط إفرائيم بن يوسف، وكانا من النقباء. هذا؛ وذكر الخازن أشياء غريبة كعادته في الكتابة عن الإسرائيليات.
وما أجدرك أن تذكر النّقباء الذين اختارهم الرسول ﷺ من الأنصار في بيعة العقبة الثالثة وتقارن بين وفائهم بما عاهدوا الله عليه، وبين نقض نقباء بني إسرائيل للعهود، والمواثيق التي أبرموها مع موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وكانوا ثلاثة من الأوس، وهم:
أسيد بن الحضير، وسعد بن خيثمة، وأبو الهيثم بن التيهان-﵃، وتسعة من الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الرّبيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن
стр. 1454
مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبادة بن الصّامت، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، والمنذر بن عمرو بن خنيس، وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له.
هذا؛ ولفظ: عشرة على عكس المعدود في التّذكير، والتأنيث إن كان مفردا، وعلى وفقه إن كان مركبا، تقول: عشرة رجال، وعشر نسوة، وخمسة عشر رجلا، وخمس عشرة امرأة، وشينه تسكن مع المؤنّث، وهي لغة أهل الحجاز، وقد تكسر، وهي: لغة أهل نجد، وقرئ بهما، وبالفتح أيضا، وهي لغة ثالثة، قال تعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ الآية رقم [٨٩] الآتية.
﴿وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ:﴾ بالعون، والنصر، والتأييد. ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ:﴾ أديتموها على الوجه الأكمل، وهذا يثبت: أنّ لليهود صلاة، ولكنّا نجهل كيفيتها بالإضافة لما دخل شريعة موسى ﵇ من تبديل، وتحريف، وتزييف، وانظر: (أقيموا الصلاة) في الآية رقم [١٠٣] من سورة (النّساء).
﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ:﴾ أعطيتموها لمستحقيها على الوجه الأكمل، وكانت في شريعة موسى- على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-ربع المال. هذا؛ والزّكاة في اللغة:
التطهير، والإصلاح، والنّماء، والمدح. يقال: زكا الزّرع، والمال، يزكو: إذا كثر، وزاد.
وسمّي الإخراج من المال زكاة، وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة. قال تعالى في سورة (سبأ) رقم [٣٩]: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ كما يقال: زكا فلان؛ أي: طهر من دنس الجرحة، والإغفال، فكأنّ الخارج من المال يطهّره من تبعة الحقّ الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى: أنّ النبي ﷺ سمّى ما يخرج من الزّكاة: أوساخ الناس، وقد قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٠٣]: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾.
والزكاة في الشرع: اسم لما يخرج عن مال، أو بدن على وجه مخصوص، وهي أحد أركان الإسلام الخمسة الّتي بني عليها الإسلام، ومن ثمّ يكفر جاحدها على الإطلاق، أو في القدر المجمع عليه، ويقاتل الممتنع من أدائها، وتؤخذ منه قهرا، كما فعل الصديق-﵁.
وتدفع الزكاة لأشخاص معلومين مذكورين في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة)، وزكاة الفطر لا يوجد نصّ صريح في القرآن عليها إلا ما تأوّله بعض المفسّرين في قوله تعالى في سورة الأعلى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ وتحدّثت عنها في آية الصيام في سورة (البقرة)؛ لأنّ رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر في رمضان.
هذا؛ وخصّ الله ﵎ في هذه الآية، وغيرها الصّلاة، والزّكاة بالذكر؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، وشرعت للعطف على الفقراء، والمساكين، ومجموعها التعظيم لأمر الله تعالى، والشّفقة على خلق الله. هذا؛ وأضيف:
أنّ الزكاة قرينة الصّلاة، فقد روي: أنّ أعرابيّا جاء إلى ابن عباس-﵄: فقال له:
стр. 1455
يا بن عباس! أنت حبر الأمّة، وترجمان القرآن علّمك الله أسرار الكتاب، وفقّهك في الدّين، فقل لي بربك: لماذا قرن الله الصلاة إلى الزّكاة في القرآن في أكثر من ثلاثين آية؟ فقال ابن عباس-﵄: ذلك؛ لتعلم: أنّ الصلاة، والزّكاة توأمان، لا يقبل الله إحداهما بدون الأخرى، تلك حقّ الله، وهذه حقّ الناس. ورضي الله عن الصدّيق الذي سوّى بين المرتدّين، ومانعي الزكاة في القتال، والمحاربة. وخذ قول أبي العتاهية الصّوفي، رحمه الله تعالى: [الكامل]
أقم الصّلاة لوقتها بشروطها... فمن الضّلال تفاوت الميقات
وإذا اتّسعت برزق ربّك فاجعلن... منه الأجلّ لأوجه الصّدقات
في الأقربين وفي الأباعد تارة... إنّ الزّكاة قرينة الصّلوات
هذا؛ وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-في غير هذا الموضع: وفي حديث: أنّ النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث؛ فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرّسول، والله يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ،﴾ ومن قال: أقيم الصّلاة ولا أوتي الزّكاة، والله يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ ومن فرّق بين شكر الله، وشكر والديه، والله يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾.
﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي:﴾ صدّقتم برسالتهم، واتّبعتم أوامرهم، واهتديتم بهديهم. وانظر الآية رقم [١٦٤] من سورة (النساء) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ:﴾ نصرتموهم، وقويتموهم.
والتّعزير: التوقير، والتّعظيم، وهو أيضا ضرب دون الحدّ، وهو أشد الضّرب على فعل مخالف للدّين الحنيف، والشرع الشّريف، فهو من الأضداد، انظر الآية رقم [١١٧] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً:﴾ انظر القرض في الآية رقم [٢٤٥] من سورة (البقرة) تجد ما يسرّك ويثلج صدرك. هذا؛ و ﴿قَرْضاً:﴾ مصدر جاء بخلاف المصدر، كقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٣٧]: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً﴾.
﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ:﴾ لأمحونّها، ولأغفرنّها لكم.
﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:﴾ انظر الآية رقم [٥٧] من سورة (النساء) والآية رقم [٦٥] الآتية ففيهما الكفاية. ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ﴾ أي: بعد هذا البيان الذي تضمّن الوعد بغفران الذنوب، ودخول جنات، نعيمها لا ينفد، ولا يزول. ﴿فَقَدْ ضَلَّ:﴾ خرج عن جادة الحقّ، والصّواب. ﴿سَواءَ السَّبِيلِ:﴾ انظر الآية رقم [٧٧] الآتية.
تنبيه: في الآية الكريمة التفات من الغيبة، والإفراد إلى التكلّم، والجمع، ثمّ إلى الغيبة والإفراد، وانظر الالتفات في الآية رقم [٦٤] من سورة (النساء)، وفي الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام).
стр. 1456
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبرون الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف. ولا أسلمه أبدا؛ لأنّه على هذا يكون حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو: وأقسم والله.
واللام واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها: المؤذنة، وهذه اللام إنّما تدخل على «إن» الشرطية؛ لتدل على القسم المتقدّم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدّم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر). افهم هذا، واحفظه؛ فإنّه جيّد، والله ولي التوفيق.
فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم. فالجواب:
أنّه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السّور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ ﴿وَالتِّينِ..﴾. إلخ، فإنّ التّقدير: وربّ النّجم، ورب التّين. الدليل عليه التصريح به في قوله تعالى في سورة (الذاريات): ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ،﴾ وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى في سورة (مريم): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها،﴾ وأظهر منه في الآية رقم [٧٣] الآتية: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ فالواو في الآيتين حرف قسم، وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب.
(قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَخَذَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، لا محلّ لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محلّ له.
﴿مِيثاقَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿بَنِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة. و ﴿بَنِي:﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. (بعثنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نَقِيباً﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿اِثْنَيْ عَشَرَ﴾ كان صفة له، فلمّا تقدّم عليه؛ صار حالا. ﴿اِثْنَيْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنّه ملحق بالمثنى. ﴿عَشَرَ:﴾ مبني على الفتح لا محلّ له من الإعراب لوقوعه موقع نون المثنى، ولا يصح أن يقال: إنّه مضاف إليه لتضمّنه معنى العطف. ﴿نَقِيباً:﴾ تمييز. وجملة: (بعثنا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:
стр. 1457
﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَقَمْتُمُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية.
ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَآمَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِرُسُلِي:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والواو حرف إشباع تولّدت من إشباع ضمة الميم الأولى، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَأَقْرَضْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿اللهُ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿قَرْضاً:﴾ مفعول به ثان، أو هو مفعول مطلق. ﴿حَسَناً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿لَأُكَفِّرَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أكفرنّ): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محلّ له، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، المدلول عليه باللام، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: (إذا اجتمع شرط وقسم؛ فالجواب للسابق منهما). وقال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم
﴿عَنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وتقدّم إعراب مثلها.
﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له.
﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿كَفَرَ﴾ المستتر، و (من):
بيان لما أبهم في (من). ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من). ﴿سَواءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف. و ﴿السَّبِيلِ:﴾ مضاف إليه. والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرَ..﴾. إلخ صلته، وجملة: ﴿فَقَدْ ضَلَّ..﴾. إلخ خبره، ودخلت الفاء في خبره؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة لا محلّ لها.
стр. 1458
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾
الشرح: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ:﴾ نقض اليهود العهود، والميثاق والعهود؛ التي أبرموها مع الله بواسطة موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كما رأيت في الآية السابقة، وانظر (النقض) في الآية رقم [١٥٥] من سورة (النساء)، وانظر شرح (الميثاق) في الآية رقم [٧].
﴿لَعَنَهُمُ:﴾ طردناهم، وأبعدناهم من رحمتنا. وهو قول عطاء. واللّعن: الإبعاد، والطّرد من الرحمة. وانظر الآية رقم [٥٢] من سورة (النّساء). ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً﴾ أي: صلبة، لا تعي خيرا، ولا تفعله. والقسوة، والقساوة عبارة عن الغلظ مع الصّلابة كما في الحجر، وقسوة القلب: نبوته عن الاعتبار، وعدم قبوله الموعظة، والنصيحة. فقسوته مستعارة من قساوة الحجر. انظر الآية رقم [٧٤] من سورة (البقرة) فإنّه جيد، والحمد لله! وقد قرئ: «(قسيّة)» وهو:
إمّا مبالغة: قاسية، أو بمعنى: رديئة، قال النحّاس: وهذا قول حسن؛ لأنّه يقال: درهم قسيّ:
إذا كان مغشوشا بنحاس، أو غيره، ذكر ذلك أبو عبيد، وأنشد قول أبي زبيد الطائي: [البسيط]
لها صواهل في صمّ السّلام كما... صاح القسيّات في أيدي الصّياريف
يصف وقع المساحي في الحجارة؛ إذ «السّلام»: الحجارة، والقاسية، والعاتية واحد.
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ:﴾ أي: يغيّرون كلام الله في التوراة، ويبدّلونه، فكانوا يغيرون صفات النبي ﷺ الموجودة في التوراة، فقد وضعوا مكان: أبيض، ربعة: آدم طوال. وهكذا، وقال ابن عباس-﵄: كانت اليهود يأتون رسول الله ﷺ فيسألونه عن الأمر، فيخبرهم به، فيرى: أنّه يأخذون بقوله، فإذا خرجوا من عنده؛ حرّفوا كلامه. وانظر الآية رقم [٤١] ففيها بحث جيد، هذا وقرئ: «الكلم» بكسر الكاف، وسكون اللام، وبفتح الكاف وكسر اللام، وهو جمع: كلمة، وهو مؤلف من كلمتين، أو أكثر، أفاد فائدة، أم لم يفد، وأمّا الكلام؛ فلا يكون إلا من كلمتين، أو أكثر، أفاد فائدة يحسن السّكوت عليها. قال ابن مالك، رحمه الله تعالى: [الرجز]
كلامنا لفظ مفيد كاستقم... واسم وفعل ثمّ حرف الكلم
﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: نسوا وعد الله الّذي أخذه الأنبياء عليهم من الإيمان بمحمّد ﷺ . وقال الحسن البصريّ-رحمه الله تعالى-: تركوا عرى دينهم، ووظائف الله تعالى؛ التي لا يقبل العمل إلا بها. أو المعنى: نسوا كثيرا من أحكام التّوراة، وآياتها بسبب سوء أعمالهم. فعن ابن مسعود-﵁: «قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية» وتلا هذه الآية.
стр. 1459
هذا و (الحظّ): النصيب، والجدّ، وهو: البخت، والدّولة، يقال: فلان ذو حظّ حظيظ، ومحظوظ، وما الدنيا إلا أحاظ، وجدود، ورحم الله المعري؛ إذ يقول: [الكامل]
لا تطلبنّ بغير حظّ رتبة... قلم الأديب بغير حظّ مغزل
سكن السّماكان السّماء كلاهما... هذا له رمح، وهذا أعزل
«السّماكان»: كوكبان، يقال لأحدهما: الأعزل، وهو من منازل القمر، وهو الذي له النّوء، وسمّي أعزل؛ لأنّه لا شيء من الكواكب بين يديه، ويقال للآخر: الرّامح، وسمي رامحا بكوكب يتقدّمه. ومعنى البيتين: أنّهما مع استوائهما في وجود كلّ منهما في السّماء، امتاز أحدهما عن الآخر، فلهذا حظّ، ولا حظّ لذاك، فالمدار على القضاء الأزليّ، والسّعد الأوّلي. اللهمّ اجعلنا من السّعداء، ولا تجعلنا من الأشقياء! وما أحسن قول القائل في بيان حظوظ الرّجال: [الرمل]
خلق الحظّ جمانا وحصى... خالق الإنسان من ماء وطين
فوليد تسجد الدّنيا له... ووليد في زوايا المهملين
وقال المتنبي؛ وقد أحسن، وأجاد: [الطويل]
هو الحظّ حتّى تفضل العين أختها... وحتّى يصير اليوم لليوم سيّدا
هذا؛ والحظّ: النصيب. قال تعالى في سورة (النساء) في آية المواريث: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ:﴾ الخطاب للرسول ﷺ ، بمعنى: إنّ الخيانة من طبيعتهم، وطبيعة أسلافهم، كانوا يخونون رسلهم، وهؤلاء يخونونك، ويهمّون بالفتك بك، و ﴿خائِنَةٍ﴾ أي: نفس خائنة، أو فرقة خائنة. هذا؛ ويقال: رجل خائنة: إذا بالغت في وصفه بالخيانة. قال الكلابي يخاطب قرينا أخا عمير الحنفي، وكان له عنده دم: [الكامل]
حدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن... للغدر خائنة مغلّ الإصبع
﴿إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ:﴾ وهم الذين آمنوا منهم، كعبد الله بن سلام، وأصحابه-﵃، فإنّهم لم يخونوا. ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ أي: إن تابوا، وآمنوا، أو عاهدوا، والتزموا الجزية، وقيل: مطلق، وقد نسخ بآية السيف، وهي قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٢٩]: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ..﴾. إلخ، وانظر: ﴿يَعْفُوَ﴾ في الآية رقم [٩٩] من سورة (النساء). ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ:﴾ المحسنون: هم الذين أحسنوا إلى غيرهم بالعفو عنهم، والتّجاوز عن سيّئاتهم. وينبغي أن تعلم: أنّ الله يحبّ العافي عن الكافر مع خيانته، فما بالك بالعفو عن المسلم؛ إذا أساء إليك؟!.
стр. 1460
الإعراب: ﴿فَبِما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (بما نقضهم): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و (ما) مقحمة بينهما. وقيل: (ما) نكرة موصوفة مجرورة بالباء، و ﴿نَقْضِهِمْ:﴾ بدل من (ما) وهو ضعيف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِيثاقَهُمْ:﴾ مفعول به للمصدر وهو النقض.
﴿لَعَنّاهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. (جعلنا): فعل وفاعل. ﴿قُلُوبَهُمْ:﴾ مفعول به أول. ﴿قاسِيَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿يُحَرِّفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النّون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة. ﴿الْكَلِمَ:﴾ مفعول به. ﴿عَنْ مَواضِعِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرّابط الضمير فقط. وقيل: من الضمير المنصوب. وقيل: مستأنفة. والأوّل أقوى، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأنّ المضاف كجزئه، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]
ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله
أو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا
﴿وَنَسُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (نسوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿حَظًّا:﴾ مفعول به. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة:
﴿حَظًّا﴾. و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محلّ جرّ ب:
(من). ﴿ذُكِّرُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ بالباء. وجملة: ﴿وَنَسُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. و «قد» قبلها مقدرة على اعتبار الحالية.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَزالُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: أنت. ﴿تَطَّلِعُ:﴾ فعل مضارع مرفوع بالضمة. ﴿عَلى خائِنَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خائِنَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة:
﴿تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ في محل نصب خبر: (لا تزال)، وجملة: ﴿وَلا تَزالُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها، وقيل: معطوفة على ما قبلها، وقيل: في محل نصب حال، والأول أقوى. ﴿إِلاّ:﴾
أداة استثناء. ﴿قَلِيلاً:﴾ مستثنى من الضّمير المجرور محلاّ ب: (من). ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿قَلِيلاً﴾ أو بمحذوف صفة له.
﴿فَاعْفُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٣]. (اعف): فعل أمر مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الواو، والضمّة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار
стр. 1461
ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء.
﴿وَاصْفَحْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، ومتعلقه محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محلّ له.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾
الشرح: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى..﴾. إلخ: أي: ومن الذين ادّعوا أنّهم نصارى متابعون المسيح ابن مريم، ﵇، وليسوا كذلك، فقد أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرّسول ﷺ ، ومناصرته، ومؤازرته واقتفاء آثاره، وعلى الإيمان بكلّ نبيّ يرسله الله إلى أهل الأرض، ففعلوا كما فعل اليهود، حيث خالفوا المواثيق، ونقضوا العهود. ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ:﴾ وهو الإيمان بمحمد ﷺ ، أي: لم يعملوا بما أمروا به، وجعلوا ذلك الهوى، والتحريف سببا للكفر بمحمد ﷺ .
﴿فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ﴾ أي: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النّصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين، يكفّر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، فكلّ فرقة تحرم الأخرى من الدّين، والرّحمة، ولا تدعها تلج معبدها، وكذلك الوثنيّون طوائف، فكلّ طائفة تكفّر الأخرى في هذه الدّنيا، ويوم يا قوم الأشهاد.
﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ:﴾ هذا تهديد، ووعيد أكيد للكافرين على اختلاف مللهم، ونحلهم من يهود، ونصارى، ووثنيّين على ما ارتكبوه من الكذب على الله، وعلى رسله، وما نسبوه إلى الله-عزّ، وجلّ، وتقدّس عن قولهم-وتعالى علوّا كبيرا-من جعلهم له شريكا في الملك، وصاحبة، وولدا، تعالى الواحد الأحد، الفرد الصّمد؛ الّذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.
هذا؛ و ﴿نَصارى﴾ جمع: نصراني، سمّوا بذلك؛ لأنّهم نصروا عيسى، على نبيّنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام، أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها: نصران، أو ناصرة، فسمّوا
стр. 1462
باسمها، أو باسم من أسّسها، أو من قولهم لعيسى: نحن أنصار الله حينما قال: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ ثم اختلفوا بعد ذلك إلى: نسطورية، ويعقوبية، وملكانية، وألّهوا عيسى، فصاروا أنصارا للشيطان، قال سيبويه-رحمه الله تعالى-: لا يستعمل في الكلام إلا مع ياء النسب.
هذا؛ و ﴿يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ هو اليوم الذي يخرج فيه النّاس من قبورهم للحساب، والجزاء، وأصل القيامة: القوامة؛ لأنّها من: قام، يا قوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها مثل الصّيام والسّياط، والحياض، ونحو ذلك.
هذا؛ والفعل ﴿يُنَبِّئُهُمُ﴾ مضارع ماضيه نبّأ. هذا، والأفعال: نبّأ، وأنبأ، وخبّر، وأخبر، وحدّث تتعدى لاثنين، إلى الأول بنفسها، وإلى الثاني بحرف الجر، وقد يحذف الجار تخفيفا، وقد يحذف الأول للدلالة عليه، وقد جاءت الاستعمالات الثلاث في قوله تعالى من سورة التحريم: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ فقوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ تعدّى لاثنين، حذف أوّلهما، والثاني مجرور بالباء، أي: نبأت به غيرها، وقوله: ﴿فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ:﴾
ذكرهما، وقوله: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هذا﴾ ذكرهما، وحذف الجار، فالأول تعدّى إلى الأول صريحا، وإلى الثاني بحرف الجر، والفعل الثاني مثله، والثالث تعدّى إلى مفعولين صريحين، وهذا إذا لم يدخل: نبّأ، وأنبأ على المبتدأ، والخبر، فإذا دخلا على المبتدأ، والخبر؛ تعدّى كلّ واحد إلى ثلاثة مفاعيل، ولم يجز الاقتصار على الاثنين دون الثّالث؛ لأنّ الثالث هو خبر المبتدأ في الأصل، فلا يقتصر دونه، كما لا يقتصر على المبتدأ دون الخبر، ومثال دخول أحدهما على المبتدأ والخبر قولك: نبّأت زيدا عمرا منطلقا، أو أنبأت زيدا عمرا مجتهدا، ففي المثالين يجب نصب ثلاثة مفاعيل. والله وليّ التوفيق. ومن ذلك قول النابغة الذبياني-وهو الشاهد رقم [٢٠] من كتابنا: «فتح رب البريّة» إعراب شواهد جامع الدروس العربيّة-: [الكامل]
نبّئت زرعة-والسّفاهة كاسمها-... يهدي إليّ غرائب الأشعار
وأيضا قوله-وهو الشّاهد رقم [٢١] من الكتاب المذكور-: [البسيط]
نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدني... ولا قرار على زأر من الأسد
وأيضا قول قيس بن الملوّح-وهو الشاهد رقم [١١٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللّبيب-: [الطويل]
ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة... إليّ فهلاّ نفس ليلى شفيعها
هذا، و (النّبأ): الخبر وزنا، ومعنى. ويقال: النّبأ أخصّ من الخبر؛ لأنّ النبأ لا يطلق إلا على كلّ ما له شأن، وخطر من الأخبار. وقال الرّاغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم،
стр. 1463
أو غلبة ظنّ، ولا يقال للخبر في الأصل: نبأ حتى يتضمّن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعدّى عن الكذب، كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ . هذا؛ وقد يجيء الفعل من (نبأ) غير مضمّن معنى: أعلم، لذلك يعدّى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، كما في الآية المذكورة.
الإعراب: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَخَذْنا﴾ بعدهما على أنّهما مفعول ثان له مقدّم، التقدير: أخذنا من الذين قالوا... إلخ، وهذه الجملة معطوفة على جملة:
(لقد أخذنا...) إلخ في الآية رقم [١٢] لا محلّ لها مثلها، وجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، قامت صفته مقامه، التقدير: من الذين قالوا: إنا نصارى قوم أخذنا ميثاقهم، فيكون مثل قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٦]: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ..﴾. إلخ. وجوز أن يكونا متعلّقين بمحذوف خبر مقدّم، وقدّر المبتدأ موصولا حذف، وبقيت صلته التقدير: ومن الذين قالوا: إنّا نصارى من أخذنا ميثاقهم، وهذا معزوّ للكوفيين، وجوز أن يكونا معطوفين على ﴿مِنْهُمْ﴾ في الآية السابقة، ويكون المعنى: ولا تزال تطلع على خائنة من اليهود. ومن الذين قالوا: إنا نصارى، وعليه فجملة: ﴿أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ:﴾ مستأنفة.
والمعتمد الأوّل.
﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذف نونها للتخفيف، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿نَصارى:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا نَصارى﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِيثاقَهُمْ:﴾
مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية السابقة، وهي معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. (أغرينا): فعل وفاعل. ﴿بَيْنَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْعَداوَةَ:﴾
مفعول به. ﴿وَالْبَغْضاءَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل: (أغرينا) أو ب ﴿الْعَداوَةَ﴾ أو ب (البغضاء) على التنازع، و ﴿يَوْمِ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه.
﴿وَسَوْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿يُنَبِّئُهُمُ:﴾
فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.
﴿يَصْنَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو
стр. 1464
فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: ينبئهم الله بالذي، أو: بشيء كانوا يصنعونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: ينبئهم الله بصنعهم، والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محلّ لها.
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾
الشرح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ يعمّ اليهود، والنصارى. ﴿قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا:﴾ محمد ﷺ ، ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ﴾ أي: من كتبكم من الإيمان بمحمد ﷺ ، ومن آية الرّجم، ومن قصّة أصحاب البقرة، ومن قصّة أصحاب السّبت؛ الّذين مسخوا قردة؛ وخنازير، فإنّهم كانوا يخفونها. ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: يتركه، ولا يبيّنه، وإنّما يبين ما فيه حجّة على نبوّته، ودلالة على صدقه، وشهادة برسالته، ويترك ما لم يكن به حاجة إلى تبيينه. وقيل: المعنى: يتجاوز عن كثير، فلا يخبركم به.
ذكر: أنّ رجلا من أحبار اليهود جاء إلى النّبيّ ﷺ ، فسأله، فقال: يا هذا عفوت عنّا؟ فأعرض عنه رسول الله ﷺ ولم يبيّن. وإنّما أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه، فلمّا لم يبيّن له رسول الله ﷺ قام من عنده، فذهب، وقال لأصحابه: أرى أنّه صادق فيما يقول؛ لأنّه كان وجد في كتابه: أنّه لا يبين له ما سأل عنه. وفي إظهار ما يخفونه معجزة ظاهرة للنبيّ ﷺ ؛ لأنّه لم يقرأ كتابهم، ولم يعلم ما فيه إلا ما علّمه ربّه منه.
هذا؛ و: (أهل) اسم جمع، لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، ونفر... إلخ، والأهل: العشيرة، وذو القربى، ويطلق على الزوجة، والأولاد، وعلى الأتباع أيضا، وجمعه:
أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى في سورة (التّحريم):
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ..﴾. إلخ.
هذا، و (الكتاب) في اللغة: الضمّ، والجمع، وسمّيت الجماعة من الجيش كتيبة لاجتماع أفرادها على رأي واحد، وخطّة واحدة، كما سمّي الكاتب كاتبا؛ لأنّه يضمّ الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه ويرتّبه، وفي الاصطلاح: هو اسم لجملة مختصّة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا. وقد أكثر الشعراء في مدح الكتاب، ومنه قول القائل: [الطويل]
لنا جلساء ما يملّ حديثهم... ألبّاء مأمونون غيبا ومشهدا
стр. 1465
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى... وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا
فإن قلت أحياء فما أنت كاذب... وإن قلت أموات فلست مفنّدا
وبالجملة: فالكتاب نعم الذّخر، والعدّة، والشّغل، والحرفة، جليس لا يضرّك، ورفيق لا يملّك، يطيعك بالليل طاعته بالنهار، ويطيعك في السّفر طاعته في الحضر، إن ألفته على الأيام؛ خلّد ذكرك، وإن درسته رفع بين النّاس قدرك.
هذا والفعل جاء يستعمل لازما إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، ومتعدّيا إن كان بمعنى:
وصل، وبلغ. فمن الأول قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾. ومن الثاني قوله تعالى:
﴿إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ﴾. ومنه ﴿جاءَكُمْ﴾ في هذه الآية وفي الآية التّالية، ومثله «أتى» يكون لازما، ومتعدّيا بسبب ما ذكر.
الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو أو: أنادي. (أهل): منادى، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾
فعل ماض، والكاف مفعوله. ﴿رَسُولُنا:﴾ فاعله، (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (أهل الكتاب)، والعامل في الحال (يا) لما فيها من معنى الفعل، وهو مثل قول الشاعر: [البسيط]
يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته
﴿يُبَيِّنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿رَسُولُنا﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿كَثِيراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً﴾ في محل نصب حال من ﴿رَسُولُنا﴾ فهي حال متداخلة، والرّابط في الأولى ضمير الخطاب فقط، وفي هذه ضمير الغيبة فقط. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كَثِيراً،﴾ أو بمحذوف صفة له. و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُخْفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كُنْتُمْ،﴾ والجملة الفعلية هذه صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء كنتم تخفونه. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف.
و ﴿مِنَ:﴾ بيان لما أبهم في (ما). ﴿وَيَعْفُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿رَسُولُنا﴾. ﴿عَنْ كَثِيرٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها، والرابط في الجملتين: الضمير العائد إلى: ﴿رَسُولُنا﴾ فقط.
стр. 1466
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾
الشرح: ﴿قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ:﴾ المراد به القرآن الكريم، فإنّه الكاشف لظلمات الشرك، والضلالة، والمبيّن للناس ما كان خافيا عليهم من الحقّ. وقيل: المراد بالنور محمد ﷺ ، وبالكتاب القرآن، فيكون في الكلام استعارة تصريحية؛ حيث صرّح بذكر المشبّه به، وهو اسم جامد.
هذا؛ و: ﴿مُبِينٌ﴾ اسم فاعل من «أبان» الرباعي، أصله: مبين. بسكون الباء وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء قبلها بعد سلب سكونها؛ لأنّ الحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلّة. ولا تنس: أنّ اسم الفاعل من «أبان» الثلاثي «بائن».
﴿يَهْدِي بِهِ﴾ أي: بالقرآن. ووحّد الضمير؛ لأنّ المراد بهما واحد، أو لأنّ محمدا، والقرآن كواحد في الهداية. ومثله قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٢]: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ والآية رقم [٣٤] منها أيضا، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها،﴾ ومنه قول حسّان-﵁: [الخفيف]
إنّ شرخ الشّباب والشّعر الأسو... د ما لم يعارض كان جنونا
وأيضا قول ضائي بن الحارث البرجمي-وهو الشاهد رقم [٨٥٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد [٢٧٩] من كتابنا: «فتح رب البريّة» -: [الطويل]
فمن يك أمسى بالمدينة رحله... فإنّي-وقيّار-بها لغريب
﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ أي: من سبق في علمه تعالى: أنه يتّبع ما يرضيه، وذلك بالإيمان بمحمد ﷺ وبالقرآن الكريم. ﴿سُبُلَ السَّلامِ:﴾ طرق السّلامة من عذاب الله تعالى، أو المراد:
طرق الحقّ الّتي شرعها الله لعباده، ومن سلكها كان من النّاجين في الدّنيا، والآخرة.
هذا، و: ﴿سُبُلَ:﴾ يجوز تسكين بائه، وضمها، قال عيسى بن عمر-﵁: كل اسم على ثلاثة أحرف أولها مضموم وأوسطها ساكن، فمن العرب من يخفّفه، ومنهم من يثقّله، مثل: رسل، وعسر، ويسر، ورحم، وحلم. هذا؛ و ﴿سُبُلَ﴾ جمع: سبيل، وهو الطريق، يذكّر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى في سورة (الأعراف): ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾. ومن التأنيث قوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل كما في الآية الكريمة.
стр. 1467
﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ:﴾ بتوفيقه، وإرادته. هذا؛ و ﴿الظُّلُماتِ﴾ جمع: ظلمة، وقد جمعت في القرآن الكريم باعتبار تعدّد معانيها؛ إذ المراد: ظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة يوم القيامة، أو المراد ظلمة شديدة، كأنّها ظلمات متراكمة. هذا؛ و «الظلمة» بمعانيها المذكورة مستعارة من ظلمة الليل الحقيقي، والجامع بينهما عدم الاهتداء في كلّ منهما، كما أنّ (النّور) بالمعنى المتقدّم، أو بمعنييه مستعار من نور النّهار، أو من نور المصباح المضيء، والجامع بينهما الاهتداء في كلّ منهما.
﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الهداية: دلالة بلطف، ورفق، وانظر الآية رقم [٦٨] من سورة (النساء) فإنّه جيد، والحمد لله! هذا؛ وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة. انظر الالتفات فيما مضى.
الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾: ماض، ومفعوله.
﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نُورٌ﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿نُورٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها مسوقة لبيان: أنّ فائدة مجيء الرسول ﷺ ليست منحصرة فيما ذكر من بيان ما كانوا يخفونه، بل له منافع أخرى، لا تعدّ ولا تحصى. ﴿وَكِتابٌ:﴾ معطوف على: ﴿نُورٌ﴾. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثّقل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: (كتاب) أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم، وجوز أن تكون في محل نصب حال من: ﴿رَسُولُنا،﴾ وأن تكون حالا من فاعل: ﴿يُبَيِّنُ،﴾ والأول أقوى معنى، وأتمّ سبكا. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون، أو نكرة موصوفة في محل نصب مفعول به. ﴿اِتَّبَعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط. ﴿رِضْوانَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها. ﴿سُبُلَ:﴾ مفعول به ثان، وصحّح الجمل انتصابه بنزع الخافض، وتقدّم مثله كثيرا، و (سبل) مضاف، و ﴿السَّلامِ:﴾ مضاف إليه.
﴿وَيُخْرِجُهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يخرجهم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ أو هو عائد إلى: (من) باعتبار المعنى، وهو أولى، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، والحروف الجارّة كلّها متعلّقة بالفعل: (يخرج) وساغ ذلك لتغير لفظها، ومعناها. والهاء في محل جرّ بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله.
﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ أو إلى (من) والهاء مفعول به. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان به. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة: ﴿صِراطٍ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها كالّتي قبلها.
стр. 1468
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾
الشرح: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: هؤلاء نصارى نجران، فإنّهم قالوا هذه المقالة، وهو مذهب اليعقوبيّة، والملكانية من النّصارى، فإنّهم يقولون في المسيح: إنّه الله، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا. وإنّما قالوا هذه المقالة الخبيثة؛ لأنّهم يقولون بالحلول، وإنّ الله قد حلّ في بدن عيسى، فلمّا كان هذا اعتقادهم لا جرم حكم الله عليهم بالكفر. ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ . ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء النّصارى الذين يقولون ما تقدّم: فمن يقدر أن يدفع من أمر الله شيئا إن أراد أن يميت ويهلك عيسى وأمّه، ويهلك من في الأرض جميعا. والمعنى: لو كان عيسى إلها كما يفترون لقدر على دفع الهلاك عن نفسه، وعن أمّه، وغيرها. وهؤلاء استدلوا بأعمال عيسى من إحياء الميت، وإبراء الأبرص، والأكمه... إلخ على ألوهيته، وهم القائلون باتّحاد النّاسوت باللاّهوت. وقيل: لم يصرح به أحد منهم، ولكن لمّا زعموا: أنّ فيه لاهوتا، وقالوا: لا إله إلا واحد؛ لزمهم أن يكون هو المسيح. فنسب إليهم لازم قولهم توضيحا لجهلهم، وفضحا لمعتقداتهم.
﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ، أي: ملكا، وخلقا، وعبيدا. ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ أي: الموجودات بين السّماوات، والأرض من أفلاك، وكواكب في السّماء، وما على الأرض من جبال، وأنهار، وبحار... إلخ، فكلّ ذلك ملك لله تعالى، لا يشركه فيه أحد، وما يملكه الإنسان في هذه الدنيا إنّما هو ملك له في الظاهر قد منحه الله له؛ ليتمتّع به على سبيل الوكالة، والأمانة، وويل لمن قصّر في الوكالة، وخان في الأمانة!.
هذا؛ وقد أعاد الضّمير إلى: ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مثنى، والمرجوع إليه مجموع السّماوات والأرض، وتثنية الجمع جائزة على تأويل الجماعتين، أو الصنفين، أو النوعين، أو الشيئين، كقول القطامي: [الوافر]
ألم يحزنك أنّ حبال قيس؟ ... وتغلب قد تباينتا انقطاعا
أراد: وحبال تغلب، فثنّى، والحبال: جمع؛ لأنّه أراد الشّيئين، أو النوعين. وقال الشاعر يذمّ عاملا على الصّدقات: [البسيط]
стр. 1469
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
لأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين
فقد ثنّى: جمال؛ الذي هو جمع: جمل، والعقال: صدقة عام، والسّبد: المال القليل، واللّبد: المال الكثير، وأوبادا: هلكى، جمع: وبد. فهو يقول: صار عمرو عاملا على الصّدقات في سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموالنا بغير حقّ حتّى لم يبق لنا إلا الشيء القليل من المال، فكيف حالنا، أو: كيف يبقى لأحد شيء لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟! ثم أقسم، فقال: والله لو صار عمرو عاملا سنتين لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لهم عند التفرّق في الحرب جمالان، فيحتلوا بالغزوات.
هذا؛ وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُهْلِكَ..﴾. إلخ يفيد: أنّ عيسى-على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-مملوك مقهور، وقابل للفناء كسائر الممكنات، ومن كان كذلك فهو بمعزل عن الألوهية. ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ هذه الجملة تزيح الشّبهة عن النّصارى في أمر عيسى، ﵇، فهي تفيد: أنّ الله قادر على الإطلاق، يخلق من غير أصل، كما خلق السموات والأرض، ومن أصل كخلق ما بينهما، فينشئ من أصل ليس من جنسه، كآدم خلقه من تراب، وكثير من الحيوانات، ومن أصل يجانسه، إما من ذكر وحده، كحواء، خلقت من آدم، أو من أنثى وحدها، كعيسى خلق من مريم، أو من كليهما كسائر النّاس، والحيوانات. وانظر: ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (آل عمران).
هذا؛ و (المسيح) لقب عيسى، على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام، وهو من الألقاب المشرّفة كالصدّيق لأبي بكر، ﵁، والفاروق لعمر ﵁، قال ابن عبّاس ﵄: سمّي عيسى: مسيحا؛ لأنّه ما مسح ذا عاهة إلا برأ منها. وقيل: لأنّه مسح بالبركة، كما حكى القرآن قوله في سورة (مريم): ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ﴾ وقيل: لأنّه مسح من الأقذار، وطهر من الذنوب. وقيل: سمّي مسيحا؛ لأنّه كان مسيح القدمين، ولا أخمص له. ولا أرتضيه؛ لأنه عيب في الرّجال، ونبينا ﷺ كان خمصان الأخمصين، وأصله بالعبرانية المشيح بالشين، كما عرّب موسى، وأصله: موشى. هذا؛ وسمّي الدجال مسيحا؛ لأنّه ممسوح العينين، وقد يكون المسيح بمعنى الكذّاب، وهو بالدّجال ألصق، وعليه تكون الكلمة من الأضداد، وبعضهم يقول في الدّجال: المسيخ بالخاء، قال الشاعر: [الرجز]
إنّ المسيح يقتل المسيحا
وأطلق على الدّجال: المسيح، بالحاء؛ لأنّه يسيح في الأرض، أي: يطوفها، ويدخل جميع بلدانها إلا مكّة، والمدينة، وبيت المقدس، فالدّجال يمسح الأرض محنة، وابن مريم
стр. 1470
يمسحها منحة، وفي حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن سمرة بن جندب-﵁-عن النبي ﷺ : أنّه سيظهر على الأرض كلّها إلا الحرم، وبيت المقدس، وأنّه يحصر المؤمنين في بيت المقدس. وذكر الحديث. وفي صحيح مسلم-رحمه الله تعالى-من قول الرسول ﷺ : «فبينما هو كذلك؛ إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق بين مهرودتين، واضعا كفّيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه؛ قطر، وإذا رفعه؛ تحدّر منه جمان كاللّؤلؤ، فلا يحلّ لكافر يجد ريح نفسه إلاّ مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه؛ حتّى يدركه بباب لدّ، فيقتله... إلخ» الحديث بطوله.
قوله: مهرودتين؛ أي: في شقتين، أو حلّتين، وقيل: الثّوب المهرود الذي يصبغ بالورس، ثم الزّعفران. والجمان بضم الجيم: حبات من الفضّة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، ولدّ بضم اللام وتشديد الدال: بلدة في فلسطين.
هذا؛ ومريم بالعبرية بمعنى: الخادم، ثم سمّي به كثير من النّساء، ومريم في لسان العرب هي التي تكره مخالطة الرّجال، ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن الكريم إلا مريم، وقد ذكرت فيه في ثلاثين موضعا. هذا وفي القاموس المحيط: المريم هي التي تحب مخالطة الرّجال، ولا تفجر، وهذا يناقض ما قبله، قال الشّاعر: [الطويل]
وزائرة ليلا كما لاح بارق... تضوّع منها للكساء عبير
فقال لها أهلا وسهلا أمريم... فقالت له: من أنت قال لها: زير
وانظر الآية رقم [٤٢] من سورة (آل عمران) ففيها كبير فائدة.
الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: وعزتي، وجلالي، ونحو ذلك. أو هي لام الابتداء. و (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كَفَرَ:﴾
فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. والجملة الفعلية جواب القسم، أو هي ابتدائية لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْمَسِيحُ:﴾ خبره. ﴿اِبْنُ:﴾ صفته، وهو مضاف، و ﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جرّه الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والتأنيث المعنوي، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الْمَسِيحُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول. والجملة الفعلية: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها صلة الموصول.
стр. 1471
﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: صلة. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أوهما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْئاً﴾ كان صفة له فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿يَمْلِكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. وقيل: الفاء عاطفة على جملة محذوفة، التقدير: قل: كذبوا، أو: ليس الأمر كذلك، فمن... إلخ، وعليه: فالمعطوف، والمعطوف عليه في محل نصب مقول القول، ولا أرى تقدير المحذوفة قويّا، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُهْلِكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿إِنَّ،﴾ والفاعل يعود إلى (الله) أيضا، والمصدر المؤول من الفعل وناصبه في محل نصب مفعول به.
﴿الْمَسِيحُ:﴾ مفعول به. ﴿اِبْنُ:﴾ صفة له، و ﴿اِبْنُ:﴾ مضاف، و ﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿وَأُمَّهُ:﴾ معطوف على: ﴿الْمَسِيحُ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محلّ نصب معطوف على: ﴿الْمَسِيحُ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من: ﴿الْمَسِيحُ﴾ وما عطف عليه، وجملة: ﴿أَرادَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائيّة، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف؛ دلّ عليه ما قبله، و ﴿إِنَّ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول؛ لأنّه مرتبط بالجملة قبله.
﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محلّ رفع معطوف على ﴿مُلْكُ﴾. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف صلة الموصول، أو صفة:
(ما) على اعتبارها موصوفة، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.
﴿يَخْلُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يخلق الذي، أو شيئا يشاؤه، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله):
مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلّقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه.
﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.
стр. 1472
﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾
الشرح: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى..﴾. إلخ: قال ابن عبّاس-﵄: خوّف رسول الله ﷺ جماعة من اليهود العقاب، فقالوا: لا نخاف، فإنّا أبناء الله، وأحباؤه، فنزلت الآية الكريمة فيهم، وفي النّصارى. وقال السّدّي-رحمه الله تعالى-: زعمت اليهود أنّ الله- -أوصى إلى إسرائيل-﵇: أنّ ولدك بكري من الولد، وقال غيره: والنّصارى قالت: نحن أبناء الله؛ لأنّ في الإنجيل حكاية عن عيسى-﵇: أذهب إلى أبي، وأبيكم. وقيل: المعنى نحن أبناء رسل الله، فهو على حذف مضاف، أو المعنى: نحن أتباع ابنيه: عزير، والمسيح، أو مقرّبون عنده قرب الأولاد من والدهم. وبالجملة: فقد كانوا، ولا يزالون يدّعون: أنّ لهم فضلا، ومزيّة عند الله على سائر الخلق.
﴿قُلْ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ : ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ أي: إن صحّ ما زعمتم؛ فلم يعذبكم بذنوبكم؟ وقد عذّبكم في الدّنيا بالقتل، والأسر، والمسخ، وتشتيت الشّمل، واعترفتم بأنّه سيعذّبكم في الآخرة بالنّار أياما معدودة بعدد الأيام التي عبد فيها آباؤكم العجل، ولا يعذّب الوالد ولده، ولا الحبيب حبيبه؛ فإذا أنتم كاذبون في دعواكم البنوة، والمحبّة. هذا؛ وقيل: معنى: ﴿يُعَذِّبُكُمْ:﴾ عذّبكم، فهو بمعنى المضي، ولا بأس به؛ إذ المعنى عليه. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: أنتم بشر من جملة المخلوقات؛ الّتي خلقها الله تعالى، ولكم ما لهم، وعليكم ما عليهم، يحاسبكم على أعمالكم، ويجازي كلاّ بما عمل.
﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ:﴾ لمن يستحقّ المغفرة بسبب توبة، أو طاعة. ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ:﴾ من يستحقّ العذاب بسبب كفره، أو إدمانه المعاصي، والمنكرات. ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ..﴾. إلخ:
انظر الآية السّابقة. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ:﴾ إليه المرجع، والمال في الآخرة يحاسب كلّ إنسان على ما قدّمت يداه. هذا؛ وبين: ﴿يَغْفِرُ﴾ و (يعذب) طباق، وهو من المحسّنات البديعيّة.
﴿الْيَهُودُ:﴾ سمّوا بذلك نسبة إلى «يهودا بن يعقوب» وهو أكبر أولاده، وقد عبّر عنهم القرآن في كثير من المواضع ب: ﴿الَّذِينَ هادُوا﴾ فهو مثل الأوّل. أو سمّوا بذلك لمّا تابوا من عبادة العجل، من: هاد بمعنى: تاب، ورجع، ومنه قوله تعالى حكاية عن قولهم في سورة (الأعراف): ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾.
هذا، وماضي: ﴿يَشاءُ:﴾ شاء، ولم يرد له، ولا ل: أراد، يريد أمر فيما أعلم، وأصل شاء شئ على فعل بكسر العين بدليل قولك: شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما
стр. 1473
قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، ومفعول: أراد؛ حتّى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ وقال الشاعر: [الطويل]
فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع
وقيّد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد: «لو» وليس كذلك. ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ﴾ إلخ: انظر مثل هذا الكلام في الآية السابقة، وكرّر للتأكيد، والتقرير.
(بشر): يطلق على الإنسان ذكرا، أو أنثى، مفردا، أو جمعا، مثل كلمة: (الفلك) تطلق على المفرد، والجمع، وسمّي بنو آدم بشرا لبدوّ بشرتهم، وهي ظاهر الجلد بخلاف أكثر المخلوقات، فإنّها مكسوة بالشّعر، أو بالصوف، أو بالرّيش. هذا. و (بشر) يطلق على المفرد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (مريم) ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ رقم [٢٦] من سورة (مريم) أيضا. ومنه ما في هذه الآية، وانظر شرح (لم) وما أشبهه في الآية رقم [٩٧] من سورة (النساء) فإنّه جيد، والحمد لله!
الإعراب: ﴿وَقالَتِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالت): فعل ماض، والتاء للتأنيث.
﴿الْيَهُودُ:﴾ فاعله. ﴿وَالنَّصارى:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَبْناءُ:﴾
خبره، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَحِبّاؤُهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿وَقالَتِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿فَلِمَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن شرط مقدّر، التقدير: إن صحّ ما زعمتم؛ فلم... إلخ. (لم): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، وقد حذفت ألف ما الاستفهامية فرقا بين الخبر، والاستخبار.
﴿يُعَذِّبُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ والجملة الفعلية في محل جزم جواب للشرط المقدّر ب «إن» و «إن» المقدرة، ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بِذُنُوبِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبره. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿بَشَرٌ﴾.
و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿خَلَقَ:﴾
فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها، والعائد والرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذين، أو: أشخاص خلقهم، والجملة الاسمية: ﴿بَلْ أَنْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي من مقول القول أيضا.
стр. 1474
﴿يَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ ومفعوله محذوف، تقديره: يغفر الذنوب.
﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: للّذي، أو لشخص يشاء مغفرته، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ..﴾. إلخ: انظر إعراب مثل هذا الكلام ومحلّه في الآية السابقة.
(إليه): جار ومجرور، متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾
الشرح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا:﴾ انظر الآية رقم [١٥]. ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: على انقطاع من الرّسل بين محمّد، وعيسى، عليهما الصّلاة والسّلام. والمعنى:
مضت للرّسل مدّة قبل محمّد ﷺ . واختلف في مقدار هذه المدّة: كم هي؟ فالمعتمد: أنّها بين عيسى، ومحمد ﷺ خمسمائة سنة وتسعا وستين. ذكره الكلبي. وقال قتادة: كانت ستمائة سنة. رواه البخاريّ عن سلمان الفارسي-﵁. وذكر ابن سعد عن عكرمة قال: بين آدم، ونوح عشرة قرون كلّهم على الإسلام، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة، فهذا ما بين آدم، ومحمد-﵉-من القرون، والسنين.
انتهى قرطبي. كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «أنا أولى النّاس بابن مريم؛ لأنّه ليس بيني وبينه نبيّ» وهذا فيه ردّ على من زعم: أنّه بعث بعد عيسى نبيّ يقال له: خالد بن سنان. والمقصود: أنّ الله بعث محمدا ﷺ على فترة من الرّسل، وطموس من السّبل، وتغيّر الأديان، وكثرة عبادة الأوثان، والنيران، والصّلبان، فكانت النّعمة به أتمّ النّعم، والحاجة إليه أمر عمم، وكان الفساد قد عمّ جميع البلاد، والطّغيان، والجهل قد ظهر في سائر البلاد إلا قليلا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين.
بالإضافة لما ذكرته في الآية السابقة من تخويف النبي ﷺ لليهود، والنصارى، وقولهم:
﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ أذكر: أنّ معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب-﵃-قالوا لهم: يا معشر اليهود اتقوا الله، فو الله إنكم لتعلمون: أنّه رسول الله! ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته. فقال رافع بن حريملة، ووهب بن يهوذا: ما قلنا هذا لكم، ولا أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيرا، ولا نذيرا من بعده، فأنزل الله الآية الكريمة ردّا عليهم.
стр. 1475
والمعنى: إنّ الله أرسل محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق بعد انقطاع الرّسل بعد عيسى في المدّة المذكورة؛ ليقطع حجّة اليهود، والنّصارى بعدم إرسال رسول بعد عيسى، ولئلا يبقى لهم عذر يعتذرون به. هذا؛ و ﴿بَشِيرٍ﴾ و ﴿نَذِيرٍ﴾ هو محمد ﷺ بشير بالجنة، والنعيم المقيم فيها لمن اهتدى، ونذير من النّار لمن كفر، وفسق، وعصى، وشقّ على ربّه العصا.
الإعراب: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [١٥]، ومفعول ﴿يُبَيِّنُ﴾ محذوف، تقديره: الدّين، أو أحكامه، وحذف لفهمه من المقام، أو تقديره: يبين لكم ما كنتم تخفون، وحذف لتقدّم ذكره في الآية السّابقة. ﴿عَلى فَتْرَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿جاءَكُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿يُبَيِّنُ﴾ المستتر. ﴿مِنَ الرُّسُلِ:﴾
متعلقان بمحذوف صفة: ﴿فَتْرَةٍ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُولُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» وعلامة نصبه حذف النون لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق والمصدر المؤول من الفعل وناصبه في محل جر بحرف جر محذوف عند الكوفيين، التقدير: لئلا تقولوا. والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (يبين)، وهو عند البصريّين في محل جر بإضافة اسم إليه واقع مفعولا لأجله، التقدير: كراهة، أو مخافة قولكم: ما جاءنا... إلخ.
وانظر الآية الأخيرة من سورة (النساء) ففيها تفصيل، وبيان، وزيادة.
﴿ما:﴾ نافية. ﴿جاءَنا:﴾ فعل ماض. و (نا) مفعول به. ﴿مِنَ:﴾ حرف جر صلة. ﴿بَشِيرٍ:﴾
فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا):
نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿وَلا نَذِيرٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾ ماض، ومفعوله. ﴿بَشِيرٍ:﴾
فاعله، والجملة الفعلية تعليل لكلام محذوف، التقدير: لا تعتذروا بقولكم: ما جاءنا... إلخ؛ لأنّه قد جاءكم بشير، والتعليل، والمعلل كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾
هو مثل الآية رقم [١٧].
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ..﴾. إلخ؛ أي: اذكر يا محمد حين قال موسى لبني إسرائيل: اذكروا نعمة الله العظمى عليكم، واشكروه عليها. قال الطّبريّ-رحمه الله تعالى-:
هذا تعريف من الله تعالى لنبيه ﷺ بتمادي هؤلاء اليهود في الغيّ، وبعدهم عن الحقّ، وسوء اختيارهم لأنفسهم، وشدّة مخالفتهم لأنبيائهم مع كثرة نعم الله عليهم، وتتابع أياديه لديهم،
следующие страницы →